← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ذبائح البلاد التي اختلط فيها المسلمون والنصارى والوثنيون [السُّؤَالُ] ـ[نحن في بلاد اختلط فيها النصارى والوثنيون والمسلمون الجاهلون، فلا ندري أذكروا اسم الله على ذبائحهم أم لا. فما حكم الأكل من ذبائح هؤلاء جميعاً مع صعوبة التمييز بين ذبائحهم، بل في ذلك مشقة وحرج.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا كان الأمر كما ذكر من اختلاط من يذبحون الذبائح من أهل الكتاب والوثنيين وجهلة المسلمين، ولم تتميّز ذبائحهم ولم يدر أذكر اسم الله عليها أم لا، حَرُمَ على من اختلط عليه حال الذابحين الأكل من ذبائحهم، لأن الأصل تحريم بهيمة الأنعام، وما في حكمها من الحيوانات إلا إذا ذكّيت الذكاة الشرعية، وفي هذه المسألة وقع شك في التذكية، هل هي شرعية أو لا؟ بسبب اختلاط الذابحين ومنهم من تحل ذبيحته ومن لا تحل ذبيحته، كالوثني والمبتدع من جهلة المسلمين بدعاً شركية. أما من تميّزت عنده ذبائحهم فليأكل منها ما ذبحه المسلم أو الكتابي الذي عرف أنه ذكر على ذبيحته اسم الله أو لم يدر عنه أذكر اسم الله أم لا. ولا يأكل من ذبيحة الوثني ولا المسلم المبتدع بدعاً شركية سواءً ذكروا اسم الله عليها أم لا. وينبغي للمسلم أن يحتاط لنفسه في جميع شؤون دينه، ويتحرى الحلال في طعامه وشرابه ولباسه وجميع شؤونه ففي مثل ما سئل عنه يجتهد أهل السنة أن يختاروا لأنفسهم من يذبح لهم الذبائح وتوزع عليهم بطريقة لا ريبة فيها، ولا حرج على الذابح والمستهلك. [الْمَصْدَرُ] اللجنة الدائمة (٢٢/٤٥٠-٤٥١) .

стр. 667

حقيقة توحيد الحاكمية [السُّؤَالُ] ـ[ما رأيكم في إنكار توحيد الحاكمية، وهل إفراده بقسم مستقل خروج عن مذهب السلف، وفي أي أنواع التوحيد يدخل هذا القسم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله توحيد الحاكمية، لا يجوز إنكاره، فهو نوع من أنواع التوحيد، ولكنه داخل في توحيد العبادة بالنسبة للحاكم نفسه كشخص، أما بالنسبة له فهو يعني: التوحيد، فهو داخل في توحيد الربوبية، لأن الحاكم هو الله تعالى. فيجب أن يكون الرب المتصرف هو الذي له الحكم فهو يكون داخلاً في توحيد الربوبية من حيث الحكم والأمر والنهي والتصرف، أما من حيث التطبيق والعمل فالعبد مكلف باتباع حكم الله فهو من توحيد العبادة من هذه الجهة. وجعله قسماً رابعاً ليس له وجه، لأنه داخل في الأقسام الثلاثة، والتقسيم بلا مقتضى يكون زيادة كلام لا داعي له، والأمر سهل فيه على كل حال، إذا جعل قسماً مستقلاً فهو مرادف، ولا محذور فيه. [الْمَصْدَرُ] الشيخ عبد الله الغنيمان.

стр. 668

العالم حادث بعد العدم [السُّؤَالُ] ـ[هل هذا القول صحيح؟ وهل فيه محاذير عقدية؟ مع العلم أن هذين البيتين من متن زبد ابن رسلان فاقطع يقيناً بالفؤاد واجزمِ بحدث العالم بعد العدمِ أحدثه لا لاحتياجه الإلهُ ولو أراد تركه لما ابتداهُ أفتونا مأجورين.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله البيتان معناهما صحيح، ولا محذور فيهما، وقد تضمنا ثلاثة أمور: الأول: أن العالم حادث مخلوق بعد العدم، وهذا حق لا ريب فيه، فكل ما سوى الله مخلوق، كائن بعد أن لم يكن، كما قال سبحانه: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) الزمر/٦٢ قال شيخ الإسلام ﵀: " وأما كون المخلوق لا وجود له إلا من الخالق سبحانه فهذا حق، ثم جميع الكائنات هو خالقها وربها ومليكها، لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته وخلقه، هو خالق كل شيء " مجموع الفتاوى (٢/٢٧) . وقال أيضا: " فصار ما علمته العقلاء من أصناف الأمم من الفلاسفة وغيرهم، بصريح المعقول، هو عاضد وناصر لما جاء به الرسول، على من ابتدع في ملته ما يخالف أقواله، وكان ما علم بالشرع مع صريح العقل أيضا رادا لما يقوله الفلاسفة الدهرية من قدم شيء من العالم مع الله؛ بل القول بقدم العالم قول اتفق جماهير العقلاء على بطلانه، فليس أهل الملة وحدهم تبطله، بل أهل الملل كلهم، وجمهور من سواهم من المجوس وأصناف المشركين: مشركي العرب ومشركي الهند وغيرهم من الأمم، وجماهير أساطين الفلاسفة، كلهم معترفون بأن هذا العالم محدث كائن بعد أن لم يكن، بل وعامتهم معترفون بأن الله خالق كل شيء، والعرب المشركون كلهم كانوا يعترفون بأن الله خالق كل شيء، وأن هذا العالم كله مخلوق، والله خالفه وربه " مجموع الفتاوى (٥/٥٦٥) . الثاني: أن الله تعالى خلق العالم غير محتاج له، وهذا حق لا ريب فيه أيضا، فإنه سبحانه هو الغني، وما سواه فقير محتاج إليه. كما قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فاطر/١٥ قال الشيخ ابن سعدي ﵀ في تفسيره (٦٨٧) : " يخاطب تعالى جميع الناس، ويخبرهم بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى الله من جميع الوجوه: فقراء في إيجادهم، فلولا إيجاده إياهم، لم يوجدوا. فقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح، التي لولا إعداده إياهم بها، لما استعدوا لأي عمل كان. فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة والباطنة، فلولا فضله وإحسانه وتيسيره الأمور، لما حصل لهم من الرزق والنعم شيء. فقراء في صرف النقم عنهم، ودفع المكاره، وإزالة الكروب والشدائد، فلولا دفعه عنهم، وتفريجه لكرباتهم، وإزالته لعسرهم، لاستمرت عليهم المكاره والشدائد. فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية، وأجناس التدبير. فقراء إليه، في تألههم له، وحبهم له، وتعبدهم، وإخلاص العبادة له تعالى، فلو لم يوفقهم لذلك، لهلكوا، وفسدت أرواحهم، وقلوبهم وأحوالهم. فقراء إليه، في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم، فلولا تعليمه، لم يتعلموا، ولولا توفيقه، لم يصلحوا. فهم فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها. ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي: الذي له الغنى التام من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقر إليه الخلق، وذلك لكمال صفاته، وكونها كلها، صفات كمال، ونعوت وجلال. ومن غناه تعالى، أن أغنى الخلق في الدنيا والآخرة، الحميد في ذاته، وأسمائه، لأنها حسنى، وأوصافه، لكونها عليا، وأفعاله لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ونواهيه، فهو الحميد على ما فيه، وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه، الغني في حمده " اهـ قال الطحاوي ﵀ في عقيدته المشهورة: " ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " انتهى. الثالث: ما أفاده قوله: " ولو أراد تركه لما ابتداه " وهو أن الله تعالى فاعل بالاختيار، لا موجب بالذات كما تقول الفلاسفة، فلو شاء لم يخلق العالم، ولكنه خلقه بمشيئته واختياره، وهذا حق دلت عليه النصوص، كقوله تعالى: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) البروج/١٦، وقوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) القصص/٦٨ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 669

هل هنالك خالق لهذا الكون [السُّؤَالُ] ـ[هل تظن أن الكون قد خلقه ونظمه خالق عظيم وذكي وقوي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نشكرك على السؤال، نريد أن نجيبك بمجموعة من الآيات في كتاب الله من كلام الله ثم أنت فكّر في الأمر بينك وبين نفسك فإذا تبين لك الحقّ فلا مناص من اتّباعه. قال الله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (٣٧) سورة الطور (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) سورة البقرة (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) سورة الأنعام (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) سورة الأعراف (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) سورة الأنبياء (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) سورة النمل (خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) سورة لقمان (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطَِةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) سورة لقمان (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) سورة فاطر (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) سورة الفرقان (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) سورة الفرقان (وَءايَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَءايَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَءايَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤) سورة يس (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) ءأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) ءأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَالَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) ءأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) ءأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ (٧٧) سورة الواقعة (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ ءايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ ءايَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ ءايَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) سورة الروم (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مََ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) سورة النمل هذه طائفة من الآيات البينات فيها جواب على سؤالك ونحن ندعوك إلى الانضمام إلى ركب المؤمنين والدخول في دين الإسلام الذي ارتضاه الله دينا للعالمين، والسلام على من اتبع الهدى. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 670

لله الخلق والأمر [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى قوله تعالى: (ألا له الخلق والأمر) ؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن الله خلق كل شيء ومن ذلك خلق السماوات والأرض وما فيهما وما عليهما وما بينهما من السماوات الطباق والأرضين المهاد والكواكب النيرة والنجوم المضيئة والجبال الراسية والمعادن المتنوعة والأشجار المختلفة والمياه النافعة والحيوانات المختلفة والرياح المتجددة والملائكة العظام والإنس والجان والطير والحيوان والجماد والنبات: (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه) لقمان/١١. إن هذه المخلوقات العظيمة تدل على عظمة الخالق وكثرتها تدل على قدرة الخالق وألوانها وأجناسها تدل على خبرة الخالق واختلاف وظائفها ومنافعها يدل على حكمة الخالق وحفظها وتدبيرها يدل على حياة الخالق وعلمه وقدرته وقوته وذلك هو: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) البقرة/٢٥٥. إنه ربنا الذي علم كل شيء وملك كل شيء وخلق كل شيء: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيامٍ ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) الأعراف/٥٤. سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء: (إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون) يس/٨٢. ربنا على كل شيء قدير يخلق ما يشاء كيف يشاء: (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير) النور/٤٥. ربنا قوي عزيز: (خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم) لقمان/١٠. ربنا بكل شيء عليم: (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم) المجادلة/٧. ربنا الذي خلقنا وخلق أرزاقنا: (يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون) فاطر/٣. ربنا لطيف خبير: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) لقمان/١٦. ربنا عليم قدير: (لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير) الشورى/٤٩ - ٥٠. ربنا جواد كريم: (الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناءً وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين) غافر/٦٤. ربنا حكيم عليم: (وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً، لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً) الفرقان/٤٧-٤٩. ربنا الذي خلق البشرية كلها من نفس واحدة: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء) النساء/١. ربنا قوي قدير: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً) فاطر/٤١. ربنا خلق كل شيء: (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل) الزمر/٦٢. ربنا محيط بكل شيء: (وكان الله بكل شيء محيطاً) النساء/١٢٦. الأمر كله لله: (لله الأمر من قبل ومن بعد) الروم/٤. وتدبير الأمور بيد الله: (ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله) هود/١٢٣. أمرنا الله ألا نعبد إلا إياه , ولا نحتكم لأحد سواه: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه) يوسف/٤٠. أمرنا الله بطاعته وطاعة رسوله ﷺ بقوله: (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) آل عمران/١٢٣. أمرنا الله بالأخلاق الحسنة ونهانا عن الأخلاق السيئة بقوله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) النحل/٩٠. أمرنا الله بالتعاون على الخير وحذرنا من كل شر بقوله: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) المائدة/٢. الخلق والأمر والملك لله وحده: (لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير) المائدة/١٢٠. والقلوب مفطورة على الإقرار بأن الملك والخلق لله وحده دون سواه: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل أفلا تذكرون، قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، سيقولون لله قل أفلا تتقون، قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل فأنى تسحرون، بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون) المؤمنون/٨٤-٩٠. أيها الناس ألا تجيبون؟ : (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به) الأنعام/٤٦. أفلا تعقلون؟ : (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون، قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون) القصص/٧١-٧٢. أفلا تفكرون؟ : (أفرأيتم ما تمنون، أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) الواقعة/٥٨-٥٩. أفلا تبصرون؟ : (أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) الواقعة/٦٣-٦٤. أفلا تنظرون؟ : (أفرأيتم الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون، أفرأيتم النار التي تورون، أأنتم أنشئتم شجرتها أم نحن المنشئون، نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين، فسبح باسم ربك العظيم) الواقعة/٦٨-٧٤. أفلا تعقلون؟ من سخر الليل والنهار والشمس والقمر والكواكب والنجوم إنه الله وحده كما قال سبحانه: (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) النحل/١٢. وإذا كان الله هو الذي يخلق وهو الذي يرزق وهو الذي يدبر الأمر وهو الذي يعلم كل شيء فهو الذي يستحق العبادة دون سواه لأنه حي قيوم خالق رازق عالم قادر وغيره عاجز ضعيف لا يخلق ولا يرزق ولا يملك نفعاً ولا ضراً: (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون، والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون، إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون) النحل/١٩-٢٢. [الْمَصْدَرُ] من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن ابراهيم التويجري.

стр. 671

وحدانية الله [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن أن تعطي المشركين دليلاً على وحدانية الله تعالى؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن الكون كله خلقاً وتدبيراً يشهد بوحدانية الله.. (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) الأعراف / ٥٤. خلق السماوات والأرض.. واختلاف الليل والنهار.. وأصناف الجماد والنبات والثمار.. وخلق الإنسان والحيوان.. كل ذلك يدل على أن الخالق العظيم واحد لا شريك له.. (ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون) غافر/٦٢. وتنوع هذه المخلوقات وعظمتها.. وإحكامها وإتقانها.. وحفظها وتدبيرها كل ذلك يدل على أن الخالق واحد يفعل ما يشاء.. ويحكم ما يريد.. (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل) الزمر/٦٢. وكل ما سبق يدل على أن لهذا الخلق خالقاً.. ولهذا الملك مالكاً.. ووراء الصورة مصور.. (هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى) الحشر/٢٤. وصلاح السماوات والأرض.. وانتظام الكون.. وانسجام المخلوقات مع بعضها.. يدل على أن الخالق واحد لا شريك له.. (لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون) الأنبياء/٢٢. وهذه المخلوقات العظيمة إما أنها خلقت نفسها وهذا محال.. أو أن الإنسان خلق نفسه ثم خلقها وهذا محال أيضاً.. (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون) الطور/٣٥ - ٣٦. وقد دل العقل والوحي والفطرة على أن لهذا الوجود موجداً.. ولهذه المخلوقات خالقاً.. حي قيوم.. عليم خبير.. قوي عزيز.. رؤوف رحيم.. له الأسماء الحسنى والصفات العلى.. عليم بكل شيء.. لا يعجزه ولا يشبهه شيء.. (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) البقرة/ ١٦٣. ووجود الله معلوم بالضرورة وبداهة العقول.. (قالت رسلهم أفي لله شك فاطر السماوات والأرض) إبراهيم/١٠. وقد فطر الله الناس على الإقرار بربوبيته ووحدانيته ولكن الشياطين جاءت إلى بني آدم.. وصرفتهم عن دينهم.. وفي الحديث القدسي (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم) رواه مسلم برقم ٢٨٦٥. فمنهم من أنكر وجود الله.. ومنهم من يعبد الشيطان.. ومنهم من يعبد الإنسان. ومنهم من يعبد الدينار أو النار أو الفرج أو الحيوان. ومنهم من أشرك به حجراً من الأرض.. أو كوكباً في السماء. وهذه المعبودات من دون الله.. لم تخلق ولم ترزق.. ولا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر.. فكيف يعبدونها من دون الله.. (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) يوسف/ ٣٩. وقد نعى الله على من عبد تلك الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل بقوله (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين - ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها) الأعراف/ ١٩٤ - ١٩٥. وقوله (قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً والله هو السميع العليم) المائدة/٧٦. ألا ما أجهل الإنسان بربه الذي خلقه ورزقه.. كيف يجحده وينساه ويعبد غيره.. (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) الحج/ ٤٦. فسبحان الله وتعالى عما يشركون.. والحمد لله رب العالمين.. (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون - أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أءله مع الله بل هم قوم يعدلون - أمن جعل الأرض قرراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً أءله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون - أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أءله مع الله قليلاً ما تذكرون- أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته أءله مع الله تعالى الله عما يشركون - أمن يبدؤ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أءله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) النمل / ٥٩ - ٦٤. [الْمَصْدَرُ] من كتاب أصول الدين الإسلامي: تأليف الشيخ محمد بن ابراهيم التويجري.

стр. 672

حقيقة توحيد الربوبية والمخالفين فيه [السُّؤَالُ] ـ[ما هي حقيقة توحيد الربوبية؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله توحيد الربوبية: هو إفراد الله تعالى بأفعاله كالخلق والملك والتدبير والرزق والإحياء والإماتة وإنزال المطر ونحو ذلك فلا يتم توحيد العبد حتى يقر بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار المنفرد بإجابة الدعاء، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر خيره وشره. وهذا القسم من التوحيد لم يعارض فيه المشركون الذين بعث فيهم الرسول ﷺ ، بل كانوا مقرين به إجمالاً؛ كما قال تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) الزخرف/٩، فهم يقرون بأن الله هو الذي يدبر الأمر، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، فعلم بهذا أن الإقرار بربوبية الله تعالى لا يكفي العبد في تحقق إسلامه بل لابد معه من الإتيان بلازمه ومقتضاه وهو توحيد الألوهية وإفراد الله تعالى بالعبادة. وهذا التوحيد ـ أعني توحيد الربوبية ـ لم ينكره أحد معلوم من بني آدم؛ فلم يقل أحد من المخلوقين: إن للعالم خالقين متساويين. فلم يجحد أحد توحيد الربوبية؛ إلا ما حصل من فرعون؛ فإنه أنكره مكابرة منه وعنادا ً؛ بل زعم لعنه الله أن الرب، قال تعالى حكاية عنه: (فقال أنا ربكم الأعلى) النازعات/٢٤، (ما علمت لكم من إله غيري) القصص/٣٨. وهذه مكابرة منه لأنه يعلم أن الرب غيره؛ كما قال تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً) النمل/١٤، وقال تعالى حكاية عن موسى وهو يناظره: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض) الإسراء/١٠٢؛ فهو في نفسه مقر بأن الرب هو الله . كما أنكر توحيد الربوبية على سبيل التشريك المجوس، حيث قالوا: إن للعالم خالقين هما الظلمة والنور، ومع ذلك لم يجعلوا هذين الخالقين متساويين، فهم يقولون: إن النور خير من الظلمة؛ لأنه يخلق الخير، والظلمة تخلق الشر، والذي يخلق الخير خير من الذي يخلق الشر. وأيضاً فإن الظلمة عدم لا يضيء، والنور وجود يضيء؛ فهو أكمل في ذاته. وبعد.. فليس معنى إقرار المشركين بتوحيد الربوبية أنهم أتوا به على الوجه الأكمل؛ بل إنما كانوا يقرون به إجمالا كما حكى الله عنهم في الآيات السابقة؛ لكنهم كانوا يقعون في أشياء تخل به وتقدح فيه؛ ومن ذلك نسبتهم المطر إلى النجوم، واعتقادهم في الكهنة والسحرة بأنهم يعلمون الغيب إلى غير ذلك من صور الشرك في الربوبية؛ لكنها تبقى قليلة محصورة إذا ما قورنت بصور شركهم في الإلهية والعبادة. نسأل الله أن يثبتنا على دينه حتى نلقاه، والله أعلم. انظر (تيسير العزيز الحميد /٣٣، والقول المفيد ١/ ١٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 673

هل يستطيع أحد أن يحيي الموتى ؟! [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن أحداً أن يحيي ميِّتا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله مِن أصول الاعتقاد الصحيح: الإيمان بأن الله تعالى هو وحده الذي يحيي ويميت , ومن ادَّعى أن غير الله تعالى قادر على الإحياء والإماتة فقد كفر، بل إن المشركين في جاهليتهم لم يعتقدوا ذلك في أصنامهم وآلهتهم. قال الله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) البقرة/٢٨. وقال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الحج/٦. وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ) الحج/٦٦. وقد بيَّن الله تعالى عجز الآلهة المزعومة عن الخلق والرزق والإحياء والإماتة. قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الروم/٤٠. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: " فقوله تعالى? في هذه الآية الكريمة: (هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء ? عَمَّا يُشْرِكُونَ) يدلّ دلالة واضحة على أن شركاءهم ليس واحد منهم يقدر أن يفعل شيئًا من ذلك المذكور في الآية، ومنه الحياة المعبّر عنها بـ: (خَلَقَكُمْ) ، والموت المعبّر عنه بقوله: (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) ، والنشور المعبّر بقوله: (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) ، وبيَّن أنهم لا يملكون نشوراً بقوله: (أَمِ ?تَّخَذُواْ آلِهَةً مّنَ ?لاْرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ) ، وبيّن أنهم لا يملكون حياة ولا نشوراً في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُل ?للَّهُ يَبْدَأُ ?لْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) ، وبيَّن أنه وحده الذي بيده الموت والحياة في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلا ً) ، وقوله تعالى: (وَلَن يُؤَخّرَ ?للَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا) ، وقوله تعالى: (إِنَّ أَجَلَ ?للَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّر) ، وقوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِ?للَّهِ وَكُنتُمْ أَمْو?تًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) ، وقوله تعالى: (قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا ?ثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ?ثْنَتَيْنِ) ، إلى غير ذلك من الآيات. وهذا الذي ذكرنا من بيان هذه الآيات بعضها لبعض معلوم بالضرورة من الدّين " انتهى. " أضواء البيان " (٦ / ٢٧١) . وقد كان من آيات عيسى ابن مريم ﵇ البينات أنه يحيي الموتى بإذن الله، ولم يكن عيسى ﵇ قادراً على ذلك إلا أن يشاء ربه ﵎. قال تعالى: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) آل عمران/٤٩. وقال تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي) المائدة/١١٠. وأما ما وقع من المجادل لإبراهيم ﵇ بأنه قادر على الإحياء والإماتة فهذا من أسخف الادعاءات , وأبطلها , ولهذا لما ناظره إبراهيم ﵇ انقطع ذلك الكافر , وثبت بطلان دعواه. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) البقرة/٢٥٨. فلا يستطيع أحدٌ من البشر أن يدَّعي أنه قادر على إحياء الموتى، ومن ادعى ذلك فها هم الموتى من الرسل والأنبياء والعظماء فليحيهم إن كان صادقاً في دعواه! والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 674

نسبة الملك والتدبير للمخلوقين [السُّؤَالُ] ـ[هل يصح أن ينسب الملك والتدبير للمخلوق وهو من أفعال الربوبية التي يجب توحيد الله تعالى بها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يجب على العبد أن يعتقد انفراد الله تعالى بالملك؛ وأنه لا يملك الخلق إلا خالقهم؛ كما قال تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض) آل عمران/١٩، وقال تعالى: (قل من بيده ملكوت كل شيء) المؤمنون/٨٨. وأما ما ورد من إثبات الملكية لغير الله؛ كقوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) المؤمنون/٦، وقال تعالى: (أو ما ملكتم مفتاحه) النور/٦١، فهذه الملكية تختلف عن ملك الله تعالى بعدة فروق منها: ١- أن ملك المخلوق ملكٌ محدود لا يشمل إلا شيئاً يسيراً من هذه المخلوقات؛ فالإنسان يملك ما تحت يده، ولا يملك ما تحت يد غيره. ٢- وكذا هو ملك قاصر من حيث الوصف؛ فالإنسان لا يملك ما عنده تمام الملك، ولهذا لا يتصرف فيه إلا على حسب ما أذن له فيه شرعاً، فمثلاً: لو أراد أن يحرق ماله، أو يعذب حيوانه؛ قلنا: لا يجوز، أما الله - سبحانه ـ، فهو يملك ذلك كله ملكاً عاماً شاملاً. وأما إفراد الله بالتدبير: فهو أن يعتقد الإنسان أنه لا مدبر إلا الله وحده؛ كما قال تعالى: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون. فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون) يونس/٣١. وأما تدبير الإنسان فمحصور بما تحت يده، ومحصور بما أذن له فيه شرعاً. وعلى هذا، لا بأس أن ينسب الملك والتدبير للإنسان، وهذا الملك والتدبير قاصر، وليس هو الملك والتدبير العام الشامل لكل شيء الذي لا يملكه إلا الله تعالى. والله أعلم. انظر (القول المفيد ١ / ١٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 675

إدعاء الربوبية [السُّؤَالُ] ـ[توجد طائفتان إسلاميتان زائفتان في الأمة الإسلامية (طائفة "الإجة محمد") التي تعتقد بالتشبيه. وقد بلغ ببعض أتباع هذه الطائفة أن أطلقوا على أنفسهم "الله". وهم أيضا يحاولون استخدام الترجمة القاديانية للقرآن محاولين بذلك إثبات صحة اعتقاداتهم. فكيف أدحض اعتقادات مدعي الربوبية (الرجل-الرب) باستخدام الكتاب والسنة؟ ليس فقط بالنسبة "لأمة الكفر"، بل أيضا للنصارى.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لابد أن نعلم أن النبي ﷺ قد أخبر أن هذه الأمة ستفترق. عن أبي هريرة – ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين"، وفي رواية ابن ماجه (٣٩٩٣) من حديث أنس: " كلها في النار إلا واحدة ". رواه الترمذي (٢٦٤٠) . قال أبو عيسى الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (٣٢٢٧) فإذا علم هذا فإن الفرقة الناجية والطائفة المنصورة واحدة وهي المتمسكة بالكتاب والسنة ظاهراً وباطناً. ثانيا: مدعي الربوبية هو أكفر من مشركي العرب قبل الإسلام الذين أرسل إليهم النبي ﷺ ، فالمشركون في الجاهلية كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق المحي المميت والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ لقمان / ٢٥. ومع ذلك لم يرفع الله عنهم الشرك والكفر لأنهم كفروا بتوحيد العبودية وهو إفراد الله بالعبادة؛ فكانوا يسجدون لغير الله ويذبحون لغير الله، فكانوا يشركون في عبادتهم لله الأصنام والأوثان ويظنون أنها تنفع أو تضر من دون الله ولذلك قال الله ﵎ على لسانهم: ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب﴾ ص / ٥. وقال أيضا: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ الزمر / ٣. وهذا يدل على أن مشركي العرب أقل كفراً ممن ذكرهم السائل لأن مشركي العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وهؤلاء يكفرون به. ثالثا: إن الله قد دحض في القرآن شبهات مدعي الربوبية، فقال الله ﵎: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ الأنبياء / ٢١، وقال الله ﵎: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون﴾ المؤمنون / ٩١. وفي قصة محاجة إبراهيم ﵇ لمدَّعى الربوبية خير وسيلة للمحاجة قال الله ﵎: ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ البقرة / ٢٥٨. فخذ بمثل هذا الأسلوب فقل لمدعي الربوبية إن كان ما تقولون حقا فليأتوا بالشمس من المغرب أو فليحيوا الأموات أو فلينزلوا المطر من السماء أو فليخرجوا الزرع من الأرض. رابعاً: قد أخبرنا النبي ﷺ أن الدجال الذي سيخرج في آخر الزمان سيدَّعي الربوبية وقد دلنا النبي ﷺ على علامة نستدل بها على بطلان دعواه أنه الرب، وهي أن الدجال أعور العين اليمنى. فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: (إني لأنذركموه وما من نبي إلا أنذره قومه لقد أنذر نوح قومه ولكني أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور) . رواه البخاري (٢٨٩٢) ، ومسلم (١٦٩) . وهذه علامة ظاهرة لكل من يراها، فلو كان هذا الدجال هو الرب الذي أبدع هذا الكون بهذا الجمال لاستطاع أن يرفع القبح عن نفسه وأن يرفع العور عن نفسه. فالله الذي أبدع هذا الكون وهذا الإنسان بهذا التناسق العجيب، والإحكام البديع، لابد أن يكون له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. وهؤلاء الذين يدعون الربوبية علامات النقص ظاهرة عليهم، من النوم، والمرض، والتألم، والتأذي من الحر والبرد، والحاجة إلى الطعام والشراب، بل يحمل أحدهم النجاسة بين جنبيه، ويحتاج أن يدخل إلى الخلاء في اليوم مرة أو مرتين!! فهل هؤلاء يصلحون أن يكونوا أرباباً؟! سبحانك هذا بهتان عظيم. وليس العجب أن يدعي هذه الدعوى، ولكن العجب كل العجب أن يجد هؤلاء لهم أتباعاً يوافقوانهم على ما يقولون. خامسا: لابد أن يعلم المسلم أن مثل هذه الفرق كالطائفة التي ذكرها والقاديانية والبهائية وغيرها من الفرق الضالة ما أوجدت إلا لمحاربة الإسلام وإبعاد أهله عنه وبيان ضلالها وزيفها لا يحتاج إلى جهد كبير لإبطاله وبيان زيفه، وعلى المسلم أن يَحْذَر ويُحذِّر المسلمين من هذه الفرق الضالة. سادسا: وأما بالنسبة لدحض دين النصارى فلا يحتاج إلى كبير جهد ويكفي في الرد عليهم هذا الكلام لابن القيم -رحمه الله تعالى- إذ قال: أعبَّاد المسيح نا سؤال نريد جوابه ممن وعاه؟ إذا مات الإله بصنع قوم أماتوه فما هذا الإله وهل أرضاه ما نالوه منه فبشراهم إذاً نالوا رضاه وإن سخط الذي فعلوه فيه فقوتهم إذاً أوهت قواه وهل بقي الوجود بلا إله سميع يستجيب لمن دعاه وهل خلت الطباق السبع لما ثوى تحت التراب وقد علاه وهل خلت العوالم من إله يدبرها وقد سمّرت يداه وكيف تخلت الأملاك عنه بنصرهم وقد سمعوا بكاه وكيف أطاقت الخشبات حمل الإله الحق شد على قفاه وكيف دنا الحديد إليه حتى يخالطه ويلحقه أذاه وكيف تمكنت أيدي عِدَاه وطالت حيث قد صفعوا قفاه وهل عاد المسيح إلى حياةٍ أم المُحيي له رب سواه ويا عجبا لقبر ضم رباً وأعجب منه بطن قد حواه أقام هناك تسعاً من شهور لدى الظلمات من حيض غذاه وشق الفرج مولوداً صغيرًا ضعيفا فاتحاً للثدى فاه ويأكل ثم يشرب ثم يأتي بلازم ذاك هل هذا إله تعالى الله عن إفك النصارى سيسأل كلهم عما افتراه أعباد الصليب لأي معنى يعظم أو يقبح من رماه وهل تقضى العقول بغير كسر وإحراق له ولمن بغاه إذا ركب الإله عليه كرهاً وقد شدّت لتسمير يداه فذاك المركب الملعون حقاً فدسه لا تبسه إذ تراه يهان عليه رب الخلق طراً وتعبده فإنك من عداه فإن عظمته من أجل أن قد حوى رب العباد وقد علاه وقد فقد الصليب فإن رأينا له شكلا تذكرنا سناه فهلا للقبور سجدت طرًا لضم القبر ربك في حشاه فيا عبد المسيح أفق فهذا بدايته وهذا منتهاه " إغاثة اللهفان " (٢ / ٢٩١) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 676

لماذا خلق الله السموات والأرض في ستة أيام مع قدرته على خلقها في أقل من هذه المدة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[إذا أراد الله أمراً فإنه يقول له كن فيكون، فلماذا استغرق ٦ أيام حتى يخلق السماوات والأرض؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله من المقرر عند أهل الإيمان الراسخ والتوحيد الكامل أن المولى جل وعلا قادر على كل شيء، وقدرته سبحانه ليس لها حدود، فله سبحانه مطلق القدرة وكمال الإرادة، ومنتهى الأمر والقضاء، وإذا أراد شيئاً كان كما أراد وفي الوقت الذي يريد، وبالكيفية التي أرادها . وقد تواترت النصوص القطعية من كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ على تقرير هذا الأمر وبيانه بياناً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، ونكتفي هنا بذكر بعض الآيات الدالة على ذلك، فمن ذلك قوله تعالى: (بديع السموات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) البقرة / ١١٧. قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة (١/١٧٥) : (يبين بذلك تعالى كمال قدرته، وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدر أمراً وأراد كونه فإنما يقول له كن _ أي: مرة واحدة _ فيكون، أي فيوجد على وفق ما أراد كما قال تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) يس / ٨٢) أ. هـ. وقال تعالى: ( ... قال كذلك الله يخلق ما يشاء، إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) آل عمران / ٢٤٧. وقال تعالى: (هو الذي يحي ويميت فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) غافر / ٦٨. وقال تعالى: (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) القمر/٥٠. قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - في تفسيره هذه الآية (٤/٢٦١) : (وهذا إخبار عن نفوذ مشيئته في خلقه، كما أخبر بنفوذ قدره فيهم فقال: (وما أمرنا إلا واحدة) أي إنما نأمر بالشيء مرة واحدة لا نحتاج إلى توكيد بثانية، فيكون ذلك الذي نأمر به حاصلاً موجوداً كلمح البصر، لا يتأخر طرفة عين، وما أحسن ما قال بعض الشعراء: إذا ما أراد الله أمراً فإنما يقول له كن قولة فيكون) أ. هـ. وهناك آيات أخرى تقرر هذا الأمر وتوضحه. فإذا تقرر ذلك فلماذا خلق الله ﷻ السموات والأرض في ستة أيام؟ . أولاً: قد ورد في أكثر من آية في كتاب ربنا أن الله جل وعلا خلق السموات والأرض في ستة أيام فمن ذلك قوله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ... ) الأعراف / ٥٤. ثانياً: ما من أمر يفعله الله إلا وله فيه حكمة بالغة وهذا من معاني اسم الله تعالى " الحكيم "، وهذه الحكمة قد يطلعنا الله تعالى عليها وقد لا يطلعنا، وقد يعلمها ويستنبطها الراسخون في العلم دون غيرهم. غير أن جهلنا بهذه الحكمة لا يحملنا على نفيها أو الاعتراض على أحكام الله ومحاولة التكلف والتساؤل عن هذه الحكمة التي أخفاها الله عنا، قال الله تعالى: (لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون) الأنبياء / ٢٣. وقد حاول بعض العلماء استباط الحكمة من خلق السموات والأرض في ستة أيام: ١- قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسيره " الجامع لأحكام القرآن " لآية الأعراف (٥٤) (٤/٧/١٤٠) : ( ... وذكر هذه المدة - أي ستة أيام - ولو أراد خلقها في لحظة لفعل؛ إذ هو القادر على أن يقول لها كوني فتكون، ولكنه أراد: - أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور. - ولتظهر قدرته للملائكة شيئاً بعد شيء.... - وحكمة أخرى: خلقها في ستة أيام؛ لأن لكل شيء عنده أجلا، وبيّن بهذا ترك معالجة العصاة بالعقاب؛ لأن لكل شيء عنده أجلاً ... ) ا. هـ. ٢- وقال ابن الجوزي في تفسيره المسمى بـ " زاد المسير " (٣/١٦٢) في تفسير آية الأعراف: ( ... فإن قيل: فهلا خلقها في لحظة، فإنه قادر؟ فعنه خمسة أجوبة: أحدها: أنه أراد أن يوقع في كل يوم أمراً تستعظمه الملائكة ومن يشاهده، ذكره ابن الأنباري. والثاني: أنه التثبت في تمهيد ما خُلق لآدم وذريته قبل وجوده، أبلغ في تعظيمه عند الملائكة. والثالث: أن التعجيل أبلغ في القدرة، والتثبيت أبلغ في الحكمة، فأراد إظهار حكمته في ذلك، كما يظهر قدرته في قوله (كن فيكون) . والرابع: أنه علّم عباده التثبت، فإذا تثبت مَنْ لا يَزِلُّ، كان ذو الزلل أولى بالتثبت. والخامس: أن ذلك الإمهال في خلق شيء بعد شيء، أبعد من أن يظن أن ذلك وقع بالطبع أو بالاتفاق.) ا. هـ. ٣- وقال القاضي أبو السعود في تفسيره عند آية الأعراف: (٣/٢٣٢) : ( ... وفي خلق الأشياء مدرجاً مع القدرة على إبداعها دفعة دليل على الاختيار، واعتبار للنظار، وحث على التأني في الأمور) ا. هـ. وقال عن تفسير الآية (٥٩) من سورة الفرقان (٦/٢٢٦) : ( ... فإن من أنشأ هذه الأجرام العظام على هذا النمط الفائق والنسق الرائق بتدبير متين وترتيب رصين، في أوقات معينة، مع كمال قدرته على إبداعها دفعة لحكم جليلة، وغايات جميلة، لا تقف على تفصيلها العقول ... ) أ. هـ. وبناء على ما سبق اتضح أن الله جلت قدرته وعَظُم سلطانه له مطلق القدرة، ومنتهى الإرادة، وكمال التصرف والتدبير، وله في كل خلق من خلقه حِكم بليغة لا يعلمها إلا هو سبحانه، وكذلك اتضح لك بعض الحِكم والأسرار في خلق المولى السموات والأرض في ستة أيام، مع أنه قادر سبحانه أن يخلقها بكلمة " كن ". وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 677

لماذا يتكلم الله بصيغة الجمع والمفرد [السُّؤَالُ] ـ[لماذا يتكلم الله في القرآن الكريم أحياناً بصيغة الجمع؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الجواب نوعان: أولاً: الجواب الإجمالي: على كل مؤمن أن يعتقد أن أفعال الله لم تكن إلا لحكم جسيمة وغايات محمودة ولا يلزم من ذلك أن تتضح لكل أحد وهذا نوع من أنواع الابتلاء والاختبار كما قال تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) . ثانياً: الجواب التفصيلي: أن القرآن الكريم جاء بلغة العرب، ولغة العرب يصح فيها إطلاق لفظ الجمع على الواحد، كما يصح إطلاق لفظ المفرد على الواحد لكن إطلاق لفظ الجمع يكون من باب التعظيم ولا أحد أعظم من الله فيكون إطلاق لفظ المفرد لإثبات كونه واحداً لا شريك له وإطلاق لفظ الجمع لإثبات عظمته سبحانه. ولابن تيمية كلام يفيدنا في هذه المسألة قال ﵀ في مجموع الفتاوى ٥/١٢٨: " وأما القرب - معنى قرب الله - فذكر تارة بصيغة المفرد كقوله: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع..) وفي الحديث: (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) وتارة بصيغة الجمع كقوله: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وهذا مثل قوله تعالى: (نتلوا عليك) ، (نقص عليك) .. أما قوله نتلوا، ونقص ونحوه فهذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم الذي له أعوان يطيعونه فإذا فعل أعوانه فعلاً بأمره قال: نحن فعلنا، كما يقول الملك: نحن فتحنا هذا البلد وهزمنا هذا الجيش، ونحو ذلك. وانظر تكملة هذا الجواب في كلام مهم تحت السؤال ٦٠٦. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 678

إضافة الخلق إلى غير الله تعالى [السُّؤَالُ] ـ[الكثير من المسلمين يستعملون كلمة "يخلق" للآدميين، مثلاً: يقولون: فلان له عقل خلاق. أو أنهم يقولون: إن فلاناً خلق هذا أو ذاك، حتى إن بعض المسلمين الملتزمين جداً يستعملون هذه الكلمة في كتبهم. الخالق الوحيد هو الله فهل يمكن أن نستعمل هذه الكلمة للآدميين؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا شك أن الله تعالى هو المنفرد بالخلق، قال الله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) فاطر/٣. ولكن ورد إضافة الخلق إلى غير الله تعالى، كما في قوله سبحانه: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) المؤمنون/١٤. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أن المصورين يقال لهم يوم القيامة: (أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ) . فإضافة الخلق إلى الله تعالى معناها الإيجاد من العدم، وهذا هو الذي لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى. وأما إضافة الخلق إلى البشر فمعناها تحويل الشيء من صورة إلى صورة. فإذا أطلق على غير الله أنه يخلق باعتبار أنه يحول الشيء من صورة إلى أخرى فهذا صحيح، وأما إذا أطلق على غير الله أنه يخلق بمعنى أنه يوجد الشيء من العدم فهذا غير جائز. والله تعالى أعلم. كتاب القول المفيد على كتاب التوحيد للشيخ ابن عثيمين ١/٦. وأما قول بعض الناس: إن فلاناً له عقل خلاق. فإنهم يقصدون بذلك حسن تفكيره، وقدرته على الابتكار، والإتيان بالأفكار الجديدة. وليس في هذا محذور شرعي. وإن كان الأولى التنزه عن مثل هذه الألفاظ التي قد يفهم منها معنى باطل. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 679

الموقف من أخطاء القضاء [السُّؤَالُ] ـ[لقد تسبب القضاة الجهلة في نفورنا من الشرع الحكيم ليس لنقص فيه حاشا لله ولكن لنقص في عقول قضاتنا هداهم الله فإن الله أرحم بالعباد منهم فحد شارب الخمر ٨٠ جلدة وهو من الموبقات السبع وهم يعزرون في قضايا تافهة بالجلد أكثر من ذلك وكأن القضاء في الإسلام عبارة عن العصا الغليظة والسجن فمقابلة بعض القضاة الذي لا يكاد يرد السلام هو أشد عقاب فهل يجوز المناداة بتطبيق القوانين الوضعية لأننا لا نستطيع بهذه العقليات أن نطبق شرعنا الحنيف بل نسيء إليه فالقاضي أقل الناس التزاما بدوامه الرسمي وأسوأ الناس معاملة وأكثر الناس حبا للمال ومخططات الأراضي فما هو الحل حفظكم الله وكثر من أمثالكم الملتزمين بدينهم الذين يؤمنون بأهميَّة التقنية في خدمة هذا الدين الحنيف. وأخيرا أقول ثبت الله الصالح من قضاتنا وهدى الضال منهم إلى الطريق الصحيح.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أجزم بأن ما ذكر مبالغ فيه، ولكن ليس القضاة بالمعصومين فهم كغيرهم يصيبون وهو الغالب، ويخطئون وخطأ المجتهد مغفور له إن شاء الله، فإذا وجد شيء من الأخطاء فعلى الإنسان إن كان ممن يدرك هذه الأخطاء أن يسعى في تصحيحها بالمناصحة مع المخطئ ومشاورة أهل العلم والفضل والنصح، ولا يجوز بحال من الأحوال إذا وجد شيء من الخطأ أن نطالب بتطبيق القوانين الوضعية، قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) ، وقال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ، وقال (.... هم الفاسقون) ، وقال (.... هم الظالمون) . فالحكم بغير ما أنزل الله من أعظم المنكرات التي يجب على المسلمين إزالتها فورا فكيف نطالب بتطبيقها؟ وعلى القضاة أن يتقوا الله في أحكامهم على أن تكون وفق ما شرعه الله، والعقوبات والتعزيرات علاج لمشاكل المجتمع، وعلى القضاة وغيرهم ممن يقصّر في الدوام الرسمي أن يتقوا الله في ذلك ويحرص على براءة ذمته، وطيب كسبه لأنه أجير لا يجوز له أن يخلّ بشيء مما أوجب الله عليه. [الْمَصْدَرُ] الشيخ عبد الكريم الخضير.

стр. 680

هل قبر السيدة زينب في سوريا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أريد أن أعرف أين دفنت السيده زينب ﵂، وهل هي كما قالوا في سوريا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ليعلم أن من أعظم أسباب ضلال بني آدم غلوهم في الصالحين، ومن أعظم أسباب الافتتان بهم: ما يحصل عند قبورهم من الغلو والشرك بالله، وصرف العبادات، من الطواف والذبح والنذر لغير الله تعالى. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ اللَّهُمَّ قال: ( [اللهم] لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) رواه الإمام أحمد (٧٣١١) ، وصححه الألباني. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ) . رواه أبو داود (٢٠٤٢) ، وصححه الألباني. وإن من أعظم ما يدل على بطلان ما يفعله هؤلاء القبوريون عند قبورهم: أنك تجدهم مختلفين في كثير من هذه الأماكن، فأهل مصر يزعمون أن قبر زينب ﵂ في مصر، ويفعلون عندها من البدع والخرافات، بل من الشرك والضلال ما الله به عليم. وهكذا أهل سوريا كما ذكرت، يفعلون نفس الشيء عند قبرهم المزعوم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " أما هذه المشاهد المشهورة فمنها ما هو كذب قطعا.. " ثم قال: " وأصل ذلك أن عامة أمر هذه القبور والمشاهد مضطرب مُخْتَلق، لا يكاد يُوقَف منه على العلم، إلا في قليل منها، بعد بحث شديد؛ وهذا لأن معرفتها وبناء المساجد عليها ليس من شريعة الإسلام، ولا ذلك من حكم الذكر الذي تكفل الله بحفظه ". ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٧/٤٤٤) وما بعدها، ويراجع كتاب: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، للشيخ الألباني ﵀. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 681

لماذا لم يقم عمرو بن العاص رضى الله عنه بتحطيم التماثيل الفرعونية ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لماذا لم يقم عمرو بن العاص رضى الله عنه بتحطيم التماثيل الفرعونية عندما قام بفتح مصر؟ وهل هناك فرق بين هذا الموقف وبين تكسير تماثيل بوذا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لأن تلك التماثيل الفرعونية كانت مدفونة تحت الأرض عندما فتحت مصر، وإنما أخرجت ونُبشت في القرون المتأخرة، ومن المعلوم أنه كان في مصر وفي غيرها معابد كثيرة فهدمها المسلمون وحطموا الصور وكسروا الأخشاب والأحجار التي كهيئة الأصنام، وقطعوا الأشجار وهدموا المعابد الشركية، وأما الأهرام فإنها موجودة ولكن لم تكن تعظم وتعبد من دون الله، وأيضا فإن هدمها يكلف كثيرا فليس في إمكان المسلمين في ذلك الزمان القدرة على هدمها بخلاف تماثيل بوذا الموجودة في الأفغان والتي قام بتحطيمها المسلمون في هذه الأشهر، فإن تحطيمها قديما كان فيه صعوبة، وقد قوي المسلمون بما أعطوا من الإمكانيات فحطموها حيث إنها تحت ولا يتهم وسيطرتهم، كما حطم النبي ﷺ الأصنام التي كانت في مكة والطائف ونخلة وغيرها. والله أعلم فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين ﵀. ولمزيد الفائدة انظر جواب السؤال رقم (٢٠٨٩٤) . [الْمَصْدَرُ] سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله

стр. 682

العبادة محبة وتعظيم وليست عناء ومشقة [السُّؤَالُ] ـ[ما هي الحكمة من عدم وجود فترة استراحة للرجل في العبادة مثل النساء، مثلا نصوم رمضان وعند الحيض نفطر، نصلي وعند الحيض والنفاس لا نصلي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ليست العبادة عناء ومشقة كي يستريح منها المسلم، بل هي محبة وتعظيم لله تعالى، يبعث عليها صادق الرغبة إلى الله، ويهيج إليها عظيم الشوق إليه سبحانه، يتذلل المسلم بها بين يدي ربه ومولاه، يناديه ويناجيه مقبلا إليه، راجيا رحمته، وسائلا فضله وكرمه وقربه، فَمَن هذا حالُه لا يطلب إقالة ولا استقالة، ولا يسأل إلا المزيد من مواسم العبادة والطاعة، ويكون حاله كحال النبي ﷺ الذي كان يقول: (أرحنا بها – يعني بالصلاة – يا بلال) . يقول ابن القيم ﵀: " لا ريب أن كمال العبودية تابع لكمال المحبة، وكمال المحبة تابع لكمال المحبوب في نفسه، والله سبحانه له الكمال المطلق التام في كل وجه، الذي لا يعتريه توهم نقص أصلا، ومَن هذا شأنه فإن القلوب لا يكون شيء أحب إليها منه، ما دامت فطرها وعقولها سليمة، وإذا كانت أحب الأشياء إليها فلا محالة أن محبته توجب عبوديته وطاعته، وتتبع مرضاته واستفراغ الجهد في التعبد له، والإنابة إليه، وهذا الباعث أكمل بواعث العبودية وأقواها، حتى لو فرض تجرده عن الأمر والنهي والثواب والعقاب استفرغ الوسع، واستخلص القلب للمعبود الحق، ومِن هذا قول بعض السلف: أنه ليستخرج حبه من قلبي ما لا يستخرجه قوله. ومنه قول عمر في صهيب: لو لم يخف الله لم يعصه ... وقد قام رسول الله ﷺ حتى تفطرت قدماه، فقيل له: تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: (أفلا أكون عبدا شكورا) ... فالله سبحانه يُعبَد ويُحمَد ويُحَب لأنه أهل لذلك ومستحقه، بل ما يستحقه سبحانه من عباده أمرٌ لا تناله قدرتهم ولا إرادتهم ولا تتصوره عقولهم، ولا يمكن أحدا من خلقه قط أن يعبده حق عبادته، ولا يوفيه حقه من المحبة والحمد، ولهذا قال أفضل خلقه وأكملهم وأعرفهم به وأحبهم إليه وأطوعهم له: (لا أحصى ثناء عليك) ، وأخبر أن عمله ﷺ لا يستقل بالنجاة فقال: (لن ينجي أحدا منكم عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) عليه صلوات الله وسلامه عدد ما خلق في السماء، وعدد ما خلق في الأرض، وعدد ما بينهما، وعدد ما هو خالق، وفي الحديث المرفوع المشهور أن مِن الملائكة مَن هو ساجد لله لا يرفع رأسه منذ خلق، ومنهم راكع لا يرفع رأسه من الركوع منذ خلق إلى يوم القيامة، وأنهم يقولون يوم القيامة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك " انتهى. " مفتاح دار السعادة " (٢/٨٨-٩٠) وانظر جواب السؤال رقم: (٤٩٠١٦) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 683

عمر لم يتوسل بجاه العباس ﵄ [السُّؤَالُ] ـ[حديث: أنس بن مالك ﵁ أن عمر ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: (اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون) هل هو صحيح؟ وهل يدل على جواز التوسل بجاه الأولياء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "هذا الحديث الذي أشار إليه السائل حديث صحيح رواه البخاري، لكن من تأمله وجد أنه دليل على عدم التوسل بجاه النبي ﷺ ، أو غيره؛ وذلك أن التوسل هو اتخاذ وسيلة؛ والوسيلة هي الشيء الموصل إلى المقصود؛ والوسيلة المذكورة في هذا الحديث (نتوسل إليك بنبينا فتسقينا؛ وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) المراد بها التوسل إلى الله تعالى بدعاء النبي ﷺ ، كما قال الرجل: (يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا) ولأن عمر قال للعباس: (قم يا عباس فادع الله، فدعا) ، ولو كان هذا من باب التوسل بالجاه لكان عمر ﵁ يتوسل بجاه النبي ﷺ قبل أن يتوسل بالعباس؛ لأن جاه النبي ﷺ أعظم عند الله من جاه العباس، وغيره؛ فلو كان هذا الحديث من باب التوسل بالجاه لكان الأجدر بأمير المؤمنين عمر ﵁ أن يتوسل بجاه النبي ﷺ ، دون جاه العباس بن عبد المطلب. والحاصل: أن التوسل إلى الله تعالى بدعاء من ترجى فيه إجابة الدعاء لصلاحه لا بأس به؛ فقد كان الصحابة ﵃ يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء النبي ﷺ لهم؛ وكذلك عمر ﵁ توسل بدعاء العباس بن عبد المطلب ﵁، فلا بأس إذا رأيت رجلاً صالحاً حرياً بالإجابة لكون طعامه وشرابه وملبسه ومسكنه حلالاً وكونه معروفاً بالعبادة والتقوى، لا بأس أن تسأله أن يدعو الله لك بما تحب، بشرط أن لا يحصل في ذلك غرور لهذا الشخص الذي طلب منه الدعاء، فإن حصل منه غرور بذلك فإنه لا يحل لك أن تقتله وتهلكه بهذا الطلب منه؛ لأن ذلك يضره. كما أنني أيضاً أقول: إن هذا جائز؛ ولكنني لا أحبذه، وأرى أن الإنسان يسأل الله تعالى بنفسه دون أن يجعل له واسطة بينه وبين الله، وأن ذلك أقوى في الرجاء، وأقرب إلى الخشية، كما أنني أيضاً أرغب من الإنسان إذا طلب من أخيه الذي ترجى إجابة دعائه أن يدعو له، أن ينوي بذلك الإحسان إليه - أي إلى هذا الداعي - دون دفع حاجة هذا المدعو له؛ لأنه إذا طلبه من أجل دفع حاجته صار كسؤال المال وشبهه المذموم، أما إذا قصد بذلك نفع أخيه الداعي بالإحسان إليه - والإحسان إلى المسلم يثاب عليه المرء كما هو معروف - كان هذا أولى وأحسن. والله ولي التوفيق" انتهى. "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (٢/٢٧٧) . ولمزيد الفائدة حول حديث توسل عمر بالعباس ﵄، وبيان أن هذا التوسل كان بدعائه، لا بجاهه، انظر كتاب "التوسل" للشيخ الألباني ﵀ ص (٥٠-٦٨) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 684

معنى كلمة الطّاغوت [السُّؤَالُ] ـ[هل كلمة الطاغوت تشمل الأجسام التي لا تدعو الناس لعبادتها، كالشمس والأشجار والأصنام والأحجار؟ هل المسلمون الأتقياء كالإمام الشافعي يُسمون طواغيت لأن الناس تعبدهم أو تعبد قبورهم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ليس كل ما عُبد من دون الله يعتبر طاغوتاً إذ أن الصحيح من أقوال أهل العلم في بيان معنى الطاغوت ما قال ابن جرير الطبري في التفسير (٣/٢١) : " الصواب من القول عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله، فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنساناً كان ذلك المعبود، أو شيطاناً أو وثناً أو صنماً أو كائناً ما كان من شيء وقال أيضاً: وأصل الطاغوت.. من قول القائل طغا فلان يطغو إذا عدا قدره فتجاوز حده ". فالأنبياء والعلماء وغيرهم من الصالحين والأولياء لم يحملوا الناس على عبادتهم إياهم ولا أطاعوهم في ذلك بل حذّروهم من ذلك أشد تحذير بل كان المقصد من إرسال الله الرسل إلى الخلق دعوتهم إلى توحيد الله والكفر بما دونه قال تعالى ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ النحل: ٣٦. قال تعالى ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد﴾ . فلا يسمى الأنبياء ولا العلماء وإن عبدوا من دون الله طواغيتاً. وإذا غلا أناس في الشافعي أو غيره من العلماء ﵏ فاستغاثوا بهم من دون الله أو عبدوا قبورهم فلا ذنب لأولئك العلماء بل الوزر على من أشرك، وكذلك النصارى الذين عبدوا عيسى ﵇ من دون الله لا يتحمل عيسى ﵇ شيئاً من وزرهم، ومن التعريفات المختصرة للطاغوت: من عُبِد من دون الله وهو راضٍ، ومعلوم أن عيسى ﵇ وغيره من الأنبياء وكذلك الشافعي ﵀ وغيره من العلماء الموحدين لا يرضون بعبادتهم أبداً من دون الله بل ينهون عن ذلك ويبيّنون التوحيد، قال تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّيَ إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب _ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ... ) المائدة /١١٦،١١٧ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 685

لماذا يمنع بعض أهل العلم من التوسل بجاه النبي ﷺ ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لماذا يحرم السلفية التوسل بذات النبي ﷺ ، مع أن العلماء كلهم متفقون على جوازه، حتى ظهر ابن تيمية الذي كان أول من حرمه؟ مع أن كل العلماء من جميع المذاهب يجيزون التوسل، فلماذا يُصِرُّون على تحريمه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: أولا: التوسل بذات النبي ﷺ معناه: أن يدعو الداعي ربه ، لكنه في أثناء دعائه يذكر ذات النبي ﷺ وسيلة لإجابة دعائه، أو تعجيل حاجته، فيقول: أسألك بحق النبي، أو: بجاه النبي، أو نحو ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مجموع الفتاوى (١/٣٣٧-٣٣٨) ـ: " والسائل لله بغير الله إما أن يكون مقسما عليه، وإما أن يكون طالبا بذلك السبب، كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم، وكما يتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين. فإن كان إقساما على الله بغيره: فهذا لا يجوز. وإن كان سؤالا بسبب يقتضى المطلوب، كالسؤال بالأعمال التي فيها طاعة الله ورسوله، مثل السؤال بالإيمان بالرسول ومحبته وموالاته ونحو ذلك: فهذا جائز. وإن كان سؤالا بمجرد ذات الأنبياء والصالحين: فهذا غير مشروع، وقد نهى عنه غير واحد من العلماء، وقالوا: إنه لا يجوز. ورخص فيه بعضهم، والأول أرجح كما تقدم؛ وهو سؤال بسبب لا يقتضى حصول المطلوب. بخلاف من كان طالبا بالسبب المقتضى لحصول المطلوب، كالطلب منه سبحانه بدعاء الصالحين وبالأعمال الصالحة: فهذا جائز، لأن دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذي دَعَوا به. وكذلك الأعمال الصالحة سبب لثواب الله لنا، وإذا توسلنا بدعائهم وأعمالنا: كنا متوسلين إليه تعالى بوسيلة، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) المائدة/٣٥، والوسيلة هي الأعمال الصالحة. وقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) الإسراء /٥٧. وأما إذا لم نتوسل إليه سبحانه بدعائهم ولا بأعمالنا، ولكن توسلنا بنفس ذواتهم: لم يكن نفس ذواتهم سببا يقتضى إجابة دعائنا، فكنا متوسلين بغير وسيلة، ولهذا لم يكن هذا منقولا عن النبي ﷺ نقلا صحيحا، ولا مشهورا عن السلف." انتهى. ثانيا: ليس معنى ذلك أن النبي ﷺ ليس له جاه عند الله ، ولا منزلة لديه سبحانه، كما يقوله من يفتري على السلفيين، شيخ الإسلام ومن وافقه على ذلك، وأنهم يتجرؤون على مقام النبي ﷺ ، وحاشاهم من ذلك، وهو صاحب المقام المحمود، والمنزلة الرفيعة، وسيد ولد آدم، ﷺ ، لكن مقامه الكريم على الله ليس معناه أن نسأل أو نتوسل به. قال شيخ الإسلام ﵀: " ما بيّن الله ورسوله أنه حق للعباد على الله فهو حق؛ لكن الكلام في السؤال بذلك، فيقال: إن كان الحق الذي سأل به سببا لإجابة السؤال: حسُن السؤال به، كالحق الذي يجب لعابديه وسائليه. وأما إذا قال السائل: بحق فلان وفلان، فأولئك، إن كان لهم عند الله حق أن لا يعذبهم وأن يكرمهم بثوابه ويرفع درجاتهم كما وعدهم بذلك وأوجبه على نفسه، فليس في استحقاق أولئك ما استحقوه من كرامة الله، ما يكون سببا لمطلوب هذا السائل؛ فإن ذلك استحق ما استحقه بما يسره الله له من الإيمان والطاعة، وهذا لا يستحق ما استحقه ذلك؛ فليس في إكرام الله لذلك سبب يقتضى إجابة هذا. وإن قال: السبب هو شفاعته ودعاؤه، فهذا حق إذا كان قد شفع له ودعا له، وإن لم يشفع له ولم يدع له لم يكن هناك سبب ". انتهى. وقال أيضا ـ مجموع الفتاوى (١/٢٧٨) ـ: " ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه، مع أن النبي لم يدع له: كان هذا كلاما باطلا ". انتهى. ثالثا: مدار فهم هذه المسألة أن نعلم أن الدعاء عبادة، بل هو من أجل العبادات لله تعالى، كما قال النَّبِيُّ ﷺ : (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ. قَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) رواه أبو داود (١٤٧٩) وغيره، وصححه الألباني. والعبادات مبناها على التوقيف، يعني: على ورود الشرع بها، كما قال رَسُول اللَّهِ ﷺ (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) رواه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) ، من حديث عائشة ﵂. وفي رواية لمسلم: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) . قال الإمام النووي ﵀: " قَالَ أَهْل الْعَرَبِيَّة: (الرَّدّ) هُنَا بِمَعْنَى الْمَرْدُود , وَمَعْنَاهُ: فَهُوَ بَاطِل غَيْر مُعْتَدّ بِهِ. وَهَذَا الْحَدِيث قَاعِدَة عَظِيمَة مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام , وَهُوَ مِنْ جَوَامِع كَلِمه ﷺ فَإِنَّهُ صَرِيح فِي رَدّ كُلّ الْبِدَع وَالْمُخْتَرَعَات. وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة زِيَادَة وَهِيَ أَنَّهُ قَدْ يُعَانِد بَعْض الْفَاعِلِينَ فِي بِدْعَة سَبََ إِلَيْهَا , فَإِذَا اُحْتُجَّ عَلَيْهِ بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى يَقُول: أَنَا مَا أَحْدَثْت شَيْئًا فَيُحْتَجّ عَلَيْهِ بِالثَّانِيَةِ الَّتِي فِيهَا التَّصْرِيح بِرَدِّ كُلّ الْمُحْدَثَات , سَوَاء أَحْدَثَهَا الْفَاعِل , أَوْ سَبَقَ بِإِحْدَاثِهَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيث: دَلِيل لِمَنْ يَقُول مِنْ الْأُصُولِيِّينَ: إِنَّ النَّهْي يَقْتَضِي الْفَسَاد. وَمَنْ قَالَ: لَا يَقْتَضِي الْفَسَاد يَقُول هَذَا خَبَر وَاحِد , وَلَا يَكْفِي فِي إِثْبَات هَذِهِ الْقَاعِدَة الْمُهِمَّة , وَهَذَا جَوَاب فَاسِد. وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا يَنْبَغِي حِفْظه وَاسْتِعْمَاله فِي إِبْطَال الْمُنْكَرَات , وَإِشَاعَة الِاسْتِدْلَال بِهِ " انتهى. فإذا علمنا هذا الأصل، علمنا أنه لا يجوز لنا أن نفعل شيئا على وجه العبادة لله تعالى، إلا شيئا جاء به الشرع من المعصوم ﷺ ، وسواء كان الذي فعلناه اختراعا من عند أنفسنا، أو اتباعا لغيرنا فيه. قال شيخ الإسلام ﵀ مجموع الفتاوى (١/٢٦٥) ـ: " ولا يجوز أن يكون الشيء واجبا أو مستحبا إلا بدليل شرعي يقتضى إيجابه أو استحبابه والعبادات لا تكون إلا واجبة أو مستحبة فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة والدعاء لله تعالى عبادة إن كان المطلوب به أمرا مباحا " انتهى. وقال أيضا ـ الفتاوى (١/٢٧٨) ـ: " والدعاء المأثور عن النبي ﷺ : لم يأمر به، والذي أمر به: ليس مأثورا عن النبي ﷺ . ومثل هذا لا تثبت به شريعة، كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات، إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما يثبت عن النبي ﷺ يخالفه لا يوافقه: لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة، فيجب رده إلى الله والرسول، ولهذا نظائر كثيرة ". وقد سئلت اللجنة الدائمة عن: مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقول في دعائه: اللهم أعطني كذا وكذا من خيري الدنيا والآخرة، بجاه النبي ﷺ ، أو ببركة الرسول، أو بحرمة المصطفى، أو بجاه الشيخ التيجاني، أو ببركة الشيخ عبد القادر، أو بحرمة الشيخ السنوسي فما الحكم؟ فأجابوا: " من توسل إلى الله في دعائه بجاه النبي ﷺ أو حرمته أو بركته أو بجاه غيره من الصالحين أو حرمته أو بركته، فقال: (اللهم بجاه نبيك أو حرمته أو بركته أعطني مالا وولدا أو أدخلني الجنة وقني عذاب النار) مثلا، فليس بمشرك شركا يخرج عن الإسلام، لكنه ممنوع سدا لذريعة الشرك، وإبعادا للمسلم من فعل شيء يفضي إلى الشرك. ولا شك أن التوسل بجاه الأنبياء والصالحين وسيلة من وسائل الشرك التي تفضي إليه على مر الأيام، على ما دلت عليه التجارب وشهد له الواقع، وقد جاءت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة تدل دلالة قاطعه على أن سد الذرائع إلى الشرك والمحرمات من مقاصد الشريعة، من ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام /١٠٨ فنهى سبحانه المسلمين عن سب آلهة المشركين التي يعبدونها من دون الله، مع أنها باطلة؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سب المشركين الإلهَ الحقَ سبحانه، انتصارا لآلهتهم الباطلة جهلا منهم وعدوانا، ومنها: نهيه ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد؛ خشية أن تعبد، ومنها: تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، وتحريم إبداء المرأة زينتها للرجال الأجانب ... ولأن التوسل بالجاه والحرمة ونحوهما في الدعاء عبادة، والعبادة توقيفية، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة الرسول ﷺ ولا عن أصحابه ما يدل على هذا التوسل، فعلم أنه بدعة ... " انظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١/٥٠١-٥٠٢) . رابعا: قول السائل في سؤاله إن ابن تيمية أول من حرمه: غير صحيح؛ وإنما هو تلقى ذلك عن أعداء شيخ الإسلام ﵀، وقد تعرض شيخ الإسلام ﵀، في رده على الأخنائي، وهو أحد خصومه الذين رموه بهذه الفرية، فقال في حق شيخ الإسلام: " كم لصاحب هذه المقالة من مسألة خرق فيها الإجماع "، فرد عليه شيخ الإسلام من وجوه عديدة، فقال في ضمن ذلك: " الوجه السادس: أنه إنما يقبل قول من يدعي أن غيره يخالف الإجماع إذا كان ممن يعرف الإجماع والنزاع، وهذا يحتاج إلى علم عظيم، يظهر به ذلك، لا يكون مثل هذا المعترض الذي لا يعرف نفس المذهب الذي انتسب إليه، ولا ما قال أصحابه..، فكيف يعرف مثل هذا إجماع علماء المسلمين، مع قصوره وتقصيره في النقل والاستدلال؟! الوجه السابع: أن لفظ (كم) يقتضي التكثير، وهذا يوجب كثرة المسائل التي خرق المجيب فيها الإجماع. والذين هم أعلم من هذا المعترض وأكثر اطلاعا: اجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد، فلم يظفروا بمسألة واحدة خرق فيها الإجماع، بل غايتهم أن يظنوا في المسألة أنه خرق فيها الإجماع، كما ظنه بعضهم في مسألة الحلف بالطلاق، وكان فيها من النزاع نقلا، ومن الاستدلال فقها وحديثا: ما لم يطلع عليه. الوجه الثامن: أن المجيب [يعني: شيخ الإسلام نفسه]ـ ولله الحمد ـ لم يقل قط في مسألة إلا بقل قد سبقه إليه العلماء؛ فإن كان قد يخطر له ويتوجه له، فلا يقوله ولا ينصره إلا إذا عرف أنه قد قاله بعض العلماء، كما قال الإمام أحمد: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام؛ فمن كان يسلك هذا المسلك، كيف يقول قولا يخرق فيه إجماع المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين؟! " انتهى. من الرد على الأخنائي (٤٥٧-٤٥٨) . خامسا: هذه المسألة المذكورة، والتي زعم السائل فيها، تبعا لغيره، أن شيخ الإسلام خالف فيها الإجماع، قد ثبت فيها النصوص عن غير واحد من العلماء، وخاصة الأحناف بالمنع منها، والنهي عنها. قال العلامة الحصكفي في الدر المختار (٥/٧١٥) : " وفي التاترخانية معزيا للمنتقى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) ". ونفس النص في المحيط البرهاني (٥/١٤١) . قال العلامة الكاساني ﵀ في بدائع الصنائع (٥/١٢٦) : " وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ أَسْأَلُك بِحَقِّ أَنْبِيَائِك وَرُسُلِك وَبِحَقِّ فُلَانٍ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ ". ونفس النص في تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، للزيلعي (٦/٣١) ونسب القول بذلك إلى الثلاثة، يعني: أبا حنيفة، وصاحبيه: أبا يوسف، ومحمد بن الحسن، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١٠/٦٤) ، وفتح القدير لابن الهمام (١٠/٦٤) ، وفي درر الحكام (١/٣٢١) ، ومجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (٢٥٥٤) . قال السيد نعمان خير الدين الآلوسي الحنفي، ﵀ في جلاء العينين (٥١٦-٥١٧) : " وفي جميع متونهم: أن قول الداعي المتوسل: بحق الأنبياء والأولياء، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام: مكروه كراهة تحريم، وهي كالحرام في العقوبة بالنار عند محمد، وعللوا ذلك بقولهم: لأنه لا حق للمخلوق على الخالق " انتهى. وانظر ما نقله السيد نعمان عن العلامة السويدي الشافعي: جلاء العينين (٥٠٥) وما بعدها. ولعله تبين مما سبق من النقول المستفيضة: لماذا يمنع السلفيون من ذلك النوع من التوسل، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية ليس أول من منع من ذلك، ولا هو آخرهم أيضا. وانظر جواب السؤال رقم (٩٧٩) ، ورقم (٦٠٠٤١) ، ورقم (٢٣٢٦٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 686

حديث الأعمى وتوسله بالرسول ﷺ [السُّؤَالُ] ـ[الحديث: أن أعمى أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يكشف عن بصري، فقال: فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك نبينا محمد ﷺ نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي) ما صحة هذا الحديث وما معناه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "هذا الحديث اختلف أهل العلم في صحته فمنهم من قال: إنه ضعيف، ومنهم من قال: إنه حسن، ولكن له وجهة ليست كما يتبادر من اللفظ، فإن هذا الحديث معناه أن النبي ﷺ أمر هذا الرجل الأعمى أن يتوضأ، ويصلي ركعتين ليكون صادقاً في طلب شفاعة النبي ﷺ له، وليكون وضوؤه، وصلاته عنواناً على رغبته في التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به إلى الله ؛ فإذا صدقت النية، وصحت، وقويت العزيمة فإن النبي ﷺ يشفع له إلى الله ؛ وذلك بأن يدعو النبي ﷺ له. فإن الدعاء نوع من الشفاعة، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شَفَّعهم الله فيه) . فيكون معنى هذا الحديث أن هذا الأعمى يطلب من النبي ﷺ أن يدعو الله له؛ لأن هذا الدعاء نوع شفاعة. أما الآن وبعد موت النبي ﷺ فإن مثل هذه الحال لا يمكن أن تكون لتعذر دعاء النبي ﷺ لأحد بعد الموت، كما قال النبي ﷺ : (إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ، والدعاء بلا شك من الأعمال التي تنقطع بالموت؛ بل الدعاء عبادة، كما قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) غافر/٦٠، ولهذا لم يلجأ الصحابة ﵃ عند الشدائد وعند الحاجة إلى سؤال النبي ﷺ أن يدعو الله لهم؛ بل قال عمر بن الخطاب ﵁ حين قحط المطر: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون) وطلب من العباس ﵁ أن يدعو الله بالسقيا فدعا فسقوا. وهذا يدل على أنه لا يمكن أن يطلب من رسول الله ﷺ بعد موته أن يدعو لأحد؛ لأن ذلك متعذر لانقطاع عمله بموته صلوات الله وسلامه عليه؛ وإذا كان لا يمكن لأحد أن يطلب من النبي ﷺ أن يدعو له بعد موت النبي ﷺ فإنه لا يمكن ومن باب أولى أن يدعو أحد النبيَّ ﷺ نفسه بشيء من حاجاته أو مصالحه؛ فإن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ والذي حرم الله على من اتصف به الجنة، قال الله تعالى: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ) يونس/١٠٦. وقال تعالى: (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ) الشعراء/٢١٣؛ وقال الله : (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) المؤمنون/١١٧؛ وقال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار) المائدة/٧٢. فالمهم أن من دعا رسولَ الله ﷺ بعد وفاته أو غيره من الأموات لدفع ضرر أو جلب منفعة فهو مشرك شركاً أكبر مخرجاً عن الملة، وعليه أن يتوب إلى الله ، وأن يوجه الدعاء إلى العلي الكبير الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. وإني لأعجب من قوم يذهبون إلى قبر فلان وفلان يدعونه أن يفرج عنهم الكربات ويجلب لهم الخيرات وهم يعلمون أن هذا الرجل كان في حال حياته لا يملك ذلك، فكيف بعد موته، بعد أن كان جثة وربما يكون رميماً قد أكلته الأرض فيذهبون يدعونه، ويتركون دعاء الله الذي هو كاشف الضر، وجالب النفع والخير، مع أن الله تعالى أمرهم بذلك وحثهم عليه فقال: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) غافر/٦٠. وقال الله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة/١٨٦. وقال تعالى منكراً على من دعا غيره: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) النمل/٦٢. أسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم" انتهى. "مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين" (٢/٢٧٤) . فالحديث لا يدل على جواز التوسل بجاه النبي ﷺ كما ذهب إليه البعض، بل الحديث يدل على أن هذا الرجل توسل بدعاء النبي ﷺ فقوله: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد) أي: بدعاء نبينا محمد، وقوله: (يا محمد إني أتوجه بك إل ربي) أي: بدعائك. ويدل على هذا: ١- أن هذا الرجل، جاء إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يدعو له، ولو كان مراده التوسل بجاهه ﷺ لقعد في بيته، وقال: اللهم إني أتوسل إليك وأسألك بجاه محمد. ٢- من جملة الدعاء الذي علمه الرسول ﷺ : (اللهم فشفعه فيّ، وشفعني فيه) أي: اقبل شفاعة النبي ﷺ فيّ، والشفاعة هي الدعاء، فيكون الرسول ﷺ قد دعا له. وقوله: (وشفعني فيه) أي: اقبل دعائي أن تقبل دعاءه. قال الألباني ﵀ في كتاب التوسل ص (٧٣، ٧٤) : "إن مما علم النبي ﷺ الأعمى أن يقوله: (وشفعني فيه) أي: اقبل شفاعتي أي دعائي في أن تقبل شفاعته ﷺ أي دعاءه في أن ترد علي بصري. هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه. ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه. ذلك أن شفاعة الرسول ﷺ في الأعمى مفهومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول ﷺ كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة، ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحدا منهم يستعملها، فيقول في دعائه مثلا: اللهم شفع فيّ نبيك وشفعني فيه" انتهى. وانظر لتفصيل الكلام على هذا الحديث: كتاب "التوسل" ص (٦٨-٩٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 687

حقيقة العبودية لله تعالى [السُّؤَالُ] ـ[قرأت في السؤال رقم (١١٨٠٤ ">) أن الغاية من خلق البشر هي أن يفردوا الله تعالى بالعبادة فهل توضح لي حقيقة العبادة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله العبادة في اللغة: هي الخضوع والذل تقول العرب هذا طريق مُعَبَّدْ أي مُذَلَّلْ من كثرة وطئ الأقدام عليه. أما في الشرع فالعبادة تطلق على شيئين: الأول: فعل العبد كالذي يصلي أو يزكي ففعله هذا عبادة ويعرفها العلماء بقولهم: هي طاعة الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه مع محبة الله وخوفه ورجائه. الثاني: نفس المأمور به ولو لم يفعله أحد كالصلاة في حد ذاتها والزكاة ونحو ذلك فيعرفها العلماء بقولهم: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وسميت هذه المأمورات عبادات لأن المكلفين يفعلونها خاضعين متذللين محبين لربهم جل وتعالى. فلا بد في عبادة الله من كمال محبته مع كمال الخضوع والذل له سبحانه. وقد بين لنا ربنا أن الغاية العظمى والهدف الأسمى من خلق الجن والإنس هو أن يعبدوه وحده لا شريك له فقال جل شأنه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات/٥٦ فكيف نحقق هذه الغاية ونصل إلى هذا الهدف؟ كثير من الناس يظن أن العبادة لا تعدو أن تكون مجموعة من الشعائر التعبدية التي أمر الله أن تؤدى في أوقاتها المعلومة ـ كالصلاة والصيام والحج، وبهذا ينتهي كل شيء ـ. وليس الأمر كما يظن هؤلاء. فكم تستغرق الشعائر التعبدية من اليوم والليلة؟ بل كم تستغرق من عمر الإنسان نفسه؟! فأين بقية العمر إذن؟ وأين بقية الطاقة؟ وأين بقية الوقت؟ أين تنفق وأين تذهب؟ أتنفق في العبادة أم في غيرها؟ وإن كانت ستنفق في غير العبادة فكيف تتحقق غاية الوجود الإنساني التي حصرتها الآية حصراً كاملاً في عبادة الله؟ وكيف يتحقق قوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) الأنعام/١٦٢. إن العبودية قضية كلية تهيمن على حياة المسلم فهو حين يسعى في الأرض لطلب الرزق يعبد الله لأن ربه يأمره بذلك في قوله: (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) الملك/١٥، وهو حين ينام فهو ينام ليتقوى على عبادة الله تعالى كما قال معاذ بن جبل ﵁: " إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي " أخرجه البخاري ٤٣٤٢، أي أنه يحتسب الأجر في نومه كما يحتسب الأجر في قيامه لِلَّيل، بل إن المسلم لا يرضى إلا أن يكون تمتعه بالطعام والشراب والنكاح في ميزان حسناته كما قال الرسول ﷺ (وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم. قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) أخرجه مسلم ١٠٠٦ وطريق الوصول إلى هذه المرتبة العظيمة بأن يستحضر العبد ذكر ربه وهو يعمل في شتى مجالات الحياة فيسأل نفسه هل هو في الموضع الذي يرضي ربه عنه أم يسخطه عليه؟ فإذا كان في موضع الرضى فليحمد الله وليزدد من الخير، وإن كان على غير ذلك فليستغفر الله وليتب إليه كما هو حال عباد الله المتقين الذين وصفهم الله بقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) آل عمران/ ١٣٥، ١٣٦. وهكذا كانت العبادة في حس سلفنا الصالح من الصحابة ومن بعدهم فلم يحصروها قط في إطار الشعائر التعبدية بحيث تصبح اللحظات التي يقومون فيها بأداء تلك الشعائر هي وحدها لحظات العبادة، وتكون بقية حياتهم " خارج العبادة " إنما كان في حس أحدهم أن حياته كلها عبادة وأن الشعائر إنما هي لحظات مركزة يتزود فيها الإنسان بالطاقة الإيمانية التي تعينه على أداء بقية العبادات المطلوبة منه، ولذلك كانوا يحتفون بها احتفاءً خاصاً كما يحتفي المسافر بالزاد الذي يعينه على الطريق وباللحظة التي يحصل فيها على الزاد. لقد كانوا كما وصفهم ربهم: (يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) آل عمران/١٩١ أي في جميع أحوالهم لقد كانوا يجمعون إلى الذكر باللسان الذكر بالقلب وكانت عظمة الله وخشيته حاضرة في قلوبهم في كل عمل يعملونه، أو قول يقولونه فإذا حدث وغفل أحدهم فزل أو أخطأ كان حاله كما وصف الله في الآيات التي سبق ذكرها من آل عمران. ثم اعلم ـ وفقك الله ـ أن كل إنسان عابد بفطرته. أي أنه مجبول على العبادة؛ فإما أن يكون عابدا لله وحده بلا شريك، وإما أن يكون عابدا لشيء آخر غير الله، معه أو من دونه، كلاهما سواء! وهذه العبادة هي التي يسميها الله " عبادة الشيطان " لأنه استجابة لدعوة الشيطان: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم) يس/٦٠. ولا يستوي حياة الإنسان عابدا لله وعابدا للشيطان: (أفمن يمشي مكباًّ على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم) الملك/٢٢. (قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور) الرعد/١٦، والشيطان يستدرج الإنسان في محاولة لإبعاده عن عبادة الله فتارة ينجح في إبعاده إبعاداً مؤقتاً كما يقع في المعصية " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن..) أخرجه البخاري (٢٤٧٥) ومسلم (٥٧) ، وتارة يبعده إبعاداً كاملاً ينقطع فيه ما بين العبد وبين ربه فيشرك أو يكفر أو يلحد ـ والعياذ بالله ـ وعبادة الشيطان هذه تارة تكون عبادة للهوى كما قال تعالى: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً) الفرقان/٤٣، فهذا العبد الذي يأتمر بأمر هواه فما رآه حسنا فعله وما رآه قبيحا تركه فهو مطيع لهوى نفسه يتبع ما تدعو إليه فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه. وتارة تكون عبادة للدرهم والدينار كما قال ﷺ : " تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ.. الحديث " رواه البخاري ٢٨٨٧ وهكذا كل من تعلق قلبه بشيء غير الله من أهواء نفسه فإن حصل له رضي وإن لم يحصل له سخط فهو عبد ما يهواه رقيق له؛ إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته. ثم بقدر ما تستعبده هذه الشهوات أو بعضها بقدر ما تضعف عبوديته لربه سبحانه فإن استحكمت عبوديته لتلك الشهوات والأهواء حتى صدته عن الدين بالكلية فهو مشرك كافر، وإن صدته تلك الأهواء والشهوات عن بعض ما يجب عليه أو زينت له فعل بعض ما يحرم عليه مما لا يخرج فاعله من الدين فقد نقص من عبوديته لربه وإيمانه به بقدر ما صُد عنه. نسأل الله تعالى أن يمن علينا بكمال العبودية له سبحانه , وأن يجعلنا من عباده المخلَصين وأوليائه المقربين، إنه سميع قريب مجيب. والله أعلم وأحكم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يراجع (مفاهيم ينبغي أن تصحح للشيخ محمد قطب ٢٠- ٢٣، ١٧٤- ١٨٢) و (العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 688

نقض مقولة " ما عبدناك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك " [السُّؤَالُ] ـ[أشعر أني أقوم بالعبادات والطاعات بدافع حبِّ الجنَّة، والخوف من النَّار، وليس بدافع محبة الله، أو حب الطاعات، فما السبب في ذلك؟ وما العلاج؟ . أريد أن أقوم بأي عبادة حبّاً في الله، وحبّاً في طاعته، في المقام الأول، فما السبيل إلى ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الإشكال في سؤالك أخي الفاضل منبعه تلك المقولة الخاطئة المشتهرة " لا نعبد الله خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، بل نعبده حبّاً له "! وبعضهم يذكرها بصيغة أخرى مفادها: أنه من عبد الله خوفا من ناره فهي عبادة العبيد، ومن عبده طمعاً في جنته فهي عبادة التجار، وزعموا أن العابد هو من عبده حبّاً له تعالى!! وأيّاً كانت العبارة، أو الصيغة التي تحمل تلك المعاني، وأيا كان قائلها: فإنها خطأ، وهي مخالفة للشرع المطهَّر، ويدل على ذلك: ١. أنه ليس بين الحب والخوف والرجاء تعارض حتى تريد - أخي السائل - أن تعبد ربك تعالى حبّاً له؛ لأن الذي يخافه تعالى ويرجوه ليست محبة الله منزوعة منه، بل لعله أكثر تحقيقاً لها من كثيرين يزعمون محبته. ٢. أن العبادة الشرعية عند أهل السنَّة تشمل المحبة والتعظيم، والمحبة تولِّد الرجاء، والتعظيم يولِّد الخوف. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: والعبادة مبنية على أمرين عظيمين، هما: المحبة، والتعظيم، الناتج عنهما: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهَباً) الأنبياء/ ٩٠، فبالمحبة تكون الرغبة، وبالتعظيم تكون الرهبة، والخوف. ولهذا كانت العبادة أوامر، ونواهي: أوامر مبنية على الرغبة، وطلب الوصول إلى الآمر، ونواهي مبنية على التعظيم، والرهبة من هذا العظيم. فإذا أحببتَ الله : رغبتَ فيما عنده، ورغبت في الوصول إليه، وطلبتَ الطريق الموصل إليه، وقمتَ بطاعته على الوجه الأكمل، وإذا عظمتَه: خفتَ منه، كلما هممتَ بمعصية استشعرت عظمة الخالق ، فنفرتَ، (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ) يوسف/ ٢٤. فهذه مِن نعمة الله عليك، إذا هممتَ بمعصية وجدتَ الله أمامك، فهبتَ، وخفتَ، وتباعدتَ عن المعصية؛ لأنك تعبد الله، رغبة، ورهبة. " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٨ / ١٧، ١٨) . ٣. أن عبادة الأنبياء والعلماء والأتقياء تشتمل على الخوف والرجاء، ولا تخلو من محبة، فمن يرد أن يعبد الله تعالى بإحدى ذلك: فهو مبتدع، وقد يصل الحال به للكفر. قال الله تعالى – في وصف حال المدعوين من الملائكة والأنبياء والصالحين -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) الإسراء/ ٥٧. وقال الله ﵎ – في وصف حال الأنبياء -: (إِِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) الأنبياء/ ٩٠. قال ابن جرير الطبري – ﵀: ويعنى بقوله: (رَغَباً) : أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فيما يرجون منه، من رحمته، وفضله. (وَرَهَباً) : يعني: رهبة منهم، من عذابه، وعقابه، بتركهم عبادته، وركوبهم معصيته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. " تفسير الطبري " (١٨ / ٥٢١) . وقال الحافظ ابن كثير – ﵀: وقوله: (إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: في عمل القُرُبات، وفعل الطاعات. (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) قال الثوري: (رَغَبًا) فيما عندنا، (وَرَهَبًا) مما عندنا. (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: مصدِّقين بما أنزل الله، وقال مجاهد: مؤمنين حقّاً، وقال أبو العالية: خائفين، وقال أبو سِنَان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب، لا يفارقه أبداً، وعن مجاهد أيضاً: (خَاشِعِينَ) أي: متواضعين، وقال الحسن، وقتادة، والضحاك: (خَاشِعِينَ) أي: متذللين لله ، وكل هذه الأقوال متقاربة. " تفسير ابن كثير " (٥ / ٣٧٠) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: قال بعض السلف: " مَن عبد الله بالحب وحده: فهو زنديق، ومَن عبده بالخوف وحده: فهو حروري – أي: خارجي -، ومَن عبده بالرجاء وحده: فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء: فهو مؤمن موحد. " مجموع الفتاوى " (١٥ / ٢١) . ٤. اعتقادهم أن الجنة هي الأشجار والأنهار والحور العين، وغفلوا عن أعظم ما في الجنة مما يسعى العبد لتحصيله وهو: رؤية الله تعالى، والتلذذ بذلك، والنار ليست هي الحميم والسموم والزقوم، بل هي غضب الله وعذابه والحجب عن رؤيته . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومِن هنا يتبين زوال الاشتباه في قول مَن قال: " ما عبدتُك شوقاً إلى جنَّتك، ولا خوفاً من نارك، وإنما عبدتك شوقاً إلى رؤيتك ". فإن هذا القائل ظنَّ هو ومَن تابعه أن الجنة لا يدخل في مسماها إلا الأكل، والشرب، واللباس، والنكاح، ونحو ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات، ولهذا قال بعض مَن غلط مِن المشائخ لما سمع قوله: (مِنْكُم مَنْ يُريدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ) قال: فأين من يريد الله؟! وقال آخر في قوله تعالى: (إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤمِنينَ أنْفُسَهُم وَأَمْوَالُهُم بِأَنَّ لَهُم الجَنَّةَ) قال: إذا كانت النفوس والأموال بالجنَّة فأين النظر إليه؟! . وكل هذا لظنِّهم أنَّ الجنَّة لا يدخل فيها النظر، والتحقيق: أن الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم، وأعلى ما فيها: النظر إلى وجه الله، وهو من النعيم الذي ينالونه في الجنة، كما أخبرت به النصوص، وكذلك أهل النار، فإنهم محجوبون عن ربهم يدخلون النار، مع أن قائل هذا القول إذا كان عارفاً بما يقول فإنما قصده أنك لو لم تخلق ناراً، أو لو لم تخلق جنَّة لكان يجب أن تُعبد، ويجب التقرب إليك، والنظر إليك، ومقصوده بالجنة هنا ما يتمتع فيه المخلوق. " مجموع الفتاوى " (١٠ / ٦٢، ٦٣) . وقال ابن القيم ﵀: والتحقيق أن يقال: الجنَّة ليست اسماً لمجرد الأشجار، والفواكه، والطعام، والشراب، والحور العين، والأنهار، والقصور، وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنَّة، فإنَّ الجنَّة اسم لدار النعيم المطلق الكامل، ومِن أعظم نعيم الجنَّة: التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، وقرة العين بالقرب منه، وبرضوانه، فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبداً، فأيسر يسير من رضوانه: أكبر من الجنان وما فيها من ذلك، كما قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَر) التوبة/ ٧٢، وأتى به مُنَكَّراًَ في سياق الإثبات، أي: أي شيء كان من رضاه عن عبده: فهو أكبر من الجنة. قليل منك يقنعني ... ولكن قليلك لا يقال له قليل وفي الحديث الصحيح حديث الرؤية: (فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه) ، وفي حديث آخر: (أنه سبحانه إذا تجلى لهم ورأوا وجهه عيانا: نسوا ما هم فيه من النعيم وذهلوا عنه ولم يلتفوا إليه) . ولا ريب أن الأمر هكذا، وهو أجل مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال، ولا سيما عند فوز المحبين هناك بمعية المحبة، فإن (المرء مع مَن أحب) ، ولا تخصيص في هذا الحكم، بل هو ثابت، شاهداً، وغائباً، فأي نعيم، وأي لذة، وأي قرة عين، وأي فوز، يداني نعيم تلك المعية، ولذتها، وقرة العين بها، وهل فوق نعيم قرة العين بمعية المحبوب الذي لا شيء أجل منه، ولا أكمل، ولا أجمل قرة عين ألبتة؟ . وهذا - والله - هو العِلم الذي شمَّر إليه المحبون، واللواء الذي أمَّه العارفون، وهو روح مسمَّى الجنَّة وحياتها، وبه طابت الجنة، وعليه قامت. فكيف يقال: " لا يُعبد الله طلباً لجنَّته، ولا خوفاً من ناره "؟! . وكذلك النار أعاذنا الله منها، فإن لأربابها من عذاب الحجاب عن الله، وإهانته، وغضبه، وسخطه، والبُعد عنه: أعظم من التهاب النار في أجسامهم، وأرواحهم، بل التهاب هذه النار في قلوبهم: هو الذي أوجب التهابها في أبدانهم، ومنها سرت إليها. فمطلوب الأنبياء، والمرسلين، والصدِّيقين، والشهداء، والصالحين: هو الجنَّة، ومهربهم: من النار، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل. " مدارج السالكين " (٢ / ٨٠، ٨١) . ٥. مؤدى تلك المقولة الاستخفاف بخلق الجنة، والنار، والله تعالى خلقهما، وأعدَّ كل واحدة منهما لمن يستحقها، وبالجنة رغَّب العابدين لعبادته، وبالنار خوَّف خلقه من معصيته والكفر به. ٦. كان النبي ﷺ يسأل الله الجنَّة، ويستعيذ به من النار، وكان يعلِّم ذلك لأصحابه رضوان الله عليهم، وهكذا توارثه العلماء والعبَّاد، ولم يروا في ذلك نقضاً لمحبتهم لربهم تعالى، ولا نقصاً في منزلة عبادتهم. عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : (اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) . رواه البخاري (٦٠٢٦) . وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ: (مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟) قَالَ: أَتَشَهَّدُ، ثُمَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ، أَمَا وَاللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ، وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ – أي: ابن جبل - قَالَ: (حَوْلَهَا نُدَنْدِن) . رواه أبو داود (٧٩٢) وابن ماجه (٣٨٤٧) ، وصححه الألباني في " صحيح ابن ماجه ". وعَنْ الْبَرَاء بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وَضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ وَقُلْ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ) . رواه البخاري (٥٩٥٢) ومسلم (٢٧١٠) . قال تقي الدِّين السبكي – ﵀: والعاملون على أصناف: صنف عبدوه لذاته، وكونه مستحقّاً لذلك؛ فإنه مستحق لذلك، لو لم يخلق جنَّة ولا ناراً، فهذا معنى قول من قال: " ما عبدناك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنَّتك "، أي: بل عبدناك لاستحقاقك ذلك، ومع هذا فهذا القائل يسأل الله الجنَّة، ويستعيذ به من النار، ويظن بعض الجهلة خلاف ذلك، وهو جهل، فمَن لم يسأل الله الجنَّة والنجاة من النار: فهو مخالف للسنَّة؛ فإن مِن سنَّة النَّبي ﷺ ذلك، ولما قال ذلك القائل للنبي ﷺ : " إنه يسأل الله الجنة، ويستعيذ به من النار "، وقال: " ما أُحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ ": قال النبي ﷺ : (حولها ندندن) . فهذا سيد الأولين والآخرين يقول هذه المقالة، فمن اعتقد خلاف ذلك: فهو جاهل، ختَّال. ومِن آداب أهل السنَّة أربعة أشياء لا بد لهم منها: الاقتداء برسول الله ﷺ ، والافتقار إلى الله تعالى، والاستغاثة بالله، والصبر على ذلك إلى الممات. كذا قال سهل بن عبد الله التستري، وهو كلامٌ حقٌّ. " فتاوى السبكي " (٢ / ٥٦٠) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: كل ما أعده الله لأوليائه: فهو مِن الجنَّة، والنظر إليه هو من الجنة، ولهذا كان أفضل الخلق يسأل الله الجنَّة، ويستعيذ به من النَّار، ولما سألَ بعضَ أصحابه عما يقول في صلاته، قال: " إني أسأل الله الجنَّة، وأعوذ بالله من النَّار، أما إني لا أُحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ "، فقال: (حولها ندندن) . " مجموع الفتاوى " (١٠ / ٢٤١) . ٧. من أراد أن يعبد الله تعالى بالمحبَّة وحدها دون الخوف والرجاء: فدينه في خطر، وهو مبتدع أشد الابتداع، وقد يصل به الحال أن يخرج من ملَّة الإسلام، وبعض كبار الزنادقة يقول: إننا نعبد الله محبة له، ولو كان مصيرنا الخلود في النار!! ، ويعتقد بعضهم أنه بالمحبة فقط ينال رضا الله ورضوانه، وهو يشابه بذلك عقيدة اليهود والنصارى، حيث قال تعالى عنهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) المائدة/ ١٨. قال تقي الدين السبكي – ﵀: وأما هذا الشخص الذي جرد وصف المحبة، وعبد الله بها وحدها: فقد ربا بجهله على هذا، واعتقد أن له منزلة عند الله رفَعته عن حضيض العبودية، وضآلتها، وحقارة نفسه الخسيسة، وذلتها، إلى أوج المحبة، كأنه آمِنٌ على نفسه، وآخذٌ عهداً من ربِّه أنَّه من المقربين، فضلاً عن أصحاب اليمين، كلا بل هو في أسفل السافلين. فالواجب على العبد: سلوك الأدب مع الله، وتضاؤله بين يديه، واحتقاره نفسه، واستصغاره إياها، والخوف من عذاب الله، وعدم الأمن من مكر الله، ورجاء فضل الله، واستعانته به، واستعانته على نفسه، ويقول بعد اجتهاده في العبادة: " ما عبدناك حق عبادتك "، ويعترف بالتقصير، ويستغفر عقيب الصلوات، إشارة إلى ما حصل منه من التقصير في العبادة، وفي الأسحار، إشارة إلى ما حصل منه من التقصير، وقد قام طول الليل، فكيف من لم يقم؟! . " فتاوى السبكي " (٢ / ٥٦٠) . وقال القرطبي – ﵀: (وادعوه خوفاً وطمعاً) أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب، وتخوف، وتأميل لله ، حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر، يحملانه في طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما: هلك الإنسان، قال الله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) الحِجر/ ٤٩، ٥٠. " تفسير القرطبي " (٧ / ٢٢٧) . فأنت ترى أخي السائل أنه يجب عليك أن تسير في عبادتك على ما سار عليه الأنبياء والصالحون من قبلك، فتؤدي ما أمرك الله به من عبادات على الوجه الذي يحبه الله، وتقصد بذلك التقرب إليه، والرجاء بالثواب الذي أعدَّه للعابدين، والخوف من سخطه وعذابه إن حصل تقصير في الطاعات أو ترك لها، ومن زعم أنه يحب ربه تعالى فليريه منه طاعته لنبيه ﷺ ، كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) آل عمران/ ٣١. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 689

أنواع التوسل [السُّؤَالُ] ـ[ما هي أنواع التوسل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله التوسل والوسيلة يراد به أحد أمور أربعة: أحدها: لايتم الإيمان إلا به، وهو التوسل إلى الله بالإيمان به وبرسوله وطاعته وطاعة رسوله، وهذا هو المراد بقوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه وسيلة) سورة المائدة ٣٥ [ويدخل في هذا؛ التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته والتوسّل إليه بطاعات عملها المتوسّل يسأل الله بها ونحو ذلك] والثاني: التوسل إلى الله بطلب دعاء الرسول ﷺ في حياته وطلب المؤمنين بعضهم بعضاً أن يدعو لهم؛ فهذا تابع للأول ومرغب فيه. الثالث:التوسل بجاه المخلوق وذواتهم، مثل قوله: اللهم! إني أتوجه إليك بجاه نبيك أو نحوه؛ فهذا قد أجازه بعض العلماء، ولكنه ضعيف، والصواب الجزم بتحريمه؛ لأنه لا يتوسل إلى الله في الدعاء إلا بأسمائه وصفاته. الرابع: التوسل في عرف كثير من المتأخرين، وهو دعاء النبي ﷺ والاستغاثة به (والاستغاثة بالأموات والأولياء) ؛ فهذا من الشرك الأكبر؛ لأن الدعاء والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله عبادة، فتوجيهها لغير الله شرك أكبر. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 690

الدعاء أثناء الوضوء بجاه النبي ﷺ [السُّؤَالُ] ـ[عندي عادة لا أدري أهي سيئة أم حسنة: مثلا عند غسل رجلي في الوضوء أدعو ربي أن يثبت رجلي على الصراط بجاه النبي ﵊. وكذلك في الصلاة مثلا: رب اغفر لي وارحمني وسامحني بجاه نبيك ﵊. فهل مثل هذا الدعاء يجوز أم لا؟ مع العلم أني اعتَدْتُ على الدعاء بهذه الصفة اعتقادا مني أن الله لا يرد الدعاء لمن توسل إليه بحبيبه ﵊.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله دعاء الله تعالى أن يثبت رجل عبده على الصراط، دعاء حسن لا بأس به، نسأل الله تعالى أن يثبت أقدمنا جميعاً. ولكن دخل الخطأ في هذا الدعاء من وجهين: الأول: اعتيادك هذا الدعاء عند غسل الرجلين في الوضوء. فإنك تعلم – أخي السائل – أن الوضوء عبادة، وأن المسلم ليس له أن يغيِّر صفة العبادة أو يزيد عليها، أو ينقص منها. بل كمال الاتباع للنبي ﷺ أن نفعل كما فعل، من غير زيادة ولا نقصان. قال ابن تيمية ﵀ "مجموع الفتاوى" (٢٢/٥١٠) : " وليس لأحد أن يسن للناس نوعا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به " انتهى. ولم يكن من هدي النبي ﷺ الدعاء عند غسل أعضاء الوضوء، وقد ورد في ذلك حديث، غير أنه لا يصح عن النبي ﷺ . قال الحافظ ابن الصلاح: " لم يصح فيه حديث " انتهى. كذا نقله الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/٢٩٧) . وقال ابن القيم في "المنار المنيف" (٤٥) : " وأما الحديث الموضوع في الذكر على كل عضو فباطل " انتهى. وقال النووي عن دعاء الأعضاء في الوضوء: دعاء الأعضاء لا أصل له" "الفتوحات الربانية" (٢/٢٧-٢٩) وفي "فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم" (٢/٤٩) : " بعض الناس يرى أَن لكل عضو ذكرًا يخصه، ويروى في ذلك شيء من الأَحاديث، لكنها لا تصح أَبدًا، بل هي باطلة " انتهى. وجاء في " دروس للشيخ عبد العزيز بن باز" (درس رقم/١٣ ش٢) : " هذه كلها لا أصل لها، ولم يُحفظ فيها شيء عن النبي ﵊، فلا تستحب هذه الدعوات عند هذه الأعضاء، وإنما المستحب شيئان: أولاً: عند البدء بالتسمية. ثانياً: بعد الفراغ بالشهادة. هذا هو المشروع في الوضوء " انتهى. ولا يقال: إن الحديث الضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال. لأن هذه القاعدة ليس متفقاً عليها، وهناك من ينازع فيها. ثم إن شرط العمل بالضعيف أن لا يكون شديد الضعف، وهذا الشرط مفقود هنا. كما حققه ابن علان في " الفتوحات الربانية " (٢/٢٩) . وقد كتب السيوطي ﵀ في هذه المسألة رسالة أسماها "الإغضاء عن دعاء الأعضاء" بَيَّن فيها شدة ضعف ما ورد في ذلك وعدم صلاحيته للعمل به ولو في فضائل الأعمال. وانظر جواب السؤال رقم (٤٥٧٣٠) . وأما الخطأ الثاني فهو قولك في الدعاء (بجاه النبي ﷺ . ولا شك أن جاه النبي ﷺ عظيم، ولكن الله تعالى لم يجعل التوسل إليه بذلك من أسباب إجابة الدعاء. ولم يرشدنا الرسول ﷺ – وهو الذي لم يترك خيراً إلا دلنا عليه – لم يرشدنا إلى التوسل إلى الله بذلك. فعُلِم من ذلك أن هذا الدعاء ليس مشروعاً. وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٢٣٢٦٥) فاحرص يا أخي على اتباع سنة النبي ﷺ ، وعدم الزيادة عليها أو النقص منها، وابتعد عن الأمور المحدثة في الدين، كما أوصنا بذلك الرسول ﷺ في قوله: (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) رواه أبو داود (٤٦٠٧) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 691

الباعث الأول على الطاعة الحب والإجلال [السُّؤَالُ] ـ[أعبد الله ولا أرتكب المعاصي حبّاً فيه واستحياءً منه واحتراماً لجلاله، وليس طمعاً في الجنة أو خوفا من النار، هذا هو سؤالي، هل أنا على حق؟ إذا سألني أحد لماذا لا تزني، أرد عليه وأقول أستحيي من ربي، ولا أقول أخاف من النار؛ لأني أعتقد أن الاحترام أصدق من الخوف، أفيدوني لو سمحتم في أقرب وقت على عنواني الخاص.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ربنا ﵎ هو الله الذي لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو الذي له الألوهية المطلقة، يستحق العبادة والمحبة لكمال ذاته وعظيم صفاته، تألهه قلوب العابدين لجلاله وكماله، ويعبده كل ما دونه لاستحقاقه صفات الحمد والتأله، هذا هو معنى ألوهيته الذي علمه سبحانه لأنبيائه ورسله، وهذا ما ينبغي أن يعيه كل من شهد أنه لا إله إلا هو سبحانه. يقول الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الأنبياء/٢٥. ويقول : (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْري) طه/١٣-١٤. فقد رتب العبادة على تفرده سبحانه بالألوهية، واستحقاقه أن يحمد ويعبد لكمال ذاته وعظيم صفاته. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الله سبحانه يستحق لذاته أن يحب ويعبد، وأن يحب لأجله رسوله، والقلوب فيها معنى يقتضي حبه وطاعته، كما فيها معنى يقتضي العلم والتصديق به. " مجموع الفتاوى " (٧ / ٥٤١) . وقال ﵀: فقوله: (لا إله إلا أنت) فيه إثبات انفراده بالإلهية، والإلهية تتضمن كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته، ففيها إثبات إحسانه إلى العباد، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، والعبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل. " مجموع الفتاوى " (١٠ / ٢٤٩) . ومن هنا ندرك أنه ينبغي أن يكون الباعث الأول على العبادة هو ما لله سبحانه من الجلال والعظمة والكمال، وما تفرد به سبحانه من صفات الألوهية والربوبية، ثم الباعث الثاني إنعام الله على عباده، وإحسانه إليهم، فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أصل المحبة هو معرفة الله ، ولها أصلان: أحدهما: وهو الذي يقال له (محبة العامة) لأجل إحسانه إلى عباده، وهذه المحبة على هذا الأصل لا ينكرها أحد، فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، والله سبحانه هو المنعم المحسن إلى عبده بالحقيقة، فإنه المتفضل بجميع النعم وإن جرت بواسطة، إذ هو مُيَسِّرُ الوسائط، ومسبب الأسباب، ولكن هذه المحبة فى الحقيقة إذا لم تجذب القلب إلى محبة الله نفسه فما أحبَّ العبدُ في الحقيقة إلا نفسَه، وكذلك كل من أحب شيئا لأجل إحسانه إليه، فما أحب فى الحقيقة إلا نفسه، وهذا ليس بمذموم بل محمود، والمقتصر على هذه المحبة هو لم يعرف من جهة الله ما يستوجب أنه يحبه إلا إحسانه إليه. الأصل الثانى فيه: هو محبته لما هو له أهل، وهذا حب من عرف من الله ما يستحق أن يحب لأجله، وما من وجه من الوجوه التى يعرف الله بها مما دلت عليه أسماؤه وصفاته إلا وهو يستحق المحبة الكاملة من ذلك الوجه، حتى جميع مفعولاته، إذ كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، ولهذا استحق أن يكون محمودا على كل حال، ويستحق أن يحمد على السراء والضراء، وهذا أعلى وأكمل، وهذا حب الخاصة، وهؤلاء هم الذين يطلبون لذة النظر إلى وجهه الكريم، ويتلذذون بذكره ومناجاته، ويكون لهم أعظم من الماء للسمك، حتى لو انقطعوا عن ذلك لوجدوا من الألم ما لا يطيقون، وهم السابقون. كما فى صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ فَقَالَ سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ قَالُوا وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ) . وفى رواية أخرى: (قَالُوا وَمَا الْمُفْرِدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمُسْتَهْتَرُونَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ، يَضَعُ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ، فَيَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِفَافًا) رواه الترمذي وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ". " مجموع الفتاوى " (١٠ / ٨٤) . ثانياً: ومن أحب الله لكماله وجلاله واستحقاقه المحبة والتأله والتعبد لا شك أنه يحب قربَه سبحانه، ويتشوف إلى النظر إليه، ويتشوق إلى لقائه، يسعى للحصول على رضاه، ويرجو أن ينال محبته وكرمه ويكون عنده من المقربين. وذلك كله لا يكون إلا بدخول الجنة التي هي محل رضوان الله، وفيها ينظر أهلها إلى وجه الله، وتمتلئ قلوبهم بمحبة معبودهم وإلههم الذي تنفطر القلوب شوقا إليه وإجلالا له، كما يكون فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. هذه هي الجنة التي طمَّعنا الله فيها، وطَمِعَ بها الأنبياء والصالحون والأولياء، كي يكونوا فيها بجوار الكريم سبحانه، ويتنعمون فيها برضوانه والقرب منه، فذلك أكبر لذات الجنة. يقول : (وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة/٧٢. وبهذا نعلم أن ليس ثمة تعارض بين عبادة الله محبة له وإجلالا، وبين سؤال الجنة وطلبها والشوق إليها والحرص على المسابقة إليها، وكذا الاستعاذة من النار والخوف منها، فإن العبد الذي يحب الله لذاته إذا استحضر أن الجنة دار رضوان الله ودار كرامته، وأنه سيجد فيها من قرب الله ما يزيد محبته وأنسه وشوقه: فلا شك أنه سيعمل لدخولها، ويسعى للدرجات العلى منها، ويحتسب طاعاته في الدنيا وسائلَ تقربه إليها وتبعده عن النار التي هي دار المهانة والبعد والغضب والعذاب. ثالثا: وأنتِ - أختنا الفاضلة - إذا تصورتِ معي ما سبق علمت خطأك حين ظننت أن الطمع في الجنة والخوف من النار يتعارض مع محبة الله إجلالا وتعظيما؛ لأن محبة الله تعني الشوق إليه، والرغبة في القرب منه، والسعي إلى رضوانه وتجنب سخطه؛ ولأن المحب يشتاق إلى محبوبه، وعذابه في البعد عنه، فكيف بسخطه عليه. ولكن لما توهم كثير من الناس أن نعيم الجنة إنما هو طعام وشراب وحور عين ونحوها من اللذات الحسية قامت في أذهانهم تلك المعارضة بين محبة الله وعبادته وبين سؤال الجنة والاستعاذة من النار. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومن هنا يتبين زوال الاشتباه فى قول من قال: ما عبدتك شوقاً إلى جنَّتك ولا خوفاً من نارك، وإنما عبدتك شوقاً إلى رؤيتك. فإن هذا القائل ظنَّ هو ومن تابعه أن الجنة لا يدخل فى مسماها إلا الأكل والشرب واللباس والنكاح ونحو ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات، ولهذا قال بعض من غلط من المشائخ لما سمع قوله: (مِنْكُم مَنْ يُريدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ) قال: فأين من يريد الله؟! وقال آخر فى قوله تعالى: (إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤمِنينَ أنْفُسَهُم وَأَمْوَالُهُم بِأَنَّ لَهُم الجَنَّةَ) قال: إذا كانت النفوس والأموال بالجنة فأين النظر إليه؟! . وكل هذا لظنِّهم أنَّ الجنَّة لا يدخل فيها النظر، والتحقيق أن الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم، وأعلى ما فيها النظر إلى وجه الله، وهو من النعيم الذى ينالونه فى الجنة كما أخبرت به النصوص، وكذلك أهل النار، فإنهم محجوبون عن ربهم يدخلون النار، مع أن قائل هذا القول إذا كان عارفاً بما يقول فإنما قصده أنك لو لم تخلق ناراً، أو لو لم تخلق جنَّة لكان يجب أن تعبد، ويجب التقرب إليك، والنظر إليك، ومقصوده بالجنة هنا ما يتمتع فيه المخلوق. " مجموع الفتاوى " (١٠ / ٦٢، ٦٣) . ويقول ابن القيم ﵀: والتحقيق أن يقال: الجنة ليست اسماً لمجرد الأشجار والفواكه والطعام والشراب والحور العين والأنهار والقصور، وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنة، فإن الجنة اسم لدار النعيم المطلق الكامل، ومن أعظم نعيم الجنة: التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، وقرة العين بالقرب منه وبرضوانه، فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبدا، فأيسر يسير من رضوانه: أكبر من الجنان وما فيها من ذلك، كما قال تعالى: (ورضوان من الله أكبر) التوبة/٧٢، وأتى به مُنَكَّرًا في سياق الإثبات، أي أي شيء كان من رضاه عن عبده: فهو أكبر من الجنة. قليل منك يقنعني ... ولكن قليلك لا يقال له قليل وفي الحديث الصحيح حديث الرؤية: (فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه) وفي حديث آخر: (أنه سبحانه إذا تجلى لهم ورأوا وجهه عيانا: نسوا ما هم فيه من النعيم وذهلوا عنه ولم يلتفوا إليه) . ولا ريب أن الأمر هكذا، وهو أجل مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال، ولا سيما عند فوز المحبين هناك بمعية المحبة، فإن المرء مع من أحب، ولا تخصيص في هذا الحكم بل هو ثابت شاهدا وغائبا، فأي نعيم وأي لذة وأي قرة عين وأي فوز يداني نعيم تلك المعية ولذتها وقرة العين بها، وهل فوق نعيم قرة العين بمعية المحبوب الذي لا شيء أجل منه ولا أكمل ولا أجمل قرة عين ألبتة؟ . وهذا - والله - هو العلَم الذي شمر إليه المحبون، واللواء الذي أمه العارفون، وهو روح مسمى الجنة وحياتها، وبه طابت الجنة وعليه قامت. فكيف يقال: " لا يعبد الله طلباً لجنته ولا خوفاً من ناره "؟! . وكذلك النار أعاذنا الله منها، فإن لأربابها من عذاب الحجاب عن الله وإهانته وغضبه وسخطه والبعد عنه: أعظم من التهاب النار في أجسامهم وأرواحهم، بل التهاب هذه النار في قلوبهم: هو الذي أوجب التهابها في أبدانهم، ومنها سرت إليها. فمطلوب الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين: هو الجنة، ومهربهم: من النار. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل. " مدارج السالكين " (٢ / ٨٠، ٨١) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 692

معنى العبودية في الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[أرجو توضيح معنى العبودية في الإسلام (العبودية لله والعبودية للناس) .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله عبودية المسلم لله هي التي أمر بها سبحانه في كتابه وأرسل الرسل لأجلها كما قال تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) النحل - ٣٦ والعبودية في اللغة مأخوذة من التعبيد تقول عبّدت الطريق أي ذللته وسهلته، وعبودية العبد لله لها معنيان عام وخاص، فإن أريد المُعبّد أي المذلل والمسخر فهو المعنى العام ويدخل فيه جميع المخلوقات من جميع العالم العلوي والسفلي من عاقل وغيره ومن رطب ويابس ومتحرك وساكن وكافر ومؤمن وبَرٍّ وفاجر فالكل مخلوق لله مسخر بتسخيره مدبر بتدبيره ولكل منهم حدٌّ يقف عنده. وإن أريد بالعبد العابد لله المُطيع لأمره كان ذلك مخصوصا بالمؤمنين دون الكافرين لأن المؤمنين هم عباد الله حقا الذين أفردوه بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ولم يشركوا به شيئاً. كما قال تعالى في قصّة إبليس: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ. سورة الحجر أما العبادة التي أمر الله بها فهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة والبراءة مما ينافي ذلك فيدخل في هذا التعريف الشهادتان والصلاة والحج والصيام والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله والملائكة والرسل واليوم الآخر وقوام هذه العبادة الإخلاص بأن يكون قصد العابد وجه الله والدار الآخرة قال تعالى ﴿ويتجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى) الليل ١٧-٢١. فلا بد من الإخلاص ثم لا بد من الصدق: بأن يبذل المؤمن جهده في امتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه والاستعداد للقاء الله تعالى وترك العجز والكسل وإمساك النفس عن الهوى كما قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ التوبة ١١٩. ثم لا بد من متابعة الرسول ﷺ فيعبد العابد الله تعالى بوفق ما شَرَع لا بحسب ما يهوى المخلوق ويبتدع وهذا هو المقصود باتّباع النبي المرسل من عند الله محمد ﷺ فلا بد من الإخلاص والصدق والمتابعة فإذا عُرفت هذه الأمور تبين لنا أن كل ما يضاد هذه التعاريف فهو من العبودية للناس فالرياء هو عبودية للناس والشرك هو عبودية للناس وترك الأوامر واسخاط الرب مقابل رضى الناس عبودية للناس وكلّ من قدّم طاعة هواه على طاعة ربه فقد خرج عن مقتضى العبودية وخالف المنهج المستقيم ولذلك قال النبي ﷺ تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم وتعس عبد الخميصة وتعس عبد الخميلة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش. والعبودية لله تجمع وتتضمن المحبة والخوف والرجاء فالعبد يحبّ ربّه ويخاف عقابه ويرجو رحمته وثوابه فهذه أركانه الثلاثة التي لا تقوم إلا بها. والعبودية لله شرف وليست مذلّة كما قال الشاعر: ومما زادني شرفا وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيّرت أحمد لي نبيا نسأل الله أن يجعلنا من عباده الصالحين وصلى الله على نبينا محمد. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 693

أول واجب على الخلق [السُّؤَالُ] ـ[ما هو أول واجب على الخلق؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أول واجب على الخلق هو أول ما يدعى الخلق إليه وقد بينه النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه لليمن فقال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله , وأن محمداً رسول الله) . فهذا أول واجب على العباد أن يوحدوا الله , وأن يشهدوا لرسوله ﷺ بالرسالة. وبتوحيد الله والشهادة لرسوله ﷺ يتحقق الإخلاص , والمتابعة اللذان هما شرط لقبول كل عبادة. [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ج/١ ص ٨٤.

стр. 694

حكم سؤال الله بجاه الصالحين ومكانتهم عنده [السُّؤَالُ] ـ[هل الأموات الصالحون ربنا يكرم بهم العبد الحي إذا سألنا الله بصلاح الشيخ فلان وبفضله عندك وبعبادته لك أن تفرج يا الله كربتي ونحن نعلم أن الفائدة من الله؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا شك أن الدعاء هو من أعظم العبادات الشرعية التي يتقرب بها العبد لربه ، ولا شك أيضاً أنه لا يجوز لأحد من العباد أن يعبد الله إلا بما شرعه على لسان رسوله ﷺ لما روى البخاري (٢٤٩٩) ومسلم (٣٢٤٢) من حديث عائشة ﵂ قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ " وفي لفظ لمسلم (٣٢٤٣) :" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " وبهذا يعلم أن التوجه إلى الله تعالى والتوسل إليه بما لم يرد عن نبيه ﷺ لا قولاً ولا فعلاً، وبما لم يفعله أصحابه الكرام الذين كانوا أحرص الناس على الخير وأسبقهم إليه؛ بدعة منكرة ينبغي للعبد الذي يحب ربه، ويتابع رسوله ﷺ ألا يقدم عليها ولا يتعبد بها. فإذا نظرنا إلى ما ذكرته ـ أيها السائل ـ من التوسل إلى الله بمكانة الصالحين، وعبادتهم وجاههم عند الله؛ وجدنا أنه أمر مُحْدَثٌ لم يَرِدْ عنه ﷺ ، ولا ورد عن صحابته الكرام أنهم توسلوا يوماً ما بجاهه ومكانته عند ربه لا في حياته ولا بعد مماته بل كانوا في حياته يتوسلون إلى الله بدعائه لهم، فلما توفي ﵊ توسلوا إلى الله بدعاء الصالحين من الأحياء وتركوا التوسل بجاهه؛ مما يدل بجلاء على أن التوسل بذاته وجاهه لو كان خيراً مشروعا لسبقونا إليه، ومن ذا يزعم أنه أحرص من عمر بن الخطاب ﵁ على الخير، وهاهو يُعرِض عن التوسل إلى الله بجاه نبيه ﷺ ليتوسل إليه بدعاء عم نبيه، والصحابة الكرام يشهدون ذلك منه دون نكير أو مخالفة؛ كما في صحيح البخاري (٩٥٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ:" اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا قَالَ فَيُسْقَوْنَ " ومعنى توسلهم بالنبي ﷺ أو بالعباس هو: التوسل بدعائه بدلالة مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الحديث ,َ عن أَنَس قَالَ " كَانُوا إِذَا قَحَطُوا عَلَى عَهْد النَّبِيّ ﷺ اِسْتَسْقَوْا بِهِ , فَيَسْتَسْقِي لَهُمْ فَيُسْقَوْنَ فَلَمَّا كَانَ فِي إِمَارَة عُمَر " فَذَكَرَ الْحَدِيث أخرجه الإسماعيلي في مستخرجه على الصحيح. وجاء عند عَبْد الرَّزَّاق مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس " أَنَّ عُمَر اِسْتَسْقَى بِالْمُصَلَّى , فَقَالَ لِلْعَبَّاسِ: قُمْ فَاسْتَسْقِ , فَقَامَ الْعَبَّاس " فَذَكَرَ الْحَدِيث. نقله الحافظ في الفتح وسكت عليه. فتبين بهذا أن التوسل الذي قصده عمر ﵁ إنما هو التوسل بدعاء الرجل الصالح وهو توسل صحيح مشروع دلت عليه الأدلة الكثيرة وهو المعروف من حال الصحابة الكرام ﵃ فإنهم كانوا إذا أقحطوا واحتبس عنهم المطر طلبوا من الرسول ﷺ أن يدعو لهم فيدعو فيسقون، والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة. جاء في فتاوى اللجنة الدائمة (١/١٥٣) " الدعاء بجاه رسول الله أو بجاه فلان من الصحابة أو غيرهم أو بحياته لا يجوز، لأن العبادات توقيفية، ولم يشرع الله ذلك، وإنما شرع لعباده التوسل إليه سبحانه بأسمائه وصفاته وبتوحيده والإيمان به وبالأعمال الصالحات، وليس بجاه فلان وفلان وحياته من ذلك، فوجب على المكلفين الاقتصار على ما شرع الله سبحانه، وبذلك يُعلم أن التوسل بجاه فلان وحياته وحقه من البدع المحدثة في الدين " اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:" ليس لأحد أن يُدِلَّ على الله بصلاح سلفه، فإنه ليس صلاحهم من عمله الذي يستحق به الجزاء كأهل الغار الثلاثة فإنهم لم يتوسلوا إلى الله بصلاح سلفهم وإنما توسلوا إلى الله بأعمالهم ا. هـ. نسأل الله أن يثبتنا على دينه وشرعه حتى نلقاه.. آمين. والله أعلم. انظر (التوسل أنواعه وأحكامه للشيخ الألباني ص٥٥ وما بعدها، وفتاوى اللجنة الدائمة ١/ ١٥٣) ، والتوصل إلى حقيقة التوسل للشيخ محمد نسيب الرفاعي ص ١٨٠) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 695

وجوب تكسير الأصنام [السُّؤَالُ] ـ[هل يجب تكسير التماثيل في الإسلام، ولو كانت من التراث الإنساني والحضاري؟ ولماذا لما فتح الصحابة البلاد ورأوا فيها التماثيل لم يكسروها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله دلت الأدلة الشرعية على وجوب هدم الأصنام، ومن ذلك: ١- ما رواه مسلم (٩٦٩) عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : " أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبراً مشرفا إلا سويته ". ٢- وما رواه مسلم (٨٣٢) عن عمرو بن عبسة أنه قال للنبي ﷺ : وبأي شيء أرسلك؟ قال: " أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء ". ويتأكد وجوب هدمها إذا كانت تعبد من دون الله: ٣- روى البخاري (٣٠٢٠) ومسلم (٢٤٧٦) عن جرير بن عبد الله البجلي قال قال لي رسول الله ﷺ يا جرير ألا تريحني من ذي الخلصة بيت لخثعم كان يدعى كعبة اليمانية قال فنفرت في خمسين ومائة فارس وكنت لا أثبت على الخيل فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فضرب يده في صدري فقال اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا قال فانطلقَ فحرَّقها بالنار ثم بعث جرير إلى رسول الله ﷺ رجلا يبشره يكنى أبا أرطاة منا فأتى رسول الله ﷺ فقال له ما جئتك حتى تركناها كأنها جمل أجرب فبرك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات ". قال الحافظ ابن حجر: وَفِي الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة إِزَالَة مَا يُفْتَتَن بِهِ النَّاس مِنْ بِنَاء وَغَيْره سَوَاء كَانَ إِنْسَانًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ جَمَادًا اهـ. ٤- وأرسل النبي ﷺ خالد بن الوليد ﵁ في سرية لهدم العزى. ٥- وأرسل سعد بن زيد الأشهلي ﵁ في سرية لهدم مناة. ٦- وأرسل عمرو بن العاص ﵁ في سرية لهدم سواع. وذلك كله بعد فتح مكة. [البداية والهاية ٤/٧١٢، ٧٧٦، ٥/٨٣، السيرة النبوية للدكتور علي الصلابي ٢/١١٨٦] . قال النووي في "شرح مسلم" في كلام له على التصوير: وَأَجْمَعُوا عَلَى مَنْع مَا كَانَ لَهُ ظِلّ , وَوُجُوب تَغْيِيره اهـ. والذي له ظل من الصور هو الصور المجسمة كهذه التماثيل. وأما ما يقال في ترك الصحابة ﵃ للأصنام في البلاد المفتوحة، فهذا من الظنون والأوهام، فما كان لأصحاب النبي ﷺ أن يدعوا الأصنام والأوثان، لاسيما مع كونها معبودة في ذلك الزمن. فإن قيل: فهذه الأصنام القديمة للفراعنة والفينيقيين وغيرهم، كيف تركها الصحابة الفاتحون؟ فالجواب: أن هذه الأصنام لا تخرج عن ثلاثة وجوه: الأول: أن تكون تلك الأصنام في أماكن نائية لم يصل إليها الصحابة، فإن فتح الصحابة لمصر مثلاً لا يعني وصولهم إلى كل أرض فيها. الثاني: أن تكون تلك الأصنام غير ظاهرة، بل داخل منازل الفراعنة وغيرهم، وقد كان هدي النبي ﷺ الإسراع عند المرور على ديار الظلمة والمعذبين، بل جاء نهيه عن دخول تلك الأماكن. ففي الصحيحين: " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم " قال ذلك ﷺ عند مروره على أصحاب الحجر، في ديار ثمود قوم صالح ﵇. وفي رواية في الصحيحين أيضاً: " فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم ". والظن بأصحاب النبي ﷺ أنهم إن رأوا معبداً أو منزلاً لهؤلاء أن لا يدخلوه، وأن لا يطلعوا على ما فيه. وهذا مما يزيل الإشكال حول عدم تعرض الصحابة للأهرام وما فيها، مع احتمال كون أبوابها ومداخلها مطمورة بالرمال في ذلك الوقت. الثالث: أن كثيراً من هذه الأصنام الظاهرة اليوم كان مغموراً مطموراً، أو اكتشف حديثاً، أو جيء به من أماكن نائية لم يصل إليها أصحاب النبي ﷺ . فقد سئل الزركلي عن الأهرام وأبي الهول ونحوها: هل رآها الصحابة الذين دخلوا مصر؟ فقال: كان أكثرها مغموراً بالرمال، ولاسيما أبا الهول. (شبه جزيرة العرب ٤/١١٨٨) . ثم بقال لو قدر وجود تمثال ظاهر غير مطمور، فلا بد من ثبوت أن الصحابة رأوه، وأنهم كانوا قادرين على هدمه. والواقع يشهد أن بعض هذه التماثيل يعجز الصحابة ﵃ عن هدمه، فقد استغرق هدم بعض هذه التماثيل عشرين يوماً، مع وجود الآلات والأدوات والمتفجرات والإمكانيات التي لم تتوفر للصحابة قطعاً. ومما يدل على ذلك ما ذكره ابن خلدون في (المقدمة ص ٣٨٣) أن الخليفة الرشيد عزم على هدم إيوان كسرى، فشرع في ذلك وجمع الأيدي، واتخذ الفؤوس، وحَمَّاه بالنار، وصب عليه الخل، حتى أدركه العجز وأن الخليفة المأمون أراد أن يهدم الأهرام في مصر فجمع الفعلة ولم يقدر. وأما التعلل بكون هذه التماثيل من التراث الإنساني، فهذا كلام لا يلتفت إليه، فإن اللات والعزى وهبل ومناة وغيرها من الأصنام كانت تراثاً لمن يعدها في قريش والجزيرة. وهو تراث، لكنه تراث محرم يجب إزالته، وإذا جاء أمر الله ورسوله فالمؤمن يبادر إلى الامتثال ولا يرد أمر الله ورسوله بمثل هذه الحجج الواهية، قال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) النور / ٥١ ونسأل الله أن يوفق جميع المسلمين لما يحبه ويرضاه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 696

رب العالمين [السُّؤَالُ] ـ[من هو رب العالمين؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الله وحده هو الرب الخالق الرازق.. المالك المتصرف.. العليم الحكيم.. الحي القيوم.. السميع البصير.. اللطيف الخبير.. الرحمن الرحيم.. الحليم الغفور.. العزيز الجبار.. العفو الكريم.. القوي القادر.. البارئ المصور.. - له ملك السماوات والأرض بيده الخير وهو على كل شيء قدير. - لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى والصفات العلى.. (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى) طه / ٨. - يفعل ما يشاء.. ويحكم ما يريد.. (وربك يخلق ما يشاء ويختار) القصص ٦٨ /. - مالك الملك.. يعز من يشاء.. ويذل من يشاء.. (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) .آل عمران/٢٦. - هو يحيي ويميت، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.. (والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير) آل عمران/١٥٦. - له الخلق والأمر وحده.. (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) الأعراف/ ٥٤. - هو الأول فليس قبله شيء.. والآخر فليس بعده شيء.. والظاهر فليس فوقه شيء.. والباطن فليس دونه شيء.. (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم) الحديد /٣. - خالق كل شيء وهو بكل شيء عليم.. (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على شيء وكيل) الأنعام /١٠٢. - لطيف عظيم محيط بكل شيء.. (وكان الله بكل شيء محيطاً) النساء / ١٢٦. - حي قيوم.. له ما في السماوات وما في الأرض.. لا يخفى عليه شيء.. ولا يعجزه شيء.. ولا يحيط به شيء.. (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم) البقرة /٢٥٥. - علم كل شيء وأحصاه.. (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) يس / ١٢. - جواد كريم.. الرزق كله منه.. (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) هود/ ٦ - نعمه لا تعد ولا تحصى.. (وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) إبراهيم / ٣٤. - وخزائنه ملأت الأرض والسماء.. (ولله خزائن السماوات والأرض) المنافقون /٧. - غني حميد يعطي العباد ولا تنقضي خزائنه.. (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) فاطر / ١٥. - عفو غفور يرحم عباده ويتجاوز عن سيئاتهم.. (إن الله لعفو غفور) الحج / ٦٠. - عالم الغيب والشهادة.. عزيز في ملكه.. حكيم في تدبيره.. (عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم) التغابن / ١٨. - يعلم السر والجهر وما يخفى.. (وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) الأنعام / ٣. - لطيف خبير.. (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) الأنعام / ١٠٣. - واحد في ذاته وصفاته وأفعاله ٠٠ (قل هو الله أحد - الله الصمد - لم يلد ولم يولد - ولم يكن له كفواً أحد) الإخلاص / ١-٤. - سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى لا شريك له.. (ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون) الزمر/ ٦. - ومن هذا ملكه.. وهذه صفاته.. وهذا خلقه.. وهذه نعمه.. هو الذي يستحق الحمد والشكر.. وإخلاص العبادة له دون سواه.. (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون) يونس / ٣. - خلق فسوى.. وقدر فهدى.. ورزق فأغنى.. (الله الذي جعل لكم الأرض قرارًا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين) غافر / ٦٤. - اللهم لك الحمد على الملك العظيم.. (الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض) سبأ / ١. - اللهم لك الحمد على الخلق العظيم.. (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض) الأنعام / ١. -اللهم لك الحمد هديتنا للإسلام.. وأنزلت علينا القرآن.. ورزقتنا من الطيبات.. وجعلتنا خير الأمم.. وأكرمتنا بوافر النعم.. لا إله إلا أنت.. لك الملك.. ولك الخلق والأمر.. ولك الفضل كله.. ولك الحمد كله.. (الحمد لله رب العالمين - الرحمن الرحيم - مالك يوم الدين - إياك نعبد وإياك نستعين) . الفاتحة /٢- ٥. [الْمَصْدَرُ] من كتاب أصول الدين الإسلامي: تأليف الشيخ محمد بن إبراهيم التويجري.

стр. 697

حديث توسل آدم بالنبي وتفسير: (وابتغوا إليه الوسيلة) [السُّؤَالُ] ـ[أرجو تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) المائدة/٣٥، وذلك ردّاً على الصوفية في التوسل، حيث إن بعضهم فسرها بجواز التوسل بالأنبياء والأولياء، أما بالنسبة لحديث آدم لما اقترف الخطيئة فيقولون: إن البيهقي صحح الحديث، وإن الذهبي أثنى على هذا الكتاب.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: حديث اقتراف آدم للخطيئة وتوسله بالنبي ﷺ حديث موضوع مكذوب على النبي ﷺ وعلى آدم ﵇. وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٣٤٧١٥) ونقلنا عن أهل العلم تبيينهم لكذبه، ومن هؤلاء العلماء الإمام الذهبي ﵀. والبيهقي ﵀ لم يرو الحديث في سننه، بل رواه في "دلائل النبوة" (٥/٤٨٩) وضعَّفه، فقد قال بعد سياقه للحديث: " تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف ". ومما يرجح نكارة المتن وبطلانه: أن الدعاء الذي قبِل الله به توبة آدم هو ما قاله الله في سورة الأعراف: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الأعراف/٢٣، فهذا هو الدعاء الذي دعا به آدم وحواء، وفيه دعاء الله تعالى وحده، والتوسل بأسمائه وصفاته، والتوسل بذكر حالهم، وهي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه ثم قالها فتاب الله تعالى عليه، كما قال تعالى: (فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة/٣٧. ثانياً: أما تفسير لفظ " الوسيلة " في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة/٣٥: فهي الطريق الموصلة إلى الله تعالى، ولا طريق موصلة إليه إلا الطريق التي يحبها الله ويرضى عنها، وتكون بطاعته وترك معصيته. قال ابن كثير ﵀: " يقول تعال آمراً عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته كان المراد بها الانكفاف من المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها: (وابتغوا إليه الوسيلة) قال سفيان الثوري عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس: أي: القربة، وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، وقال قتادة: أي: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة) ، وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه. والوسائل والوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود " انتهى. "تفسير ابن كثير" (٢/٥٣، ٥٤) . وقال الشنقيطي ﵀: " اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد ﷺ بإخلاص في ذلك لله تعالى؛ لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى الله تعالى، ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة. وأصل الوسيلة: الطريق التي تقرب إلى الشيء، وتوصل إليه وهي العمل الصالح بإجماع العلماء؛ لأنه لا وسيلة إلى الله تعالى إلا باتباع رسوله ﷺ ، وعلى هذا فالآيات المبينة للمراد من الوسيلة كثيرة جدّاً كقوله تعالى: (وَمَآءَاتَـ?كُمُ ?لرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـ?كُمْ عَنْهُ فَ?نتَهُواْ) ، وكقوله: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ?للَّهَ فَ?تَّبِعُونِى) ، وقوله: (قُلْ أَطِيعُواْ ?للَّهَ وَأَطِيعُواْ ?لرَّسُولَ) ، إلى غير ذلك من الآيات. وروي عن ابن عباس ﵄ أن المراد بالوسيلة الحاجة. . . وعلى هذا القول الذي روي عن ابن عباس فالمعنى: (وَ?بْتَغُواْ إِلَيهِ ?لْوَسِيلَةَ) : واطلبوا حاجتكم من الله؛ لأنه وحده هو الذي يقدر على إعطائها، ومما يبين معنى هذا الوجه قوله تعالى: (إِنَّ ?لَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ?للَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَ?بْتَغُواْ عِندَ ?للَّهِ ?لرِّزْقَ وَ?عْبُدُوهُ) ، وقوله: (وَ?سْأَلُواْ ?للَّهَ مِن فَضْلِهِ) ، وفي الحديث: (إذا سألتَ فاسأل الله) . ثم قال الشنقيطي ﵀: التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة، على وفق ما جاء به الرسول ﷺ ، وتفسير ابن عباس داخل في هذا؛ لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته. وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهَّال المدعين للتصوُّف من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه: أنه تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين، وتلاعب بكتاب الله تعالى، واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ?للَّهِ زُلْفَى?) وقوله: (وَيَقُولُونَ هَـ?ؤُلا?ءِ شُفَعَـ?ؤُنَا عِندَ ?للَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ?للَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ?لسَّمَوَتِ وَلَا في ?لأرْضِ ? عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رِضى الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله ﷺ ، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل، (لَّيْسَ بِأَمَـ?نِيِّكُمْ وَلا? أَمَانِىِّ أَهْلِ ?لْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُو?ءًا يُجْزَ بِهِ) . وهذا الذي فسرنا به الوسيلة هنا هو معناها أيضاً في قوله تعالى: (أُولَـ?ئِكَ ?لَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى? رَبِّهِمُ ?لْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) ، وليس المراد بالوسيلة أيضاً المنزلة التي في الجنة التي أمرنا ﷺ أن نسأل له الله أن يعطيه إياها، نرجو الله أن يعطيه إياها؛ لأنها لا تنبغي إلا لعبد، وهو يرجو أن يكون هو " انتهى باختصار. "أضواء البيان" (٢/٨٦– ٨٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 698

حكم نداء الملائكة والطّلب منهم قبل النوم [السُّؤَالُ] ـ[اشتهر عند بعض العوام أن يقول أحدهم قبل النوم يا ملائكة الحفظ أيقظوني في الساعة كذا أو عند وقت كذا؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا لا يجوز بل هو من الشرك الأكبر؛ لأنه دعاء لغير الله وطلب من الغائب، فهو كالطلب من الجن والأصنام والأموات لعموم قوله تعالى: (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً) ١٨/الجن، وقوله سبحانه: (ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير) ١٣-١٤/فاطر، فسمى سبحانه دعاء غيره من الأموات والأصنام والجن والملائكة شركاً به سبحانه وقال : (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً) ٦/الجن، وقال سبحانه: (ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون) ١١٧/المؤمنون، فسمى الداعين لغيره كافرين، وهذا يعم جميع المدعوين من دون الله من أموات أو أصنام أو جن أو ملائكة، ولا يستثنى من ذلك إلا الحي الحاضر القادر لقول الله سبحانه في قصة موسى: (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) ١٥/القصص. ومن هذا الشرك قول بعض الناس: يا جن خذوه يا سبعة خذوه، أو يا جن الظهيرة خذوه، أو يا جن الشعب الفلاني أو يا جن بلد فلان فهذا كله شرك أكبر ودعوة لغير الله من الغائبين، فإذا قال يا ملائكة الله أيقظوني أو احفظوني فهذا شرك أكبر، أو يا جن البيت احفظوني أو أيقظوني فهذا شرك أكبر نعوذ بالله من ذلك والواجب على المسلم أن يحذر ذلك وأن يستغيث بالله وحده ويسأله وحده ففيه الكفاية سبحانه، وهو القادر على كل شيء وهو القائل : (ادعوني أستجب لكم) ٦٠/غافر، والقائل سبحانه: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) ١٨٦/البقرة، ويقول النبي ﷺ : (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله) . نسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في دينه والسلامة من أسباب غضبه إنه سميع قريب. [الْمَصْدَرُ] كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ م/٧، ص/١٨٠.

стр. 699

ما معنى سجود الملائكة لآدم وسجود إخوة يوسف له [السُّؤَالُ] ـ[لماذا أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم؟ ولماذا سجد إخوة يوسف ليوسف؟ أعرف أن السجود يجب أن يكون لله.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله السجود يكون على وجهين: يكون تعظيماً وتقرباً إلى من سُجِدَ لهُ، وهذا سُجود عبادة ولا يكون إِلَاّّ لله وحده في جميع الشرائع. النوع الثاني من السجود، سُجود تحيَّة وتكريم وهذا هو السُّجود الذي أَمَر الله الملائكة به لآدم فسجدوا له تكريماً، وهو منهم عبادة لله سبحانه بطاعتهم له إذْ أمرهم بالسجود. وأمّا سجود أَبَويْ يُوسُف وإخوته له فكذلك هو من سجود التحية والتكريم، وقد كان جائزاً في شريعتهم، وأمّا في الشريعة التي جاء بها خاتم النبيين محمدٌ ﷺ فلا يجوز السجود فيها لغير الله مطلقاً، ولهذا قال ﵊ " لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ". ونهى النبي ﵊ معاذاً عن السجود له لمّا ذكر أن أهل الكتاب يسجدون لعظمائهم، وذكر الحديث المتقدم، وتحريم السجود لغير الله مطلقاً في هذه الشريعة هو من كمالها في تحقيق التوحيد وهي الشريعة الكاملة في كُلِّ ما اشتملت عليه من الأحكام، قال تعالى: (اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) . [الْمَصْدَرُ] كتبه: الشيخ عبد الرحمن البراك.

стр. 700

أنواع المحبة وأحكامها [السُّؤَالُ] ـ[نحن مجموعة من المسلمين دار بيننا حوار حاولنا فيه التوصل إلى تعريف لـ "الحب" في الإسلام. وعلى الرغم من أننا جميعاً ندرك تماماً ضرورة حب الله والتزامنا بأن نحبه هو وأنبيائه ورسله، فإننا نتساءل عما إذا كان هناك إطار واضح للحب بين البشر (مثل "الحب الأخوي" في المسيحية وليس النوع الرومانسي) . قال البعض بأن "الحب" لا يوجد إلا في نطاق الأسرة وكل ما عدا ذلك ما هو إلا احترام وصداقة وما إلى ذلك. وتساءل البعض عما إذا كان الحب يقتصر فقط على الزوج والأبناء. وتساءل آخرون عما إذا كان الحب يمكن أن يكون مشروطاً أم لا. ورأي آخر يقول بأن "الحب" (حسب التعبير الشائع) ما هو إلا "بدعة" تقوم على القصص الخيالية والفلسفة المسيحية. وقد بحث كثير منا في مصادر مختلفة للتوصل إلى إجابة، ولكن لم نعثر على إجابة قاطعة حتى الآن. فهل يمكنك أن تساعدنا؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أيتها السائلة الكريمة السلام عليكِ ورحمة الله وبركاته وبعد فإنّه لممّا يُثلج الصّدر ما تفعلينه مع أخواتك من تدارس لأمور الإيمان والإسلام ومن ذلك مناقشتكم لأمر المحبّة ولا شكّ أنّكِ وأخواتك تُدركين أهمية كلام العلماء في فضّ النّزاعات وأهمية الرّجوع إلى كلامهم في فهم القضايا الشرعية، ونحن ننقل لك هنا شيئا من كلامهم في أنواع المحبّة وأقسامها حتى تنجلي لكم القضية بإذن الله. أنواع المحبة وأحكامها تنقسم المحبّة إلى محبة خاصّة ومحبّة مشتركة والمحبّة الخاصّة تنقسم إلى محبّة شرعية ومحبة محرمة. فالمحبة الشرعية أقسام: ١- محبة الله وحكمها أنها من أوجب الواجبات وذلك لأن محبته سبحانه هي أصل دين الإسلام فبكمالها يكمل الإيمان. وبنقصها ينقص التوحيد ودليل ذلك قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) البقرة ١٦٥، وقوله: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) التوبة ٢٤. وغيرها من الأدلة في القرآن والسنة. وهي تتمثل في إيثار ما أحبه الله من عبده وأراده على ما يحبه العبد ويريده، فيحب ما أحب الله ويبغض ما يبغضه الله، ويوالي ويعادي فيه، ويلتزم بشريعته والأسباب الجالبة لها كثيرة. ٢- محبة الرسول وهي أيضاً واجبة من واجبات الدين، بل لا يحصل كمال الإيمان حتى يحب المرء رسول الله أكثر من نفسه كما في الحديث: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. " رواه مسلم رقم ٤٤ وحديث عبد الله بن هشام قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلاّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الآنَ يَا عُمَرُ. " رواه البخاري فتح رقم ٦٦٣٢. وهذه المحبّة تابعة لمحبة الله تعالى وتتمثل في متابعته ﷺ وتقديم قوله على قول غيره. ٣- محبة الأنبياء والمؤمنين وحكمها واجبة لأن محبة الله تعالى تستلزم محبة أهل طاعته وهؤلاء هم الأنبياء والصالحون ودليله قوله ﵇ " من أحب في الله " أي أحب أهل الإيمان بالله وطاعته من أجل ذلك، ولا يكتمل الإيمان أيضاً إلا بذلك ولو كثرت صلاة الشخص وصيامه، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: لقد رأيتنا في عهد رسول الله وما منا أحد يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم. والمحبة المحرمة: منها ما هو شرك: وهو أن تحب من دون الله شيئاً كما يحب الله تعالى فهو قد اتخذ نداً وهذا شرك المحبة وأكثر أهل الأرض قد اتخذوا أنداداً في الحب والتعظيم. ومنها ما هو محرّم دون الشرك: وذلك بأن يحب أهله أو ماله أو عشيرته وتجارته ومسكنه فيؤثرها أو بعضها على فعل ما أوجبه الله عليه من الأعمال كالهجرة والجهاد ونحو ذلك ودليله قوله تعالى: (إن كان آباؤكم ... إلى قوله تعالى: أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) فهذا الذي مضى هو المحبة الخاصة بأقسامها. أما المحبة المشتركة فهي ثلاثة أنواع: أحدها: طبيعية كمحبة الجائع للطعام،والظمآن للماء وهذه لا تستلزم التعظيم فهي مباحة. الثاني: محبة رحمة وشفقة كمحبة الوالد لولده الطفل وهذه أيضاً لا تستلزم التعظيم ولا إشكال فيها. الثالث: محبة أنس وألف كمحبة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر لبعضهم بعضاً فهذه الأنواع التي تصلح للخلق بعضهم بعضاً وكمحبة الأخوة بعضهم لبعض ووجودها فيهم لا يكون شركاً في محبة الله تعالى. من مراجع الموضوع: كتاب تيسير العزيز الحميد: باب ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً. ونرجو بهذا التقسيم والشّرح أن تكون القضية قد اتّضحت لكم، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لكلّ خير، وصلى الله على نبينا محمد. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 701

حكم تسمية البريد الإلكتروني باسم المؤمن [السُّؤَالُ] ـ[أنشأت أول بريد الكتروني لي عندما كنت في الصف الثامن، وكنت حينها حريصة على أن يكون له مدلول إسلامي فسميّته باسم المؤمن، ثم بعد أن كبرت أدركت أن المؤمن من أسماء الله الحسنى، وأخشى أنني بذلك ارتكبت شركاً أو انتهكت حرمةً، فهل يجوز لي أن استمر في استخدام هذا البريد أم لا؟ وما توجيهكم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) يونس/١٨٠. قال الشيخ السعدي ﵀: " هذا بيان لعظيم جلاله وسعة أوصافه بأن له الأسماء الحسنى، أي: له كل اسم حسن، وضابطه: أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى ... وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: عقوبة وعذابا على إلحادهم في أسمائه. وحقيقة الإلحاد: الميل بها عما جعلت له، إما بأن يسمى بها من لا يستحقها، كتسمية المشركين بها لآلهتهم، وإما بنفي معانيها وتحريفها، وأن يجعل لها معنى ما أراده الله ولا رسوله، وإما أن يشبه بها غيرها؛ فالواجب أن يُحذر الإلحادُ فيها، ويُحذر الملحدون فيها..". "تفسير السعدي" (٣٠٩) باختصار. وينظر: بدائع الفوائد لابن القيم (١/١٧٩) ، القواعد المثلى، لابن عثيمين (٢٥-٢٦) . وبذلك يتبين أن لله تعالى أسماء، لا يستحقها غيره، وأن إطلاق هذه الأسماء على أحد من خلقه هو من الإلحاد في أسمائه، الذي يستحق صاحبه أن يجازى به عند ربه يوم القيامة. ثانيا: أسماء الله تعالى وصفاته، وإن كانت كلها مختصة به سبحانه من حيث المعنى؛ فلا يشبه أحدا من خلقه في شيء منها، بل ما ثبت له منها يليق بجلال الألوهية، وعظمة الربوبية، كما أن ما ثبت لخلقه يليق بحال العبودية؛ لكن مع ذلك قد ورد في الشرع تسمية الله تعالى بأسماء وصفات ورد إطلاقها على بعض خلقه، وهذا إنما هو من حيث اللفظ والتسمية فقط، وإلا فما يضاف إلى الله تعالى مختص به، لا يشركه فيه أحد من خلقه، كما أن ما يضاف إلى العبد هو مختص به، يليق بحاله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه، لا يشركه فيها غيره. وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم، مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص: اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص. فقد سمى الله نفسه حيا فقال: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ ، وسمى بعض عباده حيا، فقال: ﴿يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي﴾ ، وليس هذا الحي مثل هذا الحي، لأن قوله (الحي) اسم لله مختص به، وقوله: ﴿يخرج الحي من الميت﴾ اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرا مشتركا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق. ولا بد من هذا فى جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه .. وسمى نفسه بالمؤمن المهيمن، وسمى بعض عباده بالمؤمن، فقال: ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون﴾ وليس المؤمن كالمؤمن " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٣/١٠-١٢) باختصار. والحاصل: أنه لا حرج في التسمي بـ (المؤمن) من هذه الناحية؛ لأن اسم المؤمن ليس من الأسماء الخاصة بالله ﷻ ، والتي يمنع من تسمية الخلق بها، بل قد سمى الله سبحانه نفسه بالمؤمن في كتابه الكريم، وكذلك سمى بعض عباده بالمؤمنين، والمؤمنين؛ لكن ذلك لا يعني أن المعنى فيهما واحد، بل للخالق من الصفات ما يخصه ويليق به، لا يشاركه في حقيقته شيء من خلقه، ولخلقه ما يليق بهم من الأسماء والمعاني. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 702

هل وقت النّزول الإلهي هو السدس الخامس من الليل، أو ثلث الليل الأخير كله ؟ [السُّؤَالُ] ـ[اطّلعت على الفتاوي أرقام: ٣٤٨١٠ و ٢٢٤٣٨ وفهمت أن ثلث الليل الأخير هو وقت السّحر هو وقت النّزول الإلهي وقد ورد بالتّحديد في الفتوى رقم ٣٤٨١٠: "وأول الثلث وآخره يعرف في كل زمان بحسبه فإذا كان الليل تسع ساعات كان أول وقت النزول أول الساعة السابعة إلى طلوع الفجر". وهذا ينطبق علينا تماماً حيث أن آذان المغرب عند السّاعة الثّامنة وآذان الفجر عند السّاعة الخامسة أي أن طول الليل ٩ ساعات فيكون وقت النّزول ابتداءً من السّاعة الثّانية وحتى السّاعة الخامسة حسب الفتوى رقم ٣٤٨١٠. ولكني قرأت في الفتوى رقم ١٣٢٩٥٠ أن وقت جوف الليل الآخر هو وقت النّزول وهو السّدس الخامس من أسداس الليل: (قال الحافظ ابن رجب: " جوف الليل إذا أُطلق فالمراد به: وسطه، وإن قيل: جوف الليل الآخر، فالمراد به وسط النصف الثاني، وهو السدس الخامس من أسداس الليل، وهو الوقت الذي ورد فيه النزول الإلهي " انتهى "جامع العلوم والحكم" صـ ٢٧٣) . فيكون وقت النّزول في مدينتنا حسب الفتوى السّابقة ابتداءً من السّاعة الثّانية وحتى السّاعة الثّالثة والنّصف (السّدس الخامس من أسداس الليل) . فمتى وقت النّزول الإلهي: هل هو وقت جوف الليل الآخر، أم ثلث الليل الأخير كله؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) . وقد تظاهرت الروايات على تحديد وقت النزول الإلهي إلى السماء الدنيا بـ "ثلث الليل الآخر"، كالذي ورد هنا في حديث أبي هريرة ﵁. قال الإمام الترمذي ﵀: " وهو أصح الروايات". "سنن الترمذي" (٢/٣٠٩) . ولا يمنع ذلك أن يقال: إن السدس الخامس من أسداس الليل هو وقت النزول الإلهي؛ فإن الثلث الأخير هو عبارة عن السدسين: الخامس والسادس، وأول هذا الثلث هو السدس الخامس؛ فلذلك يصح أن يقال: إن وقت النزول هو الثلث الأخير، وهو أيضا: السدس الخامس. فإذا عرفنا أن بعض الروايات صرحت بامتداد ذلك النزول إلى الفجر؛ كما في رواية لمسلم (٧٥٨) : (فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ) ؛ ازداد الأمر وضوحا، وعرفنا أن النزول يبدأ في الثلث الآخر من الليل، وهو أيضا: السدس الخامس، ليشمل السدس السادس ـ أيضا ـ بعده. على أنه قد يقال: إنه إذا كان لهذا السدس الخامس خصوصية؛ فلعله أن يكون أرجى أوقات الإجابة في الليل، كما في الحديث عن أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: (جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ) رواه الترمذي (٣٤٩٩) وحسنه الألباني. هذا مع أن غير واحد من أهل العلم يعبرون عن جوف الليل الآخر بأنه الثلث الآخر، وأنه ـ أيضا ـ السدس الخامس، لما قد ذكرناه فيما سبق من أن السدس الخامس هو أول ذلك الثلث. قال الخطابي ﵀: " قوله (أي الساعات أسمع) ، يريد: أيها أوقع للسمع، والمعنى أيها أولى بالدعاء، وأرجى للاستجابة؟ وهذا كقول ضماد الأزدي، حين عرض عليه رسول الله الإسلام، قال: فسمعت كلاما لم أسمع قولا قط أسمع منه؛ يريد أبلغ منه ولا أنجع في القلب. وجوف الليل الآخر: إنما هو الجزء الخامس من أسداس الليل، وهذا موافق للحديث الذي يروى أن الله يمهل حتى يبقى الثلث الآخر من الليل فينزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل فيعطى هل من تائب فيغفر له " انتهى. "غريب الحديث"، للخطابي (١/١٣٤) . وقال ابن الأثير ﵀: " وفيه: (قِيل له: أيُّ اللَّيل أسْمَعُ؟ قال: جَوْف الليل الآخِرُ) ، أي: ثُلثُه الآخِرُ، وهو الجُزء الخامِس من أسداس الليل " انتهى. "النهاية" (١/٨٤١) . وقال المرتضى الزبيدي ﵀: " وجَوْفُ اللَّيْلِ: الآخِرُ في الحَدِيثِ وهو قَوْلُهُ ﷺ لَمَّا سُئِلَ: أَي اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قال: (َوْفُ اللَّيْلِ الآخِرِ) أَي: ثُلُثُةُ الآخِرُ، وهو الجُزْءُ الْخَامِسُ مِن أَسْدَاسِ اللَّيْلِ؛ أَي لا نِصْفُه كما زَعَمَهُ بَعْضُهم " انتهى. "تاج العروس" (٢٣/١٠٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 703

معنى التفويض في أسماء الله وصفاته [السُّؤَالُ] ـ[أعرف المراد - والحمد لله - بهؤلاء الأربع: التحريف والتعطيل والتوقيف والتمثيل لكن يتحدث البعض أيضا عن أمر خامس وهو التفويض وأنا لا أعرف ما هو التفويض فهل بوسعكم رجاء أن توضحوا لي معناه ودلالاته؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: التفويض في أسماء الله تعالى وصفاته له معنيان: الأول: معنى صحيح، وهو إثبات اللفظ ومعناه الذي يدل عليه، ثم تفويض علم كيفيته إلى الله، فنثبت لله تعالى أسماءه الحسنى، وصفاته العلى، ونعرف معانيها ونؤمن بها، غير أننا لا نعلم كيفيتها. فنؤمن بأن الله تعالى قد استوى على العرش، استواء حقيقيا يليق بجلاله سبحانه، ليس كاستواء البشر، ولكن كيفية الاستواء مجهولة بالنسبة لنا؛ ولذا، فإننا نفوض كيفيته إلى الله، كما قال الإمام مالك وغيره لما سئل عن الاستواء: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول". انظر: "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام (٣/٢٥) . وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة: إثبات صفات الله تعالى، إثباتاً بلا تمثيل ولا تكييف، قال الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) . قال ابن عبد البر ﵀: " أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لم يكيفوا شيئا من ذلك ". "العلو للعلي الغفار" (ص ٢٥٠) والمعنى الثاني للتفويض - وهو معنى باطل -: إثبات اللفظ من غير معرفة معناه. فيثبتون الألفاظ فقط، (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ثم يقولون: لا ندري معناه، ولا ماذا أراد الله به!! قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما التفويض: فإن من المعلوم أن الله تعالي أمرنا أن نتدبر القرآن وحضّنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟ وأيضا: فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا وإخراجنا من الظلمات إلي النور إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر ولم يُرد منا أن نعرف لا ظاهره ولا باطنه، أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك، فعلي التقديرين لم نخاطَبْ بما بُيّن فيه الحق، ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر. وحقيقة قول هؤلاء في المخاطِب لنا: أنه لم يبين الحق ولا أوضحه مع أمره لنا أن نعتقده، وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه لم يبين به الحق ولا كشفه، بل دل ظاهره علي الكفر والباطل، وأراد منا أن نفهم منه شيئا أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه، وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه، وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد ... إلى أن قال: فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد " انتهى. "درء التعارض" (١/١١٥) . وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: "السلف لم يكن مذهبهم التفويض، وإنما مذهبهم الإيمان بهذه النصوص كما جاءت، وإثبات معانيها التي تدلُّ عليها على حقيقتها ووضعها اللغوي، مع نفي التَّشبيه عنها؛ كما قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) الشورى/ ١١" انتهى. "المنتقى من فتاوى الفوزان" (٢٥/١) . وقال الشيخ ابن جبرين ﵀: "الصواب: ترك التأويل، وإثبات حقيقة الصفات التي أفادتها تلك النصوص، مع تفويض العلم بالكيفيات والماهيَّات، ومع اعتقاد أنها لا يُفهم منها تشبيه الرب أو شيء من صفاته بالمخلوقين، فلا تشبيه ولا تعطيل" انتهى. "فتاوى الشيخ ابن جبرين" (٦٤/٤١) . وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: "مذهب السلف هو التفويض في كيفية الصفات لا في المعنى" انتهى. "فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي" (ص ١٠٤) . وقال الشيخ ابن باز ﵀: "المفوضة قال أحمد فيهم: إنهم شر من الجهمية، والتفويض أن يقول القائل: الله أعلم بمعناها فقط، وهذا لا يجوز ; لأن معانيها معلومة عند العلماء. قال مالك ﵀: الاستواء معلوم والكيف مجهول، وهكذا جاء عن الإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن وعن غيره من أهل العلم، فمعاني الصفات معلومة، يعلمها أهل السنة والجماعة ; كالرضا والغضب والمحبة والاستواء والضحك وغيرها، وأنها معاني غير المعاني الأخرى، فالضحك غير الرضا، والرضا غير الغضب، والغضب غير المحبة، والسمع غير البصر، كلها معلومة لله سبحانه، لكنها لا تشابه صفات المخلوقين" انتهى. "فتاوى نور على الدرب لابن باز" (ص ٦٥) . وقال أيضا: "أنكر الإمام أحمد ﵀ وغيره من أئمة السلف على أهل التفويض , وبدّعوهم لأن مقتضى مذهبهم أن الله سبحانه خاطب عباده بما لا يفهمون معناه ولا يعقلون مراده منه , والله يتقدس عن ذلك , وأهل السنة والجماعة يعرفون مراده سبحانه بكلامه، ويصفونه بمقتضى أسمائه وصفاته وينزهونه عن كل ما لا يليق به . وقد علموا من كلامه سبحانه ومن كلام رسوله ﷺ أنه سبحانه موصوف بالكمال المطلق في جميع ما أخبر به عن نفسه أو أخبر به عنه رسوله ﷺ " انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٣/٥٥) . وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "التفويض نوعان: تفويض المعنى، وتفويض الكيفية. فأهل السنة والجماعة يفوضون الكيفية، ولا يفوضون المعنى، بل يقرُّون به، ويثبتونه، ويشرحونه، ويقسمونه، فمن ادعى أن أهل السنة هم الذين يقولون بالتفويض - ويعني به تفويض المعنى - فقد كذب عليهم" انتهى. "لقاء الباب المفتوح" (٦٧/٢٤) . ثانياً: توهم البعض أن مذهب السلف هو التفويض، وفهموا ذلك من قول السلف في أحاديث الصفات: (أمروها كما جاءت بلا كيف) . وهو فهم غير صحيح، بل هذا القول الوارد عن السلف يدل على أنهم كانوا يثبتون الصفات بمعانيها لله تعالى، ثم ينفون علمهم بكيفية ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فقول ربيعة ومالك: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب) موافق لقول الباقين: (أمروها كما جاءت بلا كيف) فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة. ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً، بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم. وأيضاً: فإنه لا يحتاج إلى نفى علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفى علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضاً: فإن من ينفى الصفات لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفى الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف. وأيضاً: فقولهم: "أمروها كما جاءت" يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معانٍ، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو: أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أُمِرّت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" انتهى. "مجموع الفتاوى" الفتوى الحموية (٥/٤١) . وقد قرب ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀ فقال: "اشتهر عن السلف كلمات عامة وأخرى خاصة في آيات الصفات وأحاديثها فمن الكلمات العامة قولهم: " أمروها كما جاءت بلا كيف". روي هذا عن مكحول، والزهري، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي. وفي هذه العبارة رد على المعطلة والممثلة، ففي قولهم: " أمروها كما جاءت" رد على المعطلة. وفي قولهم: " بلا كيف" رد على الممثلة. وفيها أيضا دليل على أن السلف كانوا يثبتون لنصوص الصفات المعاني الصحيحة التي تليق بالله تدل على ذلك من وجهين: الأول: قولهم: "أمروها كما جاءت". فإن معناها إبقاء دلالتها على ما جاءت به من المعاني، ولا ريب أنها جاءت لإثبات المعاني اللائقة بالله تعالى، ولو كانوا لا يعتقدون لها معنى لقالوا: "أمروا لفظها ولا تتعرضوا لمعناها". ونحو ذلك. الثاني: قولهم: "بلا كيف" فإنه ظاهر في إثبات حقيقة المعنى، لأنهم لو كانوا لا يعتقدون ثبوته ما احتاجوا إلى نفي كيفيته، فإن غير الثابت لا وجود له في نفسه، فنفي كيفيته من لغو القول" انتهى. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٤/٣٢) . والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 704

معنى (لا يمل الله حتى تملوا) [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى قوله ﷺ : ((لا يمل الله حتى تملوا)) ؟؟ وهل فيه إثبات صفة الملل لله ؟؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى البخاري (٤٣) ومسلم (٧٨٥) واللفظ له عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: امْرَأَةٌ لَا تَنَامُ، تُصَلِّي. قَالَ: (عَلَيْكُمْ مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا) وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. وظاهر الحديث يدل على إثبات الملل لله على الوجه الذي يليق به سبحانه. قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: " (فإن الله لا يمل حتى تملوا) من نصوص الصفات، وهذا على وجه يليق بالباري لا نقص فيه، كنصوص الاستهزاءِ والخداع فيما يتبادر " انتهى من فتاوى الشيخ (١/ ١٧٩) . وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء عن هذا الحديث فأجابوا: فأجابوا: "الواجب هو إمرار هذا الحديث كما جاء، مع الإيمان بالصفة، وأنها حق على الوجه الذي يليق بالله، من غير مشابهة لخلقه ولا تكييف، كالمكر والخداع والكيد الواردة في كتاب الله ، وكلها صفات حق تليق بالله على حد قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) . وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ... الشيخ صالح الفوزان. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٤٠٢) . وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل نثبت صفة الملل لله ؟ فأجاب بقوله: "جاء في الحديث عن النبي ﷺ قوله: (فإن الله لا يمل حتى تملوا) فمن العلماء من قال إن هذا دليل على إثبات الملل لله، لكن ملل الله ليس كملل المخلوق، إذ إن ملل المخلوق نقص، لأنه يدل على سأمه وضجره من هذا الشيء، أما ملل الله فهو كمال وليس فيه نقص، ويجري هذا كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالا. ومن العلماء من يقول: إن قوله: (لا يمل حتى تملوا) يراد به بيان أنه مهما عملت من عمل فإن الله يجازيك عليه، فاعمل ما بدا لك فإن الله لا يمل من ثوابك حتى تمل من العمل، وعلى هذا فيكون المراد بالملل لازم الملل. ومنهم من قال: إن هذا الحديث لا يدل على صفة الملل لله إطلاقا لأن قول القائل: لا أقوم حتى تقوم، لا يستلزم قيام الثاني وهذا أيضا (لا يمل حتى تملوا) لا يستلزم ثبوت الملل لله . وعلى كل حال يجب علينا أن نعتقد أن الله تعالى منزه عن كل صفة نقص من الملل وغيره، وإذا ثبت أن هذا الحديث دليل على الملل فالمراد به ملل ليس كملل المخلوق " انتهى من "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١/١٧٤) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 705

حكم إطلاق "سيدنا" على النبي ﷺ والتسمي بأسماء الله [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم إطلاق كلمة "سيدنا" على النبي محمد ﷺ وعلى الأولياء الصالحين؟ وحكم تسمية البشر بأسماء الله الحسنى مثل البصير والعزيز وغيرها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إطلاق لفظ سيدنا على النبي ﷺ حق، لأنه سيد ولد آدم ﵊، وثبت عنه ﷺ أنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) وهو سيد العباد والمرسلين، فإذا قال الرجل: سيدنا محمد، اللهم صلِّ على سيدنا محمد. فلا بأس بهذا، هو سيد ولد آدم ﵊، وسيد الخلق. وإنما كره ذلك على الناس في حياته؛ لأنه خاف عليهم الغلو. لما قالوا: أنت سيدنا قال: (السيد الله ﵎ سداً للذريعة؛ خاف عليهم أن يغلوا فيه ﵊، ولكن بعد أن توفي ﵊، وأخبرنا أنه سيد ولد آدم فلا بأس أن تقول: سيدنا، ﵊، فهو خيرنا وسيدنا وإمامنا، وهو خليل الرحمن ﵊. أما بقية الناس فالأولى ألا يقال سيدنا ولا يخاطب بهذا، لكن لو قيل: فلان سيدهم، يعني رئيسهم. سيدهم فلان يعني أميرهم، وشيخ قبيلتهم فلا بأس. مثل ما قال النبي ﷺ لابنه الحسن: (إن ابني هذا سيد) وقال: (مَنْ سيد بني فلان؟) وقال للصحابة يوم جاء سعد بن معاذ ليحكم في بني قريظة: (قوموا إلى سيدكم) فهذا لا بأس به. لكن لا يقول: يا سيدنا. بل تركه أولى، لأن الرسول ﷺ قال: (السيد الله ﵎ ، ولأن هذا يفضي إلى التكبر والغلو فيه إذا قيل له هكذا. فالأولى أن يقول الناس: يا أخانا، يا أبا فلان فهذا يكفي، وأما إذا قيل على سبيل الإضافة: من سيد بني فلان، هذا فلان سيد؛ لأنه من بيت النبوة، أو لأنه فقيه، أو عالم أو شريف في نفسه في أخلاقه وأعماله أو جواد كريم ـ فلا بأس، لكن إذا خيف من إطلاق صفة سيد عليه أن يتكبر أو يتعاظم في نفسه يُترك ذلك. ولا يقال هذا للكافر ولا المنافق ولا العاصي؛ إنما يقال هذا للشيخ الكبير، للفقيه العالم الرئيس المعروف بالإصلاح والخير والحلم والفضل والجود. فإذا قيل لهؤلاء: سيد، فلا بأس، أما أن يخاطب: يا سيدنا فتركه أولى، أما إذا كان الفاجر أو المنافق سيد قومه فلا بأس أن يُقال له: يا سيد بني فلان. أما الشق الثاني من السؤال: فأسماء الرب تعالى قسمان: قسم يجوز التسمية به، وقسم لا يجوز، لا يقال: خلاق ولا رزَّاق، ولا رب العالمين، ولكن مثل عزيز وبصير لا بأس؛ فالله سمى بعض مخلوقاته كذلك: (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) الإنسان/٢، (قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ) يوسف/٥١، مثل هذه الأشياء تطلق على المخلوق، عزيز قومه، كذا بصير بالأمور، أو بصير بمعنى المبصر، كذلك حكيم يعني المحكم فلا بأس بهذه الأشياء؛ لأنها مشتركة وللمخلوق نصيبه منها. والله له الأكمل منها ، لكن الأسماء المختصة بالله لا تطلق على غير الله، لا يقال الله لابن آدم، ولا الرحمن ولا الخلاق، ولا الرزاق ولا خالق الخلق أو ما أشبهه مما يختص بالله " انتهى. سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ والله أعلم "فتاوى نور على الدرب" (١/٤٧٢) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →