← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

اشتراط الرجوع إلى القانون الوضعي عند التنازع في الصفقات التجارية [السُّؤَالُ] ـ[هناك بعض الصفقات التي تجري عن طريق بعض المواقع التجارية عبر الإنترنت، وتنص الشروط أنه إذا حصل أي اختلاف أو نزاع فإن القضية ستحال إلى المحكمة وتحل وفقاً للقانون (قانون تلك البلاد والتي قد تكون دولة غير مسلمة أو لا يطبق فيها شرع الله) ، فما الحكم هنا هل يجوز الانخراط في مثل هذه الصفقات؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجوز التحاكم لغير شرع الله، ولا التحاكم إلى هيئة قد تحكم بشريعة الله أو بغيرها؛ " فإن من مقتضى الإيمان بالله تعالى وعبادته الخضوع لحكمه والرضا بشرعه والرجوع إلى كتابه وسنة رسوله عند الاختلاف في الأقوال وفي الأصول وفي الخصومات وفي الدماء والأموال وسائر الحقوق. فإن الله هو الحكم وإليه الحكم. فيجب على الحكام أن يحكموا بما أنزل الله ووجب على الرعية أن يتحاكموا إلى ما أنزل الله في كتابه وسنة رسوله قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) النساء/٥٨، وقال في حق الرعية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء/٥٩، ثم بين أنه لا يجتمع الإيمان مع التحاكم إلى غير ما أنزل الله، فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) النساء /٦٠، إلى قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء/٦٥. فنفى سبحانه - نفيا مؤكدا بالقسم - الإيمان عمن لم يتحاكم إلى الرسول ﷺ ويرضى بحكمه ويسلم له. كما أنه حكم بكفر الولاة الذين لا يحكمون بما أنزل الله وبظلمهم وفسقهم، قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة/٤٤، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة/٤٥، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) المائدة/٤٧. ولا بد من الحكم بما أنزل الله والتحاكم إليه في جميع مواد النزاع في الأقوال الاجتهادية بين العلماء، فلا يقبل منها إلا ما دل عليه الكتاب والسنة من غير تعصب لمذهب ولا تحيز لإمام، وفي المرافعات والخصومات في سائر الحقوق لا في الأحوال الشخصية فقط، كما في بعض الدول التي تنتسب إلى الإسلام؛ فإن الإسلام كل لا يتجزأ. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) البقرة/٢٠٨، وقال تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) البقرة/٨٥. فمن خالف ما أمر الله به ورسوله ﷺ بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله، أو طلب ذلك اتباعا لما يهواه ويريده، فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه، وإن زعم أنه مؤمن " انتهى. "كتاب التوحيد" للشيخ صالح الفوزان (ص ٤٥ – ٤٧) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والحكم بما أنزل الله على محمد ﷺ هو أكمل أنواع العدل وأحسنها، والحكم به واجب على النبي ﷺ وكل من اتبعه، ومن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر، وهذا واجب على الأمة في كل ما تنازعت فيه من الأمور الاعتقادية والعملية " انتهى ملخصاً من "منهاج السنة النبوية" (٥/٨٣-٨٥) . وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (١/٤٠) : " أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَنْ تَحَاكَمَ أَوْ حَاكَمَ إلَى غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَقَدْ حَكَّمَ الطَّاغُوتَ وَتَحَاكَمَ إلَيْهِ , وَالطَّاغُوتُ: كُلُّ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ ; فَطَاغُوتُ كُلِّ قَوْمٍ مِنْ يَتَحَاكَمُونَ إلَيْهِ غَيْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ , أَوْ يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ , أَوْ يَتْبَعُونَهُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ مِنْ اللَّهِ , أَوْ يُطِيعُونَهُ فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ طَاعَةٌ لِلَّهِ ; فَهَذِهِ طَوَاغِيتُ الْعَالَمِ إذَا تَأَمَّلْتَهَا وَتَأَمَّلْتَ أَحْوَالَ النَّاسِ مَعَهَا رَأَيْت أَكْثَرَهُمْ عَدَلُوا مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ إلَى عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ , وَعَنْ التَّحَاكُمِ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الرَّسُولِ إلَى التَّحَاكُمِ إلَى الطَّاغُوتِ , وَعَنْ طَاعَتِهِ وَمُتَابَعَةِ رَسُولِهِ إلَى طَاعَةِ الطَّاغُوتِ وَمُتَابَعَتِهِ " انتهى. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: " إن من أقبح السيئات وأعظم المنكرات التحاكم إلى غير شريعة الله من القوانين الوضعية، والنظم البشرية، وعادات الأسلاف والأجداد التي قد وقع فيها كثير من الناس اليوم وارتضاها بدلاً من شريعة الله التي بعث بها رسوله محمداً ﷺ ، ولا ريب أن ذلك من أعظم النفاق، ومن أكبر شعائر الكفر والظلم والفسوق وأحكام الجاهلية التي أبطلها القرآن وحذر عنها الرسول ﷺ " انتهى. "فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم" (١٢/٢٦٦) . وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: " الواجب على المسلمين أن يتحاكموا إلى الشريعة الإسلامية ... ويحرم على المسلمين التحاكم إلى الأحكام العرفية، والمبادئ القبلية، والقوانين الوضعية؛ لأنها من التحاكم إلى الطاغوت الذي نهينا أن نتحاكم إليه، وقد أمرنا الله بالكفر به في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٣٧١) . وقال الشيخ ابن باز ﵀: " يجب على المسلمين أن يتحاكموا إلى كتاب الله , وسنة رسوله ﷺ في كل شيء، لا إلى القوانين الوضعية والأعراف والعادات القبلية " انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٥/١٤٢) . وعلى هذا، فالشرط الذي ذكره السائل، وهو إحالة المسائل المتنازع فيها إلى المحكمة وتحل وفقاً للقانون الوضعي، هذا الشرط باطل لا يحل لمسلم أن يرضى به. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 807

هل يجوز الأكل من ذبيحة ذبحت لغير الله ؟ [السُّؤَالُ] ـ[اسمي عبد الله وأنا من ولاية كيرلا في الهند، في هذه المنطقة الناس سنيون ولكنهم يقومون ببعض العبادات التي ليس عليها أي دليل فمثلاً في يوم الحادي عشر من ربيع الأخر تقوم كل عائلة بذبح دجاجة احتراماً أو تقديراً للشيخ عبد القادر الجيلاني ولكنهم عندما يذبحون فإنهم يذكرون اسم الله. سؤالي: هل هذا اللحم حلال أم حرام؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذبح عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله وحده؛ فمن صرفها لغير الله فهو مشرك. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام /١٦٢-١٦٣. وقال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) المائدة/٣. وقال تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) . وروى مسلم (١٩٧٨) عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ) . - ومن ذبح لغير الله، فسواء ذكر اسم الله عليه أو لم يذكر اسم الله، فهو شرك أكبر، مخرج عن الملة، ولا تحل ذبيحته، بل هي ميتة، يحرم أكلها. قال النووي ﵀: " وَأَمَّا الذَّبْح لِغَيْرِ اللَّه فَالْمُرَاد بِهِ: أَنْ يَذْبَح بِاسْمِ غَيْر اللَّه تَعَالَى، كَمَنْ ذَبَحَ لِلصَّنَمِ، أَوْ الصَّلِيب، أَوْ لِمُوسَى، أَوْ لِعِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمَا، أَوْ لِلْكَعْبَةِ وَنَحْو ذَلِكَ , فَكُلّ هَذَا حَرَام , وَلَا تَحِلّ هَذِهِ الذَّبِيحَة , سَوَاء كَانَ الذَّابِح مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا , نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ , وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابنَا , فَإِنْ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ تَعْظِيم الْمَذْبُوح لَهُ غَيْر اللَّه تَعَالَى وَالْعِبَادَة لَهُ كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا , فَإِنْ كَانَ الذَّابِح مُسْلِمًا قَبْل ذَلِكَ صَارَ بِالذَّبْحِ مُرْتَدًّا " انتهى. وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: " الذبح لغير الله شرك، وحكم الذبيحة حكم الميتة، ولا يجوز أكلها، ولو ذكر عليها اسم الله، إذا تحقق أنها ذبحت لغير الله " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٢٢٦) . وسئلوا أيضاً: ما هو حكم الذبح للميت الذي يُدَّعَى أنه ولي الله ويُبنى عليه الجدران؟ فأجابوا: " الذبح لمن ذكرت من الميت الذي يدعى أنه ولي لله نوع من أنواع الشرك، وذابحها للولي مشرك ملعون، وهي ميتة يحرم على المسلم الأكل منها " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/١٩٤) . وقال الشيخ صالح الفوزان: " قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) يشمل النوعين: ما تقرب به لغير الله، ولو ذكر عليه اسم الله، ويشمل ما ذبح لغير التقرب، وإنما ذبح للحم، لكن سَمَّي عليه غير اسم الله عند الذبح " انتهى مختصرا. "المنتقى من فتاوى الفوزان" (٤٩/٣) . وقال الشيخ ابن عثيمين: " الذبح لغير الله شرك أكبر، لأن الذبح عبادة، فمن ذبح لغير الله فهو مشرك شركا مخرج عن الملة – والعياذ بالله – سواء ذبح ذلك لملك من الملائكة، أو لرسول من الرسل، أو لنبي من الأنبياء، أو لخليفة من الخلفاء، أو لولي من الأولياء، أو لعالم من العلماء، فكل ذلك شرك بالله – – ومخرج عن الملة. وأما الأكل من لحوم هذه الذبائح فإنه محرم؛ لأنها أهل لغير الله بها، وكل شيء أهل لغير الله به أو ذبح على النصب فإنه محرم " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٢/١٤٨) . فعليك أن تنصح هؤلاء وتبين لهم خطأ ما يفعلون، وخطورته، وأنه أمر مخرج من الإسلام. نسأل الله تعالى أن يهديهم إلى الصواب. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] موقع الإسلام سؤال وجواب

стр. 808

ترجمة ابن القيم وابن الجوزي، ومعنى " نفعنا الله ببركتهم " في كلام العلماء [السُّؤَالُ] ـ[ي هو أني وجدتُ في كتاب ابن القيم عندما يحكي عن الصالحين والذين حسنت خاتمتهم أنه يقول " نفعنا الله ببركاتهم "، وفيما معناه أنه كان يقول: أن نتبرك بقبورهم! فما الذي تحذرونا منه عن كتب ابن القيم ﵀، واقصد صاحب كتاب " بحر الدموع ".]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: خلط الأخ السائل بين شخصيتين، الأولى: ابن قيم الجوزية، والثاني: ابن الجوزي، وبينهما فرق في الاسم، والكنية، والميلاد، والاعتقاد. ١. فابن الجوزي: هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبد الله الجوزي. وهو منسوب إلى " فرضة الجوز " وهو مرفأ نهر البصرة، وقيل بل كانت في داره بواسط جوزة، لم يكن بواسط جوزة سواها. قال عنه ابن كثير: أحد أفراد العلماء، برَّز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوًا من ثلاثمائة مصنف. وقال عنه الذهبي: ما علمتُ أحداً صنَّف ما صنَّف هذا الرجل. وكان مشهوراً بالوعظ البليغ المؤثر. من أبرز شيوخه: القاضي أبو بكر الأنصاري، وأبو بكر المَزْرَفي. ومن أبرز تلامذته: عبد الغني بن عبد الواحد الجماعيلي المقدسي، عبد الحليم بن محمد بن أبي القاسم. من أبرز كتبه: " زاد المسير في علم التفسير "، " صيد الخاطر "، " المنتظم في تواريخ الأمم من العرب والعجم "، " تلبيس إبليس "، " أخبار الحمقى والمغفلين ". وكانت عقيدة ابن ابن الجوزي مضطربة، يميل إلى الأشعرية أحياناً كثيرة، وإلى السلف تارة أخرى. قال ابن رجب الحنبلي – ﵀ – في ذكر ما انتُقد على ابن الجوزي -: ومنها - وهو الذي من أجله نقم جماعة من مشايخ أصحابنا، وأئمتهم من المقادسة، والعلثيين -: مِن ميله إلى التأويل في بعض كلامه، واشتد نكيرهم عليه في ذلك، ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب، مختلف، وهو وإن كان مطلعاً على الأحاديث، والآثار في هذا الباب: فلم يكن خبيراً بحل شبهة المتكلمين، وبيان فِسادها، وكان معظِّماً لأبي الوفاء بن عقيل، يتابعه في أكثر ما يجد في كلامه، وإن كان قد ردَّ عليه في بعض المسائل، وكان ابن عقيل بارعاً في الكلام، ولم يكن تام الخبرة بالحديث، والآثار، فلهذا يضطرب في هذا الباب، وتتلون فيه آراؤه، وأبو الفرج تابع له في هذا التلون. قال الشيخ موفق الدين المقدسي: كان ابن الجوزي إمام أهل عصره في الوعظ، وصنف في فنون العلم تصانيف حسنة، وكان صاحب قبول، وكان يدرِّس الفقه، ويصنِّف فيه، وكان حافظاً للحديث، وصنَّف فيه، إلا أننا لم نرض تصانيفه في السنَّة، ولا طريقته فيها. انتهى " ذيل طبقات الحنابلة " (١ / ٤١٤) . فالحذر من قراءة كتبه التي ألفها في باب الصفات ككتاب " دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ". وكانت وفاته ﵀ في سنة (٥٩٧) هـ. وأما كتاب " بحر الدموع " الوارد في السؤال، فهو لهذا الأول، ابن الجوزي، وليس لابن القيم الآتي ترجمته فيما بعد. ٢. ابن قيم الجوزية – ويُختصر اسمه إلى ابن القيِّم -: هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعي. وكان والده عالماً مشهوراً بعلم الفرائض، كان قيِّماً – مسئولاً - للمدرسة الجوزية بدمشق , فعرف إمامنا بابن قيم الجوزية. ومن أبرز شيوخه: شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد لازمه ملازمة تامة مدة طويلة، ونهل من علمه. ومن أبرز تلامذته: ابن رجب الحنبلي، وابن عبد الهادي، وابن كثير، ﵏ جميعاً. ومن أبرز كتبه: أعلام الموقعين عن رب العالمين، أحكام أهل الذمة، بدائع الفوائد، زاد المعاد في هدى خير العباد، هداية الحيارى من اليهود والنصارى. وكان ابن القيم ﵀ سلفيّاً على الجادة. وكانت وفاته ﵀ في سنة (٧٥١) هـ. ثانياً: وأما بخصوص مقولة ابن الجوزي ﵀: " نفعنا الله ببركاتهم ": ففيها تفصيل: ١. فالبركة لا تكون في ذات أحدٍ مجرداً إلا رسول الله ﷺ ، فقد جعل الله تعالى ذات نبيه ﷺ ، وآثاره الطاهرة كشعْره وعرقه وبصاقه: جعله بركة، وليس هذا لأحدٍ غيره، ولو كان لإمام الأولياء بعده أبي بكر الصدِّيق ﵁. ٢. والبركة لا تكون في ميت، ولا منه، وليّاً كان أو دعيّاً. ٣. والبركة في أهل العلم والفضل تكون فيما تركوه من العلم النافع، والسنن الحسنة التي يقتدى بهم فيها، وما نفعوا الناس به من الدعوة إلى الله، والتربية على دينه، لا في ذواتهم المجردة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: نَحْنُ فِي بَرَكَةِ فُلَانٍ أَوْ مِنْ وَقْتِ حُلُولِهِ عِنْدَنَا حَلَّتْ الْبَرَكَةُ: فَهَذَا الْكَلَامُ صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ، بَاطِلٌ بِاعْتِبَارِ. فَأَمَّا الصَّحِيحُ: فَأَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّهُ هَدَانَا وَعَلَّمَنَا، وَأَمَرَنَا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ؛ فَبِبَرَكَةِ اتِّبَاعِهِ وَطَاعَتِهِ حَصَلَ لَنَا مِنْ الْخَيْرِ مَا حَصَلَ، فَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ. كَمَا كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَرَكَتِهِ لَمَّا آمَنُوا بِهِ وَأَطَاعُوهُ فَبِبَرَكَةِ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُمْ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بَلْ كُلُّ مُؤْمِنٍ آمَنَ بِالرَّسُولِ وَأَطَاعَهُ حَصَلَ لَهُ مِنْ بَرَكَةِ الرَّسُولِ بِسَبَبِ إيمَانِهِ وَطَاعَتِهِ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ. وأَيْضًا: إذَا أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ وَصَلَاحِهِ دَفَعَ اللَّهُ الشَّرَّ وَحَصَلَ لَنَا رِزْقٌ وَنَصْرٌ، فَهَذَا حَقٌّ ... ، فَبَرَكَاتُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ بِاعْتِبَارِ نَفْعِهِمْ لِلْخَلْقِ بِدُعَائِهِمْ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَبِدُعَائِهِمْ لِلْخَلْقِ وَبِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ الرَّحْمَةِ وَيَدْفَعُ مِنْ الْعَذَابِ بِسَبَبِهِمْ حَقٌّ مَوْجُودٌ؛ فَمَنْ أَرَادَ بِالْبَرَكَةِ هَذَا وَكَانَ صَادِقًا فَقَوْلُهُ حَقٌّ. وَأَمَّا " الْمَعْنَى الْبَاطِلُ ": فَمِثْلُ أَنْ يُرِيدَ الْإِشْرَاكَ بِالْخَلْقِ؛ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ مَقْبُورٌ بِمَكَانِ فَيَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يَتَوَلَّاهُمْ لِأَجْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَقُومُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهَذَا جَهْلٌ. فَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ مَدْفُونا بِالْمَدِينَةِ عَامَ الْحَرَّةِ، وَقَدْ أَصَابَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ وَالْخَوْفِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ، وَكَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَحْدَثُوا أَعْمَالًا أَوْجَبَتْ ذَلِكَ وَكَانَ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ يَدْفَعُ اللهُ عَنْهُمْ بِإِيمَانِهِمْ وَتَقْوَاهُمْ لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ كَانُوا يَدْعُونَهُمْ إلَى ذَلِكَ وَكَانَ بِبَرَكَةِ طَاعَتِهِمْ لِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَبَرَكَةِ عَمَلِ الْخُلَفَاءِ مَعَهُمْ يَنْصُرُهُمْ اللَّهُ وَيُؤَيِّدُهُمْ. وَكَذَلِكَ الْخَلِيلُ ﷺ مَدْفُونٌ بِالشَّامِ وَقَدْ اسْتَوْلَى النَّصَارَى عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ قَرِيبًا مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ وَكَانَ أَهْلُهَا فِي شَرٍّ. فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَيِّتَ يَدْفَعُ عَنْ الْحَيِّ مَعَ كَوْنِ الْحَيِّ عَامِلًا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهُوَ غالط. وَكَذَلِكَ إذَا ظَنَّ أَنَّ بَرَكَةَ الشَّخْصِ تَعُودُ عَلَى مَنْ أَشْرَكَ بِهِ وَخَرَجَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، مِثْلُ أَنْ يَظُنُّ أَنَّ بَرَكَةَ السُّجُودِ لِغَيْرِهِ وَتَقْبِيلَ الْأَرْضِ عِنْدَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ يُحَصِّلُ لَهُ السَّعَادَةَ؛ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَكَذَلِكَ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ يَشْفَعُ لَهُ وَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ بِمُجَرَّدِ مَحَبَّتِهِ وَانْتِسَابِهِ إلَيْهِ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ، وَنَحْوُهَا مِمَّا فِيهِ مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ مِنْ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْبِدَعِ: بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ وَلَا اعْتِمَادُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. " انتهى. "مجموع الفتاوى" (١١/١١٣-١١٥) . وقال ﵀ أيضا: وقول القائل: " أنا في بركة فلان " و " تحت نظره " إن أراد بذلك أن نظره، وبركته مستقلة بتحصيل المصالح، ودفع المضار: فكذب، وإن أراد أن فلاناً دعا لي فانتفعت بدعائه، أو أنه علَّمني، وأدبني، فأنا في بركة ما انتفعتُ به من تعليمه، وتأديبه: فصحيح، وإن أراد بذلك أنه بعد موته يجلب المنافع، ويدفع المضار، أو مجرد صلاحه، ودينه، وقربه من الله ينفعني من غير أن يطيع الله: فكذب. " الفتاوى الكبرى " (٥ / ٣٥٨) . وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم – ﵀ – عن قول: " كلك بركة "، أو " هذه من بركاتك "؟ . فأجاب: لا بأس بذلك، كما في قول أسيد بن حضير: " ما هي بأَول بركتكم يا آل أَبي بكر "، إذا تلمَّح أَن فيه البركات التي جعل الله فيه، أَو أَن الله الذي جعل فيه البركة، والبركات. والممنوع: " تباركت علينا يا فلان ". وسئل – كذلك – عن قول: " وأعاد علينا من بركته " عبارة شارح " زاد المستقنع ": فأجاب: يعني بركة علمه، وليس المراد بركة ذاته؛ فإن الذوات جعل الله فيها ما جعل من البركة، ولكن لا تصلح للتبرك بها، إلا نبينا محمد ﷺ ، من أَبعاضه، كرِيقه، ولا يقاس على النبي ﷺ غيره، والصحابة ما فعلوا مع أَبي بكر، وعمر من قصد البركة فيهما كما فعلوا مع النبي ﷺ . " فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " (١ / ١٠٣) . وحسن الظن بالمؤلف يقتضي القول أنه أراد أنه استفاد من علوم أولئك الذي وصفهم بما نقلته عنه، والظاهر أنه يدعو الله تعالى أن ينفعه بما تعلمه منهم، وهي البركة التي جاءته منهم. ثالثاً: وما فهمه الأخ السائل من كون قصد المؤلف ابن الجوزي أن مقولته تعني " التبرك بقبورهم ": بعيد جدّاً عن الصواب؛ لما قدمناه من التفصيل النافع إن شاء الله، في أن المقصود علم أولئك العلماء، وليس ذواتهم فضلاً أن يكون المراد به قبورهم! ، وهل يتبرك بالقبور عاقل فضلاً عن عالم؟! . قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: وأما التبرك بها - يعني: بالقبور -: فإن كان يعتقد أنها تنفع من دون الله : فهذا شرك في الربوبية، مخرج عن الملة، وإن كان يعتقد أنها سبب، وليست تنفع من دون الله: فهو ضال غير مصيب، وما اعتقده: فإنه من الشرك الأصغر، فعلى من ابتلي بمثل هذه المسائل أن يتوب إلى الله ، وأن يقلع عن ذلك قبل أن يفاجئه الموت فينتقل من الدنيا على أسوأ حال. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٢ / ٢٣١، ٢٣٢، سؤال رقم ٢٩٠)

стр. 809

الكفر العملي قد يكون مخرجاً من الملة [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن صدور كفر عملي مخرج من الملة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الكفر العملي يخرج من الملة: مثل السجود لغير الله، والذبح لغير الله، هذا كفر عملي يخرج من الملة، الذي يذبح للأصنام أو إلى الكواكب، أو إلى الجن كفر عملي أكبر، وهكذا لو صلى لهم أو سجد لهم، يكفر كفراً عملياً أكبر، وهكذا لو سب الدين أو سب الرسول أو استهزأ بالله أو بالرسول هذا كفر عملي أكبر، عند جميع أهل السنة والجماعة" انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٨/١٤٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 810

رسائل جوال تنشر الكهانة [السُّؤَالُ] ـ[انتشرت في هذه الأيام رسائل الـ "sms"، والتي تحتوي على بعض الرموز والأرقام والحروف، ثم يُطلب من الشخص أن يختار إحداها، فيُرسل إليه رسالة تخبره عن شيء في المستقبل، أو عن شخصيته. هي في الحقيقة عبارة عن لعبة، كما لو أني جلست وكتبت بعض العبارات عن المستقبل، وأعطيت كل عبارة شكلا، أو رمزا، أو حرفا محددا؛ ثم أطلب من أحد الأشخاص أن يختار إحداها. فهل في ذلك محذور شرعي؟ وهل يُعتبر هذا نوع من التنبؤ بعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله؟ وهل الرد على مثل هذه الرسائل معصية؟ وجزاكم الله خيرا ً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله علم الغيب من الأمور التي استأثر الله تعالى بها، واختص بها نفسه جل وعلا، دون من سواه من ملك مقرب أو نبي مرسل، وهو يطلع من يرتضيه من رسله على بعض الغيب، متى شاء وإذا شاء. وبذلك جاءت الآيات والأحاديث. قال : (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) هود /١٢٣ وقال تعالى: (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) يونس/٢٠ وقال : (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الكهف/٢٦ وقال سبحانه: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) آل عمران/١٧٩ وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) الأنعام/٥٠ قال الطبري ﵀: " قل لهؤلاء المنكرين نبوتك: لست أقول لكم إني الرب الذي له خزائن السماوات والأرض، فأعلمَ غيوب الأشياء الخفية، التي لا يعلمها إلا الرب الذي لا يخفى عليه شيء، فتكذبوني فيما أقول من ذلك؛ لأنه لا ينبغي أن يكون ربا إلا من له ملك كل شيء، وبيده كل شيء، ومن لا يخفى عليه خافية، وذلك هو الله الذي لا إله غيره " "تفسير الطبري" (١١/٣٧١) . وقال : (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) النمل/٦٥ قال القرطبي ﵀: "لا يجوز أن ينفي الله شيئا عن الخلق ويثبته لنفسه، ثم يكون له في ذلك شريك، ألا ترى إلى قوله تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) وقوله تعالى: (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) ، فكان هذا كله مما استأثر الله بعلمه لا يَشْرَكُه فيه غيره " انتهى. "تفسير القرطبي" (٤/١٧) وهذا الذي تسأل عنه هو من باب الكهانة والتنبؤ بالغيب، والرجم بالظن الكاذب، وهو من كبائر الذنوب وموبقات الأعمال. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " والذي يأتي إلى الكاهن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله من غير أن يصدقه، فهذا محرم، وعقوبة فاعله أن لا تقبل له صلاة أربعين يوماً، كما ثبت في صحيح مسلم (٢٢٣٠) أن النبي ﷺ قال: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) . القسم الثاني: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ويصدقه بما أخبر به، فهذا كفر بالله ، لأنه صدقه في دعوى علمه الغيب، وتصديق البشري دعوى علم الغيب تكذيب لقول الله تعالى: (قًُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ) النمل/٦٥. ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ . القسم الثالث: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ليبين حاله للناس، وأنها كهانة وتمويه وتضليل، وهذا لا بأس به، ودليل ذلك أن النبي ﷺ أتى ابن صياد، فأضمر له النبي ﷺ شيئاً في نفسه، فسأله النبي ﷺ ماذا خَبَّأ له؟ فقال: الدخ ـ يريد الدخان ـ. " انتهى. "مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين" (٢/١٨٤) . وما ورد في السؤال من أن هذه الرسائل عبارة عن لعبة، ليس صحيحا، وإنما هو كهانة ظاهرة، ودجل وشعوذة. ثم على افتراض صحة ذلك: فليس هذا مجال اللعب والتسلية، إنما ذكر أمر دين، وقضية إيمان وكفر؛ فكيف نقبل من السفهاء أن يلعبوا بأديان الناس، وعقائدهم، كهذا الذي ذكر في السؤال؟!! قال الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة/٦٥، ٦٦ ثم إن هؤلاء الذين يرسلون هذه الرسائل لا يقصدون بذلك الجهد والتعب: مجرد اللعب، إنما يقصدون أكل أموال الناس بالباطل، ونشر الضلال، والترويج للدجل والكهانة. فليست هذه الأمور من قبيل اللعب والتسلية بوجه أصلا، إلا عند من توجه عنده الاستهزاء بآيات الله. فعليك - أخي المسلم – الابتعاد عن هؤلاء القوم المفسدين، وعن ضلالهم، وإياك ومراسلتهم والتعاون معهم، وموافقتهم أو مخالطتهم بحال، فإن الله تعالى يقول في كتابه: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) النساء/١٤٠ ثم ننصحك بالمسارعة بالتوبة إلى الله : إن كنت قد حسنت الظن بحال هؤلاء المشعوذين، أو دخلت معهم في باطلهم، ولو على وجه اللعب؛ وإن من تمام توبتك: أن تنصح من تعلمه من إخوانك، ممن ابتلي بها، بحكمها في دين الله، وخطرها على دينه وإيمانه. نسأل الله أن يثبتنا وإياك على الإيمان، ويقينا شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن. وراجع إجابة السؤال رقم (٣٢٨٦٣) [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 811

صور من التمائم والتشاؤم يقع فيه بعض المسلمين [السُّؤَالُ] ـ[بعض الأمهات للأسف الشديد منتشر بينهم عادات غلط، وخطر بنفس الوقت، ومخالفة للدين..منها: ١. الحزازة للطفل المولود الذي يصيبه الحزق، فيقومون بجمع أي مبلغ مهما كان من سبعة أشخاص، على شرط أن يكون اسمهم " محمد "، ويذهبون به إلى " حدَّاد " لعمل ما يسمونه " الحزازة " تقريبا؛ ليعلقوها بملابس الطفل، فيذهب عنه الحزق. ٢. المرأة بعد وضعها للطفل وهي في حالة النفاس لا يجب أن يدخل عليها امرأة أخرى عليها الدورة الشهرية؛ لأنها تمنعها من الإنجاب. ٣. البنات الصغار بعد أن تتم لهن عملية الختان لا يجب أيضا أن يدخلن على بعض. وأشياء كثيرة من هذا القبيل، وأريد أعرف الدلائل الدينية لتحريم هذا؛ لأني أعتقد أن أول مسألة هي مثل التمائم، وفيها شرك بالله.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: هذه الخرافات التي يتناقلها كثيرون قولاً، وعملاً لا يدل عليها شرع ولا عقل، بل ورد الشرع بالنهي عنها وتحريمها، وأنها من صور الشرك. والخرافات الثلاثة الواردة في السؤال: الأول منها: يدخل في حكم " التمائم "، والثاني والثالث منها: يدخل في حكم " الطيَرة " وهي: " التشاؤم "، وقد جاء النص الواضح أن التمائم والطيرة شرك. ثانياً: أما الخرافة الأولى: فلها حكم التمائم جمع " تميمة " وسميت كذلك لاعتقادهم أنه بها يتم النفع ودفع الضر - وهي أشياء يعلقونها، مثل: الخرز، والخيوط، وحدوة الفرس، والعين الزرقاء، والكف، وغيرها كثير مما يعتقدون فيها أنها تجلب خيراً ونفعاً، أو تدفع شرّاً وضرّاً. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسعود ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ) . رواه أبو داود (٣٨٨٣) ، وابن ماجه (٣٥٣٠) ، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود". وحكم هذه " التمائم " – ومنها ما جاء في السؤال من تعليق " الحزازة " -: أن متخذها، أو المعلِّق لها إن اعتقد أنها سبب لجلب النفع، ودفع الضر، وأن النفع والضر بيد الله تعالى: فقد وقع في الشرك الأصغر؛ لأنه جعل ما ليس سبباً سبباً. وإن اعتقد أنها تنفع وتضر بذاتها: فقد وقع في الشرك الأكبر. فالواجب على كل من اتخذ شيئاً من ذلك، أو ما يشبهه: أن يتخلص منه، وأن يتوب إلى الله تعالى. فعن أَبَي بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولًا: (أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ - أَوْ قِلَادَةٌ - إِلَّا قُطِعَتْ) . رواه البخاري (٢٨٤٣) ومسلم (٢١١٥) . قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: " قوله: (قلادة من وَتَر - أو قلادة -) شك من الراوي، والأول أرجح؛ لأن القلائد كانت تُتخذ من الأوتار، ويعتقدون أن ذلك يدفع العين عن البعير، وهذا اعتقاد فاسد؛ لأنه تعلق بما ليس بسبب، وقد سبق أن التعلق بما ليس بسبب شرعي، أو حسي: شرك؛ لأنه بتعلقه أثبت للأشياء سببًا لم يثبته الله، لا بشرعه، ولا بقدره، ولهذا أمر النبي ﷺ أن نقطع هذه القلائد" انتهى. " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٩ / ١٦٩) . ثالثاً: أما الخرافة الثانية والثالثة: فهي من " الطِّيَرة "، وهي التشاؤم. وقد ثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الطيَرَةُ شِرْك) رواه أبو داود (٣٩١٠) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٢٩) . والواقع يكذِّب تلك الخرافات الواردة في السؤال، فكثيراً ما دخلت النساء الحيَّض على المرأة النفساء، تهنئة، أو صلة: ولم يمنع ذلك من أن تنجب مرة أخرى. ولمَ لا يدخل البنات المختتنات بعضهن على بعض. وما الضرر الذي يسببه دخول امرأة حائض، أو نفساء، أو بنت مختتنة، على بنت قد اختتنت لتوها؟! . إنه لا ضرر في ذلك، إنما هي أوهام، وخرافات، يتداولها العوام، مع جهل بالتوحيد، وبالعلم الشرعي، وغياب للعقل. ونسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 812

هل ثمة علاقة بين المعاصي والشرك ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل أكون مرتكباً للشرك إذا قمتُ بتكبير بعض أجزاء من جسمي، وقمت أيضاً بنمص حاجبي , فهل هذا يعد من الشرك , لأنني بذلك أقوم بتغيير خلق الله ؟ . وهل أكون مشركاً إذا استمعت إلى أغاني شركية، أو كفرية؟ مثلاً: هناك أغاني تحتوي على الكلمات التالية: " أنت كل شيء في حياتي"، فكلمة " كل شيء ": تتضمن أيضاً الله , فهل هذه الأغنية حرام؟ وهل أكون مشركاً إذا استمعتُ مجرد استماع دون أن أغنّي مع المغني؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: مما لا شك فيه أن المعاصي تتفاوت في الحرمة، وأنه ثمة فرق بين المعصية والشرك، وتغيير خلق الله تعالى بفعل ما نهى عنه الله تعالى طالباً للجمال: لا شك أنه من المحرمات، وأنه من كبائر الذنوب، وهو ليس شركاً بالله تعالى من حيث الأصل. والنمص – وهو إزالة شعر الحاجبين - جاء النص على أن فاعله والمفعول له ممن يستحقون اللعنة، وانظر في ذلك أجوبة الأسئلة: (٩٠٣٧) و (٢٠١٠٨) و (١٣٧٤٤) . والجراحات التي يجريها الرجال والنساء لتكبير عضو، أو تصغيره، أو نفخه، تغييراً لخلق الله تعالى بقصد الجمال: هو من الكبائر كذلك، وينظر في ذلك أجوبة الأسئلة: (١٠٠٦) و (٤٧٦٩٤) و (٢٤٢١٥) . والشرك بالله تعالى من أعظم المعاصي وأشدها، لكن ليست كل معصية شركا. قال الله تعالى: ومما يدل على ذلك: تفريق الشرع بين الشرك والذنوب في سياق واحد، والعطف يقتضي المغايرة. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ) . رواه البخاري (٢٦١٥) ومسلم (٨٩) . فالذنوب والمعاصي ليست من الشرك الأكبر قطعاً، لكن اقتراف الصغير منها يوشك أن يجرئ صاحبه على الكبير، والكبير يوشك أن يجرئ صاحبه على الشرك وشعبه، ولهذا قال من قال من السلف: المعاصي بريد الكفر؛ أي: أنها رسوله الموصل إليه. وأطلق عليها بعض السلف: " الشرك الخفي "، أو " الشرك الأصغر ". عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعود ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: (لَيْسَ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) . رواه البخاري (٣٢٤٦) ومسلم (١٢٤) . فهذا الحديث نصٌّ في المسألة، وهي أن المعاصي لا تكون شركاً أكبر. قال النووي – ﵀: وفي هذا الحديث جمَل من العلم، منها: أن المعاصي لا تكون كفراً. " شرح مسلم " (٢ / ١٤٣) . بل إن المعاصي، وإن لم تكن شركا أكبر مخرجا من الملة في نفسها، فإنها شعبة من شعبه، وعمل من أعمال أهله. ولذلك قال الإمام البخاري ﵀، في كتاب الإيمان من صحيحه: " بَاب الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ " انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: وقول النبي ﷺ (إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ) إن أراد به الشرك الأكبر: فمقصوده: أن مَن لم يكن مِن أهله: فهو آمِن مما وُعد به المشركون من عذاب الدنيا، والآخرة، وهو مهتد إلى ذلك، وإن كان مراده جنس الشرك: فيقال: ظُلم العبد نفسه كبخله - لحب المال - ببعض الواجب: هو شرك أصغر، وحبُّه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله: شرك أصغر، ونحو ذلك، فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه، ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم، بهذا الاعتبار. " مجموع الفتاوى " (٧ / ٨٢) . والخلاصة: أن فعل النمص، وتكبير أعضاء الجسم، ليس هو من الشرك الأكبر الذي يُخرج من الملَّة، ولا خلاف في ذلك بين أهل السنَّة والجماعة. لكن هذا لا يعني الاستهانة بأمرهما، بل هما محرمان من غير شك، بل يطلق بعض أهل العلم على أمثالهما: أنه من الشرك الأصغر، أو الشرك الخفي؛ لأن صاحبها قدَّم هواه على الشريعة، فاتخذه إلهاً، وجعل هذا العاصي ما يحبه هو مقدَّما على ما يُبغضه ربه تعالى. ثانياً: الأغاني الحالية التي تشتمل على المعازف: لا نشك في حرمتها، ولا نشك في أثرها السيئ على الناس كباراً وصغاراً، ذكوراً وإناثاً، وبخاصة تلك التي تكون مصورة، ويصحبها من المناظر المخجلة، والتهتك ما يسوء كل مسلم عفيف. ويُنظر تفصيل الحكم في هذا التحريم: أجوبة الأسئلة: (٤٣٧٣٦) و (٥٠٠٠) و (٥٠١١) . وإذا احتوت كلمات تلك الأغاني على جمل شركية: فلا شك في كفر قائلها، سواء كان المؤلف لها، أو المغني، والمشارك في غنائها؛ إذا كان يعلم معناها، ويعلم أن كلامه شرك، ولا ينفعه أن يكون قال ذلك مغنيا، أو لا عبا أو مازحا. وأما مستمعها، فإن كان يستمع هذه الكلمات، وهو عالم بما فيها من الشرك، وراض به، ومقر لما فيه: فهو شريكهم في إثم قول الشرك. قال الله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) النساء/١٤٠. قال الشيخ ابن سعدي ﵀: " أي: وقد بيَّن الله لكم، فيما أنزل عليكم، حكمَه الشرعي عند حضور مجالس الكفر والمعاصي: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ أي: يستهان بها؛ وذلك أن الواجب على كل مكلف ـ في آيات الله ـ: الإيمان بها، وتعظيمها وإجلالها وتفخيمها، وهذا المقصود بإنزالها، وهو الذي خَلَق الله الخَلْق لأجله، فضد الإيمان: الكفر بها، وضد تعظيمها: الاستهزاء بها واحتقارها، ويدخل في ذلك مجادلة الكفار والمنافقين لإبطال آيات الله ونصر كفرهم ... وكذلك يدخل فيه حضور مجالس المعاصي والفسوق التي يستهان فيها بأوامر الله ونواهيه، وتُقْتحم حدوده التي حدها لعباده. ومنتهى هذا النهي عن القعود معهم: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ ؛ أي: غير الكفر بآيات الله والاستهزاء بها. ﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾ أي: إن قعدتم معهم في الحال المذكورة ﴿مِثْلُهُمْ﴾ لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم؛ والراضي بالمعصية كالفاعل لها. " تفسير السعدي (٢١٠) . وأما بخصوص الجملة الواردة في السؤال: فلا نراها من الشرك، وهي من كذبات العاشقين والعاشقات، وإنما مراده بذلك: أنه أهم ـ عنده ـ من غيره من الناس، والظفر به: أهم عنده من غيره من المطالب، ولا نظن من يقول ذلك، أو يتغنى به: يطرأ على باله دخول الله، جل اسمه، في هذه الإطلاق. غير أن مثل هذا الكلام، هو مما ينهى عن سماعه والتغني به، لأمرين: الأول: أنها من جمل العشق والغرام المهيجة للشهوة والمسببة للفتنة. والثاني: أنها جاءت ضمن أغنية يحرم سماعها؛ لما فيها من معازف محرَّمة. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: فالمراد هنا الغناء المحرم، وهو يدور على شيئين: إما أن يكون موضوع الأغنية موضوعاً فاسداً، وإما أن تكون مصحوبة بآلة لهو محرمة، هذا هو الغناء المحرم؛ إما أن يكون الموضوع موضوعاً فاسداً، كوصف النساء، والمردان، والخمر، وما أشبه ذلك، هذا محرم لذات القصيدة؛ لأن الموضوع موضوع فاسد محرم، أو يكون الموضوع غير محرم في حد ذاته، فهذا إن صحبه آلة لهو: صار حراماً لما صحبه، وإن لم يصحبه آلة لهو: فليس بحرام، وإذا كانت الأغنية في مدح آلهة المشركين: فهذا حرام، ولا يحل؛ لأن هذا أشد من وصف الزنا، واللواط، وما أشبه ذلك. " الشرح الممتع " (١٠ / ١٨) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 813

حكم من تلفظ بكلمة الكفر غير مدرك معناها [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم من قال: " أنا شيوعي "، غير مدرك له؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله للكلمة شأن في دين الله عظيم؛ إذ بكلمة يقولها العبد يرفعه الله بها درجات، وبكلمة أيضا يهوي بها في جهنم. قال الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق/١٨. وروى البخاري (٥٩٩٦) ومسلم (٥٣٠٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) . وروى الترمذي (٢٢٤١) وصححه، عن بِلَال بْن الْحَارِثِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ) . وروى النسائي (٣٧١٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا) . صححه الألباني في الإرواء (٢٥٧٦) والشيوعية مذهب إلحادي قائم على إنكار وجود الله، وتقديس المادة، واعتبارها أساسا لكل شيء. ولا يقيم وزنا للدين، بصفة عامة، أي دين؛ بل يعتبرون الدين آفة من آفات الشعوب، أو ـ على حد قولهم: مخدرا للشعوب؛ يعني: أنه يلهيها عن مقاصدها المادية التي هي أساس مذهبهم. ولا شك أن هذا أحد أخطر المذاهب الكفرية في العصر الحديث، والتي فتنت بها أناسا كثيرين، واضطهدت كثيرا من أهل الدين والإيمان. ولا شك أن الواجب على من سمع بهذا المذهب، وعلم حاله: أن يكفر به، ويبرأ إلى الله منه، ومن أهله؛ فلا يجتمع تعظيم هذا المذهب، والإيمان به، أو الدعوة إليه، أو محبته ومحبة أهله: مع الإيمان في قلب عبد. فالمنتسب إليهم وهو على معرفة بأمرهم، وما هم عليه من الضلال: كافر بالله العظيم. فإن كان قائل هذا الكلام قد جهل أصل مذهبهم، أو اغتر بدعايتهم في النواحي الاجتماعية والاقتصادية، إلى مراعاة الفقراء، أو العناية بهم، وكفالة حقوقهم: فالواجب تعريفه بحقيقة المذهب، وخطره على الدين والإيمان، وأن الله قد أغنى عباده، بما أوحى إليهم من شرعه، عن كل دين وملة، ومذهب سواه. وننصح أن يكون توجيه من اغتر بمذهب القوم برفق ولين، وحسن حوار وبيان لأدلة ذلك من الشرع الحنيف. وينبغي أن يكون من يتعرض لذلك على إلمام كاف بذلك المذهب الكفري، وقدرة على الحوار والنقاش؛ لأن أكثر المفتونين بذلك المذهب ذوو جدل وخصومة. فإن كان حقا، جاهلا بذلك المذهب وأصوله، أو جاهلا بمصادمته للإيمان الواجب على العبيد، فهو معذور بجهله. وإن أصر ـ بعد البيان والتعريف ـ فهو كافر مرتد. نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا إيماننا، وأن يجنبنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 814

ما الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر من حيث التعريف والأحكام؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الشرك الأكبر: أن يجعل الإنسان لله ندا؛ إما في أسمائه وصفاته، فيسميه بأسماء الله ويصفه بصفاته، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأعراف/١٨٠، ومن الإلحاد في أسمائه: تسمية غيره باسمه المختص به أو وصفه بصفته كذلك. وإما أن يجعل له ندا في العبادة بأن يضرع إلى غيره تعالى، من شمس أو قمر أو نبي أو ملك أو ولي مثلا بقربة من القرب، صلاة أو استغاثة به في شدة أو مكروه، أو استعانة به في جلب مصلحة، أو دعاء ميت أو غائب لتفريج كربة، أو تحقيق مطلوب، أو نحو ذلك مما هو من اختصاص الله سبحانه - فكل هذا وأمثاله عبادة لغير الله، واتخاذ لشريك مع الله، قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف/١١٠. وأمثالها من آيات توحيد العبادة كثير. وإما أن يجعل لله ندا في التشريع، بأن يتخذ مشرعا له سوى الله، أو شريكا لله في التشريع، يرتضي حكمه ويدين به في التحليل والتحريم؛ عبادة وتقربا وقضاء وفصلا في الخصومات، أو يستحله وإن لم يره دينا، وفي هذا يقول تعالى في اليهود والنصارى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة/٣١، وأمثال هذا من الآيات والأحاديث التي جاءت في الرضا بحكم سوى حكم الله، أو الإعراض عن التحاكم إلى حكم الله والعدول عنه إلى التحاكم إلى قوانين وضعية، أو عادات قبلية، أو نحو ذلك. فهذه الأنواع الثلاثة هي الشرك الأكبر الذي يرتد به فاعله أو معتقده عن ملة الإسلام، فلا يصلى عليه إذا مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث عنه ماله، بل يكون لبيت مال المسلمين، ولا تؤكل ذبيحته ويحكم بوجوب قتله، ويتولى ذلك ولي أمر المسلمين إلا أنه يستتاب قبل قتله، فإن تاب قبلت توبته ولم يقتل وعومل معاملة المسلمين. أما الشرك الأصغر: فكل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص تسميته شركا، كالحلف بغير الله، فإنه مظنة للانحدار إلى الشرك الأكبر؛ ولهذا نهى عنه النبي ﷺ ، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت) بل سماه: مشركا، روى ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: (من حلف بغير الله فقد أشرك) رواه أحمد والترمذي والحاكم بإسناد جيد؛ لأن الحلف بغير الله فيه غلو في تعظيم غير الله، وقد ينتهي ذلك التعظيم بمن حلف بغير الله إلى الشرك الأكبر. ومن أمثلة الشرك الأصغر أيضا: ما يجري على ألسنة كثير من المسلمين من قولهم: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، ونحو ذلك، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، وأرشد من قاله إلى أن يقول: (ما شاء الله وحده) أو (ما شاء الله ثم شئت) ؛ سدا لذريعة الشرك الأكبر من اعتقاد شريك لله في إرادة حدوث الكونيات ووقوعها، وفي معنى ذلك قولهم: توكلت على الله وعليك، وقولهم: لولا صياح الديك أو البط لسرق المتاع. ومن أمثلة ذلك: الرياء اليسير في أفعال العبادات وأقوالها، كأن يطيل في الصلاة أحيانا ليراه الناس، أو يرفع صوته بالقراءة أو الذكر أحيانا ليسمعه الناس فيحمدوه، روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن محمود بن لبيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر: الرياء) ، أما إذا كان لا يأتي بأصل العبادة إلا رياء ولولا ذلك ما صلى ولا صام ولا ذكر الله ولا قرأ القرآن فهو مشرك شركا أكبر، وهو من المنافقين الذين قال الله فيهم: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ... الآية) ، إلى أن قال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) النساء/١٤٢-١٤٦. وصدق فيهم قوله تعالى في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) رواه مسلم في صحيحه. والشرك الأصغر لا يخرج من ارتكس فيه من ملة الإسلام، ولكنه أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر؛ ولذا قال عبد الله بن مسعود: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا) . وعلى هذا؛ فمن أحكامه: أن يعامل معاملة المسلمين فيرثه أهله، ويرثهم حسب ما ورد بيانه في الشرع، ويصلى عليه إذا مات، ويدفن في مقابر المسلمين، وتؤكل ذبيحته، إلى أمثال ذلك من أحكام الإسلام، ولا يخلد في النار إن أدخلها كسائر مرتكبي الكبائر عند أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج والمعتزلة. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/١٧٢-١٧٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 815

حكم الاستعانة بالقرين في علاج بعض الرقاة [السُّؤَالُ] ـ[يوجد شخص ظاهره الاستقامة، ويقول إنه يعالج الناس عن طريق القرين (أي: أن قرينه يسأل قرين المريض، ويخبره بالمرض) ، علماً أنه لا يسأل المريض عن اسم أمه، فما حكم هذا الفعل؟ وما حكم الذهاب لهؤلاء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كثيرة هي المخالفات الشرعية التي يقع فيها بعض الرقاة، ولو كانوا من أهل الاستقامة، فإن الشيطان وجد طريقه في النيل منهم، وإيقاعهم فيما يحرم من أفعال، وأقوال. ومن تلك المخالفات: الاستعانة بالجن، سواء كانت تلك الاستعانة بالقرين أم بغيره، فكل ذلك من كيد الشيطان، وتلبيسه على أولئك الرقاة. وقد سئل علماء اللجنة الدائمة: ... وفي بعض الحالات المرضية التي يستعصي علاجها عند الأطباء: نقرأ عليهم آيات الرقية، ولمرات عديدة، دون ظهور أي تأثير عليهم، فاكتشفنا طريقة لمخاطبة القرين قرينَ الشخص المريض! ومن خلالها يتم معرفة المرض، وقد تم علاج حالات كثيرة بهذه الطريقة، وهي: نطلب من المريض أن يردد: بسم الله أوله وآخره، مع الشهيق، ثم بعد مدة نكلم القرين ونحاوره. سؤالي هو: إن معلوماتنا عن القرين قليلة جدا لعدم وجود الأثر الكافي الذي يتحدث عنه، فمثلا: هل هو داخل الجسد أم خارجه، وما هي مدة بقائه مع المريض (الإنسان) ، وهل لكل إنسان قرين واحد أم إنه ممكن أن يتبدل في فترة من الفترات، وهل يبقى ملازم مع الإنسان أم أنه يتركه في أحيان ويعود إليه؟ وفي مرات عديدة جدّاً يذكر أن عمره (القرين) أصغر من عمر المريض. فرجائي الكبير من سماحة الشيخ الوالد أن يرد على هذه الأسئلة كتابة لينفع الله به المسلمين، فأفيدونا وأفتونا. فأجابوا: "..... الرقية الشرعية تكون بسورة الفاتحة، وآية الكرسي، وسورة الإخلاص، والمعوذتين، والآيات القرآنية، والأدعية النبوية الثابتة عن رسول الله ﷺ . ولا تجوز الاستعانة بالجن الذي تسمونه " القرين "، وسؤاله عن نوع مرض المريض؛ لأن الاستعانة بالجن: شرك بالله ، فالواجب عليكم: التوبة إلى الله من ذلك، وترك هذه الطريقة، والاقتصار على الرقية الشرعية، وفق الله الجميع لما فيه رضاه. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٤/٢٨٧– ٢٨٩) . وسئلوا – أيضاً – عن: الاستعانة بالجان في معرفة العين، أو السحر، وكذلك تصديق الجني المتلبس بالمريض بدعوى السحر والعين، والبناء على دعواه. فأجابوا: " لا تجوز الاستعانة بالجن في معرفة نوع الإصابة ونوع علاجها؛ لأن الاستعانة بالجن شرك، قال تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) ، وقال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) ، ومعنى استمتاع بعضهم ببعض: أن الإنس عظموا الجن، وخضعوا لهم، واستعاذوا بهم، والجن خدموهم بما يريدون، وأحضروا لهم ما يطلبون، ومن ذلك: إخبارهم بنوع المرض وأسبابه مما يطلع عليه الجن دون الإنس، وقد يكذبون، فإنهم لا يؤمنون ولا يجوز تصديقهم. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. "فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الثانية " (١/٩٢ – ٩٣) . وينظر – للمزيد -: أجوبة الأسئلة: (٧٨٥٤٦) و (١١١١٤) و (١١٠٦٣) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 816

اتباع العلماء والأمراء [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم اتباع العلماء أو الحكام في تحليل ما حرم الله أو العكس؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " اتباع العلماء أو الحكام في تحليل ما حرم الله أو العكس ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يتابعهم في ذلك راضياً بقولهم، مقدماً له، ساخطاً لحكم الله، فهو كافر؛ لأنه كره ما أنزل الله، وكراهة ما أنزل الله كفر؛ لقوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) محمد/٩، ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر، فكل من كره ما أنزل الله فهو كافر. القسم الثاني: أن يتابعهم في ذلك راضياً بحكم الله، وعالماً بأنه أمثل وأصلح للعباد والبلاد، ولكن لهوى في نفسه تابعهم في ذلك، فهذا لا يكفر، ولكنه فاسق. فإن قيل: لماذا لا يكفر؟ أجيب: بأنه لم يرفض حكم الله، ولكنه رضى به وخالفه لهوى في نفسه، فهو كسائر أهل المعاصي. القسم الثالث: أن يتابعهم جاهلاً، يظن أن ذلك حكم الله فينقسم قسمين: الأول: أن يمكنه معرفة الحق بنفسه فهو مفرط أو مقصر فهو آثم، لأن الله أمر بسؤال أهل العلم عند عدم العلم. الثاني: أن يكون جاهلاً ولا يمكنه معرفة الحق بنفسه فيتابعهم بغرض التقليد يظن أن هذا هو الحق فلا شيء عليه؛ لأنه فعل ما أُمر به وكان معذوراً بذلك، ولذلك ورد عن رسول الله ﷺ : (من أُفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه) ، ولو قلنا بإثمه بخطأ غيره للزم من ذلك الحرج والمشقة ولم يثق الناس بأحدٍ لاحتمال خطئه " انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀. "فتاوى علماء البلد الحرام" (ص ٤٧٥، ٤٧٦) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 817

تحليل الشخصية عن طريق حروف كتابتك وتوقيعك من الكهانة والعرافة [السُّؤَالُ] ـ[أحسن الله إليكم، كثر الحديث في المجالس وفي المنتديات بين مؤيد وبين رافض وأقيمت بعض الدورات التدريبية لتعلم علم الخط – تحليل الشخصية - المسمى بالجرافولوجي هل هو من الدجل والشعوذة أو ليس كذالك؟ وهل يجوز تعلمه؟ وأيضاً أحسن الله إليكم هل البرمجة اللغوية العصبية فيها دجل وشعوذة؟ وهل تنصحون بتعلمها؟ وجزاكم الله خيراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إن أحوج ما يكون إليه المسلمون في كل زمان: تعلم العقيدة الصحيحة، التي ينجيهم اعتقادها من سخط الله وعذابه، ويميزون من خلالها بين المبتدع والسنِّي، والصادق والكاذب، ومع حفظهم لدينهم فإنهم يحفظون أموالهم من أن يسلبها منهم أهل الفساد من أهل الكهانة، والعرافة، والشعوذة. ولا يزال هؤلاء يتفنون في إفساد عقائد الناس، وسلب أموالهم، بطوق ملتوية، ويتبرؤون فيها من كونهم على صفة الكهانة، أو الشعوذة، والعرافة. وانظر فيما نحن بصدده، فهذا " العرَّاف " و " الكاهن " يستطيع إخبارك بقائمة طويلة من صفاتك الخلْقية، والخلُقية، وشعورك، والأمراض الجسمية، والنفسية، وغير ذلك بأشياء منها: توقيعك! ، أو كلمات تخطها بيدك! أو رسماتك على الورق! ، ويسمون كهانتهم هذه: " الجرافولوجي ". فأي شيء جعله الله تعالى في تلك الحروف والكتابات والرسوم حتى يستدل ذلك الكاهن من خلالها على أمور غائبة عنه، وهي غيبية في واقع الحال؟! ثم يزعمون أنه لا يعلم الغيب إلا الله! وهكذا يستمر مسلسل الكذب، والكهانة، بأسماء مختلفة، وتسمى " علوماً " و " فنوناً "، وتُعقد لها الدورات القصيرة، بأثمان باهظة. وكل ما جاء في " الكهانة " و " العرافة " و " التنجيم " فهو ينطبق على أولئك الذي يزعمون تلك المعارف بكتابا الشخص، أو توقيعه، أو رسوماته. وانظر في ذلك جواب السؤال رقم: (٤٠٩٢٤) . ويُنظر تفصيلات – كذلك – في أجوبة الأسئلة: (٨٢٩١) و (٣٢٨٦٣) و (٤٥٥٦٩) و (١٢٥٧٨) . ثانياً: قالت الدكتورة فوز كردي - حفظها الله - وهي من أوائل من تنبه لطاغوت البرمجة العصبية وأخواتها، ولها ردود منتشرة عليهم، بل حازت على رسالتي الماجستير والدكتوراة في العقيدة وضمنتهما الرد على تلك البرامج والادعات والعلاجات -: من أنواع الوافدات الفكرية الباطنية أنواع من ما يسمى كذباً " تحليل الشخصية "، ففي استخدام مصطلح " تحليل الشخصية " تلبيس، يلبس به المبطلون على الناس إذ يظن طلاب هذه التحليلات أنها أداة علمية صحيحة، لذا أود التنويه بأن ما ينشر تحت هذا المصطلح، ويتداول بين الناس أنواع: منه ما هو شرك، ومنه ما هو علم، ومنه ما هو جهل: أولاً: تحليل الشخصية الباطل: وهو التحليل المدَّعى بحسب خصائص سرية، كشخصيتك من خلال لونك المفضل، أو حيوانك المفضل، أو حروف اسمك، وهذه في حقيقتها: كهانة، وعرافة، بثوب جديد لا تختلف عن القول بأن من ولد في نجم كذا فهو كذا، وحظه كذا. فهذه النماذج للتحليل تقوم على روابط فلسفية، وأسرار مدعاة، مأخوذة من الكتب الدينية للوثنيات الشرقية، وتنبؤات الكهان، ودعاواهم كخصائص الحروف، ومن ثم يكون مَن يبدأ اسمه بحرف كذا: شخصيته كذا، أو من يحب اللون كذا: فهو كذا، ومن يحب الحيوان كذا: فهو ميال إلى كذا، وغير ذلك مما قد يظن من يسمعه لأول وهلة بوجود أسس منطقية ينبني عليها مثل هذه الأنواع من التحليل، وحقيقة الأمر عقائد فلسفية يؤمن معتقدوها بما وراء هذه الأشياء (الألوان، الحيوانات، الحروف، النجوم....) من رموز! وأقلها ضرراً ما تبنى على مجرد القول بالظن الذي نهينا عنه لأنه يصرف عن الحق الذي تدل عليه العقول السليمة والمتوافق مع هدى النقل الصحيح. وكذا " تحليل الشخصية " من خلال الخط، أو التوقيع، يلحق بهذا النوع الباطل من وجه الكهانة والعرافة إذا تضمن ادعاء معرفة أمور تتعلق بأحداث الماضي، أو المستقبل، أو مكنونات الصدر دون قرينة صحيحة صريحة، إذ لا اعتبار للخصائص السرية المدعاة للانحناءات، أو الاستقامة، أو الميل، أو التشابك للحروف، والخطوط، ولا تعتبر بحال قرائن صحيحة في ميزان العقل السليم، فهذه النماذج ما هي إلا كهانة، وإن اتخذت من " تحليل الشخصية " ستاراً لها، قال الدكتور إبراهيم الحمد - معلقًا على الاعتقاد بتأثير تاريخ الميلاد، أو الاسم، أو الحرف -: " كل ذلك شرك في الربوبية؛ لأنه ادعاء لعلم الغيب ". ثانياً: " تحليل الشخصية " أو بعض سماتها العلمي الصحيح: وهو الذي يقوم به المختصون النفسانيون، ويعتمد على المقاييس العلمية، وطرق الاختبار الاستقرائية الرامية للكشف عن سمات أو ميول إيجابية في الشخصية خلال مقابلة الشخص، أو ملاحظة بعض فعاله، أو تصريحاته، أو سلوكه ومشاعره في المواقف المختلفة، بحيث تشكل نتائج هذه الملاحظة دلالات تدل على خفايا شخصية الإنسان يمكن إخباره بها، ودلالته على طريق تعديلها، وتنميتها. فهذه النماذج تختلف عن ذلك الهراء، والظن المحض، أو الرجم، والكذب، وتعتمد على معطيات حقيقية، وأسس سلوكية، يستشف من خلالها بعض الأمور، وتتضمن الدلالة على طريقة تعديل السيء منها، وتعزيز الجيد، ومن ثم تغيير الشخصية للأفضل، أو تزكية النفس، ولا تقف عند حد وصف الشخصية بوصف. ثالثاً: نماذج التحليل التي هي من قبيل الجهل والتعميم غير الصحيح: مثل شخصيتك من طريقة نومك، أو من طريقة مشيتك، أو طريقة استخدامك للمعجون! أو ... أو.... ومثلها شخصيتك من طريقة من حركات عينك، ونظراتك، إذا كانت للأعلى: فأنت كذا، وإذا كانت.... فهذه النماذج اعتمادها جهل محض، وإذا تبعها حديث عن الماضي، والحاضر، ومكنونات النفس: دخلت في الكهانة، والرجم بالغيب.... وخلاصة الأمر: أن في العلم الصحيح ما يغنينا عن الباطل، والجهل ففي الثابت المنقول ما يدلنا على سمات مهمة نكتشف بها أنفسنا، ومن نتعامل معهم، كقوله ﷺ : (آية المنافق ثلاث.....) ، وفي الثابت المعقول كثير من الدلالات الصحيحة مثل القول بأن خوف الشخص من دخول مكان واسع مزدحم يدل على خجل، وبوادر انطواء في شخصيته، ويحتاج صاحبه لتذكير بمعاني، وتدريب على سلوكيات ليتخطى هذا الحاجز، ويزكي شخصيته. انتهى مقال بعنوان " أنواع تحليل الشخصية [شرك، علم، جهل] " من موقعها: http://www.alfowz.com/index.php?option=com_content&task=view&id=١٤٣&Itemid=٢ وسئلت – حفظها الله -: ما قولكم بخصوص دورات تحليل الشخصية بناء على الخط؟ . فأجابت: قد غزت دورات " تحليل الشخصية " ساحة التدريب في الآونة الأخيرة، وكثر إقبال الناس عليها، أحياناً بدعوى هدف دعوة الأشخاص، وأحيانا بدعوى معرفة مناسبة هذا الشخص أو ذاك لصداقة، أو شراكة، أو زواج، أو أي أعمال مشتركة، أو غير ذلك من الأسباب. والحقيقة: أن الرغبة في اكتشاف المغيبات، ومعرفة دخائل النفوس: قد تكون في أصلها فطرية، تغذيها رغبة حب الاستطلاع، والاستكشاف لدى الإنسان، إلا أنها رغبة ينبغي أن تضبط بضوابط الشرع، وينظر إلى ما يفيد منها. والشرع قد وجهنا بالنسبة للأشخاص والرغبة في معرفة حقيقتهم بتوجيهات عامة، منها: الحكم على الظواهر بالقرائن الظاهرة، وترك السرائر إلى الله ، وأعطانا قرائن للصلاح، والفساد كما في دلالة االصدق، والمحافظة على الصلاة، على الإيمان. وجهنا للجوء إلى العليم بالسرائر عبر صلاة الاستخارة الذي يعلم ولا نعلم، ويقدر، ولا نقدر متضرعين متذللين. ولم يثبت في سيرة نبينا ﷺ ، ولا صحابته الكرام، ولا أحد من السلف المعتد بأقوالهم أنه حاول تحليل شخصية مَن أمامه، أو معرفة ماضيه، أو التكهن بمستقبله، إلا ما كان من ملاحظة قرائن ظاهر الحال. وبملاحظة مواد " تحليل الشخصية " المطروحة: يمكننا القول أن منها ما يتبع القرائن الظاهرة، كنماذج تحليل الشخصية العلمية التي عادة تشمل ملاحظة الإنسان لنفسه، أو لآخرين في مواقف متنوعة، وفق معايير متعارف عليها، فمثلا الانطوائي الطبع يشعر بالخجل في التجمعات الكبيرة، يتشاغل إذا قابل الناس هرباً من المواجهة، ونحو ذلك، وهذه الطرق وما شابهها نتاج علمي تعلّمه جيد؛ لتطوير الذات، وتربية الغير، مع ملاحظة أن مصمميها أنفسهم يعطون نسبة صدق معينة لنتائجها، ولا يجزمون بإطلاق النتيجة، ثم إنها تعطى كخطوة لتعديل السلوك، وتنمية الشخصية، فيتبعها عادة تدريبات تحدُّ – مثلاً - من الخجل، وتدفع لانطلاق أكبر. ومِن طرق تحليل الشخصية المتبع ما يتعلق بأمور باطنة، ويُزعم أنها حقائق قطعية، بل وتعدُّ حكماً على الشخصيات، لا خطوة لإصلاحها، وحقيقة هذه الأنواع: كهانة وعرافة بثوب جديد، لا تختلف عن القول بأن مَن ولد في نجم كذا، أو طالع كذا: فهو كذا، وحظه كذا! . وقد يزيِّن مروجو هذا الباطل باطلهم فيزعمون أنه " فراسة "! ، أو يلبسوه لبوس العلم والدراسات الاستقرائية، حتى يظن من يسمعه لأول وهلة بوجود أسس منطقية يبنى عليها، وحقيقة الأمر: أنها مجرد قول بالظن الذي نهينا عنه من وجه، كما أنها متعلقة بالتنجيم، والاعتقاد بالكواكب، وغيرها من وجه آخر، ثم هي تصرف عن الحق الذي جاء به النبي ﷺ ، وعن ما تدل عليه العقول السليمة، والمتوافق مع هدي النقل الصحيح، لذلك قال ابن تيمية عن أمثالها في عصره: " فإنها بديل لهم عن الاستخارة الشرعية ". وتقوم أكثر نماذج التحليل من هذا النوع على روابط فلسفية، وأسرار مدعاة، مأخوذة من الكتب الدينية للوثنيات الشرقية، وتنبؤات الكهان، ودعاواهم، كخصائص الحروف، ومن ثم يكون مَن يبدأ اسمه بحرف كذا: شخصيته كذا، أو خصائص الألوان، فمن يحب اللون كذا: فهو كذا، أو أسماء الأبراج الصينية، فمن يحب الحيوان كذا: فهو ميال إلى كذا، وغير ذلك، وأكثر هذه الأمور عند التدقيق فيها: تشمل أمورا صحيحة، وأخرى خاطئة، ممزوجان معاً، لذا تشتبه على كثير ممن يلاحظون الصواب فيها فقط. ومن هذا النوع الفاسد: ما انتشر مؤخراً بثوب علمي متخذا اسم " علم الجرافلوجي " ومضمونه " تحليل الشخصية " عبر الخط، أو التوقيع، فالحقيقة: أن ما يتضمنه هذا العلم - إن سلمنا بهذا الوصف له - هو الظن، والرجم بالغيب، مع العرافة، والكهانة، وكلما كان صاحبه أحذق: كلما كان أقرب إلى إعانة الشياطين، بإخبارهم ببعض المغيبات الماضية، أو المستقبلية، مزينين له الباطل على أنه علم إنما تلقاه من معرفته بخصائص دلالة هذا الانحناء في التوقيع، وتلك الزواية في طريقة كتابة حرف كذا، ونحو ذلك، وقد عجبت من تلك المدربة المسلمة - عفوا " العرَّافة " - التي مضت تخبر المعلمات في إحدى المدارس بطفولتهن، وما تحب كل واحدة، وماذا تكره، وماذا تتوقع لها مستقبلاً، زاعمة أن ذلك من فراستها في خطهن وتوقيعاتهن!! . ولو فكرنا بعقولنا فقط بعيداً عن تأثير الدعاية لفوائد هذه الدورات وإيحاءات نفعها لنتساءل: ما الفائدة المرجوة من ورائها وهي تعطي حكماً على الشخصيات، لا تعطي دلائل على السمات، وتدل على طرق تقويمها؟ . ثم أي خط ذلك الذي تستشف منه شخصية شخص بارع في محاكاة الخطوط جميعها، وتزوير التوقيعات؟ ما هو مصدر هذا العلم؟ من هم أهله؟ رواده؟ ماهي مصادره المكتوبة؟ ماهي قيمته في الساحات العلمية؟ وما هي فوائده للحياة والعبادة، في الدنيا والآخرة؟ لمَ لَم يعلمنا إياه رسولنا الحبيب ﷺ الذي ما ترك من خير إلا ودلَّنا عليه، ولا شر إلا وحذرنا منه، فجزاه الله عنَّا بخير ما جزى نبيّاً عن أمته، ألف تساؤل وتساؤل، قد يجد المفتونون بهذه الضلالات جواباً لبعضها، ويجيدون التهرب من بعضها، ويبقى أكثرها دون إجابة شافية. وختاماً: أؤكد أن كل ما نحتاجه لنعرف أنفسنا، ونعرف الآخرين: قد دل عليه النقل الصحيح، أوالعقل الصريح، وما دون ذلك: فهو تزيين الشياطين، وإغواؤهم، وصرفهم لبني آدم عما ينفعهم، وتحليل الشخصية أو بعض سماتها بالمنهج العلمي الذي يقوم به المختصون يختلف عن هذا الهراء الباطل، فالتحليل الصحيح يعتمد على معطيات حقيقية، وأسس سلوكية، يستشف من خلالها بعض السمات العامة للشخصية، ويتضمن الدلالة على طريقة تعديل السيء منها، وتعزيز الجيد، ومن ثَمَّ تغيير الشخصية للأفضل، أو ما نسميه " التربية "، و " تزكية النفس ". وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصرفَ عنَّا لالات الباطنية. http://www.alfowz.com/index.php?option=com_content&task=view&id=٨٧&Itemid=٢ والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 818

حكم سن القوانين الوضعية [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم سن القوانين الوضعية؟ وهل يجوز العمل بها؟ وهل يكفر الحاكم بسنة هذه القوانين؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " إذا كان القانون يوافق الشرع فلا بأس به، مثل أن يسن قانونا للطرق ينفع المسلمين، وغير ذلك من الأشياء التي تنفع المسلمين، وليس فيها مخالفة للشرع، ولكن لتسهيل أمور المسلمين فلا بأس بها. أما القوانين التي تخالف الشرع فلا يجوز سنها، فإذا سن قانونا يتضمن أنه لا حد على الزاني، أو لا حد على السارق، أو لا حد على شارب الخمر، فهذا قانون باطل، وإذا استحله الوالي كفر، لكونه استحل ما يخالف النص والإجماع، وهكذا كل من استحل ما حرم الله من المحرمات المجمع عليها فهو يكفر بذلك " انتهى. "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز" (٧/١٠٦) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 819

حكم من يأخذ على نفسه العهد بالعمل بالقانون [السُّؤَالُ] ـ[في كثير من البلاد يلتزم المسؤول ويأخذ على نفسه العهد أنه سيعمل بقانون الدولة ولا يخالفه فما حكم ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: يجب أن يعلم أن القوانين الوضعية، التي وضعها البشر، وحلَّت محل الشريعة الإسلامية لا يجوز تطبيقها ولا العمل بها ولا الرضا بها ولا إقرارها. والواجب على جميع المسلمين أن يكون تحاكمهم إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله محمد ﷺ . قال الله تعالى: (إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) يوسف/٤٠، وقال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء/٦٥. وانظر جواب السؤال رقم (١١٣٠٩) و (١١٨١٣٥) و (١٢٠٨٥٧) لمعرفة حكم العمل بالقوانين الوضعية. ثانياً: ليس هناك أحد من البشر ـ كائناً من كان ـ تجب طاعته في كل ما يأمر به أو نهى عنه ـ إلا رسول الله ﷺ ، ولهذا قال الإمام مالك ﵀: كلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر الرسول ﷺ . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فمن جعل غير الرسول تجب طاعته في كل ما يأمر به، وينهى عنه، وإن خالف أمر الله ورسوله، فقد جعله ندا، وربما صنع به كما تصنع النصارى بالمسيح ويدعوه، ويستغيث به، ويوالي أولياءه، ويعادي أعداءه، مع إيجابه طاعته في كل ما يأمر به، وينهى عنه، ويحلله ويحرمه، ويقيمه مقام الله ورسوله، فهذا من الشرك الذي يدخل أصحابه في قوله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله) " انتهى. "مجموع الفتاوى" (١٠/٢٦٧) . وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٢٨٤) : " يجب أن يكون عمل الإنسان وفق شريعة الله تعالى، فلا يجوز أن يأخذ على نفسه عهداً أن يعمل بقانون دولة أو طائفة أو فئة ما من البشر بإطلاق. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. وبهذا يتبين أنه لا يجوز للمسلم أن يأخذ على نفسه العهد بالعمل بقانون دولة ما؛ لأن هذه القوانين كثير منها يخالف الشرع، فكيف يعلن المسلم التزامه بها، مع أن الواجب عليه أن يعلن براءته منها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 820

يقول في أثناء كلامه: بالأمانة [السُّؤَالُ] ـ[أحياناً يقول الرجل أثناء كلامه: بالأمانة كذا، ولا يقصد الحلف بالأمانة، وإنما يقصد أنه يتكلم بأمانة ولا يكذب، فما حكم ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ما دام أنه لم يقصد الحلف بالأمانة، فلا حرج عليه إن شاء الله، والأفضل له أن يعدل عن هذا الأسلوب، حتى لا يفهم المتكلم معه أنه يحلف بغير الله. وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: رجل أراد أن يشتري من تاجر سلعة فأعطاه ثلاثة أنواع منها، فقال له الرجل: تخبرني عن الأفضل من هذه السلع، وقال التاجر: بالأمانة هذا هو الأفضل، وكلا الرجلين لم يقصد يمينا، وإنما قصدهما ائتمان أحدهما الآخر في الإخبار بالحقيقة، ويسأل هل هذا يعتبر كفرا وإلحادا؟ فأجابوا: " إذا لم يكن أحدهما قصد بقوله: بالأمانة الحلف بغير الله، وإنما أراد بذلك ائتمان أخيه في أن يخبره بالحقيقة، فلا شيء في ذلك مطلقا، لكن ينبغي ألا يعبر بهذا اللفظ الذي ظاهره الحلف بالأمانة. أما إذا كان القصد بذلك الحلف بالأمانة فهو حلف بغير الله، والحلف بغير الله شرك أصغر، ومن أكبر الكبائر؛ لما روى عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) ، وقال ﷺ : (من حلف بالأمانة فليس منا) ، وقال ابن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا) . وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى. الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٢٧٤) . وللفائدة ينظر جواب السؤال رقم (١٣٠١٩) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 821

معنى (لعن الله من ذبح لغير الله) . [السُّؤَالُ] ـ[يقول ﷺ : (لعن الله من ذبح لغير الله) ما هو المقصود من ذلك؟ وهل الذبح للضيف يكون من الذبح لغير الله؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "المقصود من الحديث: تحريم الذبح لمن مات من الأنبياء والأولياء؛ رجاء بركتهم، والذبح للجن؛ إرضاء لهم، ورجاء قضائهم للحاجات، أو دفعاً لشرهم، فإن هذا شرك أكبر يستحق فاعله لعنة الله وغضبه. أما الذبح للضيوف إكراماً لهم، أو للأهل توسعةً عليهم، والذبح تقرباً إلى الله من أجل أن تجعل صدقة على الأموات يرجى ثوابها من الله للحي والميت، فهذا جائز، بل هو إحسان يرجى ثوابه من الله، وهكذا الضحايا يوم النحر عن الأموات والأحياء. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/١٩٦) . وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" أيضاً (١/٢٢٥) : " يجوز ذبح الذبيحة للضيف ويذكر اسم الله عليها عند الذبح، وليس ذلك داخلا في عموم قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) ، بل المقصود في الآية ما ذبح لغير الله، كالذبح للأموات ونحوهم تقربا إليهم، أما الذبح للضيف، فالمقصود به إكرامه لا عبادته؛ لأن الرسول ﷺ أمر بإكرام الضيف. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. وللفائدة ينظر جواب السؤال رقم (٤٤٧٣٠) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 822

المقارنة بين الشريعة والقانون [السُّؤَالُ] ـ[هل المقارنة بين الشريعة والقانون يعد انتقاصاً للشريعة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " إذا كانت المقارنة لقصدٍ صالحٍ كقصد بيان شمول الشريعة وارتفاع شأنها، وتفوقها على القوانين الوضعية، واحتوائها على المصالح العامة فلا بأس بذلك؛ لما فيه من إظهار الحق، وإقناع دعاة الباطل، وبيان زيف ما يقولون في الدعوة إلى القوانين، أو الدعوة إلى أن هذا الزمن لا يصلح للشريعة أو قد مضى زمانها.. لهذا القصد الصالح الطيب، ولبيان ما يردع أولئك، ويبين بطلان ما هم عليه، ولتطمئن قلوب المؤمنين، وتثبيتها على الحق، ولهذا كله لا مانع من المقارنة بين الشريعة والقوانين الوضعية، إذا كان ذلك بواسطة أهل العلم والبصيرة المعروفين بالعقيدة الصالحة، وحسن السيرة، وسعة العلم بعلوم الشريعة ومقاصدها العظيمة " انتهى. سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀. "مجلة البحوث الإسلامية" (٢٧/٨٩) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 823

عمر لم يتوسل بجاه العباس ﵄ [السُّؤَالُ] ـ[حديث: أنس بن مالك ﵁ أن عمر ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: (اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون) هل هو صحيح؟ وهل يدل على جواز التوسل بجاه الأولياء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "هذا الحديث الذي أشار إليه السائل حديث صحيح رواه البخاري، لكن من تأمله وجد أنه دليل على عدم التوسل بجاه النبي ﷺ ، أو غيره؛ وذلك أن التوسل هو اتخاذ وسيلة؛ والوسيلة هي الشيء الموصل إلى المقصود؛ والوسيلة المذكورة في هذا الحديث (نتوسل إليك بنبينا فتسقينا؛ وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) المراد بها التوسل إلى الله تعالى بدعاء النبي ﷺ ، كما قال الرجل: (يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا) ولأن عمر قال للعباس: (قم يا عباس فادع الله، فدعا) ، ولو كان هذا من باب التوسل بالجاه لكان عمر ﵁ يتوسل بجاه النبي ﷺ قبل أن يتوسل بالعباس؛ لأن جاه النبي ﷺ أعظم عند الله من جاه العباس، وغيره؛ فلو كان هذا الحديث من باب التوسل بالجاه لكان الأجدر بأمير المؤمنين عمر ﵁ أن يتوسل بجاه النبي ﷺ ، دون جاه العباس بن عبد المطلب. والحاصل: أن التوسل إلى الله تعالى بدعاء من ترجى فيه إجابة الدعاء لصلاحه لا بأس به؛ فقد كان الصحابة ﵃ يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء النبي ﷺ لهم؛ وكذلك عمر ﵁ توسل بدعاء العباس بن عبد المطلب ﵁، فلا بأس إذا رأيت رجلاً صالحاً حرياً بالإجابة لكون طعامه وشرابه وملبسه ومسكنه حلالاً وكونه معروفاً بالعبادة والتقوى، لا بأس أن تسأله أن يدعو الله لك بما تحب، بشرط أن لا يحصل في ذلك غرور لهذا الشخص الذي طلب منه الدعاء، فإن حصل منه غرور بذلك فإنه لا يحل لك أن تقتله وتهلكه بهذا الطلب منه؛ لأن ذلك يضره. كما أنني أيضاً أقول: إن هذا جائز؛ ولكنني لا أحبذه، وأرى أن الإنسان يسأل الله تعالى بنفسه دون أن يجعل له واسطة بينه وبين الله، وأن ذلك أقوى في الرجاء، وأقرب إلى الخشية، كما أنني أيضاً أرغب من الإنسان إذا طلب من أخيه الذي ترجى إجابة دعائه أن يدعو له، أن ينوي بذلك الإحسان إليه - أي إلى هذا الداعي - دون دفع حاجة هذا المدعو له؛ لأنه إذا طلبه من أجل دفع حاجته صار كسؤال المال وشبهه المذموم، أما إذا قصد بذلك نفع أخيه الداعي بالإحسان إليه - والإحسان إلى المسلم يثاب عليه المرء كما هو معروف - كان هذا أولى وأحسن. والله ولي التوفيق" انتهى. "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (٢/٢٧٧) . ولمزيد الفائدة حول حديث توسل عمر بالعباس ﵄، وبيان أن هذا التوسل كان بدعائه، لا بجاهه، انظر كتاب "التوسل" للشيخ الألباني ﵀ ص (٥٠-٦٨) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 824

حكم تشريع القوانين الوضعية ورأي الشيخ ابن عثيمين في ذلك [السُّؤَالُ] ـ[هل تشريع الأحكام الوضعية، ووضع دستور للحكم به بدلا من شرع الله أمر مختلف فيه بين أهل العلم، وكلا القولين من أقوال أهل السنة؟ حيث دار نقاش بين إخوة في: هل هذا العمل كفر مخرج من الملة أم هو معصية؟ نرجو البيان والتوضيح. وهل يحق للمقلد أخذ أي القولين أم لا؟ وهل للعلامة ابن العثيمين قول في آخر حياته يقول إن التشريع معصية خلافا لقوله الأول أنه كفر أكبر؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد الله أولا: تشريع الأحكام الوضعية المخالفة لحكم الله ورسوله في الدماء والأعراض والأموال، كفر أكبر مخرج عن ملة الإسلام، لا شك في ذلك ولا ريب، ولا خلاف فيه بين علماء الإسلام، فإن هذا التشريع منازعة لله تعالى في حكمه، ومضادة له في شرعه، وقد قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) الشورى/٢١. وقال سبحانه في طاعة من أباح الميتة: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام/١٢١. وقال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) النساء/٦٠، ٦١. وإذا كان هذا حكم الله فيمن أراد التحاكم إلى الطاغوت، فكيف بالطاغوت نفسه الذي يشرع من دون الله. وكيف لا يكون التشريع المخالف لشرع الله كفرا، وهو لابد يتضمن تحليل الحرام، وتحريم الحلال، أو إعطاء المشرعين الحق في ذلك، فلهم أن يحلوا ما شاءوا، وأن يحرموا ما أرادوا، وما اتفق عليه أغلبيتهم كان واجب التنفيذ، يعاقب ويجرّم من يخالفه، وهذا غاية الكفر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه، كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء " انتهى من "مجموع الفتاوى" (٣/٢٦٧) . وقال ابن كثير ﵀: " فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟! من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين " انتهى من "البداية والنهاية" (١٣/١٣٩) . و (الياسا) ويقال: (الياسق) هي قوانين جنكيز خان التتاري الذي ألزم الناس بالتحاكم إليها. ولاشك أن من باشر التشريع بنفسه كان أعظم كفرا وضلالا ممن تحاكم إليه. وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: " ويفهم من هذه الآيات كقوله: (ولا يشرك في حكمه أحدا) ، أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله. وهذا المفهوم جاء مبينا في آيات أخر. كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم. وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى ـ هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم) ، وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم: (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا) ، وقوله تعالى: (إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا) أي ما يعبدون إلا شيطانا، أي وذلك باتباع تشريعه. ولذا سمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء في قوله تعالى: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ... ) الآية. وقد بين النبي ﷺ هذا لعدي بن حاتم ﵁ لما سأله عن قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ... ) الآية، فبين له أنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم في ذلك، وأن ذلك هو اتخاذهم إياهم أربابا. ومن أصرح الأدلة في هذا: أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب. وذلك في قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا) . وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعل على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم". إلى أن قال: " وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض. كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث. وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك. فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم ـ كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها عن أن يكون معه مشرع آخر علوا كبيرا (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) ، (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) " انتهى من "أضواء البيان" في تفسير قوله تعالى: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) الكهف/٢٦. وينظر جواب السؤال رقم (١١٣٠٩) و (٩٧٤) . ثانيا: المستفيض عن الشيخ ابن عثيمين ﵀ هو تصريحه بأن تشريع القوانين المخالفة لما أنزل الله كفر أكبر، وقد ذكر هذا في مواضع من كتبه، كشرح كتاب التوحيد، وشرح الأصول الثلاثة، وشرح السياسة الشرعية، وفتاواه المطبوعة في العقيدة، ولقاءات الباب المفتوح، وكلامه في هذه المواضع متفق يجري على قاعدة واحدة، وهي أن التشريع ووضع القوانين المخالفة لشريعة الله من الكفر الأكبر، وأما الحاكم بغير ما أنزل الله فهو الذي قد يكون كافراً أو ظالماً أو فاسقاً حسب الجرم الذي ارتكبه، ولا نعلم للشيخ ﵀ قولا آخر يجعل هذا التشريع من الكفر الأصغر، ولو كان للشيخ قول آخر لذاع وانتشر، ولصرح الشيخ برجوعه عن قوله الأول، وسعى في منع نشره، ومن ظن أن أحدا من أهل العلم يرجع عن أمر يتبين له خطؤه، ثم يستمر في نشر القول الخطأ حتى يموت دون إنكار له، أو وصية بحذفه، فقد أساء به الظن، وقدح في دينه وأمانته، فإن القول الباطل لا يجوز نشره ولا السكوت عليه، لا سيما إذا كان متعلقا بمسألة كبيرة كهذه. ومن كلامه ﵀ في هذه المسألة: ما جاء في "شرح الأصول الثلاثة": " من لم يحكم بما أَنزل الله استخفافا به، أو احتقارا له، أو اعتقادا أن غيره أصلح منه، وأنفع للخلق أو مثله فهو كافر كفرا مخرجا عن الملة، ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجا يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية، والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه " انتهى من "مجمع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين" (٦/١٦١) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 825

عمَّتها تعتقد اعتقادات كفرية، وتعمل أعمالاً جاهلية ؟! [السُّؤَالُ] ـ[في البداية أود الاعتذار لأن الرسالة ستكون طويلة، ولكن ثقتي في سعة صدوركم لتقديم الفائدة كبيرة إن شاء الله، وأود أن تساعدوني بطريقتكم الدعوية لإعادة عمتي للنهج الصحيح للقرآن والسنة. عمتي في الخمسينات من عمرها، ولديها ٤ بنات، تزوجت أولاهن في الصيف الفائت، وهي تفعل العديد من الأشياء المنافية للقرآن والسنة، وما يخرج أحيانا من الملة والعياذ بالله، كما نسمع ونتعلم من علمائنا الأفاضل. ١- فعمتي تذهب للمنجمين والعرافين للاستعلام عن أي مشكلة تقع فيها بدعوى معرفة الأسباب الحقيقية وراء المشكلة. ٢- أيضا هي تعتقد بنفع وضر الأولياء الصالحين، ولديها وليٌّ نسبت نفسها وبناتها له، وتسعى لتطبيق عاداته أو طريقته كما يقولون، وتذبح له الذبائح، وتخشى منه إذا أخلت ببعض طرقه أن يعاقبها، وتفاصيل ذلك كثيرة، ولكني لا أريد الإطالة. ٣- هناك أيضا ظاهرة اجتماعية وهي عبارة عن تعويذة وتسمى هنا (الصفيحة) وهي كالآتي: تقوم الأم قبل بلوغ بناتها بجرحهم ٧ جروح خفيفة على مستوى الركبة، ثم تقوم بغمس ٧ حبات زبيب، وتقوم البنت بأكلها، ولا أدري إن كان يصاحب ذلك كلام أو لا، هذه التعويذة تجعل الفتاة منيعة من ناحية الاعتداءات الجنسية كما يزعمون، ولا تقوم الأم بنزع هذه التعويذة إلا يوم زواج البنت بنفس الطريقة في المرة الأولى ليتمكن زوجها من الدخول بها، وإذا حدث ونسيت ذلك فلن يستطيع الزوج أن يفعل شيئاً مهما حاول حتى تستدعى الأم وتقوم بفك التعويذة، والحديث منسوب لعمتي التي قامت بها لجميع بناتها، وتبرر صحة هذه العادة بالعديد من الحالات التي نسيت الأم فتح التعويذة ولم ينجح الأزواج بالدخول بزوجاتهم إلا بعد فكها، ولما سألتها هل لديها عنها أصل في القرآن والسنة فربما كانت حراماً قالت لي أكل شيء تحرمونه، هذه عادة معروفة والعديد من الناس يفعلونها ومعروفة بنجاعتها. ٤- كل هذا بالإضافة لمشاهدة الأفلام والفيديو كليب بجميع أنواعه و" ستار أكاديمي "، وما إلى ذلك من البرامج التليفزيونية، وأيضا تعلق الصور بالبيت والتحف الفخارية على شكل عرائس وحيوانات، وحضور حفلات الأعراس الممتلئة بالمعاصي، فهي أيضاً قامت بتزويج ابنتها بهذه الطريقة. المحير أنها تصلي وتذهب كل جمعة للمسجد للصلاة، وتقرأ القرآن، وتتصدق، ولكنها ترفض التسليم بتحريم ما تفعله كلما خاض بعض الأقارب الموضوع معها، وتقول: كل شيء تريدون تحريمه، ثم أنا أخاف - وتعني بذلك من الولي -. أنا أريد التحدث معها منذ مدة، ولكني أجلت ذلك لأدعم كلامي بفتاوى من العلماء مدعمة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأشهر تفاسير العلماء كي لا أدع لها مجالاً للتشكيك فيما أقول، فأرجو من فضيلتكم المساعدة لأني سأطبع إجابتكم وأقدمها لها عند حديثي معها كدليل وحجة، وأود نصيحتك في كيفية التحدث معها. وجزاكم الله كل خير، وكلل مسعانا هذا بالنجاح إن شاء الله فهو ولي ذلك والقادر عليه، وهدانا جميعا لما يحب ويرضى، فكما قال ﵊ بما معناه لأن يهدي بك الله عبداً خيراً لك من حمر النعم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نشكر لك أختنا السائلة هذه الغيرة على دين الله، ونسأل الله أن يجزيك خير الجزاء عليها، وأن يكلل مسعاكِ في دعوة عمتك بالنجاح، فيهديها الله، ويجعل أعمالها في ميزان حسناتك. ثانياً: ولا يخفى عليكِ أختنا الفاضلة انتشار التصوف والقبورية في أرجاء الأرض، فبعض الدول الإسلامية يوجد فيها حوالي ٣ آلاف قبر يُعظَّم! وزبائن القبور والمشاهد والأوثان في العالَم الإسلامي يعدون بمئات الملايين! وللأسف أنهم يُحسبون على المسلمين، ويُحسب فعلهم على الإسلام، ولا ندري – حقيقة – كيف لمسلم يشهد الشهادتين يفعل مثل هذا، وهو يعلم ما جاء به نبيه من تحطيم الأصنام، ونقض لعقائد الجاهلية، والتي بعضها أقل كفراً من عقائدهم التي ينسبونها للإسلام، فالجاهليون كانوا إذا أصابهم الضر في البحر دعوا الله مخلصين له في الدعاء، لعلمهم أنه لا ينجيهم من كربهم إلا الله، ومشركو زماننا من أهل القبور والأوثان وتعظيم الأولياء يدعون وليهم في السراء والضراء! . ثالثاً: قال الإمام البغوي – ﵀: الكاهن: هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدَّعي معرفة الأسرار، ومطالعة علم الغيب، وكان في العرب كهنة يدعون معرفة الأمور، فمنهم من كان يزعم أن له رئيساً من الجن، وتابعة، تُلقي إليه الأخبار، ومنهم مَن كان يدَّعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه. والعرَّاف: هو الذي يدَّعي معرفة الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها، كالمسروق مَن الذي سرقها، ومعرفة مكان الضالة، وتُتهم المرأة بالزنى، فيقول من صاحبها، ونحو ذلك من الأمور، ومنهم مَن يسمِّي المنجم كاهناً. " شرح السنَّة " (١٢ / ١٨٢) . وإتيان العرافين والكهَّان من كبائر الذنوب، وهذا في مجرد الإتيان، وأما من جاءهم مصدِّقاً لهم: فهو كفر مخرج من الملة؛ لمضادة ذلك للإيمان بالله تعالى أنه لا يعلم الغيب إلا هو، ومن باب أولى أن يكون حكم اكاهن والعرَّاف: الكفر المخرج من ملة الإسلام. عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيٍّ ﷺ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) . رواه مسلم (٢٢٣٠) . وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ . رواه الترمذي (١٣٥) وأبو داود (٣٩٠٤) وابن ماجه (٩٣٦) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". وينظر تفصيل ذلك في جوابي السؤالين: (٨٢٩١) و (٦٠٤٣١) . رابعاً: النفع والضر بيد الله، وبأمره ، وقد كان الكفار في الجاهلية يعتقدون في أصنامهم أنها تنفع مَن عَبَدها، وتضر من كفر بها، فردَّ الله عليه اعتقادهم هذا في أكثر من موضع من كتابه، وبيَّن أن هذا سفه في العقول، فهم الذين نحتوها وصنعوها، فكيف يعتقدون فيها النفع والضر، وهم الذين يلجئون إلى الله وحده لا شريك له في الشدائد، وتضل عنهم آلهتهم ومعبوداتهم في تلك الشدة، فأنَّى يكون لها النفع والضر في الدنيا فضلاً عن الآخرة؟! . قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) يونس/ ١٨. قال الإمام الطبري – ﵀: يقول تعالى ذِكره: ويَعبُد هؤلاء المشركون الذين وصفتُ لك يا محمد صفتهم، من دون الله الذي لا يضرهم شيئًا، ولا ينفعهم، في الدنيا، ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة، والأصنام التي كانوا يعبدونها. (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ، يعني: أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله. قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وآله: (قل) لهم (أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض) ، يقول: أتخبرون الله بما لا يكون في السموات، ولا في الأرض؟ ؛ وذلك أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله في السموات، ولا في الأرض، وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله: قل لهم: أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السموات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما؟ وذلك باطلٌ لا تُعلم حقيقته وصحته، بل يَعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون، وأنها لا تشفع لأحد، ولا تنفع ولا تضر. (سبحان الله عما يشركون) ، يقول: تنزيهاً لله وعلوًّاً عما يفعله هؤلاء المشركون، من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع، وافترائهم عليه الكذب. " تفسير الطبري " (١٥ / ص ٤٦، ٤٧) . وقد بيَّن الله تعالى عجز الأوثان والأصنام أن تكشف الضر عن أحد، أو تمنع وقوع الخير لأحدٍ. قال تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الأنعام/ ١٧. وقال: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) يونس/ ١٠٧. وقال : (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فاطر/ ٢. وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: (وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) . رواه الترمذي (٢٥١٦) ، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". ومن ينتسب للإسلام فلا نعجب إن كانت منزلة الولي عنده كمنزلة الأصنام عند الجاهليين، ولا نعجب إن رأيناهم يصرفون عباداتهم لهم، كالنذر، والذبح، والخوف، والخشية، والرجاء، وغير ذلك مما لا ينبغي للموحِّد أن يصرفه إلَاّ لربه وإلهه . ومثل هؤلاء لا تنفعهم صلاتهم، ولا صيامهم، ولا حجهم ما داموا على ذلك؛ لأنهم نقضوا توحيد الألوهية، فصرفوا ما يجب صرفه لله تعالى وحده: صرفوه لأوليائهم، وأوثانهم، كما أنهم نقضوا توحيد الربوبية باعتقادهم في أوليائهم من الأفعال ما لا يقدر عليه إلا الله، كالنفع، والضر، والسخط، والرضا، والثواب والعقاب، كل ذلك من أفعال الله تعالى وحده، لا يشاركه فيه أحد. وهذا الولي المزعوم ليس من الصالحين، بل هو من أولياء الشيطان الذي يخوف به الشيطان الناس، ليوقعهم في الشرك الأكبر، ولو فُرض أن هذا الولي كان من الصالحين، وأن هذا الذي غلا في شأنه، واعتقد فيه هذه العقائد الجاهلية، لم يكن بعلم الولي ولا إرادته: لم يغير ذلك من حكم التابع شيئاً، ولا ينفعه عند الله شيئاً، وإن كان المتبوع الصالح بريئاً منه ومن شركه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: فكل مَن غلا في حيٍّ، أو في رجل صالح، كمِثل عليٍّ ﵁، أو " عدي "، أو نحوه، أو فيمن يَعتقد فيه الصلاح، كالحلاج، أو الحاكم الذي كان بمصر، أو يونس القتي، ونحوهم، وجعل فيه نوعاً من الإلهية، مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده، أو يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له، أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى، مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي، أو ارحمني، أو انصرني، أو ارزقني، أو أغثني، أو أجرني، أو توكلت عليك، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى: فكل هذا شرك، وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل؛ فإن الله إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، لنعبد الله وحده لا شريك له، ولا نجعل مع الله إلهاً آخر. " مجموع الفتاوى " (٣ / ٣٩٥) . وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀: ومعلوم أن الخوف من تلك الأصنام من أشنع أنواع الكفر والإشراك بالله، وقد بيَّن جل وعلا في موضع آخر، أن الشيطان يخوِّف المؤمنين أيضاً، الذين هم أتباع الرسل، من أتباعه وأوليائه من الكفار، كما قال تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين) . "أضواء البيان " (٦ / ٤٦٤) . خامساً: أما التعويذة المذكورة في السؤال: فهي من الخرافات، ولا أصل لها في شرع الله تعالى، ولا في واقع الناس، وسبع حبات من الزبيب لا تمنع المرأة من الفجور بها، ولا تمنع الزوج من جماع زوجته بمجردها، اللهم إلا أن يقترن بها شيء من السحر، الذي يفعله شياطين الإنس ليمنعوا الزوج عن زوجته، والزوجة عن زوجها، فهذا ليس من التعاويذ ولا التمائم في شيء، وإنما هو من فعل مردة الشياطين والسحرة. سادساً: بخصوص مشاهدة الأفلام، والوقوف على ما فيها من مفاسد وآثام: انظري أجوبة الأسئلة: (٣٦٣٣، ٣٣٢ ٤، ١١٠٧، ١٣٠٠٣، ٨٥٢٣٢) . وبخصوص برنامج " ستار أكاديمي ": انظري جواب السؤال رقم: (٤٣٧٧٥) ففيه بيان من " اللجنة الدائمة " في التحذير منه. وننصحك أخيراً: بمداومة نصح عمتك، وعدم السآمة من ذلك، وأن تداومي على الدعاء لها، وتحرَّي من أجل ذلك الأوقات والحالات الفاضلة، فلعل الله أن يستجيب دعاءك، وأن يهديها لما فيه صلاح حالها واعتقادها. سابعاً: ننبهك ـ أختنا الكريمة ـ أخيراً إلى أن ما جاء في الدعاء الكريم الذي ختمت به سؤالك، وقلت: " وكلل مسعانا هذا بالنجاح إن شاء الله "، فإن ذكر المشيئة هنا مخالف لأدب الدعاء، بل ينبغي للإنسان أن يدعو الله بما أحب من خير الدنيا والآخرة، من غير أن يقرن ذلك بالمشيئة، بل يجزم في مسألته، ويتضرع إلى ربها في جوابها. عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ وَليَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا مُكْرِهُ لَهُ) . رواه البخاري (٧٤٧٧) ومسلم (٢٦٧٩) . قال النووي ﵀: " قَالَ الْعُلَمَاء: عَزْم الْمَسْأَلَة الشِّدَّة فِي طَلَبهَا , وَالْجَزْم مِنْ غَيْر ضَعْف فِي الطَّلَب , وَلَا تَعْلِيق عَلَى مَشِيئَة وَنَحْوهَا , وَقِيلَ: هُوَ حُسْن الظَّنّ بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِجَابَة. وَمَعْنَى الْحَدِيث: اِسْتِحْبَاب الْجَزْم فِي الطَّلَب , وَكَرَاهَة التَّعْلِيق عَلَى الْمَشِيئَة , قَالَ الْعُلَمَاء: سَبَب كَرَاهَته أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّق اِسْتِعْمَال الْمَشِيئَة إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ يَتَوَجَّه عَلَيْهِ الْإِكْرَاه , وَاَللَّه تَعَالَى مُنَزَّه عَنْ ذَلِكَ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْله ﷺ فِي آخِر الْحَدِيث: فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِه لَهُ , وَقِيلَ: سَبَب الْكَرَاهَة أَنَّ فِي هَذَا اللَّفْظ صُورَة الِاسْتِغناء عن الْمَطْلُوب وَالْمَطْلُوب مِنْهُ " انتهى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 826

الحلف بغير لله هل تلزم فيه الكفارة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكنكم أن تلقوا الضوء على هذه القضية؟ لو أن شخصا يحلف برأسه، هل يعد هذا يمينا أم عهدا؟ وإذا أخل به هل عليه كفارة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الحلف لا يكون إلا بالله تعالى، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، وأما الحلف بغير الله فلا يجوز، وهو من الشرك؛ لقول النبي ﷺ : (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ) رواه الترمذي (١٥٣٥) وأبو داود (٣٢٥١) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. وقال ﷺ : (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ) رواه البخاري (٢٦٧٩) ومسلم (١٦٤٦) . ويدخل في ذلك الحلف بحياة الإنسان ورأسه وشرفه، والحلف بأمه وأبيه، والحلف بالكعبة وغير ذلك من المخلوقات. واليمين بغير الله يمين غير منعقدة، ولا تلزم فيها كفارة عند أكثر العلماء. قال ابن قدامة ﵀: " ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق ; كالكعبة , والأنبياء , وسائر المخلوقات , ولا تجب الكفارة بالحنث فيها. وهو قول أكثر الفقهاء " انتهى من "المغني" (٩/٤٠٥) . وعلى هذا، فمن حلف برأسه، فقد ارتكب أمراً محرماً، وعليه التوبة إلى الله تعالى، والندم على ما فعل، والعزم على عدم العودة إلى ذلك مرة أخرى، وليس عليه كفارة إذا أخل بما حلف عليه، لأن هذه اليمين يمين محرمة لا يترتب عليها ما يترتب على الحلف بالله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 827

قصيدة " البردة " للبوصيري، وبيان ما فيها من كفر [السُّؤَالُ] ـ[لقد سمعتُ الكثير عن " البردة " أشياء عديدة البعض يقول: إنها جيدة، ومفيدة، والبعض الآخر يرى أنها شرك؛ لأن بعض أبياتها يمتدح النبي ﷺ بصفات الله. أتساءل: هل في نظركم أنها فعلا شرك فأجتنبها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: قصيدة " البردة " تعدُّ من أشهر القصائد في مدح النبي ﷺ إن لم نقل: أشهرها، وقد نظمها " البوصيري ": وهو: محمد بن سعيد بن حمّاد الصنهاجي، ولد سنة ٦٠٨هــ، وتوفي سنة ٦٩٦ هـ . وقد قيل في سببها: أن " البوصيري " أصيب بمرضٍ عُضالٍ، لم ينفع معه العلاج، وأنه كان يُكثر مِن الصلاة على الرسول ﷺ ، حتى رآه في المنام ذاتَ ليلةٍ، وغطَّاه ببردته الشريفة، وأنه لمَّا قام " البوصيري " مِن نومه: قام، وليس به مرضٌ، فأنشأ قصيدته، والله أعلم بحقيقة ذلك. ثانياً: القصيدة المذكورة قد اشتملت على كفرٍ صريح، وقد تتابع العلماء من أهل السنَّة والجماعة على نقضها، ونقدها، وتبيين عوارها، وكشف زيغها ومخالفتها لاعتقاد أهل السنَّة والجماعة. ومن أبرز الأبيات التي انتُقدت في تلك القصيدة: قوله: ١. يا أكرمَ الخلْقِ مالي مَن ألوذُ به ... ** سواك عند حدوثِ الحادثِ العَمم ٢. إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي ... ** عفواً وإلا فقل يا زلة القدم ٣. فإن مِن جودك الدنيا وضَرتها ... ** ومن علومك علم اللوح والقلم ٤. دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... ** واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم ٥. لو ناسبت قدره آياته عظما ... ** أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم ٦. فإن لي ذمة منه بتسميتي ... ** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم ثالثاً: ومن كلام أهل العلم في نقض تلك الأبيات ونقدها: ١. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب – ﵀: " وأما الملك: فيأتي الكلام عليه؛ وذلك أن قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، وفي القراءة الأخرى (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) : فمعناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسره الله به في قوله تعالى (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ. ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ. يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) الانفطار/ ١٧ – ١٩. فمن عرف تفسير هذه الآية، وعرف تخصيص المُلك بذلك اليوم، مع أنه سبحانه مالك كل شيء ذلك اليوم وغيره: عرف أن التخصيص لهذه المسألة الكبيرة العظيمة التي بسبب معرفتها دخل الجنة من دخلها، وسبب الجهل بها دخل النار من دخلها، فيالها من مسألة لو رحل الرجل فيها أكثر من عشرين سنة لم يوفها حقها، فأين هذا المعنى، والإيمان، بما صرح به القرآن، مع قوله ﷺ : (يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً) : من قول صاحب البردة: ولن يضيق رسولَ الله جاهك بي ... ** إذا الكريم تحلي باسم منتقم فإن لي ذمة منه بتسميتي ... ** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ... ** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم فليتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها، ومن فتن بها من العباد، وممن يدعى أنه من العلماء، واختاروا تلاوتها على تلاوة القرآن: هل يجتمع في قلب عبد التصديق بهذه الأبيات والتصديق بقوله: (يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله) ، وقوله: (يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً) ؟! لا والله، لا والله، لا والله، إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق، وأن فرعون صادق، وأن محمَّداً صادق على الحق، وأن أبا جهل صادق على الحق، لا والله ما استويا، ولن يتلاقيا، حتى تشيب مفارق الغربان. فمن عرف هذه المسألة، وعرف البردة، ومن فتن بها: عرف غربة الإسلام " انتهى. " تفسير سورة الفاتحة " من " مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب " (٥/١٣) . ٢. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – ﵀: " من عبد الرحمن بن حسن وابنه عبد اللطيف إلى عبد الخالق الحفظي. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد بلغنا من نحو سنتين: اشتغالكم ببردة " البوصيري "، وفيها من الشرك الأكبر ما لا يخفى، من ذلك قوله: " يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك " إلى آخر الأبيات، التي فيها طلب ثواب الدار الآخرة من النبي ﷺ وحده ... وكونه ﷺ أفضل الأنبياء لا يلزم أن يختص دونهم بأمر نهى الله عنه عباده عموماً، وخصوصاً، بل هو مأمور أن ينهى عنه، ويتبرأ منه، كما تبرأ منه المسيح بن مريم في الآيات في آخر سورة المائدة، وكما تبرأت منه الملائكة في الآيات التي في سورة سبأ. وأما اللياذ: فهو كالعياذ، سواء، فالعياذ لدفع الشر، واللياذ لجلب الخير، وحكى الإمام أحمد وغيره الإجماع على أنه لا يجوز العياذ إلا بالله، وأسمائه، وصفاته، وأما العياذ بغيره: فشرك، ولا فرق. وأما قوله: " فإن من جودك الدنيا وضرتها ": فمناقض لما اختص به تعالى يوم القيامة من الملك في قوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) ، وفي قوله تعالى في سورة الفاتحة: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وفي قوله تعالى: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) ، وغير ذلك من الآيات لهذا المعنى، وقال غير ذلك في منظومته مما يستبشع من الشرك " انتهى. "رسائل وفتاوى الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد عبد الوهاب" (١/٨٢) . ٣. ذكر الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ – ﵀ – بعض الأبيات السابقة، ثم قال: " فتأمل ما في هذه الأبيات من الشرك. منها: أنه نفى أن يكون له ملاذٌ إذا حلَّت به الحوادث، إلا النبي ﷺ ، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو. الثاني: أنه دعاه، وناداه بالتضرع، وإظهار الفاقة، والاضطرار إليه، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك هو الشرك في الإلهية. الثالث: سؤاله منه أن يشفع له في قوله: ولن يضيق رسول الله ... البيت وهذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوه، وهو الجاه، والشفاعة عند الله، وذلك هو الشرك، وأيضاً: فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله، فلا معنى لطلبها من غيره؛ فإن الله تعالى هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداء. الرابع: قوله: فإن لي ذمة ... إلى آخره: كذب على الله وعلى رسوله ﷺ ، فليس بينه وبين من اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك. تناقض عظيم، وشرك ظاهر، فإنه طلب أولاً أن لا يضيق به جاهه، ثم طلب هنا أن يأخذ بيده فضلاً وإحساناً، وإلا فيا هلاكه. فيقال: كيف طلبت منه أولاً الشفاعة، ثم طلبت منه أن يتفضل عليك، فإن كنت تقول: إن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله: فكيف تدعو النبي ﷺ ، وترجوه، وتسأله الشفاعة؟ فهلا سألتها من له الشفاعة جميعاً، الذي له ملك السموات والأرض، الذي لا تكون الشفاعة إلا من بعد إذنه، فهذا يبطل عليك طلب الشفاعة من غير الله. وإن قلت: ما أريد إلا جاهه، وشفاعته، بإذن الله. قيل: فكيف سألته أن يتفضل عليك ويأخذ بيدك في يوم الدين، فهذا مضاد لقوله تعالى: (وما أدراك ما يوم الدين. ثم ما أدرك ما يوم الدين. يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً. والأمر يومئذ لله) ، فكيف يجتمع في قلب عبد الإيمان بهذا وهذا؟! . وإن قلت: سألته أن يأخذ بيدي، ويتفضل عليَّ بجاهه وشفاعته. قيل: عاد الأمر إلى طلب الشفاعة من غير الله، وذلك هو محض الشرك. الخامس: في هذه الأبيات من التبري من الخالق - تعالى وتقدس - والاعتماد على المخلوق في حوادث الدنيا والآخرة ما لا يخفى على مؤمن، فأين هذا من قوله تعالى: (إياك نبعد وإياك نستعين) الفاتحة، وقوله تعالى: (فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) ، وقوله: (وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيراً) ، وقوله تعالى: (قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً. قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً. إلا بلاغاً من الله ورسالاته) . فإن قيل: هو لم يسأله أن يتفضل عليه، وإنما أخبر أنه إن لم يدخل في عموم شفاعته فيا هلاكه. قيل: المراد بذلك سؤاله، وطلب الفضل منه، كما دعاه أول مرة وأخبر أنه لا ملاذ له سواه، ثم صرح بسؤال الفضل والإحسان بصيغة الشرط والدعاء، والسؤال كما يكون بصيغة الطلب يكون بصيغة الشرط، كما قال نوح ﵇: (وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) " انتهى. " تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد " (١/١٨٧-١٨٩) . ٤. وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: قرأتُ حديثاً فما مدى صحته، وهو: (من كان اسمه محمَّداً فلا تضربه ولا تشتمه) ؟ . فأجاب: " هذا الحديث مكذوب، وموضوع على الرسول ﷺ ، وليس لذلك أصل في السنة المطهرة، وهكذا قول من قال: " مَن سمَّى محمَّداً فإنه له ذمة من محمد، ويوشك أن يدخله بذلك الجنة "! وهكذا من قال: " من كان اسمه محمَّداً فإن بيته يكون لهم كذا وكذا "، فكل هذه الأخبار لا أساس لها من الصحة، فالاعتبار باتباع محمد، وليس باسمه ﷺ ، فكم ممَّن سمي محمداً وهو خبيث؛ لأنه لم يتبع محمَّداً، ولم ينقَد لشريعته، فالأسماء لا تطهر الناس، وإنما تطهرهم أعمالهم الصالحة وتقواهم لله جل وعلا، فمن تسمى بأحمد، أو بمحمد، أو بأبي القاسم، وهو كافر، أو فاسق: لم ينفعه ذلك، بل الواجب على العبد أن يتقي الله ويعمل بطاعة الله، ويلتزم بشريعة الله التي بعث بها نبيه محمداً، فهذا هو الذي ينفعه، وهو طريق النجاة والسلامة، أما مجرد الأسماء من دون عمل بالشرع المطهر: فلا يتعلق به نجاة، ولا عقاب. ولقد أخطأ البوصيري في " بردته " حيث قال: فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمَّداً وهو أوفى الخلق بالذمم وأخطأ خطأ أكبر من ذلك بقوله: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... ** سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... ** فضلا وإلا فقل يا زلة القدم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ** ومن علومك علم اللوح والقلم فجعل هذا المسكين لياذه في الآخرة بالرسول ﷺ دون الله ، وذكر أنه هالك إن لم يأخذ بيده، ونسي الله سبحانه الذي بيده الضر والنفع والعطاء والمنع، وهو الذي ينجي أولياءه، وأهل طاعته، وجعل الرسول ﷺ هو مالك الدنيا والآخرة، وأنها بعض جوده، وجعله يعلم الغيب، وأن من علومه علم ما في اللوح والقلم، وهذا كفر صريح، وغلو ليس فوقه غلو، نسأل الله العافية والسلامة. فإن كان مات على ذلك، ولم يتب: فقد مات على أقبح الكفر، والضلال، فالواجب على كل مسلم أن يحذر هذا الغلو، وألا يغتر بـ " البردة "، وصاحبها، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله " انتهى. " فتاوى الشيخ ابن باز " (٦ / ٣٧٠، ٣٧١) . وأقوال العلماء أكثر من هذا، ويوجد من الأبيات ما فيه مجال للنقد، لكننا اخترنا بعضاً من `ذلك، وهو كافٍ في بيان المقصود، وهو التحذير من هذه القصيدة، وأنها احتوت على غلو ظاهر، وكفر وزندقة. وللمزيد في نقد هذه القصيدة: ينظر كتاب " العقيدة السلفية في مسيرتها التاريخية " للشيخ عبد الرحمن المغراوي "القسم الخامس" (ص ١٣٩ – ١٥٤) ، ومقال " قوادح عقدية في بردة البوصيري " للشيخ عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف، هنا: http://www.saaid.net/arabic/ar٢٠.htm والله أعلم [الْمَصْدَرُ]

стр. 828

ذهب إلى عراف ثم تاب، لكنه يجد ما أخبر به العراف يقع يوما بعد يوم ! [السُّؤَالُ] ـ[أحد أصدقائي وقع في خطأ كبير ذهب إلى عراف قبل ان يبدأ دراساته الطبية، بعد ذلك طلب العلم ثم تاب إلى الله بإخلاص، لكن المشكلة هي أن كل ما أخبره العراف يأتي حقيقة يوما بعد يوم، إنه يريد أن يتخلص من التفكير بهذا لكنه لم يستطع بدأ يصلي، ما الحل لمثل هذه المشاكل وفقا لتعاليم الإسلام؟ ماذا تنصحونه حول ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لا يجوز إتيان السحرة والكهنة والعرافين؛ لقول النبي ﷺ : (مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) رواه مسلم (٢٢٣٠) . وقال ﵊: (مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ رواه أبو داود (٣٩٠٤) ، والترمذي (١٣٥) وابن ماجه (٩٣٦) وصححه الألباني ﵀ في "صحيح ابن ماجه". والكفر الوارد في الحديث محمول على الكفر الأصغر عند كثير من أهل العلم، إلا إذا اعتقد أن الساحر أو الكاهن يعلم الغيب، أو صدقه في دعواه علم الغيب. وللفائدة راجع جواب: (٨٢٩١) . وعلى من وقع في شيء من ذلك أن يتوب إلى الله تعالى، وذلك بالندم على ما فات والعزم على عدم العود إليه. ثانيا: أما كون ما أخبره به العراف يقع يوما بعد يوم، فهذا لا يضره، ولا يغير من حكم الشرع في مثل ذلك شيئا، وهو راجع لأحد أمرين: الأول: أن العراف يستعمل جملا وكلمات عامة في التعبير عن حوادث تحدث لعامة الناس، كقوله: تمر بمحنة مثلا، ثم يأتيك فرج، أو ترزق مالا أو تتزوج، ونحو ذلك، فيظن الإنسان صدق العراف لذلك. الثاني: أن العراف قد يخبر بأمر حقيقي يقع في المستقبل، ثم يقع كما أخبر، ويكون هذا مما استرقه الشيطان من السمع ثم ألقاه الشيطان على العراف، فيضيف إليه أخبارا وأمورا كاذبة، فإذا وقع الحادث الذي أخبر به، صدقه الناس في جميع قوله، وهذا ما بينه النبي ﷺ في توضيح هذا الأمر، فقد روى البخاري (٦٢١٣) ومسلم (٢٢٢٨) عن عَائِشَة ﵂ قالت: سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْكُهَّانِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَيْسُوا بِشَيْءٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ) . وروى البخاري (٤٧٠١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا؛ لِقَوْلِهكَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ، قَالَ عَلِيٌّ (أي: على ابن المديني) ، وَقَالَ غَيْرُهُ: صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ (فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ، وَوَصَفَ سُفْيَانُ (أي: سفيان ابن عيينة) بِيَدِهِ وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ الْمُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ فَيُحْرِقَهُ وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِيَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الْأَرْضِ، فَتُلْقَى عَلَى فَمْ السَّاحِرِ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ فَيُصَدَّقُ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنْ السَّمَاءِ) ، أي: يُصدّق لأجل الكلمة الحق التي سمعت من السماء وأخبر بها الكاهن. على أنه ربما يكون خبر العراف عن شيء قد وقع فعلا، كأن يخبره بمكان شيء ضائع، أو نحو ذلك، فهذا الذي وقع، وإن كان لا يعرفه السائل، فليس بغيب مطلق، وإنما هو غيب عمن لم يشاهده ولم يعرفه، ومثل هذا يمكن للعراف أن يطلع عليه، إما بنفسه، وإما بأعوانه وإخوانه من شياطين الإنس والجن، كما هو معلوم. والحاصل: أن صديقك مادام قد تاب إلى الله تعالى، فلا يلتفت إلى ما قال العراف، ولا يتخوف من كلامه، فقد يقع شيء مما قاله وقد لا يقع، والغالب أنه لا يقع؛ لأن نسبة الصدق – إن كان العراف يتلقى عن الجن – لا تتجاوز ١%. وللفائدة انظر جواب السؤال رقم: (٣٢٨٦٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 829

لماذا يمنع بعض أهل العلم من التوسل بجاه النبي ﷺ ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لماذا يحرم السلفية التوسل بذات النبي ﷺ ، مع أن العلماء كلهم متفقون على جوازه، حتى ظهر ابن تيمية الذي كان أول من حرمه؟ مع أن كل العلماء من جميع المذاهب يجيزون التوسل، فلماذا يُصِرُّون على تحريمه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: أولا: التوسل بذات النبي ﷺ معناه: أن يدعو الداعي ربه ، لكنه في أثناء دعائه يذكر ذات النبي ﷺ وسيلة لإجابة دعائه، أو تعجيل حاجته، فيقول: أسألك بحق النبي، أو: بجاه النبي، أو نحو ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مجموع الفتاوى (١/٣٣٧-٣٣٨) ـ: " والسائل لله بغير الله إما أن يكون مقسما عليه، وإما أن يكون طالبا بذلك السبب، كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم، وكما يتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين. فإن كان إقساما على الله بغيره: فهذا لا يجوز. وإن كان سؤالا بسبب يقتضى المطلوب، كالسؤال بالأعمال التي فيها طاعة الله ورسوله، مثل السؤال بالإيمان بالرسول ومحبته وموالاته ونحو ذلك: فهذا جائز. وإن كان سؤالا بمجرد ذات الأنبياء والصالحين: فهذا غير مشروع، وقد نهى عنه غير واحد من العلماء، وقالوا: إنه لا يجوز. ورخص فيه بعضهم، والأول أرجح كما تقدم؛ وهو سؤال بسبب لا يقتضى حصول المطلوب. بخلاف من كان طالبا بالسبب المقتضى لحصول المطلوب، كالطلب منه سبحانه بدعاء الصالحين وبالأعمال الصالحة: فهذا جائز، لأن دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذي دَعَوا به. وكذلك الأعمال الصالحة سبب لثواب الله لنا، وإذا توسلنا بدعائهم وأعمالنا: كنا متوسلين إليه تعالى بوسيلة، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) المائدة/٣٥، والوسيلة هي الأعمال الصالحة. وقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) الإسراء /٥٧. وأما إذا لم نتوسل إليه سبحانه بدعائهم ولا بأعمالنا، ولكن توسلنا بنفس ذواتهم: لم يكن نفس ذواتهم سببا يقتضى إجابة دعائنا، فكنا متوسلين بغير وسيلة، ولهذا لم يكن هذا منقولا عن النبي ﷺ نقلا صحيحا، ولا مشهورا عن السلف." انتهى. ثانيا: ليس معنى ذلك أن النبي ﷺ ليس له جاه عند الله ، ولا منزلة لديه سبحانه، كما يقوله من يفتري على السلفيين، شيخ الإسلام ومن وافقه على ذلك، وأنهم يتجرؤون على مقام النبي ﷺ ، وحاشاهم من ذلك، وهو صاحب المقام المحمود، والمنزلة الرفيعة، وسيد ولد آدم، ﷺ ، لكن مقامه الكريم على الله ليس معناه أن نسأل أو نتوسل به. قال شيخ الإسلام ﵀: " ما بيّن الله ورسوله أنه حق للعباد على الله فهو حق؛ لكن الكلام في السؤال بذلك، فيقال: إن كان الحق الذي سأل به سببا لإجابة السؤال: حسُن السؤال به، كالحق الذي يجب لعابديه وسائليه. وأما إذا قال السائل: بحق فلان وفلان، فأولئك، إن كان لهم عند الله حق أن لا يعذبهم وأن يكرمهم بثوابه ويرفع درجاتهم كما وعدهم بذلك وأوجبه على نفسه، فليس في استحقاق أولئك ما استحقوه من كرامة الله، ما يكون سببا لمطلوب هذا السائل؛ فإن ذلك استحق ما استحقه بما يسره الله له من الإيمان والطاعة، وهذا لا يستحق ما استحقه ذلك؛ فليس في إكرام الله لذلك سبب يقتضى إجابة هذا. وإن قال: السبب هو شفاعته ودعاؤه، فهذا حق إذا كان قد شفع له ودعا له، وإن لم يشفع له ولم يدع له لم يكن هناك سبب ". انتهى. وقال أيضا ـ مجموع الفتاوى (١/٢٧٨) ـ: " ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه، مع أن النبي لم يدع له: كان هذا كلاما باطلا ". انتهى. ثالثا: مدار فهم هذه المسألة أن نعلم أن الدعاء عبادة، بل هو من أجل العبادات لله تعالى، كما قال النَّبِيُّ ﷺ : (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ. قَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) رواه أبو داود (١٤٧٩) وغيره، وصححه الألباني. والعبادات مبناها على التوقيف، يعني: على ورود الشرع بها، كما قال رَسُول اللَّهِ ﷺ (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) رواه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) ، من حديث عائشة ﵂. وفي رواية لمسلم: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) . قال الإمام النووي ﵀: " قَالَ أَهْل الْعَرَبِيَّة: (الرَّدّ) هُنَا بِمَعْنَى الْمَرْدُود , وَمَعْنَاهُ: فَهُوَ بَاطِل غَيْر مُعْتَدّ بِهِ. وَهَذَا الْحَدِيث قَاعِدَة عَظِيمَة مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام , وَهُوَ مِنْ جَوَامِع كَلِمه ﷺ فَإِنَّهُ صَرِيح فِي رَدّ كُلّ الْبِدَع وَالْمُخْتَرَعَات. وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة زِيَادَة وَهِيَ أَنَّهُ قَدْ يُعَانِد بَعْض الْفَاعِلِينَ فِي بِدْعَة سَبََ إِلَيْهَا , فَإِذَا اُحْتُجَّ عَلَيْهِ بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى يَقُول: أَنَا مَا أَحْدَثْت شَيْئًا فَيُحْتَجّ عَلَيْهِ بِالثَّانِيَةِ الَّتِي فِيهَا التَّصْرِيح بِرَدِّ كُلّ الْمُحْدَثَات , سَوَاء أَحْدَثَهَا الْفَاعِل , أَوْ سَبَقَ بِإِحْدَاثِهَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيث: دَلِيل لِمَنْ يَقُول مِنْ الْأُصُولِيِّينَ: إِنَّ النَّهْي يَقْتَضِي الْفَسَاد. وَمَنْ قَالَ: لَا يَقْتَضِي الْفَسَاد يَقُول هَذَا خَبَر وَاحِد , وَلَا يَكْفِي فِي إِثْبَات هَذِهِ الْقَاعِدَة الْمُهِمَّة , وَهَذَا جَوَاب فَاسِد. وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا يَنْبَغِي حِفْظه وَاسْتِعْمَاله فِي إِبْطَال الْمُنْكَرَات , وَإِشَاعَة الِاسْتِدْلَال بِهِ " انتهى. فإذا علمنا هذا الأصل، علمنا أنه لا يجوز لنا أن نفعل شيئا على وجه العبادة لله تعالى، إلا شيئا جاء به الشرع من المعصوم ﷺ ، وسواء كان الذي فعلناه اختراعا من عند أنفسنا، أو اتباعا لغيرنا فيه. قال شيخ الإسلام ﵀ مجموع الفتاوى (١/٢٦٥) ـ: " ولا يجوز أن يكون الشيء واجبا أو مستحبا إلا بدليل شرعي يقتضى إيجابه أو استحبابه والعبادات لا تكون إلا واجبة أو مستحبة فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة والدعاء لله تعالى عبادة إن كان المطلوب به أمرا مباحا " انتهى. وقال أيضا ـ الفتاوى (١/٢٧٨) ـ: " والدعاء المأثور عن النبي ﷺ : لم يأمر به، والذي أمر به: ليس مأثورا عن النبي ﷺ . ومثل هذا لا تثبت به شريعة، كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات، إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما يثبت عن النبي ﷺ يخالفه لا يوافقه: لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة، فيجب رده إلى الله والرسول، ولهذا نظائر كثيرة ". وقد سئلت اللجنة الدائمة عن: مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقول في دعائه: اللهم أعطني كذا وكذا من خيري الدنيا والآخرة، بجاه النبي ﷺ ، أو ببركة الرسول، أو بحرمة المصطفى، أو بجاه الشيخ التيجاني، أو ببركة الشيخ عبد القادر، أو بحرمة الشيخ السنوسي فما الحكم؟ فأجابوا: " من توسل إلى الله في دعائه بجاه النبي ﷺ أو حرمته أو بركته أو بجاه غيره من الصالحين أو حرمته أو بركته، فقال: (اللهم بجاه نبيك أو حرمته أو بركته أعطني مالا وولدا أو أدخلني الجنة وقني عذاب النار) مثلا، فليس بمشرك شركا يخرج عن الإسلام، لكنه ممنوع سدا لذريعة الشرك، وإبعادا للمسلم من فعل شيء يفضي إلى الشرك. ولا شك أن التوسل بجاه الأنبياء والصالحين وسيلة من وسائل الشرك التي تفضي إليه على مر الأيام، على ما دلت عليه التجارب وشهد له الواقع، وقد جاءت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة تدل دلالة قاطعه على أن سد الذرائع إلى الشرك والمحرمات من مقاصد الشريعة، من ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام /١٠٨ فنهى سبحانه المسلمين عن سب آلهة المشركين التي يعبدونها من دون الله، مع أنها باطلة؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سب المشركين الإلهَ الحقَ سبحانه، انتصارا لآلهتهم الباطلة جهلا منهم وعدوانا، ومنها: نهيه ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد؛ خشية أن تعبد، ومنها: تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، وتحريم إبداء المرأة زينتها للرجال الأجانب ... ولأن التوسل بالجاه والحرمة ونحوهما في الدعاء عبادة، والعبادة توقيفية، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة الرسول ﷺ ولا عن أصحابه ما يدل على هذا التوسل، فعلم أنه بدعة ... " انظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١/٥٠١-٥٠٢) . رابعا: قول السائل في سؤاله إن ابن تيمية أول من حرمه: غير صحيح؛ وإنما هو تلقى ذلك عن أعداء شيخ الإسلام ﵀، وقد تعرض شيخ الإسلام ﵀، في رده على الأخنائي، وهو أحد خصومه الذين رموه بهذه الفرية، فقال في حق شيخ الإسلام: " كم لصاحب هذه المقالة من مسألة خرق فيها الإجماع "، فرد عليه شيخ الإسلام من وجوه عديدة، فقال في ضمن ذلك: " الوجه السادس: أنه إنما يقبل قول من يدعي أن غيره يخالف الإجماع إذا كان ممن يعرف الإجماع والنزاع، وهذا يحتاج إلى علم عظيم، يظهر به ذلك، لا يكون مثل هذا المعترض الذي لا يعرف نفس المذهب الذي انتسب إليه، ولا ما قال أصحابه..، فكيف يعرف مثل هذا إجماع علماء المسلمين، مع قصوره وتقصيره في النقل والاستدلال؟! الوجه السابع: أن لفظ (كم) يقتضي التكثير، وهذا يوجب كثرة المسائل التي خرق المجيب فيها الإجماع. والذين هم أعلم من هذا المعترض وأكثر اطلاعا: اجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد، فلم يظفروا بمسألة واحدة خرق فيها الإجماع، بل غايتهم أن يظنوا في المسألة أنه خرق فيها الإجماع، كما ظنه بعضهم في مسألة الحلف بالطلاق، وكان فيها من النزاع نقلا، ومن الاستدلال فقها وحديثا: ما لم يطلع عليه. الوجه الثامن: أن المجيب [يعني: شيخ الإسلام نفسه]ـ ولله الحمد ـ لم يقل قط في مسألة إلا بقل قد سبقه إليه العلماء؛ فإن كان قد يخطر له ويتوجه له، فلا يقوله ولا ينصره إلا إذا عرف أنه قد قاله بعض العلماء، كما قال الإمام أحمد: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام؛ فمن كان يسلك هذا المسلك، كيف يقول قولا يخرق فيه إجماع المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين؟! " انتهى. من الرد على الأخنائي (٤٥٧-٤٥٨) . خامسا: هذه المسألة المذكورة، والتي زعم السائل فيها، تبعا لغيره، أن شيخ الإسلام خالف فيها الإجماع، قد ثبت فيها النصوص عن غير واحد من العلماء، وخاصة الأحناف بالمنع منها، والنهي عنها. قال العلامة الحصكفي في الدر المختار (٥/٧١٥) : " وفي التاترخانية معزيا للمنتقى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) ". ونفس النص في المحيط البرهاني (٥/١٤١) . قال العلامة الكاساني ﵀ في بدائع الصنائع (٥/١٢٦) : " وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ أَسْأَلُك بِحَقِّ أَنْبِيَائِك وَرُسُلِك وَبِحَقِّ فُلَانٍ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ ". ونفس النص في تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، للزيلعي (٦/٣١) ونسب القول بذلك إلى الثلاثة، يعني: أبا حنيفة، وصاحبيه: أبا يوسف، ومحمد بن الحسن، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١٠/٦٤) ، وفتح القدير لابن الهمام (١٠/٦٤) ، وفي درر الحكام (١/٣٢١) ، ومجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (٢٥٥٤) . قال السيد نعمان خير الدين الآلوسي الحنفي، ﵀ في جلاء العينين (٥١٦-٥١٧) : " وفي جميع متونهم: أن قول الداعي المتوسل: بحق الأنبياء والأولياء، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام: مكروه كراهة تحريم، وهي كالحرام في العقوبة بالنار عند محمد، وعللوا ذلك بقولهم: لأنه لا حق للمخلوق على الخالق " انتهى. وانظر ما نقله السيد نعمان عن العلامة السويدي الشافعي: جلاء العينين (٥٠٥) وما بعدها. ولعله تبين مما سبق من النقول المستفيضة: لماذا يمنع السلفيون من ذلك النوع من التوسل، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية ليس أول من منع من ذلك، ولا هو آخرهم أيضا. وانظر جواب السؤال رقم (٩٧٩) ، ورقم (٦٠٠٤١) ، ورقم (٢٣٢٦٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 830

كسر البيض عند عجلات السيارة لدفع العين [السُّؤَالُ] ـ[إحدى أقاربي امرأة كبيرة في السن (غير متعلمة) لا تزال متمسكة بعمل بعض الأشياء التي نخشى أن تؤثر على صحة عقيدتها فعلى سبيل المثال (إذا اشترى أحد أبنائها سيارة جديدة تقوم بتكسير البيض عند عجلات السيارة الأربع) وذلك لاعتقادها أن ذلك يحمي السيارة من العين أو الحسد وعندما ننصحها بأن ذلك لا يجوز وأن الأذكار الواردة عن الرسول ﷺ تكفي تقول بأن ما تفعله صدقة لله . فما حكم مثل هذا العمل وهل يؤثر على سلامة العقيدة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ما يفعله بعض الناس من تكسير البيض أو رش الملح أو ذبح ذبيحة اتقاء للعين أو الجن بذبحهم، هو من أفعال الجاهلية المحرمة، ومن الشرك الذي يجب الحذر والتحذير منه. ووجه كونه شركا أن الله سبحانه لم يجعل هذا سببا شرعيا ولا عاديا لدفع العين، أو اتقاء شر الجن، فمن جعل ما ليس سببا سبباً فقد أشرك. والشرك نوعان: أصغر وأكبر، وهذا من الشرك الأصغر، وقد يكون أكبر إن فعل ذلك تقربا للجن، أو اعتقد أن هذا السبب يدفع العين بذاته. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " ولبس الحلقة ونحوها إن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله، فهو مشرك شركاً أكبر في توحيد الربوبية، لأنه اعتقد أن مع الله خالقاً غيره. وإن اعتقد أنها سبب، ولكنه ليس مؤثراً بنفسه، فهو مشرك شركاً أصغر؛ لأنه لما اعتقد أن ما ليس بسببٍ سبباً فقد شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سبباً. وطريق العلم بأن الشيء سبب، إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل ﴿فيه شفاء للناس﴾ [النحل: ٦٩] ، وكقراءة القرآن فيها شفاء للناس، قال الله تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ [الإسراء: ٨٢] . وإما عن طريق القدر، كما إذا جربنا هذا الشيء فوجدناه نافعاً في هذا الألم أو المرض، ولكن لا بد أن يكون أثره ظاهراً مباشراً كما لو اكتوى بالنار فبرئ بذلك مثلاً، فهذا سبب ظاهر بيّن، وإنما قلنا هذا لئلا يقول قائل: أنا جربت هذا وانتفعت به، وهو لم يكن مباشراً، كالحلقة، فقد يلبسها إنسان وهو يعتقد أنها نافعة، فينتفع لأن للانفعال النفسي للشيء أثراً بيناً، فقد يقرأ إنسان على مريض فلا يرتاح له، ثم يأتي آخر يعتقد أن قراءته نافعة، فيقرأ عليه الآية نفسها فيرتاح له ويشعر بخفة الألم، كذلك الذين يلبسون الحلق ويربطون الخيوط، قد يحسون بخفة الألم أو اندفاعه أو ارتفاعه بناءً على اعتقادهم نفعها. وخفة الألم لمن اعتقد نفع تلك الحلقة مجرد شعور نفسي، والشعور النفسي ليس طريقاً شرعياً لإثبات الأسباب، كما أن الإلهام ليس طريقاً للتشريع. قوله: "لبس الحلقة والخيط"، الحلقة: من حديد أو ذهب أو فضة أو ما أشبه ذلك، والخيط معروف. قوله: "ونحوهما"، كالمرصعات، وكمن يصنع شكلاً معيناً من نحاس أو غيره لدفع البلاء، أو يعلق على نفسه شيئاً من أجزاء الحيوانات، والناس كانوا يعلقون القرب البالية على السيارات ونحوها لدفع العين، حتى إذا رآها الشخص نفرت نفسه فلا يعين " انتهى من "القول المفيد شرح كتاب التوحيد". وقال ﵀: " ما يفعله بعض الناس إذا نزل منزلاً جديداً ذبح ودعا الجيران والأقارب: هذا لا بأس به ما لم يكن مصحوباً بعقيدة فاسدة، كما يُفعل في بعض الأماكن إذا نزل منزلاً فإن أول ما يفعل أن يأتي بشاة ويذبحها على عتبة الباب حتى يسيل الدم عليها، ويقول: إن هذا يمنع الجن من دخول البيت، فهذه عقيدة فاسدة ليس لها أصل، لكن من ذبح من أجل الفرح والسرور: فهذا لا بأس به " انتهى من "الشرح الممتع" (٧ / ٥٥٠، ٥٥١) . والمقصود أن كسر البيض أو ذبح الذبيحة أو رش الملح كل ذلك لا أثر له في دفع العين، وإنما هذا من الاعتقاد الشركي الجاهلي، وليس من الصدقة كما يُزعم، وأي صدقة في إهدار الطعام وإلقائه على الأرض! وإنما تدفع العين بالأسباب المشروعة، كقراءة القرآن الكريم، والتحصن بالأذكار الشرعية. والواجب نصح هذه المرأة وتحذيرها من هذا الاعتقاد الباطل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 831

حكم الطواف حول القبور [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز إطلاق التسمية على الذين يطوفون حول القبور بأنهم مشركون أم لا يجوز ذلك]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجوز الطواف بغير الكعبة المشرفة، سواء كان حول قبر نبي أو صالح أو غير ذلك؛ لأن الطواف عبادة لم يشرعها الله إلا حول بيته، كما قال تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الحج/ ٢٩، ومن صرف هذه العبادة لغير الله، فطاف حول الأضرحة والقبور فقد وقع في الشرك الأكبر. سئل الشيخ ابن باز ﵀، ما نصه: " كنت جالسا مع إخوة لي من أبناء وطني من صعيد مصر، فقالوا لي: يوجد عندنا مقام لأبي الحسن الشاذلي من طاف به سبع مرات كانت له عمرة، ومن طاف به عشر مرات كان له حجة، ولا يلزمه الذهاب إلى مكة، فقلت لهم: إن هذا الفعل كفر بل شرك -والعياذ بالله- فهل أنا مصيب؟ وبماذا تنصحون من ينخدع بذلك؟ الجواب: نعم قد أحسنت، لا يجوز الطواف بالقبور، لا بقبر أبي الحسن الشاذلي، ولا بقبر البدوي، ولا بقبر الحسين، ولا بالسيدة زينب، ولا بالسيدة نفيسة ولا بقبر من هو أفضل منهم، لأن الطواف عبادة لله وإنما يكون بالكعبة خاصة، ولا يجوز الطواف بغير الكعبة أبدا، وإذا طاف بقبر أبي الحسن الشاذلي أو بمقامه يتقرب إليه بالطواف، صار شركا أكبر، وليس هو يقوم مقام حجة، ولا مقام عمرة، بل هو كفر وضلال، ومنكر عظيم، وفيه إثم عظيم. فإن كان طاف يحسب أنه مشروع، ويطوف لله لا لأجل أبي الحسن فهذا يكون بدعة ومنكرا، وإذا كان طوافه من أجل أبي الحسن ومن أجل التقرب إليه فهو شرك أكبر- والعياذ بالله- وهكذا دعاؤه والاستغاثة بأبي الحسن الشاذلي، أو النذر له، أو الذبح له، كله كفر أكبر -نعوذ بالله- ... فالدعاء والاستغاثة بالأموات، والذبح لهم، والنذر لهم، والتوكل عليهم، أو اعتقاد أنهم يعلمون الغيب، أو يتصرفون في الكون، أو يعلمون ما في نفوس أصحابهم، والداعين لهم، والطائفين بقبورهم، كل هذا شرك أكبر -نعوذ بالله من ذلك- فالغيب لا يعلمه إلا الله؛ لا يعلمه الأنبياء ولا غيرهم، وإنما يعلمون من الغيب ما علمهم الله إياه، ويقول الله : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ [النمل: ٦٥] . فمن زعم أن شيخه يعلم الغيب، أو يعلم ما في نفس زائره، أو ما في قلب زائره فهذا كفر أكبر- والعياذ بالله- فالغيب لله وحده ، وكذلك إذا عكف على القبر يطلب فضل صاحب القبر، ويطلب أن يثيبه أو يدخله الجنة بالجلوس عند قبره، أو بالقراءة عند قبره، أو بالاستغاثة به أو نذره له، أو صلاته عنده، أو نحو ذلك، فهذا كفر أكبر. فالحاصل أن الواجب على المؤمن أن يحذر الشرك كله وأنواعه، والقبور إنما تؤتى للزيارة، يزورها المؤمن للدعاء لهم، والترحم عليهم، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يغفر الله لنا ولكم يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية وهكذا. أما أن يدعوهم مع الله، أو يستغيث بهم، أو ينذر لهم، أو يتقرب إليهم بالذبائح بالبقر، أو بالإبل، أو بالغنم، أو بالدجاج فكل هذا كفر أكبر- والعياذ بالله- فالواجب الحذر والواجب التفقه في الدين، المسلم عليه أن يتفقه في دينه حتى لا يقع في الشرك والمعاصي. وعلماء السوء علماء ضلالة يضلون الناس ويغشونهم، فالواجب على علماء الحق أن يتقوا الله وأن يعلموا الناس من طريق الخطب والمواعظ وحلقات العلم، ومن طريق الإذاعة، ومن طريق الكتابة والصحافة، ومن طريق التلفاز، يعلمون الناس دينهم ويرشدونهم إلى الحق حتى لا يعبدوا الأموات، ولا يستغيثوا بهم، وحتى لا يطوفوا بقبورهم، وحتى لا يتمسحوا بها، وحتى لا ينذروا لها وحتى لا يقعوا بالمعاصي. والقبور تزار للذكرى؛ لذكر الآخرة، وذكر الموت، وللدعاء للميت والترحم عليه كما تقدم، أما أن يطاف بقبره أو يدعى من دون الله أو يستغاث به، أو يجلس عنده للصلاة، فهذا لا يجوز، والجلوس عند قبره للصلاة عنده أو للقراءة عنده بدعة، وإذا كان يصلي له كان كفرا أكبر، فإن صلى لله وقرأ لله يطلب الثواب من الله، ولكن يرى أن القبور محل جلوس لهذه العبادات صار بدعة فالقبور ليست محل جلوس للصلاة أو للقراءة، ولكنها تزار للدعاء للأموات، والترحم عليهم، مثلما زارهم النبي ﷺ وأصحابه ﵃. فالنبي كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وكان إذا زار البقيع يقول: اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ويترحم عليهم، وهذه هي الزيارة الشرعية، فيجب الحذر مما حرم الله مما أحدثه عباد القبور، وأحدثه الجهال، مما يضر ولا ينفع بل يوقع أصحابه في الشرك الأكبر- ولا حول ولا قوة إلا بالله " انتهى من "فتاوى نور على الدرب". (١/٣٠٤) وسئلت اللجنة الدائمة (١/٢٠٦) : " ما حكم الطواف حول أضرحة الأولياء، أو الذبح للأموات أو النذر، ومن هو الولي في حكم الإسلام، وهل يجوز طلب الدعاء من الأولياء أحياء كانوا أم أمواتا؟ فأجابت: الذبح للأموات أو النذر لهم شرك أكبر، ولولي: من والى الله بالطاعة ففعل ما أمر به وترك ما نهي عنه شرعا ولو لم تظهر على يده كرامات، ولا يجوز طلب الدعاء من الأولياء أو غيرهم بعد الموت، ويجوز طلبه من الأحياء الصالحين، ولا يجوز الطواف بالقبور، بل هو مختص بالكعبة المشرفة، ومن طاف بها يقصد بذلك التقرب إلى أهلها كان ذلك شركا أكبر، وإن قصد بذلك التقرب إلى الله فهو بدعة منكرة، فإن القبور لا يطاف حولها ولا يصلى عندها ولو قصد وجه الله " انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " من طاف بالأضرحة -يعني: القبور- يدعو صاحب القبر، ويستغيث به، ويستنجد به، فهو مشرك شركاً أكبر، وقد قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:٧٢] وإذا صلى هؤلاء في المساجد وهم مصرون على هذا الشرك -أعني: دعاء أصحاب الأضرحة والاستغاثة بهم- فإن صلاتهم لا تقبل منهم ولا تنفعهم عند الله، لقول الله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:٥٤] . لكن الواجب على أهل العلم في تلك البلاد أن يكثفوا الدعوة، والذهاب إلى هؤلاء لبيان الحق لهم، وألا ييئسوا من روح الله، وإذا كان لا يمكن أن ندعوهم جهاراً على سبيل العموم؛ لأن من الناس من يقول: لو ذهبت إلى هؤلاء العامة وأدعوهم وأقول لهم: إن عملكم هذا شرك ربما يقتلونني، فإنه من الممكن أن يختار من زعمائهم من يختار، ويدعوه إلى بيته أو يزوره هو في بيته، ويتكلم معه بهدوء، ويبين له محاسن الإخلاص، ويبين له -أيضاً- أن هؤلاء الموتى لا يستجيبون له، كما قال الله تعالى: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:١٤] وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:٥-٦] فليكثف الدعوة معهم؛ لأن هؤلاء الذين يترددون إلى الأضرحة ويدعونهم يعتبرون في حكم أهل الجاهلية، فلا بد من دعوتهم وتكثيف الدعوة معهم، ولعلَّ الله أن يهديهم على أيدي إخواننا المصلحين " انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (٥٣/٦) . وبهذا يعلم أن الطائف حول القبر قد يكون واقعا في الشرك الأكبر، وقد يكون واقعا في البدعة، بحسب قصده وإرادته، هل أراد التقرب إلى صاحب القبر، أم التقرب إلى الله تعالى بهذا الطواف. هذا بالنسبة للعمل نفسه وهو الطواف، وأما الشخص المعيّن وهو من قام بالفعل، فلو فرض أنه أراد التقرب لصاحب القبر، لم يجز تكفيره إلا بعد ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه، فيُطلق القول بأن الطواف حول القبر تقربا لصاحبه كفر وشرك أكبر، وأن الطائف على هذا النحو مشرك، وأما المعين فلابد من التحقق من كونه فعل ذلك مختارا على وجه لا يعذر فيه بجهل أو تأويل، وذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان، وإمكانية التعلم، فإن كان حديث عهد بإسلام، أو ناشئا في بادية بعيدة، أو كان مثله يجهل ذلك، لخفاء المسألة وعدم من ينبه عليها، فهو معذور، وإن كان مثله لا يجهل ذلك فهو كافر مشرك. وينظر: سؤال رقم (٨٥١٠٢) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 832

يزعم قدرته على معرفة السحرة من أسمائهم! فهل يستعان به لإيذائهم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[حدثني أخ لي عن شاب وهبه الله القدرة على اكتشاف السحرة , بمجرد معرفة أسمائهم , وعن طريق أدعية يقولها (لا نعرفها بالضبط) يستطيع أن يُمرض الساحر، أو يبتليه بحيث يدخله المستشفى. وهذا الشخص يصف للناس المصابين بالسحر، أو الممسوسين، أو الذين يعانون من أحوال غريبة , بحيث يقرأ الأدعية (ربما رقية) على الملح، أو السكر، أو الزيت , ويوصي أن هذا الملح يضاف على الأكل بعد طبخه، وليس أثناء الطبخ؛ لكي يكون له المفعول المطلوب , وهذا الشخص لا يأخذ المال على خدماته , والناس يشهدون له حسن عمله، هل يحل لنا أن نستعين به ضد السحرة، أم لا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: هذا الشاب المزعوم أنه موهوب دجَّال من الدجاجلة، وكاهن من الكهنة، وعرَّاف من العرَّافين، وليس على هدى ولا على طريق مستقيم، فهو يدَّعي علم أشياء هي من علم الغيب، ويستدل عليها بعلامات لم يجعلها الله تعالى علامات عليها، ولا هناك قواعد لذلك أصلاً، ونعني به: زعمه علمه بالسحرة من خلال معرفة أسمائهم! ومن المعلوم لكل موحد أنه ليس هناك آية، ولا حديث، ولا قاعدة، تعرِّف المسلم بأن هذا ساحر من خلال معرفة اسمه، فإذا زعم أنه يعلم السحرة من خلال أسمائهم: فإما أن يكون كاذباً أفَّاكاً، وإما أنه يعلم ذلك عن طريق أوليائه من الجن الكافر أو الفاسق. وانظر جواب السؤال رقم: (٩١٥٢٥) . ثانياً: ادعاء ذلك الدجال بأنه يستطيع أن يمرض السحرة أو أن يؤذيهم: مما يدل على ما وصفناه به، فالنفع والضر بيد الله تعالى، وهو وحده سبحانه القادر على إيقاع الضرر على الخلق، وليس ذلك بإرادة أحدٍ غيره، والأنبياء ﵈ لم يكونوا يملكون هذه " الكرامة "! وكانوا ﵈ إذا أرادوا أن يهلك أعداء الدين: دعوا عليهم، ولم يكن باستطاعتهم إمراض الناس وإيذاؤهم وإهلاكهم، إلا أن يدعو أحدهم ربه تعالى فيستجيب الله دعاءه، فينفذ قدر الله بما شاء تعالى على أعدائهم. ثالثاً: ما يقرؤه من " كلمات " لا تعدُّ من الرقية الشرعية حتى تكون باللغة العربية، وتظهر كلماتها، وتكون موافقة للشرع لا مخالفة له، وكل ذلك لا يُعرف من ذلك الشاب؛ لأن الظاهر أنه يسر بتلك الكلمات ولا يجهر بها. وانظر شروط الرقية الشرعية في جواب السؤال رقم: (١٣٧٩٢) ، وفي هذا الجواب بينَّا كيفية التخلص من السحر، وبينَّا كيف نكشف الرقاة المخالفين للشرع. وفي جواب السؤال رقم (٢١١٢٤) ذكرنا علامات السحرة، والعرافين، والكهان، وكيف نميزهم. وتنظر شروط الراقي في جواب السؤال رقم: (٧٨٧٤) . رابعاً: كونه لا يطلب أجراً لا يدل على أنه ثقة، ولا أنه صادق، وهذه طريقة معروفة لأولئك الدجاجلة، حيث يوهمون العامة بذلك أنهم على خير، وعلى دين، ويستدل العامة على ذلك بأنه لا يطلب أجراً، وهذا ميزان فاسد. ولا ينبغي الاغترار بشهادة العامة لأحدٍ من الناس، وخاصة في هذا الباب، فهم لا يفرقون بين المشرك والموحد، ولا بين السني والبدعي، ولا بين الصادق والكاذب، وليس عندهم ميزان علمي للحكم على أفعاله وتصرفاته لمحاكمتها وفق شرع الله تعالى، وهم يطلقون اسم " الشيخ " على كل من يعالج السحر والصرع، ولو سلك أي طريق في العلاج! ، ومن العجائب: أنه وُجد نصراني يسلك هذا الدرب في بعض البلاد، ويطلق عليه عامة الناس " الشيخ المسيحي "! وهو معروف، وقد تأكدنا من ذلك، ولا يزال كثيرون يطلقون عليه ذلك اللقب إلى الآن! . والعبرة في هذا الباب هو حكم العلماء وطلبة العلم من أهل السنَّة والجماعة، فهم أقدر الناس على الحكم على أولئك المعالِجين بما يستحقونه، وقد أكرمهم الله تعالى باعتقاد صحيح، وعلم مؤصَّل وفق الكتاب والسنَّة يستطيعون بهما أن يميزوا بين الكاهن المشعوذ وبين الثقة الصادق ممن يقرأ على الناس ويعالجهم، فلا تلتفتوا لشهادة غيرهما، ولا تغتروا بحكم العامة، فوجوده كعدمه. وعليه: فلا يحل لأحدٍ الذهاب لهذا الدجَّال، ولا الاستعانة به، ولو زعم محاربة السحرة! فهو منهم، وإنما يريد دفع التهمة عن نفسه، وإخراج نفسه من زمرتهم، وقد ورد الوعيد الشديد في الذهاب إلى هؤلاء بعدم قبول صلاة أربعين يوماً من ذلك الذاهب، فإذا صدَّقه فيما يقول فإنه يكون قد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ . وانظر جواب السؤال رقم (٩٨١٥٣) و (٨٢٩١) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 833

حكم التساهل في الحكم بشريعة الله وعدم تطبيقها [السُّؤَالُ] ـ[كثير من المسلمين يتساهلون في الحكم بغير شريعة الله، والبعض يعتقد أن ذلك التساهل لا يؤثر في تمسكه بالإسلام، والبعض الآخر يستحل الحكم بغير ما أنزل الله ولا يبالي بما يترتب على ذلك، فما هو الحكم في ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "هذا فيه تفصيل، وهو أن يقال: من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم أنه يجب عليه الحكم بما أنزل الله، وأنه خالف الشرع، ولكن استباح هذا الأمر، ورأى أنه لا حرج عليه في ذلك، وأنه يجوز له أن يحكم بغير شريعة الله فهو كافر كفراً أكبر عند جميع العلماء، كالحكم بالقوانين الوضعية التي وضعها الرجال من النصارى أو اليهود أو غيرهم، ممن زعم أنه يجوز الحكم بها، أو زعم أنها أفضل من حكم الله، أو زعم أنها تساوي حكم الله، وأن الإنسان مخير إن شاء حكم بالقرآن والسنة، وإن شاء حكم بالقوانين الوضعية.. من اعتقد هذا كفر بإجماع العلماء كما تقدم. أما من حكم بغير ما أنزل الله لهوى أو لحظ عاجل، وهو يعلم أنه عاص لله ولرسوله، وأنه فعل منكراً عظيماً وأن الواجب عليه الحكم بشرع الله، فإنه لا يكفر بذلك الكفر الأكبر، لكنه أتى منكراً عظيماً ومعصية كبيرة وكفراً أصغر، كما قال ذلك ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أهل العلم، وقد ارتكب بذلك كفراً دون كفر، وظلماً دون ظلم، وفسقاً دون فسق، وليس هو الكفر الأكبر، وهذا قول أهل السنة والجماعة، وقد قال الله سبحانه: (وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) المائدة/٤٩، وقال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ) المائدة/٤٤، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) المائدة/٤٥، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) المائدة/٤٧، وقل : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء/٦٥، وقال : (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/٥٠، فحكم الله هو أحسن الأحكام، وهو الواجب الاتباع، وبه صلاح الأمة وسعادتها في العاجل والآجل، وصلاح العالم كله، ولكن أكثر الخلق في غفلة عن هذا، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" انتهى. فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز. "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (٥/٣٥٥-٣٥٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 834

هل يكفر من أتى عرافاً وسأله عن شيء ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كيف نجمع بين الحديثين التاليين: ١- (من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) ، رواه مسلم في صحيحه. ٢ – (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) ، رواه أبو داود. فالحديث الأول لا يدل على الكفر في حين الآخر يدل على الكفر.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "لا تعارض بين الحديثين، فحديث: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد) يراد منه: أن من سأل الكاهن معتقداً صدقه وأنه يعلم الغيب فإنه يكفر؛ لأنه خالف القرآن في قوله تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) النمل/٦٥. وأما الحديث الآخر: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) رواه مسلم وليس فيه (فصدقه) . فبهذا يُعلم أن من أتى عرافا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن صدقه فقد كفر. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٤٨) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 835

شيخ صوفي يأمر مريده بالشرك بالله [السُّؤَالُ] ـ[قال شيخ لمريده الذي يريد أن يدرس في أوربا وهو يودعه: يا بني إذا سولت لك نفسك بالمعصية هناك فتذكر شيخك يصرف الله عنك هذا السوء وهذه الفاحشة، فهل هذا شرك بالله؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "هذا منكر عظيم، وشرك بالله جل وعلا؛ لأنه فزع إلى الشيخ لينقذه من هذا الشيء، والواجب أن يقول: فاذكر الله، واسأل ربك العون والتوفيق، واعتصم به، وأما أن يوصيه بأن يذكر شيخه فهذا من أخطاء غلاة الصوفية، يوجهون مريديهم وتلاميذهم إلى أن يعبدوهم من دون الله، ويلجئوا إليهم، ويتوكلوا عليهم في قضاء الحاجات، وتفريج الكروب، وهذا من الشرك الأكبر، نعوذ بالله من ذلك. فالواجب على هذا الشخص أن يتقي الله، وأن يفزع إليه سبحانه فيما يهمه، ويسأله العون والتوفيق، لا إلى شيخه الذي عَلَّمَه أن يفزع إليه، والله المستعان" انتهى. "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٦/٣٦٥) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 836

من اعتقد أن هناك من يتصرف في الكون سوى الله فهو كافر [السُّؤَالُ] ـ[من يقول: إن هناك من يتصرف في الكون مع الله، هل يكون كافراً؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يعتقد المسلمون أن الله تعالى هو المتصرف في الكون وحده، وهو المدبر لأمور المخلوقات وحده، وهذا داخل في توحيد الربوبية، الذي هو اعتقاد: أن لا خالق إلا الله، ولا مالك إلا الله، ولا مدبر لأمور الخلائق إلا الله، فمن اعتقد غير ذلك كان كافراً. وقد كان المشركون الذين يعبدون الأصنام والتماثيل، كانوا يقرون بأن الله تعالى هو الذي يدبر أمور المخلوقات. قال الله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) يونس/٣١. وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل من يعتقد تصرف أحد في الكون سوى الله كافر؟ فأجابوا: "من يعتقد ذلك كافر؛ لأنه أشرك مع الله غيره في الربوبية، بل هو أشد كفرا من كثير من المشركين الذين أشركوا مع الله غيره في الألوهية. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٤) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 837

حديث الأعمى وتوسله بالرسول ﷺ [السُّؤَالُ] ـ[الحديث: أن أعمى أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يكشف عن بصري، فقال: فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك نبينا محمد ﷺ نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي) ما صحة هذا الحديث وما معناه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "هذا الحديث اختلف أهل العلم في صحته فمنهم من قال: إنه ضعيف، ومنهم من قال: إنه حسن، ولكن له وجهة ليست كما يتبادر من اللفظ، فإن هذا الحديث معناه أن النبي ﷺ أمر هذا الرجل الأعمى أن يتوضأ، ويصلي ركعتين ليكون صادقاً في طلب شفاعة النبي ﷺ له، وليكون وضوؤه، وصلاته عنواناً على رغبته في التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به إلى الله ؛ فإذا صدقت النية، وصحت، وقويت العزيمة فإن النبي ﷺ يشفع له إلى الله ؛ وذلك بأن يدعو النبي ﷺ له. فإن الدعاء نوع من الشفاعة، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شَفَّعهم الله فيه) . فيكون معنى هذا الحديث أن هذا الأعمى يطلب من النبي ﷺ أن يدعو الله له؛ لأن هذا الدعاء نوع شفاعة. أما الآن وبعد موت النبي ﷺ فإن مثل هذه الحال لا يمكن أن تكون لتعذر دعاء النبي ﷺ لأحد بعد الموت، كما قال النبي ﷺ : (إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ، والدعاء بلا شك من الأعمال التي تنقطع بالموت؛ بل الدعاء عبادة، كما قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) غافر/٦٠، ولهذا لم يلجأ الصحابة ﵃ عند الشدائد وعند الحاجة إلى سؤال النبي ﷺ أن يدعو الله لهم؛ بل قال عمر بن الخطاب ﵁ حين قحط المطر: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون) وطلب من العباس ﵁ أن يدعو الله بالسقيا فدعا فسقوا. وهذا يدل على أنه لا يمكن أن يطلب من رسول الله ﷺ بعد موته أن يدعو لأحد؛ لأن ذلك متعذر لانقطاع عمله بموته صلوات الله وسلامه عليه؛ وإذا كان لا يمكن لأحد أن يطلب من النبي ﷺ أن يدعو له بعد موت النبي ﷺ فإنه لا يمكن ومن باب أولى أن يدعو أحد النبيَّ ﷺ نفسه بشيء من حاجاته أو مصالحه؛ فإن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ والذي حرم الله على من اتصف به الجنة، قال الله تعالى: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ) يونس/١٠٦. وقال تعالى: (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ) الشعراء/٢١٣؛ وقال الله : (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) المؤمنون/١١٧؛ وقال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار) المائدة/٧٢. فالمهم أن من دعا رسولَ الله ﷺ بعد وفاته أو غيره من الأموات لدفع ضرر أو جلب منفعة فهو مشرك شركاً أكبر مخرجاً عن الملة، وعليه أن يتوب إلى الله ، وأن يوجه الدعاء إلى العلي الكبير الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. وإني لأعجب من قوم يذهبون إلى قبر فلان وفلان يدعونه أن يفرج عنهم الكربات ويجلب لهم الخيرات وهم يعلمون أن هذا الرجل كان في حال حياته لا يملك ذلك، فكيف بعد موته، بعد أن كان جثة وربما يكون رميماً قد أكلته الأرض فيذهبون يدعونه، ويتركون دعاء الله الذي هو كاشف الضر، وجالب النفع والخير، مع أن الله تعالى أمرهم بذلك وحثهم عليه فقال: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) غافر/٦٠. وقال الله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة/١٨٦. وقال تعالى منكراً على من دعا غيره: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) النمل/٦٢. أسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم" انتهى. "مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين" (٢/٢٧٤) . فالحديث لا يدل على جواز التوسل بجاه النبي ﷺ كما ذهب إليه البعض، بل الحديث يدل على أن هذا الرجل توسل بدعاء النبي ﷺ فقوله: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد) أي: بدعاء نبينا محمد، وقوله: (يا محمد إني أتوجه بك إل ربي) أي: بدعائك. ويدل على هذا: ١- أن هذا الرجل، جاء إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يدعو له، ولو كان مراده التوسل بجاهه ﷺ لقعد في بيته، وقال: اللهم إني أتوسل إليك وأسألك بجاه محمد. ٢- من جملة الدعاء الذي علمه الرسول ﷺ : (اللهم فشفعه فيّ، وشفعني فيه) أي: اقبل شفاعة النبي ﷺ فيّ، والشفاعة هي الدعاء، فيكون الرسول ﷺ قد دعا له. وقوله: (وشفعني فيه) أي: اقبل دعائي أن تقبل دعاءه. قال الألباني ﵀ في كتاب التوسل ص (٧٣، ٧٤) : "إن مما علم النبي ﷺ الأعمى أن يقوله: (وشفعني فيه) أي: اقبل شفاعتي أي دعائي في أن تقبل شفاعته ﷺ أي دعاءه في أن ترد علي بصري. هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه. ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه. ذلك أن شفاعة الرسول ﷺ في الأعمى مفهومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول ﷺ كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة، ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحدا منهم يستعملها، فيقول في دعائه مثلا: اللهم شفع فيّ نبيك وشفعني فيه" انتهى. وانظر لتفصيل الكلام على هذا الحديث: كتاب "التوسل" ص (٦٨-٩٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 838

هل يجوز أن يقال: يا محمد [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز أن نقول لنبينا: يا محمد؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا يجوز مخاطبة النبي ﷺ حال حياته بـ: "يا محمد " لقوله تعالى: (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً) النور/٦٣. قال الضحاك عن ابن عباس: كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عن ذلك؛ إعظامًا لنبيه صلوات الله وسلامه عليه، قال: فقالوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جُبَير. وقال قتادة: أمر الله أن يهاب نبيه ﷺ ، وأن يُبَجَّل، وأن يعظَّم، وأن يسوَّد. وقال مقاتل بن حَيَّان: لا تُسَمّوه إذا دَعَوتموه: يا محمد، ولا تقولوا: يا ابن عبد الله، ولكن شَرّفوه فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله. وقال مالك عن زيد بن أسلم: أمرهم الله أن يشرِّفوه. فلا ينادى النبي ﷺ باسمه المجرد، بل يقال: يا رسول الله، يا نبي الله. ثانياً: لا يجوز أن يدعى النبي ﷺ بعد وفاته؛ لأن الدعاء عبادة لا تكون إلا الله تعالى، قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) الجن/١٣، وقال: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) الأحقاف/٥، وقال ﷺ لابن عباس رضي الله: (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ) رواه الترمذي (٢٥١٦) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي. والدعاء هو طلب جلب النفع أو دفع الضر، وليس مجرد النداء بـ (يا) لكن صار في عرف الناس استعمال هذا النداء للدعاء، لا سيما عند نزول الشدائد، وحصول الكروب، فيقولون: (يا الله) أي: يا الله نجنا، أو أغثنا، أو انصرنا. هذا صنيع الموحدين الذين لا يدعون غير الله تعالى، وأما عباد القبور والأضرحة فإنهم يلجأون إلى أوليائهم ومعظَّميهم، فيقولون: يا بدوي، يا رفاعي، يا جيلاني، ومقصودهم: يا بدوي أغثنا أو انصرنا أو نجنا. ومنهم من يقول: يا رسول الله، يا محمد، بهذا الاعتبار أيضا، وهو دعاؤه والاستغاثة به واللجأ إليه. ومعلوم أن هذا من أعظم المخالفة لما جاء به محمد ﷺ وجاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، من الدعوة إلى توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة، وترك عبادة غيره. فلا يشرع في دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده دعاء أحد غير الله تعالى، لا نبي مرسل، ولا ملَك مقرب، بل الدعاء له سبحانه وحده، ولهذا قال : (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) النمل/٦٢. وعُلم بهذا أن قول القائل: "يا محمد"، أو (يا رسول الله) إن لم يُرد به الدعاء والطلب، فلا شيء فيه، كأن يريد استحضار صورته وتذكره، كما لو قرأ حديثا فقال: صلى الله عليك يا رسول الله، أو ما أعظم وأجمل كلامك يا رسول الله، لكن قوله: (يا محمد) فيه منافاة للأدب، كما سبق. وقد سئل الشيخ ابن باز ﵀: هل يكون من الشرك إذا قال أحد في أي بقاع الأرض: يا محمد يا رسول الله، يناديه؟ فأجاب: "قد بَيَّن الله سبحانه في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم أن العبادة حق الله ليس فيها حق لغيره، وأن الدعاء من العبادة، فمن قال من الناس في أي بقعة من بقاع الأرض: يا رسول الله، أو يا نبي الله، أو يا محمد، أغثني أو أدركني أو انصرني أو اشفني أو انصر أمتك أو اشف مرضى المسلمين أو اهد ضالهم أو ما أشبه ذلك فقد جعله شريكا لله في العبادة، وهكذا من صنع مثل ذلك مع غيره من الأنبياء أو الملائكة أو الأولياء أو الجن أو الأصنام أو غيرهم من المخلوقات، لقول الله : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ... " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٢/٤٥٣) . وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: بعض الناس عند الشدة: "يا محمد أو يا علي، أو يا جيلاني" فما الحكم؟ فأجاب: "إذا كان يريد دعاء هؤلاء والاستغاثة بهم فهو مشرك شركاً أكبر مخرجاً عن الملة، فعليه أن يتوب إلى الله وأن يدعو الله وحده، كما قال تعالى: (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) النمل/٦٢، وهو مع كونه مشركاً، سفيه مضيع لنفسه، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) . وقال: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) " انتهى من "فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (٢/١٣٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 839

جهل من يزعم أن الحج من مظاهر الوثنية [السُّؤَالُ] ـ[شيخنا الحبيب! والله إنى أحبك فى الله! نريد بعض الردود على من تتهم زيارتنا للكعبة المشرفة بأنه من الوثنية، كنوال سعداوي، وماذا تمثل الكعبة بالنسبة للمسلمين، وما يمثل الحج والعمرة كذلك للمسلمين؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " الوثنية " دين أرضي ينتسب إلى الأوثان، وهي الأصنام والأنصاب والصور، وأخص أوصاف هذه النسبة هو التعلق بالأوثان بالخوف والرجاء والتذلل والعبادة، مع قدر من المحبة والتعظيم، وقد يصاحب ذلك نسبة القوة الذاتية إليها باعتقاد النفع والضر فيها، وقد لا يكون ذلك إلا عن اعتقادها وسائط إلى القوة الإلهية المطلقة. أما المسلم الموحِّد فهو الذي لا يتوجه بمعاني العبودية القلبية أو العملية إلا لله تعالى، ولا يعتبر المكان والزمان إلا ظروفا للقيام بمظاهر العبودية، فلا ينالها شيء من المعاني التي تقوم في قلبه تعبدا وتذللا لله . ومن لم يفرق بين هذين المفهومين: " التوحيد "، و " الوثنية " لم يفهم شيئا من تاريخ الأديان وفواصل العقائد التي افترق عليها الناس، ولم يوثق بشيء من فكره، ونادى على نفسه بقلة الفهم والاطلاع. يقول الشيخ محمد رشيد رضا في "مجلة المنار" (١٦/٦٧٥) ، جوابا على سؤال طويل يستشكل ما ذكره السائل عن بعضهم: أنَّ شعائر الحج من مظاهر الوثنية، فقال: " ما ذكره السائل في تقبيل الحجر الأسود قد سرى إليه من شبهات النصارى والملاحدة، الذين يشككون المسلمين في دينهم بأمثال هذا الكلام المبني على جهل قائليه من جهة، وسوء نيتهم في الغالب من جهة أخرى. ومن عرف معنى العبادة يقطع بأن المسلمين لا يعبدون الحجر الأسود، ولا الكعبة، ولكن يعبدون الله تعالى وحده باتباع ما شرعه فيهما، بل كان من تكريم الله تعالى لبيته أن صرف مشركي العرب وغيرهم من الوثنيين والكتابيين الذين كانوا يعظمونه قبل الإسلام عن عبادته، وقد وضعوا فيه الأصنام وعبدوها فيه، ولم يعبدوه. ذلك أن عبادة الشيء عبارة عن اعتقاد أن له سلطة غيبية يترتب عليها الرجاء بنفعه لمن يعبده، أو دفع الضرر عنه، والخوف من ضره لمن لا يعبده أو لمن يقصر في تعظيمه، سواء كانت هذه السلطة ذاتية لذلك الشيء المعبود، فيستقل بالنفع والضرر، أو كانت غير ذاتية له بأن يُعْتَقَد أنه واسطة بين من لجأ إليه وبين المعبود الذي له السلطة الذاتية. ولا يوجد أحد من المسلمين يعتقد أن الحجر الأسود ينفع أو يضر بسلطة ذاتية له، ولا أن سلطته تقريب من يعبد ويلجأ إليه إلى الله تعالى، ولا كانت العرب في الجاهلية تعتقد ذلك وتقوله في الحجر كما تقول في أصنامها: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) الزمر/٣، (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ) يونس/١٨ وإنما عقيدة المسلمين في الحجر هي ما صرَّح به عمر بن الخطاب ﵁ عند تقبيله، قال: (إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) . رواه الجماعة كلهم أحمد والشيخان وأصحاب السنن. وقد بيَّنَّا في المنار من قبل أن هذا القول روي أيضا عن أبي بكر ﵁، وروي مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وأن أثر عمر كان العمدة في هذا الباب للاتفاق على صحة سنده. قال الطبري: إنما قال عمر ذلك ... لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي أن يظن الجهال أن استلام الحجر الأسود من باب تعظيم الأحجار، كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله ﷺ ، لا لأن الحجر يضر وينفع بذاته. اهـ. بقي أن يقال: فما هي حكمة جعل ما ذكر من العبادة؟ وهل يصح ما قيل من أن النبي ﷺ تركه في الكعبة مع أنه من آثار الشرك تأليفًا للمشركين، واستمالة لهم إلى التوحيد؟ والجواب: أن الحجر ليس من آثار الشرك، ولا من وضع المشركين، وإنما هو من وضع إمام الموحدين إبراهيم ﵌، جعله في بيت الله ليكون مبدأ للطواف بالكعبة يعرف بمجرد النظر إليها، فيكون الطواف بنظام لا يضطرب فيه الطائفون، وبهذا صار من شعائر الله، يكرم ويقبل ويحترم لذلك كما تحترم الكعبة لجعلها بيتًا لله تعالى، وإن كانت مبنية بالحجارة، فالعبرة بروح العبادة: النية والقصد، وبصورتها الامتثال لأمر الشارع، واتباع ما ورد بلا زيادة ولا نقصان، ولهذا لا تُقَبَّلُ جميع أركان الكعبة عند جمهور السلف، وإن قال به وبتقبيل المصحف وغيره من الشعائر الشريفة بعض من يرى القياس في الأمور التعبدية. وتعظيم الشعائر والآثار الدينية والدنيوية، بغير قصد العبادة معروف في جميع الأمم، لا يستنكره الموحدون ولا المشركون ولا المعطلون، وأشد الناس عناية به الإفرنج، فقد بنوا لآثار عظماء الملوك والفاتحين والعلماء العاملين الهياكل العظيمة، ونصبوا لهم التماثيل الجميلة، وهم لا يعبدون شيئا منها، فلماذا نهتم بكل ما يلفظ به كل قسيس أو سياسي يريد تنفير المسلمين من دينهم إذا موَّه علينا في شأن تعظيم الحجر الأسود، فزعم أنه من آثار الوثنية، ونحن نعلم أنه أقدم أثر تاريخي ديني لأقدم إمام موحد داع إلى الله من النبيين المرسلين الذي عُرِفَ شيء صحيح من تاريخهم، وهو إبراهيم ﵊ الذي أجمع على تعظيمه مع المسلمين اليهود والنصارى؟ ولعمري لو أن ملوك الإفرنج وعلماءهم أمكنهم أن يشتروا هذا الحجر العظيم لتغالوا في ثمنه تغاليًا لا يتغالون مثله في شيء آخر في الأرض، ولوضعوه في أشرف مكان من هياكل التحف والآثار القديمة، ولحج وفودهم إلى رؤيته، وتمنى الملايين منهم لو تيسر لهم لمسه واستلامه، وناهيك بمن يعلم منهم تاريخه وكونه من وضع إبراهيم أبي الأنبياء ﵈، وإنهم ليتغالون فيما لا شأن له من آثار الملوك أو الصناع. وجملة القول: أن مناسك الحج من شريعة إبراهيم، وقد أبطل الإسلام كل ما ابتدعته الجاهلية فيها من وثنيتها وقبيح عملها، كطوافهم بالبيت عراة، وإن الكعبة من بناء إبراهيم وإسماعيل ﵉ كما هو ثابت عند العرب بالإجماع المتواتر بينهم، وكانوا يعظمونها هم والأمم المجاورة لهم، بل والبعيدة عنهم كالهنود، ولما كانت الكعبة قد جدد بناؤها قبل الإسلام وبعده لم يبق فيها حجر يعلم باليقين أنه من وضع إبراهيم إلا الحجر الأسود؛ لامتيازه بلونه وبكونه مبدأ المطاف، كان هو الأثر الخاص المذكر بنشأة الإسلام الأولى في ضمن الكعبة المذكرة بذلك بوضعها وموضعها وسائر خصائصها، زادها الله حفظًا وشرفًا. وقد علم بهذا أن الحجر له مزية تاريخية دينية، ولنا مع علمنا بهذا أن نقول: إن لله تعالى أن يخصص ما شاء من الأجسام والأمكنة والأزمنة لروابط العبادة والشعائر، فلا فرق بين تخصيص الحجر الأسود بما خصصه وبين تخصيص البيت الحرام والمشعر الحرام وشهر رمضان والأشهر الحرم، ومبنى العبادات على الاتباع لا على الرأي. إذا وعيت ما تقدم كان نورًا بين يديك تبصر به حكم سائر مناسك الحج: أعني بها مما تَعَبَّدَنا الله تعالى بها، لتغذية إيماننا بالطاعة والامتثال، سواء عرفنا سبب كل عمل منها وحكمته، أم لا، وأنها إحياء لدين إبراهيم أبي الأنبياء وإمام الموحدين المخلصين، وتذكير بنشأة الإسلام ومعاهده الأولى، وإن لاستحضار ذلك لتأثيرا عظيما في تغذية الإيمان وتقوية الشعور به، والثقة بأنه دين الله الخالص الذي لا يقبل غيره. فإن جهلنا سبب شرع بعض تلك الأعمال أو حكمتها لا يضرنا ذلك، ولا يثنينا عن إقامتها كما إذا ثبت لنا نفع دواء من الأدوية مركب من عدة أجزاء، وجهلنا سبب كون بعضها أكثر من بعض، فإن ذلك لا يثنينا عن استعمال ذلك الدواء والانتفاع به، ولا يدعونا إلى التوقف وترك استعماله إلى أن نتعلم الطب ونعرف حكمة أوزان تلك الأجزاء ومقاديرها. أبسط ما يتبادر إلى الذهن من منشإ هذه العبادة – رمي الجمار - أن هذه المواضع التي تسمى الجمرات كانت من معاهد إبراهيم وإسماعيل ﵈، فشرع لنا أن نقف عند كل واحدة منها، نكبر الله سبع تكبيرات، ترمى عند كل تكبيرة حصاة صغيرة بين أصابعنا نعد بها التكبير، روى الطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس: (لما أتى خليل الله المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبعة حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض) ثم ذكر الجمرة الثالثة كذلك. – [ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٢/١٠٠) وصححه الحاكم في "المستدرك"، والألباني في "صحيح الترغيب" (١١٥٦) وقد روي مرفوعا وموقوفا] فإذا صح أن إبليس عرض لإبراهيم الخليل ﵊ في أثناء أداء مناسكه بظهور ذاته أو مثاله، أو بمجرد التصدي للوسوسة والشغل عن ذكر الله تعالى، فلا غرابة في قذفه ورجمه كما يطرد الكلب، فمن المعروف في الأخلاق والطباع أن يأتي الإنسان بعمل عضوي يظهر به كراهته لما يعرض له، حتى من الخواطر القبيحة، ودفعه عنه وبراءته منه، فأخذ الحصيات ورميها مع تكبير الله تعالى من هذا القبيل، وإن حركة اليد المشيرة إلى البعد لتفيد في دفع الخواطر الشاغلة للقلب.. والرجم بالحجارة بقصد الدلالة على السخط والتبري أو الإهانة معهود من الناس، وله شواهد عند الأمم، كرجم بني إسرائيل مع يشوع (النبي يوشع ﵇ لمجان بن زراح وأهله وماله من ناطق وصامت (كما في٧: ٢٤ و٢٥) من سفر يشوع، وكرجم النصارى لشجرة التين التي لعنها المسيح، ورجم العرب في الجاهلية لقبر أبي رغال في المغمس بين مكة والطائف؛ لأنه كان يقود جيش أبرهة الحبشي إلى مكة لأجل هدم الكعبة حرسها الله تعالى. والعمدة في رمي الجمار ما تقدم من قصد التعبد لله تعالى وحده، بما لا حظ للنفس فيه، اتباعًا لإبراهيم أقدم رسل الله الذين بقيت آثارهم في الأرض، ومحمد خاتم رسل الله ومكمل دينه ومتممه الذي حفظ دينه كله في الأرض، صلى الله عليهم أجمعين. قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في بيان أسرار الحج من "الإحياء": وأما رمي الجمار فليقصد به الانقياد للأمر إظهارًا للرق والعبودية، وانتهاضًا لمجرد الامتثال، من غير حظ للعقل والنفس في ذلك؛ ثم ليقصد به التشبه بإبراهيم ﵇ حيث عرض له إبليس لعنه الله تعالى في ذلك الموضع ليدخل على حجه شبهة، أو يفتنه بمعصية، فأمره الله أن يرميه بالحجارة طردًا له وقطعًا لأمله. فإن خطر لك أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه، وأما أنا فليس يعرض لي الشيطان، فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان، وأنه الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك في الرمي، ويخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه، وأنه يضاهي اللعب فلم تشتغل به؟ فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي، فبذلك ترغم أنف الشيطان. واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة، وفي الحقيقة ترمي به وجه الشيطان وتقصم به ظهره، إذا لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله تعظيمًا له بمجرد الأمر، من غير حظ للنفس والعقل فيه. اهـ " انتهى النقل من " مجلة المنار " وانظر في "أضواء البيان" للأمين الشنقيطي (سورة الحج/٢٧) مبحثين في حكمة الرمي والرمل في الحج. والله أعلم. وقد سبق الجواب عن الشبهة الواردة في السؤال على لسان بعض الجهلة، وذلك في جواب السؤال رقم (٨٢٣٤٩) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 840

حكم الذهاب إلى من يفك السحر [السُّؤَالُ] ـ[هل من يذهب عند إمام مسجد يدعي أنه يزيل السحر ويتبع ما قاله ظننا منه أنه يزيل السحر دون أن يعلم ذلك حرام قد ارتكب معصية? وما حكم ذلك ?]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي يفك السحر عن المسحور لا يخلو من حالين: الحال الأولى: أن يستخدم في ذلك الرقى الشرعية والتعوذات النبوية، والأدوية المباحة، فهذا لا بأس به، بل مستحب. الحال الثانية: أن يعالجه ـ أي السحر ـ بعمل السحرة الذي هو التقرب إلى الجن بالذبح أو غيره من القربات فهذا لا يجوز؛ لأنه من عمل الشيطان بل من الشرك الأكبر فالواجب الحذر من ذلك، كما لا يجوز علاجه بسؤال الكهنة والعرافين والمشعوذين واستعمال ما يقولون. وقد حذر الرسول ﷺ من إتيانهم وسؤالهم وتصديقهم، فقال ﵊: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) رواه مسلم (٤١٣٧) . وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ رواه أحمد في المسند (٩١٧١) وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع حديث رقم (٥٩٣٩) . فالسحرة لا يجوز إتيانهم ولا سؤالهم ولا تصديقهم. وقد روى أبو داود في سننه (٣٣٧٠) عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ النُّشْرَةِ فَقَالَ: (هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) وصححه الألباني. قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (٤/٢٩٩) : " والنشرة: حل السحر عن المسحور , وهي نوعان: حل سحر بسحر مثله , وهو الذي من عمل الشيطان ; فإن السحر من عمل الشيطان فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب , فيبطل عمله عن المسحور , والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة , فهذا جائز , بل مستحب " انتهى. وبهذا تعلم أخي السائل أن هذا الإمام إن كان من الصنف الذي يحل السحر بالطريقة المحرمة فإن الذهاب إليه معصية، وقد تكون كفرا، فالواجب على من ذهب إليه التوبة من ذلك، والله يتوب على من تاب، فإن كان فعل ذلك جاهلا فنرجو أن لا يكون عليه إثم لكن عليه الإقلاع عن ذلك والعزم على عدم العود إليه في المستقبل. وإذا كان من الصنف الأول الذين يعالجون المسحور بالقرآن الكريم والأدعية النبوية، فلا حرج من الذهاب إليه، وليس ذلك معصية. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 841

أنواع التوسل [السُّؤَالُ] ـ[ما هي أنواع التوسل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله التوسل والوسيلة يراد به أحد أمور أربعة: أحدها: لايتم الإيمان إلا به، وهو التوسل إلى الله بالإيمان به وبرسوله وطاعته وطاعة رسوله، وهذا هو المراد بقوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه وسيلة) سورة المائدة ٣٥ [ويدخل في هذا؛ التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته والتوسّل إليه بطاعات عملها المتوسّل يسأل الله بها ونحو ذلك] والثاني: التوسل إلى الله بطلب دعاء الرسول ﷺ في حياته وطلب المؤمنين بعضهم بعضاً أن يدعو لهم؛ فهذا تابع للأول ومرغب فيه. الثالث:التوسل بجاه المخلوق وذواتهم، مثل قوله: اللهم! إني أتوجه إليك بجاه نبيك أو نحوه؛ فهذا قد أجازه بعض العلماء، ولكنه ضعيف، والصواب الجزم بتحريمه؛ لأنه لا يتوسل إلى الله في الدعاء إلا بأسمائه وصفاته. الرابع: التوسل في عرف كثير من المتأخرين، وهو دعاء النبي ﷺ والاستغاثة به (والاستغاثة بالأموات والأولياء) ؛ فهذا من الشرك الأكبر؛ لأن الدعاء والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله عبادة، فتوجيهها لغير الله شرك أكبر. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 842

هل ينتخب رئيسا لا يحكم بشرع الله ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز انتخاب رئيس لبلد إسلامي مع أنه لا يحكم بشرع الله؟ مع العلم أنه في حال عدم انتخابه قد تحصل مضايقات تصل في بعض الأحيان لحد الاعتقال.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يعتقد المؤمنون اعتقاداً جازماً أنه لا أحد أحسن من حكم الله تعالى، وأن كل حكم خالف حكم الله فهو حكم جاهلي، قال الله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/٥٠. وجعل الله تعالى دعوى الإيمان بالله وما أنزل على رسله مع إرادة التحكم إلى غيره، جعل ذلك أمراً عجيباً يستحق التعجب منه، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) النساء/٦٠. قال الشنقيطي ﵀: " بَيَّن جل وعلا أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل به العجب " انتهى. وأقسم الله تعالى بذاته الكريمة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهراً وباطناً. فقال: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) النساء/٦٥. تفسير ابن كثير. وأوجب الله تعالى رد الأمور المتنازع فيها إليه، وجعل ذلك شرطاً للإيمان، فلا يصح الإيمان مع التحاكم إلى غير ما شرعه الله تعالى. قال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) النساء/٥٩. قال ابن كثير: "قوله تعالى: (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ، دل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليها فليس مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر " انتهى. وعلى هذا؛ يحرم انتخاب من يحكم بغير ما شرعه الله لما في ذلك من الرضا بهذا المحرم والإعانة عليه. وإذا أُكرِه المسلم على الذهاب للانتخاب فيمكنه الذهاب ورفض هذا الرئيس أو إفساد صوته – إن استطاع- فإن لم يستطع إلا الموافقة على الانتخاب وخشي على نفسه الضرر إن لم يوافقهم، فنرجو أن لا يكون عليه حرج في ذلك لقول الله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) النحل/١٠٦، ولقول الرسول ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) رواه ابن ماجة (٢٠٤٥) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 843

تبين له أن شيخه يتعامل مع الجن [السُّؤَالُ] ـ[شاب يدرس عند شيخ يتعامل مع الجن لعلاج الملموسين والملموسات والمسحورين والمسحورات، وقد علم الشاب بذلك متأخرا، فهل يقطع دراسته عند هذا الشيخ ويترك المكان؟ مع العلم أن دراسته على وشك الانتهاء، وهذه الدراسة في العلوم الشرعية والقرآن. وما حكم تدريس القرآن لهذا الشاب الذي يشرف عليه هذا الشيخ؟ وما حكم الصدقة التي يأخذها هذا الطالب من هذا الشيخ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: معاملة الجن خطرٌ عظيم، وبابٌ من أبواب الشر والفساد، طالما أصاب الناس من شره وآفته، وحسبك في ذلك أن الشرك لم يدخل على الناس إلا من طريقهم، فقد قال النبي ﷺ مُخبرا عن تعليم الله عباده بقوله -: (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا) رواه مسلم (٢٨٦٥) وإن كان في الجن من المؤمنين والمسلمين كما فيهم من الكافرين الفاسقين، غير أن احتجابهم عن الإنسان يحول دون الاطمئنان إلى أي منهم، ويوجب الخوف من استدراجهم، خاصة مع انتشار الجهل واشتهار البدع التي هي بريد الشرك، فغالبا ما توقع هذه المخلوقات الإنسان فيما يحرم، ثم لا تنفعهم أيضا إلا يسيرا. وقد قال الله : (وأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) الجن/٦ لذلك كانت فتاوى أهل العلم بحرمة التعاطي مع الجن والتعامل معهم مطلقا – سواء في ذلك المؤمن منهم والكافر – وضرورة عدم التساهل في ذلك، سدا لباب الفتنة والريبة، ورعاية لقلوب الناس التي تملؤها الفطرة الإيمانية. جاء في "الإنصاف" للمرداوي (١٠/٣٥١) : " قوله: (فأما الذي يُعَزِّمُ على الجن، ويزعم أنه يجمعها فتطيعه: فلا يكفر ولا يقتل، ولكن يعزر) فعلى المذهب: يعزر تعزيرا بليغا لا يبلغ به القتل على الصحيح من المذهب، وقيل: يبلغ بتعزيره القتل " انتهى باختصار. وجاء في "الموسوعة الفقهية" (١٤/١٨) : " أما الاستعانة بغير الله، فإما أن تكون بالإنس أو الجن: فإن كانت الاستعانة بالجن فهي ممنوعة، وقد تكون شركا وكفرا، لقوله تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) الجن/٦ " انتهى. ويقول الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (تحت حديث رقم/٢٧٦٠) : " ومن هذا القبيل معالجة بعض المتظاهرين بالصلاح للناس بما يسمونه بـ " الطب الروحاني "، سواء كان ذلك على الطريقة القديمة من اتصاله بقرينه من الجن - كما كانوا عليه في الجاهلية - أو بطريقة ما يسمى اليوم باستحضار الأرواح، ونحوه عندي " التنويم المغناطيسي "، فإن ذلك كله من الوسائل التي لا تُشرع؛ لأن مرجعها إلى الاستعانة بالجن التي كانت من أسباب ضلال المشركين كما جاء في القرآن الكريم: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) الجن/٦، أي: خوفا وإثما. وادعاء بعض المبتلين بالاستعانة بهم أنهم إنما يستعينون بالصالحين منهم دعوى كاذبةٌ؛ لأنهم مما لا يمكن - عادة - مخالطتهم ومعاشرتهم، التي تكشف عن صلاحهم أو طلاحهم، ونحن نعلم بالتجربة أن كثيرا ممن تصاحبهم أشد المصاحبة من الإنس، يتبين لك أنهم لا يصلحون، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) التغابن/١٤ هذا في الإنس الظاهر، فما بالك بالجن الذين قال الله تعالى فيهم: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) الأعراف/٢٧ " انتهى. وقد سبق في موقعنا نقل فتاوى أخرى لأهل العلم في هذا الموضوع في أجوبة الأسئلة الآتية: (١٠٥١٨) ، (١١١١٤) ، (٧٨٥٤٦) ثانيا: أول ما ينبغي لطالب العلم في طلبه تخير العلماء الثقات، أهل الديانة والأمانة والورع، فلا يحمل العلم إلا عَمَّن يؤخذ عنه بحقه، وحقه العمل به بطاعة الله والتزام شرعه وأمره، فإن للمعلم أكبر الأثر في نفس الطالب المتعلم، ولا بد أن يتزين ذلك بتقوى الله . عن إبراهيم النخعي قال: " كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى سمته، وإلى صلاته، وإلى حاله، ثم يأخذون عنه " انتهى. "الجامع لأخلاق الراوي" (١/١٢٧) وقد ذكر العلماء ذلك فيما ينبغي على متعلم القرآن الكريم خاصة. يقول النووي ﵀ في "التبيان في آداب حملة القرآن" (ص/١٣) : " ولا يتعلم إلا ممن تكملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته، واشتهرت صيانته، فقد قال محمد بن سيرين ومالك بن أنس وغيرهما من السلف: هذا العلم دين، فانظروا عَمَّن تأخذون دينكم " انتهى. وقال الزرنوجي ﵀ في "تعليم المتعلم" (ص/٧) : " ينبغي أن يختار الأعلم والأورع واأسن، كما اختار أبو حنيفة حماد بن أبي سليمان بعد التأمل والتفكر، وقال: وجدته شيخا وقورا حليما صبورا " انتهى. ويقول ابن جماعة الكناني في كتابه "تذكرة السامع والمتكلم" (ص/١٣٣) : " ينبغي للطالب أن يقدم النظر، ويستخير الله فيمن يأخذ العلم عنه، ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه، وليكن إن أمكن ممن كملت أهليته، وتحققت شفقته، وظهرت مروءته، وعرفت عفته، واشتهرت صيانته، وكان أحسن تعليما، وأجود تفهيما. ولا يرغب الطالب في زيادة العلم مع نقص في ورع أو دين أو عدم خلق جميل، فعن بعض السلف: " هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم ". وإذا سبرت أحوال السلف والخلف لم تجد النفعَ يحصل غالبا، والفلاحَ يُدرِك طالبًا إلا إذا كان للشيخ من التقوى نصيبٌ وافر، وعلى نصحه للطلبة دليل ظاهر. وكذلك إذا اعتبرت المصنفات، وجدت الانتفاع بتصنيف الأتقى الأزهد أوفر، والفلاح بالاشتغال به أكثر " انتهى. ثالثا: فالنصيحة لهذا الطالب أن يترك ذلك المعلم الذي يستخدم الجن – إن ثبت ذلك عنه يقينا -، ولا يأخذ عنه شيئا من العلم أو الخلق أو الدين، فذلك أحوط لدينه ونفسه، وأبرأ لذمته، إن كان بمقدوره أن يعوض ما فاته، ويكمل دراسته عند شيخ من أهل السنة والاستقامة. وأما إن كان لا يوجد في بلده من أهل الاستقامة من يقوم له بذلك، فالذي نراه أنه يكمل القدر اليسير المتبقي له من دراسته، إذا كان الحال ما ذكر من أنه إنما يستخدم الجن في علاج المسحورين أو المرضى، ولم يعرف عنه أنه يعمل بالسحر أو أذى المسلمين، أو العدوان على أموالهم أو أعراضهم، والقاعدة عند أهل العلم أنه يغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء؛ فنحن، وإن كنا نمنع ابتداء أن يتعلم الطالب على شيخ من أهل البدع، أو ممن يظهر عليه انحراف في علمه أو عمله، ففي مثل حال السائل، يرخص له في استمراره في هذه الدراسة حتى ينتهي، لا سيما إن كان القدر المتبقي يسيرا، ولا سيما ـ أيضا ـ إن كان في بلد يعز عليه أن يجد بديلا من أهل الاستقامة والسنة. على أنه يؤيد ما ذكرناه هنا ـ أيضا ـ أن هذا الشيخ ربما كان يأخذ بقول من يقول بجواز استعمال الجن في الأمور المباحة، كالتي ذكرت في السؤال، فيكون متأولا معذورا، لا نستطيع أن نبدعه أو نضلله. وهذا القول، وإن كان قال به بعض علماء أهل السنة، إلا أن الصواب هو ما ذكرناه أولا، من المنع من استخدام الجن مطلقا. لكن الراجح في المسألة شيء، وأعذار المتأولين شيء آخر. رابعا: نصيحتنا في شأن الصدقة أيضا الاستغناء عنها، والسعي الدائم إلى تحصيل العيش من كسب اليد، من غير تقصير في طلب العلم ولا انهماك في طلب الرزق، بل يكون معتدلا، يتكفف عما في أيدي الناس، ويجتهد في تعلم مسائل الدين، وبذلك ينال رضى الله . يقول النبي ﷺ : (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) رواه مسلم (٢٦٩٩) لكن إن أعوزت الطالب الحيلة، واضطر إلى الصدقة التي يعطيه إياها هذا المعلم، فلا حرج عليه إن شاء من قبولها وأخذها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 844

الدعاء أثناء الوضوء بجاه النبي ﷺ [السُّؤَالُ] ـ[عندي عادة لا أدري أهي سيئة أم حسنة: مثلا عند غسل رجلي في الوضوء أدعو ربي أن يثبت رجلي على الصراط بجاه النبي ﵊. وكذلك في الصلاة مثلا: رب اغفر لي وارحمني وسامحني بجاه نبيك ﵊. فهل مثل هذا الدعاء يجوز أم لا؟ مع العلم أني اعتَدْتُ على الدعاء بهذه الصفة اعتقادا مني أن الله لا يرد الدعاء لمن توسل إليه بحبيبه ﵊.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله دعاء الله تعالى أن يثبت رجل عبده على الصراط، دعاء حسن لا بأس به، نسأل الله تعالى أن يثبت أقدمنا جميعاً. ولكن دخل الخطأ في هذا الدعاء من وجهين: الأول: اعتيادك هذا الدعاء عند غسل الرجلين في الوضوء. فإنك تعلم – أخي السائل – أن الوضوء عبادة، وأن المسلم ليس له أن يغيِّر صفة العبادة أو يزيد عليها، أو ينقص منها. بل كمال الاتباع للنبي ﷺ أن نفعل كما فعل، من غير زيادة ولا نقصان. قال ابن تيمية ﵀ "مجموع الفتاوى" (٢٢/٥١٠) : " وليس لأحد أن يسن للناس نوعا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به " انتهى. ولم يكن من هدي النبي ﷺ الدعاء عند غسل أعضاء الوضوء، وقد ورد في ذلك حديث، غير أنه لا يصح عن النبي ﷺ . قال الحافظ ابن الصلاح: " لم يصح فيه حديث " انتهى. كذا نقله الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/٢٩٧) . وقال ابن القيم في "المنار المنيف" (٤٥) : " وأما الحديث الموضوع في الذكر على كل عضو فباطل " انتهى. وقال النووي عن دعاء الأعضاء في الوضوء: دعاء الأعضاء لا أصل له" "الفتوحات الربانية" (٢/٢٧-٢٩) وفي "فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم" (٢/٤٩) : " بعض الناس يرى أَن لكل عضو ذكرًا يخصه، ويروى في ذلك شيء من الأَحاديث، لكنها لا تصح أَبدًا، بل هي باطلة " انتهى. وجاء في " دروس للشيخ عبد العزيز بن باز" (درس رقم/١٣ ش٢) : " هذه كلها لا أصل لها، ولم يُحفظ فيها شيء عن النبي ﵊، فلا تستحب هذه الدعوات عند هذه الأعضاء، وإنما المستحب شيئان: أولاً: عند البدء بالتسمية. ثانياً: بعد الفراغ بالشهادة. هذا هو المشروع في الوضوء " انتهى. ولا يقال: إن الحديث الضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال. لأن هذه القاعدة ليس متفقاً عليها، وهناك من ينازع فيها. ثم إن شرط العمل بالضعيف أن لا يكون شديد الضعف، وهذا الشرط مفقود هنا. كما حققه ابن علان في " الفتوحات الربانية " (٢/٢٩) . وقد كتب السيوطي ﵀ في هذه المسألة رسالة أسماها "الإغضاء عن دعاء الأعضاء" بَيَّن فيها شدة ضعف ما ورد في ذلك وعدم صلاحيته للعمل به ولو في فضائل الأعمال. وانظر جواب السؤال رقم (٤٥٧٣٠) . وأما الخطأ الثاني فهو قولك في الدعاء (بجاه النبي ﷺ . ولا شك أن جاه النبي ﷺ عظيم، ولكن الله تعالى لم يجعل التوسل إليه بذلك من أسباب إجابة الدعاء. ولم يرشدنا الرسول ﷺ – وهو الذي لم يترك خيراً إلا دلنا عليه – لم يرشدنا إلى التوسل إلى الله بذلك. فعُلِم من ذلك أن هذا الدعاء ليس مشروعاً. وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٢٣٢٦٥) فاحرص يا أخي على اتباع سنة النبي ﷺ ، وعدم الزيادة عليها أو النقص منها، وابتعد عن الأمور المحدثة في الدين، كما أوصنا بذلك الرسول ﷺ في قوله: (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) رواه أبو داود (٤٦٠٧) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 845

حكم الصلاة في مسجد فيه قبر [السُّؤَالُ] ـ[هل تصح الصلاة في المساجد التي يوجد فيها قبور؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المساجد التي فيها قبور لا يصلى فيها، ويجب أن تنبش القبور وينقل رفاتها إلى المقابر العامة ويجعل رفات كل قبر في حفرة خاصة كسائر القبور، ولا يجوز أن يبقى في المساجد قبور، لا قبر ولي ولا غيره؛ لأن الرسول ﷺ نهى وحذر من ذلك، ولعن اليهود والنصارى على عملهم ذلك، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال:" لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قالت عائشة ﵂ يحذر ما صنعوا " أخرجه البخاري (١٣٣٠) ومسلم (٥٢٩) . وقال ﵊ لما أخبرته أم سلمة وأم حبيبة بكنيسة في الحبشة فيها تصاوير فقال: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله " متفق على صحته (خ/ ٤٢٧، م/ ٥٢٨) . وقال ﵊: " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك " خرجه مسلم في صحيحه (٥٣٢) عن جندب بن عبد الله البجلي. فنهى ﵊ عن اتخاذ القبور مساجد ولعن من فعل ذلك، وأخبر: أنهم شرار الخلق، فالواجب الحذر من ذلك. ومعلوم أن كل من صلى عند قبر فقد اتخذه مسجدا، ومن بنى عليه مسجدا فقد اتخذه مسجدا، فالواجب أن تبعد القبور عن المساجد، وألا يجعل فيها قبور؛ امتثالا لأمر الرسول ﷺ ، وحذرا من اللعنة التي صدرت من ربنا لمن بنى المساجد على القبور؛ لأنه إذا صلى في مسجد فيه قبور قد يزين له الشيطان دعوة الميت، أو الاستغاثة به، أو الصلاة له، أو السجود له، فيقع الشرك الأكبر، ولأن هذا من عمل اليهود والنصارى، فوجب أن نخالفهم، وأن نبتعد عن طريقهم، وعن عملهم السيئ. لكن لو كانت القبور هي القديمة ثم بني عليها المسجد، فالواجب هدمه وإزالته؛ لأنه هو المحدث، كما نص على ذلك أهل العلم؛ حسما لأسباب الشرك وسدا لذرائعه. والله ولي التوفيق. [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ ابن باز ﵀ (١٠ / ٢٤٦) .
следующие страницы →