← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

كيف يعرف الشخص الذي حسده، وعلاج المحسود [السُّؤَالُ] ـ[هل من الممكن للإنسان المحسود أن يعرف هل هو حسد نفسه أم حسده شخص آخر؟ وما هو الدواء في كلا الحالتين؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إذا أُعجب الإنسان بشيء عنده ولم يبرِّك، (أي: لم يدع بالبركة، بأن يقول: بارك الله فيه ـ مثلاً) وتأثر هذا الشيء فإنه يمكنه أن يعرف أنه قد حسد نفسه. ولا يمكن لأحدٍ أن يجزم أن فلاناً هو الذي حسده إلا إذا كان بمثل تلك الحال، كأن يدخل أحد محله فيبدي إعجابه به ولا يبرك عليه فيكسر ما فيه أو يتلف. وهذا في حال أن يكون التأثير مباشرة، أما إذا طال الفصل: فلا يمكن لأحدٍ أن يجزم على فلان أنه حسده. ويوجد طرق يستعملها بعض الناس لمعرفة العائن لكنها غير شرعية، بل هي شيطانية، وذلك مثل التخيل أثناء القراءة، أو الاستعانة بالجن والشياطين لمعرفة ذلك. قال علماء اللجنة الدائمة: تخيل المريض للعائن أثناء القراءة عليه وأمر القارئ له بذلك: هو عمل شيطاني لا يجوز؛ لأنه استعانة بالشياطين، فهي التي تتخيل له في صورة الإنسي الذي أصابه، وهذا عمل محرم؛ لأنه استعانة بالشياطين؛ ولأنه يسبِّب العداوة بين الناس، ويسبب نشر الخوف والرعب بين الناس، فيدخل في قوله تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً) الجن/٦ وقالوا: لا تجوز الاستعانة بالجن في معرفة نوع الإصابة ونوع علاجها؛ لأن الاستعانة بالجن شرك، قال تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً) الجن/٦، وقال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) الأنعام /١٢٨، ومعنى استمتاع بعضهم ببعض: أن الإنس عظموا الجن وخضعوا لهم واستعاذوا بهم والجن خدموهم بما يريدون وأحضروا لهم ما يطلبون، ومن ذلك إخبارهم بنوع المرض وأسبابه مما يطلع عليه الجن دون الإنس، وقد يكذبون فإنهم لا يؤمنون، ولا يجوز تصديقهم. " مجلة الدعوة " العدد: (١٦٨٢) . ثانياً: أما بالنسبة لعلاج المحسود فيكون بطريقتين: إذا عرف عائنَه فإنه يطلب منه أن يغتسل ليصبَّ ماء غسله عليه، وإذا لم يعرفه فإن علاجه يكون بالرقية والأذكار الشرعية. ولتفصيل الكلام عن العين والحسد والفرق بينهما، والوقاية والعلاج منهما: يرجى النظر في أجوبة الأسئلة: (٢٠٩٥٤) و (٧١٩٠) و (١١٣٥٩) و (١٢٢٠٥) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 632

أريد أن تعود علاقة زوجي معي كما كانت [السُّؤَالُ] ـ[أنا في محنة لا يعلمها إلا ربي ومشكلتي باني أعاني من سوء معاملة زوجي لي ويخونني ولا يعرف ربه، وقد حدث هذا التغيير الكلي منذ ثلاث سنوات وقد استحملت طول هذه المدة من أجل أولادي وعلى أمل أن يتغير فقد كنت اعتقد أن أمه أثرت عليه، فأمه كانت تذمني باستمرار من ورائي مع أنني كنت أحسن معاملتها واحترمها وأراعيها ولكنها كانت تحس بالغيرة من حب زوجي لي، وكنت اشعر بذلك بالرغم أنها أمامي تظهر لي الحب لأني كنت أحسن معاملتها وهذا حدث قبل ثلاث سنوات عندما جلست معنا في البيت لمدة خمسة أشهر بعد وفاة زوجها وتركتنا بعد سفرنا للخارج للعمل ومنذ ذلك اليوم وأنا أعاني أشد المعاناة. فلم يعد زوجي هو زوجي الذي أعرفه.أرجوك يا شيخ ساعدني فأنا لا اعلم ماذا أفعل أكثر لكي أرجعه معي كما كان. وأختي تؤكد لي بأنه مسحور وليس بعقله فهل هذا معقول وإذا كان كذلك ماذا افعل؟ أرجو أن تفيدني فأنا لا أريد الطلاق ولا أريد أن ألجأ إلى المشعوذين فأختي قالت لي بان هناك رجل دين يتعامل بالقرآن وطلبت مني أن أعطيها، صورتي وصورة زوجي ولكني خفت لكي لا أغضب الله. فهل هذا يجوز؟ وما العمل في هذه الحالة؟ أرجوك يا شيخ ساعدني فأنا في حاله يرثى لها. أرجو أن تجاوبني بسرعة، وأنا الجأ إليك بعد الله تعالى عسى ربي يفرج عنى مما أنا فيه. وفرج الله عنك كل ضيق وجزاك الله كل خير آمين.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اعلمي أختي السائلة أن من حكمة الله تعالى في عباده أن يبتليهم بالخير والشر ليعلم من يطيعه سبحانه في كل أحواله ممن يطيعه في حال دون حال، قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) الملك/٢، وقال: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) الأنبياء/٣٥ ومن أنواع البلاء أن يبتلي أحد الزوجين بالآخر في سوء العشرة ونحوها لأي سبب كان، وعليه فإن كان ما تذكرينه صحيحا من أن زوجك قد أصيب بسحر أو حسد قوي، ولا شك أن السحر والعين لهما تأثير، كما قال النبي ﷺ : (العين حق) رواه البخاري برقم ٥٤٠٨، ومسلم برقم ٢١٨٧، فعليك اتباع ما يلي: أولا: أكثري من ذكر الله والاستغفار، وسؤال الله تعالى أن يشفي زوجك، وأن يعيده لك كما كان، ولا يرد القضاء إلا الدعاء. ثانيا: راجعي نفسك وطريقة معاملتك مع زوجك، فقد تكوني أنت التي تغيرت عليه وأنت لا تشعرين، فكوني له خير امرأة وزوجة، وخير معين بعد الله تعالى، وقفي معه في هذه المحنة، وكوني سنده بعد الله تعالى. ثالثاً: لا تذهبي إلى ذلك الذي يزعم أنه رجل دين، فإن طلبه لصوركما من مثل أعمال الكهنة والمشعوذين. (راجعي سؤال رقم (٢١١٢٤) رابعاً: لا حرج في أن تذهبي بزوجك إلى أحد المشايخ الموثوقين، الذين يعالجون بالقرآن الكريم والأدعية النبوية، كما إنه يمكنك أن تقرئي على ماء وتسقي منه زوجك، وترقيه كل يوم، وتقرئي سورة البقرة في البيت، وللمزيد راجعي في فك السحر وطرقه الأسئلة: (١١٢٩٠، ٤٠١٠، ١٣٧٩٢، ٢١١٢٤، ١٢١٩٨، ٨٢٩١، ٢٠٩٥٤) ، وفي الوقاية من السحر (٢٦٦٢، ٢٢٨١٦) ، وفي أنواع السحر (١٢٥٧٨، ٩٤٣٢، ٢٤٠) . سادسا: على افتراض أن ما أصاب زوجك ليس سحرا ولا حسدا، فاجلسي معه جلسة مصارحة، وأخبريه بما تحسين به وتشعرين، واتفقا على أن تعودا لبعضكما كما كنتما. سابعا: يمكنك أن توسطي بعض المصلحين – لاسيما الثقات من الأقارب -، لبحث هذه المشكلة، والنظر فيها، وفي ماهيتها، وأسبابها، ومحاولة علاجها. وننصحك أخيرا بأن توازني بين حسنات زوجك وسيئاته وألا يغيب عن بالك ما عنده من صفات حسنة ومن إحسان إليك، من أجل أن يدعوك ذلك للسعي لإصلاحه وإعادته إلى طريق الحق والصواب في تدينه وعلاقته بربه أولا ثم في علاقته معك. يسر الله أمرك، وأسعد زوجك بطاعته وأسعدك به، والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 633

في بيته جنِّي [السُّؤَالُ] ـ[كنت أعيش في شقة في الشارقة لعدة أشهر ثم لاحظت وجود بصمات أصابع بالدم على الجدران والأرض، ثم بدأت تصدر بعض الأصوات فتركت البيت وانتقلت لبيت آخر، ثم حصل نفس الشيء في البيت الجديد، فقمت بإرسال عائلتي لبلدي وانتقلت للعيش مع بعض الأصدقاء، سمعت الأصوات هنا كذلك ولكن لا تصدر إلا إذا كنت وحيداً وأزعجتني هذه الأصوات كثيراً. اعتدت أن أصلي الصلوات الخمس وأقرأ القرآن في الصبح وإذا أردت النوم أقرأ سورة المزمل سبع مرات وسورة الملك وبدأت تقل الآن. أرجو أن تخبرني بما يجب أن أفعله الآن.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه الأصوات والأفعال ربما صدرت من الجن، والجن خلق من خلق الله تعالى يجب علينا الإيمان بوجودهم، لأن الله تعالى ذكرهم في القرآن في آيات كثيرة، بل خصهم بسورة تسمى سورة (الجن) ووجودهم متفق عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وجماهير الأمم يقرّ بالجن ولهم معهم وقائع يطول وصفها، ولم ينكر الجن إلا شرذمة قليلة من جهّال المتفلسفة والأطباء ونحوهم " مجموع الفتاوى ١٩/٣٢. وقدراتهم تفوق قدرات الإنسان، كما قال تعالى: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِك) النمل /٣٩، وبين سليمان ﵇ وملكة سبأ مسافة بعيدة، وقد أقدرهم الله على التشكل والطيران وغير ذلك، لكنهم مع شدة قوتهم لا سلطان لهم على عباد الله الصالحين، قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً) الاسراء /٦٥، وقال: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ) سبأ /٢١. بل يعترف الشيطان بهذه الحقيقة فيقول: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين) الحجر /٣٩ – ٤٠، وإنما يتسلط على العباد الذين يرضون بفكره ويتابعونه عن رضا وطواعية، كما أخبر الله بذلك فقال: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِين َ) الحجر/٤٢ وقد يسلطهم الله على المؤمنين بسبب ذنوبهم، كما قال ﷺ : (إن الله تعالى مع القاضي ما لم يَجُرْ، فإذا جار تبرّأ منه وألزمه الشيطان) رواه الحاكم والبيهقي وحسنه الألباني في صحيح الجامع ١٨٢٣. والجَوْر عدم العدل. والمسلم يجب أن يكون قبل كل شيء متسلحاً بسلاح الإيمان والعمل الصالح لأنهما خير زادٍ له وخير وسيلة لدحر كيد شياطين الإنس والجن. وعليك أن توثق حبلك مع الله تعالى، فإنه الركن الذي يركن إليه. وأكثر من ذكر الله تعالى على كل حال، واحرص على أن لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله تعالى، فإن الإنسان لن يعصم من الشيطان بمثل ذكر الله تعالى. فقد صح عن النبي ﷺ أن الله تعالى أمر يحيى بن زكريا ﵉ بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وكان منها: (وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلا بِذِكْرِ اللَّهِ) . رواه الترمذي (٢٨٦٣) . وصححه الألباني في صحيح الترمذي. وحافظ على الأذكار الواردة عن النبي ﷺ ، كالذكر عند دخول الخلاء وعند الجماع وعند سماع نهيق الحمار وعند دخول البيت وفي الصباح والمساء وعند النوم. . وغير ذلك من الأحوال والأوقات التي ورد فيها عن النبي ﷺ ذكر معين. وهي مجموعة في كتب الأذكار ككتاب الأذكار للنووي، والكلم الطيب لابن تيمية، وحصن المسلم للقحطاني. وعليك بالإكثار من قراءة القرآن في البيت لاسيما سورة البقرة في البيت، فقد روى أحمد (٧٧٦٢) ومسلم (٧٨٠) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ [ولفظ أحمد: يَفِرّ] مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) . وعليك أيضاً أن تطهّر بيتك من كل شيء فيه معصية لله تعالى، مثل اقتناء الصور والكلاب، فقد روى أبو طلحة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة) رواه البخاري (٣٣٢٢) ومسلم (٢١٠٦) فإن خلت البيوت من الملائكة كانت مرتعاً ومسكناً للشياطين. أما قراءة سورة المزمل والملك عند النوم فقد ورد ما يدل على استحباب قراءة سورة الملك قبل النوم، روى الترمذي (٢٨٩٢) عَنْ جَابِرٍ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ الم تَنْزِيلُ وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) . صححه الألباني في صحيح الترمذي. أما سورة المزمل فلم يرد ما يدل على استحباب قراءتها قبل النوم. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 634

هل يمكن أن نرى الجن؟ وهل توجد لهم صور صحيحة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل الجن يظهر كما نرى الإنسان؟ وهل توجد صور صحيحة للجن؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا السؤال مكون من شقين: الأول: هل تظهر الجن بصور الإنسان؟ الثاني: هل هناك صورة صحيحة للجن؟ أما الشق الأول: فيقال: أولا: اعلم أن الأصل في الجن أنهم مستترون عن الإنس، ولهذا سُمُّوا (جنا) لأن المادة اللغوية (جن) الجيم والنون تدل على أصل واحد، وهو السَّتْر والتستُّر. (كما قال ابن فارس في مقاييس اللغة مادة جن) . فالجن سموا بذلك لأنهم مستترون عن الإنس، والجنين سمي بذلك لأنه مستتر في بطن أمه، والجنة لأنها مستترة بالأشجار، والمجنون لأن عقله مستتر وهكذا في جميع الاشتقاق. وقد أخبر الله تعالى بهذه الحقيقة حيث قال: (يَابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) الأعراف/٢٧ ثانيا: هل يمكن أن يظهروا في صور يراهم الناس فيها؟ والجواب عن ذلك: أنه ثبت في السنة وفي الواقع ظهور الجن على صور مختلفة كصور الناس والحيوانات وغيرها، فمن أصرح الأدلة على ذلك من السنة تلك القصة التي رواها البخاري (٣٢٧٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ. فشكا حاجة وعيالا فرحمه أبو هريرة وتركه حتى تكرر هذا ثلاث مرات وفي الثالثة قال أبو هريرة: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهَذَا آخِرُ ثَلاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. وحين أصبح أخبر رسولَ الله ﷺ بما حصل. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ. أتَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لا. قَالَ: (ذَاكَ شَيْطَانٌ) . قال الحافظ ابن حجر في الفتح: " وفي الحديث من الفوائد ... أن الشيطان من شأنه أن يكذب، وأنه قد يتصور ببعض الصور فتمكن رؤيته، وأن قوله تعالى (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) مخصوص بما إذا كان على صورته التي خلق عليها " اهـ وقد روي أن الشيطان ظهر لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وشجعهم على قتال النبي ﷺ وذلك في غزوة بدر فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره (١٢٥٦٤) عن عروة بن الزبير، قال: (لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر - يعني من الحرب - فكاد ذلك أن يثبطهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه! فخرجوا سراعا) وذكرها ابن كثير في البداية والنهاية (٥/٦٢) . وفي صحيح مسلم (٢٢٣٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول: (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ قَدْ أَسْلَمُوا فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَوَامِرِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلاثًا فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ) . والعوامر: الحيات والثعابين التي تكون في البيوت، لا تقتل حتى تستأذن ثلاثاً فقد تكون من الجن. انظر " غريب الحديث " لابن الأثير. قال النووي: «معناه: وإذا لم يذهب بالإنذار علمتم أنَّه ليس من عوامر البيوت، ولا ممَّن أسلم من الجنِّ، بل هو شيطان، فلا حرمة عليكم فاقتلوه، ولن يجعل اللهُ له سبيلاً للانتصار عليكم بثأره بخلاف العوامر ومن أسلم، واللهُ أعلم» . شرح مسلم ١٤/٢٣٦ ومثل هذا في الواقع كثير، قال شيخ الإسلام: (والجن يتصورون في صور الإنس والبهائم فيتصورون في صور الحيات والعقارب وغيرها وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وفى صور الطير وفى صور بنى آدم كما أتى الشيطان قريشا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما أرادوا الخروج إلى بدر) مجموع الفتاوى (١٩/٤٤) ثالثا: لقد أضلت الجن كثيراً من الإنس بتصورهم في صور الأولياء والصالحين وغيرهم، قال شيخ الإسلام: " وكثيراً ما يتصور الشيطان بصورة المدعو المنادى المستغاث به إذا كان ميتا. وكذلك قد يكون حيا ولا يشعر بالذي ناداه ; بل يتصور الشيطان بصورته فيظن المشرك الضال المستغيث بذلك الشخص أن الشخص نفسه أجابه وإنما هو الشيطان، وهذا يقع للكفار المستغيثين بمن يحسنون به الظن من الأموات والأحياء كالنصارى المستغيثين بجرجس وغيره من قداديسهم، ويقع لأهل الشرك والضلال من المنتسبين إلى الإسلام الذين يستغيثون بالموتى والغائبين، يتصور لهم الشيطان في صورة ذلك المستغاث به وهو لا يشعر.... وذكر لي غير واحد أنهم استغاثوا بي، كلٌّ يذكر قصة غير قصة صاحبه فأخبرت كلا منهم أني لم أجب أحداً منهم ولا علمت باستغاثته، فقيل: هذا يكون مَلَكاً، فقلت: المَلَكُ لا يغيث المشرك، إنما هو شيطان أراد أن يضله " اهـ. مجموع الفتاوى (١٩/٤٧-٤٨) ثم إن من أعظم ما ينتصر به المسلم على الشياطين التحصن بالأذكار، وقراءة آية الكرسي، كما في حديث أبي هريرة السابق، وانظر السؤال رقم (٢٢٨١٦) و (١٢٧١٥) و (٤٢٠٧٣) أما الشق الثاني من السؤال وهو هل هناك صورة صحيحة للجن؟ فإن مسألة تصوير الجن صورة فوتوغرافية من الأمور التي شغف بها كثير من الناس وانتشرت في بعض مواقع الإنترنت ولا يمكن الجزم بصحة ما في هذه المواقع خاصة في هذه الآونة التي تفنن الناس فيها بأنواع الخدع التصويرية، ثم إن البحث في مثل هذه الأمور ليس ذا فائدة أو جدوى في الدين أو الدنيا، والأولى بالإنسان أن يشتغل بما يعود عليه بالفائدة الدينية أو الدنيوية من قراءة وتفهم لما في القرآن وصحيح السنة وما يجب على الإنسان في عقيدته وعبادته، والأخلاق والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم وغير ذلك، علما بأن نشر صور ذوات الأرواح محرم شرعا وقد وردت النصوص الشرعية بذلك، ويمكنك مراجعة الأسئلة التي تحمل رقم (١٣٦٣٣) ورقم (١٠٦٦٨) ورقم (٧٩١٨) . والله المسؤول أن يحفظك ويعلي قدرك ويغفر ذنبك ويرزقك العلم والعمل إنه خير مسؤول، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 635

معنى تصفيد الشياطين في رمضان [السُّؤَالُ] ـ[ماذا تقولون في تصفيد الشياطين في رمضان؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى البخاري (١٨٩٩) ومسلم (١٠٧٩) ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ) . وقد اختلف العلماء في معنى تصفيد الشياطين في رمضان على أقوال. قال الحافظ ابن حجر نقلا عن الحليمي: " يحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات وبقراءة القرآن والذكر، وقال غيره - أي غير الحليمي - المراد بالشياطين بعضهم وهم المردة منهم.... وقوله صفدت ... أي شدت بالأصفاد وهي الأغلال وهو بمعنى سلسلت.... قال عياض يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو وأن الشياطين يقل اغواؤهم فيصيرون كالمصفدين، قال ويؤيد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية يونس عن بن شهاب عند مسلم فتحت أبواب الرحمة، قال ويحتمل أن يكون.... تصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء وتزيين الشهوات. قال الزين بن المنير والأول أوجه ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره " فتح الباري ٤/١١٤ وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى عن قول النبي ﷺ (وصفدت الشياطين) ومع ذلك نرى أناسا يصرعون في نهار رمضان، فكيف تصفد الشياطين وبعض الناس يصرعون؟ فأجاب بقوله: " في بعض روايات الحديث: (تصفد فيه مردة الشياطين) أو (تغل) وهي عند النسائي، ومثل هذا الحديث من الأمور الغيبية التي موقفنا منها التسليم والتصديق، وأن لا نتكلم فيما وراء ذلك، فإن هذا أسلم لدين المرء وأحسن عاقبة، ولهذا لما قال عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل لأبيه: إن الإنسان يصرع في رمضان. قال الإمام: هكذا الحديث ولا تكلم في هذا. ثم إن الظاهر تصفيدهم عن إغواء الناس، بدليل كثرة الخير والإنابة إلى الله تعالى في رمضان. " انتهى كلامه [مجموع الفتاوى ٢٠] وعلى هذا فتصفيد الشياطين تصفيد حقيقي الله أعلم به، ولا يلزم منه ألا يحصل شرور أو معاصي بين الناس. والله أعلم. يراجع السؤال رقم (١٢٦٥٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 636

خانت زوجها وسحرته وانقلب على أهله [السُّؤَالُ] ـ[لقد تزوج ابني بامرأة سوء عملت له سحراً، فانقلب على أهله جميعاً، وصار لا يرد لها أي طلب مهما كان. وقد قبضت هيئة الأمر بالمعروف عليها هي وعشيقها وثبتت تلك الجريمة عليها، ومع ذلك فابني رفض طلاقها ودائماً يدافع عنها. ودخلنا بينها فوجدنا أشياء غريبة فقد وجدنا حذاء موضوعاً على كتاب الله فوق الدولاب (والعياذ بالله) ووجدنا أشياء أخرى، وعندها خادمات من بلاد يعرفون بالسحر. مما جعلنا نقطع أنها سحرت ابني، وقد ذهبنا إلى أحد المشايخ ليقرأ عليه فظهرت عليه علامات السحر. وهو الآن يرفض العلاج ولا يصدقنا أنه مسحور. فماذا نفعل؟ هل تقوم بالذهاب إلى أحد السحرة لفك السحر؟ وقد توفي والده وهو الآن يطالبنا بنصيبه من ميراث أبيه، فهل نعطيه المال، وهو مسحور يضيع أمواله، وهذه المرأة قد سلبت جميع أمواله وضيعتها على السحر والشعوذة، مع العلم أن له أولاداً يحتاجون إلى هذا المال.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا شك أن ما أصاب ابنكم هو من البلاء لكم، ونسأل الله تعالى أن يصبِّركم، ويثبتكم على دينه، كما نسأل الله له الشفاء، والظاهر أنه واقع تحت تأثير السحر، فلا ينبغي لكم مؤاخذته على تصرفاته معكم، ولا يرضى عاقل أن يعلم عن امرأته بشيء مما فعلته ويسكت عنها، لكن يبدو أن السحر قد أثَّر عليه تأثيراً بالغاً حتى وقف معها وانقلب عليكم. وقد سبق في جواب السؤال رقم (١١٢٩٠) حرمة علاج السحر بالسحر، وفيه وفي جواب السؤال رقم (١٢٩١٨) بيان العلاج الشرعي للسحر. ويمكنكم علاج ولدكم بالقراءة على الماء وسقيه له دون علمه، وعليكم ملازمة الدعاء مع استعمال العلاج، فلعل الله تعالى أن يكشف عنه البأس والضر. ثانياً: يتوقف دفع حق ولدكم من الميراث على حسن تصرفه بالمال، فإن كان المال سيقع في يده أو يد زوجته ولن يحسنا التصرف فيه: فلا يجوز لكم تمكينه من المال، وليبقَ معكم، ولتنفقوا عليه وعلى أبنائه منه، وهو أمانة في أيديكم لا ينبغي لكم التفريط فيه. قال الله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا. وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) النساء/٥، ٦. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ﴿السفهاء﴾ جمع " سفيه " وهو: من لا يحسن التصرف في المال، إما لعدم عقله , كالمجنون والمعتوه , ونحوهما، وإما لعدم رشده , كالصغير وغير الرشيد، فنهى الله الأولياء أن يؤتوا هؤلاء أموالهم , خشية إفسادها وإتلافها، لأن الله جعل الأموال قياماً لعباده , في مصالح دينهم ودنياهم، وهؤلاء لا يحسنون القيام عليها وحفظها، فأمر الله الولي أن لا يؤتيهم إياها بل يرزقهم منها , ويكسوهم , ويبذل منها , ما يتعلق بضروراتهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية , وأن يقولوا لهم قولاً معروفاً , بأن يعِدوهم إذا طلبوها أنهم سيدفعونها لهم بعد رشدهم , ونحو ذلك , ويلطفوا لهم في الأقوال , جبراً لخواطرهم، وفي إضافته تعالى الأموال إلى الأولياء إشارة إلى أنه يجب عليهم أن يعملوا في أموال السفهاء , ما يفعلونه في أموالهم , من الحفظ , والتصرف , وعدم التعرض للأخطار. وفي الآية دليل على أن نفقة المجنون والصغير والسفيه , في مالهم , إذا كان لهم مال لقوله (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) . " تفسير السعدي ". وينبغي رفع الأمر إلى المحكمة الشرعية وأقامة البينة على أن هذا الولد لا يحسن التصرف في ماله، حتى تقوم المحكمة بالحجر عليه وتعين ولي على ماله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 637

المس وما يتعلق به من أوهام وحقائق [السُّؤَالُ] ـ[ابتليت بمس جني - ولم أشف منه - منذ سنتين تقريباً، والغريب أنني أشعر بهم في جسدي ويكاد يكون لي التحكم فيهم في جسدي مثلاً: عندما أسمع للقرآن فأشعر بحركة ألم لهم في بطني فأستطيع إن شاء الله أن أوقفهم عن تلك الحركة. وأنا أؤمن بأن خروجهم لن يتم أبدا إلا من الله العلي القدير، فلذلك أدعو الله ولا أذهب إلى معالج شرعي يرقي بالقرآن. الحمد لله أنني بفضل الله مستقيم، ولكني أقع أحيانا في بعض المعاصي، فما تفسير ذلك؟ وما هي نصيحتكم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المس بالجن فيه حقائق وفيه أوهام، وأوهامه – عند كثير من الناس الآن – أكثر من حقائقه، وأهل السنة مجمعون على تلبس الجني ببدن الإنسي، لكن ليس معنى ذلك أن كل ما يكون من المصروع هو مس من الجن، لأن الصرع قد يكون له سبب عضوي، ومثله ما يشعر به الكثيرون ويحسونه في أجسادهم، فلا يُجزَم بأنه من فعل الجن، بل قد يكون أهاماً وقد تكون خيالات. لذا فعليك ألا تلتفت إلى ما قد يوسوس به الشيطان أو يهيئه لك أنه من فِعله، وأنك تستطيع التحكم به، فهذا من أبواب تلبيسه على المسلم ليوهمه بأنه يستطيع التحكم فيه حتى يظن في نفسه ما ليس فيها، وقد يصل به إلى ما لا تحمد عقباه كما حصل مع كثيرين. وعليك بالمداومة على رقية نفسك بنفسك، وكتاب ربك ﵎ بين يديك، فاقرأ منه وارق نفسك، وسواء كان عندك مس أم لم يكن فلا شك أنك مستفيد من هذه القراءة وتلك الرقية. وللمزيد انظر سؤال رقم (٣٤٧٦) . وإذا ذهبت إلى من هو معروف باستعمال الرقية الشرعية مع استقامة حاله وبعده عن الشعوذة والخرافات، فإن هذا لا بأس به وقد يكون سبباً لشفائك مما تشكو منه. وعليك بالاستعانة بالله تعالى والدعاء والتضرع ليكف عنك كيد شياطين الإنس والجن، فالإنسان محتاج لربه دوماً، والله تعالى قادر على أن يخلصك من الظنون والأوهام والحقائق التي تؤذيك وتضرك. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 638

المسّ الشيطاني والسّحر [السُّؤَالُ] ـ[بعد أن عاد أخي من رحلة بدأ ينطق بأشياء عجيبة وبدأ يقول بعض التكهنات ولا يتكلم مع أحد لقد بقي في الخارج عامين ووصل الأمر إلى أن يبصق على أمه ثم اعتقدنا أنه مريض نفسياً فذهبنا به إلى الطبيب لكنه لم يكتشف شيئاً. ونحن نظن أنه أصابه جن أو سحر. فكيف نعرف ذلك وكيف نخلصه منه؟ لقد مرضت أمي بسبب هذا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أما بالنسبة للتفريق بين حالة المسّ والسّحر فقد ذكر بعض المجرّبين أن من علامات المسّ ما يلي: ١- الإعراض والنّفور الشديد من سماع الأذان أو القرآن. ٢- الإغماء أو التشنّج أو الصّرع والسّقوط حال القراءة عليه. ٣- كثرة الرؤى المفزعة. ٤- الوحدة والعزلة والتصرّفات الغريبة. ٥- قد ينطق الشيطان الذي تلبّس به عند القراءة. ٦- التخبّط كما قال تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ) . أمّا السّحر فمن أعراضه: ١- كره المسحور لزوجته أو المسحورة لزوجها كما قال تعالى: (فيتعلّمون منهما ما يُفرّقون به بين المرء وزوجه) . ٢- اختلاف حاله خارج البيت عن حاله داخله اختلافا كلّيا فيشتاق إلى أهله وبيته في الخارج فإذا دخل كرههم أشدّ الكُره. ٣- عدم القدرة على وقاع الزّوجة. ٤- توالي إسقاط المرأة الحامل باستمرار. ٥- التغيّر المفاجئ في التصرّفات دون أيّ سبب واضح. ٦- عدم اشتهاء الطعام بالكلّية. ٧- أن يخيّل إليه أنّه فعل الشيء وهو لم يفعله. ٨- الطاعة العمياء والمحبّة المفاجئة والمفرطة لشخص معيّن. هذا ويجب الانتباه إلى أنّ الأعراض المذكورة آنفا لا يُشترط عند توفّر بعضها أن يكون الشّخص مصابا بالسّحر أو المسّ فقد يكون بعضها لأسباب عضوية أو نفسية أخرى. العلاج ١- التوكّل على الله وصدق اللجوء إليه ٢- الرقى والتعويذات الشرعية وأهمّها المعوذتان وهي التي عولج النبي ﷺ بها وما تعوذّ متعوّذ بمثلهما قط ويضاف إليهما قل هو الله أحد، وسورة الفاتحة رقية ناجحة كما ثبت. وفي علاج السّحر يمكن أخذ سبع ورقات من السّدر الأخضر وطحنها ثمّ وضعها في إناء ويصبّ عليها من الماء ما يكفيه للغسل ويُقرأ فيها بآية الكرسي وسورة الكافرون والإخلاص والمعوذتين وآيات السّحر الموجودة في سورة البقرة آية ١٠٢ والأعراف آية ١١٧-١١٩ وسورة يونس ٧٩-٨٢ وسورة طه ٦٥ - ٦٩ ثمّ يشرب بعض الماء ويغتسل بالباقي كما جرّبه بعض السّلف فنفع. ٣- استخراج السّحر وإتلافه كما فعل النبي ﷺ لمّا سحره لبيد بن الأعصم اليهودي. ٤- استعمال الأدوية المباحة كأكل سبع تمرات من تمر العالية البرنيّ (من تمور المدينة النبوية) على الرّيق وإذا لم يجد يأكل من أي تمر وجده يكون نافعا بإذن الله. ٥- الحجامة ٦- الدّعاء ونسأل الله أن يشفي أخاكم ويفرّج كربته وكربتكم وهو الشافي لا شافي إلا هو. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 639

هل هناك علاقة بين قص الأثر والزواج من الجن [السُّؤَالُ] ـ[هناك قول مشهور بين الناس عن بعض القبائل التي لديها فراسة وقدرة على تقصي الآثار، ومعرفة أصحابها، وقيل لأن أحد أجدادهم قد تزوج من الجن، وهذا هو سبب اكتسابهم هذه القدرة، فما مدى صحة ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] هذا غير صحيح، ولا أعرف أن الإنسان يتولد بين إنسي وجني، حيث أن الجن ليس لهم أجسام، وإنما هم أرواح هوائية، وإن كانوا يقدرون على التشكل بأشكال متنوعة، فأما هؤلاء الذين يعرفون الآثار والأشياء فهم من أهل الفراسة، وقوة الذكاء والمعرفة، والفطنة والتجربة، وقد جعل الله تعالى فروقاً بين الآثار وموطئ الأقدام، كما جعل فروقاً ظاهرة بين الناس في الطول والقصر، والسواد والبياض والصغر والكبر، فأنت ترى مائة ألف من البشر لا تجد فيهم اثنين متشابهين في كل الصفات، فهذا هو السبب الذي يميز هؤلاء بين الناس، ويعرفون الآثار والأشباه، والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] من كتاب اللؤلؤ المكين من فتاوى ابن جبرين ص ١٥

стр. 640

شخص يخبر من حضر إليه بأمور خاصة وخفية [السُّؤَالُ] ـ[يزعم أحد الدجالين بأنه يعلم الغيب، وذلك بالقراءة على المصروعين، ويأمرهم بأن يتبخروا بأوراق يُكتب عليها، ويعطيهم تمائم (حجابات) ليلبسوها، وإذا حضر إليه شخص يريد العلاج ويكون من شاربي الخمر فيخبره بأنه شرب بالأمس خمراً، وباقي الخمر موجود في مكان كذا، وإني لن أعالجك من الصرع حتى تترك شرب الخمر فيعترف بذلك، أفتونا في هذا الأمر، وهل يجوز أن نؤاكله ونسلم عليه، ونصلي خلفه، لأنه يصلي أحياناً بالناس، وقد نصحناه ولم يقبل النصيحة، ويقول: إنه على الحق ... أفتونا مأجورين.]ـ [الْجَوَابُ] هذا لا شك أنه من الكهنة الذين يستخدمون الشياطين، ويتقربون إليها بما تحب حتى تطلعهم على بعض الأمور الغائبة، وذلك أن يذبح لهم، أو يدعوهم بأسمائهم، أو يطيعهم في معصية الله بأكل الحرام والنجاسات، أو نحو ذلك، ومعلوم أن هذا من الكفر والشرك، فعلى هذا يجب أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا، ولا تجوز الصلاة خلفهم، والسلام عليهم حتى يتوبوا، والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] من كتاب اللؤلؤ المكين من فتاوى ابن جبرين ص ٢٠.

стр. 641

الإصابة بالعين يمكن أن تقع من الكافر [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن للكافر أن يصيب الآخرين بالعين؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نعم قد تقع الإصابة بالعين من الكافر والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر.. الآية) القلم/٥١. قال السدي: يصيبونك بعيونهم. تفسير البغوي ٨/٢٠٢. وكذلك يدلّ عليه عموم قول النبي ﷺ : (الْعَيْنُ حَقٌّ) رواه البخاري (٥٧٤٠) ومسلم (٢١٨٧) . [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 642

اعتقاد أن موت الفجأة بسبب السحر [السُّؤَالُ] ـ[أنا أمريكية ومتزوجة من رجل عربي، والناس في بلده يؤمنون أن الشخص إذا مات فجأة من مرض ما فإنه قد تعرض لسحر حيث يظن الجميع بأنه مات وهو بالفعل لم يمت فيأخذوه السحرة ليكون عبدا لهم.ما حكم الاعتقاد بمثل هذه الأفكار؟ هل سمعت بشيء كهذا من قبل؟ هل يمكن أن يحصل هذا فعلاً كوني مسلمة جديدة فأنا لا أعرف ما أصدق بالنسبة لهذا الموضوع فأرجو أن توضح لي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ما ذكر في السؤال خطأ محض فالذي يموت فجأة كغيره ممن مات بأي سبب تفارق روحه جسده والروح أمر غيبي من أمر الله ، ومن طوائف المبتدعة من يرى أن الإنسان إذا مات انتقلت روحه إلى غيره، وهذا مما يعرف بالتناسخ، وهذا القول مما عرف بطلانه بالضرورة من دين الإسلام. انتهى جواب الشيخ عبد الكريم الخضيري. وهو كفر شنيع وقول باطل ومما يترتب عليه جَحْد عذاب القبر، نسأل الله السلامة. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 643

هل يُصيب الرجل بالعين زوجته الجميلة [السُّؤَالُ] ـ[سؤالي حول العين. إذا قال الرجل لزوجته إنها جميلة فهل يجب عليه أن يقول ما شاء الله أم أن هذا يعتبر تطرفا؟.]ـ [الْجَوَابُ] أولاً: العين حق لقول الرسول ﷺ : " العين حق ولو كان شيء سابَق القدر لسبقته العين ". رواه مسلم (٢١٨٨) من حديث ابن عباس. وروى البخاري (٥٠٤٨) ومسلم (٢١٨٧) من حديث أبي هريرة: أوَّله. ثانياً: إن العين تكون من العائن الحاسد على الأكثر. يقول ابن القيم: وكل عائن حاسد وليس كل حاسد عائناً ... ثم قال: وأصله إعجاب العائن بالشيء ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرة إلى المعين، وقد يعين الرجل نفسه، وقد يعين بغير إرادته، بل بطبعه، وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني، وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء: عن من عرف بذلك حبسه الإمام، وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت، وهذا هو الصواب قطعا.. " زاد المعاد " (٤ / ١٦٧) . فعليه جاء في الحديث: " أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامَّة ومن كل عين لامَّة ". رواه البخاري (٣١٩١) من حديث ابن عباس. ومعنى الهامَّة: الحيوانات والحشرات السامة القاتلة. ومنى لامَّة: التي تصيب بالحسد. ثالثاً: إن الراجح أن العين كما أنها تكون من العائن الحاسد فقد تكون من غير الحاسد بمجرد الإعجاب وذلك لحديث " إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة فٍان العين حق ". رواه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " (ص ١٦٨) والحاكم (٤ / ٢١٦) وصححه الألباني في " الكلم الطيب " (٢٤٣) . فهذا الحديث يبين أن الرجل قد يصيب نفسه أو ماله - ولا أحد يحسد نفسه - فيصيب نفسه بالعين لإعجابه بنفسه، فلأن يصيب زوجته من باب أولى. قال ابن القيم: وقد يعين الرجل نفسه. " زاد المعاد (٤ / ١٦٧) . رابعاً: إن الرجل قد يصيب زوجته بالعين بنظره إليها وملاحظته جمالها والإعجاب بها حتى وإن لم يقل لها إنك جميلة ويستحب له أن يقول اللهم بارك فيها. عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَزَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَكَانَ رَجُلا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ (المخبأة: هي الفتاة في خدرها وهو كناية عن شدة بياضه) فَلُبِطَ سَهْلٌ (أي: صُرع وسقط على الأرض) فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي سَهْلٍ وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَمَا يُفِيقُ قَالَ هَلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ قَالُوا نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ عَلامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ هَلا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ ثُمَّ قَالَ لَهُ اغْتَسِلْ لَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ يُكْفِئُ الْقَدَحَ وَرَاءهُ فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ) المسند ٣/٤٨٦ وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح، المجمع ٥/١٠٧. خامساً: وبعض الناس إذا أعجبه شيء قال " ما شاء الله لا قوة إلا بالله "! ويستدلون لذلك بالآية من سورة الكهف وبحديث. أما الآية وهي قوله تعالى ﴿ولولا إذ دخلتَ جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾ : فلا تصلح للاستدلال، إذ لا علاقة للحسد بالموضوع، وإنما أهلك الله جنتيه بسبب كفره وطغيانه. وأما الحديث: فعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من رأى شيئاً فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله: لم تصبه العين ". والحديث ضعيف جدّاً! قال الهيثمي: رواه البزار من رواية أبي بكر الهذلي، وهو ضعيف جدّاً. " مجمع الزوائد " (٥ / ٢١) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 644

شهادة التوحيد متضمنة لأنواع التوحيد الثلاثة [السُّؤَالُ] ـ[هل شهادة أن (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) تشمل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، أم توحيد العبودية فقط؟ لأنني قرأت في معنى (أشهد أن لا إله إلا الله) أنه (لا معبود بحقٍ إلا الله، وإنني أُقر بأنني أثبت على عبادة الله وحده وأتقي عبادة غيره) ، وهذا المعنى الذي أستحضره عند قولها عندما أريد أن أتوب، فهل شهادتي ناقصة؛ لعدم استحضاري لتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، مع أنني مؤمنٌ بهما، فهل تصح توبتي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كلمة الإخلاص، وشهادة التوحيد هي أصل الدين، وعنوان النجاة، وبرهان الفلاح، والتي ما خلق الجن والإنس إلا للقيام بها حق القيام. وهي متضمنة لأنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية – وهو توحيد العبادة -، وتوحيد الأسماء والصفات. وعلى المتلفظ بها أن يؤمن بذلك ويستحضره عند النطق بها، وأن يستقر ذلك في نفسه استقرارا تاما غير مدخول ولا مشوش عليه، دون أدنى تكلف أو معاناة. فحاجة النفس إلى التوحيد ومعرفته أشد من حاجتها إلى الطعام والشراب والنفس، وهي حاجة فطرية تلقائية، وإنما الواجب على المكلف أن يسعى في تحقيق المعرفة وتحصيل العلم الذي به تتحقق فيه شرائطها، وتنتفي عنه موانع الإخلاص والصدق فيها. ولمعرفة شروط كلمة التوحيد عند التلفظ بها يرجى مراجعة جواب السؤال رقم: (٩١٠٤) ، ورقم: (١٢٢٩٥) . وأنواع التوحيد الثلاثة متلازمة، فمن أقر بواحد منها لزمه الإقرار بجميعها، يقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: " توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية ويدل عليه ويوجبه، وتوحيد الأسماء والصفات: توحيد الربوبية يستلزمه ; لأن من كان هو الخلاق الرزاق والمالك لكل شيء , فهو المستحق لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى , وهو الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله , لا شريك له , ولا شبيه له , ولا تدركه الأبصار وهو السميع العليم. ومن أتقن أنواع التوحيد الثلاثة , وحفظها واستقام على معناها , علم أن الله هو الواحد حقا , وأنه هو المستحق للعبادة دون جميع خلقه , ومن ضيع واحدا منها أضاع الجميع فهي متلازمة , لا إسلام إلا بها جميعا " انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (١ / ٣٨-٣٩) . وما دمت على إيمان بذلك كله، وعلى يقين منه، فليس في شهادتك نقص ولا خلل، وليس في توبتك شيء، بحيث تحتاج إلى تجديدها؛ والمرء قد يعزب عنه بعض ما يعلمه في موقف من المواقف، وقد يغلب عليه في موقف استحضار معنى اسم من أسماء الله تعالى، أو صفة من صفاته، دون أن يكون في ذلك خلل في إيمانه بباقي الأسماء والصفات. وهكذا قد يكون في مقام العبودية والطاعة، فيغلب عليه استحضار معنى توحيد العبودية، وإخلاص العمل لله. وقد يكون في مقام طلب الرزق، أو كشف الضر، فيغلب عليه شهود ربوبية الله لخلقه، وتفرده بالتدبير والتصريف، وهكذا. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 645

الحنيفية ملة إبراهيم ﵇ هي الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[دين إبراهيم ﵇ هو الحنيفية.. ماذا تعني الحنيفية؟ وهل يوجد أحد على دين إبراهيم إلى الآن؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الحنيفية مذكورة في آيات عديدة في القرآن الكريم، يصف الله بها نبيه إبراهيم ﵇، ومن يقرآ الآيات يستطيع أن يعرف معنى الحنيفية الواردة فيها، ونحن نسوقها في جوابنا هنا كي نشحذ ذهن القارئ لفهمها من سياقها: يقول الله تعالى: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) البقرة/١٣٥. وقال سبحانه: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) آل عمران/٦٥-٦٨. وقال : (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) آل عمران/٩٥. وقال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) النساء/١٢٥. ويقول جل شأنه: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الأنعام/٧٨-٧٩. ومنها أيضا قوله تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام/١٦١-١٦٣. وقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) النحل/١٢١-١٢٣. فمن تأمل في الآيات السابقات يدرك أن الحنيفية التي كان عليها سيدنا إبراهيم ﵇ هي دين التوحيد والاستسلام لله ، ونبذ الشرك والكفر وكل ما يعبد من دون الله، وهذا هو دين الأنبياء جميعهم، واعتقاد الرسل كلهم، لم يختلفوا فيما بينهم إلا في الشرائع والأحكام، أما الاعتقاد والإيمان بالله، فقد كانوا كلهم على التوحيد. يقول القرطبي ﵀: " (حَنِيفاً) مائلاً عن الأديان المكوهة إلى الحق دين إبراهيم؛ وهو في موضع نصب على الحال؛ قاله الزجاج. أي: بل نتبع ملّة إبراهيم في هذه الحالة. وسُمِّيَ إبراهيم حنيفاً لأنه حَنِف إلى دين الله، وهو الإسلام. والحَنَف: المَيْل؛ ومنه رِجْلٌ حَنْفاء، ورَجُل أَحنف، وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها. قالت أمّ الأَحْنَف: واللَّهِ لولا حَنَفٌ بِرجْلِه ... ما كان في فِتيانكم مِن مِثلِه وقال الشاعر: إذا حوّل الظّل العشيّ رأيتَه ... حَنِيفاً وفي قَرْن الضحى يَتنصّرُ أي: الحِرْباء تستقبل القِبْلة بالعشيّ، والمَشْرِقَ بالغداة، وهو قِبلة النصارى. وقال قوم: الحَنَف: الاستقامة؛ فسُمّيَ دين إبراهيم حنيفاً لاستقامته " انتهى. " الجامع لأحكام القرآن " (١/٣٥٨) . ويقول العلامة السعدي ﵀: " أي: مقبلا على الله، معرضا عما سواه، قائما بالتوحيد، تاركا للشرك والتنديد، فهذا الذي في اتباعه الهداية، وفي الإعراض عن ملته الكفر والغواية " انتهى. " تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان " (ص/٦٧) ويقول العلامة ابن عاشور ﵀: " المراد الميل في المذهب، أن الذي به حنف يميل في مشيه عن الطريق المعتاد، وإنما كان هذا مدحا للملة لأن الناس يوم ظهور ملة إبراهيم كانوا في ضلالة عمياء، فجاء دين إبراهيم مائلا عنهم، فلقب بالحنيف، ثم صار الحنيف لقب مدح بالغلبة. وقد دلت هذه الآية على أن الدين الإسلامي من إسلام إبراهيم " انتهى. " التحرير والتنوير " (١/٧١٧) ويقول أيضا ﵀: " قوله: (وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أفاد الاستدراك بعد نفي الضد حصرا لحال إبراهيم فيما يوافق أصول الإسلام، ولذلك بيَّنَ (حنيفا) بقوله: (مسلما) لأنهم يعرفون معنى الحنيفية، ولا يؤمنون بالإسلام، فأعلمهم أن الإسلام هو الحنيفية، وقال: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فنفي عن إبراهيم موافقة اليهودية، وموافقة النصرانية، وموافقة المشركين، وإنه كان مسلما، فثبتت موافقة الإسلام، وقد تقدم في سورة البقرة في مواضع أن إبراهيم سأل أن يكون مسلما، وأن الله أمره أن يكون مسلما، وأنه كان حنيفا، وأن الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ هو الذي جاء به إبراهيم، (وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ، وكل ذلك لا يُبقِي شكا في أن الإسلام هو إسلام إبراهيم. فقد جاء إبراهيم بالتوحيد، وأعلنه إعلانا لم يترك للشرك مسلكا إلى نفوس الغافلين، وأقام هيكلا وهو الكعبة، أول بيت وضع الناس، وفرض حجه على الناس: ارتباطا بمغزاه، وأعلن تمام العبودية لله تعالى بقوله: (وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً) الأنعام/٨٠، وأخلص القول والعمل لله تعالى فقال: (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً) الأنعام/٨١، وتطَلَّب الهدى بقوله: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) البقرة/١٢٨، (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا) البقرة/١٢٨، وكسر الأصنام بيده (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً) الأنبياء/٥٨، وأظهر الانقطاع لله بقوله: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) الشعراء/٧٨- ٨١، وتصدى للاحتجاج على الوحدانية وصفات الله قال إبراهيم: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) البقرة/٢٥٨، (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبراهيم عَلَى قَوْمِه) الأنعام/٨٣،ِ (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ) الأنعام/٨٠ " انتهى. " التحرير والتنوير " (٣/١٢٢-١٢٣) ومما يؤكد أن معنى الحنيفية هو الإسلام آيات أخرى يأمر الله تعالى فيها جميع المسلمين بأن يوحدوه ، ويفردوه بالعبادة، ويكونوا حنفاء له مائلين عن الشرك إلى التوحيد، وذلك في قوله جل وعلا: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ) يونس/١٠٤-١٠٦. وقوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الروم/٣٠. ولهذا أخبر النبي ﷺ أنه إنما جاء بالملة الحنيفية: عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ) . رواه أحمد في المسند (٢٤٣٣٤) ، وصححه الألباني في الصحيحة (١٨٢٩) ، وحسنه محققو المسند. وأخبر أن ذلك أحب الطرق إلى الله : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: (قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ.) . رواه أحمد (٢١٠٨) وصححه الألباني في الصحيحة (٨٨١) . وبوب الإمام البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه: (بَاب الدِّينُ يُسْرٌ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ) . وقد بقيت بقايا من دين إبراهيم عليه، وصلت إلى العرب قبل مبعث النبي ﷺ ، وكانت قلة من العرب يدينون ـ قبل البعثة ـ بالحنيفية، دين إبراهيم ﵇. عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ يَسْأَلُ عَنْ الدِّينِ وَيَتْبَعُهُ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ الْيَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ، فَأَخْبِرْنِي؟! فَقَالَ: لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ!! قَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ!! فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا. قَالَ زَيْدٌ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ؛ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ. فَخَرَجَ زَيْدٌ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ النَّصَارَى، فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَقَالَ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ!! قَالَ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ، وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ؟! فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا. قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ؛ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ. فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ ﵇ خَرَجَ، فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ!! [قال البخاري:] وَقَالَ اللَّيْثُ كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي. وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ لَا تَقْتُلْهَا، أَنَا أَكْفِيكَهَا مَئُونَتَهَا؛ فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا. رواه البخاري (٣٨٢٨) . وانظر جواب السؤال رقم: (١٣٠٤٣) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 646

حديث إخراج أناس من النار لم يعملوا خيرا قط لا يعني الكفار [السُّؤَالُ] ـ[كيف نجمع بين حديث: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان) ... قال: (فيقبض قبضة من النار - أو قال قبضتين - ناسا لم يعملوا لله خيرا قط..) وبين خلود الكافر في النار؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا تعارض بين إخراج أناس من النار جاء في وصفهم أنهم (لم يعملوا خيرا قط) ، وبين الآيات الكثيرة التي تقرر خلود الكفار في نار جهنم، وذلك لأن هؤلاء الموصوفين في الحديث ليسوا من الكفار، بل هم من المؤمنين الموحدين، ولكنهم فرطوا في جنب الله، وأسرفوا على أنفسهم حتى تركوا أكثر العبادات والطاعات، ولم يبق لهم ما يدخلهم الجنة إلا الشفاعة. والحديث يرويه الإمام مسلم في صحيحه (رقم/١٨٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجُّونَ. فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ. فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ. فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا. ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا. ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا. وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) فَيَقُولُ اللَّهُ : شَفَعَتْ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمْ الْخَوَاتِمُ يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ) والحديث يرويه أيضا الإمام أحمد في " المسند " (١٨/٣٩٤) من طريق أخرى. وقد بين العلماء أن هذه الشفاعة هي لمن قال لا إله إلا الله، وجاء بأصل التوحيد، ولكنه لم يعمل خيرا قط. يقول ابن حجر ﵀: " وشفاعة أخرى هي شفاعته فيمن قال لا إله إلا الله ولم يعمل خيرا قط " انتهى. " فتح الباري " (١١/٤٢٨) ويقول الحافظ ابن عبد البر ﵀ – في شرح رواية أبي هريرة لحديث الرجل الذي أوصى بنيه أن يحرقوه ويذروا نصفه في البر ونصفه في البحر خوفا من عقاب الله، حيث جاء فيها: (قال رجل لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد) – قال ابن عبد البر ﵀: " وهذه اللفظة – يعني (إلا التوحيد) - إن صحت رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل، وإن لم تصح من جهة النقل فهي صحيحة من جهة المعنى، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها؛ لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار، لأن الله قد أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به لمن مات كافرا، وهذا ما لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة، وفي هذا الأصل ما يدلك على أن قوله في هذا الحديث: (لم يعمل حسنة قط) ، أو (لم يعمل خيرا قط لم يعذبه) إلا ما عدا التوحيد من الحسنات والخير، وهذا سائغ في لسان العرب جائز في لغتها، أن يؤتى بلفظ الكل والمراد البعض، والدليل على أن الرجل كان مؤمنا قوله حين قيل له: لم فعلت هذا؟ فقال: من خشيتك يا رب) والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق، بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم، كما قال الله : (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) قالوا: كل من خاف لله فقد آمن به وعرفه ومستحيل أن يخافه من لا يؤمن به. وهذا واضح لمن فهم وألهم رشده. ومثل هذا الحديث في المعنى ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبو صالح حدثني الليث عن ابن العجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (إن رجلا لم يعمل خيرا قط وكان يداين الناس فيقول لرسوله: خذ ما يسر واترك ما عسر، وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا. فلما هلك قال الله: هل عملت خيرا قط؟ قال لا، إلا أنه كان لي غلام فكنت أداين الناس، فإذا بعثته يتقاضى قلت له خذ ما يسر واترك ما عسر، وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا، قال الله قد تجاوزت عنك) قال أبو عمر: فقول هذا الرجل الذي لم يعمل خيرا قط غير تجاوزه عن غرمائه (لعل الله يتجاوز عنا) : إيمان وإقرار بالرب، ومجازاته، وكذلك قول الآخر: (خشيتك يا رب) إيمان بالله واعتراف له بالربوبية والله أعلم " انتهى. " التمهيد " (١٨/٤٠-٤١) ويقول الإمام ابن خزيمة ﵀ – وقد أورد هذا الحديث تحت باب: " ذكر الدليل أن جميع الأخبار التي تقدم ذكري لها إلى هذا الموضع في شفاعة النبي ﷺ في إخراج أهل التوحيد من النار إنما هي ألفاظ عامة مرادها خاص ": " هذه اللفظة: (لم يعملوا خيرا قط) من الجنس الذي يقول العرب، ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيرا قط على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي " انتهى. " التوحيد " (٢/٧٣٢) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 647

الفرق بين دعاء المسألة ودعاء العبادة [السُّؤَالُ] ـ[ما الفرق بين دعاء المسألة ودعاء العبادة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله تستعمل كلمة "الدعاء" للدلالة على معنيين اثنين: ١- دعاء المسألة، وهو طلب ما ينفع، أو طلب دفع ما يضر، بأن يسأل الله تعالى ما ينفعه في الدنيا والآخرة، ودفع ما يضره في الدنيا والآخرة. كالدعاء بالمغفرة والرحمة، والهداية والتوفيق، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، وأن يؤتيه الله حسنة في الدنيا، وحسنة في الآخرة ... إلخ. ٢- دعاء العبادة، والمراد به أن يكون الإنسان عابداً لله تعالى، بأي نوع من أنواع العبادات، القلبية أو البدنية أو المالية، كالخوف من الله ومحبة رجائه والتوكل عليه، والصلاة والصيام والحج، وقراءة القرآن والتسبيح والذكر، والزكاة والصدقة والجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..... إلخ. فكل قائم بشيء من هذه العبادات فهو داعٍ لله تعالى. انظر: "القول المفيد" (١/٢٦٤) ، "تصحيح الدعاء" (ص ١٥- ٢١) . والغالب أن كلمة (الدعاء) الواردة في آيات القرآن الكريم يراد بها المعنيان معاً؛ لأنهما متلازمان، فكل سائل يسأل الله بلسانه فهو عابد له، فإن الدعاء عبادة، وكل عابد يصلي لله أو يصوم أو يحج فهو يفعل ذلك يرد من الله تعالى الثواب والفوز بالجنة والنجاة من العقاب. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء، والنهي عن دعاء غير الله، والثناء على الداعين، يتناول دعاء المسألة، ودعاء العبادة" انتهى. "القواعد الحسان" (رقم/٥١) . وقد يكون أحد نوعي الدعاء أظهر قصدا من النوع الآخر في بعض الآيات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قول الله : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الأعراف/٥٥-٥٦-: " هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعَيِ الدُّعاء: دعاء العبادة، ودعاء المسألة: فإنّ الدُّعاء في القرآن يراد به هذا تارةً وهذا تارةً، ويراد به مجموعهما؛ وهما متلازمان؛ فإنّ دعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الدّاعي، وطلب كشف ما يضره ودفعِه، ... فهو يدعو للنفع والضرِّ دعاءَ المسألة، ويدعو خوفاً ورجاءً دعاءَ العبادة؛ فعُلم أنَّ النَّوعين متلازمان؛ فكل دعاءِ عبادةٍ مستلزمٌ لدعاءِ المسألة، وكل دعاءِ مسألةٍ متضمنٌ لدعاءِ العبادة. وعلى هذا فقوله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فإنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ) يتناول نوعي الدُّعاء ... وبكل منهما فُسِّرت الآية. قيل: أُعطيه إذا سألني، وقيل: أُثيبه إذا عبدني، والقولان متلازمان. وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؛ بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعاً. فتأمَّله؛ فإنّه موضوعٌ عظيمُ النّفع، وقلَّ ما يُفطن له، وأكثر آيات القرآن دالَّةٌ على معنيين فصاعداً، فهي من هذا القبيل. ومن ذلك قوله تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) الفرقان/٧٧ أي: دعاؤكم إياه، وقيل: دعاؤه إياكم إلى عبادته، فيكون المصدر مضافاً إلى المفعول، ومحل الأول مضافاً إلى الفاعل، وهو الأرجح من القولين. وعلى هذا؛ فالمراد به نوعا الدُّعاء؛ وهو في دعاء العبادة أَظهر؛ أَي: ما يعبأُ بكم لولا أَنّكم تَرْجُونَه، وعبادته تستلزم مسأَلَته؛ فالنّوعان داخلان فيه. ومن ذلك قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) غافر/٦٠، فالدُّعاء يتضمن النّوعين، وهو في دعاء العبادة أظهر؛ ولهذا أعقبه (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي) الآية، ويفسَّر الدُّعاء في الآية بهذا وهذا. وروى الترمذي عن النّعمان بن بشير ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول على المنبر: إنَّ الدُّعاء هو العبادة، ثمّ قرأ قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) الآية، قال الترمذي: حديث حسنٌ صحيحٌ. وأمَّا قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) الآية، الحج/٧٣، وقوله: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَاّ إِنَاثًا) الآية، النّساء/١١٧، وقوله: (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ) الآية، فصلت/٤٨، وكل موضعٍ ذكر فيه دعاءُ المشركين لأوثانهم، فالمراد به دعاءُ العبادة المتضمن دعاءَ المسألة، فهو في دعاء العبادة أظهر ... وقوله تعالى: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ) غافر/٦٥، هو دعاء العبادة، والمعنى: اعبدوه وحده وأخلصوا عبادته لا تعبدوا معه غيره. وأمَّا قول إبراهيم ﵇: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاء) إبراهيم/٣٩، فالمراد بالسّمع ههنا ااء الطّلب، وسَمْعُ الربِّ تعال له إثابته على الثناء، وإجابته للطلب؛ فهو سميعُ هذا وهذا. وأمَّا قولُ زكريا ﵇: (ولم أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) مريم/٤، فقد قيل: إنَّه دعاءُ لسّمع الخاص، وهو سمعُ الإجابة والقبول، لا السّمع العام؛ لأنَّه سميعٌ لكل مسموعٍ، وإذا كان كذلك؛ فالدُّعاء: دعاء العبادة ودعالمسألة، والمعنى: أنَّك عودتَّني إجابتَك، ولم تشقني بالرد والحرمان، فهو توسلٌ إليه بما سلف من إجابته وإحسانه، وهذا ظاهرٌ ههنا. وأمَّا قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) الآية، الإسراء/١١٠؛ فهذا الدُّعاء: المشهور أنَّه دعاءُ المسألة، وهو سببُ النّزول، قالوا: كان النّبيُّ ﷺ يدعو ربه فيقول مرَّةً: يا الله. ومرَّةً: يا رحمن. فظنَّ المشركون أنَّه يدعو إلهين، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ. وأمَّا قوله: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) الطّور/٢٨، فهذا دعاءُ العبادة المتضمن للسؤال رغبةً ورهبةً، والمعنى: إنَّا كنَّا نخلص له العبادة؛ وبهذا استحقُّوا أنْ وقاهم الله عذابَ السّموم، لا بمجرد السّؤال المشترك بين النّاجي وغيره: فإنّه سبحانه يسأله من في السّموات والأرض، (لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا) الكهف/١٤، أي: لن نعبد غيره، وكذا قوله: (أَتَدْعُونَ بَعْلاً) الآية، الصّافات/١٢٥. وأمَّا قوله: (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ) القصص/٦٤، فهذا دعاءُ المسألة، يبكتهم الله ويخزيهم يوم القيامة بآرائهم؛ أنَّ شركاءَهم لا يستجيبون لهم دعوتَهم، وليس المراد: اعبدوهم، وهو نظير قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَقولُ نَادُوا شُرَكائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فلمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) الكهف/٥٢ " انتهى. "مجموع فتاوى ابن تيمية" (١٥/١٠-١٤) باختصار. وانظر أمثلة أخرى في "بدائع الفوائد" لابن القيم (٣/٥١٣-٥٢٧) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 648

منزلة الحكم بما أنزل الله في الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[ما منزلة الحكم بما أنزل الله في الإسلام؟ وهل يكون الحاكم بغير ما أنزل الله يكون كافراً؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "إن الحكم بما أنزل الله تعالى من توحيد الربوبية؛ لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته وكمال ملكه وتصرفه، لهذا سمى الله تعالى المتبوعين في غير ما أنزل الله تعالى أرباباً لمتبعيهم فقال سبحانه: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة/٣١، فسمى الله تعالى المتبوعين أرباباً حيث جُعلوا مشرِّعين مع الله تعالى، وسمى المتبعين عباداً حيث إنهم ذلوا لهم وأطاعوهم في مخالفة حكم الله . وقد قال عدي بن حاتم لرسول الله ﷺ : إنهم لم يعبدوهم، فقال النبي ﷺ : (بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم) . إذا فهمت ذلك فاعلم أن من لم يحكم بما أنزل الله وأراد أن يكون التحاكم إلى غير الله ورسوله وردت فيه آيات بنفي الإيمان وآيات بكفره وظلمه وفسقه. أما القسم الأول [يعني الآيات التي وردت بنفي الإيمان عنه] : فمثل قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء/٦٠- ٦٥. فوصف الله تعالى هؤلاء المدعين للإيمان وهم منافقون بصفات: الأولى: أنهم يريدون أن يكون التحاكم إلى الطاغوت؛ وهو كل ما خالف حكم الله تعالى ورسوله ﷺ ؛ لأن من خالف حكم الله ورسوله فهو طغيان واعتداء على حُكْمِ مَنْ له الحكم وإليه يرجع الأمر كله، وهو الله، قال الله تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) الأعراف/٥٤. الثانية: أنهم إذا دُعُوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدوا وأعرضوا. الثالثة: أنهم إذا أصيبوا بمصيبة بما قدمت أيديهم، ومنها أن يعثر على صنيعهم جاءوا يحلفون أنهم ما أرادوا إلا الإحسان والتوفيق، كحال من يرفض اليوم أحكام الإسلام ويحكم بالقوانين المخالفة لها زعماً منه أن ذلك هو الإحسان الموافق لأحوال العصر. ثم حذر سبحانه هؤلاء المدعين للإيمان المتصفين بتلك الصفات بأنه سبحانه يعلم ما في قلوبهم وما يكنون من أمور تخالف ما يقولون، وأمر نبيه أن يعظهم ويقول لهم في أنفسهم قولاً بليغاً. ثم بين الحكمة من إرسال الرسول أن يكون هو المطاع المتبوع لا غيره من الناس مهما قويت أفكارهم واتسعت مداركهم. ثم أقسم تعالى بربوبيتة لرسوله التي هي أخص أنواع الربوبية والتي تتضمن الإشارة إلى صحة رسالته ﷺ أقسم بها مؤكداً أنه لا يصلح الإيمان إلا بثلاثة أمور: الأول: أن يكون التحاكم في كل نزاع إلى رسول الله ﷺ . الثاني: أن تنشرح الصدور بحكمه، ولا يكون في النفوس حرج وضيق منه. الثالث: أن يحصل التسليم التام بقبول ما حكم به وتنفيذه بدون توان أو انحراف. وأما القسم الثاني [يعني الآيات التي وردت بكفره وظلمه وفسقه] : فمثل قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ) المائدة/٤٤، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) المائدة/٤٥، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) المائدة/٤٧. وهل هذه الأوصاف الثلاثة تتنزل على موصوف واحد؟ بمعنى أن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق؟ لأن الله تعالى وصف الكافرين بالظلم والفسق، فقال تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ) البقرة/٢٥٤، وقال تعالى: (إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وََسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) التوبة/٨٤، فكل كافر ظالم فاسق، أو هذه الأوصاف تتنزل على موصوفين بحسب الحامل لهم على عدم الحكم بما أنزل الله؟ هذا هو الأقرب عندي، والله أعلم. فنقول: من لم يحكم بما أنزل الله استخفافاً به، أو احتقاراً له، أو اعتقاداً أن غيره أصلح، وأنفع للخلق، فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة، ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجاً يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فَضْلَ ما عَدَلَ إليه، ونَقَصَ ما عدلَ عنه. ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو لم يستخف به، ولم يحتقره، ولم يعتقد أن غيره أصلح منه، وأنفع للخلق وإنما حكم بغيره تسلطاً على المحكوم انتقاماً منه لنفسه أو نحو ذلك، فهذا ظالم وليس بكافر، وتختلف مراتب ظلمه بحسب المحكوم به ووسائل الحكم. ومن لم يحكم بما أنزل الله لا استخفافاً بحكم الله ولا احتقاراً ولا اعتقاداً أن غيره أصلح وأنفع للخلق وإنما حكم بغيره محاباة للمحكوم له، أو مراعاة لرشوة أو غيرها من عَرَض الدنيا، فهذا فاسق وليس بكافر، وتختلف مراتب فسقه بحسب المحكوم به ووسائل الحكم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيمن اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله أنهم على وجهين: أحدهما: أن يعلموا أنهم يبدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، ويعتقدون تحليل ما حرم وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل. فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركاً. الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحليل الحرام وتحريم الحلال – كذا العبارة المنقولة عنه – ثابتاً، لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب" انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀. "فتاوى العقيدة" (ص ٢٠٨- ٢١٢) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 649

كيف أحقق التوحيد، وما هو الجزاء الموعود ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كيف يمكن للعبد أن يحقق التوحيد لله تعالى؟]ـ [الْجَوَابُ] أحكام الأضحية الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد: فقد سألتَ ـ وفقك الله ـ عن أمر عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، نسأل الله أن ييسر لنا ولإخواننا المسلمين كل خير. اعلم أن تحقيق التوحيد إنما يكون بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله وهذا التحقيق له درجتان: (درجة واجبة، ودرجة مستحبة) فالدرجة الواجبة تتحقق بثلاثة أمور: ١) ترك الشرك بجميع أنواعه الأكبر والأصغر والخفي. ٢) ترك البدع بأنواعها. ٣) ترك المعاصي بأنواعها. والدرجة المستحبة وهي التي يتفاضل فيها الناس ويتفاوتون تفاوتاً عظيماً وهي: أن لا يكون في القلب شيء من التوجه لغير الله أو التعلق بسواه؛ فيكون القلب متوجهاً بكليته إلى الله ليس فيه التفات لسواه، نطقه لله، وفعله وعمله لله، بل وحركة قلبه لله ﷻ ، وهذه الدرجة يعبر بعض أهل العلم عنها بأنها: ترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس، وذلك يشمل أعمال القلوب واللسان والجوارح. ولابد لتحقيق هاتين الدرجتين من أمور: أولها: العلم، وإلا فكيف يحقق التوحيد ويعمل به من لا يعرفه ويفهمه، فواجب على كل مكلف أن يتعلم من توحيد الله ما يُصَحِّحُ به معتقده وقوله وعمله، ثم ما زاد فهو فضلٌ وخيرٌ. ثانيها: التصديق الجازم واليقين الراسخ بما ورد عن الله وعن نبيه ﷺ من أخبار، وأقوال. ثالثها: الانقياد والامتثال لأوامر الله ورسوله ﷺ بفعل المأمورات، وترك المحظورات والمنهيات. وكلما كان الإنسان أكثر تحقيقاً لهذه الأمور كان توحيده أعظم وثوابه أكبر. وقد بين لنا رسولنا ﷺ أن من حقق الدرجة العليا من التوحيد فهو موعود بأن يكون مع السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ـ نسأل الله من فضله ـ ففي صحيح البخاري (٥٧٠٥) ومسلم (٢٢٠) عن ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي فَقِيلَ لِي هَذَا مُوسَى ﷺ وَقَوْمُهُ وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ فَقِيلَ لِي انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ الْآخَرِ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ فَقِيلَ لِي هَذِهِ أُمَّتُكَ وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ فَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ هُمْ الَّذِينَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ولا يكتوون وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ أَنْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ " قوله: (لَا يَسْتَرْقُونَ) أي لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم.وإن كان طلب الرقية جائزاً لكنه خلاف الأولى والأفضل. وقوله: (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) أي لا يقعون في التشاؤم بالطير أو بغيرها مما يتشاءم منه الناس فيتركون بعض ما عزموا على فعله بسبب هذا التشاؤم.والتشاؤم محرم وهو من الشرك الأصغر. وقوله: (وَلَا يَكْتَوُونَ) فيتركون الاكتواء بالنار في علاج أمراضهم ولو ثبت لهم نفعه لكراهة النبي ﷺ له. ولأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار. فالصفة المشتركة في هذه الصفات الثلاثة أن أصحابها (على ربهم يتوكلون) أي حققوا أكمل درجات التوكل وأعلاها، فلم يعد في قلوبهم أدنى التفات للأسباب، ولا تعلق بها بل تعلقهم بربهم وحده سبحانه. والتوكل هو جماع الإيمان كما قال سعيد بن حبيب، بل هو الغاية القصوى كما يقول وهب بن منبه ﵀. وتجد في السؤال رقم (٤٢٠٣) مزيدا من الكلام على هذا الحديث فراجعه لأهميته. والله أعلم وأحكم. وبعد: فليس تحقيق التوحيد بالتمني،ولا بالتحلي، ولا بالدعاوى الخالية من الحقائق، وإنما بما وقر في القلوب من عقائد الإيمان، وحقائق الإحسان؛ وصدقته الأخلاق الجميلة والأعمال الصالحة الجليلة. فعلى المسلم أن يبادر لحظات العمر، وسابق ساعات الزمن في المبادرة إلى الخيرات، والمنافسة في الطاعات، وليستهون الصعب، وليستلذ الألم، فإن سلعة الله غالية. إن سلعة الله الجنة. ينظر (القول السديد على مقاصد كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ ـ٢٠-٢٣) والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 650

حوار مع نصراني: توحيد الله هو رسالة عيسى والأنبياء جميعا، ﵈ [السُّؤَالُ] ـ[لماذا تبتعدون عن الحقيقة، وتنظرون إلى عيسى على أنه رسول بدلا من النظر إليه كابن للرب، عيسى هو ابن الرب الوحيد، هذه هي الحقيقة!!.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله شكرا لك أيها السائل أن أتحت لنا فرصة التواصل معا، لنتحاور حول الحقيقة التي نحتاج أن نعرفها جميعا، ثم نتبعها مهما خالفت آراءنا السابقة، واعتقاداتنا القديمة، فبهذا فقط، أعني معرفة الحق واتباعه، نتحرر من خطايانا وذنوبنا، كما في كتابكم المقدس: ﴿وتعرفون الحق، والحق يحرركم﴾ [يوحنا ٨/٣٢] ، فهلم إلى وقفة قصيرة، مع هذه الحقيقة، كما يعرضها كتابكم المقدس، رغم كل ما ناله من تحريف وتغيير!! إن الدعوة التي جاء بها المسيح ﵇ هي عبادة الله الواحد، رب المسيح ورب العالمين: ﴿هذه هي الحياة الأبدية؛ لابد أن يعرفوك: أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته﴾ [يوحنا ١٧/٣] ﴿سأله رئيس قائلا: أيها المعلم الصالح، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال له يسوع: لماذا تدعوني صالحا؛ ليس أحد صالحا إلا واحد؛ هو الله!!﴾ [لوقا ١٨/١٨-١٩] . ﴿وأصعده إبليس إلى جبل مرتفع، وأراه في لحظة من الزمن جميع ممالك العالم، وقال له: أعطيك هذا السلطان كله، ومجد هذه الممالك، لأنه من نصيبي، وأنا أعطيه لمن أشاء!! فإن سجدت لي يكون كله لك. فأجابه يسوع: ابتعد عني يا شيطان، يقول الكتاب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد.﴾ [لوقا ٤/٥-٨] . إن توحيد الله الذي لا إله إلا غيره، أعظم وصية جاء بها المسيح، وهو أعظم وصايا الأنبياء جميعا: ﴿وكان أحد معلمي الشريعة هناك، فسمعهم يتجادلون، ورأى أن يسوع أحسن الرد على الصدوقيين، فدنا منه وسأله: ما هي أول الوصايا كلها؟ فأجاب يسوع: الوصية الأولى هي: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا هو الرب الأحد؛ فأحب الرب إلهك بكل قلبك، وكل نفسك، وكل فكرك، وكل قدرتك. والوصية الثانية مثلها؛ أحب قريبك مثلما تحب نفسك. وما من وصية أعظم من هاتين الوصيتين. فقال له معلم الشريعة: أحسنت يا معلم؛ فأنت على حق في قولك: إن الله واحد، ولا إله إلا هو، وأن يحبه الإنسان بكل قدرته، وأن يحب قريبه بكل قلبه وكل فكره وكل قدرته، وأن يحب قريبه مثلما يحب نفسه، أحسن من كل الذبائح والقرابين. ورأى يسوع أن الرجل أجاب بحكمة، فقال له: ما أنت بعيد عن ملكوت الله. وما تجرأ أحد بعد ذلك أن يسأله عن شيء.﴾ [مرقس ١٢/٢٨-٣٤] . ولا تظن أن هاتين الوصيتين لإسرائيل، أو لشعبه فقط، بل هي أصل الشريعة وتعاليم جميع الأنبياء، فالوصيتان نفسهما في إنجيل متى، وبعبارة قريبة، ثم قال بعدهما: ﴿على هاتين الوصيتين تقوم الشريعة كلها، وتعاليم الأنبياء﴾ [متى ٢٢/٣٩] . فهذا التوحيد حقا هو رسالة كل الأنبياء؛ قال الله تعالى: ) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الأنبياء/٢٥ وهو الأصل الذي دعا إليه المسيح، وحذر من مخالفته؛ قال الله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) المائدة/٧٢ وهذا هو الأصل الذي ينبغي أن نلتقي عليه جميعا؛ قال الله تعالى:) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) آل عمران/٦٤ إنها غريبة على النصرانية الحقة تلك المحاولة اليائسة للجمع بين التوحيد الذي جاءت به الأنبياء، وصرح به الكتاب المقدس لديكم، وقررته التوراة خصوصا، وبين ما تؤمنون به من التثليث. جاء في دائرة المعارف الأمريكية: (لقد بدأت عقيدة التوحيد – كحركة لاهوتية – بداية مبكرة جدا في التاريخ، وفي حقيقة الأمر فإنها تسبق عقيدة التثليث بالكثير من عشرات السنين. لقد اشتُقَّت المسيحية من اليهودية، واليهودية صارمة في عقيدة التوحيد. إن الطريق الذي سار من أورشليم [مجمع تلاميذ المسيح الأول] إلى نيقية [حيث تقرر مساواة المسيح بالله في الجوهر والأزلية عام ٣٢٥م] كان من النادر القول بأنه كان طريقا مستقيما. إن عقيدة التثليث التي أقرت في القرن الرابع الميلادي لم تعكس بدقة التعليم المسيحي الأول فيما يختص بطبيعة الله؛ لقد كانت على العكس من ذلك انحرافا عن هذا التعليم، ولهذا فإنها تطورت ضد التوحيد الخالص، أو على الأقل يمكن القول بأنها كانت معارضة لما هو ضد التثليث، كما أن انتصارها لم يكن كاملا.) [٢٧/٢٩٤] ويمكنك الرجوع إلى بعض آراء من لا يزالون يذهبون إلى التوحي من المسيحيين، في المصدر السابق نفسه، دائرة المعارف [٢٧/٣٠٠-٣٠١] . إنها معضلة للعقول، مستحيلة في الفطر والأذهان، فلا عجب أنكم لم تفهموها مجرد فهم، لكن العجب هو الإيمان بما يستحيل فهمه، إلا أن نغرر أنفسنا بأن ذلك الفهم سيأتي في اليوم الآخر: (قد فهمنا ذلك على قدر عقولنا، ونرجو أن نفهمه فهما أكثر جلاء في المستقبل، حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السموات وما في الأرض، وأما في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه كفاية) !! نعم سوفي يتجلى لكم الحق عيانا في المستقبل، كما تجلى لنا اليوم، والحمد لله؛ يوم يجمع الله الرسل فيشهدهم على أممهم؛ قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوب ِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إ ِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) سورة المائدة والله اعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 651

معرفة أحوال الطقس هل تدخل في التنجيم أو ادعاء علم الغيب ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هناك بعض مواقع أحوال الطقس على الإنترنت تعرض أحوال الطقس المتوقعة مابين ٥-١٠ أيام فهل يجوز لي مشاهدتها؟ أنا سألت هذا السؤال لأنني أخاف أنهم يدعون علم الغيب أو ينجمون وأنه يحرم علي مشاهدتها.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله معرفة أحوال الطقس لا تدخل في التنجيم أو ادعاء علم الغيب، وإنما تبنى على أمور حسية وتجارب، ونظر في سنن الله الكونية. وكذلك معرفة أوقات الكسوف والخسوف، أو توقع هبوب الرياح، أو نزول الأمطار. جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: " قد يعرف وقت خسوف القمر وكسوف الشمس عن طريق حساب سير الكواكب، ويعرف به كذلك كون ذلك كليا أو جزئيا، ولا غرابة في ذلك؛ لأنه ليس من الأمور الغيبية بالنسبة لكل أحد، بل غيبي بالنسبة لمن لا يعرف علم حساب سير الكواكب، وليس بغيبي بالنسبة لمن يعرف ذلك العلم، ولا ينافي ذلك كون الكسوف أو الخسوف آية من آيات الله تعالى التي يخوف بها عباده ليرجعوا إلى ربهم ويستقيموا على طاعته " وجاء فيها أيضاً: " معرفة الطقس أو توقع هبوب رياح أو عواصف أو توقع نشوء سحاب أو نزول مطر في جهة مبني على معرفة سنن الله الكونية، فقد يحصل ظن لا علم لمن كان لديه خبرة بهذه السنن عن طريق نظريات علمية أو تجارب عادية عامة فيتوقع ذلك ويخبر به عن ظن لا علم فيصيب تارة ويخطئ أخرى " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة". وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وليس من الكهانة في شيء من يخبر عن أمور تدرك بالحساب؛ فإن الأمور التي تدرك بالحساب ليست من الكهانة في شيء، كما لو أخبر عن كسوف الشمس أو خسوف القمر؛ فهذا ليس من الكهانة لأنه يدرك بالحساب، وكما لو أخبر أن الشمس تغرب في ٢٠من برج الميزان مثلا في الساعة كذا وكذا؛ فهذا ليس من علم الغيب، لأنه من الأمور التي تدرك بالحساب؛ فكل شيء يدرك بالحساب، فإن الإخبار عنه ولو كان مستقبلا لا يعتبر من علم الغيب، ولا من الكهانة. وهل من الكهانة ما يخبر به الآن من أحوال الطقس في خلال أربع وعشرين ساعة أو ما أشبه ذلك؟ الجواب: لا؛ لأنه أيضا يستند إلى أمور حسية، وهي تكيف الجو؛ لأن الجو يتكيف على صفة معينة تعرف بالموازين الدقيقة عندهم؛ فيكون صالحا لأن يمطر، أو لا يمطر، ونظير ذلك في العلم البدائي إذا رأينا تجمع الغيوم والرعد والبرق وثقل السحاب، نقول: يوشك أن ينزل المطر. فالمهم أن ما استند إلى شيء محسوس؛ فليس من علم الغيب، وإن كان بعض العامة يظنون أن هذه الأمور من علم الغيب، ويقولون: إن التصديق بها تصديق بالكهانة. " انتهى من "القول المفيد شرح كتاب التوحيد". وينظر: "الفتاوى الكبرى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (٤/٤٢٤) فيما يتعلق بمعرفة أهل التقاويم والحساب لأوقات الكسوف والخسوف، وأول الربيع، وأول الشتاء ونحو ذلك مما يعرف بالحساب، ولا يدخل في علم الغيب. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 652

هل النطق بالشهادتين كافٍ لدخول الجنة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل صحيح أنه إذا كانت عائلة الشخص تؤمن أنه " لا إله إلا الله وأن محمداً ﷺ رسوله " فإن ذلك يكون كافياً لدخول المذكور الجنة؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ليس الإسلام هو النطق بالشهادتين فقط، بل لا بدَّ من تحقيق شروطٍ في هاتين الشهادتين حتى يكون الناطق بهما مسلماً حقّاً، وأركان الإسلام: الاعتقاد والنطق والعمل. عن عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ) . رواه البخاري (٣٢٥٢) ومسلم (٢٨) . قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب – ﵀: قوله (من شهد أن لا إله إلا الله) أي: من تكلم بها عارفاً لمعناها عاملاً بمقتضاها باطناً وظاهراً، فلابدَّ في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولها كما قال الله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلهَ إلَاّ الله) . وقوله (إِلَاّ من شهد بالحق وهم يعلمون) أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه: من البراءة من الشرك وإخلاص القول والعمل: قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح: فغير نافع بالإجماع. قال القرطبي في " المفهم على صحيح مسلم ": " باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لابدَّ من استيقان القلب " هذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كافٍ في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدل على فساده، بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها؛ ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح، وهو باطل قطعاً ا. هـ وفي هذا الحديث ما يدل على هذا وهو قوله: (من شهد) فإن الشهادة لا تصح إلا إذا كانت عن علم ويقين وإخلاص وصدق. " فتح المجيد " (ص ٣٦) وشروط " شهادة أن لا إله إلا الله " سبعة شروط، لا تنفع قائلها إلا باجتماعها؛ وهي على سبيل الإجمال: الأول: العلم المنافي للجهل، الثاني: اليقين المنافي للشك، الثالث: القبول المنافي للرد، الرابع: الانقيادُ المنافي للترك، الخامس: الإخلاص المنافي للشرك، السادس: الصدق المنافي للكذب، السابع: المحبة المنافية لضدها، وهو البغضاء. وشروط " شهادة أن محمَّداً رسول الله " هي نفسها شروط " شهادة أن لا إله إلا الله "، وهي مذكورة بأدلتها في جواب السؤالين (٩١٠٤) و (١٢٢٩٥) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 653

تقسيم التوحيد إلى أقسام [السُّؤَالُ] ـ[سمعت من بعض الأخوة الذين عندهم علم بالتوحيد وأقسامه أن شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمة الله قسم التوحيد إلى نوعين (توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات) , فما مدى صحة هذا القول؟ وهل كان الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ يقسم التوحيد إلى أربعة أقسام؟ وأخيرا , فهل يقسم الشيخ صالح الفوزان حفظه الله التوحيد إلى أربعة أقسام؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لابد أن نعلم أن القاعدة تقول " لا مشاحة في الاصطلاح "، وهذه قاعدة معروفة عند الفقهاء والأصوليين. قال ابن القيم ﵀: والاصطلاحات لامشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة. " مدارج السالكين " (٣ / ٣٠٦) . ومعنى لا مشاحة أي لا تنازع. ثانيا: إن للعلماء من قديم الزمان تقسيمات للأحكام الشرعية، وهذا التقسيم إنما هو للتيسير وتسهيل الفهم للنصوص والأحكام الشرعية وخصوصا مع تأخر الزمان وضعف المعرفة باللغة العربية واختلاط اللسان العربي بالأعجمي. فرأى العلماء أن وضع قواعد ومسائل وتقسيمات لتسهيل وتيسير الفهم لا مشاحة فيه بل ذلك من الأمور المستحسنة لما يترتب عليه من تقريب العلم للمسلمين، فهذا الشافعي واضع علم الأصول في الفقه الإسلامي وقد لاقت تقسيماته قبولا حسنا وعليه درج الأصوليون مع إضافات وتعقب على ما ذكره، وهكذا جميع العلوم الشرعية كعلم التجويد وتقسيماته وترتيباته وعلوم القرآن وغيرها ومنها علم التوحيد. ثالثا: ما ذكره السائل من أن شيخ الإسلام قسَّم التوحيد إلى قسمين والشيخ محمد بن إبراهيم قسمه إلى أربعة أقسام وكذلك الشيخ صالح الفوزان: فلا إشكال في ذلك وإليك البيان: فقد ذكر بعض العلماء أن التوحيد ينقسم إلى قسمين: توحيد المعرفة والاثبات: وهو يشمل الإيمان بوجود الله والإيمان بربوبيته والإيمان بأسمائه وصفاته. توحيد القصد والطلب: وهو يشمل الإيمان بألوهية الله تعالى. وأما من قسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام فقد فصَّل التقسيم السابق زيادة في تسهيل الفهم والمعرفة فقال: التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية: ويدخل فيه الإيمان بوجود الله. توحيد الألوهية أو توحيد العبادة - وهما بمعنى واحد –. توحيد الأسماء والصفات. ثم جاء بعض العلماء فزادوا في التقسيم فقالوا: التوحيد ينقسم إلى أربعة أقسام: الإيمان بوجود الله. الإيمان بربوبية الله. الإيمان بألوهية الله. الإيمان بأسماء الله وصفاته. فكما نرى لا إشكال في هذا التقسيم ما دام أنه لا يدل على شيء باطل، ولا مشاحة في الاصطلاح، وهذا التفصيل إنما هو لتسهيل الفهم فكلما بعُد العهد: قلَّ الفهم واحتاج العلماء إلى التبسيط والتسهيل والتفصيل. والخلاصة أنه لا إشكال فيما ذكره السائل لأن من قسم التوحيد إلى قسمين قد جمع في هذين القسمين ما فضّله الآخرون، ومن قسمه إلى ثلاثة أقسام أو أربعة فصّل فيما أجمله الآخرون. والجميع متفقون على أن التوحيد يشمل كل ما ذكروه. وهذه التقسيمات اصطلاحية لا مانع منها بشرط أن لا يحصل من ذلك مفسدة، كما لو أخرج من معاني التوحيد بعض ما يدخل فيه، أو يُدخل فيها ما ليس منه. وقد يأتي زمان نحتاج فيه إلى تفصيل أكثر فيفصل العلماء ويقسموا ليسهلوا الفهم. وهذا بيان مختصر لمعنى أنواع التوحيد الثلاثة: الإيمان بالربوبية: هو إفراد الله بأفعاله من خَلْق وإحياء وإماتة وغيرها. والإيمان بالألوهية: هو إفراد الله بأفعال العباد من قول أو فعل ظاهر أو باطن. فلا يُعبد إلا الله . والإيمان بالأسماء والصفات: هو إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، ونفي ما نفاه الله عن نفسه من غير تعطيل أو تمثيل. رابعا: تقسيم العلماء للتوحيد على هذا التقسيم ليس محدثاً بل هو معروف في القرن الثالث والرابع كما ذكر ذلك الشيخ العلامة بكر أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء في كتابه " الرد على المخالف "، فنقل هذا التقسيم عن ابن جرير الطبري وغيره من العلماء. تنبيه: ما ذكره السائل من أن شيخ الإسلام ابن تيمية يقسم التوحيد إلى قسمين: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، ليس بصحيح بل يقسمه إلى قسمين وهما توحيد المعرفة والإثبات وتوحيد القصد والطلب، والأول منهما يتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات انظر مجموع الفتاوى (١٥/١٦٤) والفتاوى الكبرى (٥/٢٥٠) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 654

الجمع بين حديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وبين خلود المشركين في النار [السُّؤَالُ] ـ[كيف نجمع بين قول النبي ﷺ : " ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة "، وبين خلود المشركين والمنافقين في النار مع أنهم يقولون " لا إله إلا الله "؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ محمد ابن عثيمين – ﵀: الحديث يدل على أن القائل: " لا إله إلا الله " مؤمنٌ حقاً؛ لكن سولت له نفسه ففعل بعض المعاصي أو بعض الكبائر من السرقة وغيرها. وطريق أهل السنة والجماعة أن الإنسان المؤمن وإن فعل الكبيرة مآله الجنة، وما قبل الجنة من العقوبة راجع إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فصار جميع فاعلي المعاصي - وإن عظمت – إذا كانت دون الكفر لا تمنع من دخول الجنة فمآل فاعلها إلى الجنة، لكن قد يُعذب بما فعل من ذنب، وقد يغفر الله له، والأمر راجع إلى الله، أما المنافقون وأهل البدع المكفرة التي تكفرهم بدعهم فإنهم حقيقةً لم يقولوا لا إله إلا الله بقلوبهم؛ لأن هذا النفاق الذي أدى إلى الكفر ينافي الإخلاص، وقول لا إله إلا الله لا بد فيه من الإخلاص. أما أن يقول: لا إله إلا الله وهو يعتقد أنه ليس هناك رب ولا إله، أو يعتقد أن مع الله إلهاً آخر يدبر الكون، أو يعتقد أن أصحاب النبي ﷺ ارتدوا كلهم بعد موته ﵊ أو ما أشبه ذلك من البدع المكفرة، فهؤلاء لم يُخلصوا في قول: لا إله إلا لله، فكانت بدعهم هذه تنافي قول الرسول ﵊: " من شهد ألا إله إلا الله أو من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ". فلا بد من الإخلاص في الشهادتين، واستمع إلى قول الله ﵎ في المنافقين: ﴿يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾ ، وفي نفس الآيات يقول: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا﴾ ، ويقول عنهم: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾ ، هذه شهادة باللسان: ﴿والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ ، أي كاذبون في قولهم: " نشهد إنك لرسول الله " فهم يذكرون الله ويشهدون بالرسالة لرسوله لكن قلوبهم خالية مما تنطق به ألسنتهم. انتهى. [الْمَصْدَرُ] المرجع لقاء الباب المفتوح رقم ٤٥

стр. 655

ما الدليل على تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام ؟ [السُّؤَالُ] ـ[يتعلق بتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام وهل هناك دليل على ذلك؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فهذا التقسيم مأخوذ من الاستقراء والتأمل. لأن العلماء لما استقرءوا ما جاءت به النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ظهر لهم هذا، وزاد بعضهم نوعا رابعا هو توحيد المتابعة، وهذا كله بالاستقراء. فلا شك أن من تدبر القرآن الكريم وجد فيه آيات تأمر بإخلاص العبادة لله وحده، وهذا هو توحيد الألوهية، ووجد آيات تدل على أن الله هو الخلاق وأنه الرزاق وأنه مدبر الأمور، وهذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون ولم يدخلهم في الإسلام، كما يجد آيات أخرى تدل على أن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه لا شبيه له ولا كفو له، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات الذي أنكره المبتدعة من الجهمية والمعتزلة والمشبهة، ومن سلك سبيلهم. ويجد آيات تدل على وجوب اتباع الرسول ﷺ ورفض ما خالف شرعه، وهذا هو توحيد المتابعة، فهذا التقسيم قد علم بالاستقراء وتتبع الآيات ودراسة السنة، ومن ذلك قول الله سبحانه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: ٤) وقوله : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:٢١) وقوله جل وتعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة: ١٦٣) وقوله سبحانه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٧) (الذاريات:٥٦، ٥٧) وقوله سبحانه: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف:٥٤) . وقال سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى:١١) وقال : (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) (الإخلاص) . وقال جل شأنه: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (آل عمران:٣١) . وقال سبحانه: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (النور:٥٤) والآيات الدالة على ما ذكر من التقسيم كثيرة. ومن الأحاديث: قول النبي ﷺ في حديث معاذ ﵁ المتفق على صحته (خ/ ٢٨٥٦، م/ ٣٠) : " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " وقوله ﵊:" من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار " رواه البخاري (٤٤٩٧) ومسلم (٩٢) . وقوله لجبريل ﵇ لما سأله عن الإسلام قال: " (أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة.. الحديث " متفق عليه (خ/ ٥٠، م/ ٩) . وقوله ﷺ : " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصا الله " متفق على صحته (خ/ ٢٩٥٧، م/ ١٨٣٥) . وقوله ﵊: " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل يا رسول الله ومن يأبى؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى " رواه البخاري في صحيحه (٧٢٨٠) والأحاديث في هذا الباب كثيرة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:" الإله هو المعبود المطاع فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب المخضوع له غاية الخضوع ". وقال:" فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها وتخضع له وتذل له وتخافه وترجوه وتنيب إليه في شدائدها وتدعوه في مهماتها وتتوكل عليه في مصالحها وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده، ولهذا كانت لا إله إلا الله أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله ". نسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا من حكام ومحكومين للفقه في دينه والثبات عليه والنصح لله ولعباده، والحذر مما يخالف ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. [الْمَصْدَرُ] انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ ابن باز ﵀ (٦/ ٢١٥) .

стр. 656

حكم قول (يا رحمة الله) [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم قول بعض الناس: (يا رحمة الله) ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجوز، هذا من دعاء الصفة. [الْمَصْدَرُ] من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ ١/١١٧.

стр. 657

معنى شهادة التوحيد [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله وبعد: فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله: نفي استحقاق العبادة عن كل ما سوى الله تعالى، وإثباتها لله وحده لا شريك له، قال الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) الحج/٦٢. فـ (لا إله) تنفي جميع ما يعبد من دون الله و (إلا الله) تثبت جميع أنواع العبادة لله وحده. فمعناها: لا معبود حقٌّ إلا الله. فكما أن الله تعالى ليس له شريك في ملكه؛ فكذلك لا شريك له في عبادته سبحانه. ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ : هو التصديق الجازم من صميم القلب المواطئ لقول اللسان بأن محمدا عبده ورسوله إلى الخلق كافة إنسهم وجنِّهم، فيجب تصديقه فيما أخبر به من أنباء ما قد سبق، وأخبار ما سيأتي، وفيما أحل من حلال، وحرم من حرام، والامتثال والانقياد لما أمر به، والانتهاء والكف عما نهى عنه، واتباع شريعته، والتزام سنته في السر والجهر، مع الرضا بما قضاه والتسليم له، والعلم بأن طاعته هي طاعة الله ومعصيته هي معصية الله، لأنه مبلغ عن الله رسالته، ولم يتوفه الله حتى أكمل به الدين، وبلغ البلاغ المبين، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا عن قومه ورسولا عن أمته. ولا يدخل العبد في الدين إلا بهاتين الشهادتين، وهما متلازمتان، ولذا فشروط شهادة (لا إله إلا الله) هي نفس شروط شهادة أن محمدا رسول الله، وهي مذكورة بأدلتها في السؤال رقم (٩١٠٤) و (١٢٢٩٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 658

قوانين القبائل والدعوة إلى إحيائها [السُّؤَالُ] ـ[نشر بعضهم مقالاً يدعون فيه إلى إحياء قوانين القبائل وأن هذا من التراث الذي لا يصح أن يضيع وأن تجمع وتدرس وتعمل فيها أبحاثاً جامعية وتقارن ببعضها وبغيرها، فما حكم ذلك؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يجب على جميع المسلمين أن يتحاكموا إلى كلام الله وسنة رسوله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام في كل شيء لا إلى العادات والأعراف القبلية، ولا إلى القوانين الوضعية، قال الله : (وما اختلفتم فيه من شي فحكمه إلى الله) الشورى/١٠، وقال سبحانه: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً) النساء/٦٠، وقال تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) المائدة/٥٠، وقال عزوجل: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) النساء/٥٩، فيجب على كل مسلم أن يخضع لحكم الله ورسوله، وألا يقدم حكم غير الله ورسوله - كائناً من كان - على حكم الله ورسوله، فكما أن العبادة لله وحده فكذلك الحكم له وحده، كما قال : (إن الحكم إلا لله) يوسف/٤٠، فالتحاكم إلى غير كتاب الله ، وإلى غير سنة رسوله ﷺ من أعظم المنكرات وأقبح السيئات، بل قد يكفر المتحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إذا اعتقد حل ذلك، أو اعتقد أن حكم غيرهما أحسن، قال : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) النساء/٦٥. فلا إيمان لمن لم يحكّم الله ورسوله ﷺ في أصول الدين وفروعه، وفي كل الحقوق، فمن تحاكم إلى غير الله ورسوله فقد تحاكم إلى الطاغوت. وبهذا يعلم أنه لا يجوز إحياء قوانين القبائل وأعرافهم وأنظمتهم التي يتحاكمون إليها بدلاً من الشرع المطهر الذي شرعه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، بل يجب دفنها وإماتتها والإعراض عنها، والاكتفاء بالتحاكم إلى شرع الله ، ففيه صلاح الجميع وسلامة دينهم ودنياهم، وعلى مشايخ القبائل ألا يحكموا بين الناس بالأعراف التي لا أساس لها من الدين، وما أنزل الله بها من سلطان، بل يجب أن يردوا ما تنازع فيه قبائلهم إلى المحاكم الشرعية، وذلك لا يمنع الصلح بين المتنازعين بما يزيل الشحناء ويجمع الكلمة ويرضي الطرفين بدون إلزام، على وجه لا يخالف الشرع المطهر، لقوله : (والصلح خير) النساء/١٢٨، وقوله : (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) النساء/١١٤، وقوله جل وعلا: (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) الأنفال/١، ولما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً حرّم حلالاً أو أحل حراماً) . فالواجب الالتزام بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، والتحاكم إليهما، والحذر مما يخالفهما، والتوبة النصوح مما سلف مما يخالف شرع الله تعالى. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه وأعاذنا جميعاً من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه. [الْمَصْدَرُ] كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٨ص / ٢٧٢.

стр. 659

الأدلة على أن القرآن كلام الله [السُّؤَالُ] ـ[أكتب لك راجية أن تتمكن من مساعدتي في الخروج من هذه الورطة. أنا فتاة متمسكة وأبلغ من العمر ٢٠ عاما. لقد انتقلت منذ ٥ سنوات للعيش في كندا. والداي لم يمارسا الشعائر الإسلامية البتة، لكن جدتي سعت في تعليمي أمور الإسلام. أنا مؤمنة بالله منذ نعومة أظفاري. لكني لم أكن أعرف كيفية تأدية الصلاة حتى وقت قريب، وقد قررت أن أتعلم بنفسي حيث أنه لا يوجد حولي من يعلمني تلك الأمور. وقد تعرفت، بفضل الله، على كيفية الصلاة، كما أني بدأت أضع الحجاب. أما عن مشكلتي فهي أني بدأت أقابل شابا وقعت في حبه. إلا أنه، للأسف، غير مسلم، ولا يؤمن بأي ديانة أخرى. إنه يؤمن بالرب، وقد حاولت إقناعه بالدخول في الإسلام وأن يكون فردا من أتباع الدين الصحيح الوحيد، وإلا فلن يكون باستطاعتي الزواج منه (ونحن نعيش سويا منذ ٣ سنوات) . أما الأمر الذي لم أفلح في إقناعه به فهو أن محمدا ﷺ هو رسول الله. إنه يطرح علي أسئلة من قبيل: "كيف لك التأكد أن هذا هو كلام الرب؟ ماذا لو أن محمدا أتى به من عند نفسه وجعله يظهر وكأنه كلام الرب؟ " أرجو أن توضح لي كيف أقنعه بأن القرآن هو كلام الله وحده، وأن محمدا هو رسوله. أرجو المساعدة، فهو يقول دوما أنه لو حصل وتزوجنا، فإنه لن يجد بأسا في استمراري في ممارسة ديني. إنه فخور لأني بدأت أضع الحجاب في مجتمع لا يشيع فيه هذا العمل. (فربما أكون واحدة من القلائل الآتي يضعن الحجاب هنا، وإيماني بالله هو الذي أعطاني القوة على ذلك) . أعلم أنه لن يجد غضاضة من تمسكي بديني، لكني أريده أن يسلم، فهو شخص جيد ولا يفعل ما يشين. أنا أتألم حقا عندما استحضر فكرة أننا لن نكون مع بعض. وأسأل: هل الزواج منه يعد معصية عظيمة؟ فهناك الكثيرات ممن يتزوجن بغير مسلمين، خصوصا عندما لا يوجد أي مسلم في المكان الذي أعيش فيه. فهل سأعاقب بشدة إن أنا تزوجت به؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فنحمد الله أن حبب إليك الخير، ونسأله أن يزيدك هدى وإيماناً، وأن يهدي والديك للعمل بالإسلام،والالتزام بأحكامه.. آمين. وبعد: فأما بالنسبة للقرآن وما الذي يثبت أنه كتاب الله،فهذه الشبهة قد طرحها الكفار الأوائل الذين أرسل إليهم النبي صلى اله عليه وسلم عنادا واستكبارا، فرد الله عليهم قولهم بأدلة كثيرة تبطل قولهم وتبين فساده منها: - ١- أن هذا القرآن تحدى الله الإنس والجن على أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور فقط، فعجزوا ثم تحداهم أن يأتوا بمثل أصغر سورة من القرآن فلم يستطيعوا، مع أن الذين تحداهم كانوا أبلغ الخلق، وأفصحهم، والقرآن نزل بلغتهم، ومع هذا أعلنوا عجزهم التام الكامل، وبقي التحدي على مدار التاريخ، فلم يستطع أحد من الخلق أن يأتي بشيء من ذلك، ولو كان هذا كلام بشر لاستطاع بعض الخلق أن يأتي بمثله أو قريبا منه.والأدلة على هذا التحدي من القرآن كثيرة منها قوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) الاسراء:٨٨ وقال تعالى يتحداهم بأن يأتوا بعشر سور فقط: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) هود:١٣ قال تعالى يتحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة فقط: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) البقرة:٢٣ ٢- أن البشر مهما كانوا من العلم والفهم فلابد أن يقع منهم الخطأ والسهو، والنقص، فلو كان القرآن ليس كلام الله لحصل فيه أنواع من الاختلاف والنقص كما قال تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) ، ولكنه سالم من أي نقص أو خطأ أو تعارض، بل كله حكمة ورحمة وعدل، ومن ظن فيه تعارضا فإنما أتي من عقله المريض، وفهمه الخاطئ، ولو رجع إلى أهل العلم لبينوا له الصواب، وكشفوا عنه الإشكال، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيز. لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) فصلت: ٤١،٤٢ ٣- أن الله تكفل بحفظ هذا القرآن العظيم كما قال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر:٩ فكل حرف منه ينقله الآلاف عن الآلاف على مدار التاريخ لم يختلفوا في حرف واحد منه، ولو حاول أي شخص أن يحرف فيه أو يزيد أو بنقص فإنه يفتضح مباشرة لأن الله سبحانه هو الذي تكفل بحفظ القرآن بخلاف غيره من الكتب السماوية التي أنزلها الله لقوم النبي فقط وليس لجميع الخلق، فلم يتكفل بحفظها بل وكل حفظها إلى أتباع الأنبياء فلم يحفظوها بل دخلها التحريف والتغيير المفسد لكثير من معانيه، أما القرآن فقد أنزله الله لجميع الخلق على امتداد الزمن لأن رسالة محمد ﷺ هي الرسالة الخاتمة، فصار القرآن محفوظا في الصدور، ومحفوظا في االسطور، وحوادث التاريخ تثبت ذلك. فكم من شخص اجتهد في تحريف آيات القرآن وترويجها عند المسلمين فسرعان ما يفتضح أمره، وينكشف زيفه، حتى عند أطفال المسلمين. وما يدل دلالة قطعية على أن هذا القرآن ليس من عند الرسول ﷺ ، وإنما هو وحي من الله أوحاه له: ٤- الإعجاز العظيم الذي اشتمل عليه القرآن في التشريعات، والأحكام، والقصص، والعقائد، الذي لا يمكن أن يصدر عن أي مخلوق مهما بلغ من العقل والفهم، فمهما حاول الناس أن يسنوا تشريعات وقوانين لتنظيم حياتهم، فلا يمكن أن تفلح ما دامت بعيدة عن توجيهات القرآن، وبقدر هذا البعد بقدر ما يكون الفشل، وهذا قد أثبته الكفار أنفسهم. ٥- الإخبار بالأمور الغيبية الماضية والمستقبلية مما لا يمكن أن يستقل بشر مهما بلغ من العلم أن يخبر به خاصة في ذلك الزمن الذي يعتبر بدائيا من جهة التقنية والآلات الحديثة، فهناك أشياء كثيرة لم يتم اكتشافها إلا بعد تجارب طويلة مريرة بأحدث الأجهزة، والآلات، قد أخبرنا الله عنها في القرآن، وذكرها رسوله ﷺ قبل ما يقرب من خمسة عشر قرنا، كأحوال الجنين، ومراحل نموه، وأحوال البحار، وغير ذلك. مما جعل بعض الكافرين يقرون بأن هذا لايمكن أن يكون إلا من عند الله فمثلا أطوار الجنين: فمنذ ٦٠ عاما فقط تأكد الباحثون من أن الإنسان لا يوجد دفعة واحدة إنما يمر بأطوار ومراحل طورا بعد طور ومرحلة بعد مرحلة وشكلا بعد شكل. منذ ٦٠ عاما فقط وصل العلم إلى إحدى الحقائق القرآنية. يقول الشيخ الزنداني التقينا مرة مع أحد الأساتذة الأمريكان بروفيسور أمريكى من أكبر علماء أمريكا اسمه (بروفيسور مارشال جونسون) فقلنا له: ذكر في القرآن أن الإنسان خلق أطوارا فلما سمع هذا كان قاعدا فوقف وقال: أطوارا؟! قلنا له: وكان ذلك في القرن السابع الميلادى! جاء هذا الكتاب ليقول: الإنسان خلق أطوارا!! فقال: هذا غير ممكن.. غير ممكن.. قلنا له: لماذا تحكم عليه بهذا؟ هذا الكتاب يقول: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ) (الزمر) ويقول: (مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) (نوح) فقعد على الكرسي وهو يقول: بعد أن تأمل: أنا عندي الجواب: ليس هناك إلا ثلاث احتمالات: الأول: أن يكون عند محمد ميكروسكوبات ضخمة.. تمكن بها من دراسة هذه الأشياء وعلم بها ما لم يعلمه الناس فذكر هذا الكلام! الثاني: أن تكون وقعت صدفة.. وهذه جاءت صدفة الثالث: أنه رسول من عند الله قلنا: نأخذ الأول: أما القول بأنه كان عنده ميكروسكوب وآلات أنت تعرف أن الميكروسكوب يحتاج إلى عدسات وهي تحتاج للزجاج وخبرة فنية وتحتاج إلى آلات وهذه معلومات بعضها لا تأتي إلا بالميكروسكوبات الإلكترونية وتحتاج كهرباء والكهرباء تحتاج إلى علم وهذه العلوم لا تأتي إلا من جيل سابق ولا يستطيع جيل أن يحدث هذا دفعة فلا بد أن للجيل الذي قبله كان له اشتغال بالعلوم ثم بعد ذلك انتقل إلى الجيل الذي بعده ثم هكذا ... أما أن يكون واحد فقط.. لا أحد من قبله ولا من بعده ولا في بلده ولا في البلاد المجاورة والرومان كذلك كانوا جهلة ما عندهم هذه الأجهزة والفرس والعرب كذلك! واحد فقط لا غير هو الذي عنده كل هذه الأجهزة وعنده كل هذه الصناعات وبعد ذلك ما أعطاها لأحد من بعده.. هذا كلام ما هو معقول! قال: هذا صحيح صعب نقول: صدفة..ما رأيك لو قلنا لم يذكر القرآن هذه الحقيقة في آية بل ذكرها في آيات ولم يذكرها في آية وآيات إجمالا بل أخذ يفصل كل طور: قال: الطور الأول يحدث فيه وفيه والطور الثاني كذا وكذا والطور الثالث.. أيكون هذا صدفة؟! فلما عرضنا التفاصيل والأطوار وما في كل طور قال: الصدفة كلام غلط!! هذا علم مقصود قلنا: ما في تفسير عندك: قال: لا تفسير إلا وحي من فوق!! وأما الأخبار الكثيرة في القرآن عن البحار فبعضها لم يكتشف إلا في العصور المتأخرة، وكثير منها لا يزال مجهولا. فمثلاً هذه حقيقة تم الوصول إليها بعد إقامة مئات من المحطات البحرية.. والتقاط الصور بالأقمار الصناعة.. والذي قال هذا الكلام هو (البروفيسور شرايدر) .. وهو من أكبر علماء البحار بألمانيا الغربية.. كان يقول: إذا تقدم العلم فلا بد أن يتراجع الدين.. لكنه عندما سمع معاني آيات القرآن بهت وقال: إن هذا لا يمكن أن يكون كلام بشر.. ويأتي (البروفيسور دورجاروا) أستاذ علم جيولوجيا البحار ليعطينا ما وصل إليه العلم في قوله تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) سورة النور: ٤٠.. فيقول لقد كان الإنسان في الماضي لا يستطيع أن يغوص بدون استخدام الآلات أكثر من عشرين مترا.. ولكننا نغوص الآن في أعماق البحار بواسطة المعدات الحديثة فنجد ظلاما شديدا على عمق مائتي متر.. الآية الكريمة تقول: (بَحْرٍ لُّجِّيٍّ) كما.. أعطتنا اكتشافات أعماق البحار صورة لمعنى قوله تعالى: (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) فالمعروف أن ألوان الطيف سبعة ... منها الأحمر والأصفر والأزرق والأخضر والبرتقالي إلى آخرة.. فإذا غصنا في أعماق البحر تختفي هذه الألوان واحدا بعد الآخر.. واختفاء كل لون يعطي ظلمة.. فالأحمر يختفي أولا ثم البرتقالي ثم الأصفر.. وآخر الألوان اختفاء هو اللون الأزرق على عمق مائتي متر.. كل لون يختفي يعطي جزءا من الظلمة حتى تصل إلى الظلمة الكاملة.. أما قوله تعالى: (مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ) فقد ثبت علميا أن هناك فاصلا بين الجزء العميق من البحر والجزء العلوي.. وأن هذا الفاصل ملئ بالأمواج فكأن هناك أمواجا على حافة الجزء العميق المظلم من البحر وهذه لا نراها وهناك أمواج على سطح البحر وهذه نراها.. فكأنها موج من فوقه موج.. وهذه حقيقة علمية مؤكدة ولذلك قال البروفيسور دورجاروا عن هذه الآيات القرآنية: إن هذا لا يمكن أن يكون علما بشريا انظر الأدلة المادية على وجود الله " محمد متولي الشعراوي) الأمثلة على ذلك كثيرة جدا. ٦-أن في القرآن بعض الآيات التي فيها معاتبة للنبي ﷺ ، وذكر بعض الأمور التي نبه الله عليها نبيه ﷺ ، وبعضها قد يكون فيها إحراج للنبي ﷺ ، فلو كان هذا القرآن من عند رسول الله، لما احتاج إلى هذا، ولو كان كتم شيئا من القرآن لكتم بعض هذه الآيات المشتملة على العتاب له وتنبيهه على بعض ما كان الأولى به أن لا يفعله كما في قوله تعالى لنبيه ﷺ : (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاه) (الأحزاب: من الآية٣٧) . أيبقى بعد هذا شك عند ذي عقل أن هذا القرآن هو كلام الله، وأن الرسول ﷺ قد بلغ ما أوحي إليه أكمل بلاغ وأتمه؟ ! ثم نقول لهذا الشخص جرب بنفسك قراءة ترجمة من تراجم القرآن الصحيحة وأعمل عقلك في تدبر هذه الأحكام والتشريعات، فلاشك أن أي عاقل عنده قدرة على التمييز سيلحظ فرقا كبيرا بين هذا الكلام، وكلام أي مخلوق على وجه الأرض. وأما علاقتِك بالشاب فإن هذا الدين الشريف قد منع المرأة من مخالطة الرجال للنساء لحكم عظيمة جليلة فيجب عليك أن تبتعدي عن اللقاء به، وأن تقطعي صلتك بهذا الشاب حتى يُسلِم، ثم يتزوجك بعد ذلك زواجا شرعيا. وتجدين في السؤال رقم (١٢٠٠) بيان حكم اختلاط المسلمة بالرجال الأجانب فراجعيه. وأما حبك، وتعلقك به، فهذا ابتلاء من الله لك، هل تقدمين محبة الله على محبة مخلوق من مخلوقاته، أو تقدمين محبة هذا الشخص على محبة ربك العظيم الذي نهاك عن هذا الأمر، واعلمي أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، وأول هذا الخير الذي ستجدينه بإذن الله أن يعوضك الله راحة وأنسا بمحبته سبحانه، فتجتهدي في التقرب إلى الله بما يحبه فتزداد محبتك لربك، وتعلقك به، ويضعف تعلقك بجميع المخلوقين. وفي السؤال رقم (١٠٢٥٤) بعض الحلول المناسبة لهذه المشكلة. وأما عن حكم زواج المسلمة بالكافر فهذا محرم بإجماع أهل العلم، بل هو من الفواحش العظيمة التي نهى الله عنها في القرآن وتجدين في إجابة السؤال (٨٣٩٦) و (١٨٢٥) إجابة وافية عن هذا السؤال. فننصحك بالصبر والتحمل، والبعد التام عن كل ما قد يسبب لك الوقوع فيما يغضب ربك، واعلمي أن الله جعل هذه الدنيا دار ابتلاء وامتحان لعباده المؤمنين، فمن صبر، ومنع نفسه مما تشتهي رغبة في رضى الله عوضه الله في الجنة بمنه وكرمه من أنواع النعيم، ما لا يمكن أن يقارن بما ضحى به العبد من المتع الزائلة الفانية، زيادة عما قد يجده في قلبه من السعادة والراحة بطاعة ربه. ولعله إذا رأى تمسكك بدينك وأنك امتنعت عن لقائه والجلوس معه رغم محبتك له يعلم عظمة هذا الدين الذي يجعل أتباعه على أتم الاستعداد بالتضحية بكل ما يحبون لإرضاء ربهم سبحانه، ويعلم أنهم يرجون عند ربهم خيرا عظيما يكرمهم به لأجل صبرهم على طاعته، وامتناعهم عن حرماته فيكون ذلك سببا في إسلامه. نسأل الله أن يهديه للإسلام، وأن ييسر لك الخير، ويصرف عنك الشر.. آمين. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 660

لا إكراه في قبول الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[يقول بعض الزملاء: من لم يدخل الإسلام يعتبر حرا لا يكره على الإسلام ويستدل بقوله تعالى: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) يونس / ٩٩، وقوله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) البقرة / ٢٥٦، فما رأي سماحتكم في هذا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هاتان الآيتان الكريمتان والآيات الأخرى التي في معناهما بين العلماء أنها في حق من تؤخذ منهم الجزية كاليهود والنصارى والمجوس، لا يكرهون، بل يخيرون بين الإسلام وبين بذل الجزية. وقال آخرون من أهل العلم: إنها كانت في أول الأمر ثم نسخت بأمر الله سبحانه بالقتال والجهاد، فمن أبى الدخول في الإسلام وجب جهاده مع القدرة حتى يدخل في الإسلام أو يؤدي الجزية إن كان من أهلها، فالواجب إلزام الكفار بالإسلام إذا كانوا لا تؤخذ منهم الجزية؛ لأن إسلامهم فيه سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، فإلزام الإنسان بالحق الذي فيه الهدى والسعادة خير له من الباطل، كما يلزم الإنسان بالحق الذي عليه لبني آدم ولو بالسجن أو بالضرب، فإلزام الكفار بتوحيد الله والدخول في دين الإسلام أولى وأوجب؛ لأن فيه سعادتهم في العاجل والآجل إلا إذا كانوا من أهل الكتاب كاليهود والنصارى أو المجوس، فهذه الطوائف الثلاث جاء الشرع بأنهم يخيرون. فإما أن يدخلوا في الإسلام وإما أن يبذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وذهب بعض أهل العلم إلى إلحاق غيرهم بهم في التخيير بين الإسلام والجزية، والأرجح أنه لا يلحق بهم غيرهم، بل هؤلاء الطوائف الثلاث هم الذين يخيرون؛ لأن الرسول قاتل الكفار في الجزيرة ولم يقبل منهم إلا الإسلام، قال تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) – التوبة / ٥ -، ولم يقل: أو أدوا الجزية، فاليهود والنصارى والمجوس يُطالبون بالإسلام، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا وجب على أهل الإسلام قتالهم، إن استطاعوا ذلك، يقول : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) - التوبة / ٢٩ -. ولم يثبت عن النبي أنه أخذ الجزية من المجوس، ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ أنهم أخذوا الجزية من غير الطوائف الثلاث المذكورة، والأصل في هذا قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) - الأنفال / ٣٩ -، وقوله سبحانه: (فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) - التوبة / ٥ - وهذه الآية تسمى آية السيف. وهي وأمثالها هي الناسخة للآيات التي فيها عدم الإكراه على الإسلام. والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى ومقالات للشيخ ابن باز ٦ / ٢١٩

стр. 661

الحكم على مقولة: (الله بالعين ما شفناه وبالعقل عرفناه) [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم قول: (الله ما شفناه بالعقل عرفناه) ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه الكلمة تحتوي على مسألتين: الأولى حق، لا ريب فيها، والثانية: فيها جزء من الحقيقة، وليست الحقيقة كاملة. وبيان ذلك: ١. أما المسألة الأولى: فهي قولهم "الله ما شفناه" – أي: ما رأيناه -: فهذا حق؛: لأنه من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله لا يراه أحد في الدنيا؛ وإنما تكون رؤيته في الآخرة، بعد الموت، ففي صحيح مسلم (٧٥٤٠) أن النبي ﷺ قال: (تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولهذا اتفق سلف الأمة، وأئمتها، على أن الله يُرى في الآخرة، وأنه لا يَراه أحدٌ في الدنيا بعينه. "مجموع الفتاوى" (٢/٢٣٠) . ٢. وأما المسألة الثانية: وهي قولهم " بالعقل عرفناه ": فهي تمثِّل جزء من الحقيقة؛ لأن دلائل معرفة الله متنوعة، منها الفطرية، والعقلية، والشرعية، والحسية. فوجود الله تعالى معروف بالعقل. ومن الأدلة العقلية التي يستند عليها العلماء في إثبات وجود الله تعالى: أن كل سبب لا بد له من مسبِّب , وكل محدَث - بالفتح - لا بد له من محدِث - بالكسر -، وهذا دليل عقلي. وقد أمر الله تعالى بالتفكر في خلق السماء، والأرض , وهذا التفكر إنما يتم بالعقل، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) الأعراف/١٨٥، وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) الروم/٨. ومن ذلك قول الأعرابي: البعرة تدل على البعير، وآثار السير تدل على المسير، فأرض ذات فجاج، وسماء ذات أبراج: ألا تدل على اللطيف الخبير؟! . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أما إثبات الصانع: فطرُقه لا تحصى بل الذي عليه جمهور العلماء أن الإقرار بالصانع فطري، ضروري، مغروز في الجِبِلَّة، ولهذا كانت دعوة عامَّة الرسل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكان عامَّة الأمَّة مقرين بالصانع، مع إشراكهم به بعبادة ما دونه، والذين أظهروا إنكار الصانع - كفرعون - خاطبتهم الرسل خطاب مَن يعرف أنه حق، كقول موسى لفرعون (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ) الإسراء/١٠٢، ولما قال فرعون: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) الشعراء/٢٣، قال له موسى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) الشعراء/٢٤ – ٢٨. "منهاج السنة" (٢/٢٧٠) . وكون الله تعالى موصوفاً بكل كمال، ومنزهاً عن كل نقص معروف أيضاً بالعقل. ولكن هذه المعرفة معرفة إجمالية , وأما المعرفة التفصيلية: فلا تتم إلا بالشرع، فبه تُعرف أسماؤه تعالى الحسنى، وصفاته العلى. وقد سئل الشيخ عبد الرحمن البرَّاك حفظه الله: ما مدى جواز قول القائل: " عرفْنا ربَّنا بالعقل تفصيلاً "؟ وجزاكم الله خيراً. فأجاب: " الحمد لله، وبعد: لقد فطر الله عباده على معرفته، فإن الإنسان بفطرته يَعلم أن كل مخلوق لا بد له من خالق، وأن المُحدَث لا بد له من مُحدِث، وقد ذكر الله الأدلة الكونية من آيات السماوات والأرض على وجوده، وقدرته، وعلمه، وحكمته، ولهذا يذكِّر الله عباده بهذه الآيات، وينكر على المشركين إعراضهم عنها، قال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) يوسف/ ١٠٥. وهذه المعرفة الحاصلة بالآيات الكونية هي من معرفة العقل، فتحصل بالنظر، والتفكُّر؛ ولهذا يقول تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) الأعراف/١٨٥، ويقول تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) الروم/٨. والآيات بهذا المعنى كثيرة، ومع ذلك: فالمعرفة الحاصلة بالعقل هي معرفة إجمالية؛ إذ الإنسان لا يعرف ربه بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، على وجه التفصيل إلا بما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم جاؤوا بتعريف العباد بربهم، بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وبهذا يُعلم أن العقول عاجزة عن معرفة ما لله من الأسماء، والصفات، وما يجب له، ويجوز عليه، على وجه التفصيل، فطريق العلم بما لله من الأسماء، والصفات تفصيلاً هو: ما جاءت به الرسل، ومع ذلك فلا يحيط به العباد علماً مهما بلغوا من معرفة، كما قال تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) طه/١١٠، وقال صلى الله عليه وسلم: (لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) أخرجه مسلم (٤٨٦) . وبهذا يتبين أن من طرق معرفة الله طريقين: العقل، والسمع - وهو النقل - وهو ما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب، والسنَّة، وأن مِن أسمائه وصفاته ما يُعرف بالعقل والسمع، ومنها ما لا يعرف إلا بالسمع. وبهذه المناسبة: يحسُن التنبيه إلى أنه يجب تحكيم السمع - وهو الوحي - وجعل العقل تابعاً مهتدياً بهدى الله، ومن الضلال المبين أن يعارَض النقل بالعقل، كما صنع كثير من طوائف الضلَاّل، من الفلاسفة، والمتكلمين. ووَفَّق الله أهل السنة والجماعة للاعتصام بكتابه، وسنَّة رسوله ﷺ ، واقتفاء آثار السلف الصالح، فحكّموا كتاب الله، وسنَّة رسوله ﷺ ، ووضعوا الأمور في مواضعها، وعرفوا فضيلة العقل، فلم يعطلوا دلالته، ولم يقدموه على نصوص الكتاب والسنَّة، كما فعل الغالطون، والمبطلون، فهدى الله أهل السنة صراطه المستقيم، فنسأل الله أن يسلك بنا سبيل المؤمنين، وأن يعصمنا من طريق المغضوب عليهم، والضالين. والله أعلم. من موقع الشيخ حفظه الله http://albarrak.islamlight.net/index.php?option=content&task=view&id=١١٦٤&Itemid=٢٥ أكرمنا الله، وإياك برؤية الله سبحانه في دار القرار. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 662

كيف تعاد أرواح الكافرين بعد تحريق أجسادهم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كيف تعاد أرواح الكافرين بعد تحريق أجسادهم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن الإيمان بأن الله على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن الله يبعث من في القبور، وأنه كما خلقهم من عدم قادر على أن يبعثهم كيف شاء ومتى شاء، على اختلاف صورهم، وتعدد مصارعهم، مما لا يتم الإيمان بالله إلا به. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ وَسَائِرُ أَهْلِ الْمِلَلِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ جِدًّا" انتهى. "مجموع الفتاوى" (٨ / ٧) . وقال أيضا: "اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَمَنْ جَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ خَارِجًا عَنْ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَقَدْ أَلْحَدَ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ" انتهى. "مجموع الفتاوى" (١١ / ٣٥٤) . وقال الله : (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) يس/٧٨، ٧٩. قال السعدي: "هذا وجه الشبهة والمثل، وهو أن هذا أمر في غاية البعد على ما يعهد من قدرة البشر، وهذا القول الذي صدر من هذا الإنسان غفلة منه، ونسيان لابتداء خلقه، فلو فطن لخلقه بعد أن لم يكن شيئا مذكورا فَوُجِدَ عيانا، لم يضرب هذا المثل. فأجاب تعالى عن هذا الاستبعاد بجواب شاف كاف، فقال: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) وهذا بمجرد تصوره، يعلم به علما يقينا لا شبهة فيه، أن الذي أنشأها أول مرة قادر على الإعادة ثاني مرة، وهو أهون على القدرة إذا تصوره المتصور" انتهى. "تفسير السعدي" (ص ٦٩٩- ٧٠٠) . وروى البخاري (٣٤٨١) ومسلم (٢٧٥٦) – واللفظ له - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ: إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَ اللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ. فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ. فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ) . ولفظ البخاري: (إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ) . قال شيخ الإسلام: " فَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ قَدْ وَقَعَ لَهُ الشَّكُّ وَالْجَهْلُ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إعَادَةِ ابْنِ آدَمَ؛ بَعْدَ مَا أُحْرِقَ وَذُرِيَ وَعَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ الْمَيِّتَ وَيَحْشُرُهُ إذَا فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ وَهَذَانِ أَصْلَانِ عَظِيمَانِ: أَحَدُهُمَا: مُتَعَلِّقٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. والثَّانِي: مُتَعَلِّقٌ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ يُعِيدُ هَذَا الْمَيِّتَ وَيَجْزِيهِ عَلَى أَعْمَالِهِ " انتهى. "مجموع الفتاوى" (١٢ / ٤٩١) . فمتى علم العبد أن الله على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، وأنه سبحانه أوجد الخلائق من عدم لم يمتنع لديه الإيمان بالبعث والنشور على أي صورة كان، دون أن يرهق عقله وفكره بالبحث والتحري الذي لا يجدي شيئا، ويكفيه دلالة الشاهد الذي لا يغيب عن ناظره، وهو نفسه، قال الله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) الذاريات/٢٠، ٢. وقال الله لعبده زكريا ﵇: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) مريم/٧-٩. فليس خلق هذا الغلام من أم عاقر، وأب كبير في السن بأعجب من خلق الأب وإيجاده من العدم. انظر: تفسير الطبري (١٨/١٥١) . وقال تعالى عن مريم: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) آل عمران/٤٧. وقال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) آل عمران/٥٩. ثم هذه السماوات والأرض أمام عينيه، وما يشاهده بينهما من أفلاك ونجوم، لا يحصي عددها إلا الله، ولا يقادر قدرها أحد من خلقه، هي أكبر من خلق الناس، فالذي خلق السماوات والأرض مع عظمهما واتساعها قادر من باب أولى على إعادة خلق الإنسان مرة أخرى. قال تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) غافر/٥٧. وقال تعالى: (أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) يس/٨١، ٨٢. وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) الروم/٢٧. يعني: أيسر عليه. وقال مجاهد: الإعادة أهون عليه من البَدَاءة، والبداءة عليه هَيْنٌ. وكذا قال عكرمة وغيره. "تفسير ابن كثير" (٦/٣١١) . وروى البخاري (٤٩٧٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (قَالَ اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ , وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي. وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ. وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا. وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْئًا أَحَدٌ) . هذا.. وإن كان قصد السائل بسؤاله: كيف تعاد أرواح الكافرين بعد تحريق أجسادهم، يعني في النار يوم القيامة. فيقال: إن أرواحهم باقية في أجسادهم، وإن حرقت بالنار، فيوم القيامة إذا عادت الروح إلى البدن لا تخرج منه أبدا، فتبقى روح الكافر في جسده معذبة، وتبقى روح المؤمن في جسده منعمة. فإن أهل النار كلما احترقت جلودهم بالنار أبدلهم الله غيرها، حتى يستمر عذابهم ولا ينقضي، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) النساء/٥٦. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 663

الحكمة من إيجاد الكرام الكاتبين مع أن الله يعلم كل شيء [السُّؤَالُ] ـ[ما الحكمة من إيجاد الكرام الكاتبين مع أن الله يعلم كل شيء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " نقول في مثل هذه الأمور: إننا قد ندرك حكمتها، وقد لا ندرك، فإن كثيراً من الأشياء لا نعلم حكمتها، كما قال الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) الإسراء/٨٥. فإن هذه المخلوقات لو سألنا سائل: ما الحكمة أن الله جعل الإبل على هذا الوجه، وجعل الخيل على هذا الوجه، وجعل الحمير على هذا الوجه، وجعل الآدمي على هذا الوجه؟ وما أشبه ذلك، لو سألنا عن الحكمة في هذه الأمور ما علمناها، ولو سُئلنا: ما الحكمة في أن الله جعل صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، وصلاة العشاء أربعاً؟ وما أشبه ذلك ما استطعنا أن نعلم الحكمة في ذلك. وبهذا علمنا أن كثيراً من الأمور الكونية، وكثيراً من الأمور الشرعية تخفى علينا حكمتها، وإذا كان كذلك فإنا نقول: إن التماسنا للحكمة في بعض الأشياء المخلوقة أو المشروعة، إنْ مَنَّ اللهُ علينا بالوصول إليها فذاك زيادة فضل وخير وعلم، وإن لم نصل إليها، فإن ذلك لا ينقصنا شيئاً. ثم نعود إلى جواب السؤال، وهو ما الحكمة في أن الله وَكَّل بنا كراماً كاتبين يعلمون ما نفعل؟ فالحكمة من ذلك: بيان أن الله نَظَّم الأشياء وقَدَّرها، وأحكمها إحكاماً متقناً، حتى إنه جعل على أفعال بني آدم وأقوالهم كراماً كاتبين، موكلين بهم، يكتبون ما يفعلون، مع أنه عالم بما يفعلون قبل أن يفعلوه، ولكن كل هذا من أجل بيان كمال عناية الله بالإنسان، وكمال حفظه ﵎، وأن هذا الكون منظم أحسن نظام، ومحكم أحسن إحكام، والله عليم حكيم. والله أعلم " انتهى. "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (١/١٢١) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 664

هل الاستنساخ نفخ للروح، وخلق كخلق الله ؟! [السُّؤَالُ] ـ[أنا شاب تونسي، ملتزم، والحمد لله، أحافظ على صلواتي، لي أخي يكبرني بعامين لا يصلي، وبعيد عن الله، كما لديه فكر غربي، لا يأبه بتعاليم الإسلام، يظن نفسه متفتحاً، يعني لا مانع أن يذهب مع البنات، لا يجد حرجاً في قلة أدب سلوكه، وكنت كثير التخاصم معه خاصة في الأمور الدينية، حيث إنه جاهل بالدين بطريقة غريبة، يريد أن يردد دائما الشبهات حول الإسلام، في الآونة الأخيرة حلت الكارثة: دخل علينا بفلسفة كافرة، فاسقة، قال: " إن الله هو الخالق وحده، يخلق الكائنات الحية لأنه يبعث فيها الروح، والآن استطاع العلماء الخلق! وذلك بالاستنساخ، وبما أن الله هو الذي انفرد ببعث الروح: فقد تمكن العلماء من مضاهاته يوم بعثوا الروح عندما خلقوا بالاستنساخ ". خلاصة القول: هل فعلاً تمكن العلماء من الخلق بالاستنساخ وبعثوا الروح؟ ما الاستنساخ؟ هل هو حقيقة صنع منها البشر كائنات حية؟ نحن نعلم أن الله فقط يبعث الروح، بالله عليكم ردوا عليَّ حتى أستطيع أن أُفهمه ما هو الإستنساخ، حيث إنه يظن أنه خلق للكائنات، وبعث الروح فيها، كما خلق الله الكائنات، كما إنه يلمح من كلامه عدم وجود الله - والعياذ بالله - ولقد كفر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لديه صديق يحمل نفس فكره الكافر، أريد نصحه، أجيبونا، يرحمكم الله.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: كنا قد فصلنا القول في " الاستنساخ " وبينا حكمه في جواب السؤال رقم: (٢١٥٨٢) ، فلينظر، فلا داعي لتكرار الكلام من غير حاجة. وننبه هنا: إلى أنه يجب عليك الاطمئنان بأن اعتقاد المسلم أنه لا خالق إلا الله تعالى: هو اعتقاد صحيح، ليس ثمة ما يناقضه، وليس له صور استثنائية؛ فالروح من أمر الله، ولا يجعلها أحدٌ في شيء إلا أن يأذن الله تعالى، كما فعل عيسى ﵇ فيما صنعه من الطين كهيئة الطير، وكما فعله جبريل ﵇ حين نفخ في درع مريم ﵍. أ. قال تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) المائدة/ ١١٠. فالبشر يستطيعون نحت تمثال يشبه في صورته – وليس حقيقته – البشر، ويستطيعون صناعة صورة طير من الطين، أو الجص – وهو فعل محرَّم - ولكن هل يستطيع أحدٌ أن يحيي هذا الذي صنعه، أو نحته؟! الجواب: يعرفه كل مخلوق على وجه الأرض، وحتى من كان ملحداً منهم، وهذا هو زعيم الملحدين " لينين " قد حنَّطه قومه، ولم يدفنوه – توفي سنة ١٩٢٤ م - فهل يستطيع ملحدو العالَم كله أن يحيوه بعد أن أماته ربُّه؟! إنهم أعجز من ذلك، فلا يستطيع الواحد منهم منع ذبابة أن تحط على أنفه، ولا بعوضة أن تمص دماً من صلعته! فأنَّى لهم دفع الأمراض عن أنفسهم، فضلاً عن الهروب من الموت، فضلاً عما هو أعظم من ذلك أن يحيوا الأموات؟! . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان أوجه عبودية المسيح وأنه مخلوق لا خالق -: الوجه الثاني: أنه خَلق من الطين كهيئة الطير، والمراد به: تصويره بصورة الطير، وهذا الخلق يقدِر عليه عامة الناس، فإنه يمكن أحدهم أن يصوِّر من الطين كهيئة الطير، وغير الطير من الحيوانات، ولكن هذا التصوير محرَّم، بخلاف تصوير المسيح؛ فإن الله أذن له فيه، والمعجزة أنه يَنفخ فيه الروح فيصير طيراً بإذن الله ، ليس المعجزة مجرد خلقه من الطين؛ فإن هذا مشترك، وقد لعن النبي ﷺ المصوِّرين، وقال: (إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون) . الوجه الثالث: أن الله أخبر المسيح أنه إنما فعل التصوير والنفخ بإذنه تعالى، وأخبر المسيح ﵇ أنه فعله بإذن الله، وأخبر الله أن هذا من نعمه التي أنعم بها على المسيح ﵇ كما قال تعالى: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل) . " الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح " (٤ / ٤٦، ٤٧) . وانظر جواب السؤال رقم: (٢٠٠١١) . ثانيا: قد بيَّن الله تعالى بياناً شافياً، وتحدَّى تحديّاً بليغاً كلَّ الخلق، والآلهةَ المزعومة: في الخلق من العدم، والإحياء، والإماتة، والبعث، فقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الروم/ ٤٠. ال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) : يدلّ دلالة واضحة على أن شركاءهم ليس واحد منهم يقدر أن يفعل شيئًا من ذلك المذكور في الآية، ومنه الحياة المعبّر عنها بـ: (خَلَقَكُمْ) ، والموت المعبّر عنه بقوله: (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) ، والنشور المعبّر بقوله: (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) ، وبيَّن أنهم لا يملكون نشوراً بقوله: (أَمِ اتَّخَذُواْ آلِهَةً مّنَ الاْرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ) ، وبيّن أنهم لا يملكون حياة ولا نشوراً في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُل اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) ، وبيَّن أنه وحده الذي بيده الموت والحياة في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلا ً) ، وقوله تعالى: (وَلَن يُؤَخّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا) ، وقوله تعالى: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ) ، وقوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْواتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) ، وقوله تعالى: (قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) ، إلى غير ذلك من الآيات. وهذا الذي ذكرنا من بيان هذه الآيات بعضها لبعض معلوم بالضرورة من الدّين. " أضواء البيان " (٦ / ٢٧١) . ثالثا: الخبراء في " الاستنساخ " من أهل الفن يعلمون أنه ليس هو إخراج حي من ميت، فضلاً أن يكون إحياء من عدم، بل إن الاستنساخ من ميت أمر مبتوت فيه عندهم أنه لن يكون! ، والمصطلح المستعمل فيه يدل على هذا، فكلمة نسخ، أو استنساخ هي: clone)) ، (cloning) ، وهي تعني: إنشاء صورة طبق الأصل من المادة المراد نسخها! . فليسمع أخوك، وليقرأ هذه النقولات: ١. ذكر الدكتور " سينوت حليم دوس " - أستاذ ورئيس قسم الهرمونات بالمركز القومي للبحوث - في كتابه " استنساخ الإنسان حيّاً وميتاً " - نشر المكتبة الأكاديمية، الطبعة الأولى - في الفصل التاسع الذي سماه: " هل يستنسخ الإنسانُ ميتاً؟ " محاولات للاستنساخ من جثة فرعون! وغير ذلك، ثم وصل إلى نتيجة مهمة سطرها بالكلمات الآتية، قال: " وفي الوقت الراهن أقرر: أن استنساخ الميت: حلم لن يتحقق مطلقاً "، ثم قال: " وإلى الله ترجع الأمور ". (ص ٥٩، ٦٠) من كتابه. ٢. كما قال في الكتاب نفسه في الفصل الثامن وهو " هل يمكن استنساخ الإنسان حيّاً؟ ": إن الاستنساخ في حقيقته عملية تمجد الخالق، وتجري في الكثير من المعامل الطبية للكشف عن الفيروس الكبدي ... وهو حقّاً عملية إبداع الخالق، تمجد الخالق فيما خلق، ونستعير عبارة قالها الكيميائي العربي جابر بن حيان " لكي تصنع الذهب: عليك أن تبدأ بالذهب " لنقول: " لكي تعيد تشكيل خلية حية: عليك أن تبدأ بخلية حية متمثلة فيها الحياة التي يتمتع بها الحمض النووي. (ص ٥٣) . ٣. وقال رياض أحمد عودة الله في كتابه: " الاستنساخ في ميزان الإسلام " - دار أسامة للنشر – الطبعة الأولى - صفحة ١٤٨ و ١٤٩: فالقول إن الاستنساخ خَلْق: أمرٌ منقوض من الوجهة النقلية الشرعية بنص القرآن الكريم والسنَّة النبوية، ومنقوض كذلك من الوجهة العلمية البحتة. ثم قال: والاستنساخ - كما هو مشاهد وملموس - ليس إيجاداً من عدم، بل إن المكونات الأساسية مخلوقة، وموجودة. انتهى ٤. وقال كامل محمد صالح العجلوني في كتابه: " الاستنساخ بين العلم والأديان والمعتقدات " - مطبعة الأجيال في صفحة (٦٤) من كتابه هذا -: " والواقع الذي ينبغي معرفته أولاً هو: أن الاستنساخ ليس خلْقاً، أو إيجاداً من العدم؛ لأن الخلق على هذا النحو إنما ينفرد به الله ، فهو الخالق. ثم قال: وقد تحدى الله تعالى جميع الناس بهذا الإبداع، أو الخلق، والتكوين لأصغر الأشياء، وأدقها، فقال: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون ... ) . انتهى ٥. وقالت هناء نزار انشاصي في كتابها " الاستنساخ بين الحقيقة والخيال " - دار الفكر الطبعة الأولى في صفحة (١٣٢) : " فالاستنساخ ليس تخليقاً، وإنما هو عملية دمج لنواة خلية موجودة وحية، مع نواة مفرغة لتكوين موجودات متشابهة. انتهى. والخلاصة: هذا اعتقاد المسلمين في الخلق، والإحياء، وليس بينهم اختلاف في هذا، وقد قهر الله تعالى الناس بالموت، وتحداهم بأن يخلقوا شيئاً من عدم فعجزوا، واعترف كل عاقل بضعفه، وعجزه، فلم يبق إلا المجادلة بالباطل، ولذا فننصحك بتأمل ما ذكرناه، وفهمه على وجهه الصحيح، مع النظر بحقيقة الاستنساخ، لتعلم بعد أن ذلك أن ما وقع من أخيك ما هو إلا كلام في الهواء، ليس له أساس، ولا قرار، فداوم على نصحه بالتي هي أحسن، وخصَّه بدعوة في آخر الليل، عسى الله أن يتقبل منك، ويهديه لما فيه رضاه. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] موقع الإسلام سؤال وجواب

стр. 665

" المطر الصناعي " حقيقته، وأقوال العلماء فيه [السُّؤَالُ] ـ[ما الحكم الشرعي فيما يسمى بـ " استمطار السحاب " بواسطة التلقيح الصناعي؟ وهل يصح قياسه على طفل الأنابيب وعمليات التلقيح الصناعي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: حقيقة " الاستمطار "، وكيفيته: جاء في " الموسوعة العربية العالمية ": " الاستمطار " – Rainmaking -: الاستِمْطار: عملية إسقاط المطر من السحب بطريقة علمية بحته تُجْرَى على السحب المتكوِّنة في الجو، ويسمَّى أيضاً: " تطعيم السحب "، يستخدم الناس هذه الطريقة لزيادة كمية المياه بمنطقة معيَّنة، أو لتوفير المياه للري، أو لتوليد الطاقة الكهربائية من المحطات الكهرومائية، وتُستخدم أيضاً لمنع سقوط الأمطار الغزيرة في المناطق الزراعية خوفاً من تلف المحاصيل، ويمكن للخبراء في بعض الأحيان تخفيض شدة العواصف بتكوين السحب قبل وصولها إلى تلك المناطق، وقد قام العديد من علماء الولايات المتحدة، الذين يعملون بصفة مستقلة، بتطوير أساليب الاستمطار وطرقها خلال الأربعينيات من القرن العشرين. ثلاث طرق للاستمطار: طرق الاستمطار: يحدث المطر عندما يُكوِّن بخار الماء في السحب بلورات ثلجية، أو قطرات ماء ضخمة وثقيلة بالقدر الكَافي للسقوط على الأرض، يمكن في بعض الحالات زيادة احتمال سقوط المطر بإضافة مواد تعرف بعوامل التطعيم إلى السحب، وتعمل عملية التكوين بصورة أفضل في السحب التي يكون احتمال سقوط الأمطار منها كبيراً، وتعتمد المادة المستخدمة في عملية التطعيم على درجة حرارة السحب. وعند درجات حرارة أعلى من الصفر المئوي: فإن عامل التطعيم الرئيسي المستخدم سائل مكون من " نترات الأمونيوم " و " اليوريا "، وتسبب جسيمات هذا العامل تكون بخار الماء حوله، ويرش عامل تطعيم السحب من الطائرات على أسفل السحابة. وعندما تتكون بلورات الثلج: تسقط في اتجاه الأرض في صورة كتل جليدية رقيقة، وعندما تدخل منطقة تكون درجة حرارتها فوق درجة الصفر: تنصهر مكونة المطر. تبلغ درجة حرارة الجليد الجاف - وهو غاز ثاني أكسيد الكربون - حوالي ٨٠° م تحت الصفر، وتقوم كرات الثلج الجاف عند إسقاطها على السحب من الطائرة بخفض درجة حرارة الماء فائق البرودة، وعندما تنخفض درجة الحرارة: يتحول الماء إلى بلورات من الثلج، وتشبه بلورات " يوديد الفضة " بلورات الثلج، وهي التي تؤدي بالماء فائق البرودة إلى تكوين بلورات الثلج حولها، وتستخدم أجهزة تُسمى " الشعلات "، و " المولدات "، لإنتاج وتوزيع بخار يحتوي على بلورات " يوديد الفضة "، ويكوَّن هذا البخار بحرق " يوديد الفضة " مع مواد أخرى، ويتم توزيع البخار عن طريق الطائرة، كما يمكن استخدام " المولدات " أيضاً لتوزيعه على الأرض. تسبَّبت عملية " تطعيم السحب " في كثير من الخلافات، والمناقشات، فالعلماء لم يكونوا قادرين على إثبات تأثيرها العملي في كل الحالات، ويضاف إلى ذلك اعتقاد بعض الناس بأن زيادة سقوط المطر في مناطق معينة: قد يؤدي إلى نقصه في مناطق أخرى " انتهى. ثانياً: كلام بعض خبراء البيئة، والأرصاد الجوية: ١. قال الكاتب البيئي أسعد سراج أبو رزيزة: " في عام ٢٠٠٣ م ذكر تقرير للأكاديمية القومية للعلوم بالولايات المتحدة الأمريكية: (أنه لا توجد حتى الآن أدلة حاسمة، ونتائج موثقة تؤكد فاعلية هذه التقنية) . وتذكر جمعية الأرصاد الجوية الأمريكية: (أن هناك مؤشرات لاحتمال زيادة كمية الأمطار بنسبة ١٠% بعد بذر السحب، واستمطارها) . ويقول الدكتور " ويليام كوتون " من قسم علوم الأرصاد بجامعة ولاية كولورادو: " إنه لم نر - باستثناء بعض الحالات النادرة - أدلة حاسمة تؤكد أن استمطار السحب يحقق أهدافه ". وتذكر منظمة الكومنولث للعلوم والصناعة في تقرير لها: " أنه من المستحيل كسر الجفاف باصطياد المطر صناعيّاً، وتؤكد أن نجاح تجاربها كان مرهوناً بنوع السحب المستهدفة، وأن معظم السحب لا يمكن استمطارها " انتهى. ٢. وقال أيضاً – الكلام لأسعد سراج -: " الأثر البيئي لهذه التقنية يجب البحث فيه ومعرفة جوانبه، فالمواد المستخدمة في بذر السحب: مواد سامة - بحسب تصنيف المنظمات العالمية -، فمكتب البيئة والصحة والسلامة بجامعة " بيركلي " - كاليفورنيا بالولايات المتحدة - يصنف " يود الفضة " بأنه مادة كيماوية غير عضوية، خطرة، لا تذوب في الماء، وسامة للإنسان، والأسماك. وتفهرس وكالة حماية البيئة الأمريكية مادة " يود الفضة " ضمن المواد الخطرة، والسامة. وفي دراسات طبية عديدة على تأثير " يود الفضة " على صحة الإنسان: ثبت أنها تدخل إلى جسمه عن طريق الجهاز الهضمي، أو التنفسي، أو عن طريق امتصاص الجلد، وتصيبه بأمراض، تبدأ بإثارة الجهاز الهضمي، وتحوِّل لون الجلد إلى الأسود، في حالات التسمم البسيطة، وتصل إلى تضخم القلب، والنوبات الصدرية الحادة، مع الجرعات العالية " انتهى. "جريدة الوطن السعودية" (الأربعاء ٢٣ جمادى الأولى ١٤٢٩هـ، الموافق ٢٨ مايو ٢٠٠٨م، العدد (٢٧٩٨) ، السنة الثامنة) . ٣. نقل الشيخ عبد المجيد الزنداني عن الدكتور محمد جمال الدين الفندي - أستاذ الفلك والطبيعة الجوية بكلية العلوم بجامعة القاهرة قوله: " إن الظروف الطبيعة التي تؤدي إلى تكوين المُزن – السحاب -، ونزول المطر: لا يمكن أن يصنعها البشر، بل وحتى لا سبيل إلى التحكم فيها، ولا يزال موضوع " المطر الصناعي " - ليس مطراً صناعيّاً، لأن المطر لا يصنعه الإنسان في المعمل، وإنما هو مطر يستحث الإنسان نزوله - واستمطار السحب العابرة: مجرد تجارب، لم يثبت نجاحها بعدُ، وحتى إذا ما تم نجاحها: فإن من اللازم أن توفر الطبيعة الظروف الملائمة للمطر الطبيعي حتى يمكن استمطار السماء صناعيّاً، أي: إن واجب علماء الطبيعة الجوية لا يتعدى قدح الزناد فقط " انتهى. "توحيد الخالق للشيخ عبد المجيد الزنداني" (ص/٢٢٣) . ثالثاً: فتاوى بعض العلماء فيه: ١. سئل الشيخ عطية صقر ﵀: توصل بعض العلماء إلى إنزال " مطر صناعي "، فهل يتنافى ذلك مع قول الله تعالى (وينزل الغيث) ؟ فأجاب: " كلنا يعلم أن تكاثف بخار الماء الموجود في السحاب، أو في الجو عامة يحدث لعوامل، فينزل المطر أو الندى، وليس في ذلك مشاركة لقوله تعالى: (وينزل الغيث) لقمان/٣٤؛ لأن تكوُّن السحاب، وامتلاء الجو ببخار الماء على هذا النطاق الواسع هو صنع الله بالوسائط الذي خلقها، فهو الخالق للبخار، ولحرارة الشمس، والمتحكم في برودة الجو، وكذلك في الرياح، وسوقها للسحاب، وبقدرته أن يتحكم فيها فلا تنتج أثراً، كما قال سبحانه: (ألم تر أن الله يزجى سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من بَرَد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء) النور/٤٣. إن العمليات التي يحاول بها بعض الناس إسقاط المطر من السحاب لها نظائر في نطاق ضيق، في عمليات فصل الملح عن الماء ليصير عذباً، فهي تدور على التبخير، والتكثيف، كما يحدث في " الأنبيق " الذي تستخرج به العطور، وليس عملهم هذا تدخلاً في صنع الله، بل هو تصرف واستخدام للمادة التي خلقها الله، ولا يمكن لأحدٍ أن يخلق الحرارة، أو البرودة، أو الماء بوسائط، أو مواد غير ما أوجده الله في الكون. ومع ذلك فالمحاولات لا تغني؛ لأن كثيراً من بلاد هؤلاء العلماء تشكو الجفاف، وقلة الماء، وهلاك الزرع، والحيوان، فلو أمكنهم التحكم في المطر، والماء، والريح - كما يتحكم الله ليُغاثوا من القحط -: ما سكتوا، فقدرة الله فوق قدرتهم، وإرادة الله فوق إرادتهم، كما أن مداواة المريض بمواد خلقها الله: لا تبرر إسناد الشفاء الحقيقي إلى غير الله. وإلى جانب عجزهم عن الإغاثة من القحط: عجزوا عن دفع ما يقع من العواصف، والصواعق، والسيول، والزلازل، والبراكين على بلاد المتحضرين، المزهوين بعلومهم، واختراعاتهم، كل ذلك يزيدنا إيماناً بقوله تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز) فاطر/١٥-١٧ " انتهى. " فتاوى الأزهر " (٧ / ٤٠٥) - ترقيم " الشاملة " -. ٢. وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: " ما يسمَّى بـ: " المطر الصناعي ": لم يثبت - حسب علمنا - أنه على ما يُذكر عنه، بل الأمر مبالغ فيه، وأمره - والحمد لله - لا يشكل؛ وذلك أن الله أطلعهم على أن المطر يُحدث بقدرة الله بتفاعل أشياء، فهم يعمدون إلى عملها، وقد يحدث حصول بعض الأمر، وقد لا يحدث، وإن حدث: فهو في حيِّزٍ ضيق، وليس كالمطر الذي ينزله الله تعالى من السحاب، ولذا نعلم - كما يعلم غيرنا - أن الدول التي تعمد إلى تجربة ما يسمى بـ: " المطر الصناعي " لا تستفيد منه، وإذا لم ينزل الله تعالى عليها المطر من السماء عاشت في قحط وفقر " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. "فتاوى اللجنة الدائمة" المجموعة الثانية (١/٢٤١) . والخلاصة: ١. بداية اكتشاف ما يسمى " المطر الصناعي " بدأ عام ١٩٤٦ م، ولو أنهم أفلحوا ونجحوا في ادعاءاتهم لصارت الأرض قطعة خضراء، ولما اشتكت دولة من قحط، ولا عانت من جفاف، فكل ما في الأمر أنها تجارب. ٢. حتى ما يدعونه فإنهم لا يستطيعون القيام به إلا مع وجود السحاب الذي خلقه الله تعالى، وإلا مع وجود الإمكانية التي جعلها الله تعالى فيها أنها ينزل الماء منها، وكذا ما يتعلق بالظروف الأخرى التي يحتاجها السحاب لذلك الإنزال. ٣. ما يصل إليه الشرق والغرب من العلم ما هو إلا بتسهيل الله وتعليمه، ولن يكون لأحد قدرة فوق قدرة الله، ولا علم من غير تعليم الله له. ٤. الماء الذي يدعون إنزاله بالاستمطار لو أنه ثبت يقيناً: فلا يمكن أن يكون إلا بإذن الله، ولو شاء الله أسقط طائراتهم، ولأرجع مدافعهم عليهم، ولأجرى السحاب حيث شاء سبحانه، أو لأمسك ما فيها أن ينزل، وإذا كان الغرب الكافر لا يعي هذا: فإنه لا يجوز أن يغيب هذا عن ذهن المسلم ولا للحظة واحدة. ويشبه هذا: إنبات الزرع – أو التلقيح الصناعي كما ذكره السائل -، فالله تعالى أخبر أنه هو الذي يُنبت الزرع، ويخرج الثمار، وما يفعله بعض المزارعين من وضع المواد الكيميائية، أو الطبيعية لسرعة الإنبات لا يعني مخالفة ما في القرآن، بل إن الله تعالى قد مكنهم من هذا، وعلمهم إياه، وقد يكون يه الضرر، كما في استعمال المواد الكيميائية، وقد يكون فيه النفع، كاستعمال المواد الطبيعية. ٥. الماء الذي تكفَّل الله تعالى بإنزاله من السحاب هو " الغيث "، وكذا سماه تعالى في آية الغيبيات الخمسة (وَيُنزِّل الغَيْثَ) ، وهو الذي يغيث الله تعالى به البلاد والعباد، وتكون منه الجداول والواحات، وهو الذي يُنبت الله به الزرع، وتمسك الأرض ما يشاء الله منه في باطنها، وأما ما يزعمون أنه ينزل من السحاب بالاستمطار: فليس هو ماء الحياة، بل هو – كما سماه بعضهم – " ماء الوهم "، بل هو " ماء الضرر " كما سبق بيانه. ٦. لا ينبغي للدول الإسلامية أن تتبع دعايات الشركات التجارية، والأبحاث المزورة، وليكن الأمر منهم على واقع مشاهد في بلاد تلك الشركات، والتي لو صدقت ادعاءات شركاتها لحولوا صحاريهم إلى جنان. ٧. لا ينبغي للمسلم أن يغفل عن " صلاة الاستسقاء " فإنها هي " الاستمطار " الحقيقي، وقد ثبت في صحيح السنَّة أن النبي ﷺ استسقى ربه وليس في السماء سحابة كبيرة ولا صغيرة، ثم جاء الله تعالى بالسحب المحملة بالغيث، فأغاث الله تعالى بها البلاد والعباد، وما يزعمه هؤلاء فإنهم يؤكدون أنهم لا يمكنهم " الاستمطار " إلا بوجود سحاب! فأي الأمرين أحق بأن يسمَّى استمطاراً؟ وأي الفريقين أصدق قيلاً؟ . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 666

ذبائح البلاد التي اختلط فيها المسلمون والنصارى والوثنيون [السُّؤَالُ] ـ[نحن في بلاد اختلط فيها النصارى والوثنيون والمسلمون الجاهلون، فلا ندري أذكروا اسم الله على ذبائحهم أم لا. فما حكم الأكل من ذبائح هؤلاء جميعاً مع صعوبة التمييز بين ذبائحهم، بل في ذلك مشقة وحرج.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا كان الأمر كما ذكر من اختلاط من يذبحون الذبائح من أهل الكتاب والوثنيين وجهلة المسلمين، ولم تتميّز ذبائحهم ولم يدر أذكر اسم الله عليها أم لا، حَرُمَ على من اختلط عليه حال الذابحين الأكل من ذبائحهم، لأن الأصل تحريم بهيمة الأنعام، وما في حكمها من الحيوانات إلا إذا ذكّيت الذكاة الشرعية، وفي هذه المسألة وقع شك في التذكية، هل هي شرعية أو لا؟ بسبب اختلاط الذابحين ومنهم من تحل ذبيحته ومن لا تحل ذبيحته، كالوثني والمبتدع من جهلة المسلمين بدعاً شركية. أما من تميّزت عنده ذبائحهم فليأكل منها ما ذبحه المسلم أو الكتابي الذي عرف أنه ذكر على ذبيحته اسم الله أو لم يدر عنه أذكر اسم الله أم لا. ولا يأكل من ذبيحة الوثني ولا المسلم المبتدع بدعاً شركية سواءً ذكروا اسم الله عليها أم لا. وينبغي للمسلم أن يحتاط لنفسه في جميع شؤون دينه، ويتحرى الحلال في طعامه وشرابه ولباسه وجميع شؤونه ففي مثل ما سئل عنه يجتهد أهل السنة أن يختاروا لأنفسهم من يذبح لهم الذبائح وتوزع عليهم بطريقة لا ريبة فيها، ولا حرج على الذابح والمستهلك. [الْمَصْدَرُ] اللجنة الدائمة (٢٢/٤٥٠-٤٥١) .

стр. 667

حقيقة توحيد الحاكمية [السُّؤَالُ] ـ[ما رأيكم في إنكار توحيد الحاكمية، وهل إفراده بقسم مستقل خروج عن مذهب السلف، وفي أي أنواع التوحيد يدخل هذا القسم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله توحيد الحاكمية، لا يجوز إنكاره، فهو نوع من أنواع التوحيد، ولكنه داخل في توحيد العبادة بالنسبة للحاكم نفسه كشخص، أما بالنسبة له فهو يعني: التوحيد، فهو داخل في توحيد الربوبية، لأن الحاكم هو الله تعالى. فيجب أن يكون الرب المتصرف هو الذي له الحكم فهو يكون داخلاً في توحيد الربوبية من حيث الحكم والأمر والنهي والتصرف، أما من حيث التطبيق والعمل فالعبد مكلف باتباع حكم الله فهو من توحيد العبادة من هذه الجهة. وجعله قسماً رابعاً ليس له وجه، لأنه داخل في الأقسام الثلاثة، والتقسيم بلا مقتضى يكون زيادة كلام لا داعي له، والأمر سهل فيه على كل حال، إذا جعل قسماً مستقلاً فهو مرادف، ولا محذور فيه. [الْمَصْدَرُ] الشيخ عبد الله الغنيمان.

стр. 668

العالم حادث بعد العدم [السُّؤَالُ] ـ[هل هذا القول صحيح؟ وهل فيه محاذير عقدية؟ مع العلم أن هذين البيتين من متن زبد ابن رسلان فاقطع يقيناً بالفؤاد واجزمِ بحدث العالم بعد العدمِ أحدثه لا لاحتياجه الإلهُ ولو أراد تركه لما ابتداهُ أفتونا مأجورين.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله البيتان معناهما صحيح، ولا محذور فيهما، وقد تضمنا ثلاثة أمور: الأول: أن العالم حادث مخلوق بعد العدم، وهذا حق لا ريب فيه، فكل ما سوى الله مخلوق، كائن بعد أن لم يكن، كما قال سبحانه: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) الزمر/٦٢ قال شيخ الإسلام ﵀: " وأما كون المخلوق لا وجود له إلا من الخالق سبحانه فهذا حق، ثم جميع الكائنات هو خالقها وربها ومليكها، لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته وخلقه، هو خالق كل شيء " مجموع الفتاوى (٢/٢٧) . وقال أيضا: " فصار ما علمته العقلاء من أصناف الأمم من الفلاسفة وغيرهم، بصريح المعقول، هو عاضد وناصر لما جاء به الرسول، على من ابتدع في ملته ما يخالف أقواله، وكان ما علم بالشرع مع صريح العقل أيضا رادا لما يقوله الفلاسفة الدهرية من قدم شيء من العالم مع الله؛ بل القول بقدم العالم قول اتفق جماهير العقلاء على بطلانه، فليس أهل الملة وحدهم تبطله، بل أهل الملل كلهم، وجمهور من سواهم من المجوس وأصناف المشركين: مشركي العرب ومشركي الهند وغيرهم من الأمم، وجماهير أساطين الفلاسفة، كلهم معترفون بأن هذا العالم محدث كائن بعد أن لم يكن، بل وعامتهم معترفون بأن الله خالق كل شيء، والعرب المشركون كلهم كانوا يعترفون بأن الله خالق كل شيء، وأن هذا العالم كله مخلوق، والله خالفه وربه " مجموع الفتاوى (٥/٥٦٥) . الثاني: أن الله تعالى خلق العالم غير محتاج له، وهذا حق لا ريب فيه أيضا، فإنه سبحانه هو الغني، وما سواه فقير محتاج إليه. كما قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فاطر/١٥ قال الشيخ ابن سعدي ﵀ في تفسيره (٦٨٧) : " يخاطب تعالى جميع الناس، ويخبرهم بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى الله من جميع الوجوه: فقراء في إيجادهم، فلولا إيجاده إياهم، لم يوجدوا. فقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح، التي لولا إعداده إياهم بها، لما استعدوا لأي عمل كان. فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة والباطنة، فلولا فضله وإحسانه وتيسيره الأمور، لما حصل لهم من الرزق والنعم شيء. فقراء في صرف النقم عنهم، ودفع المكاره، وإزالة الكروب والشدائد، فلولا دفعه عنهم، وتفريجه لكرباتهم، وإزالته لعسرهم، لاستمرت عليهم المكاره والشدائد. فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية، وأجناس التدبير. فقراء إليه، في تألههم له، وحبهم له، وتعبدهم، وإخلاص العبادة له تعالى، فلو لم يوفقهم لذلك، لهلكوا، وفسدت أرواحهم، وقلوبهم وأحوالهم. فقراء إليه، في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم، فلولا تعليمه، لم يتعلموا، ولولا توفيقه، لم يصلحوا. فهم فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها. ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي: الذي له الغنى التام من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقر إليه الخلق، وذلك لكمال صفاته، وكونها كلها، صفات كمال، ونعوت وجلال. ومن غناه تعالى، أن أغنى الخلق في الدنيا والآخرة، الحميد في ذاته، وأسمائه، لأنها حسنى، وأوصافه، لكونها عليا، وأفعاله لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ونواهيه، فهو الحميد على ما فيه، وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه، الغني في حمده " اهـ قال الطحاوي ﵀ في عقيدته المشهورة: " ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " انتهى. الثالث: ما أفاده قوله: " ولو أراد تركه لما ابتداه " وهو أن الله تعالى فاعل بالاختيار، لا موجب بالذات كما تقول الفلاسفة، فلو شاء لم يخلق العالم، ولكنه خلقه بمشيئته واختياره، وهذا حق دلت عليه النصوص، كقوله تعالى: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) البروج/١٦، وقوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) القصص/٦٨ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 669

هل هنالك خالق لهذا الكون [السُّؤَالُ] ـ[هل تظن أن الكون قد خلقه ونظمه خالق عظيم وذكي وقوي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نشكرك على السؤال، نريد أن نجيبك بمجموعة من الآيات في كتاب الله من كلام الله ثم أنت فكّر في الأمر بينك وبين نفسك فإذا تبين لك الحقّ فلا مناص من اتّباعه. قال الله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (٣٧) سورة الطور (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) سورة البقرة (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) سورة الأنعام (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) سورة الأعراف (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) سورة الأنبياء (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) سورة النمل (خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) سورة لقمان (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطَِةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) سورة لقمان (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) سورة فاطر (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) سورة الفرقان (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) سورة الفرقان (وَءايَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَءايَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَءايَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤) سورة يس (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) ءأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) ءأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَالَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) ءأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) ءأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ (٧٧) سورة الواقعة (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ ءايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ ءايَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ ءايَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) سورة الروم (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مََ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) سورة النمل هذه طائفة من الآيات البينات فيها جواب على سؤالك ونحن ندعوك إلى الانضمام إلى ركب المؤمنين والدخول في دين الإسلام الذي ارتضاه الله دينا للعالمين، والسلام على من اتبع الهدى. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 670

لله الخلق والأمر [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى قوله تعالى: (ألا له الخلق والأمر) ؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن الله خلق كل شيء ومن ذلك خلق السماوات والأرض وما فيهما وما عليهما وما بينهما من السماوات الطباق والأرضين المهاد والكواكب النيرة والنجوم المضيئة والجبال الراسية والمعادن المتنوعة والأشجار المختلفة والمياه النافعة والحيوانات المختلفة والرياح المتجددة والملائكة العظام والإنس والجان والطير والحيوان والجماد والنبات: (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه) لقمان/١١. إن هذه المخلوقات العظيمة تدل على عظمة الخالق وكثرتها تدل على قدرة الخالق وألوانها وأجناسها تدل على خبرة الخالق واختلاف وظائفها ومنافعها يدل على حكمة الخالق وحفظها وتدبيرها يدل على حياة الخالق وعلمه وقدرته وقوته وذلك هو: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) البقرة/٢٥٥. إنه ربنا الذي علم كل شيء وملك كل شيء وخلق كل شيء: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيامٍ ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) الأعراف/٥٤. سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء: (إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون) يس/٨٢. ربنا على كل شيء قدير يخلق ما يشاء كيف يشاء: (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير) النور/٤٥. ربنا قوي عزيز: (خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم) لقمان/١٠. ربنا بكل شيء عليم: (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم) المجادلة/٧. ربنا الذي خلقنا وخلق أرزاقنا: (يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون) فاطر/٣. ربنا لطيف خبير: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) لقمان/١٦. ربنا عليم قدير: (لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير) الشورى/٤٩ - ٥٠. ربنا جواد كريم: (الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناءً وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين) غافر/٦٤. ربنا حكيم عليم: (وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً، لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً) الفرقان/٤٧-٤٩. ربنا الذي خلق البشرية كلها من نفس واحدة: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء) النساء/١. ربنا قوي قدير: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً) فاطر/٤١. ربنا خلق كل شيء: (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل) الزمر/٦٢. ربنا محيط بكل شيء: (وكان الله بكل شيء محيطاً) النساء/١٢٦. الأمر كله لله: (لله الأمر من قبل ومن بعد) الروم/٤. وتدبير الأمور بيد الله: (ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله) هود/١٢٣. أمرنا الله ألا نعبد إلا إياه , ولا نحتكم لأحد سواه: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه) يوسف/٤٠. أمرنا الله بطاعته وطاعة رسوله ﷺ بقوله: (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) آل عمران/١٢٣. أمرنا الله بالأخلاق الحسنة ونهانا عن الأخلاق السيئة بقوله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) النحل/٩٠. أمرنا الله بالتعاون على الخير وحذرنا من كل شر بقوله: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) المائدة/٢. الخلق والأمر والملك لله وحده: (لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير) المائدة/١٢٠. والقلوب مفطورة على الإقرار بأن الملك والخلق لله وحده دون سواه: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل أفلا تذكرون، قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، سيقولون لله قل أفلا تتقون، قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل فأنى تسحرون، بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون) المؤمنون/٨٤-٩٠. أيها الناس ألا تجيبون؟ : (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به) الأنعام/٤٦. أفلا تعقلون؟ : (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون، قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون) القصص/٧١-٧٢. أفلا تفكرون؟ : (أفرأيتم ما تمنون، أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) الواقعة/٥٨-٥٩. أفلا تبصرون؟ : (أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) الواقعة/٦٣-٦٤. أفلا تنظرون؟ : (أفرأيتم الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون، أفرأيتم النار التي تورون، أأنتم أنشئتم شجرتها أم نحن المنشئون، نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين، فسبح باسم ربك العظيم) الواقعة/٦٨-٧٤. أفلا تعقلون؟ من سخر الليل والنهار والشمس والقمر والكواكب والنجوم إنه الله وحده كما قال سبحانه: (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) النحل/١٢. وإذا كان الله هو الذي يخلق وهو الذي يرزق وهو الذي يدبر الأمر وهو الذي يعلم كل شيء فهو الذي يستحق العبادة دون سواه لأنه حي قيوم خالق رازق عالم قادر وغيره عاجز ضعيف لا يخلق ولا يرزق ولا يملك نفعاً ولا ضراً: (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون، والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون، إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون) النحل/١٩-٢٢. [الْمَصْدَرُ] من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن ابراهيم التويجري.
следующие страницы →