Полный текст (16 344 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
ذهب إلى ساحر لفك السحر فهل له من توبة
[السُّؤَالُ]
ـ[قلبي يعتصر ألما وعقلي كاد يشت أصبحت لا أدري ما الصواب وما الخطأ أشياء كثيرة كنت أتحاشا فعلها وقعت فيها، بل أكثر من ذلك فقد فعلت أشياء أخاف أن تكون شركاً , أخاف أن يكون قد حبط عملي. أشعر بأن صلاتي , صومي, حجي , كل عمل قد يكون صالحا قد أحبط كلما قرأت قوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) قلبي يعتصر ألما والله، ما أقوله ليس من باب الرياء ولكنه حقيقة في نفسي أذهب إلى الصلاة أجر قدمي أصبحت لا أستطيع أن أفتح القرآن أشعر بأن القرآن يلعنني لأني لم أعمل بما أحفظ وحتى إذا قرأت لا أستطيع أن أكمل فأغلقه أقول لنفسي كيف أقف أمامه وأقول وإياك نستعين أين هذه الاستعانة قد كنت كلما أهمني أمر لا أتعلق إلا به سبحانه وأدعوه وألح في الدعاء كنت أشعر بأني قريب منه حتى في هذا الأمر الذي ألم بي كنت أدعوه كثيرا ولكن لم أصبر أشعر بأن الله امتحنني فما صبرت ورسبت , أشعر أن أعمالي ليست مقبولة كأن هناك صوتاً يقول لي: لم العمل وما فائدته؟ بعد الذي فعلت إذا كان كل ما تعمله ليس متقبلا وكل ما فعلته أصبح هباءً منثوراً, ما فعلته يتلخص في أني ذهبت إلى رجل ليفك لي سحراً أصبت به بعد الزواج استمر معي أكثر من شهر وأنا كاره لذلك ولكن أعطاني أشياء لا أفهمها أخذتها وأنا كاره لكل ذلك أخذتها ونفسيتي محطمة وعقلي غائب أليس هذا نوعاً من الشرك المحبط للعمل المخرج من الملة ألم يقل الرسول ﷺ : (الرقى والتمائم والتولة شرك) وقال: (من ذهب إلى عراف فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد) أخبرني والله أنا في عذاب والله في عذاب، دنياي لا حظ لي فيها كل أمنياتي فيها لم يتحقق فيها شيء وأخاف أن تكون آخرتي آخرة سوء فأكون قد خسرت كل شيء.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
إن شعورك بالذنب، وتألّم قلبك من أجله، دليل على صحة إيمانك، وطهارة نفسك، وهذا من فضل الله عليك، فإن أصحاب القلوب الحية هم الذين يتأثرون بالذنوب، ويفزعون إلى الله تائبين مستغفرين، وأما أصحاب القلوب الميتة فلا تؤثر فيهم جراحات المعاصي، كما قيل: ما لجرح بميتٍ إيلامُ.
قال الله تعالى في شأن أهل الإيمان: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) الأعراف/٢٠١.
والمعنى أنهم إذا أصابوا الذنوب، تذكروا " عقاب الله وجزيل ثوابه، ووعده، ووعيده، فتابوا وأنابوا، واستعاذوا بالله، ورجعوا إليه من قريب (فإذا هم مبصرون) أي قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه " انتهى من "تفسير ابن كثير".
فما عليك إلا أن تتوب وتستغفر، وتعلم أنك تقبل على رب رحيم، يفرح بتوبة عبده، ويتقبلها منه، ويبدل سيئاته حسنات، مهما كانت هذه السيئات.
وكأنك لا تعلم أن الله يتوب على أهل الكفر والإلحاد والبغي والفساد، إذا تابوا ورجعوا إليه، فكيف لا يتوب على أهل الإيمان إذا وقعوا في المعصية، وأصابهم الذنب، وهم المحبّون له، المقبلون عليه، الراكعون الساجدون، المتوضئون المتطهرون، علموا أنه لا يغفر ذنبهم غيرُه، ولا يجبر كسرهم سواه، فسارعوا نادمين مستغفرين، يقولون: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، فيقول الرحمن لملائكته: علم عبدي أنه لا يغفر الذنب غيري، أشهدكم أني قد غفرت له، فتذهب الأحزان، وتزول الهموم، ويعود الوصل، ويزيد الأنس، فلله ما أحلى فرحة التائبين، وما أجمل عودة المذنبين.
قال الرب الرحيم: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة/١٠٤.
وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الفرقان/٦٨- ٧٠.
وروى البخاري (٧٥٠٧) ومسلم (٢٧٥٨) عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ، أَذْنَبْتُ فَاغْفِرْ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ، أَذْنَبْتُ أَوْ أَصَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ أَصَابَ ذَنْبًا وقَالَ: رَبِّ، أَصَبْتُ أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي) .
وروى مسلم (٢٧٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ) .
فبادر بالتوبة والندم والاستغفار، وأكثر من الأعمال الصالحة، وأبشر بالخير والفلاح.
ثانيا:
من مكر الشيطان بالإنسان أن يزين له المعصية، ويوقعه فيها، ثم يقنطه من التوبة، وينصح له بالزور: كيف تعود إلى الله وقد فعلت ما فعلت؟ أما تستحي منه؟ هل تظن أنه يقبل منك؟
فربما كانت معصية الإنسان كبيرة كالزنا، فجره بذلك إلى ما هو كفر كترك الصلاة، فتأمل كيف يتلاعب الشيطان بهذا الإنسان.
وأما المؤمن فلا سبيل للشيطان عليه في هذا الباب، لأنه يعلم ما قدمنا من لزوم التوبة، وفرح الله تعالى بها، وتكريمه لأهلها، وتبديل سيئات أصحابها حسنات.
ثالثا:
لا يجوز الذهاب للسحرة والكهنة والعرافين، ولو كان ذلك لحل السحر، وهو ما يسمى بالنُّشْرة، بل السحر يعالج بالآيات القرآنية والأدعية النبوية واللجوء إلى خالق البرية ، وينظر جواب السؤال رقم (١١٢٩٠) ورقم (٤٨٩٦٧)
وقد قال النبي ﷺ : (مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) رواه مسلم (٢٢٣٠) .
وقال: (مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ رواه أحمد (٩٧٧٩) وأبو داود (٣٩٠٤) والترمذي (١٣٥) وابن ماجه (٩٣٦) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
وهذا محمول على الكفر الأصغر عند كثير من أهل العلم، إلا إذا اعتقد أن الساحر أو الكاهن يعلم الغيب.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " قوله: (فسأله؛ لم تقبل له صلاة أربعين يوما) . ظاهر الحديث أن مجرد سؤاله يوجب عدم قبول صلاته أربعين يوما، ولكنه ليس على إطلاقه؛ فسؤال العراف ونحوه ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يسأله سؤالا مجردا؛ فهذا حرام لقول النبي ﷺ : (من أتى عرافا ...) ؛ فإثبات العقوبة على سؤاله يدل على تحريمه؛ إذ لا عقوبة إلا على فعل محرم.
القسم الثاني: أن يسأله فيصدقه، ويعتبر قوله؛ فهذا كفر لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن، حيث قال تعالى: (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله) (النمل: من الآية٦٥) .
القسم الثالث: أن يسأله ليختبره: هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله؛ فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث. وقد سأل النبي ﷺ ابن صياد؛ فقال: (ماذا خبأت لك؟ قال: الدخ.
فقال: (اخسأ؛ فلن تعدو قدرك) ؛ فالنبي ﷺ سأله عن شيء أضمره له؛ لأجل أن يختبره؛ فأخبره به.
القسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمور، وهذا قد يكون واجبا أو مطلوبا.
وإبطال قول الكهنة لاشك أنه أمر مطلوب، وقد يكون واجبا؛ فصار السؤال هنا ليس على إطلاقه، بل يفصل فيه هذا التفصيل على حسب ما دلت عليه الأدلة الشرعية الأخرى " انتهى من "القول المفيد" (٢/٤٩) .
وعليه فإذا لم تعتقد أن الساحر يعلم الغيب، فقد سلمت من الكفر الأكبر والحمد لله.
وقد ذهب بعض العلماء إلى جواز حل السحر بالسحر، لكنه قول ضعيف، يفتح باب الشر، ويغري السحرة بالبقاء على باطلهم، ويشجع غيرهم على تعلم السحر بحجة نفع الناس.
وتعليق التميمة إن اعتقد فيها النفع والضر، فهذا هو الشرك الأكبر، وإن اعتقد أنها سبب، فهو شرك أصغر، وينظر السؤال رقم: (٣٤٨١٧)
نسأل الله تعالى أن يتقبل توبتك، ويغسل حوبتك، ويمحو خطيئتك، ويعافيك في دينك ودنياك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 562
بيان في قنوات السحر والشعوذة والكهانة
[السُّؤَالُ]
ـ[انتشرت هذه الأيام قنوات تدعي أنها تعالج الناس من السحر عن طريق معرفة اسم الأم ومعلومات عن الشخص المصاب، وكذلك معرفة المستقبل من خلال علم النجوم والطوالع –كما يدّعون -، فما حكم مشاهدة هذه القنوات؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد..
ما تبثه هذه القنوات من علم السحر والشعوذة والكهانة من أعظم المنكرات ومن أعظم الفساد، وإضلال الناس.
وهي علوم تقوم على الكذب والدجل ودعوى علم الغيب بما يدعونه من النظر في النجوم والطوالع كما يقولون، أو مما يتلقونه من أصحابهم من شياطين الجن، وقد لا تكون لهم خبرة في هذه العلوم الشيطانية ولكنهم يدعونها كذباً وزوراً لكسب المال..وهذه العلوم لا تروج إلا على الجهال والمغفلين وضعفاء الدين..وقد ذم الله السحر والسحرة والكّهان كما قال الله تعالى: (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) ، وقال: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) ، وقال تعالى في سحرة فرعون: (قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) وثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (من أتى كاهنا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) وجاء في السنن: (من أتى كاهناً أو عرافاً فسأله عن شيء فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) وسواء ذهب السائل إليهم ببدنه أو اتصل عليهم بواسطة الهاتف الحكم واحد. وعلى هذا فيجب الحذر من مشاهدة هذه البرامج فمشاهدتها ولو لمجرد الفرجة حرام وأما الاتصال على أصحاب هذه البرامج لسؤالهم ففيه الوعيد المتقدم. ويجب على أولياء أمور الأسر منعهم من مشاهدتها أو الاتصال على هؤلاء السحرة والمشعوذين، فقد قال ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) ، وقال ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه..) . ويجب على المسلمين التناصح والحذر والتحذير من التواصل مع هذه القنوات التي هَمَّ أصحابها كسب المال ولو من الحرام.. بل وأكثرهم يقصد الفساد والإفساد، فنقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.
الموقعون:
فضيلة الشيخ / عبد الرحمن بن ناصر البراك.
فضيلة الشيخ / عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين.
فضيلة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله الراجحي.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 563
إبليس ليس من الملائكة
[السُّؤَالُ]
ـ[صديقي قال بأن الشيطان كان من الملائكة وزوجتي تقول بأن هذا غير صحيح. هل يمكن أن تعطيني بعض المعلومات؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يكن إبليس من الملائكة قطعاً، ويدل على ذلك أشياء ثلاثة:
تصريح القرآن، وصفات إبليس الخَلقية، وصفاته الخُلُقية.
١. أما تصريح القرآن بذلك، فقد جاء في قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن﴾ الكهف /٥٠.
قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر.
رواه الطبري بإسناد صحيح كما قال ابن كثير في " تفسيره " (٣/٨٩) .
٢. وأما الصفات الخَلقية، فقد ذكر الله تعالى أنه خلق إبليس من نار، فقال ﴿خَلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار﴾ الرحمن / ١٤،١٥. وثبت في صحيح مسلم (٢٩٩٦) من حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، قال: " خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم ".
المارج لهب النار الصافي، أو الذي خالطه الدخان، (تفسير السعدي ٧/٢٤٨) ، (لسان العرب ٢/٣٦٥)
فتبين الفرق بين خلق الملائكة وبين خلق إبليس، فعلم قطعاً أنه ليس منهم.
٣. وأما الصفات الخُلُقية، فإن إبليس قد عصى الله تعالى في عدم سجوده لآدم، وقد علِمنا من القرآن أن الملائكة لا يمكن لهم أن يعصون الله تعالى، قال الله ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ التحريم / ٦.
وقد ورد عن بعض السلف آثار غير صحيحة منها أنه طاووس الملائكة، وأنه من خزنة الجنة..الخ، وقد علَّق على ذلك الإمام ابن كثير فقال:
وقد رُوي في هذا آثار كثيرة عن السلف وغالبها من الإسرائيليات التي تُنقل لينظر فيها والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يُقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذي ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دونوا الحديث وحرروه وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين وغير ذلك من أصناف الرجال كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس منه فرضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم. أ. هـ " تفسير القرآن العظيم " (٣/٩٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 564
القراءة على الماء للرقية وتسخينه لبرودة الجو
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب مسلم مصاب بنوع من أنواع السحر؛ فيما يخص الرقية بالقرآن فهل بإمكاني قراءة الآيات القرآنية بنفسي على الماء , وهل يجب التجرد من كل الملابس عند الاغتسال , وأخيرا هل يجوز تسخين الماء قليلا لبرودة الجو؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نسأل الله تعالى أن يشفيك ويعافيك ويصرف عنك ما تجد.
ثانيا:
يجوز أن تقرأ على الماء، وتشرب منه وتغتسل، وقد سبق بيان هذا وبيان ما يقرأ لعلاج السحر في الجواب رقم (١٢٩١٨)
وما أشرت إليه من القراءة بنفسك على الماء، وفي صحيح البخاري (٥٧٣٥) ومسلم (٢١٩٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْتُ أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا.
[قال معمر] فَسَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ كَيْفَ يَنْفِثُ قَالَ كَانَ يَنْفِثُ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وقوله: " في المرض الذي مات فيه "، ليس قيدا في ذلك؛ وإنما أشارت عائشة إلى أن ذلك وقع في آخر حياته، وأن ذلك لم ينسخ. اهـ
ثالثا:
لا يجب التجرد من الملابس حال الغسل، سواء كان غسلا للرقية أو كان غسلا من الجنابة ونحوها، والمعتبر هو وصول الماء إلى الجسد.
وقد كان عثمان ﵁ يغتسل دون أن ينزع ثوبه، لشدة حيائه ﵁. رواه أحمد (٥٤٣) بإسناد حسن.
وقد ترجم الإمام البخاري في كتاب الغسل من صحيحه: بَاب: مَنْ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الْخَلْوَةِ، وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ. وَقَالَ بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: " ودل قوله أفضل على الجواز [يعني: جواز أن يغتسل عريانا] ، وعليه أكثر العلماء " انتهى.
ولا حرج في تسخين الماء، والقراءة عليه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 565
الاتصال على برامج السحرة والكهنة لطلب الرقية
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي أخت كبيره عمرها ٢٧عاما هي لم تتزوج لحد الآن، مع العلم أنها جميله ومتعلمة ومحافظة على فروض دينها وسننه، وكانت تعمل في مجال مختلط مع العلم بأنها طبيبه ولكنها محجبة لا يبدو منها غير عينيها ويديها عند ضرورة العلاج وجاء شيخ وقرأ عليها لم يكن معها أي عله وطلب منها الشيخ أن تقرا بعض الآيات القرآنية ولكن لحد الآن ودون جدوى عندما يأتي أحد ليخطبها يحصل هناك نوع من الاضطراب في البيت وكأننا مسحورين ماذا افعل؟ وهناك سؤال آخر: أن هناك بعض القنوات الفضائية تعرض برامج، يتصل عليهم المشاهدون فيطلب المقدم منهم ذكر اسم أحد الوالدين أو الزوج وغيرها أو الحروف الأولى من الاسم وبعده يقول للمتصل أن يقرأ بعض الآيات القرآنية التي تفيدهم مع العلم أن المقدم يعلم علة المتصل إذا أخبره باسمه أو اسم أحد والديه فما حكم هذه القنوات بالتفصيل]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
تأخر الزواج قد يكون لأسباب عادية، إذ ليس كل امرأة يستريح لها الخاطب ولو كانت جميلة، والأمر كله بتقدير الله تعالى، يقدم من يشاء ويؤخر من يشاء، لا معقب لحكمه سبحانه.
وقد يكون ذلك لسبب آخر من سحر أو عين، وعلاج ذلك يكون بالرقية الشرعية، والمواظبة على الطاعات، وترك الذنوب والمعاصي، والمداومة على الذكر، ومن ذلك: أذكار الصباح والمساء، والنوم والاستيقاظ، ودخول المنزل والخروج منه، والأكل والشرب، وقراءة سورة البقرة في البيت كل ثلاث ليال مرة، وراجع السؤال رقم (١٢٩١٨) و (٦٥٣٠)
ثانيا:
لا يجوز الاتصال على البرامج المذكورة لأن القائمين عليها من السحرة والكهنة الذين لا يجوز إتيانهم ولا سؤالهم، لقوله ﷺ : (مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) رواه مسلم (٢٢٣٠) .
وفي مسند الإمام أحمد (٩٢٥٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٩٣٩) .
والعراف، قال بعض العلماء: هو من يخبر عن الأمور الماضية بأشياء يستدل بها. وقيل: العراف هو الكاهن، وهو الذي يخبر عن الغيبيات في المستقبل.
وكلاهما تتنزل عليهم الشياطين، ولهذا يسألون الشخص عن اسم أمه، ليخبرهم الجن بحاله وماضيه.
فالحذر الحذر من سؤالهم، أو الاغترار بحالهم، ولو قرؤوا القرآن، لأنهم يفعلون ذلك حيلة وتلبيسا على الناس، وإلا فهم من أكفر الناس بالقرآن، يضعونه في النجاسات والقاذورات، ومن صلى منهم صلى للجان، لا للرحمن، لأن الجن لا يطيعهم ولا يخدمهم إلا بهذا الكفر العظيم، وبغيره من صور الكفر. (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) الشعراء/٢٢١-٢٢٢
وقد انتشر هؤلاء السحرة عبر هذه البرامج، وخفي حالهم على كثير من الناس، وانخدعوا بما يذكرونه أحيانا من أمور الدين، وهم دجالون مبطلون، يفرقون بين المرء وزوجه، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم.
نسأل الله لنا ولكم العافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 566
لا يجوز حل السحر بالسحر
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز الذهاب إلى ساحر من أجل حل السحر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز حل السحر بالسحر، وإنما يحل السحر بالقرآن الكريم والأدعية النبوية، والأدوية المباحة.
أما السحر فهو كفر وردة وخروج عن الإسلام، فلا يجوز فعله، ولا الذهاب إلى الساحر طلباً للشفاء، وقد سئل النبي ﷺ عن النشرة وهي حل السحر، فَقَالَ: (هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) رواه أبو داود (٣٨٦٨) وصححه الألباني.
قال ابن القيم في "فتاوى إمام المفتين" (ص٢٠٧، ٢٠٨) :
" والنشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل سحر بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، فإن السحر من عمله، فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.
والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة، فهذا جائز، بل مستحب " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "القول المفيد" (٢/٧٠) :
"وهذا الحديث بيَّن فيه الرسول ﷺ حكم النشرة، وأنها من عمل الشيطان، وهذا يغني عن قوله إنها حرام، بل هذا أشد من قوله إنها حرام، لأن ربطها بعمل الشياطين يقتضي تقبيحها، والتنفير عنها، فهي محرمة " انتهى.
وبعد هذا النص الواضح البين من رسول الله ﷺ فلا قول لأحد، كائناً من كان.
ولا يجوز أن ينصب الخلاف بين الرسول ﷺ وبين رأي عالم أو فقيه، قال ابن القيم ﵀:
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
وقد حكى بعض أهل العلم عن سعيد بن المسيب ﵀ أنه يرى جواز حل السحر بالسحر للضرورة، وكلام ابن المسيب ﵀ ليس صريحا في جواز حل السحر بالسحر، بل يحتمل أنه أراد حله بالطرق المباحة، ومع ذلك فقد أجاب الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن هذا بقوله في " القول المفيد " (٢/٧٣) : " ولكن على كل حال حتى ولو كان ابن المسيب، ومن فوق ابن المسيب ممن ليس قوله حجة يرى أنه جائز، فلا يلزم من ذلك أن يكون جائزاً في حكم الله حتى يعرض على الكتاب والسنة، وقد سُئل الرسول ﷺ عن النشرة، فقال: (هي من عمل الشيطان) " انتهى.
وقد فهم بعضهم من تجويز الإمام أحمد للنشرة أنه أجاز حل السحر بالسحر، وإنما كلامه ﵀ في الرقية الشرعية المباحة.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في "تيسير العزيز الحميد" (٤١٩) : "وكذلك ما روي عن الإمام أحمد من إجازة النشرة، فإنه محمول على ذلك -أي النشرة بالرقية الشرعية- وغلط من ظن أنه أجاز النشرة السحرية، وليس في كلامه ما يدل على ذلك، بل لما سئل عن الرجل يحل السحر قال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل: إنه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه، فنفض يده وقال: لا أدري ما هذا! قيل له: أفترى أن يؤتى مثل هذا؟ قال: لا أدري ما هذا. وهذا صريح في النهي عن النشرة على الوجه المكروه، وكيف وهو الذي روى الحديث (أنها من عمل الشيطان) ، لكن لما كان لفظ النشرة مشتركا بين الجائزة والتي من عمل الشيطان ورأوه قد أجاز النشرة ظنوا أنه قد أجاز التي من عمل الشيطان، وحاشاه من ذلك" انتهى.
وقد صرح كثير من العلماء بتحريم حل السحر بالسحر، وأن الضرورة لا تبيح ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والمسلمون وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير، فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال، لأن ذلك محرم في كل حال، وليس هذا كالتكلم به عند الإكراه، فإن ذلك إنما يجوز إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان، والتكلم به إنما يؤثر إذا كان بقلب صاحبه، ولو تكلم به مع طمأنينة قلبه بالإيمان لم يؤثر، والشيطان إذا عرف أن صاحبه مستخف بالعزائم لم يساعده، وأيضا فإن المكره مضطر إلى التكلم له ولا ضرورة إلى إبراء المصاب به لوجهين:
أحدهما: أنه قد لا يؤثر أكثر مما يؤثر من يعالج بالعزائم، فلا يؤثر، بل يزيده شراً.
والثاني: أن في الحق ما يغني عن الباطل " انتهى من "مجموع الفتاوى" (١٩/٦١) .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: " قال بعض الحنابلة: يجوز الحل بسحر للضرورة ٠ والقول الآخر أنه لا يحل، وهذا الثاني هو الصحيح....... والسحر حرام وكفر، أفيعمل الكفر لتحيا نفوس مريضة أو مصابة! " انتهى من "فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم" (١/١٦٥)
وقال الشيخ محمد الأمين المختار الشنقيطي: " التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه في هذه المسألة: أن استخراج السحر إن كان بالقرآن كالمعوذتين، وآية الكرسي، ونحو ذلك مما تجوز الرقية به فلا مانع من ذلك، وإن كان بسحر أو ألفاظ أعجمية أو بما لا يفهم معناه، أو بنوع آخر مما لا يجوز فإنه ممنوع، وهذا واضح، وهو الصواب إن شاء الله تعالى كما ترى " انتهى من "أضواء البيان" (٤/٤٦٥)
وسئل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ عن حكم علاج السحر بالسحر عند الضرورة؟
فأجاب: "لا يجوز علاج السحر بالسحر، لأن النبي ﷺ سئل عن النشرة فقال: (هي من عمل الشيطان) . والنشرة هي حل السحر بالسحر؛ ولأن حلها بالسحر يتضمن دعوة الجن والاستعانة بهم، وهذا من الشرك الأكبر؛ ولهذا أخبر الله سبحانه عن الملكين أنهما يقولان لمن يريد التعلم منهما ما نصه: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) البقرة/١٠٢، وقبلها قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) البقرة/١٠٢. ثم قال سبحانه: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الأخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) البقرة/١٠٢،١٠٣.
وفي هاتين الآيتين تحذير من تعلم السحر وتعليمه من وجوه كثيرة، منها: أنه من عمل الشيطان، ومنها: أنّ تعلمه كفر ينافي الإيمان، ومنها: أنه قد يحصل به التفريق بين المرء وزوجه، وهذا من أعظم الظلم والفساد في الأرض، ومنها: أنه لا يقع شيء من الضرر ولا غيره إلا بإذن الله، والمراد بالإذن هنا الإذن الكوني القدري، ومنها: أن هذا التعلم يضرهم ولا ينفعهم، ومنها: أن من فعله ليس له عند الله من خلاق ٠ والمعنى: ليس له حظ ولا نصيب من الخير ٠ وهذا وعيد عظيم يوجب الحذر من تعلم السحر وتعليمه، ومنها: ذمه سبحانه من تعاطي هذا السحر بقوله تعالى: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ) والمراد بالشراء هنا البيع ٠٠ ومنها: إخباره سبحانه أن هذا العمل ينافي الإيمان والتقوى ٠
وبهذه الوجوه يظهر لكل مسلم شدة تحريم تعلم السحر وتعليمه، وكثرة ما فيه من الفساد والضرر، وأنه مع هذا كفر بعد الإيمان، وردة عن الإسلام، نعوذ بالله من ذلك ٠ فالواجب الحذر من ذلك، وأن يكتفي المسلم بالعلاج الشرعي وبالأدوية المباحة بدلاً من العلاج بما حرمه الله عليه شرعاً، والله ولي التوفيق " انتهى. "مجلة الدعوة" – تاريخ ١٠ / ١١ / ١٤١٤ هـ ٠
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عن حكم النشرة.
فأجاب: "حل السحر عن المسحور (النشرة) الأصح فيها أنها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن تكون بالقرآن الكريم والأدعية الشرعية والأدوية المباحة، فهذه لا بأس بها لما فيها من المصلحة وعدم المفسدة، بل ربما تكون مطلوبة لأنها مصلحة بلا مضرة ٠
القسم الثاني: إذا كانت النشرة بشيء محرم كنقض السحر بسحر مثله؛ فهذا موضع خلاف بين أهل العلم: فمن العلماء من أجازه للضرورة.
ومنهم من منعه لأن النبي ﷺ سئل عن النشرة فقال: (هي من عمل الشيطان) رواه أبو داود وإسناده جيد. وعلى هذا يكون حل السحر بالسحر محرما، وعلى المرء أن يلجأ إلى الله بالدعاء والتضرع لإزالة ضرره والله يقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّى فإني قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعي إِذَا دَعَانِ) ويقول الله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ) والله الموفق " "فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١/٢٣٨،٢٣٩) .
وسئلت اللجنة الدائمة عن حكم حل السحر بسحر مثله، فأجابت:
"لا يجوز ذلك، والأصل فيه ما رواه الإمام أحمد وأبو داود بسنده عن جابر ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ عن النشرة فقال: (هي من عمل الشيطان)
وفي الأدوية الطبيعية، والأدعية الشرعية، ما فيه كفاية: (فإن الله ما أنزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله) ، وقد أمر رسول الله ﷺ بالتداوي، ونهى عن التداوي بالمحرم، فقال ﷺ : (تداووا ولا تتداووا بحرام) ، وروي عنه ﷺ أنه قال: (إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام) " انتهى ٠
"فتاوى مهمة لعموم الأمة" (١٠٦،١٠٧)
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله:
"لا يجوز حل السحر بسحر مثله، وذلك بأن يطلب من الساحر نفسه أن يبطل عمله الذي هو السحر، فإن في ذلك إقراراً له، وإبقاء لعمله، مع أن الواجب قتله متى عرف وتحقق أنه ساحر، فإن حده ضربة بالسيف، وكذا لا يجوز الذهاب إلى ساحر آخر لطلب حل ذلك السحر لما في ذلك من إبقائه وتقريره الذي هو كرضى بفعله " انتهى.
وسئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله عن حكم حل السحر بسحر مثله فأجاب:
"أما قضية حل السحر بسحر مثله فقد نص كثير من العلماء على أن ذلك لا يجوز، لأن التداوي إنما يكون بالحلال والمباح، ولم يجعل الله شفاء المسلمين فيما حرم عليهم، وقال النبي ﷺ : (تداووا ولا تداووا بحرام)
وعن ابن مسعود ﵁ قال: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) ، ومن أعظم المحرمات السحر فلا يجوز التداوي به ولا حل السحر به، وإنما السحر يحل بالأدوية المباحة وبالآيات القرآنية والأدعية المأثورة، هذا الذي يجوز حل السحر به " انتهى من "المنتقى من فتاوى فضيلة الشيخ صالح الفوزان" (٢/١٣٢،١٣٣) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 567
الشرك الأصغر هل يدخل تحت المشيئة
[السُّؤَالُ]
ـ[لي زميل في العمل وأثناء الحديث معه أخبرنا بأن لديه حجابا أخذه من ناس يقولون إنهم شيوخ معالجون من نفس المنطقة يقول مكتوب به آية الكرسي ووضعه في جلد ويربطه على وسطه فدار بيننا حوار أنا وهو ومجوعة من الزملاء وناصحناه بحرق الكتاب أو أن يأتي به لأحد الأشخاص الموثوقين لفكه والنفث عليه فرفض بحجة أنهم شيوخ وأن هذا الشيء ما يقدر يطلع عليه أحد وأنه مفيد فما كان مني إلا أن قلت له من باب تخويفه بالله (والله لو مت وهو معك لتدخل النار) وبصراحة بعدما قلتها ندمت وخفت أن الله يحبط عملي مثل الرجل الذي قال لأحد العصاة والله لا يغفر الله لك فقال الله تعالى (من ذا الذي يتألى علي فقد غفرت له وأحبطت عملك) وأنا الآن خائف من هذا الشيء أرجو إفادتي بماذا يجب علي فعله جزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا يجوز تعليق التمائم ولو كانت من القرآن الكريم، لعموم قوله ﷺ : (مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ) رواه أحمد (١٧٤٤٠) وحسنه شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند.
وقوله ﷺ : (مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ) والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع.
والتمائم إذا كانت من القرآن، فهي مما اختلف فيه العلماء، والراجح المنع، لعموم الأدلة، وسدا للذريعة، ولما في ذلك من الامتهان غالبا، إذا هذه التميمة ينام بها صاحبها، ويدخل بها الخلاء، ونحو ذلك.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٢١٢) : " اتفق العلماء على تحريم لبس التمائم إذا كانت من غير القرآن، واختلفوا إذا كانت من القرآن، فمنهم من أجاز لبسها ومنهم من منعها، والقول بالنهي أرجح لعموم الأحاديث ولسدِّ الذريعة " انتهى.
وقد سبق تفصيل ذلك في السؤال (١٠٥٤٣) .
وهذا كله إذا سلمنا أن الحجاب المسئول عنه ليس فيه إلا آية الكرسي أو نحوها من كلام الله ، وإلا فقد يكون فيه سحر وكفر، والعجيب أن السحرة يضعون كلام الله تعالى مع كفرهم وباطلهم، حتى يروج إفكهم، وينخدع الناس بهم.
وربما يظهر من حرص زميلك على ألا يطلع على الحجاب أحد، وما رد عليكم حينما طلبتم الحجاب للاطلاع على ما فيه، أو القراءة عليه، ربما يظهر من ذلك أن صاحبك إما جاهل بما في الحجاب حقيقة، أو أنه يعلم أنه الحجاب ليس خالصا لكلام الله .
وعليه فالواجب نصح زميلك هذا، وتحذيره من تعليق ما لا يعلم بداخله، بل من تعليق التمائم كلها.
وقوله: إنه ما يقدر أحد أن يطلع عليه، ليس صحيحا، بل هذا من دجل السحرة والمشعوذين وتخويهم للناس حتى لا يطلع على ما في تمائمهم من أسماء الشياطين، أو الكتابة التي لا معنى لها.
ثانيا:
وأما قولك: (والله لو مت وهو معك لتدخل النار) فإن كان مرادك أن من فعل ذلك فهو مستحق للنار، بحسب ما بلغك من نهي النبي ﷺ عن ذلك، ووعيده لمن فعله بالنار، مع علمك بأننا لا نقطع لأحد ـ على وجه التعيين ـ بجنة ولا نار، إلا بنص من الوحي، وأن عصاة الموحدين في مشيئة الله تعالى، إن شاء عذبهم، وإن شاء عفا عنهم؛ إن كان هذا مرادك، فلا حرج عليك فيه إن شاء الله.
وهكذا إن كنت تريد أن تهدده بعاقبة من يتهاون في مثل ذلك، ويصر على فعله، فلا حرج عليك فيه إن شاء الله.
وفي مسند الإمام أحمد (١٩٤٩٨) عَنِ الْحَسَنِ قَالَ أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبْصَرَ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً أُرَاهُ قَالَ مِنْ صُفْرٍ فَقَالَ: (وَيْحَكَ مَا هَذِهِ قَالَ مِنْ الْوَاهِنَةِ قَالَ أَمَا إِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا انْبِذْهَا عَنْكَ فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا)
[ضعفه الألباني في الضعيفة ١٠٢٩] .
وفي سنن أبي داود (٤٦٦٩) عَنْ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: (أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ لَهُ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ الْقَدَرِ فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي قَالَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ قَالَ ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ)
صححه الألباني في صحيح الجامع (٥٢٤٤) .
قال القاري في قوله: (.. لدخلت النار) : يحتمل الوعيد ويحتمل التهديد!!
انتهى من تحفة الأحوذي.
وأما إن كان مرادك القطع على هذا الشخص المعين بأنه من أهل النار لأجل فعله هذا، فهذا خطأ منك؛ فنحن لا نشهد لمعين بجنة ولا نار، إلا من شهد له النص بذلك.
تنبيه: تعليق التميمة قد يكون شركا أصغر، وقد يكون أكبر بحسب حال مستعملها، فإن اعتقد أنها تنتفع وتضر بذاتها، فهذا شرك أكبر، وإن اعتقد أنها سبب، فهذا شرك أصغر؛ لأنه جعل ما ليس سببا سببا، والشرك الأصغر إن مات عليه صاحبه دون توبة، فهل يدخل تحت المشيئة، أم لا يغفر كالأكبر، قولان لأهل العلم.
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: " هل قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) يشمل الشرك الأصغر؟
فأجاب قائلا: اختلف في ذلك أهل العلم: فمنهم من قال: يشمل كل شرك ولو كان أصغر كالحلف بغير الله فإن الله لا يغفره، وأما بالنسبة لكبائر الذنوب كالخمر والزنى فإنها تحت المشيئة إن شاء الله غفرها وإن شاء أخذ بها.
وشيخ الإسلام اختلف كلامه، فمرة قال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ومرة قال: الذي لا يغفره الله هو الشرك الأكبر.
وعلى كل حال يجب الحذر من الشرك مطلقا؛ لأن العموم يحتمل أن يكون داخلا فيه الأصغر لأن قوله: (أَن يُشْرَكَ بِهِ) أن وما بعدها في تأويل مصدر تقديره " إشراكا به " فهو نكرة في سياق النفي فتفيد العموم " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ﵀" (٢/٢٠٣) .
وأما ما يلزمك فهو التوبة إلى الله تعالى من تساهلك في مثل هذه الإطلاقات، وعدم العودة إلى ذلك مستقبلا.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 568
مصابة بالمس ويتكلم الجني على لسانها ويرفض الخروج منها
[السُّؤَالُ]
ـ[بنت خالتي متلبسة بجني يتكلم على لسانها بصوت رجل ويقول إنه لن يخرج لأنه يحبها، وذهبنا بها للرقية كثيراً، وكل مرة يتكلم ويقول إنه لن يخرج. فماذا تفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نسأل الله تعالى أن يذهب عن ابن خالتك ما تجد، وأن يعافيها، ويصرف عنها ذلك الجني، إنه سميع مجيب.
ثانيا:
علاج هذه الحالة وغيرها يكون بالرقية الشرعية، من قبل المريض نفسه، أو من يعالجه، وهي نافعة بإذن الله تعالى، لكن قد تحتاج إلى تكرار، وأمور مساعدة، ونحن نذكر لك أهم هذه الأمور:
١- مواظبة المريض على أذكار الصباح والمساء والنوم، والأكل والشرب، ودخول البيت والخروج منه، والإكثار من الذكر بصفة عامة، وأعظم الذكر قراءة القرآن، وآكد ما يقرأ منه المعوذات والفاتحة وسورة البقرة وآية الكرسي. وكلما واظب المريض على الذكر، ضعف أثر الشيطان عليه، وأمكن إخراجه بالرقية.
٢- أن تكون الرقية على يد صالح متمسك بالسنة، بعيد عن البدع، والشعوذة والسحر.
٣- أن يكثر المريض من اللجوء إلى الله تعالى وسؤاله، فإنه سبحانه يجيب دعوة المضطر، ويكشف السوء، كما قال: (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) النمل/٦٢.
لا سيما إذا كان الدعاء في أوقات الإجابة، كما بين الأذان والإقامة، وفي السحر، وفي الساعة الأخيرة بعد عصر يوم الجمعة، وعند فطر الصائم، وفي السفر.
٤- المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها.
٥- التوبة إلى الله تعالى من الذنوب والمعاصي التي هي سبب تسلط الشيطان على الإنسان.
٦- تطهير البيت من المواد التي يحبها الشيطان، كالصور، والكلاب، والغناء والموسيقى.
وتخيل هذا الشيطان الذي ضُيق عليه، فلا طعام ولا شراب، ولا متعة، قد حُرم ذلك بالتسمية على الطعام والشراب، وبإخراج ما يحب من البيت، هل يحرص على البقاء؟
ولمعرفة الرقية الشرعية وآدابها، انظر السؤال رقم (١٢٩١٨) (١١٢٩٠) (٣٤٧٦) (١١٠٢٦) (٢١٥٨١) والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 569
علاج المحبوس عن زوجته
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا حديث العهد بالزواج وقد عقدت على زوجتي وقبل الدخول بزوجتي كانت الأمور على أحسن ما يرام، لكن منذ فترة وجيزة انقلبت الأمور وأصبحت وكأني محبوس عن زوجتي بحيث عندما أريد أن أجامعها أصاب بعدم الانتصاب مما يعيق عملية الجماع، ولا أدري هل أنا مسحور أم زوجتي؟ وأنا لست متأكدا من هذا الأمر ولهذا أريد من فضيلتكم أن تدلوني على عمل من الكتاب السنة بأن يرفع عني الله هذا البلاء، لأنه قد أثر هذا الأمر بشكل كبير على حياتنا الزوجية فأصبحت أفكر في هذا الأمر يوميا وأثر بشكل كبير على نفسيتي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
على المسلم أن ينظر إلى هذه الابتلاءات والمحن التي تمر به على أنها خير من الله تعالى ورحمة، يكفر الله بها من ذنوبه وخطاياه، ويرفع درجاته، ويختبر بها صبره وإيمانه، وليستحضر دائماً قول الرسول ﷺ : (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) رواه مسلم (٢٩٩٩) .
ثانياً:
هذا الذي أصابك يحتمل أن يكون بسبب شياطين الجن إما عن طريق سحر أو مس، وهذا دواؤه سهل إن شاء الله تعالى: وذلك بالرقية الشرعية، وقد ذكر العلماء أن الرجل إذا حبس عن جماع زوجته يعالج بالرقية التالية:
" يأخذ سبع ورقات من السدر الأخضر، فيدقها بحجر أو نحوه، ويجعلها في إناء، ويصب عليه من الماء ما يكفيه للغسل، ويقرأ فيها:
١- سورة الفاتحة.
٢- آية الكرسي، وهي قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم) البقرة/٢٥٥.
٣- آيات من سورة الأعراف، وهي قوله تعالى: (قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون) الأعراف/٠٦-١٢٢.
٤- آيات من سورة يونس، وهي قوله تعالى: (وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون) يونس/٧٩ –٨٢.
٥- آيات من سورة طه، وهي قوله : (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى) طه/٦٥-٦٩.
٦- سورة الكافرون.
٧- سورة الإخلاص والمعوذتين وهما: سورة الفلق والناس (ثلاث مرات) .
٨- بعض الأدعية الشرعية مثل: (اللهم رب الناس، أذهب البأس اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً) ثلاث مرات، وإذا قرأ مع ذلك: (باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك) ثلاث مرات، فهذا طيب " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀" (٨/١٤٤) .
مع أهمية المحافظة على طاعة الله تعالى والبعد عن معصيته، والمداومة على قراءة القرآن وذكر الله، كالأذكار الواردة عن النبي ﷺ في الصباح والمساء، وعند الأكل والشرب وبعد الفراغ منه، وعند الخروج من البيت، ودخوله وعند النوم والاستيقاظ....إلخ.
ولزيادة الفائدة راجع جواب السؤال (١٢٩١٨) و (٦٥٣٠) .
نسأل الله لكما الشفاء والعافية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 570
يعاني من وسواس العين
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا أعجب أحدهم بشيء وذكر الله , هل ممكن أن يصاب بالعين؟ وإذا كان أحدهم يشك بذلك الأمر , وهذا يضيق عليه حياته الاجتماعية كثيرا، وأصبح يخاف من أن ينظر إلى الأشياء أو الأشخاص , علما أنه لا يحسد الناس على ما عندهم، ولا يحب الأذى لغيره أبدا والله، ويقرأ القرآن، ويذكر الله دائما. أرجو المساعدة في فك هذا الكرب عن أخيكم المسلم. جزاكم الله كل خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لِلَّه
أسأل الله تعالى أن يفرج كربك ويزيل همك.
واعلم أخي السائل الكريم أن الشريعة لا تجيء بالحرج أبدا، بل من أهم مقاصدها رفع الحرج عن الناس.
قال : (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) المائدة/٦
ولا يجوز للمسلم أن يجاري الشيطان لتصير حياته شكا ووسواسا وريبة، فإنه إن فعل ذلك خسر في دنياه ولم يكسب في آخرته، ومثل هذه الوساوس إنما هي من مكائد الشيطان اللعين، يريد أن يحزن الذين آمنوا، ويريد أن يشق عليهم، والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.
فالواجب عليك أخي الكريم قطع جميع هذه الوساوس، وعدم الالتفات إلى ظنون السوء، ويكفيك أن تأتي بالذكر المشروع عند رؤية الشيء الحسن، والله يدفع عنه العين أو الحسد، ولا يمكن أن يجتمع ذكر الله مع العين والحسد أبدا.
عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن النبي ﷺ قال:
(أَلَا بَرَّكْتَ، فَإِنَّ العَينَ حَقٌ)
رواه مالك في "الموطأ" (٢/٩٣٨) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٦/١٤٩)
قال الزرقاني في شرح الموطأ (٤/٣٢٠) : " أي: قلت بارك الله فيك، فإن ذلك يبطل المعنى الذي يُخاف من العين، ويُذهب تأثيره " انتهى.
وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إِذَا رَأَى أَحَدُكُم مِن نَفسِهِ وَأَخِيهِ مَا يُعجِبُهُ فَلْيَدعُ بِالبَرَكَةِ، فَإِنَّ العَينَ حَقٌّ)
رواه الحاكم في "المستدرك" (٤/٢٤٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بذكر البركة. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٥٥٦)
جاء في "الموسوعة الفقهية" (١٣/٣١) :
" فيه دليل على أنّ العين لا تضرّ ولا تعدو إذا برّك العائن، فالمشروع على كلّ من أعجبه شيء أن يبرّك، فإنّه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة، والتّبرّك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهمّ بارك فيه.
وقال النّوويّ يستحبّ للعائن أن يدعو لمعيّن بالبركة، فيقال: اللهمّ بارك ولا تضرّه.
ويقول: ما شاء الله لا قوّة إلّا بالله " انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١٠/٢٠٥) :
" الذي يعجبه الشيء ينبغي أن يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه " انتهى.
وفي "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٥٤٧) :
" وأما العلاج للعائن فإذا رأى ما يعجبه فليذكر الله وليبرك " انتهى.
ويقول الشيخ الفوزان في "المنتقى" (١/سؤال رقم ٨٧) :
" فإذا خشي العائن أن يضر المنظور؛ فإنه يقول: اللهم بارك عليه!! وكذلك يُستحَبُّ له أن يقول: ما شاء الله لا قوَّة إلا بالله؛ لأنه رُويَ عن هشام بن عروة عن أبيه؛ أنه كان إذا رأى شيئًا يُعجِبُهُ، أو دَخلَ حائطًا من حِيطانِهِ؛ قال: ما شاء الله لا قُوَّةَ إلا بالله.
فإذا لازم العائن هذا الذكر؛ فإنه يدفع ضرره بإذن الله " انتهى.
وجاء في فتاوى الشيخ عبد الكريم الخضير (٥) :
" لا ينبغي للمسلم أن تساوره الشكوك والأوهام والظنون والخوف الزائد من العين فيصاب بأمراض نفسية وغيرها، وليحسن الظن بالله ، وليعلم أن ما أصابه لم يكن إلا بقدر الله ﵎، فليلجأ إلى الله ؛ لأنه وحده سبحانه القادر على كشف الضر ورفع البلاء " انتهى.
فإذا رأيت شيئا يعجبك أخي الكريم فادع الله له بالبركة، ثم لا تلتفت إلى غير ذلك، فإن الله يحفظه بدعائك، ويرد عنه كل سوء، ولا تترك نفسك في مخاوفها، فإن الله لا يرضى ذلك لعباده، مع مجاهدة نفسك على النظر إلى تقدير الله تعالى في كل أمر، وأن له الحكمة البالغة سبحانه فيما أعطى ومنع، وخفض ورفع، لا معقب لحكمه، ولا مبدل لكلماته سبحانه.
وتذكر دائما ـ يا عبد الله ـ أن أمر الدنيا وما فيها أحقر من أن نتحاسد أو نتعادى من أجله، كما قال المتنبي:
وَمُرادُ النُفوسِ أَصغَرُ مِن أَن نَتَعادى فيهِ وَأَن نَتَفانى
وإلى ذلك الإشارة في قول النبي ﷺ : (علامَ يقتلُ أحدُكم أخاه) رواه الإمام مالك (١٧٤٦) أحمد (١٥٥٥٠) وغيرهما.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 571
ذهبت إلى العراف ليدلها على السارق فاتّهم أخاها
[السُّؤَالُ]
ـ[سُرق لأختي وزوجها وأبنائها خزنة فيها الكثير من المال، زوج أختي محطم معنويا فدلوه الناس على أحد المشايخ الذين يقال عنهم إنهم أقوياء بالكشف عن الغمة والمسروقات بإذن الله طلبني للتعرف علي وكان بيده سيجارة فقال لي لقد رأيتك في الليل أن اسمك كذا وكذا وأنت السارق وأنا هذا عملي ومصدر رزقي وسأحصل على ٢٥ بالمائة من المسروقات قل لي واعترف أنت السارق الوحيد الذي يشار إليه طال الحديث بيني وبينه ونفيت أمام الله أني بريء مما قال والله على ما أقول شهيد أرشدوني أعزكم الله وارفعوا هذا الظلم والادعاء الذي أحاط بي أخشى الفتنة بين الأقارب لأن الظلم عاقبته وخيمة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
من ادعى أنه يعلم أماكن المسروقات ويدل على السارقين بأمور خفية لا يعلمها الناس، فهو أحد شخصين: كاهن تتنزل عليه الشياطين، أو دجال كذاب يوهم الناس بمعرفة ذلك ليأكل أموالهم بالباطل.
وعلى كل تقدير لا يجوز الرجوع إلى هؤلاء ولا سؤالهم ولا تصديقهم، مهما تظاهروا بالصلاح؛ لقول النبي ﷺ : (من أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) رواه مسلم (٢٢٣٠) .
وقوله ﷺ : (مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ رواه أحمد (٩٧٧٩) وأبو داود (٣٩٠٤) والترمذي (١٣٥) وابن ماجه (٩٣٦) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
قال البغوي ﵀: " العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك " نقله في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (٢/١٧٨) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " والعراف: قيل هو الكاهن، وهو الذي يخبر عن المستقبل.
وقيل: هو اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يستدل على معرفة الغيب بمقدمات يستعملها، وهذا المعنى أعم، ويدل عليه الاشتقاق؛ إذ هو مشتق من المعرفة، فيشمل كل من تعاطى هذه الأمور وادعى بها المعرفة ". انتهى من "القول المفيد على كتاب التوحيد" (٢/٤٨) .
وقد أخبر بعض من تاب من العرافة والكهانة بأنه كان يستعين بالجن ليعلم منهم تفاصيل ما يجري في بيت المسروق، وحاله مع أقاربه وجيرانه، وأصدقائه وأعدائه، وأنه تارة يلصق التهمة بمن يدور حوله الاشتباه.
وعلى فرض أن العراف توصل إلى معرفة السارق الحقيقي وأحضر المال عن طريق أتباعه من الجن، فإنه لا يجوز الذهاب إليه ولا سؤاله لما سبق.
ثانيا:
ذهب بعض أهل العلم إلى كفر من يدعي معرفة المسروقات أو أن الجن تخبره بذلك، قال ابن نجيم ﵀ في بيان المكفّرات: " وبإتيان الكاهن وتصديقه، وبقوله: أنا أعلم المسروقات، وبقوله: أنا أخبر عن إخبار الجن إياي " انتهى من البحر الرائق (٥/١٣٠) . وإنما يكفر بقوله: أنا أخبر عن إخبار الجن إياي؛ لأن الجن كالإنس لا يعلمون الغيب، كما قال تعالى عنهم: (فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) سبأ/١٤، قاله في حاشية البحر الرائق.
فسؤال العراف والكاهن محرم. ويدخل في ذلك: سؤاله عن الضالة والمسروق، ومعرفة المرض، والعلاج.
سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: أحيانا نفقد بعض المال أو الذهب من المنزل ونعتقد أنه سُرق، ونذهب لأحد الأشخاص ويُعَرف بالمخبر، ونشرح له ذلك، ويوعدنا خيرا، وأحيانا نسترجع المفقود، وأحيانا لا، فما حكم ذهابنا لهؤلاء الأشخاص؟
فأجابوا: " لا يجوز ذهابكم إليه لأنه كاهن، وقد صح عن النبي ﷺ النهي عن إتيان الكهان ونحوهم وسؤالهم وتصديقهم ". انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٤١٠) .
ثالثا:
على من أتى هذا العراف وسأله، أن يتوب إلى الله تعالى، بالندم على فعله، والعزم على ألا يعود إليه، وأن لا يتهم أحدا بالسرقة اعتمادا على قول العراف ومساعديه من الجن، فإن الجن يكذبون، وقد يتهمون البريء للإيقاع والإفساد بين المسلمين. والتوبة هنا تلزم من أتى العراف وسأله، كما تلزم من دله وأرشده، فإن الجميع واقعون في المعصية. وراجع السؤال رقم (٣٢٨٦٣) في التوبة من سؤال العرافين أو تصديقهم.
وينبغي للمسلم أن يفزع إلى الله تعالى، ويلجأ إليه عند حلول الحوادث والمصائب، فإن الأمر كله بيده سبحانه، كما قال: (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) النمل/٦٢
والله أعلم.
وهذا ينطبق على أختك وزوجها، كما ينطبق عليك أيضا، فينبغي أن تلجأ إلى الله تعالى ليرفع عنك الاتهام والظلم.
ونصيحتنا لأختك وزوجها ومن يتصل بهذه القضية ألا يتهموا أحدا بناء على كلام دجال أو عراف، فإن اتهام البريء أمر عظيم، والأصل هو البراءة والسلامة. قال ﷺ : (من قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ) رواه أبو داود (٥١٢٩) من حديث ابن عمر ﵄، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
والردغة: الطين والوحل وما يسيل من عصارة أهل النار.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 572
من أحق بابنها هي أم زوجها الذي تتهمه بالسحر؟ وما هي علامات الساحر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ولدي عمره ١١ سنة تقريبا، وأصبح عدوانيّاً كثيراً، ومرات لا يحترمني ويعلي صوته عليَ، وأيضا يمد يده فجأة من دون مبررات بعد أن أهدى إليه والده جهاز كمبيوتر، مع العلم أن أباه يتعامل بالشعوذة، ولا أعلم أو أجزم أنه ساحر، فعلا الله هو العالم، وهو يريد أن يأخذ الولد مني (نحن مطلقان) . ما هي الطريقة لأن أحمي ولدي ونفسي، وأن يرجع ولدي لما كان من قبل؟ وكيف أعرف حقيقة هذا الأب؟ وهل لي أن أمنع أباه إن أراد أن يراه، إن تأكدت أنه ساحر وأنه يريد بي وبابني شرّاً؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أوصت الشريعة المطهرة الوالدين بالعناية بأولادهما والقيام على حسن تربيتهم، ويتربى الأولاد على ما يسمعونه ويقرؤونه ويرونه في بيتهم وشارعهم ومدارسهم، وما يحصل من خلل في تربيتهم إنما هو بسبب الخلل في أحد تلك الجوانب، أو كلها.
وما حصل من ولدك من سوء خلُق تجاهكِ قد يكون سببه ما رآه وسمعه في البيت من مشكلات بينك وبين زوجك، والتي أدت للطلاق، وقد يكون بسبب ما تأثر به مما سمعه وقرأه في جهاز " الكمبيوتر "، وقد يكون نتيجة " سحر كراهية " قام عليه والده ليأخذه منكِ، وكل ذلك محتمل، وقد تكون الأسباب كلها مجتمعة هي التي أدَّت لتلك التصرفات السيئة من قبَل ابنكِ تجاهك.
وعلى كل حال: فيجب عليك لإصلاح حاله أن تبحثي عن الأسباب التي أدَّت به لتلك التصرفات لكي تعالجي الأمر بمعالجة السبب، فإن كان بسبب مشاكلك مع والده: فلا بدَّ من تفهيمه لحقيقة الحال التي آلت إليه بينكما بطريقة لبقة تناسب سنَّه وعقله، وإن كان بسبب ما يسمعه ويشاهده ويقرؤه في جهاز " الكمبيوتر "، فلا بدَّ لك من مراقبة المواد التي يطلع عليها، ولا بدَّ من توجيهه نحو حسن الاستفادة من الجهاز، فإن لم يستجب فيمكنك منعه منه بالكلية.
وإن كان بسبب سحر والده له: فيمكنك البدء بعلاجه بالرقية الشرعية من القرآن والأذكار النبوية الصحيحة، ولا مانع من عرضه على من يوثق بدينه ممن يقوم على العلاج الشرعي لمثل هذه الحالات.
ثانياً:
يمكنك معرفة حقيقة والده إن كان يشتغل بالسحر، وذلك بمعرفة طريقة علاجه للآخرين، أو معرفة حقيقية ما يقوله لزائريه ومراجعيه.
وقد ذكر بعض أهل العلم علامات للساحر يمكن لأي أحدٍ تمييزه عن غيره من أهل الخير والصلاح، وهذه العلامات هي:
١. أنه يطلب من المريض اسم الأم، وبعض الأشياء الخاصة من المراد علاجه مثل الشعر أو اللباس.
٢. أنه يتمتم بكلمات ليس لها معنى، ولا يفهمها السامع، وهذه التمتمات قد تكون نداءات للجن والشياطين ليقوموا بخدمته.
٣. ومن العلامات: أن هذا الساحر لا يحضر صلاة الجمعة، ولا الصلوات الخمس في المسجد.
٤. أنه يكون رث الثياب كريه الرائحة، يحب الظلام والوحدة.
٥. أنه يعطي المريض حجاباً يحتوي على طلاسم ومربعات وأرقام.
ولمعرفة حقيقته لا بدَّ من أن يكون متصفاً بتلك الصفات مجتمعة أو ببعضها، وبذلك تعرفين حقيقته، مع التنبيه أنك قد تكونين مبالغة في اتهامه بالسحر، فيجب عليكِ العدل في الحكم عليه، وتحقيق تقوى الله قبل الاتهام والادعاء بما هو منه براء.
على أنك، ما دمت قد انفصلت عنه، فلا نرى لك أن تشغلي نفسك كثيرا بحال طليقِك؛ هل هو ساحر أو لا، وإنما الذي ينبغي عليك أن تشغلي نفسك به هو كيفية المحافظة على نفسك، وابنك، وكيف تؤدين واجب الرعاية والتربية الواجبة لهذا الولد عليك.
ثالثاً:
وأما حضانة الولد: فليعلم أن مقصود الحضانة هو حفظ الطفل ورعايته، ولهذا يسقط حق الشخص في الحضانة لفسقه وفساده، أو لإهماله وتضييعه، أو لكثرة أسفاره، بما يضر بمصلحة أولاده.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
ومما ينبغي أن يُعلم أن الشارع ليس له نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقاً، ولا تخيير أحد الأبوين مطلقا، والعلماء متفقون على أنّه لا يتعيّن أحدهما مطلقا؛ بل مع العدوان والتّفريط لا يقدم من يكون كذلك [يعني: من يكون معتديا أو مفرطا من الأبوين] على البَر العادل المحسن القائم بالواجب.
" مجموع الفتاوى " (٣٤ / ١٣٢) .
وليُعلم أن مدة الحضانة هي إلى سن التمييز والاستغناء، أي: أنه تستمر الحضانة إلى أن يميِّز المحضون ويستغني عن حاضنه، بمعنى أن يأكل وحده ويشرب وحده، ويستنجي وحده ونحو ذلك.
وبما أنه قد بلغ سن (١١) فإنه يخيَّر بين العيش مع والده أو معكِ؛ على أن يكون الاختيار نابعاً من اختياره دون ضغط أو إكراه، وعلى أن لا يكون سبب الاختيار هو أنه لن يُلزم بصلاة أو طاعة لله تعالى، أو ما فيه مصلحة دينه ودنياه؛ لأن اختياره – والحالة هذه – فيها مضرة له، وكثير من الأطفال يكون همه في اختياره من يبالغ في تدليله، أو إعطائه ما يريده من اللهو واللعب؛ فلا يمكن أن يمكَّن له ـ حينئذ ـ ما يريد.
وإن ثبت أن والده يتعامل بالسحر فلا يحل له أن يأخذ ولده، بل يُمنع منه إلى أن يتوب إلى الله تعالى توبة صادقة.
فإذا لم يثبت على الوالد أنه يتعامل بالسحر: فينبغي أن يتعاون الأبوان في رعاية ابنهما، مراعاةً لمصلحته، وحتى لا يكون تنازعها سبباً لفشل الأبناء وضياعهم.
وانظري أجوبة الأسئلة: (٨١٨٩) و (٢٠٧٠٥) و (٢١٥١٦) .
ونسأل الله تعالى أن يصلح شأنكِ كله، وأن يهدي ابنك لما يحب ربنا ويرضى، وأن يصلح والده ويحفظ عليه دينه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 573
هل يجوز له قتل السحرة دون إذن ولي الأمر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ينتشر في بلادنا السحرة، ويؤذون الناس ويضرونهم، فهل يجوز قتلهم حتى نريح الناس من شرهم؟
مع العلم أن حكومتنا ترخص لهم في العمل وتأخذ منهم الضرائب.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إذا ثبت أن هذا الشخص يعمل بالسحر فالواجب قتله؛ دفعاً لضرره وشره عن الناس، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال (١٣٩٤١) .
والواجب على من ولاه الله أمر العباد أن يحكم فيهم بما أنزل الله، قال تعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) المائدة /٤٩، وقال: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة/٤٤، وفي آية أخرى قال: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة /٤٥، وفي آية ثالثة: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) المائدة /٤٧.
ولا يجوز أبدا إسقاط العقوبة الشرعية وإلغاؤها، وأقبح من ذلك وأشنع إقرار هذا العمل المحرم والترخيص للساحر أن يعمل بسحره مقابل دفعه الضرائب!! .
فهذا تضييع وخيانة للأمانة التي سيسأل عنها الحاكم يوم القيامة، يوم يعض على يديه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان، قال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً) الفرقان /٢٧-٢٩
ثانياً:
إذا كان الحاكم لا يفعل ما وجب عليه من إقامة العقوبات الشرعية، فليس لأحد من عامة المسلمين أن يفعل ذلك؛ لأن العقوبة تحتاج أولاً إلى إثبات أن هذا الشخص يستحق هذه العقوبة، ثم تحتاج ثانياً إلى قوة لتنفيذها.
ولو فتح الباب للناس في إقامة العقوبات الشرعية لعَمَّت الفوضى في المجتمع، ولم يأمن أحد على نفسه وماله.
قال علماء اللجنة الدائمة:
والذي يتولى إثبات السحر وتلك العقوبة: هو الحاكم المتولي شؤون المسلمين؛ درءاً للمفسدة؛ وسداً لباب الفوضى.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٥٥٢) .
وقد نقلنا في جواب السؤال رقم (١٣٩٤١) عن الشيخ سليمان العلوان قوله:
وحين يثبت وصف السحر على شخص ما: فإنه يقتل وجوباً، فقد ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة، ولكن ليس لآحاد الناس إقامة الحدود دون أمر السلطان أو من يقوم مقامه؛ لأنه يترتب على إقامة الحدود دون ولاة الأمور فساد وزعزعة للأمن وذهاب هيبة السلطان. انتهى.
وقد ذكرنا مسألة اشتراط السلطان في إقامة الحدود في جواب السؤال رقم (٨٩٨٠) ونقلنا هناك اتفاق العلماء على ذلك.
وعليك تحذير الناس من هذا الساحر، ومن الذهاب إليه، وبيان أن هذا الفعل قد يصل بصاحبه إلى الكفر والخروج من الإسلام.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 574
هل يقرأ على من به مسٌّ من الجن أو ينشغل بالدعوة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن في حاجة إلى الدعوة ومع ذلك فإن أحدنا انشغل بعلاج الممسوسين بالجن.
هل يحوز تعطيل الدعوة لهذا العمل، وكيف يكون علاج الممسوس، وهل يجوز أخذ مال على القراءة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سئل الشيخ محمد ابن عثيمين – ﵀ – هذا السؤال فقال:
الدعوة إلى الله فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، فإن تعينت على الشخص بحيث لا يقوم غيره مقامه فإنها مُقدمة على القراءة على من به مسٌّ من الجن؛ وذلك لأن مصلحة الدعوة مصلحة متيقنة، ومصلحة القراءة على من به مسٌ من الجن مصلحة غير متيقنة، وكم من إنسان قُرئ عليه ولم يستفد شيئاً.
فيُنظر: إذا كانت الدعوة متعينة على هذا الرجل لا يقوم غيره مقامه فيها فإنه يجب عليه أن يدعو ولو ترك القراءة على من به مس من الجن.
أما إذا كانت فرض كفاية فيُنظر إلى الأصلح، وإذا أمكن أن يجمع بينهما – وهو الظاهر – بتخصيص يوم لهذا ويوم لهذا مع استمرار الدعوة فهو أولى؛ ليحصل له نفع إخوانه المصابين بهذه المصيبة، ومع ذلك يستمر في الدعوة إلى الله .
وأما العلاج الصحيح للممسوس بالجن فإنه يختلف من حال إلى حال لكن أحسن ما يكون أن يقرأ عليه القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. يُرسل عليكما شواظٌ من نار ونحاسٌ فلا تنتصران. فبأي آلاء ربكما تُكذبان﴾ .
لأن هذا تحدٍ لهم أنهم لا يستطيعون الفرار من الله ، وكذلك اقرأ عليهم المعوذتين وقل هو الله أحد وآية الكرسي. وكذلك تكلم عليهم بالموعظة كما كان يفعل شيخ الإسلام، يقول: هذا حرام عليكم أن تؤذوا المسلمين أو تضربوهم أو ما أشبه ذلك.
أما أخذ المال: فإذا لم يأخذ مالاً فهو أفضل، وإن أخذ بدون شرط فلا بأس، وإن كان هؤلاء الذين قُرأ عليهم قد تركوا ما يجب عليهم للقارئ، وأبى أن يقرأ إلا بعوض فلا بأس كما فعل أهل السرية الذين بعثهم النبي ﷺ ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَنْفَعُهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْقِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلا فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى لا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا.
فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ثُمَّ قَالَ قَدْ أَصَبْتُمْ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " رواه البخاري (٢٢٧٦) ومسلم (٢٢٠١) .
[الْمَصْدَرُ]
المرجع اللقاء الرابع والأربعون من لقاء الباب المفتوح.
стр. 575
هل يجوز أن أدعو لقريني من الجن بالإسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[من المعلوم أن لكل واحد من بني آدم قريناً من الجن، وذكر ابن مسعود أن النبي ﷺ قال " ليس منكم أحد إلا ومعه قرين من الجن، فقالوا: وإياك يا رسول الله قال: وإياي ولكن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير " أو كما قال ﵊. هل يجوز أن ندعوا للجني القرين بأن يسلم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحديث الذي ذكرته حديث صحيح وقد رواه مسلم برقم (٢٧١٤) وقد وقع الخلاف في معنى قوله (فأسلم) في هذا الحديث، وذكر هذا الخلاف والترجيح فيه النووي في شرح هذا الحديث فقال: (قَوْله ﷺ : (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد إِلا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينه مِنْ الْجِنّ , قَالُوا: وَإِيَّاكَ؟ قَالَ: وَإِيَّايَ إِلَاّ أَنَّ اللَّه أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلا يَأْمُرنِي إِلَاّ بِخَيْرٍ) (فَأَسْلَم) بِرَفْعِ الْمِيم وَفَتْحهَا , وَهُمَا رِوَايَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فَمَنْ رَفَعَ قَالَ: مَعْنَاهُ: أَسْلَمُ أَنَا مِنْ شَرّه وَفِتْنَته , وَمَنْ فَتَحَ قَالَ: إِنَّ الْقَرِين أَسْلَمَ , مِنْ الإِسْلام وَصَارَ مُؤْمِنًا لَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَيْرٍ , وَاخْتَلَفُوا فِي الأَرْجَح مِنْهُمَا فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الصَّحِيح الْمُخْتَار الرَّفْع , وَرَجَّحَ الْقَاضِي عِيَاض , الْفَتْح وَهُوَ الْمُخْتَار , لِقَوْلِهِ: " فَلا يَأْمُرنِي إِلا بِخَيْرٍ " , وَاخْتَلَفُوا عَلَى رِوَايَة الْفَتْح , قِيلَ: أَسْلَمَ بِمَعْنَى اِسْتَسْلَمَ وَانْقَادَ , وَقَدْ جَاءَ هَكَذَا فِي غَيْر صَحِيح مُسْلِم (فَاسْتَسْلَمَ) وَقِيلَ: مَعْنَاهُ صَارَ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا , وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر) .
وقال أبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة ١/١٨٥ (قيل أسلم أي آمن، فيكون ﵇ مختصا بإسلام قرينه وإيمانه) ، وعلى هذا يكون إسلام القرين من خصائص النبي ﷺ .
وعليه فإنه لا يشرع للمسلم أن يدعو الله بإسلام قرينه؛ لأن هذا اعتداء في الدعاء بسؤال الله ما هو من خصائصه ﷺ ، ولأن الصحابة وهم أحرص الناس على الخير وأقرب إليه منا لم يُنقل عنهم الدعاء والتوجه لله حتى يسلم قرناؤهم من الجن، ولا استعانوا بدعاء الرسول ﷺ لما سمعوا منه ذلك الحديث، فهذا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم من هم من علو الهمة لم ينقل عنهم أنهم فعلوا ذلك ولا أبناؤهم ونحن يجب علينا اتباع هدي هؤلاء الصحابة الكرام لأنهم فهموا هذا الدين من مصدره وتعلموه مباشرة من رسول الله ﷺ غضًّا طرياً، ولا يجوز لنا اتباع غير سبيلهم قال تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) النساء / ١١٥.
والحديث ورد في سياق تحذير الصحابة من فتنة القرين، قال النووي: (وَفِي هَذَا الْحَدِيث: إِشَارَة إِلَى التَّحْذِير مِنْ فِتْنَة الْقَرِين وَوَسْوَسَته وَإِغْوَائِهِ , فَأَعْلَمَنَا بِأَنَّهُ مَعَنَا لِنَحْتَرِز مِنْهُ بِحَسَبِ الإِمْكَان) ، وهذا هو الواجب شرعا.
فيكفيك إذا ما دلنا الله تعالى عليه من الدعاء كقوله: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون) المؤمنون / ٩٧،٩٨
وقراءة سورة الإخلاص والمعوذتين في الصباح والمساء مع ما صح من أذكار عن النبي ﷺ ، وكذلك قراءة آية الكرسي قبل النوم والبسملة عند عمل أي شيء والاستعاذة كلما أحسست بوسوسة من الشيطان قال تعالى: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فصلت / ٣٦
أسأل الله أن يزيدك حرصاً على الخير وأن يحفظنا وإياك من الشيطان وهمزاته آمين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 576
حقيقة العيْن وطرق الوقاية منها وعلاجها
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي العين؟ قرأت هذا المصطلح كثيراً في هذا الموقع، أرجو التوضيح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه بعض المسائل والفتاوى المتعلقة بالعين، ونسأل الله تعالى أن ينفع بها.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما حقيقة العين - النضل - قال تعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ ؟ وهل حديث الرسول ﷺ صحيح والذي ما معناه قوله: " ثلث ما في القبور من العين "؟ ، وإذا شك الإنسان في حسد أحدهم فماذا يجب على المسلم فعله وقوله؟ وهل في أخذ غُسالة العائن للمعين ما يشفي، وهل يشربه أو يغتسل به؟
فأجابوا:
العين مأخوذة من عان يعين إذا أصابه بعينه، وأصلها من إعجاب العائن بالشيء، ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرها إلى المعين، وقد أمر الله نبيَّه محمَّداً ﷺ بالاستعاذة من الحاسد، فقال تعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ ، فكل عائن حاسد وليس كل حاسد عائنا، فلما كان الحاسد أعم من العائن كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن، وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تصيبه تارة وتخطئه تارة، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه أثرت فيه، وإن صادفته حذراً شاكي السلاح (أي: تام السلاح) لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه وربما ردت السهام على صاحبها.
(من " زاد المعاد " بتصرف) .
وقد ثبتت الأحاديث عن النبي ﷺ في الإصابة بالعين، فمن ذلك ما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أسترقي من العين "، وأخرج مسلم وأحمد والترمذي وصححه عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: " العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا " صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٢٥١) .
وأخرج الإمام أحمد والترمذي (٢٠٥٩) وصححه، عن أسماء بنت عميس أنها قالت: يا رسول الله، إن بني جعفر تصيبهم العين، أفنسترقي لهم؟ ، قال: نعم، فلو كان شيء سابق القدر لسبقته العين. وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وروى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغسل منه المعين. وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وأخرج الإمام أحمد (١٥٥٥٠) ومالك (١٨١١) والنسائي وابن حبان وصححه الألباني في المشكاة (٤٥٦٢) عن سهل بن حنيف أن النبي ﷺ خرج وسار معه نحو مكة حتى إذا كانوا بشعب الخرار (اسم موضع) من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف وكان رجلا أبيض حسن الجسم والجلد فنظر إليه عامر بن ربيعة أحد بني عدي بن كعب وهو يغتسل فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فلبط سهل، فأتي رسول الله ﷺ ، فقيل: يا رسول الله، هل لك في سهل والله ما يرفع رأسه، قال: هل تتهمون فيه من أحد؟ ، قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة، فدعا رسول الله ﷺ عامرا فتغيظ عليه، وقال: علام يقتل أحدكم أخاه، هلا إذا رأيت ما يعجبك برَّكت، ثم قال له: اغتسل له، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم صب ذلك الماء عليه يصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه ثم يكفأ القدح وراءه، ففعل به ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس.
(جلد مخبأة) أي جلد عذارء
(لبط) أي صُرع وسقط.
(داخلة إزاره) أي الجزء الملامس للبدن من الإزار
فالجمهور من العلماء على إثبات الإصابة بالعين؛ للأحاديث المذكورة وغيرها، ولما هو مشاهد وواقع.
وأما الحديث الذي ذكرته " ثلث ما في القبور من العين ": فلا نعلم صحته، ولكن ذكر صاحب " نيل الأوطار " أن البزار أخرج بسند حسن عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: " أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالأنفس – يعني: بالعين – ".
ويجب على المسلم أن يحصن نفسه من الشياطين من مردة الجن والإنس بقوة الإيمان بالله واعتماده وتوكله عليه ولجئه وضراعته إليه، والتعوذات النبوية وكثرة قراءة المعوذتين وسورة الإخلاص وفاتحة الكتاب وآية الكرسي، ومن التعوذات: " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق " و " أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون "، وقوله تعالى ﴿حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾ ونحو ذلك من الأدعية الشرعية، وهذا هو معنى كلام ابن القيم المذكور في أول الجواب.
وإذا علم أن إنسانا أصابه بعينه أو شك في إصابته بعين أحد فإنه يؤمر العائن أن يغتسل لأخيه فيحضر له إناء به ماء فيدخل كفه فيه فيتمضمض ثم يمجه في القدح ويغسل وجهه في القدح ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى في القدح ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى ثم يغسل إزاره ثم يصب على رأس الذي تصيبه العين من خلفه صبة واحدة فيبرأ بإذن الله.
" فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء " (١ / ١٨٦) .
وسئل الشيخ محمد الصالح العثيمين:
هل العين تصيب الإنسان؟ وكيف تعالج؟ وهل التحرز منها ينافي لتوكل؟ .
فأجاب بقوله:
رأينا في العين أنها حق ثابت شرعاً وحسّاً، قال الله – تعالى -: ﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم﴾ القلم / ٥١، قال ابن عباس وغيره في تفسيرها: أي يعينوك بأبصارهم، ويقول النبي ﷺ : " العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا " رواه مسلم، ومن ذلك ما رواه النسائي وابن ماجه أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف وهو يغتسل ... – وساق الحديث -.
والواقع شاهد بذلك ولا يمكن إنكاره.
وفي حالة وقوعها تستعمل العلاجات الشرعية وهي:
١- القراءة: فقد قال النبي ﷺ : " لا رقية إلا من عين أو حمة " الترمذي ٢٠٥٧ وأبو داود ٣٨٨٤، وقد كان جبريل يرقي النبي ﷺ فيقول: " باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك ".
٢- الاستغسال: كما أمر به النبي ﷺ عامر بن ربيعة في الحديث السابق ثم يصب على المصاب.
أما الأخذ من فضلاته العائدة من بوله أو غائطه فليس له أصل، وكذلك الأخذ من أثره، وإنما الوارد ما سبق من غسل أعضائه وداخلة إزاره ولعل مثلها داخلة غترته وطاقيته وثوبه، والله أعلم.
والتحرز من العين مقدماً لا بأس به، ولا ينافي التوكل بل هو التوكل؛ لأن التوكل الاعتماد على الله –سبحانه – مع فعل الأسباب التي أباحها أو أمر بها وقد كان النبي ﷺ يعوِّذ الحسن والحسين ويقول: " أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة " الترمذي (٢٠٦٠) وأبو داود (٤٧٣٧) ويقول: " هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل ﵉ "، رواه البخاري (٣٣٧١) .
" فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٢ / ١١٧، ١١٨) .
وانظر جواب السؤالين: (٧١٩٠) و (١١٣٥٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 577
مس الجنُّ للإنس والأحكام المترتبة على المس
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن يمس الجن الناس؟ إذا كان ذلك ممكنا، فكيف يمكن أن يتحمل الإنسان المسؤولية عن أعماله عند التلبس يوم القيامة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نعم، يمكن للجن أن يصيب الإنس بمس، وقد ذكره الله تعالى في كتابه , في قوله: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) البقرة/٢٧٥.
وانظر جواب الأسئلة (١١٤٤٧) و (٤٢٠٧٣) و (٣٩٢١٤) و (١٨١٩) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة، قال الله تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) البقرة /٢٧٥، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (٢٤ / ٢٧٦، ٢٧٧) .
ثانياً:
المس نوع من المرض , فإذا كان الإنسان مع وجود هذا المرض عاقلاً وله اختيار فهو مؤاخذ بأقواله وأفعاله , أما إذا غلب عليه هذا المرض بحيث أفقده عقله واختياره فهو كالمجنون لا تكليف عليه. ولهذا يطلق في اللغة "المس" على "الجنون" انظر: "لسان العرب" (٦/٢١٧) .
غير أنه إذا اعتدى على أحد وقت جنونه , وأتلف ماله – مثلاً - فإنه يضمن هذا المال لصاحبه.
وانظر: "زاد العاد" (٤/٦٦-٧١) .
جاء في " الموسوعة الفقهية " (١٦ / ١٠٦) :
" أجمع الفقهاء على أن الجنون كالإغماء والنوم , بل هو أشد منهما في فوات الاختيار وتبطل عبارات المغمى عليه , والنائم في التصرفات القولية , كالطلاق , والإسلام , والردة , والبيع , والشراء وغيرها من التصرفات القولية , فبطلانها بالجنون أولى ; لأن المجنون عديم العقل والتمييز والأهلية , واستدلوا لذلك بقوله ﵊: (رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثةٍ: عن النائمِ حتى يستيقظَ، وعَن الصبِيِّ حَتى يَحتلمَ، وعَن المجنونِ حتى يَعْقل) - رواه أهل السنن بإسناد صحيح -، ومثل ذلك كل تصرف قولي لما فيه من الضرر " انتهى.
وفي (١٦ / ١٠٧) :
" وأما بالنسبة لحقوق العباد كالضمان ونحوه: فلا يسقط ; لأنه ليس تكليفا له , بل هو تكليف للولي بأداء الحق المالي المستحق في مال المجنون , فإذا وقعت منه جرائم , أخذ بها ماليا لا بدنيا , وإذا أتلف مال إنسان وهو مجنون وجب عليه الضمان , وإذا قتل فلا قصاص وتجب دية القتيل " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 578
هل كان قبل آدم ﵇ على الأرض أحد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل كان يوجد قوم قبل آدم ﵇ اسمهم جن وقوم اسمهم حن؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يأت في الكتاب والسنة شيء يدل على أن قوما كانوا يسكنون الأرض قبل آدم ﵇، وإنما الذي جاء في ذلك هو من أقوال بعض المفسرين من الصحابة والتابعين، ومن ذلك:
القول الأول:
أن الأرض كان يسكنها الجن (بالجيم المعجمة) ، وهم الذين خلقهم الله تعالى من النار، وهذا القول مروي عن أكثر أهل التفسير.
روى الطبري في تفسيره (١/٢٣٢) عن ابن عباس ﵁ قال:
(أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضا)
وروى بسنده عن الربيع بن أنس قال:
(إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء، وكان الفساد في الأرض)
القول الثاني:
لم يكن على الأرض قبل آدم ﵇ أحد لا من الجن ولا من غيرهم.
وهذا القول رواه الطبري في تفسيره (١/٢٣٢) عن عبد الرحمن بن زيد قال:
(قال الله تعالى ذكره للملائكة: إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا، وأجعل فيها خليفة، وليس لله يومئذ خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق)
يقول العلامة الطاهر ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (١/٢٢٨) :
" تعقيبُ ذكرِ خلق الأرض ثم السماوات، بذكر إرادته تعالى جعل الخليفة، دليلٌ على أن جعل الخليفة كان أول الأحوال على الأرض بعد خلقها، فالخليفة هنا الذي يخلف صاحب الشيء في التصرف في مملوكاته، ولا يلزم أن يكون المخلوف مستقرا في المكان من قبل، فالخليفة آدم، وخَلَفِيَّتُه قيامه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض بالإلهام أو بالوحي، وتلقين ذريته مراد الله تعالى من هذا العالم الأرضي " انتهى.
أما ما يذكره بعض المفسرين أو المؤرخين، أن قوما اسمهم الحن (بالحاء المهملة) كانوا يسكنون الأرض، فجاء الجن (بالجيم المعجمة) فقتلوهم وسكنوا مكانهم، فيبدو أنها من القصص التي لا تستند إلى أي سند صحيح.
يقول ابن كثير في "البداية والنهاية" (١/٥٥) :
" قال كثير من علماء التفسير: خلقت الجن قبل آدم ﵇، وكان قبلهم في الأرض (الحِنُّ والبِنُّ) ، فسلط الله الجن عليهم فقتلوهم وأجلوهم عنها وأبادوهم منها وسكنوها بعدهم " انتهى.
قال العلامة الطاهر ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (١/٢٢٨) :
" إذا صح أن الأرض كانت معمورة من قبل بطائفة من المخلوقات يسمون (الحِنُّ والبِنُّ) بحاء مهملة مكسورة ونون في الأول، وبموحدة مكسورة ونون في الثاني، وقيل: اسمهم (الطَّمُّ والرَّمُّ) بفتح أولهما، وأحسبه من المزاعم، وأن وضع هذين الاسمين من باب قول الناس (هيّان بن بيّان) إشارة إلى غير موجود أو غير معروف، ولعل هذا انجَرَّ لأهل القصص من خرافات الفرس أو اليونان، فإن الفرس زعموا أنه كان قبل الإنسان في الأرض جنس اسمه الطم والرم، وكان اليونان يعتقدون أن الأرض كانت معمورة بمخلوقات تدعى (التيتان) وأن (زفس) وهو (المشتري) كبير الأرباب في اعتقادهم جلاهم من الأرض لفسادهم " انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 579
حل السحر بسحر مثله
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز فك السحر عن المسحور باستخدام السحر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن فك السحر عن المسحور لا يخلو من حالين:
الحالة الأولى: أن يستخدم في ذلك الرقى الشرعية والتعوذات النبوية، والأدوية المباحة فلا بأس بذلك مع مراعاة الضوابط الشرعية للرقى. يراجع سؤال (١٢٩١٨)
الحالة الثانية: " أن يعالجه ـ أي السحر ـ بعمل السحرة الذي هو التقرب إلى الجن بالذبح أو غيره من القربات فهذا لا يجوز؛ لأنه من عمل الشيطان بل من الشرك الأكبر فالواجب الحذر من ذلك كما لا يجوز علاجه بسؤال الكهنة والعرافين والمشعوذين واستعمال ما يقولون؛ لأنهم لا يؤمنون ولأنهم كذبة فجرة يدعون علم الغيب ويلبسون على الناس وقد حذر الرسول ﷺ من إتيانهم وسؤالهم وتصديقهم فقال ﵊: " من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة " وقال ﷺ : " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " فالسحرة كفرة لا يجوز إتيانهم ولا سؤالهم ولا تصديقهم.
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن النشرة؟ فقال: " هي من عمل الشيطان " رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٢٩٤) وأبو داود في سننه (٣٨٦٨) بإسناد جيد
والنشرة هي حل السحر عن المسحور
ومراده ﷺ بكلامه هذا النشرة التي يتعاطاها أهل الجاهلية وهي سؤال الساحر ليحل السحر، أو حله بسحر مثله من ساحر آخر أما حله بالرقية والتعوذات الشرعية والأدوية المباحة فلا بأس بذلك وقد نص على ذلك العلامة ابن القيم والشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد رحمة الله عليهما ونص على ذلك أيضا غيرهما من أهل العلم والله المسئول أن يوفق المسلمين للعافية من كل سوء وأن يحفظ عليهم دينهم ويرزقهم الفقه فيه والعافية من كل ما يخالف شرعه وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه" ا. هـ
انظر مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز ﵀ (٣ / ٢٨٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 580
هل للسحر حقيقة؟ وهل يجوز التداوي عند السحرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يوجد أطباء سحرة؟ وماذا نفعل إذا قال لنا أحد الأشخاص " أنا لا أؤمن بالسحر " لأنه " مجرد وهم " أو ربما " خداع للبصر "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
السحر - عبارة عما خفي، وله حقيقة، ومنه ما يؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه وتأثيره يقع بإذن الله الكوني القدري، وهو عمل شيطاني، وكثير منه لا يتوصل إليه إلا بالشرك والتقرب إلى الجن والشياطين بما تحب، والتوصل إلى استخدامها بالإشراك بها مع الله.
ويوجد من الأطباء من يكون ساحراً، فيعالج الناس عن طريق الاستعانة بالجن، ويدعي علمه بحقيقة المرض دون الحاجة لتشخيصه، ويصف للمريض من الأطعمة والأشربة ما يتقرب به إلى أوليائه من الشياطين، وقد يأمرهم بذبح خنزير مع التسمية، وقد يأمره بذبح حيوان مباح مع عدم التسمية، أو مع تسمية أحد الشياطين.
وهذا كفر بالله تعالى، ولا يجوز بحال الذهاب إلى مثل هؤلاء، وحد هؤلاء القتل، وقد ثبت قتل السحرة عن ثلاثة من الصحابة – رضي الله عن الجميع -.
وقد سئلت اللجنة الدائمة سؤالا في الموضوع يقول:
أفيدكم علماً بأن في " زامبيا " رجلاً مسلماً يدَّعي أن عنده جنّاً، والناس يأتون إليه ويسألون الدواء لأمراضهم، وهذا الجن يحدِّد الدواء لهم.
وهل يجوز هذا؟
فأجابت:
لا يجوز لذلك الرجل أن يستخدم الجن، ولا يجوز للناس أن يذهبوا إليه طلباً لعلاج الأمراض عن طريق ما يستخدمه من الجن ولا لقضاء المصالح عن ذلك الطريق.
وفي العلاج عن طريق الأطباء من الإنس بالأدوية المباحة مندوحة وغنية عن ذلك مع السلامة من كهانة الكهَّان.
وقد صحَّ عن الرسول ﷺ أنه قال " من أتى عرَّافاً فسأله عن شيء: لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة " رواه مسلم.
وخرَّج أهل السنن الأربعة والحاكم وصححه أن النبي ﷺ قال " من أتى كاهناً فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ".
وهذا الرجل وأصحابه من الجن يعتبرون من العرَّافين والكهنة، فلا يجوز سؤالهم ولا تصديقهم.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٤٠٨، ٤٠٩) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز:
.... فنظرا لكثرة المشعوذين في الآونة الخيرة ممن يدَّعون الطب ويعالجون عن طريق السحر أو الكهانة، وانتشارهم في بعض البلاد واستغلالهم للسذَّج من الناس ممن يغلب عليهم الجهل، رأيتُ من باب النصيحة لله ولعباده أن أبيِّن ما في ذلك من خطر عظيم على الإسلام والمسلمين لما فيه من التعلق بغير الله تعالى ومخالفة أمره وأمر رسوله ﷺ ، فأقول مستعينا بالله تعالى:
يجوز التداوي اتفاقاً، وللمسلم أن يذهب الى دكتور أمراض باطنية أو جراحية أوعصبية أو نحو ذلك، ليشخص له مرضه ويعالجه بما يناسبه من الأدوية المباحة شرعاً حسب ما يعرفه في علم الطب؛ لأن ذلك من باب الأخذ بالأسباب العادية، ولا ينافي التوكل على الله، وقد أنزل الله الداء وأنزل معه الدواء عرف ذلك من عرف وجهله من جهله، ولكنه سبحانه لم يجعل شفاء عباده فيما حرمه عليهم، فلا يجوز للمريض أن يذهب الى الكهنة الذين يدَّعون معرفة المغيبات ليعرف منهم مرضه، كما لا يجوز له أن يصدقهم فيما يخبرونه به فإنهم يتكلمون رجماً بالغيب أو يستحضرون الجن ليستعينوا بهم على ما يريدون، وهؤلاء حكمهم الكفر والضلال اذا ادَّعوا علم الغيب، وقد روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: " من أتى عرافاً فسأله عن شيءٍ لم تقبل له صلاة أربعين يوماً "، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من أتى كاهناً فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّدٍ ﷺ " رواه أبوداود، وخرجه أهل السنن الأربع وصححه الحاكم عن النبي ﷺ بلفظ: " من أتى عرَّافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ "، وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ليس منا من تَطير أو تُطير له أو تَكهن أو تُكهن له أو سَحر أوسُحر له ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " رواه البزار بإسناد جيد.
ففي هذه الأحاديث الشريفة النهي عن إتيان العرافين والكهنة والسحرة وأمثالهم وسؤالهم وتصديقهم، والوعيد على ذلك، فالواجب على ولاة الأمور وأهل الحسبة وغيرهم ممن لهم قدرة وسلطان إنكار إتيان الكهان والعرافين ونحوهم، ومنع من يتعاطى شيئاً من ذلك في الأسواق وغيرها والإنكار عليهم أشد الإنكار، والإنكار على من يجيء إليهم، ولا يجوز أن يغتر بصدقهم في بعض الأمور ولا بكثرة من يأتي إليهم من الناس فإنهم جهال لا يجوز اغترار الناس بهم؛ لأن الرسول ﷺ قد نهى عن إتيانهم وسؤالهم وتصديقهم لما في ذلك من المنكر العظيم والخطر الجسيم والعواقب الوخيمة ولأنهم كذبة فجرة، كما أن في هذه الأحاديث دليلاً على كفر الكاهن والساحر لأنهما يدعيان علم الغيب وذلك كفر، ولأنهما لا يتوصلان إلى مقصدهما إلا بخدمة الجن وعبادتهم من دون الله وذلك كفر بالله وشرك به سبحانه، والمصدق لهم في دعواهم علم الغيب يكون مثلهم، وكل من تلقى هذه الأمور عمن يتعاطاها فقد برىء منه رسول الله ﷺ ، ولا يجوز للمسلم أن يخضع لما يزعمونه علاجا كتمتمتهم بالطلاسم أو صب الرصاص ونحو ذلك من الخرافات التي يعملونها، فإن هذا من الكهانة والتلبيس على الناس ومن رضي بذلك فقد ساعدهم على باطلهم وكفرهم....
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٣ / ٢٧٤ – ٢٨١) .
ثانياً:
وأما السحر: فهو حقيقة وليس بوهم ولا بخيال، وله تأثير بإذن الله تعالى.
قال القرافي: السحر له حقيقة، وقد يموت المسحور، أو يتغير طبعه وعادته، وإن لم يباشره، وقال به الشافعي وابن حنبل ...
" الفروق " (٤ / ١٤٩) .
وخالف في ذلك المعتزلة والقدرية وبعض العلماء ولا اعتبار بخلافهم، وقد ذكر القرافي وغيره أن الصحابة أجمعوا على أنه حقيقة قبل ظهور من ينكره.
ومن أدلة أهل السنَّة على ذلك:
١. قوله تعالى: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ البقرة / ١٠٢.
والآية واضحة الدلالة على المطلوب: وهو إثبات أن السحر حقيقة، وأن الساحر يفرِّق بسحره بين المرء وزجه، وأنه يضر بسحره الناس لكن لا يقع ضرره إلا بإذن الله.
٢. قوله تعالى: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ الفلق / ٤.
والنفاثات في العقد: الساحرات اللواتي يعقدن في سحرهن، وينفثن فيه، فلولا أن للسحر حقيقة لما أمر الله تعالى بالاستعاذة منه.
٣. ومن الأدلة سحره ﷺ من قِبَل اليهودي لبيد بن الأعصم، وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم.
وقال ابن القيم: والسحر الذي يؤثر مرضاً وثقلاً وعقلاً وحبّاً وبغضاً ونزيفاً موجود، تعرفه عامة الناس، وكثير من الناس عرفه ذوقاً بما أصيب به منهم.
" التفسير القيم " (ص ٥٧١) .
ثالثاً:
أنواع السحر كثيرة، ومنه التخييل أو " خداع البصر "، وليس السحر كله كذلك، وقد ذكر بعض العلماء أنواعه وأوصلوها إلى ثمانية، ومن أشهرها:
١. عُقَد ورقى
أي: قراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين فيما يريد به ضرر المسحور، لكن قد قال الله تعالى: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ البقرة / ١٠٢.
٢. خفة اليد
وهذه يحسنونها بالتدرب على المسارعة بفعل الأشياء، وإخراج المخبوء.
فمثلا يأتي الساحر بحمامة فيخنقها أمام المشاهدين ثم يضربها بيده فتقوم وتطير!
والحقيقة: أنه كان في يده بنج! فشممها إياه وأوهمهم أنه خنقها فماتت، ثم لما ضربها: أفاقت من البنج!
٣. سحر العيون
وهذا كثير عند الدجالين، فهو لا يُدخل السيف في جسده، لكنه يسحر عيون المشاهدين، ويمرر السيف على جانبه، ويراه الناس المسحورون مر في وسطه.
وقد اشتهر عندنا دجل هؤلاء، لما وجد بين المشاهدين من حصَّن نفسه بالقرآن والأذكار، وأكثر من ذكر الله في جلسة الساحر فرأى الحقيقة على خلاف ما رآها المسحورون.
٤. استعمال المواد الكيماوية
وهذه يحسنها من يجيد تركيب المواد بعضها على بعض فتنتج مادة تمنع تأثير بعض المواد، مثل ما كان يصنع الرفاعية من إيهام الناس أنهم لا تؤثر بهم النار، والحقيقة أنهم يدهنون أنفسهم ببعض المواد التي تمنع تأثير النار فيهم! وقد تحداهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أن يغتسلوا بالماء الساخن قبل دخولهم النار، فرفضوا ذلك لأنه بان عوارهم.
وغير ذلك كثير مما يفعله السحرة، ولا يقع إلا ما قدره الله ﵎.
انظر: " تفسير ابن كثير " (١ / ١٤٦) و " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٢ / ١٧٨) ، و " السحر " للشيخ عمر الأشقر.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 581
حياة الجن ومساكنهم
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت جوابك عن الجن في السؤال رقم (٢٣٤٠) .
أرجو أن توضح أكثر عن حياة الجن ومساكنهم وأطفالهم وحياتهم العائلية وصلاتهم، هل هي كصلاتنا؟ دفنهم بعد الموت، هل الأشياء الحلال والمحرمة تنطبق عليهم؟ هل يتحاربون مثل بني البشر؟ هل لهم تصنيفات كالبشر؛ أسود، أوروبي، من هذا البلد أو ذاك؟ هل يتأثرون بالأشياء الطبيعية كالمطر والعواصف والزلازل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الجن خلق من خلق الله تعالى، وهم عباد مكلفون بالأوامر والنواهي، كالبشر، فمنهم المؤمن والكافر والفاسق، ومحسنهم يدخل الجنة، ومسيئهم يستحق العذاب، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) الذريات/٥٦.
وقال تعالى عن الجن: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً) الجن/١١.
وقال أيضاً: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) الجن/١٤، ١٥.
أما تكليفهم بالأوامر والنواهي، فقد اتفق العلماء على أنهم مكلفون، وذهب بعض العلماء إلى أن التكاليف التي أمروا بها كالتي أمر بها البشر سواء بسواء، وذهب آخرون إلى أن تكاليفهم تناسب قدرتهم وطاقته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" فهم مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مماثلين الإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساوياً لما على الإنس في الحد، لكنهم مشاركون الإنس في جنس التكليف، بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم، وهذا ما لم أعلم فيه نزاعا بين المسلمين " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٤/٢٣٣) .
وأما ما يتعلق بحياتهم ومساكنهم، فهم كبقية المخلوقات لهم حياتهم الخاصة بهم، ويتزوجون ويتناسلون، قال تعالى عن إبليس: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُو) الكهف/٥٠.
وأما مساكنهم فيكثر تجمعهم في الخراب ومواضع النجاسات كالحمامات والمزابل، قال ﵊: (إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْخَلاءَ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ) رواه أبو داود (٦) وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (١٠٧٠) .
(الْحُشُوشَ) هي أماكن قضاء الحاجة.
(مُحْتَضَرَةٌ) أي تحضرها الشياطين.
(الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ) قيل: أي ذكران الشياطين وإناثهم. وقيل: المراد بالخبث الشر، وبالخبائث النفوس الخبيثة، فيشمل ذكران الشياطين وإناثهم.
والجن لا شك يموتون، فهم داخلون تحت قوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) الرحمن/٢٦.
وينبغي أن يعلم أن عالم الجن من عالم الغيب، لا نعلم عنه إلا ما أعلمنا الله تعالى عنه، في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ .
وعلى هذا فلا نستطيع أن نتكلم عنهم بشيء إلا بما ورد في النصوص الشرعية، وما عدا ذلك يبقى خافياً علينا، قال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) الإسراء/٣٦.
وللتوسع في هذا الموضوع يراجع كتاب "عالم الجن والشياطين" للدكتور عمر سليمان الأشقر.
ثانياً:
ينبغي أن يعلم أن الله تعالى أخبرنا عن الجن أو غيرهم من المخلوقات بما ينفعنا، وما كتمه عنا فلا حاجة لنا في معرفته، ولو كانت معرفته ضرورية لنا لأخبرنا الله تعالى به، ولذلك ينبغي عدم التكلف في مثل هذه المسائل، والبحث عن غوامضها التي لا تعلم إلا بالوحي.
وينبغي أن يكون سؤال المرء عن دينه هو وعبادته، وعقيدته، وماذا يفعل. . . إلى آخر ذلك من الأمور الهامة التي أمر بها أو نهي عنها، حتى يحقق العبودية لله تعالى.
ولنا في صحابة النبي ﷺ الأسوة الحسنة، فإنهم لم يكونوا يسألون الرسول ﷺ عن مثل هذه المسائل التي لا ينفع المكلف علمها، ولا يضره الجهل بها.
وأسأل الله تعالى أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 582
هل تُقبل توبة الساحر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تقبل توبة الساحر عند الله - لأنني سمعت عن ساحرة استفتت الصحابة عن التوبة بعد وفاة الرسول ﷺ فلم يفتها أحد -؟ وماذا قالوا لها؟ وهل ينفعها إيمانها عند الله؟ ولماذا يفتي العلماء بقبول توبة الساحر في هذه الحال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تعلم السحر والعمل به كفر، قال تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) البقرة/١٠٢، والساحر قد يأتي بما يوجب ردَّته فيكفر فيقتل ردةً، وقد يسحر من غير أن يأتي بمكفِّر، وهذا قد وقع فيه خلاف بين العلماء، والصحيح من أقوالهم: أنه يقتل أيضاً إذا ثبت أنه ساحر، وهو الذي فعله الصحابة ﵃ وأمروا به، وإذا قُتل لم يغسَّل ولم يكفَّن ولم يُدفن في مقابر المسلمين.
ولا ينبغي التوقف في قتل الساحر سواء قلنا بكفره أم لم نقل، لأن هذا هو الثابت عن أصحاب النبي ﷺ ، وفي قتله منع من الإفساد وردع لغيره من إخوانه السحرة.
فإذا تاب الساحر بينه وبين الله توبة صادقة: فإن الله تعالى يقبل منه، وهذا فيما بينه وبين ربه قبل أن يصل أمره للقضاء، فإذا وصل أمره للقضاء الشرعي فينبغي على القاضي قتله من غير استتابة؛ تخليصاً للمجتمع من شره، ولا يجوز لآحاد الناس أن يقيم الحد بنفسه، بل الأمر مرجعه لولي الأمر.
وهذه طائفة من فتاوى العلماء في ذلك:
١. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
" إذا تاب الساحر توبة صادقة فيما بينه وبين الله: نفعه ذلك عند الله، فالله يقبل التوبة من المشركين وغيرهم، كما قال جل وعلا: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) الشورى/٢٥، وقال جل وعلا: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور/٣١.
لكن في الدنيا لا تقبل، الصحيح: أنه يقتل، فإذا ثبت عند حاكم المحكمة أنه ساحر يقتل، ولو قال: إنه تائب، فالتوبة فيما بينه وبين الله صحيحة , إن كان صادقا تنفعه عند الله، أما في الحكم الشرعي فيقتل، كما أمر عمر بقتل السحرة؛ لأن شرهم عظيم، قد يقولون: تبنا، وهم يكذبون، يضرون الناس، فلا يسلم من شرهم بتوبتهم التي أظهروها ولكن يقتلون، وتوبتهم إن كانوا صادقين تنفعهم عند الله " انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ١١١) .
٢. وقال الشيخ ﵀ – أيضاً – (٨/٦٩) :
" والصحيح عند أهل العلم: أن الساحر يقتل بغير استتابة؛ لعظم شره وفساده، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يستتاب، وأنهم كالكفرة الآخرين يستتابون، ولكن الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه لا يستتاب؛ لأن شره عظيم، ولأنه يخفي شره، ويخفي كفره، فقد يدعي أنه تائب وهو يكذب، فيضر الناس ضرراً عظيماً، فلهذا ذهب المحققون من أهل العلم إلى أن من عرف وثبت سحره يقتل ولو زعم أنه تائب ونادم، فلا يصدق في قوله.
ولهذا ثبت عن عمر ﵁ أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن يقتلوا كل من وجدوا من السحرة، حتى يتقي شرهم، قال أبو عثمان النهدي: (فقتلنا ثلاث سواحر) ، هكذا جاء في صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة – [رواه أبو داود بإسناد صحيح وأصله في "البخاري"]-، وهكذا صح عن حفصة أنها قتلت جارية لها، لما علمت أنها تسحر قتلتها، وهكذا جندب بن عبد الله ﵁ الصحابي الجليل لما رأى ساحراً يلعب برأسه - يقطع رأسه ويعيده، يخيِّل على الناس بذلك - أتاه من جهة لا يعلمها فقتله، وقال: (أعد رأسك إن كنت صادقاً) .
والمقصود: أن السحرة شرهم عظيم، ولهذا يجب أن يقتلوا، فولي الأمر إذا عرف أنهم سحرة، وثبت لديه ذلك بالبينة الشرعية: وجب عليه قتلهم؛ صيانة للمجتمع من شرهم وفسادهم " انتهى.
٣. وقال الشيخ – أيضاً – (٨/١١١) :
" إذا قُتل لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، يدفن في مقابر الكفرة، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يصلى عليه، ولا يغسل ولا يكفن، ونسأل الله العافية " انتهى.
٤. وقال – أيضاً -:
" وحكم الساحر الذي يعلم منه أنه يخيل على الناس، أو يترتب على عمله مضرة على الناس، من سحر العيون، والتزوير عليها، أو تحبيب الرجل إلى امرأته والمرأة إلى زوجها، أو ضد ذلك مما يضر الناس، متى ثبت ذلك بالبينة لدى المحاكم الشرعية وجب قتل هذا الساحر، ولا يقبل منه توبة ولو تاب. . .
وقد سبق ما ثبت عن عمر ﵁ أنه أمر عماله - أعني: أمراءه - بقتل السحرة، لمنع فسادهم في الأرض، وإيذائهم للمسلمين وإدخالهم الضرر على الناس، فمتى عرفوا وجب على ولاة أمر المسلمين قتلهم، ولو قالوا: تبنا؛ لأنهم لا يؤمَنون، لكن إن كانوا صادقين في التوبة نفعهم ذلك عند الله ؛ لعموم قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) الشورى/٢٥. . .
أما من جاء إلى ولاة الأمور من غير أن يقبض عليه يخبر عن توبته، وأنه كان فعل كذا فيما مضى من الزمان وتاب إلى الله سبحانه وظهر منه الخير فهذا تقبل توبته؛ لأنه جاء مختاراً طالباً للخير معلناً توبته من غير أن يقبض عليه أحد أو يدعي عليه أحد، والمقصود: أنه إذا جاء على صورة ليس فيها حيلة ولا مكر فإن مثل هذا تقبل توبته؛ لأنه جاء تائباً نادماً، كغيره من الكفرة ممن يكون له سلف سيئ ثم يمن الله عليه بالتوبة من غير إكراه ولا دعوى عليه من أحد " انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ٨١، ٨٢) .
٥. وقال علماء اللجنة الدائمة:
" إذا أتى الساحر في سحره بمكفِّر: قتل لردته حدّاً، وإن ثبت أنه قتل بسحره نفسا معصومة: قتل قصاصاً، وإن لم يأت في سحره بمكفر ولم يقتل نفساً: ففي قتله بسحره خلاف، والصحيح: أنه يقتل حدّاً لردته، وهذا هو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد ﵏؛ لكفره بسحره مطلقا لدلالة آية: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) على كفر الساحر مطلقاً؛ ولما ثبت في " صحيح البخاري " عن بجالة بن عبدة أنه قال: (كتب عمر بن الخطاب ﵁ أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، فقتلنا ثلاث سواحر) ، ولما صح عن حفصة أم المؤمنين ﵂ (أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت) رواه مالك في " الموطأ "؛ ولما ثبت عن جندب أنه قال: (حد الساحر ضربة بالسيف) رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف.
وعلى هذا فحكم الساحر المسئول عنه في الاستفتاء أنه يقتل على الصحيح من أقوال العلماء، والذي يتولى إثبات السحر وتلك العقوبة هو الحاكم المتولي شئون المسلمين؛ درءا للمفسدة وسدا لباب الفوضى " انتهى.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٥٥١ – ٥٥٣) .
٦. وقال الشيخ ابن عثيمين:
" وهذا القتل هل هو حدٌّ أم قتله لكفره؟
يحتمل هذا وهذا، بناء على التفصيل السابق في كفر الساحر، ولكن بناء على ما سبق من التفصيل نقول: من خرج به السحر إلى الكفر فقتله قتل ردة، ومن لم يخرج به السحر إلى الكفر من باب دفع الصائل يجب تنفيذه حيث رآه الإمام.
والحاصل: أنه يجب أن تقتل السحرة، سواء قلنا بكفرهم أم لم نقل؛ لأنهم يمرضون، ويقتلون، ويفرقون بين المرء وزوجه، وكذلك بالعكس؛ فقد يعطفون فيؤلفون بين الأعداء، ويتوصلون إلى أغراضهم؛ فإن بعضهم قد يسحر أحدا ليعطفه إليه وينال مأربه منه، كما لو سحر امرأة ليبغي بها، ولأنهم كانوا يسعون في الأرض فساداً؛ فكان واجباً على وليِّ الأمر قتلهم بدون استتابة ما دام أنه لدفع ضررهم وفظاعة أمرهم؛ فإن الحدَّ لا يستتاب صاحبه، متى قبض عليه وجب أن ينفذ فيه الحد " انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٩ / ٥٠٨، ٥٠٩) وهو شرح لكتاب " التوحيد ".
٧. وقال الشيخ ابن عثيمين – أيضاً -:
" والقول بقتلهم (يعني: السحرة) موافق للقواعد الشرعية؛ لأنهم يسعون في الأرض فساداً، وفسادهم من أعظم الفساد، فقتلهم واجب على الإمام، ولا يجوز للإمام أن يتخلف عن قتلهم؛ لأن مثل هؤلاء إذا تركوا وشأنهم انتشر فسادهم في أرضهم وفي أرض غيرهم، وإذا قتلوا سلم الناس من شرهم، وارتدع الناس عن تعاطي السحر " انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٩ / ٥٠٩) وهو شرح لكتاب " التوحيد ".
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 583
هل للجن دور في إجهاض الجنين وتشويهه
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يستطيع الجن أن يؤثر على الجنين في بطن أمه من حيث إجهاضه أو تشويهه؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب أن تعلمي أن الله تعالى هو الذي يخلق الجنين في بطن أمه، قال تعالى: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) الزمر/٦، وهو الذي يصوره كيف يشاء، قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) آل عمران/٦، وهو الذي يقدر زمن بقائه فيه وخروجه منه، قال تعالى: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) الرعد/٨.
قال الشيخ الشنقيطي – بعد ذِكر الأقوال في تفسير الآية -:
" مرجع هذه الأقوال كلها إلى شيء واحد، وهو أنه تعالى عالم بما تنقصه الأرحام وما تزيده؛ لأن معنى " تغيض ": تنقص، و " تزداد " أي: تأخذه زائداً، فيشمل النقص المذكور: نقص العدد، ونقص العضو من الجنين، ونقص جسمه إذا حاضت عليه فتقلص، ونقص مدة الحمل بأن تسقطه قبل أمد حمله المعتاد، كما أن الازياد يشمل زيادة العضو، وزيادة العدد، وزيادة جسم الجنين إن لم تحض وهي حامل، وزيادة أمد الحمل عن القدر المعتاد، والله جل وعلا يعلم ذلك كله، والآية تشمله كله " انتهى.
" أضواء البيان " (٣ / ٧٣) .
وبه تعلمي أن وجود ما يسمى " التابع " أو " التبيعة " في بطن الأم وأنه يسبب إجهاض أو تشويه الجنين أمرٌ لا صحة له، وهو من خرافات العامة وأساطيرهم.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
كنت قد تزوجت في الثامن من ذي الحجة ١٤٠٣هـ والتي تزوجتها ابنة خالتي، وفي أول يوم من شهر رمضان المبارك ١٤٠٥هـ رزقني الله بمولود سميته: " موسى " وفي شهر شعبان ١٤٠٦هـ أسقطت زوجتي جنينا بعد شهره الثالث.
وفي ربيع الأول ١٤٠٧هـ توفَّى الله ولدي " موسى "، وكما قلت لكم: إن زوجتي ابنة خالتي، وبعد وفاة ابني موسى جاءتني خالتي - والتي هي أم زوجتي - وقالت لي: إنها ذهبت إلى رجل عالم بالكتاب، وقالت: إن هذا الرجل قال لها: إن مع زوجتي تابعة - أو تبيعة - من الجن تقتل أولادها حسداً وحقداً من عندها، وأن هذا الرجل يمكنه أن يقطع دابر تلك التبيعة أو التابعة من الجن.
فرفضت ذلك، وفي ثالث يوم من شهر شعبان الماضي ١٤٠٧هـ رزقني الله بطفلة سميتها " مستورة " ولكن توفاها الله ثاني يوم ولادتها، فجاءتني خالتي وقالت لي: أما قلت لك: تذهب إلى ذلك الرجل وتنتهي من ذلك الموضوع، وأصرت أن نذهب إليه وكذلك أصر معها والدي على أن نذهب إلى ذلك الرجل الذي يقوم بإنهاء تلك التابعة أو التبيعة، فطلبت منهم مهلة عسى الله أن يلهمني، والحمد لله الذي هداني إلى أن أقوم بكتابة هذه الرسالة إليكم راجيا من الله أن يوفقكم في إفتائنا في هذا الموضوع، علما بأن هذا الموضوع يسبب لي أرقاً دائماً.
فأجابوا:
" لقد أحسنتَ بامتناعك من الذهاب مع خالتك - أم زوجتك - إلى الرجل الذي يدعي علم الكتاب؛ لأنه كاهن، وأحسنت أيضا بسؤالك أهل العلم للتحقق من الصواب، وعليك أن ترقي نفسك وزوجتك ومن ترزق من الأولاد بالرقية الشرعية، فتقرأ على كل منهم فاتحة الكتاب والمعوذات الثلاث: " قل هو الله أحد "، وسورة " الفلق "، وسورة " الناس " تكرر المعوذات (ثلاث مرات) وتنفث عقب كل مرة في كفيك وتمسح بهما الوجه وما أقبل من البدن، وتدعو بهذا الدعاء: " أعيذك بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامَّة ومن كل عين لامَّة "، وننصحك بشراء كتاب " الأذكار النووية " للإمام النووي، وكتاب " الكلم الطيب " لابن تيمية، وكتاب " الوابل الصيب " لابن القيم، فإن فيها كثيراً من الأذكار النافعة والرقى الشرعية " انتهى.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٦١٩، ٦٢٠) .
وسئلوا أيضاً:
بعض الناس الذين لم يأت لهم أولاد يرشدهم بعض الناس إلى شراء تيس مثلا، ويقول: لون التيس كذا، كأن يقول: أسود – مثلاً -، ويقول: اربطه في البيت عندك لمدة كذا، ويقولون: السبب في عدم وجود أولاد هي جنية يسمونها بـ: التابعة، فيزعمون أنه عند حالة وجود التيس في البيت يمنعها من دخول البيت وعند ذلك يحصل الحمل، فما حكم هذا؟
فأجابوا:
" لا يجوز ذلك وهو نوع من الكهانة، ولا أساس لصحة ما ذكر، بل هو كذب وافتراء " انتهى.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٥٨٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 584
كيف يقرأ سورة البقرة في البيت؟ وهل تجزئ القراءة من المسجل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قراءة سورة البقرة في البيت وطردها للشياطين: هل يلزم قراءتها بصوت مرتفع؟ وهل استخدام المسجل يؤدي الغرض؟ وهل يجزئ قراءتها منفصلة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أخبر النبي ﷺ عن الفضل العظيم لسورة البقرة كاملة، ولبعض آياتها العظيمة مثل " آية الكرسي " وآخر آيتين منها، ومما ذكره ﷺ في فضلها أن الشياطين تفر من البيت الذي تُقرأ فيه هذه السورة، وأنها نافعة في الوقاية من السحر وفي علاجه.
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفِر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) رواه مسلم (٧٨٠) .
قال النووي – ﵀:
هكذا ضبطه الجمهور " ينفِر " ورواه بعض رواة مسلم " يفرُّ " وكلاهما صحيح.
" شرح مسلم " (٦ / ٦٩) .
عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البَطَلة) رواه مسلم (٨٠٤) .
البَطَلة: السحرة.
ولا يشترط قراءتها بصوت مرتفع، بل يكفي أن تُقرأ وتتلى في البيت، ولو مع خفض الصوت، كما لا يشترط أن تُقرأ دفعة واحدة، بل يمكن أن تُقرأ على مراحل، ولا يشترط أن يكون القارئ واحداً من أهل البيت، بل لو وزعت بينهم لجاز، وإن كان الأفضل في كل ذلك أن تُقرأ دفعة واحدة ومن شخص واحد.
ولا يجوز أن يُعتد بقراءة الصوت الخارج من إذاعة أو شريط، بل لا بدَّ من مباشرة القراءة من أهل البيت أنفسهم.
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
هناك حديث عن النبي ﷺ أن الإنسان لو قرأ سورة " البقرة " لا يدخل الشيطان في بيته، لكن لو كانت السورة مسجلة على شريط هل يحصل نفس الأمر؟
فأجاب:
لا، لا، صوت الشريط ليس بشيء، لا يفيد؛ لأنه لا يقال " قرأ القرآن "، يقال: " استمع إلى صوت قارئ سابق "، ولهذا لو سجَّلنا أذان مؤذن فإذا جاء الوقت جعلناه في " الميكرفون " وتركناه يؤذن هل يُجزئ؟ لا يجزئ، ولو سجلنا خطبة مثيرة، فلما جاء يوم الجمعة وضعنا هذا المسجل وفيه الشريط أمام " الميكرفون " فقال المسجل " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " ثم أذَّن المؤذن، ثم قام فخطب، هل تُجزئ؟ لا تُجزئ، لماذا؟ لأن هذا تسجيل صوتٍ ماضٍ، كما لو أنك كتبته في ورقة أو وضعتَ مصحفاً في البيت، هل يُجزئ عن القراءة؟ لا يُجزئ.
" أسئلة الباب المفتوح " (السؤال رقم ٩٨٦) .
لكن إن لم يكن في أهل البيت من يستطيع أن يقرأ سورة البقرة، ولم يكن هناك من يقرؤها لهم في البيت، واستخدموا المسجل في قراءتها، فالأظهر، إن شاء الله، أنه يحصل لهم هذه الفضيلة في البيت: فرار الشيطان منه؛ لاسيما إن كان من أهل البيت من يستمع القراءة من المسجل.
والله أعلم
هل قراءة سورة البقرة من المسجل يطرد الشيطان من المنزل؟
السؤال: يقول الرسول ﷺ ، فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) . وسؤالي: هل يكفي أن يأتي الإنسان بالمسجل، ويضع فيه شريطا مسجلا عليه سورة البقرة، ويقوم بتشغيله حتى يقرأ كامل السورة؟ أو لا بد أن يقرأ الإنسان بنفسه أو من ينوب عنه السورة؟
الجواب:
الحمد لله
الأظهر- والله أعلم- أنه يحصل بقراءة سورة البقرة كلها من المذياع أو من صاحب البيت ما ذكره النبي ﷺ من فرار الشيطان من ذلك البيت، ولكن لا يلزم من فراره أن لا يعود بعد انتهاء القراءة، كما أنه يفر من سماع الأذان والإقامة ثم يعود حتى يخطر بين المرء وقلبه، ويقول له: اذكر كذا، واذكر كذا. . كما صح بذلك الخبر عن النبي ﷺ ، فالمشروع للمؤمن أن يتعوذ بالله من الشيطان دوما، وأن يحذر من مكائده ووساوسه وما يدعو إليه من الإثم، والله ولي التوفيق " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٤/٤١٣) .
فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
فتاوى نور على الدرب
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 585
قصة سحر النبي ﷺ ومعناها
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الحديث بخصوص تعرض النبي ﷺ للسحر صحيح؟ فقد سمعت الكثير حول الموضوع.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حديث سحر النبي ﷺ حديث صحيح، وقد رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث، وتلقاه أهل السنَّة بالقبول والرضا، ولم يُنكره إلا المبتدعة، وفيما يلي نص الحديث، وتخريجه، ومعناه، ورد العلماء على من أنكره.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ , حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا , وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي؟ أَتَانِي رَجُلانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ , فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ؟ قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ: فِيمَا ذَا؟ قَالَ: فِي مُشُطٍ وَمُشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ. فَخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ: نَخْلُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ. فَقُلْتُ: اسْتَخْرَجْتَهُ؟ فَقَالَ: لا , أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ , وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا , ثُمَّ دُفِنَتْ الْبِئْرُ) رواه البخاري (٣٢٦٨) ومسلم (٢١٨٩) .
مطبوب: مسحور.
(مُشط) : آلة تسريح الشعر.
(مشاقة) أو (مشاطة) : ما يسقط من الشعر.
(وجف طلع نخلة ذَكَر) : هو الغشاء الذي يكون على الطلع، ويطلق على الذكر والأنثى , فلهذا قيده بالذَّكَر.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
" قال المازري: أنكر المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها , قالوا: وكل ما أدَّى إلى ذلك فهو باطل , وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعه من الشرائع إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثَمَّ (هناك) , وأنه يوحي إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء , قال المازري: وهذا كله مردود؛ لأن الدليل قد قام على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ , والمعجزات شاهدات بتصديقه , فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وأما ما يتعلق ببعض الأمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض , فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين.
قال: وقد قال بعض الناس: إن المراد بالحديث أنه كان ﷺ يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن , وهذا كثيراً ما يقع تخيله للإنسان في المنام فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة.
قلت – أي: ابن حجر -: وهذا قد ورد صريحاً في رواية ابن عيينة عند البخاري، ولفظه: (حتى كان يرى (أي: يظن) أنه يأتي النساء ولا يأتيهن) وفي رواية الحميدي: (أنه يأتي أهله ولا يأتيهم) .
قال عياض: فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على تمييزه ومعتقده ... .
وقال المهلب: صون النبي ﷺ من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده , ففي الصحيح أن شيطاناً أراد أن يفسد عليه صلاته فأمكنه الله منه , فكذلك السحر، ما ناله من ضرره لا يدخل نقصا على ما يتعلق بالتبليغ , بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض من ضعف عن الكلام , أو عجز عن بعض الفعل , أو حدوث تخيل لا يستمر , بل يزول ويبطل الله كيد الشياطين " انتهى.
"فتح الباري" (١٠/٢٢٦، ٢٢٧) باختصار.
وقال ابن القيم ﵀:
" هديه ﷺ في علاج السحر الذي سحرته اليهود به:
قد أنكر هذا طائفة من الناس، وقالوا: لا يجوز هذا عليه، وظنُّوه نقصاً وعيباً، وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه من الأسقام والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: (سُحِر رسول الله حتى إن كان ليخيَّل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن، وذلك أشد ما يكون من السحر) قال القاضي عياض: والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل، يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا يُنكر، ولا يَقدح في نبوته.
وأما كونه يخيَّل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله: فليس في هذا ما يُدخل عليه داخلة في شيء من صدقه؛ لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز أن يطرأ عليه في أمر دنياه التي لم يُبعث لسببها، ولا فُضِّل من أجلها، وهو فيها عُرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أنه يخيَّل إليه مِن أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان " انتهى.
"زاد المعاد" (٤/١٢٤) .
وبعد، فقد تبيَّن صحة الحديث، وعدم تنقصه من منصب النبوة، والله يعصم نبيَّه ﷺ قبل السحر وأثناءه وبعده، ولا يعدو سحره عن كونه متعلقاً بظن النبي ﷺ أنه يأتي أهله وهو لم يفعل، وهو في أمرٍ دنيوي بحت، ولا علاقة لسحره بتبليغ الرسالة البتة، وفيما سبق من كلام أهل العلم كفاية، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى "فتح الباري" و "زاد المعاد".
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 586
لماذا نتثاءب في رمضان.. وقد صفدت الشياطين؟ وهل نقل التلفزيون للصور محرم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[المعروف أن الشياطين تصفد في رمضان، وأن التثاؤب من الشيطان ... فلماذا نتثاءب في رمضان؟
والمعروف أيضاً أن تصوير الإنسان محرم فهل يعتبر نقل التلفزيون للصور محرما؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
روى البخاري (٦٢٢٦) ومسلم (٢٩٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ، كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) .
قيل في معنى ذلك: إن الشَّيْطَان يُحِبّ أَنْ يَرَى الْإِنْسَان مُتَثَائِبًا، ويعجبه ذلك منه؛ لِأَنَّهَا حَالَة تَتَغَيَّر فِيهَا صُورَته فَيَضْحَك مِنْهُ، وليس المراد أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الشَّيْطَان هو الذي فَعَلَ التَّثَاؤُب.
وقيل: إنما أضيف التثاؤب إلى الشيطان لأن التثاؤب ينشأ عن امتلاء البطن، وينتج عنه التكاسل؛ وَذَلِكَ إنما يكون بتأثير من الشَّيْطَان. قَالَ النَّوَوِيّ ﵀: أُضِيفَ التَّثَاؤُب إِلَى الشَّيْطَان لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الشَّهَوَات، إِذْ يَكُون عَنْ ثِقَل الْبَدَن وَاسْتِرْخَائِهِ وَامْتِلَائِهِ , وَالْمُرَاد التَّحْذِير مِنْ السَّبَب الَّذِي يَتَوَلَّد مِنْهُ ذَلِكَ وَهُوَ التَّوَسُّع فِي الْمَأْكَل.
وقال المناوي ﵀: أضافه إليه لأنه الداعي إلى إعطاء النفس حظها من الشهوة، وأراد به التحذير من السبب الذي يتولد منه وهو التوسع في المطعم والشبع فيثقل البدن عن الطاعة.
ولا إشكال في وجود التثاؤب من العبد في رمضان، مع تصفيد الشياطين فيه؛ لأنه على القول بأن معنى ذلك أن الشيطان يحبه ويرضاه، فليس من شرط محبته ورضاه أن يكون طليقا، بل يحصل ذلك منه ولو كان مصفدا.
وعلى القول بأن ذلك يكون من تأثير الشيطان، تأثيرا مباشرا، أو غير مباشر، فقد قيل إن الذي يصفد في رمضان هم المردة من الشياطين فقط، وأما غيرهم فيبقى على حاله، فلعل التثاؤب يكون من فعل من لم يصفد منهم.
وأما على القول بأن المراد بتصفيد الشياطين أن إغواءهم وتصرفهم بالشر في المؤمنين يقل في ذلك الشهر عن غيره، فلعل التثاؤب يكون من ذلك التصرف القليل الذي يتمكنون منه في رمضان.
وللمزيد حول معنى تصفيد الشياطين في رمضان راجع السؤال رقم (٣٩٧٣٦) ، وراجع أيضا السؤال رقم (٣٧٩٦٥) لمعرفة الجواب عن: كيف تقع المعاصي في رمضان، مع تصفيد الشياطين.
وأما السؤال عن حكم نقل الصور بالتلفزيون، فتجد جوابه في السؤال رقم (١٠٣٢٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 587
الوسائل الشرعية التي يُتقى بها السحر قبل وقوعه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الوسائل الشرعية التي يُتقى بها السحر قبل وقوعه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فإن من أهم الوسائل التي يُتقي به خطر السحر قبل وقوعه هو التحصن بالأذكار الشرعية، والدعوات والتعوذات المأثورة، ومن ذلك:
١- قراءة آية الكرسي خلف كل صلاة مكتوبة بعد الأذكار المشروعة بعد السلام.
٢-ومن ذلك قراءتها عند النوم، وآية الكرسي: هي أعظم آية في القرآن الكريم وهي قوله : (اللَّه لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤدُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)
٣- ومن ذلك قراءة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) خلف كل صلاة مكتوبة، وقراءة السور الثلاث (ثلاث مرات) : في أول النهار بعد صلاة الفجر، وفي أول الليل بعد صلاة المغرب.
٤- ومن ذلك قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة في أول الليل، وهما قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح﴾ وصح عنه أيضا ﷺ أنه قال: ﴿من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه﴾ والمعنى والله أعلم: كفتاه من كل سوء.
٥- ومن ذلك الإكثار من التعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، في الليل والنهار، وعند نزول أي منزل في البناء، أو الصحراء، أو الجو، أو البحر؛ لقول النبي ﷺ : (من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك
٦- ومن ذلك: أن يقول المسلم في أول النهار وأول الليل (ثلاث مرات) : بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لصحة الترغيب في ذلك عن رسول الله ﷺ ، وأن ذلك سبب للسلامة من كل سوء.
وهذه الأذكار والتعوذات من أعظم الأسباب في اتقاء شر السحر وغيره من الشرور لمن حافظ عليها بصدق وإيمان، وثقة بالله واعتماد عليه، وانشراح صدر لما دلت عليه.
وهي أيضا من أعظم السلاح لدفع السحر بعد وقوعه، مع الإكثار من الضراعة إلى الله، وسؤاله سبحانه: أن يكشف الضرر، ويزيل البأس، ومن الأدعية الثابتة عنه ﷺ في علاج الأمراض من السحر وغيره، وكان ﷺ يرقي بها أصحابه: (اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما) ومن ذلك الرقية التي رقى بها جبرائيل النبي ﷺ وهي قوله: (بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك) وليكرر ذلك (ثلاث مرات) . والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى ومقالات الشيخ عبد العزيز ابن باز – ﵀ – ج٨.
стр. 588
حكم من يرى أن السحر لا يضر ما دام أنه لم يسبب شيئاً من المشاكل
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأي سماحتكم في رجل استعمل الرقية، ولم ير أنها تنفعه فتحول عنه السحر، ويقول: إنه لا يضر مادام أنه لا يسبب شيئاً من المشاكل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
السحر منكر وكفر، وإذا كان المريض لم يشف بالقراءة فالطب أيضاً لا يلزم منه الشفاء؛ لأنه ليس كل علاج ينفع ويحصل به المقصود، فقد يؤجل الله الشفاء إلى مدة طويلة، وقد يموت الإنسان بهذا المرض، وليس من شرط العلاج أن يشفى الإنسان، وليس ذلك بعذر إذا عالج عند إنسان بالقراءة ولم يظهر له الشفاء أن يتوجه إلى السحرة، لأن المكلف مأمور بتعاطي الأسباب الشرعية المباحة، وممنوع من تعاطي الأسباب المحرمة، كما قال النبي ﷺ : (عباد الله تداووا، ولا تداووا بحرام) ، وروي عنه ﷺ أنه قال: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) .
فالأمور كلها بيد الله سبحانه، فهو الذي يشفي من يشاء، ويقدر الموت والمرض على من يشاء، كما قال سبحانه: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير) الأنعام/١٧، وقال تعالى: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم) يونس الآية/١٠٧، فعلى المسلم الصبر والاحتساب، والتقيد بما أباح الله له من الأسباب والحذر مما حرم الله عليه، مع الإيمان بأن قدر الله نافذ وأمره سبحانه لا راد له، كما قال : (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) يس/٨٢، وقال سبحانه: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) التكوير/٢٩، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٨ ص/١١٢.
стр. 589
حكم تعلم السحر وفك السحر عن المسحور
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز تعلم حل أو فك السحر عن المسحور؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان بالشيء المباح من الأدعية الشرعية، أو الأدعية المباحة، أو الرقية الشرعية، فلا بأس، أما أن يتعلم السحر ليحل به السحر أو لمقاصد أخرى فذلك لا يجوز، بل هو من نواقض الإسلام، لأنه لا يمكن تعلمه إلا بالوقوع في الشرك، وذلك بعبادة الشياطين من الذبح لهم، والنذر لهم، ونحو ذلك من أنواع العبادة، والذبح والتقرب إليهم بما يحبون حتى يخدموه بما يحب، وهذا هو الاستمتاع الذي ذكره الله سبحانه بقوله تعالى: (ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم) سورة الأنعام /١٢٨
[الْمَصْدَرُ]
مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز ص ١١٨.
стр. 590
حكم تخيل المريض للعائن
[السُّؤَالُ]
ـ[ما مدى صحة تخيل المريض للعائن من جراء القراءة، أو طلب الراقي من القرين أن يخيل للمريض من أصابه بالعين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تخيل المريض للعائن أثناء القراءة عليه وأمر القارئ له بذلك هو عمل شيطاني لا يجوز؛ لأنه استعانة بالشياطين، فهي التي تتخيل له بصورة الإنسي الذي أصابه، وهذا عمل محرم لأنه استعانة بالشياطين، ولأنه يسبب العداوة بين الناس، ويسبب نشر الخوف والرعب بين الناس، فيدخل في قوله تعالى: " وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا " الجن: ٦. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
стр. 591
تعلق التميمة، وعلاج الكوابيس
[السُّؤَالُ]
ـ[لي صديق عندما كان صغيراً لم يكن يستطيع النوم ويرى كوابيس، كان أبوه يأخذه لرجل من الأولياء، وقد صنع له هذا الرجل قلادة من أشياء كالصناديق الصغيرة تحتوي على كتابات مقدسة.
هل هذا جائز في الإسلام؟ عمره الآن ٢٤ سنة فماذا تنصحه أن يفعل لكي يتخلص من هذه الكوابيس؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا يجوز الذهاب إلى الكهنة والعرافين، والمشعوذين، ومن ذهب إليهم وسألهم عن شيء لم تُقْبِل منه صلاة أربعين يوماً، ومن صدَّقهم بأنهم يعلمون الغيب أو يكشفون الضر ويجلبون النفع فهو كافر كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ .
ولا يجوز تعليق الخرز والتمائم، وقد جاء الوعيد الأكيد في السنة الصحيحة لمن فعل ذلك.
عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد فقالوا: يا رسول الله بايعتَ تسعة وتركت هذا، قال: إن عليه تميمة، فأدخل يده فقطعها فبايعه وقال: من علق تميمة فقد أشرك. رواه أحمد (١٦٩٦٩) . والحديث: صححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٤٩٢) .
وفي جواب السؤال رقم (١٠٥٤٣) تجد تفصيل الأحاديث الواردة في التمائم، وفيه بيان حكم العلماء في التميمة المعلقة من القرآن وحكم التمائم من غيرها.
وفيه – عن الشيخ سليمان بن عبد الوهاب -:
هذا اختلاف العلماء في تعليق القرآن وأسماء الله وصفاته فما ظنك بما حدث بعدهم من الرقى بأسماء الشياطين وغيرهم وتعليقها بل والتعلق عليهم والاستعاذة بهم والذبح لهم وسؤالهم كشف الضر وجلب الخير مما هو شرك محض وهو غالب على كثير من الناس إلا من سلم الله. اهـ.
وعن الشيخ حافظ حكمي:
وإن تكن - أي: التمائم - مما سوى الوحيين بل من طلاسم اليهود وعبَّاد الهياكل والنجوم والملائكة ومستخدمي الجن ونحوهم أو من الخرز أو الأوتار أو الحلق من الحديد وغيره فإنها شرك - أي: تعليقها شرك - بدون ميْن - أي: شك -. اهـ
ثانياً:
وفي جواب السؤال رقم (٩٥٧٧) تجد سُبل الوقاية من الكوابيس والمنامات المزعجة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 592
أشخاص يدعون قدرتهم على مضاعفة الأموال باستخدام الجن
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد رجل يدعي أنه يتعامل مع الجن، ويقول: إنه على استعداد بأن يقوم بدفع الأرباح مضاعفة لمن يتعامل معه، فمثلاً إذا أعطيته مبلغ مليون فإنه يستخدم مادة الزئبق، للتعامل مع الجن، وبعدها يعطي أرباح خمسة ملايين ريال تقريباً، فما رأي فضيلتكم فيما يدعيه هذا الشخص، وهل صحيح أن الجن يحضرون مبالغ لمن يستخدمهم على حد زعمه؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
أرى أن هذا لا يجوز، حيث أن التعامل معهم غالباً لا يكون إلا بعد التقرب إليهم بما يحبون، وهو عمل الساحر الذي يتقرب إلى الشيطان بما يحب حتى يبطل عمله، وهكذا لما ذكر من استخدامهم الزئبق، فإنه خداع وأكل للمال بالباطل، وقد يدخل في القمار والاختلاس، فإن عمل الشياطين يكون بالتخييل والسحر، ومعلوم أنهم لا يملكون مثل ما نملك من الأموال والنقود والأمتعة، فإذا أعطوا الإنسان شيئاً من ذلك فإما أن يكون من التخييل الذي لا حقيقة له، أو أنه اختلاس من أموال الناس، فلا يحق التعامل معهم. انتهى
وفي الحقيقة فإن كثيراً من هؤلاء المشعوذين الذين يدّعون تكثير الأموال هم محتالون وكذابون ويخدعون الناس ويأكلون أموالهم وأعمالهم لا تعدو أن تكون أعمال نصب واحتيال والجرائد طافحة بمثل هذه الأخبار نسأل الله السلامة.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 593
أثر السحر على العلاقة الزوجية
[السُّؤَالُ]
ـ[هل للسحر أثر على العلاقة الزوجية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الساحر يتعاطى أموراً يسحر بها الناس تارة بالتخييل، كما قال الله عن سحرة فرعون: (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) طه/٦٦، ويعملون أعمالاً تغير مناظر الأمور في أعين الناس حتى يروا الأشياء على غير ما هي عليه، كما قال تعالى في سورة الأعراف: (فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم) /١٦٦، فهم يفعلون أشياء تسحر العيون، حتى يرى الحبل حية والعصا حية تمشي، وهي ليست حية وإنما عصا أو حبل، وكذلك يسحرون الناس بأمور أخرى مما يبغض الرجل إلى امرأته، والمرأة إلى زوجها، مما يسحرون به أعينهم، وبما يعطونهم من أدوية خبيثة يتلقونها عن الشياطين، وبما يعقدون من العقد التي ينفثون فيها بدعوة غير الله من الشياطين، والاستعانة بهم في إضرار الناس، فيخيل للرجل أن زوجته غير الزوجة المعروفة، فيراها في طلعة قبيحة ينفر منها ويبغضها، ويخيل للمرأة أن زوجها غير زوجها المعروف في صورة قبيحة وفي صورة مفزعة، بأسباب مما وقع من هؤلاء المجرمين. فسحرهم على نوعين: نوع يكون بالتخييل والتزوير على العيون حتى ترى الأشياء على غير ما هي عليه.
ونوع آخر منه يسمى الصرف والعطف، يكون بالعقد والنفث والأدوية، التي يصنعونها من وحي الشياطين وما تزينه لهم ويدعونهم إليه وهذا النوع الثاني يحصل به تحبب الرجل إلى امرأته، أو بغضه لها والعكس، وهكذا غير الزوج والزوجة مع الناس الآخرين، ولهذا شرع الله لنا للاستعاذة من شر النفاثات في العقد، وشرع لنا الاستعاذة من كل سوء.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٨ ص/٨٠.
стр. 594
حول دخول الجن بدن الإنسان
[السُّؤَالُ]
ـ[أُثِيرَت في الأيام الماضية قضية دخول الجن بدن الإنسان، وأن هذا مستحيل عقلاً !! بسبب الاختلاف في أصل الخلقة، إذ خلق الإنسان من طين وخلق الجن من نار، وإن الشياطين لا تملك سوى الوسوسة ولم يجعل الله لها سلطة على الإنسان! وأن الأشرطة المسجلة التي تتداول ليست دليلاً على هذا الأمر، فما ردكم على ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن دخول الجان بدن الإنسان ثابت بالكتاب والسنة واتفاق أهل السنة والجماعة والمشاهد والمحسوس، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة الذي قدموا معقولاتهم على أدلة الكتاب والسنة، ونحن نذكر من ذلك ما تيسر:
قال الله : (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا..) البقرة/٢٧٥
قال القرطبي في تفسيره (ج٣ص٣٥٥) : (هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس)
وقال ابن كثير في تفسير (ج١ص٣٢) بعد أن ذكر الآية السابقة (أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قياماً منكراً، وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق) .
وجاء في الحديث الصحيح الذي يرويه النسائي عن أبي اليسر أن النبي ﷺ كان يدعو: (اللهم إني أعوذ بك من التردي والهرم والغرق والحرق وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت ... ) قال المناوي في فيضه (ج٢ص١٤٨) في شرح عبارة (وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت) أي يصرعني ويلعب بي ويفسد ديني أو عقلي (عند الموت) بنزعاته التي تزل بها الأقدام، وتصرع العقول والأحلام وقد يستولي على المرء عند فراق الدنيا فيضله أو يمنعه من التوبة ... الخ
وقال ابن تيمية (مجموع الفتاوى ٢٤/٢٧٦) دخول الجن في بدن الإنسان ثابت باتفاق أهل السنة والجماعة، قال الله تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) البقرة /٢٧٥ وفي الصحيح عن النبي ﷺ : (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) أ. هـ
وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن أقواماً يقولون إن الجن لا يدخل في بدن المصروع فقال: (يا بني يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه) . قال ابن تيمية معلقاً (هذا الذي قاله مشهور فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويُضرب على بدنه ضرباً عظيماً لو ضُرب به جمل لأثر به أثراً عظيماً، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب، ولا بالكلام الذي يقوله وقد يَجُر المصروع وغير المصروع ويجر البساط الذي يجلس عليه ويحول الآلات وينقل من مكان إلى مكان ويجري غير ذلك من الأمور، ومن شاهدها أفادته علماً ضرورياً بأن الناطق على لسان الإنس، والمحرك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان) ، ويقول ﵀: (وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجن بدن المصروع وغيره، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يُكذب ذلك فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك) .
فدخول الجن إلى جسد الإنس إذاً ثابت بالكتاب العزيز والسنة المطهرة وباتفاق أهل السنة والجماعة الذي سردنا بعضاً من أقوالهم.
وأما قول الله : (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) فهو لا شك دليل واضح على أن الجن لا يستطيعون أن يضروا أحداً بسحر أو بصرع أو غيره من أنواع الإيذاء أو الإضلال إلا بإذن الله، كما قال الحسن البصري: من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ لم يسلط ولا يستطيعون من أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى، فالشيطان (وهو الجني الكافر) قد يسلط على المؤمنين بذنوبهم وبعدهم عن ذكر الله وتوحيده وإخلاص العبادة له، وأما عباد الله الصالحين فلا قدرة له عليهم كما قال تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً) الإسراء/٦٥.
وقد كانت العرب في الجاهلية تعرف ذلك جيداً وتتداوله في أشعارها فقد شبه الأعشى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله:
وتصبح عن غب السرى وكأنما ألم بها من طائف الجن أولق
والأولق: شبه الجنون.
أما أسباب الصرع: فقد بين ابن تيمية (مجموع الفتاوى ١٩/٣٩) ذلك بقوله: (إن صرع الجن للإنس قد يكون عن شهوة وهوى وعشق كما يتفق للإنس مع الإنس ... وقد يكون وهو الأكثر عن بغض ومجازاة مثل أن يؤذيهم بعض الإنس أو يظنوا أنهم يتعمدون أذاهم إما يبول على بعضهم وإما يصب ماءً حاراً وإما بقتل بعضهم، وإن كان الإنس لا يعرف ذلك، وفي الجن جهل وظلم فيعاقبونه بأكثر مما يستحقه، وقد يكون عن عبث منهم وشر بمثل سفهاء الإنس) انتهى.
أقول: ولعل النجاة من ذلك هو ذكر الله والتسمية عند بدء الأمور كلها كما صح عن النبي ﷺ التسمية وذكر الله عند أمور كثيرة مثل أكل الطعام والشراب وعند ركوب الدابة وعند وضع الثياب للحاجة وعند الجماع وغيرها من الأمور..
وأما عن علاجه فيقول ابن تيمية (مجموع الفتاوى ١٩/٤٢) : (والمقصود أن الجن إذا اعتدوا على الإنس أخبروا بحكم الله ورسوله وأقيمت عليهم الحجة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر كما يفعل بالإنس لأن الله يقول: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) ثم قال: وإذا لم يرتدع الجني بالأمر والنهي والبيان فإنه يجوز نهره وسبه وتهديده ولعنه، كما فعل رسول الله ﷺ مع الشيطان عندما جاء بشهاب ليرميه في وجه الرسول ﷺ فقال ﵊: (أعوذ بالله منك، وألعنك بلعنة الله - ثلاثاً) رواه البخاري، ويستعان عليه أيضاً بذكر الله وقراءة القرآن، وخاصة أية الكرسي فقد قال ﷺ : (فإنه من قرأها لن يزال عليه من الله حافظ ولا يقربه الشيطان حتى يصبح) رواه البخاري وقراءة المعوذتين كذلك.
وأما الطبيب النفساني الذي لا يعتمد على ما ذكرنا في علاجه للمصروع فإنه لن ينفع المصروع بشيء.
والمسألة تحتمل البسط أكثر من ذلك وفيما ذكرناه كفاية للمتبع. والحمد لله رب العالمين.
[الْمَصْدَرُ]
المرجع: مسائل ورسائل/محمد الحمود النجدي ص٢٣
стр. 595
القول الصحيح في حكم الساحر
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو القول الصحيح في حكم الساحر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
السحر بكل أنواعه محرم في كل الشرائع ومجمع على تحريمه وتحريم تعلمه.
وهو يخالف ما جاءَت به الرسل ويعارض ما أنزلت من أجله الكتب.
وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الساحر كافر يجب على وليّ الأمر قتله.
قال تعالى ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ... ﴾ .
وقال ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ أي بعمل السحر فثبت أن هذا كفر.
وذهب أكثر فقهاء الشافعية إلى أن الساحر لا يكفر إلا إذا اعتقد إباحة السحر أو اعتقد مثل ما يعتقده أهل بابل من التقرب للكواكب السبعة.
وفيه نظر ولا دليل على اشتراط الاعتقاد.
والصحيح أن الساحر كافر سواء اعتقد تحريمه أو لم يعتقد فمجرد عمل السحر كفر وهذا ظاهر الأدلة وليس في النصوص الأخرى ما يعارضها.
وحين يثبت وصف السحر على شخص ما فإنه يقتل وجوباً فقد ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة ولكن ليس لآحاد الناس إقامة الحدود دون أمر السلطان أو من يقوم مقامه لأنه يترتب على إقامة الحدود دون ولاة الأمور فساد وزعزعة للأمن وذهاب هيبة السلطان.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ سليمان العلوان
стр. 596
ربط خيط مقروء عليه آيات من القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن نقرأ القرآن على خيط أو ما شابهه، ثم نربطه حول معصم الطفل لحمايته من العين أو من الأمراض؟
أو بدلا عن ذلك، فهل يجوز أن نقوم بوضع آيات قرآنية داخل كبسولة معدنية صغيرة ثم نربطها حول معصم المسلم لحمايته من الاصابة بالعين أو البلايا؟
الناس عندنا في حينا السكني يعملون الأمرين أعلاه كثيرا. إنهم يقصدون إمام المسجد المحلي ليقدم لهم هذه الخدمات. وأنا لا أريد أن أفعل هذا لطفلي ما لم يكن هناك سبب تقبل به الشريعة.
أرجو أن تساعدني في الوصول للحقيقة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز ربط هذه الخيوط أو القلائد، قال ﷺ : " من تعلّق تميمة فلا أتمّ الله عليه "
وقال: " من تعلّق شيئا وُكل إليه "، وقال: " من تعلّق تميمة فقد أشرك ".
وقد أمر النبي ﵊ بقطعها كما في الحديث عن عمران بن الحصين أن النبي ﷺ رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال ما هذه الحلقة قال هذه من الواهنة قال انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا. رواه ابن ماجة.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ وليد الفريان.
стр. 597
كيف تتخلص من التميمة بدون ضرر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[رجل ممن يعملون عندي والدي أقنعه أنه مصاب بالعين، وأحضر له حجراً وقال: ضعها في جيبك حتى تقيك من العين، ثم بعد فترة أحضر له ورقة مكتوباً فيها اب ع د وأسفل الورقة الله الحامي وبعض الكتابات الغير مفهومة والطلاسم والخرابيش فنحن نريد أن نتخلص من هذه الورقة لأنها غير مشروعة ولكن لم نعرف الطريقة الصحيحة للتخلص منها دون أي مضرة لنا، وأرجو من فضيلتك بعض الكلمات المفيدة والناصحة لنا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
العين حق كما أخبر النبي ﷺ ، والوقاية منها تكون بالرقية الشرعية، والأوراد النبوية، لا بالتمائم، ولا بالتعاويذ التي يكتبها الدجاجلة والمشعوذون، ولمعرفة حقيقة العين وطرق الوقاية منها انظري السؤال رقم ٢٠٩٥٤، ورقم ١١٣٥٩.
ثانيا:
حمل الأحجار أو التعاويذ بقصد الحماية من العين أو السحر، يدخل في تعليق التمائم المنهي عنه، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَهْطٌ فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايَعْتَ تِسْعَةً وَتَرَكْتَ هَذَا. قَالَ: إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا فَبَايَعَهُ، وَقَالَ: (مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ) رواه أحمد (١٦٧٨١) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٩٢) .
وروى أحمد (١٧٤٤٠) عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ) والحديث حسنه الأرنؤوط في تحقيقه على المسند.
والودعة: واحدة الودع، وهي أحجار تؤخذ من البحر يعلقونها لدفع العين.
قال الخطابي ﵀: " التميمة يقال إنها خرزة كانوا يعلقونها يرون أنها تدفع الآفات ".
وقال البغوي ﵀: " التمائم: جمع تميمة وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين بزعمهم فأبطلها الشرع ". "التعريفات الاعتقادية" ص ١٢١.
والصحيح من قولي العلماء تحريم التميمة ولو كانت من القرآن، وانظري السؤال رقم (١٠٥٤٣) ، وأما ما اشتمل على الحروف والكلمات المجهولة فلا خلاف في تحريمه، ولا يؤمن أن تكون سحرا، أو استعانة بالجن.
ثالثا:
طريقة التخلص من التمائم ومن السحر عند العثور عليه: يكون بحل العقد – إن وجدت - وفصل الأجزاء بعضها عن بعض ثم إتلافها بالحرق ونحوه؛ لما ثبت من حديث زيد بن أرقم ﵁ قال: (كان رجل من اليهود يدخل على النبي ﷺ ، وكان يأمنه، فعقد له عُقَدا فوضعه في بئر رجل من الأنصار، فاشتكى لذلك أياما. وفي حديث عائشة: (ستة أشهر) فأتاه ملكان يعودانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال: فلان الذي كان يدخل عليه عقد له عُقَدا، فألقاه في بئر فلان الأنصاري، فلو أرسل إليه رجلا وأخذ منه العقد لوجد الماء قد اصفر. فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين وقال: إن رجلا من اليهود سحرك، والسحر في بئر فلان، قال: فبعث عليا ﵁ فوجد الماء قد اصفر فأخذ العقد فجاء بها، فأمره أن يحل العقد ويقرأ آية، فجعل يقرأ ويحل، فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة، فبرأ) أورده الألباني في السلسة الصحيحة (٦/٦١٥) وعزاه للحاكم (٤/٤٦٠) والنسائي (٢/١٧٢) وأحمد (٤/٣٦٧) والطبراني.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: " ينظر فيما فعله الساحر، إذا عرف أنه مثلا جعل شيئا من الشَّعر في مكان، أو جعله في أمشاط، أو في غير ذلك، إذا عرف أنه وضعه في المكان الفلاني أزيل هذا الشيء وأحرق وأتلف فيبطل مفعوله ويزول ما أراده الساحر " انتهى من "مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز" (٨/١٤٤) .
فالتخلص من الورقة التي مع أبيك، يكون بتمزيقها، وحرقها، مع تذكيره بالتوبة إلى الله تعالى من تعليق التمائم والتعلّق بها.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 598
استرجاع المسروقات والمفقودات عن طريق الكهان والعرافين
[السُّؤَالُ]
ـ[اختفى دفتر فواتير مهم خاص بالمؤسسة وعدم ظهوره سوف يكلفني الكثير أرسلت أحد أقاربي إلى رجل دين وسأله عن كيفية الحصول على هذا الدفتر، المهم: أمر بإحضار طفل عمره ١١-١٢ سنة وأعطاه بيضة كتب عليها كتابة بالأزرق وغطى الطفل بشماغ وأخذ يقرأ ما تيسر من القرآن ثم سأل الطفل هل يرى الشخص الذي أخذ الدفتر فذكر الطفل شكل واسم شخص نعرفه تماماً ولا يعرفه هذا الطفل فما الحكم في هذا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
دلت الأدلة الصحيحة على تحريم إتيان العرافين والكهنة، وسؤالهم وتصديقهم، ومن ذلك قول النبي ﷺ : (مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) رواه مسلم (٢٢٣٠) .
وقوله ﷺ : (مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ رواه أحمد (٩٧٧٩) وأبو داود (٣٩٠٤) والترمذي (١٣٥) وابن ماجه (٩٣٦) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
قال البغوي ﵀: " العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك " نقله في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (٢/١٧٨) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " والعراف: قيل هو الكاهن، وهو الذي يخبر عن المستقبل.
وقيل: هو اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يستدل على معرفة الغيب بمقدمات يستعملها، وهذا المعنى أعم، ويدل عليه الاشتقاق؛ إذ هو مشتق من المعرفة، فيشمل كل من تعاطى هذه الأمور وادعى بها المعرفة ". انتهى من "القول المفيد على كتاب التوحيد" (٢/٤٨) .
فالتوصل إلى معرفة السارق بالطريقة التي ذكرت، نوع من العرافة والكهانة المحرمة، التي تعتمد على استخدام الجن والوثوق بهم، ولا ينبغي الانخداع بقراءة العراف لشيء من القرآن، فهذا من الحيلة والتمويه التي يلجأ إليها هؤلاء المبطلون.
وانظر السؤال رقم (٢١١٢٤) : في بيان علامات السحرة والعرافين والكهان.
ثانيا:
ذهب بعض أهل العلم إلى كفر من يدعي معرفة المسروقات أو أن الجن تخبره بذلك، قال ابن نجيم ﵀ في بيان المكفّرات: " وبإتيان الكاهن وتصديقه، وبقوله: أنا أعلم المسروقات، وبقوله: أنا أخبر عن إخبار الجن إياي " انتهى من البحر الرائق (٥/١٣٠) . وإنما يكفر بقوله: أنا أخبر عن إخبار الجن إياي؛ لأن الجن كالإنس لا يعلمون الغيب، كما قال تعالى عنهم: (فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) سبأ/١٤، قاله في حاشية البحر الرائق.
وأما إتيان العراف وسؤاله، فيه تفصيل:
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " سؤال العراف ونحوه ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يسأله سؤالا مجردا؛ فهذا حرام لقول النبي ﷺ : (من أتي عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) ؛ فإثبات العقوبة على سؤاله يدل على تحريمه؛ إذ لا عقوبة إلا على فعل محرم.
القسم الثاني: أن يسأله فيصدقه، ويعتبر قوله؛ فهذا كفر لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن، حيث قال تعالى: (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله) النمل/٦٥.
القسم الثالث: أن يسأله ليختبره: هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله؛ فهذا لا بأس به، وقد سأل النبي ﷺ ابن صياد؛ فقال: (ماذا خبأت لك؟ قال: الدخ. فقال له النبي ﷺ : (اخسأ؛ فلن تعدو قدرك) .
فالنبي ﷺ سأله عن شيء أضمره له؛ لأجل أن يختبره؛ فأخبره به.
القسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمور، وهذا قد يكون واجبا أو مطلوبا " انتهى من "القول المفيد" (٢/٤٩) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: أحيانا نفقد بعض المال أو الذهب من المنزل ونعتقد أنه سُرق، ونذهب لأحد الأشخاص ويعرف بالمخبر، ونشرح له ذلك، ويوعدنا خيرا، وأحيانا نسترجع المفقود، وأحيانا لا، فما حكم ذهابنا لهؤلاء الأشخاص؟
فأجابت: " لا يجوز ذهابكم إليه لأنه كاهن، وقد صح عن النبي ﷺ النهي عن إتيان الكهان ونحوهم وسؤالهم وتصديقهم "انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٤١٠) .
وسئلوا أيضاً (١/٤١١) : قلتم في سؤال سابق لي وجوابه إن الذهاب إلى المخبر لا يجوز لأنه كاهن. أود أن أشير هنا أن الأشخاص الذين نذهب لهم معروفون بتمسكهم بتعاليم الدين الحنيف، ولا يقرأون غير القرآن والأحاديث الشريفة في مثل تلك المسائل التي ذكرتها في سؤالي، فما حكم ذهابنا إليهم؟
فأجابوا: " مجرد قراءة القرآن والأحاديث لا يُعرف به مكان المفقود، ولا يسترجع به، ومن ذهب إلى من يدعي معرفة مكان المفقود بمجرد قراءة القرآن والأحاديث فهو ملتجئ إلى كاهن دجال، ولو ادعى أنه صالح متمسك بالدين، وقد يتظاهر بقراءة القرآن والحديث الشريف للتضليل والتلبيس، وهم في الباطن من الكهنة والعرافين " انتهى.
ثالثا:
على من أتى هذا العراف وسأله، أن يتوب إلى الله تعالى، بالندم على فعله، والعزم على ألا يعود إليه، وأن لا يتهم أحدا بالسرقة اعتمادا على قول العراف ومساعديه من الجن، فإن الجن يكذبون، وقد يتهمون البريء للإيقاع والإفساد بين المسلمين. والتوبة هنا تلزم من أتى العراف وسأله، كما تلزم من دله وأرشده، فإن الجميع واقعون في المعصية. وراجع السؤال رقم ٣٢٨٦٣ في التوبة من سؤال العرافين أو تصديقهم.
وينبغي للمسلم أن يفزع إلى الله تعالى، ويلجأ إليه عند حلول الحوادث والمصائب، فإن الأمر كله بيده سبحانه، كما قال: (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) النمل/٦٢.
ولا يليق بمسلم أبداً أن يعرض دينه للضياع من أجل أن يجد شيئا فُقِدَ منه، فإن أغلى ما يجب على المسلم الحفاظ عليه هو دينه، وليبذل في سبيل الحفاظ على دينه ما أمكنه بذله من نفس ومال.... وكل شيء، ولا يجوز أبداً بحال من الأحوال أن يكون الأمر بالعكس.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 599
كيفية التخلص من السحر بعد العثور عليه
[السُّؤَالُ]
ـ[أحضرنا خادمة، والآن بعد مرور ٧ شهور ذات يوم بعد خروجها من دورة المياه وجدنا في مكانها شعر ملفوف غير طبيعي ومربوط عليه بخيط أربع لفات مع العلم أن الشعر ليس من شعر أهل البيت ثم قمنا بتفتيش حقيبتها فوجدنا أربع لفات من نفس الشعر وكل لفة معقود عليها بأربع لفات، ماذا نفعل بالشعر؟ مع العلم أيضا أن الشعر ليس شعر الخادمة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لف الشعر وعقده بالخيط من الطرق التي يستعملها السحرة في سحرهم وضلالهم، فإنهم يعقدون العقد وينفثون عليها بتعاويذهم الباطلة. ومن وجد شيئا من ذلك فليحل العقد وليفصل الأجزاء بعضها عن بعض مع قراءة المعوذات، ثم يتلفها بالحرق ونحوه؛ لما ثبت من حديث زيد بن أرقم ﵁ قال: (كان رجل من اليهود يدخل على النبي ﷺ ، وكان يأمنه، فعقد له عُقَدا فوضعه في بئر رجل من الأنصار، فاشتكى لذلك أياما، وفي حديث عائشة: (ستة أشهر) فأتاه ملكان يعودانه، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال: فلان الذي كان يدخل عليه عقد له عُقَدا فألقاه في بئر فلان الأنصاري، فلو أرسل إليه رجلا وأخذ منه العقد لوجد الماء قد اصفر. فأتاه جبريل، فنزل عليه بالمعوذتين وقال: إن رجلا من اليهود سحرك، والسحر في بئر فلان، قال: فبعث رجلا (وفي طريق أخرى: فبعث عليا ﵁ فوجد الماء قد اصفر، فأخذ العقد فجاء بها، فأمره أن يحل العقد ويقرأ آية فحلها، فجعل يقرأ ويحل، فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة، فبرأ) . أورده الألباني في السلسة الصحيحة (٦/٦١٥) وعزاه للحاكم (٤/٤٦٠) والنسائي (٢/١٧٢) وأحمد (٤/٣٦٧) والطبراني.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: " ومن علاج السحر أيضا وهو من أنفع علاجه: بذل الجهود في معرفة موضع السحر في أرض أو جبل أو غير ذلك، فإذا عرف واستخرج وأتلف بطل السحر " انتهى. "مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز" (٣/٢٨٠) .
وقال أيضا: " ينظر فيما فعله الساحر، إذا عرف أنه مثلا جعل شيئا من الشعر في مكان، أو جعله في أمشاط، أو في غير ذلك، إذا عرف أنه وضعه في المكان الفلاني أزيل هذا الشيء وأحرق وأتلف فيبطل مفعوله ويزول ما أراده الساحر " "مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز" (٨/١٤٤) .
وينبغي الحذر من هذه الخادمة والسعي في إرجاعها إلى بلدها، كما ينبغي لأهل المنزل أن يتحصنوا بالأذكار الشرعية، كأذكار الصباح والمساء والنوم، والدخول والخروج، والأكل والشرب.
ومن الأمور التي يتقى بها خطر السحر قبل وقوعه: " أهم ذلك وأنفعه هو التحصن بالأذكار الشرعية والدعوات والمعوذات المأثورة ومن ذلك: قراءة آية الكرسي خلف كل صلاة مكتوبة بعد الأذكار المشروعة بعد السلام، ومن ذلك: قراءتها عند النوم، وآية الكرسي هي أعظم آية في القرآن الكريم وهي قوله سبحانه: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) البقرة/٢٥٥.
ومن ذلك: قراءة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ، خلف كل صلاة مكتوبة، وقراءة السور الثلاث ثلاث مرات في أول النهار بعد صلاة الفجر وفي أول الليل بعد صلاة المغرب.
ومن ذلك: قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة في أول الليل وهما قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير. . . إلى آخر السورة) .
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح) وصح عنه أيضا ﷺ أنه قال: (من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه) والمعنى والله أعلم: كفتاه من كل سوء.
ومن ذلك: الإكثار من التعوذ بـ (كلمات الله التامات من شر ما خلق) في الليل والنهار وعند نزول أي منزل في البناء أو الصحراء أو الجو أو البحر؛ لقول النبي ﷺ : (من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك) .
ومن ذلك: أن يقول المسلم في أول النهار وأول الليل ثلاث مرات: (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) لصحة الترغيب في ذلك عن رسول الله ﷺ ، وأن ذلك سبب للسلامة من كل سوء.
وهذه الأذكار والتعوذات من أعظم الأسباب في اتقاء شر السحر وغيره من الشرور لمن حافظ عليها بصدق وإيمان وثقة بلله واعتماد عليه وانشراح صدر لما دلت عليه، وهي أيضا من أعظم السلاح لإزالة السحر بعد وقوعه مع الإكثار من الضراعة إلى الله وسؤاله سبحانه أن يكشف الضرر ويزيل البأس.
ومن الأدعية الثابتة عنه ﷺ في علاج الأمراض من السحر وغيره - وكان ﷺ يرقي بها أصحابه -: (اللهم رب الناس، أذهب البأس واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما) يقولها ثلاثا.
ومن ذلك: الرقية التي رقى بها جبرائيل النبي ﷺ وهي قوله: (بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك) ويكرر ذلك ثلاث مرات. انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٣/٢٧٧- ٢٧٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 600
هل هناك فضل أو مزية لمن قتلت بالسحر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي زميلة توفيت جدتها مسحورة بعد ٣ سنوات من السحر، وقد حاولوا علاجها ولكن لم يفد ذلك، وتسألني زميلتي هل موتها عادي أم أن هناك فضلاً أو أي شيء يميز الإنسان الذي يموت وهو مسحور؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم نقف على دليلٍ أو نقلٍ ـ بعد البحث ـ يدل على فضل من مات بالسحر، إلا أن المسحور إن صبر على بلواه كان له أجر الصابرين، وما أعظمه من أجر. قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر/١٠، وقال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة/١٥٥- ١٥٧
وقال النَّبِيِّ ﷺ : (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ) رواه الترمذي (٢٣٩٦) وابن ماجه (٤٠٣١) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وقال ﷺ : (مَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) رواه الترمذي (٢٣٩٩) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وروى البخاري (٥٦٥٣) ومسلم (٢٥٧٦) عن عَطَاء بْن أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي. قَالَ: (إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ) فَقَالَتْ: أَصْبِرُ. فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.
وليعلم أن السحر له حقيقة، وقد يؤدي إلى مرض المسحور، وربما أدى إلى قتله.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وأما السحر في الشرع؛ فإنه ينقسم إلى قسمين:
الأول: عُقَدٌ وَرُقىً؛ أي: قراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين فيما يريد به ضرر المسحور، لكن قد قال الله تعالى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ) البقرة/١٠٢.
الثاني: أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته وميله؛ فتجده ينصرف ويميل، وهو ما يسمى عندهم بالصرف والعطف.
فيجعلون الإنسان ينعطف على زوجته أو امرأة أخرى، حتى يكون كالبهيمة تقوده كما تشاء، والصرف بالعكس من ذلك.
فيؤثر في بدن المسحور بإضعافه شيئا فشيئا حتى يهلك.
وفي تصوره بأن يتخيل الأشياء على خلاف ما هي عليه.
وفي عقله؛ فربما يصل إلى الجنون والعياذ بالله " انتهى من "شرح كتاب التوحيد" (٢/٥) .
هذا وقد ينال المسحور أجر الشهيد إذا أدى السحر إلى مرضه بداء البطن، أو الطاعون، أو ذات الجنب، أو ماتت المرأة وهي في حال الولادة، فقد روى أحمد (٢٣٨٠٤) وأبو داود (٣١١١) والنسائي (١٨٤٦) أن النبي ﷺ قال: (مَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟ قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ. وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ. وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ. وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ. وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ. وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ. وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ) والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود.
قال في "عون المعبود":
" (المطعون) هو الذي يموت بالطاعون (والغرق شهيد) إذا كان سفره طاعة (وصاحب ذات الجنب) وهي قرحة أو قروح تصيب الإنسان داخل جنبه ثم تفتح ويسكن الوجع وذلك وقت الهلاك، ومن علاماتها الوجع تحت الأضلاع وضيق النفس مع ملازمة الحمى والسعال (والمبطون) من إسهال أو استسقاء أو وجع بطن (وصاحب الحريق) أي المحرق وهو الذي يموت بالحرق (تحت الهدم) أي حائط ونحوه.
(والمرأة تموت بجُمع) قال الخطابي: معناه أن تموت وفي بطنها ولد " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →