Полный текст (16 344 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
معنى اسم الله الوكيل
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى اسم الله الوكيل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الوكيل: الحفيظ المحيط، وقيل: الشهيد.
وهو المقيم الكفيل بأرزاق العباد القائم عليهم بمصالحهم، وحقيقته أنه يستقل بالأمر الموكول إليه، فالخلق والأمر كله له لا يملك أحد من دونه شيئاً، وقيل: الحافظ، الذي توكل بالقيام بجميع ما خلق.
وقيل: الكفيل ونعم الكفيل بأرزاقنا.
وقيل: الكافي ونعم الكافي.
وقوله تعالى: (وقالوا حسينا الله ونعم الوكيل) آل عمران/١٧٣. أي كفانا الله، ونعم المولى وليه وكفله، والوكيل في كلام العرب هو المسند إليه القيام بأمر من أسند إليه القيام بأمره، ولما كان المؤمنون المذكورون في هذه الآية قد فوضوا أمرهم إلى الله ووثقوا به، وأسندوا ذلك إليه، وصف نفسه بقيامه بذلك، وتفويضهم أمرهم إليه بالوكالة فقال: ونعم الوكيل تعالى لهم. وتوكيل العبد ربه تسليم لربوبيته وقيام بعبوديته، والله له الوكالة التامة وهي التي تجمع علم الوكيل بما هو وكيل عليه، وإحاطته بتفاصيله وقدرته التامة عليه ليتمكن من التصرف فيه وحفظ ما هو وكيل عليه مع حكمته ومعرفة بوجوه التصرفات ليصرفها ويدبرها على ما هو الأليق.
والله سبحانه هو المنزه عن كل نقص في أي صفة من صفاته، وهو على كل شيء وكيل، وهذا يدل على إحاطة علمه بكل شيء، وكمال قدرته على التدبير، وكمال تدبيره، وكمال حكمته، فهو نعم الوكيل.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب شرح أسماء الله تعالى الحسنى للدكتورة حصة الصغير ص ٢٧٦.
стр. 772
الحكمة مِن خَلْق البشر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لما خُلق البشر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
من عظيم صفات الله تعالى " الحكمة "، ومن أعظم أسمائه تعالى " الحكيم "، وينبغي أن يُعلم أنه ما خلق شيئاً عبثاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإنما يخلق لِحِكَمٍ بالغة عظيمة، ومصالح راجحة عميمة، عَلِمَها من عَلِمها، وجَهِلها من جهلها، وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه الكريم، فبيَّن أنه لم يخلق البشر عبثاً، ولم يخلق السموات والأرض عبثاً، فقال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) المؤمنون/١١٥،١١٦، وقال : (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) الأنبياء/١٦، وقال : (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) الدخان/٣٨، ٣٩، ويقول : (حم. تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) الأحقاف/١ – ٣.
وكما أن ثبوت الحكمة في خلق البشر ثابت من ناحية الشرع , فهو ثابت – أيضاً - من ناحية العقل، فلا يمكن لعاقل إلا أن يسلِّم أنه قد خلقت الأشياء لحكَمٍ، والإنسان العاقل ينزه نفسه عن فعل أشياء في حياته دون حكمة، فكيف بالله تعالى أحكم الحاكمين؟!
ولذا أثبت المؤمنون العقلاء الحكمة لله تعالى في خلقه، ونفاها الكفار، قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) آل عمران/١٩٠، ١٩١، وقال تعالى – في بيان موقف الكفار من حكمة خلقه -: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) ص/٢٧.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀:
" يخبر تعالى عن تمام حكمته في خلقه السموات والأرض، وأنه لم يخلقهما باطلاً، أي: عبثاً ولعباً، من غير فائدة ولا مصلحة.
(ذلك ظن الذين كفروا) بربهم، حيث ظنوا ما لا يليق بجلاله.
(فويل للذين كفروا من النار) فإنها التي تأخذ الحق منهم، وتبلغ منهم كل مبلغ، وإنما خلق الله السموات والأرض بالحق وللحق، فخلقهما ليعلم العباد كمال علمه وقدرته، وسعة سلطانه، وأنه تعالى وحده المعبود، دون من لم يخلق مثقال ذرة من السموات والأرض، وأن البعث حق، وسيفصل الله بين أهل الخير والشر، ولا يظن الجاهل بحكمة الله، أن يسوي الله بينهما في حكمه، ولهذا قال: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) هذا غير لائق بحِكمَتنا وحُكْمنا " انتهى.
" تفسير السعدي " (ص ٧١٢) .
ثانياً:
ولم يخلق الله تعالى الإنسان ليأكل ويشرب ويتكاثر، فيكون بذلك كالبهائم، وقد كرَّم الله تعالى الإنسان، وفضَّله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً، ولكن أبى أكثر الناس إلا كفوراً فجهلوا أو جحدوا الحكمة الحقيقية من خلقهم، وصار كل هَمِّهِم التمتع بشهوات الدنيا , وحياة هؤلاء كحياة البهائم , بل هم أضل، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) محمد/١٢، وقال تعالى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) الحجر/٣ , وقال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف/١٧٩. ومن المعلوم عند عقلاء الناس أن الذي يصنع الشيء هو أدرى بالحكمة منه من غيره، ولله المثل الأعلى فإنه هو الذي خلق البشر، وهو أعلم بالحكمة من خلقه للناس، وهذا لا يجادل فيه أحد في أمور الدنيا، ثم إن الناس كلهم يجزمون أن أعضاءهم خُلقت لحكمة، فهذه العين للنظر، وهذه الأذن للسمع، وهكذا، أفيُعقل أن تكون أعضاؤه مخلوقةً لحكمة، ويكون هو بذاته مخلوقاً عبثاً؟! أو أنه لا يرضى أن يستجيب لمن خلقه عندما يخبره بالحكمة من خلقه؟!
ثالثاً:
وقد بيَّن الله تعالى أنه خلق السموات والأرض، والحياة والموت للابتلاء والاختبار، ليبتلي الناس , مَنْ يطيعه ليثيبه، ومَنْ يعصيه ليعاقبه، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ) هود/ ٧، وقال : (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) الملك/ ٢.
وبهذا الابتلاء تظهر آثار أسماء الله تعالى وصفاته، مثل اسم الله تعالى " الرحمن "، و " الغفور " و " الحكيم " و " التوَّاب " و " الرحيم " وغيرها من أسمائه الحسنى.
ومن أعظم الأوامر التي خلق الله البشر من أجلها – وهو من أعظم الابتلاءات -: الأمر بتوحيده وعبادته وحده لا شريك له، وقد نصَّ الله تعالى على هذه الحكمة في خلق البشر فقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات/٥٦.
قال ابن كثير ﵀:
" أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إلا ليعبدون، أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعاً أو كرهاً، وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن جريج: إلا ليعرفون، وقال الربيع بن أنس: إلا ليعبدون، أي: إلا للعبادة " انتهى.
" تفسير ابن كثير " (٤ / ٢٣٩) .
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀:
" فالله تعالى خلق الخلق لعبادته، ومعرفته بأسمائه وصفاته، وأمرهم بذلك، فمن انقاد، وأدى ما أمر به، فهو من المفلحين، ومن أعرض عن ذلك، فأولئك هم الخاسرون، ولا بد أن يجمعهم في دار، يجازيهم فيها على ما أمرهم به ونهاهم، ولهذا ذكر الله تكذيب المشركين بالجزاء، فقال: (ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) أي: ولئن قلتَ لهؤلاء، وأخبرتهم بالبعث بعد الموت، لم يصدقوك، بل كذبوك أشد التكذيب، وقدحوا فيما جئت به، وقالوا: (إن هذا إلا سحر مبين) ألا وهو الحق المبين " انتهى.
" تفسير السعدي " (ص ٣٣٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 773
العلاج بالأسماء الحسنى
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز العلاج بأسماء الله الحسنى، بأن يقول على المريض في عينه: " يا بصير " وهكذا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
انتشر بين الناس العلاج بأسماء الله تعالى، وقد وزعت أوراق فيها ذكر الاسم وبجانبه المرض الذي يعالجه الاسم.
والذي زعم أنه أكتشف هذا النوع من العلاج هو الدكتور إبراهيم كريم، وهو مبتكر علم " البايوجيومترئ " وقد زعم أن أسماء الله الحسنى لها طاقة شفائية لعدد ضخم من الأمراض، وبواسطة أساليب القياس الدقيقة المختلفة في قياس الطاقة داخل جسم الإنسان، واكتشف أن لكل اسم من أسماء الله الحسنى طاقة تحفز جهاز المناعة للعمل بكفاءة عظمى في عضو معين بجسم الإنسان، وزعم أنه استطاع بواسطة تطبيق " قانون الرنين " أن يكتشف أن مجرد ذكر اسم من أسماء الله الحسنى يؤدي إلى تحسين في مسارات الطاقة الحيوية داخل جسم الإنسان، وبعد أبحاث استمرت ٣ سنوات أخرج للناس اختراعه في جدول يبين فيه المرض وما يقابله من الاسم الذي ينفع في علاجه.
ومن أمثلته:
" السميع ": لإعادة توازن الطاقة، " الرزاق ": يعالج المعدة، " الجبار ": يعالج العمود الفقري، " الرؤوف ": يعالج القولون، " النافع "! يعالج العظم، " الحي " يعالج الكلية، " البديع "! : يعالج الشعر، " ﷻ "! : قشر الشعر، " النور " و " البصير " و " الوهاب ": تعالج العيون ...
وطريقة العلاج: أن يكرر الاسم على العضو المناسب أو عدة أسماء لمدة عشر دقائق.
وقد زعم أنه اكتشف أن طاقة الشفاء تتضاعف عند تلاوة آيات الشفاء بعد ذكر التسبيح بأسماء الله الحسنى، وهذه الآيات هي: ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ ، ﴿وشفاء لما في الصدور﴾ ، ﴿فيه شفاء للناس﴾ ، ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة﴾ ، ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ ، ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء﴾ .
والرد على هذا:
١. أن العلاج إما أن يكون بأسباب حسيَّة وإما بأسباب شرعية، فما كان بالأسباب الحسية المادية فمرجعه إلى التجربة، وما كان بالأسباب الشرعية فمرجعه إلى الشرع في بيان ما يعالج به وكيفيته وذكر الله بالأسماء الحسنى من الأمور الشرعية، ولم يأتِ هذا الباحث لكلامه بمستندٍ شرعي واحد يدل على هذا التعيين للأسماء وهذه الكيفية في العلاج وما تعالجه، فبطل كونها سبباً شرعياً للعلاج، ولا يجوز التجربة بالأدلة الشرعية وامتهانها بمثل هذه الطريقة.
قال الشيخ ابن عثيمين:
اعلم أن الدواء سبب للشفاء والمسبب هو الله تعالى فلا سبب إلا ما جعله الله تعالى سبباً والأشياء التي جعلها الله تعالى أسباباً نوعان:
النوع الأول: أسباب شرعية، كالقرآن الكريم، والدعاء كما قال النبي ﷺ في سورة الفاتحة: " وما يدريك أنها رقية "، وكما كان النبي ﷺ يرقي المرضى بالدعاء لهم فيشفي الله تعالى بدعائه من أراد شفاءه به.
النوع الثاني: أسباب حسية، كالأدوية المادية المعلومة عن طريق الشرع كالعسل، أو عن طريق التجارب مثل كثير من الأدوية، وهذا النوع لا بد أن يكون تأثيره عن طريق المباشرة لا عن طريق الوهم والخيال، فإذا ثبت تأثيره بطريق مباشر محسوس صح أن يتخذ دواء يحصل به الشفاء بإذن الله تعالى، أما إذا كان مجرد أوهام وخيالات يتوهمها المريض فتحصل له الراحة النفسية بناء على ذلك الوهم والخيال ويهون عليه المرض وربما ينبسط السرور النفسي على المرض فيزول: فهذا لا يجوز الاعتماد عليه، ولا إثبات كونه دواء، لئلا ينساب الإنسان وراء الأوهام والخيالات، ولهذا نُهي عن لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع المرض أو دفعه؛ لأن ذلك ليس سبباً شرعيّاً ولا حسيّاً، وما لم يثبت كونه سبباً شرعيّاً ولا حسيّاً: لم يجز أن يجعل سبباً؛ فإن جعله سبباً نوع من منازعة الله تعالى في ملكه وإشراك به حيث شارك الله تعالى في وضع الأسباب لمسبباتها، وقد ترجم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لهذه المسألة في كتاب التوحيد بقوله: " باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لدفع البلاء أو رفعه ".
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١ / السؤال رقم ٤٩) .
٢. أنه ذكر أسماء لله تعالى زاعماً أنه سمى بها نفسه، وليس الأمر كذلك، مثل " ﷻ " و " الرشيد " و " البديع " و " النافع " وغيرها، وهو يدل على جهل هذا المدعي، ويدل على بطلان تلك الطاقة المزعومة، إذ هي مولَّدة – على حسب زعمه – من أسماء غير أسماء الله تعالى الثابتة بالأدلة الصحيحة.
٣- أن تعيين كيفية التداوي وتحديد اسم لكل مرض.
وبما صحَّ أنه من أسماء الله تعالى يدخل في باب القول على الله بغير علم، وقد حرم الله القول عليه بلا علم فقال : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) الأعراف/٣٣.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀ في تفسيرها:
(وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) : في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه.
" تفسير السعدي " (ص ٢٥٠) .
٤. وقد رد علماء اللجنة الدائمة على هذا الزاعم وزعمه حينما سئلوا عن هذه المسألة فقالوا:
بعد دراسة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء للاستفتاء أجابت بما يلي:
قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، وقال النبي صلى الله علية وسلم: " إن لله تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة "، ومنها اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطي، فأسماء الله جل وعلا لا يعلم عددها إلا هو ، وكُلها حُسنى، ويجب إثباتها وإثبات ما تدل عليه من كمال الله وجلاله وعظمته، ويحرم الإلحاد فيها بنفيها أو نفي شيء منها عن الله أو نفي ما تدل عليه من الكمال، أو نفي ما تتضمنه من صفات الله العظيمة.
ومن الإلحاد في أسماء الله ما زعمه المدعي " كريم سيد " وتلميذه وابنه في ورقة يوزعونها على الناس من أن أسماء الله الحسنى لها طاقة شفائية لعدد ضخم من الأمراض، وأنه بواسطة أساليب القياس الدقيقة المختلفة في قياس الطاقة داخل جسم الإنسان اكتشف أن لكل اسم من أسماء الله الحسنى طاقة تحفز جهاز المناعة للعمل بكفاءة مثلى في عضو معين في جسم الإنسان، وإن الدكتور " إبراهيم كريم " استطاع بواسطة تطبيق قانون الرنين أن يكتشف أن مجرد ذكر اسم من أسماء الله الحسنى يؤدي إلى تحسين في مسارات الطاقة الحيوية في جسم الإنسان، وقال: والمعروف أن الفراعنة أول من درس ووضع قياسات لمسارات الطاقة الحيوية بجسم الإنسان بواسطة البندول الفرعوني، ثم ذكر جملة من أسماء الله الحسنى في جدول وزعم أن لكل اسم منها فائدة للجسم أو علاج لنوع من أمراض الجسم، ووضح ذلك برسم لجسم الإنسان، ووضع على كل عضو منها اسما من أسماء الله.
وهذا العمل باطل لأنه من الإلحاد في أسماء الله، وفيه امتهان لها؛ لأن المشروع في أسماء الله دعاؤه بها كما قال تعالى: (فادعوه بها) ، وكذلك إثبات ما تتضمنه من الصفات العظيمة لله؛ لأن كل اسم منها يتضمن صفة لله ﷻ : لا يجوز أن تُستعمل في شيء من الأشياء غير الدعاء بها، إلا بدليل من الشرع.
ومن يزعم بأنها تُفيد كذا وكذا أو تُعالج كذا وكذا بدون دليل من الشرع: فإنه قول على الله بلا علم، وقد قال تعالى:) قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون) .
فالواجب إتلاف هذه الورقة، والواجب على المذكورين وغيرهم التوبة إلى الله من هذا العمل، وعدم العودة إلى شيءٍ منه مما يتعلق بالعقيدة والأحكام الشرعية.
وبالله التوفيق.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 774
معنى اسم الله الواسع
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى اسم الله الواسع؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الله واسع يسع خلقه كلهم بالكافية والإفضال والجود والتدبير، فالله هو الغني الذي وسع رزقه جميع خلقه، فلا تجد أحداً إلا هو يأكل من رزقه، ولا يقدر أن يأكل من غير ما رزقه، ووسعت رحمته كل شيء وغناه كل فقر، وهو الكثير العطاء الذي يسع لما يُسأل، وهو المحيط بكل شيء كما في قوله تعالى: (وسع كل شيء علماً) طه /٩٨.
فالواسع قد يتضمن من المعنى ما لا يتضمنه الغني حيث يقال: واسع الفضل وواسع الرحمة، وقد عمت رحمته كل شيء، وأحاط علمه بكل شيء، قال تعالى: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً) غافر/٧
ويفضي هذا الاسم الاعتراف بأنه لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه، فهو الكثير مقدوراته ومعلوماته سبحانه.
والله الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وهو واسع العظمة والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب شرح أسماء الله تعالى الحسنى للدكتورة حصة الصغير ص ٢٦٨
стр. 775
هل يوجد آية في القرآن تقول إن الله لا يزال يقوم بعملية الخلق ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل صحيح أنه يوجد آية في القرآن تقول إن الله لا يزال يقوم بعملية الخلق؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من أسماء الله تعالى " الخالق " و " الخلَاّق "، قال الله : ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الحشر / ٢٤، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ﴾ الحجر / ٨٦، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ الزمر / ٦٢. ومن صفاته تعالى " الخلق "، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الأعراف / ٥٤. ومن أفعاله تعالى أنه " يخلق "، قال الله : ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ الذريات / ٤٩، وقال : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ الإنسان / ٢.
وقال تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار) القصص / ٦٨
ومما لا شك فيه أن الله تعالى يخلق في كل لحظة ما يشاء من البشر والحيوانات والجمادات، ومن ذلك الأطفال المواليد وصغار البهائم، وكل آية في القرآن فيها بيان خلق الله للبشر فهي دالة على المراد في السؤال.
قال ابن حزم:
لم ينف الله أن يخلق شيئاً بعد الستة الأيام بل قد قال : ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ الزمر / ٦، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ المؤمنون / ١٢ - ١٤. وكان هذا كله في غير تلك الستة الأيام، فإذ قد جاء النص بأن الله تعالى يخلق بعد تلك الأيام أبداً ولا يزال يخلق بعد ناشئة الدنيا ثم لا يزال يخلق نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار أبداً بلا نهاية ... " الفِصَل في الملل والنِّحَل " (٣ / ٣٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 776
ما معنى اسم الله القدوس
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى اسم الله القدوس؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
القدوس هو المبارك وهو الطاهر الذي تعالى عن كل دنس، وقيل: تقدسه الملائكة الكرام وهو سبحانه الممدوح بالفضائل والمحاسن.
الله القدوس: هو المنزه عن الأضداد والأنداد والصاحبة والولد، الموصوف بالكمال، بل المنزه عن العيوب والنقائص كلها، كما أنه منزه عن أن يقاربه أو يماثله أحد في شيء من الكمال وقال ابن جرير: (التقديس: هو التطهير والتعظيم ... قدوس: طهارة له وتعظيم لذلك قيل للأرض: أرض مقدسة يعني بذلك المطهرة فمعنى قول الملائكة ونقدس لك: ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس، وما أضاف إليك أهل الكفر بك، وقد قيل: إن تقديس الملائكة لربها صلاتها) ثم ذكر بعض أقوال المفسرين ومنها: التقديس: الصلاة، أو التعظيم والتمجيد والتكبير، والطاعة وذلك أن الصلاة والتعظيم ترجع إلى التطهير لأنها تطهره مما ينسبه إليه أهل الكفر به.
قال ابن القيم:
هذا ومن أوصافه القدوس ذو الـ تنزيه بالتعظيم للرحمن
[الْمَصْدَرُ]
كتاب شرح أسماء الله تعالى الحسنى للدكتورة حصة الصغير ص ١٩٨
стр. 777
الرد على استشهاد الكنيسة بالقرآن على بنوة عيسى لله
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت استشهاد الكنيسة بآيات من القرآن الكريم بأن عيسى ﵇ ابن الله، ودليلهم على ذلك قالوا: لما كان الله وحده قال تعالى: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا) ، بصفة المفرد، ولما خلق عيسى ﵇ تغير أسلوب بعض الآيات إلى صيغة الجمع وضربوا مثلاً بالآية الشريفة:) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) و: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ) وقالوا: الله تعالى تكلّم بصفة الجمع، أي بمعنى (الله وعيسى ﵇ والروح القدس) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"ليس في تنوع الأسلوب القرآني وإخبار الله تعالى عن نفسه مرّة بصيغة الإفراد، وأخرى بصيغة قد تستعمل في الجمع أحياناً، وفي المفرد أحياناً على وجه التعظيم ليس في ذلك دليل على بنوّة عيسى ﵇ لله، ولا على إلهيّته، وذلك لوجوه:
الوجه الأول:
أن تنوع الأسلوب في القرآن بالجمع والإفراد كان قبل أن يخلق الله عبده عيسى ﵇ وأمه مريم بآلاف السنين وحين خلقهما وبعد أن خلقهما، فلا أثر لوجودهما في تنوع الأسلوب، بل ذلك لأمر آخر يتبين مما يأتي:
قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) وقال: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ)
فجاء الأسلوب متنوعاً قبل أن يكون عيسى وأمه ﵉، وقال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ) إلى أن قال: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ* وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْس ِ) إلى أن قال:) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الأِنْجِيلَ) إلى أن قال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) . وقال: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ) وقال في خليله إبراهيم ﵇:) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً) وقال في كليمه موسى ﵇: (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً) وقال: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) الآية، وقال: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) وقال: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ) الآيات، وأمثالها من الآيات تُنَوِّع في الأسلوب إفراداً وجمعاً في خلق عيسى ومخاطبته وقبل خلقه، ومن هذا يتبيّن أن الأسلوب لم تغيّر بعد خلق عيسى ﵇ ليكون دليلاً على بنوّته لله أو إلهيّته بل لأمر آخر يعرف من الوجه الثاني.
الوجه الثاني: أن كل من عرف لغة العرب وأسلوبهم في التعبير يعلم أن ضمير التكلّم مثل كلمة (أنا) ، وتاء المتكلم يستعملها الفرد في الحديث عن نفسه، أما ضمير المتكلم (نحن) و (نا) فيستعملها الاثنان فأكثر، وقد يستعلمها الفرد العظيم أو المتعاظم إشعاراً بعظمته، وسياق الكلام ومقتضى الحال وما احتف بالحديث من القرائن هو الذي يرشد القارئ والسامع إلى المراد ويعين المقصود، ومن خالف في ذلك فهو إما جاهل عميت عليه الأنباء، وإما معاند يريد التلبيس وتحريف الكلم عن مواضعه، إتباعاً للهوى، ويأبى الله إلا أن يحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون، يكشف ذلك الوجه الثالث.
الوجه الثالث: أن القرآن كتاب أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن حكيم خبير، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، يفسر بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً، وقد قال تعالى فيه: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا *أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) وقال: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد) وقال: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) فوجب على من آمن به أن يجمع بين آياته، ولزم من استدل بنصوصه أن ينصفه من نفسه، فلا يستدل ببعضه ويعرض عن بعض، وألا يلبس الحق بالباطل ليضرب بعضه ببعض بغياً وعدواناً ترويجاً للباطل كما فعل أسلافهم اليهود بالتوراة، فأنكر الله عليهم ذلك بقوله: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) الآيات.
وعلى هذا لزم من استدل بالقرآن أن يستدل به على نفي بنوّة عيسى ﵇ لله وإلهيّته مع الله، ويثبت وحدانية الله تعالى، لما ذكر من الآيات، ولقوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ) الآيات. وأمثال ذلك في القرآن كثير، وإلا فليكفوا عن هذا التلاعب حتى لا يلزمهم العار، ويضحكوا العقلاء من أنفسهم ويحق فيهم المثل القائل: " ليس هذا بعشك فادرجي" اهـ
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة (٣/٢١٦-٢١٨) .
стр. 778
معنى اسم الله المقيت
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى اسم الله المقيت؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذكر ابن جرير في معناه أقوالاً: المقيت هو الحفيظ، والشهيد، والحسب، والقائم على كل شيء بالتدبير، وصوّب المعنى الأخير.
والله المقيت أي الحافظ الشاهد القادر على كل شيء.
فالمقيت: الحفيظ، والمقتدر، الشاهد للشيء، وهو الذي يُنزل الأقوات للخلق ويقسم أرزاقهم.
والمقيت: الممد فهو سبحانه دبر الحيوانات بأن جبلها على أن يحلل منها على ممر الأوقات شيئاً بعد شيء، ويعوض ما يتحلل غيره فهو يمدها في كل وقت بما جعله قواماً لها إلى أن يريد إبطال شيء منها فيحبس عنه ما جعله مادة لبقائه فيهلك.
وجاء في بعض الروايات بلفظ المغيث بدل المقيت، وفُسِّر المغيث بأنه المدرك عباده في الشدائد إذا دعَوه، ومجيبهم ومخلصهم، وهو في معنى المجيب والمستجيب إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال، والاستجابة أحق بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر.
قال ابن القيم:
وهو المغيث لكل مخلوقاته وكذا يجيب إغاثة اللهفان
[الْمَصْدَرُ]
كتاب شرح أسماء الله تعالى الحسنى للدكتورة حصة الصغير ص ٢٤٦
стр. 779
شرح حديث " خلق الله آدم على صورته "
[السُّؤَالُ]
ـ[عندما قال رسول الله " وخلق الله آدم على صورته أو هيئته " إلى من تعود كلمة صورته أو هيئته، وكيف نفسر هذا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
روى البخاري (٦٢٢٧) ومسلم (٢٨٤١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ الْمَلائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ فَقَالَ السَّلامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآن".
وروى مسلم (٢٦١٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ".
وروى ابن أبي عاصم في السنة (٥١٧) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقبحوا الوجوه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن". قال الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله: (هذا حديث صحيح صححه الأئمة، الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية وليس لمن ضعفه دليل إلا قول ابن خزيمة، وقد خالفه من هو أجل منه) .
وروى ابن أبي عاصم (٥١٦) أيضا عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " إذا قاتل أحدكم فليجتب الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورة وجهه" وقال الشيخ الألباني: إسناده صحيح.
وهذان الحديثان يدلان على أن الضمير في قوله " على صورته " راجع إلى الله تعالى.
وروى الترمذي (٣٢٣٤) عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " أتاني ربي في أحسن صورة فقال يا محمد قلت لبيك ربي وسعديك قال فيم يختصم الملأ الأعلى ... " الحديث، صححه الألباني في صحيح الترمذي.
وفي حديث الشفاعة الطويل: " فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة" رواه البخاري (٧٤٤٠) ومسلم (١٨٢) .
ومن هذه الأحاديث يعلم أن الصورة ثابتة لله تعالى، على ما يليق به جل وعلا، فصورته صفة من صفاته لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته لا تشبه ذواتهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (لفظ الصورة في الحديث كسائر ما ورد من الأسماء والصفات، التي قد يسمى المخلوق بها، على وجه التقييد، وإذا أطلقت على الله اختصت به، مثل العليم والقدير والرحيم والسميع والبصير، ومثل خلقه بيديه، واستواءه على العرش، ونحو ذلك) نقض التأسيس ٣/٣٩٦
والصورة في اللغة: الشكل والهيئة والحقيقة والصفة. فكل موجود لابد أن يكون له صورة.
قال شيخ الإسلام: (وكما أنه لابد لكل موجود من صفات تقوم به، فلابد لكل قائم بنفسه من صورة يكون عليها، ويمتنع أن يكون في الوجود قائم بنفسه ليس له صورة يكون عليها) .
وقال: (لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير في الحديث عائد إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة، عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها تدل على ذلك ... ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدا إلى غير الله تعالى، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم، كأبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ الأصفهاني وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة) نقض التأسيس ٣/٢٠٢
وقال ابن قتيبة ﵀: (الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد) تأويل مختلف الحديث ص ٢٢١
قال الشيخ الغنيمان: (وبهذا يتبين أن الصورة كالصفات الأخرى، فأي صفة ثبتت لله تعالى بالوحي وجب إثباتها والإيمان بها) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ٢/٤١
وسئل الشيخ ابن باز ﵀: ورد حديث عن النبي ﷺ ينهى فيه عن تقبيح الوجه، وأن الله سبحانه خلق آدم على صورته. فما الاعتقاد السليم نحو هذا الحديث؟
فأجاب ﵀:
الحديث ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته" وفي لفظ آخر: " على صورة الرحمن " وهذا لا يستلزم التشبيه والتمثيل.
والمعنى عند أهل العلم أن الله خلق آدم سميعا بصيرا، متكلما إذا شاء، وهذا وصف الله فإنه سميع بصير متكلم إذا شاء، وله وجه جل وعلا.
وليس المعنى التشبيه والتمثيل، بل الصورة التي لله غير الصورة التي للمخلوق، وإنما المعنى أنه سميع بصير متكلم إذا شاء ومتى شاء، وهكذا خلق الله آدم سميعا بصيرا ذا وجه وذا يد وذا قدم، لكن ليس السمع كالسمع وليس البصر كالبصر، وليس المتكلم كالمتكلم، بل لله صفاته جل وعلا التي تليق بجلاله وعظمته، وللعبد صفاته التي تليق به، صفات يعتريها الفناء والنقص، وصفات الله سبحانه كاملة لا يعتريها نقص ولا زوال ولا فناء، ولهذا قال : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الشورى / ١١، وقال سبحانه: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) الإخلاص / ٤، فلا يجوز ضرب الوجه ولا تقبيح الوجه) انتهى من مجموع فتاوى الشيخ ٤/ ٢٢٦
ومما يبين معنى هذا الحديث قوله ﷺ : (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر) رواه البخاري (٣٢٤٥) ومسلم (٢٨٣٤) ، فمراده ﷺ أن أول زمرة هم على صورة البشر، ولكنهم في الوضاءة والحسن والجمال واستدارة الوجه، وما أشبه ذلك على صورة القمر، فصورتهم فيها شبه بالقمر، لكن بدون ممائلة ... فتبين أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلاً له من كل وجه.
فقوله ﷺ : (خلق آدم على صورته) أي أن الله خلق آدم على صورته سبحانه، فهو سبحانه له وجه وعين وله يد ورجل ، وآدم له وجه وله عين وله يد وله رجل ... ، لكن لا يلزم من أن تكون هذه الأشياء مماثلة للإنسان فهناك شيء من الشبه، لكنه ليس على سبيل المماثلة، كما أن الزمرة الأولى من أهل الجنة فيها شبه من القمر، لكن بدون مماثلة، وبهذا يصدق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أنّ جميع صفات الله ليس مماثلة لصفات المخلوقين، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
انظر شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد بن عثيمين ﵀ (١ / ١٠٧، ٢٩٣)
وللمزيد ينظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ الغنيمان ٢/٣٣-٩٨ وفيه نقل مطول عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يبطل تأويلات أهل الكلام ومن وافقهم لهذا الحديث.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 780
الفرق بين الرحمن والرحيم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الفرق بين الرحمن والرحيم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الرحمن والرحيم اسمان من أسماء الله تعالى، يدلان على اتصاف الله تعالى بالرحمة.
والرحمن يدل على سعة رحمة الله، والرحيم يدل على إيصالها لخلقه، فالرحمن: ذو الرحمة الواسعة، والرحيم: ذو الرحمة الواصلة.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: (الرحمن: هو ذو الرحمة الواسعة؛ لأن فَعْلان في اللغة العربية تدل على السعة والامتلاء، كما يقال: رجل غضبان، إذا امتلأ غضبا.
الرحيم: اسم يدل على الفعل؛ لأنه فعيل بمعنى فاعل، فهو دال على الفعل، فيجتمع من (الرحمن الرحيم) أن رحمة الله واسعة، وتؤخذ من (الرحمن) ، وأنها واصلة إلى الخلق، وتؤخذ من (الرحيم) ، وهذا ما رمى إليه بعضهم بقوله: (الرحمن) رحمة عامة، و (الرحيم) رحمة خاصة بالمؤمنين. ولكن ما ذكرناه أولى) .
انتهى من شرح العقيدة الواسطية ١/٢٢
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 781
معنى الباطن والظاهر
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن تشرح لنا معنى اسم الله (الباطن) ومعنى (الظاهر) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فسر معنى الاسمين حديث أبو هريرة ﵁ وفيه قوله ﷺ : (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء) رواه مسلم.
فالظاهر فسره بالظهور بمعنى العلو، والله تعالى عال على كل شيء، وفسره بعضهم بالظهور، بمعنى البروز: فهو الذي ظهر للعقول بحججه وبراهين وجوده وأدلة وحدانيته فهو الظاهر بالدلائل الدالة عليه، وأفعاله المؤدية إلى العلم به ومعرفته فهو ظاهر مدرك بالعقول والدلائل، وباطن لأنه غير مشاهد كسائر الأشياء المشاهدة في الدنيا عن ذلك وتعالى علواً كبيراً.
والله سبحانه هو الظاهر بحكمته وخلقه وصنائعه وجميع نعمه التي أنعم بها فلا يرى غيره، والباطن هو المحتجب عن ذوي الألباب كنه ذاته وكيفية صفاته .
ونسب إلى بعض العلماء تفسير الباطن بالقريب حيث قال: الباطن: أقرب من كل شيء بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه.
وفسر الباطن بالعالم ببواطن الأمور، فهو ذو الباطن، وكذا هو عالم بظواهرها. قال البخاري: قال يحيى - وهو الفرّاء - "هو الظاهر على كل شيء علما، والباطن على كل شيء علما ".
وفسر بعضهم: بأنه غير مدرَك بالحواس كالأشياء المخلوقة التي تدرك بالحواس.
وقيل: هو المحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم فلا يدركه بصر ولا يحيط به وهم.
ومع أن هذه المعاني كلها صحيحة إلا أن الأولى الالتزام بالتفسير النبوي وهو خير ما يفسر به لأنه ﷺ أعلم الخلق بالله تعالى. وقد قال ابن جرير: " الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء فلا شيء أعلى منه، وهو الباطن جميع الأشياء فلا شيء أقرب إلى شيء منه ".
وذكر ابن القيم أن من جحد فوقيته فقد جحد لوازم اسمه " الظاهر " ولا يصح أن يكون الظاهر من له فوقية القَدْر فقط كما يقال الذهب فوق الفضة؛ لأن هذه الفوقية تتعلق بالظهور بل قد يكون المفوق أظهر من الفائق فيها، ولا يصح أن يكون القهر والغلبة فقط وإن كان سبحانه ظاهرا بالقهر والغلبة، فله سبحانه العلو المطلق من كل وجه وهو علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر.
واسمه سبحانه الباطن: لا يقتضي السفول، والسفول نقص هو منزه عنه، فإنه سبحانه العلي الأعلى لا يكون قط إلا عاليا.
وقد ربط الظاهر بالباطن، والظهور يقارنه العلو فكلما كان الشيء أعلى كان أظهر، وكل من العلو والظهور يتضمن المعنى الآخر ولذا قال ﷺ : " فليس فوقك شيء " ولم يقل: " ليس أظهر منك شيء "؛ لأن الظهور يتضمن العلو والفوقية.
وفيه أيضا إحاطة الله تعالى بالعالم وعظمته سبحانه واضمحلال كل شيء عند عظمته، هو الباطن سبحانه يدل على اطلاعه على السرائر والضمائر والخبايا ودقائق الأشياء.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب شرح أسماء الله تعالى الحسنى إعداد الدكتورة حصة الصغير ص ٦١
стр. 782
حكم قراءة الأسماء الحسنى بترتيب معين
[السُّؤَالُ]
ـ[قال لي بعض الناس إذا قلت كذا وكذا وبعدد معين من المرات فسوف تحصل على كذا وكذا من الأجر أو إذا قرأت أسماء الله الحسنى بترتيب معين فستحصل على كذا وكذا. فأرجو أن تنصحني.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أجاب الشيخ عبد الله بن قعود بما يلي: لا يجوز ذلك ولو اعتقده يكون بدعة. انتهى. وكلّ ذكْر يقيّد بعدد معيّن أو مكان معيّن أو زمان معيّن أو كيفيّة معيّنة لم ترد في الشريعة يكون بدعة. وأما بالنسبة للأسماء الحسنى التعبّد بها يكون بدعاء الله بها كما قال : (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) وليس مجرد قراءتها بترتيب معيّن عبادة مشروعة، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الله بن قعود
стр. 783
ترجمة أسماء الله إلى غير العربية
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من التحريف في أسماء الله ترجمتها إلى لغة أخرى؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تجوز ترجمة أسماء الله لمن لا يعرف اللغة العربية بلغتهم إذا كان المترجم بصيراً باللغتين كما يجوز أن تترجم لهم معاني الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتفهيمهم الدين.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة ٣/١٢٢
стр. 784
معنى اسم الله الحسيب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى اسم الله (الحسيب) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحسيب: الكافي فهو كافي المتوكلين وهو الكافي عن الشهود.
(إن الله كان على كل شيء حسيباً) النساء/٨٦
وفسر بالحفيظ يحفظ الأعمال ثم يجازيهم عليها، فالله حسيب عباده أي محاسبهم على أعمالهم ومجازيهم عليها بحسب حكمته وعلمه بدقائق أعمالهم وجليلها، فحسابهم على الخير والشر يقع بمثاقيل الذر.
وهو المحسوب عطاياه وفواضله، وهو المدرك للأجزاء والمقادير التي يعلم العباد أمثالها بالحساب من غير أن يحسب لأن الحاسب يدرك الأشياء فشيئاً ويعلم الجملة عند انتهاء حسابه، والله سبحانه لا يتوقف علمه على أمر يكون وحال يحدث.
وهو الكافي وكفايته عامة وخاصة:
فالعامة: كفايته سبحانه للعباد جميع ما أهمهم من أمر دينهم ودنياه من حصول المنافع ودفع المضار.
والخاصة: كفايته لعبده التقي المتوكل عليه كفاية يصلح بها دينه ودنياه ومن ذلك قوله تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) الأنفال/٦٤
أي كافيك وكافي أتباعك، ويحسب ما يقوم به العبد من متابعة للرسول ﷺ ظاهراً وباطناً وقيامه بعبودية الله تعالى تكون الكفاية والعزة والنصرة، فإن الله سبحانه وحده كافي عباده فإن الحسب والكفاية لله وحده كالتوكل والتقوى والعبادة كما قال تعالى: (أليس الله بكافٍ عبده) الزمر/٣٦.
والله هو أسرع الحاسبين فحين يرد إليه العباد فيحاسبهم لا يشق عليه ذلك فهو سبحانه يعلم عددهم وأعمالهم وآجالهم وجميع أمورهم، وقد أحصاها وعلم مقاديرها ومبالغها وهو لا يحسب بعقد يد ولكنه يعلم ذلك ولا يخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين.
قال ابن القيم:
وهو الحسيب كفاية وحماية والله كافي العبد كل أوان
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب شرح أسماء الله تعالى الحسنى للدكتورة حصة الصغير ص ٩٣
стр. 785
معنى حديث خلق الله آدم على صورته
[السُّؤَالُ]
ـ[أسأل عن الفهم الصحيح لحديث (خلق آدم على صورة الرحمن) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ..) رواه البخاري (٦٢٢٧) ومسلم (٢٨٤١)
أما حديث: (لا تقبِّحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن)
فقد ضعّفه الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (١١٧٦) .
ولعل السائل أشكل عليه فهم هذا الحديث مع قول الله تعالى: (ليس كمثله شيء) الشورى /٢٥.
وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال بجوابين:
الأول: جواب مجمل. الثاني: جواب مفصل.
أما الجواب المجمل: فهو أنه لا يمكن أن يناقض هذا الحديث قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) الشورى/١١، فإن يسّر الله لنا التوفيق بينهما، وإلا فإننا نقول: (ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ) آل عمران / ٧، وعقيدتنا أن الله لا مثيل له، وبهذا نسلم أمام الله . وهذا كلام الله , وهذا كلام رسوله والكل حقّ ولا يمكن أن يكذِّب بعضه بعضاً. فنقول الآية فيها نفي مماثلة الخلق لله تعالى، والحديث فيه إثبات الصورة لله ، والكل حق نؤمن به، ونقول كل من عند ربنا، ونسكت، وهذا غاية ما نستطيع.
انظر شرح الواسطية لابن عثيمين.
وأما الجواب المفصل:
فهذا الحديث يثبت أن الله تعالى له صورة، وأن آدم ﵇ خلقه الله تعالى على صورته.
ولكن ليس في هذا الحديث ما يدل على أن صورة آدم ﵇ مماثلة لصورة الله تعالى، بل هذا المعنى باطل قطعاً، ولم يرده الرسول ﷺ ، لأن الله تعالى يقول: (ليس كمثله شيء) ولا يلزم من تشبيه شيء بشيء أن يكون مثله مطابقاً له من كلِّ وجه، بل تحصل المشابهة بالاشتراك في بعض الصفات ولا يشترط تطابق كل الصفات وتماثلها.
ودليل هذا قول النبي ﷺ : " إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ " رواه البخاري (٣٣٢٧) ومسلم (٢٨٣٤)
فليس معنى هذا الحديث أنهم دخلوا الجنة وصورتهم مطابقة لصورة القمر من كلّ وجه، وإلا لزم من ذلك أنهم دخلوا الجنة وليس لهم أعين ولا أفواه، وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار!!
وإنما معنى الحديث أنهم على صورة القمر في الحسن والوضاءة والجمال واستنارة الوجه، وما أشبه ذلك.
فإذا قلت: ما هي الصورة التي تكون لله ويكون آدم عليها؟
قلنا: إن الله له وجه وله عين وله يد وله رجل ، لكن لا يلزم من أن تكون هذه الأشياء مماثلة للإنسان فهناك شيء من الشبه، لكن ليس على سبيل المماثلة، كما أن الزمرة الأولى من أهل الجنة فيها شبه بالقمر، لكن بدون مماثلة. وبهذا يصدق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، من أن جميع صفات الله ليست مماثلة لصفات المخلوقين من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
انظر شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد بن صالح العثيمين ج/١ ص/١٠٧-١١٠.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 786
الله تعالى عالٍ على خلقه وهو قِبَل وجه المصلي
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت حديثا أن الله تعالى يكون أمام المصلي؟ فما معنى ذلك؟ وهل هذا يعارض أن الله تعالى في السماء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سبق في السؤال رقم (٩٩٢) ، (١١٠٣٥) ذكر الأدلة على أن الله تعالى مستوٍ على عرشه، وعالٍ على خلقه.
وورد في الحديث الذي رواه البخاري (٤٠٦) ومسلم (٥٤٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ، فَحَكَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى) .
ولا تعارض بين هذا وبين علو الله تعالى على خلقه.
قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٥/١٠١) :
قَوْلُهُ ﷺ : (إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ فَلا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ) حَقٌّ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَهُوَ قِبَلَ وَجْهِ الْمُصَلِّي ; بَلْ هَذَا الْوَصْفُ يَثْبُتُ لِلْمَخْلُوقَاتِ. فَإِنَّ الإِنْسَانَ لَوْ أَنَّهُ يُنَاجِي السَّمَاءَ أَوْ يُنَاجِي الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَكَانَتْ السَّمَاءُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فَوْقَهُ وَكَانَتْ أَيْضًا قِبَلَ وَجْهِهِ اهـ.
وقال أيضاً (٥/٦٧٢) :
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ تَوَجَّهَ إلَى الْقَمَرِ وَخَاطَبَهُ - إذَا قُدِّرَ أَنْ يُخَاطِبَهُ - لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ إلا بِوَجْهِهِ مَعَ كَوْنِهِ فَوْقَهُ، فَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ لَهُ بِوَجْهِهِ مَعَ كَوْنِهِ فَوْقَهُ. . . فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلاةِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ وَهُوَ فَوْقَهُ، فَيَدْعُوهُ مِنْ تِلْقَائِهِ لا مِنْ يَمِينِهِ وَلا مِنْ شِمَالِهِ، وَيَدْعُوهُ مِنْ الْعُلُوِّ لا مِنْ السُّفْلِ اهـ
وقال الشيخ ابن عثيمين:
الدليل على أن الله قبل وجه المصلي:
قوله ﷺ : (إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه) .
وهذه المقابلة ثابتة لله حقيقة على الوجه اللائق به ولا تنافي علوه والجمع بينهما من وجهين:
١- أن الاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق كما لو كانت الشمس عند طلوعها فإنها قبل وجه من استقبل المشرق وهي في السماء فإذا جاز اجتماعهما في المخلوق فالخالق أولى.
٢- أنه لو لم يمكن اجتماعهما في حق المخلوق فلا يلزم أن يمتنع في حق الخالق لأن الله ليس كمثله شئ. اهـ "فتاوى ابن عثيمين" (٤/٢٨٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 787
أسماء الله تعالى غير محصورة في تسعة وتسعين اسماً
[السُّؤَالُ]
ـ[هل أسماء الله تعالى الحسنى تسعة وتسعون اسماً فقط؟ أم أنها أكثر من ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
روى البخاري (٢٧٣٦) ومسلم (٢٦٧٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) .
استدل بعض العلماء (كابن حزم ﵀ بهذا الحديث على أن أسماء الله تعالى محصورة في هذا العدد. انظر: "المحلى" (١/٥١) .
وهذا الذي قاله ابن حزم ﵀ لم يوافقه عليه عامة أهل العلم، بل نقل بعضهم (كالنووي) اتفاق العلماء على أن أسماء الله تعالى ليست محصورة في هذا العدد. وكأنهم اعتبروا قول ابن حزم شذوذاً لا يلتفت إليه.
واستدلوا على عدم حصر أسماء الله تعالى الحسنى في هذا العدد بما رواه أحمد (٣٧٠٤) عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا. صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٩) .
فقوله ﷺ : (أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ) دليل على أن من أسماء الله تعالى الحسنى ما استأثر به في علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه، وهذا يدل على أنها أكثر من تسعة وتسعين.
قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٦/٣٧٤) عن هذا الحديث:
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاءً فَوْقَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ اهـ.
وقال أيضاً (٢٢/٤٨٢) :
قَالَ الخطابي وَغَيْرُهُ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَسْمَاءً اسْتَأْثَرَ بِهَا وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: (إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) أَنَّ فِي أَسْمَائِهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: إنَّ لِي أَلْفَ دِرْهَمٍ أَعْدَدْتهَا لِلصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ مَالُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) فَأَمَرَ أَنْ يُدْعَى بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى مُطْلَقًا، وَلَمْ يَقُلْ: لَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى إلا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا اهـ.
ونقل النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم اتفاق العلماء على ذلك، فقال:
اتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيث لَيْسَ فِيهِ حَصْر لأَسْمَائِهِ , فَلَيْسَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَسْمَاء غَيْر هَذِهِ التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ , وَإِنَّمَا مَقْصُود الْحَدِيث أَنَّ هَذِهِ التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة , فَالْمُرَاد الإِخْبَار عَنْ دُخُول الْجَنَّة بِإِحْصَائِهَا لا الإِخْبَار بِحَصْرِ الأَسْمَاء اهـ.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن ذلك فقال:
" أسماء الله ليست محصورة بعدد معين، والدليل على ذلك قوله ﷺ في الحديث الصحيح: (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك. . إلى أن قال: أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) .
وما استأثر الله به في علم الغيب لا يمكن أن يُعلم به، وما ليس معلوماً ليس محصوراً.
وأما قوله ﷺ : (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) .
فليس معناه أنه ليس له إلا هذه الأسماء، لكن معناه أن من أحصى من أسمائه هذه التسعة والتسعين فإنه يدخل الجنة، فقوله (مَنْ أَحْصَاهَا) تكميل للجملة الأولى وليست استئنافية منفصلة، ونظير هذا قول العرب: عندي مائة فرس أعددتها للجهاد في سبيل الله. فليس معناه أنه ليس عنده إلا هذه المائة؛ بل هذه المائة معدة لهذا الشيء" اهـ.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١/١٢٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 788
هل يوصف الله تعالى بالمكر والخيانة والخداع ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يوصف الله تعالى بالمكر والخداع والخيانة، كما في قوله تعالى: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ) وقوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
صفات الله تعالى كلها صفات كمال، دالة على أحسن المعاني وأكملها، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) النحل/٦٠. وقال تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الروم/٢٧.
ومعنى المثل الأعلى أي الوصف الأكمل.
قال السعدي في تفسيره (ص ٧١٨، ١٠٦٥) :
"المثل الأعلى" هو كل صفة كمال اهـ.
والصفات ثلاثة أنواع:
الأول: صفات كمال، لا نقص فيه بوجه من الوجوه. فهذه يوصف الله تعالى بها وصفاً مطلقاً ولا يقيد بشيء، مثال ذلك: العلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والرحمة. . . إلخ.
الثاني: صفات نقص، لا كمال فيها، فهذه لا يوصف الله تعالى بها أبداً، كالنوم، والعجز، والظلم، والخيانة. . إلخ.
الثالث: صفات يمكن أن تكون كمالاً، ويمكن أن تكون نقصاً، على حسب الحال التي تُذكر فيها.
فهذه لا يوصف الله تعالى بها على سبيل الإطلاق، ولا تنفى عن الله تعالى على سبيل الإطلاق، بل يجب التفصيل، ففي الحال التي تكون كمالاً يوصف الله تعالى بها، وفي الحال التي تكون نقصاً لا يوصف الله تعالى بها. ومثال هذا: المكر، والخديعة، والاستهزاء.
فالمكر والخديعة والاستهزاء بالعدو صفة كمال، لأن ذلك يدل على كمال العلم والقدرة والسلطان. . ونحو ذلك.
أما المكر بالمؤمنين الصادقين فهو صفة نقص.
ولذلك لم يرد وصف الله تعالى بهذه الصفات على سبيل الإطلاق، وإنما ورد مقيداً بما يجعله كمالاً.
قال الله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) النساء /١٤٢. فهذا خداع بالمنافقين.
وقال: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) الأنفال/٣٠. وهذا مكر بأعداء الله الذين كانوا يمكرون برسول الله ﷺ .
وقال عن المنافقين: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) البقرة /١٤-١٥. وهذا استهزاء بالمنافقين.
فهذه الصفات تعتبر كمالاً في هذا السياق الذي وردت فيه. ولهذا يقال: الله تعالى يستهزئ بالمنافقين، ويخادعهم، ويمكر بأعدائه. . . ونحو ذلك. ولا يجوز أن يوصف الله تعالى بالمكر والخادع وصفاً مطلقاً. لأنه حينئذٍ لا يكون كمالاً.
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يوصف الله بالمكر؟ وهل يسمى به؟
فأجاب:
" لا يوصف الله تعالى بالمكر إلا مقيداً، فلا يوصف الله تعالى به وصفاً مطلقاً، قال الله تعالى: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) الأعراف/٩٩. ففي هذه الآية دليل على أن لله مكراً، والمكر هو التوصل إلى إيقاع الخصم من حيث لا يشعر. ومنه جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري (الحرب خدعة) .
فإن قيل: كيف يوصف الله بالمكر مع أن ظاهره أنه مذموم؟
قيل: إن المكر في محله محمود يدل على قوة الماكر، وأنه غالب على خصمه ولذلك لا يوصف الله به على الإطلاق، فلا يجوز أن تقول: "إن الله ماكر" وإنما تذكر هذه الصفة في مقام يكون مدحاً، مثل قوله تعالى: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ) الأنفال /٣٠، وقوله: (وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) النمل /٥٠.
ولا تنفى هذه الصفة عن الله على سبيل الإطلاق، بل إنها في المقام الذي تكون مدحاً يوصف بها، وفي المقام الذي لا تكون فيه مدحاً لا يوصف بها. وكذلك لا يسمى الله به فلا يقال: إن من أسماء الله الماكر، والمكر من الصفات الفعلية لأنها تتعلق بمشيئة الله سبحانه" اهـ. "فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١/١٧٠) .
وسئل أيضاً: هل يوصف الله بالخيانة؟ والخداع كما قال الله تعالى: (يخادعون الله وهو خادعهم) ؟
فأجاب:
" أما الخيانة فلا يوصف الله بها أبداً، لأنها ذم بكل حال، إذ إنها مكر في موضع الائتمان، وهو مذموم، قال الله تعالى: (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الأنفال /٧١، ولم يقل: فخانهم.
وأما الخداع فهو كالمكر يوصف الله تعالى به حين يكون مدحاً، ولا يوصف به على سبيل الإطلاق قال الله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) النساء /١٤٢ اهـ.
"فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١/١٧١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
السلام سؤال وجواب
стр. 789
معنى اسم الله الحليم
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن تشرح لي معنى اسم الله الحليم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ورد اسم الله الحليم في عدة مواضع من القرآن الكريم , منها قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) البقرة/٢٣٥، وقوله تعالى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) البقرة / ٢٦٣.
قال ابن جرير في "تفسيره" (٤/١٤٤) : (يعني: أنه ذو أناة , لا يعجل على من عصاه وخالف أمره بالنقمة) ا. هـ
وقال الخطابي في "شأن الدعاء" (٦٣) : (هو ذو الصفح والأناة , الذي لا يستفزه غضب، ولا يستخفه جهل جاهل ولا عصيان عاص.
ولا يستحق الصافح مع العجز اسم الحلم , إنما الحليم هو الصفوح مع القدرة , والمتأني الذي لا يعجل بالعقوبة) ا. هـ
وقال قِوام السنة الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة" (١/١٤٤) : (حليم عمن عصاه , لأنه لو أراد أخذه في وقته أخذه , فهو يحلم عنه ويؤخره إلى أجله , وهذا الاسم وإن كان مشتركا يوصف به المخلوق , فحلم المخلوق حلم لم يكن في الصغر , ثم كان في الكبر , وقد يتغير بالمرض والغضب والأسباب الحادثة , ويفنى حلمه بفنائه , وحلم الله لم يزل ولا يزول , والمخلوق يحلم عن شيء ولا يحلم عن غيره , ويحلم عمن لا يقدر عليه , والله تعالى حليم مع القدرة) ا. هـ
وقال ابن القيم في "نونيته" (٣٢٧٨) :
(وهو الحليم فلا يعاجل عبده بعقوبة ليتوب من عصيان)
وقال السعدي في "تفسيره" (١٩) : (الحليم الذي يدر على خلقه النعم الظاهرة والباطنة , مع معاصيهم وكثرة زلاتهم , فيحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم، ويستعتبهم كي يتوبوا , ويمهلهم كي ينيبوا) ا. هـ.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 790
معنى اسم الله الخافض
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن تشرح لي معنى اسم الله الخافض؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قبل شرح معنى هذا الاسم لابد من العلم ببعض المسائل المهمة المتعلقة بأسماء الله تعالى:
أولاً: (الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته هي كتاب الله تعالى , وسنة رسوله ﷺ , فلا تثبت أسماء الله وصفاته بغيرهما.
وعلى هذا فما ورد إثباته لله تعالى من ذلك في الكتاب والسنة وجب إثباته.
وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه مع إثبات كمال ضده.
وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما وجب التوقف في لفظه فلا يثبت ولا ينفى , لعدم ورود الإثبات والنفي فيه.
وأما معنى اسم الخافض فيُفصل فيه: فإن أريد به حق يليق بالله تعالى فهو مقبول , وإن أريد به معنى لا يليق بالله وجب رده) ا. هـ من "القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى" لابن عثيمين.
ثانياً: (الفعل أوسع من الاسم , ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالا لم يتسم منها بأسماء الفاعل , كأراد وشاء وأحدث , ولم يسم بـ " المريد" و"الشائي" و"المحدث" كما لم يسم نفسه بـ "الصانع" و"الفاعل" و"المتقن" وغير ذلك من الأسماء التي أطلق على نفسه , فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء.
وقد أخطأ خطأً كبيراً من اشتق له من كل فعل اسما , وبلغ بأسمائه زيادة على الألف , فسماه "الماكر , والمخادع , والفاتن , والكائد " ونحو ذلك.
وكذلك باب الإخبار عنه بالاسم أوسع من تسميته به , فإنه يخبر عنه بأنه "شيء وموجود ومذكور , ومعلوم , ومراد " ولا يسمى بذلك.
فأما " الواجد " فلم تجىء تسميته به إلا في حديث تعداد الأسماء الحسنى , والصحيح أنه ليس من كلام النبي ﷺ , ومعناه صحيح , فإنه ذو الوجد والغنى , فهو أولى بأن يسمى به من "الموجود" ومن " الموجد " أما " الموجود " فإنه منقسم إلى كامل وناقص , وخير وشر (ففيه يكون الشيء كاملاً أو ناقصاً) , وما كان مسماه منقسما لم يدخل اسمه في الأسماء الحسنى , كالشيء والمعلوم , ولذلك لم يسم بـ " المريد" و"المتكلم" وأما "الموجد" فقد سمى نفسه بأكمل أنواعه , وهو "الخالق , البارئ , المصور " فـ "الموجد" كـ "المحدث، والفاعل، والصانع " , وهذا من دقيق فقه الأسماء الحسنى , فتأمله , وبالله التوفيق) ا. هـ من "مدارج السالكين" لابن القيم (٣/٣٨٣_٣٨٥) .
ثالثاً: (أن ما يطلق على الله في باب الأسماء والصفات توقيفي , وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيا , كالقديم والشيء والموجود والقائم بنفسه , فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه هل هي توقيفية أو يجوز أن يطلق عليه منها بعض ما لم يرد به السمع) ا. هـ من "بدائع الفوائد" لابن القيم (١/١٦٢) .
رابعاً: (أن من أسماء الله ما لا يطلق عليه إلا مقترنا بمقابله , فإذا أطلق وحده أوهم نقصا تعالى الله عن ذلك , فمنها المعطي المانع , والضار النافع , والقابض الباسط , والمعز المذل , والخافض الرافع , فلا يطلق على الله المانع الضار القابض المذل الخافض كلا على انفراده , بل لا بد من ازدواجها بمقابلاتها , إذ لم تطلق في الوحي إلا كذلك) ا. هـ من "معارج القبول" للحكمي (١/٦٤) .
إذا تبين ما سبق فاسم الخافض , لا يعرف أنه ورد إلا في حديث تعداد الأسماء الحسنى , والصحيح أنه ليس من كلام النبي ﷺ , كما سبق في كلام ابن القيم , وهو ما قرره غير واحد من أهل العلم كالإمام ابن تيمية _ كما في "الفتاوى" (٦/٣٧٩_٣٨٠، ٨/٩٦، ٢٢/٤٨٢) _ والحافظ ابن كثير في "تفسيره" (٣/٥١٥) والحافظ ابن حجر في "الفتح" (١١/٢٢١) و"البلوغ" (١٣٩٥) وغيرهم.
ولكن معنى الاسم صحيح بشرط أن يقرن باسم الرافع , وثبت في "صحيح مسلم" (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه , يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل الليل ... " الحديث , وجاء في ذلك بعض الآثار عن السلف , ومن ذلك ما علقه البخاري في "صحيحه" (فتح _ ٨/٤٨٧) مجزوما به عن أبي الدرداء أنه قال في تفسير قوله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) الرحمن / ٢٩ قال: " يغفر ذنبا , ويكشف كربا , ويرفع قوما , ويضع آخرين ". وروي عنه مرفوعا.
إذا تبين هذا فلأهل العلم كلام في معنى الخافض , ومن ذلك ما يلي:
١_ قال الخطابي في "شأن الدعاء" (٥٨) : (الخافض الرافع: وكذلك القول في هذين الاسمين يستحسن أن يوصل أحدهما في الذكر بالآخر , فالخافض: هو الذي يخفض الجبارين ويذل الفراعنة المتكبرين , والرافع: هو الذي رفع أولياءه بالطاعة فيعلي مراتبهم وينصرهم على أعدائه ويجعل العاقبة لهم , لا يعلو إلا من رفعه الله , ولا يتضع إلا من وضعه وخفضه) ا. هـ.
٢_ وقال الحليمي _ كما في "الأسماء والصفات" للبيهقي (١/١٩٣) _: (ولا ينبغي أن يفرد الخافض عن الرافع في الدعاء , فالخافض: هو الواضع من الأقدار , والرافع: المعلي للأقدار) ا. ـ.
٣_ وقال قِوام السنة الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة" (١/١٤٠) : (ومن أسمائه: الخافض الرافع , قيل: الخافض هو الذي يخفض الجبارين , ويذل الفراعنة , والرافع هو الذي يرفع أولياءه وينصرهم على أعدائهم , يخفض من يشاء من عباده فيضع قدره ويخمل ذكره ويرفع من يشاء فيعلي مكانه ويرفع شأنه , لا يعلو إلا من رفعه ولا يتضع إلا من وضعه. وقيل: يخفض القسط ويرفعه) .
ثم أورد حديث أبي موسى عند مسلم (٢٩٣) : " إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه , يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل الليل ".
ثم قال: (قال أهل العلم: ... ومعنى يخفض القسط ويرفعه , يخفض العدل بتسليط ذا الجور، ويرفع العدل بإظهاره العدل , يخفض القسط بأهل الجور , ويرفع العدل بأئمة العدل , وهو في خفضه العدل مرة ورفعه أخرى يبتلي عباده لينظر كيف صبرهم على ما يسؤهم , وشكرهم على ما يسرهم) ا. هـ
٤_ وقال الشيخ ابن سعدي في "الحق الواضح المبين" (٢٥٨) : (وهو الرافع لأقوام قائمين بالعلم والإيمان , الخافض لأعدائه) ا. هـ
وقال في "توضيح الكافية الشافيه" (٣٩٠) : (واعلم أن صفات الأفعال ... كلها متعلقة وصادرة عن هذه الصفات الثلاث: القدرة الكاملة , والمشيئة النافذة , والحكمة الشاملة التامة , وهي كلها قائمة بالله , والله متصف بها , وآثارها ومقتضياتها جميع ما يصدر عنها في الكون كله من التقديم والتأخير والنفع والضر والعطاء والحرمان والخفض والرفع , لا فرق بين محسوسها ومعقولها , ولا بين دينيها ودنيويها) ا. هـ
٥_ وقال الشيخ محمد خليل هراس في "شرح القصيدة النونية" (٢/١١٤) : (وهو سبحانه الخافض الرافع , يخفض الكفار بالإشقاء والإبعاد , ويرفع أولياءه بالتقرب والإسعاد , ويداول الأيام بين عباده , فيخفض أقواما , يخمل شأنهم , ويذهب عزهم , ويرفع آخرين فيورثهم ملكهم وديارهم) ا. هـ
وكل هذه الأقوال حق , وهي داخلة في معنى اسمي: الخافض الرافع.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 791
معنى اسم الله الحافظ
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن تشرح لي معني اسم الله الحافظ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ورد اسم الحافظ في قوله تعالى: (قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) يوسف/٦٤.
وسمى الله نفسه في مواضع من كتابه بـ " الحفيظ " أيضا، قال تعالى: (إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) هود/٥٧.
قال الخطابي في " شأن الدعاء " (٦٧_٦٨) : (الحفيظ: هو الحافظ , فعيل بمعنى فاعل , كالقدير والعليم , يحفظ السموات والأرض وما فيهما لتبقى مدة بقائها فلا تزول ولا تدثر , كقوله تعالى: (وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا) البقرة/٢٥٥، وقال: (وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ) الصافات/٧.
وهو الذي يحفظ عبده من المهالك والمعاطب ويقيه مصارع السوء , كقوله سبحانه: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) الرعد/١١ أي: بأمره.
ويحفظ على الخلق أعمالهم , ويحصي عليهم أقوالهم ويعلم نياتهم وما تكن صدورهم , ولا تغيب عنه غائبة , ولا تخفى عليه خافية.
ويحفظ أولياءه فيعصمهم عن مواقعة الذنوب , ويحرسهم عن مكايدة الشيطان , ليسلموا من شره وفتنته) ا. هـ
وقال السعدي في " تفسيره " (١٨) : (الحفيظ الذي حفظ ما خلقه , وأحاط علمه بما أوجده , وحفظ أولياءه من وقوعهم في الذنوب والهلكات , ولطف بهم في الحركات والسكنات , وأحصى على العباد أعمالهم وجزاءها) ا. هـ.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 792
كيف نفهم النزول الإلهي والليل مختلف في البلدان
[السُّؤَالُ]
ـ[ورد في الحديث: (ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل) الحديث، متى يبدأ الثلث الأخير ومتى ينتهي، وكيف يكون النزول الإلهي في البلدان المختلفة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بإثبات النزول وهو قوله ﷺ : (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له..) .
وقد أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات صفة النزول على الوجه الذي يليق بالله سبحانه لا يشابه خلقه في شيء من صفاته كما قال سبحانه: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) وقال : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) فالواجب عند أهل السنة والجماعة إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل مع الإيمان بها واعتقاد أن ما دلت عليه حق ليس في شيء منها تشبيه لله بخلقه ولا تكييف لصفته بل القول عندهم في الصفات كالقول في الذات، فيما يثبت أهل السنة والجماعة ذاته سبحانه بلا كيف ولا تمثيل فهكذا صفاته يجب إثباتها بلا كيف ولا تمثيل، والنزول في كل بلاد بحسبها لأن نزول الله سبحانه لا يشبه نزول خلقه وهو سبحانه يوصف بالنزول في الثلث الأخير من الليل في جميع أنحاء العالم على الوجه الذي يليق بجلاله سبحانه ولا يعلم كيفية نزوله إلا هو كما لا يعلم كيفية ذاته إلا هو : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) وقال : (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) .
وأول الثلث وآخره يعرف في كل زمان بحسبه فإذا كان الليل تسع ساعات كان أول وقت النزول أول الساعة السابعة إلى طلوع الفجر، وإذا كان الليل اثنتي عشرة ساعة كان أول الثلث الأخير أول الساعة التاسعة إلى طلوع الفجر وهكذا بحسب طول الليل وقصره في كل مكان. والله ولي التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز يرحمه الله، م/٤، ص/٤٢٠
стр. 793
هل يوصف الله تعالى بالنسيان
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يوصف الله تعالى بالنسيان؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" للنسيان معنيان:
أحدهما: الذهول عن شيء معلوم مثل قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) البقرة /٢٨٦. ومثل قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) طه/١١٥. على أحد القولين.
ومثل قوله ﷺ : (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) . وقوله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) . وهذا المعنى للنسيان منتف عن الله بالدليلين السمعي، والعقلي.
أما السمعي: فقوله تعالى عن موسى: (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) طه /٥٢.
وأما العقلي: فإن النسيان نقص، والله تعالى منزه عن النقص، موصوف بالكمال، كما قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) النحل /٦٠. وعلى هذا فلا يجوز وصف الله بالنسيان بهذا المعنى على كل حال.
والمعنى الثاني للنسيان: الترك عن علم وعمد، مثل قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْء) الأنعام /٤٤. ومثل قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) طه /١١٥. على القول الثاني في تفسيرها. ومثل قوله ﷺ في أقسام أهل الخيل: (ورجل ربطها تغنياً وتعففاً، ولم ينس حق الله في رقابها وظهورها فهي له كذلك ستر) . وهذا المعنى من النسيان ثابت لله تعالى قال الله تعالى: (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ) السجدة /١٤. وقال تعالى في المنافقين: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) التوبة/٦٧. وفي صحيح مسلم في كتاب الزهد والرقائق عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟
فذكر الحديث، وفيه " أن الله تعالى يلقى العبد فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني ".
وتركه سبحانه للشيء صفة من صفاته الفعلية الواقعة بمشيئته التابعة لحكمته، قال الله تعالى: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ) البقرة /١٧. وقال تعالى: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) الكهف /٩٩. وقال: (وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً) العنكبوت/٣٥. والنصوص في ثبوت الترك وغيره من أفعاله المتعلقة بمشيئته كثيرة معلومة، وهي دالة على كمال قدرته وسلطانه. وقيام هذه الأفعال به سبحانه لا يماثل قيامها بالمخلوقين، وإن شاركه في أصل المعنى، كما هو معلوم عند أهل السنة " اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
"فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١/١٧٢-١٧٤) .
стр. 794
في نهايات آيات القرآن الكريم كثير من أسماء الله سبحانه
[السُّؤَالُ]
ـ[تعلمتُ حتى الآن ٣٣ اسماً من أسماء الله من أصل الـ ٩٩ اسماً، ولا أعرف الباقي. أين يمكن أن أجد قائمة بأسماء الله -سبحانه- على الإنترنت؟ أو ربما أنت تعرفها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أسماء الله تعالى كثيرة دالّة كلّها على عظمته وكماله وجلاله منها ما أخبرنا عنه في كتابه وفي سنّة رسوله ﷺ ومنها ما لا يعلمه إلا هو كما دلّ على ذلك حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلاّ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا نَتَعَلَّمُهَا فَقَالَ بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا. " رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح.
وأسماؤه سبحانه المذكورة في القرآن والسنّة تتجاوز المائة كما جمع ذلك عدد من أهل العلم (يُنظر كتاب القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين) ولكن يوجد من بينها تسعة وتسعون اسما من علمها وعمل بها فله أجر عظيم كما دلّ عل ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلاّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ. " رواه البخاري فتح رقم ٢٧٣٦
والإحصاء المذكور في الحديث يتضمّن ما يلي:
١- حفظها
٢- معرفة معناها
٣- العمل بمقتضاها: فإذا علم أنّه الأحد فلا يُشرك معه غيره، وإذا علم أنّه الرزّاق فلا يطلب الرّزق من غيره، وإذا علم أنّه الرحيم فلا ييأس من رحمته وهكذا.
٤- دعاؤه بها كما قال : (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) . وذلك كأن يقول يا رحمن ارحمني، يا غفور اغفر لي، يا توّاب تُبْ عليّ ونحو ذلك.
ويمكنكِ أيتها الأخت السائلة أن تتمعني في نهايات آيات القرآن الكريم لتجدي في كثير منها أسماء مذكورة لله . والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 795
الله فوق الجنة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الله موجود فوق الجنة, أم داخلها؟ وأيضا هل اعتقاد أن الله أكبر من الكون هو جزء من العقيدة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عرضنا السؤال التالي على فضيلة الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله فأجاب بما يلي:
الحمد لله العلي العظيم، الكبير المتعال، وسبحان الله العظيم، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ... أمَّا بعد:
فإنه مما يجب الإيمان به أنه تعالى العلي الأعلى، وأنه استوى على العرش، كما أخبر بذلك عن نفسه في كتابه، فهو فوق كل شيء، قال ﵊ في دعائه " وأنت الظاهر ليس فوقك شيء ". وكذلك يجب الإيمان بأنه تعالى الكبير، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه العظيم الذي لا أعظم منه، ومن كمال عظمته وقدرته أنه يأخذ السماوات والأرض بيديه يوم القيامة، كما قال : (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) سورة الزمر. فيجب أن يعلم أنه تعالى مع كمال علوِّه، وكمال عظمته يمتنع أن يحِلَّ في شيءٍ من مخلوقاته، فلا يجوز أن يقال أنه تعالى في الجنة، بل هو فوق العرش الذي هو سقف الفردوس، والفردوس أعلى الجنة، قال ﵊: " إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن ".
ولا يجوز للمسلم أن يُفكِّر في ذات الله، أو يتخيل عظمته فإن عقل الإنسان عاجز عن معرفة حقيقة ذات الرب وصفاته، وكيفيتها، كما قال الإمام مالك لمَّا سئل عن كيفية الاستواء على العرش ﴿الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة﴾ .
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الرحمن البراك
стр. 796
الإصرار على المعصية هل يؤدي إلى كفر الإعراض
[السُّؤَالُ]
ـ[هل بعض أوجه الإصرار على المعصية يمكن أن تؤدي إلى كفر الإعراض (نرجو منكم جزاكم الله بخير إمدادنا بأسماء بعض الكتب التي تطرقت لهذا الموضوع) ٢- هل بعض أوجه الإصرار على المعصية تؤدي إلى استحلال المعصية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كفر الإعراض عرفه ابن القيم ﵀ بقوله:
" وأما كفر الإعراض: فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به ألبتة". انتهى. من " مدارج السالكين" (١/ ٣٤٦) .
وقال أيضا:
" الثالث: كفر إعراضٍ محض، لا ينظر فيما جاء به الرسول، ولا يحبه ولا يبغضه، ولا يواليه ولا يعاديه، بل هو معرض عن متابعته ومعاداته " انتهى من " مفتاح دار السعادة" (١/ ٩٤) .
وعرفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بقوله في بيان نواقض الإسلام: " العاشر: الإعراض عن دين الله تعالى، لا يتعلمه ولا يعمل به " انتهى.
فما ذكره ابن القيم ﵀ هو في الإعراض الذي يحصل من الكافر ويمنعه من الدخول في الإسلام. وما ذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ عام فيما يقع من الكافر: فيمنعه من الإسلام علما وعملا، وما يقع من المسلم فيرتد به عن الإسلام، ولهذا جعله من النواقض.
ولا علاقة لهذا الناقض بالإصرار على المعصية التي هي دون الشرك والكفر، ولا نعلم وجها من الوجوه يجعل الإصرار على المعصية كفرا.
والذي عليه أهل السنة والجماعة أن المصر على المعصية فاسق لا كافر، وأنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب - دون الشرك - ما لم يستحله.
والاستحلال نوعان:
الأول: استحلال في الظاهر، كأن يصرح بأن الحرام حلال، فيكفر بذلك ظاهرا وباطنا.
والثاني: استحلال في الباطن، كأن يعتقد حل شيء من المحرمات المجمع على تحريمها، من غير شبهة، دون أن يصرح بذلك في الظاهر، فيكفر فيما بينه وبين الله، ويثبت له حكم الإسلام ظاهرا؛ لعدم الاطلاع على كفره، وشأنه في ذلك شأن المنافق الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام.
والإصرار لا يدل على الاستحلال، فكم من عاص تغلبه الشهوة، فيستمر على الذنب مع اعتقاده تحريمه، وكراهة قلبه له.
وقد روى البخاري (٦٧٨٠) عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
والإنسان يعلم هذا من نفسه، فقد يبتلى بذنب يقيم عليه، مع اعتقاده تحريمه، ورجائه التخلص منه.
لكن الذي يخشى على المصر على ذنب من غير توبة أن يختم لصاحبه بخاتمة السوء والعياذ بالله، أو يتشرب قلبه ما أصر عليه من المعصية، فيؤول أمره إلى أن ينحل من قلبه ما يجب عليه من اعتقاد تحريمها، فيستحل الذنب من كثرة إلفه وحبه له.
ولهذا قال من قال من السلف: إن المعاصي بريد الكفر، فيُخشى على المصر أن يستهين بالمعصية، ويجريها مجرى المباحات دون كراهة لها، أو خوف من عاقبتها، فينتقض إيمانه باطنا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الإنسان لا يفعل الحرام إلا لضعف إيمانه ومحبته، وإذا فعل مكروهات الحق فلضعف بعضها في قلبه، أو لقوة محبتها التي تغلب بعضها، فالإنسان لا يأتي شيئا من المحرمات، كالفواحش ما ظهر منا وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق، والشرك بالله ما لم ينزل به سلطانا، والقول على الله بغير علم: إلا لضعف الإيمان في أصله، أو كماله، أو ضعف العلم والتصديق، وإما ضعف المحبة والبغض. لكن إذا كان أصل الإيمان صحيحا وهو التصديق، فإن هذه المحرمات يفعلها المؤمن مع كراهته وبغضه لها، فهو إذا فعلها لغلبة الشهوة عليه، فلا بد أن يكون مع فعلها: فيه بغض لها، وفيه خوف من عقاب الله عليها، وفيه رجاء لأن يخلص من عقابها، إما بتوبة وإما حسنات، وإما عفو، وإما دون ذلك، وإلا فإذا لم يبغضها، ولم يخف الله فيها، ولم يرج رحمته، فهذا لا يكون مؤمنا بحال، بل هو كافر أو منافق " انتهى من "قاعدة في المحبة" ص ١٠٤
والحاصل أن الإصرار على المعصية ذنب كبير، لكنه لا يكون كفرا إلا بالاستحلال، والإصرار ليس دليلا على الاستحلال، لكنه قد يقود إليه، نسأل الله العافية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 797
حكم تسخط زوجها على القدَر، وتنقيصه من قدْر الله تعالى، وما يترتب على ذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي مشكلة غريبة جدّاً، زوجي الذي يتميز بطبعه الحريص جدّاً، لديه طابع سيء جدّاً، فعندما تواجهنا بعض الصعوبات: يقول أشياء مثل: " لماذا يفعل الله معنا نحن هكذا من دون الناس؟ "، و " إن الله تعالى يستهزئ بنا، وهو الآن يضحك علينا!! " (أستغفر الله) ، ولكنني أرى هذه الصعوبات كفارة لسيئاتنا، أما هو فليس عنده سوى هذه الكلمات، وإنني في هذه الحالة أظل صامتة؛ لأنني من خلال تجربتي معه: رأيت أن محاولة إسكاته تزيد الطين بلة، أما إن بقيت صامتة: فإنه يسكت بعد جملة، أو جملتين. وسؤالي هو: هل أفعل الصواب؟ أشعر أنه عليَّ إسكاته بطريقة ما، وأن أجعله يظل صامتاً، ولكنني بالفعل لا أدري ماذا أفعل؟ أسأل الله تعالي أن يغفر لزوجي، ولكن ماذا ترى أني فاعلة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ما قاله الزوج عظيم في حق الله، يبعث على الأسى، ويصيب القلب بالكمد، فكيف لمسلم أنعم الله تعالى بخير دين، وأنعم الله بنعَم لا يمكنه إحصاءها، ثم يأتي ويعترض على قدر الله تعالى، ويطعن بحكمته؟! إنها لإحدى الكُبَر، ثم لا يكتفي بهذا حتى يجعل ربه تعالى في موقف الساخر منه، المستهزئ به، الضاحك عليه! فكيف يجرؤ من أنعم الله عليه بلسان يتكلم أن ينطق بهذا؟! وكيف لمنتسب للإسلام أن يتفوه بذلك الكلام العظيم في حق ربه ؟! .
إن ما قاله الزوج من الاعتراض على قدر الله تعالى، والطعن بحكمته، وسؤاله لماذا يفعل الله معنا هكذا ": فهو من التسخط على قدر الله، وهو من كبائر الذنوب، وقد يؤدي به إلى الكفر المخرج من الملة؛ فهو طريق موصل إلى الردة، والله تعالى له الحكمة البالغة فيما يفعل ويقدِّر، وهو تعالى (لاً يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلونَ) الأنبياء/ ٢٣.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ) .
رواه الترمذي (٢٣٩٦) وابن ماجه (٤٠٣١) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
الناس حال المصيبة على مراتب أربع:
المرتبة الأولى: التسخط وهو على أنواع:
النوع الأول: أن يكون بالقلب، كأن يتسخط على ربه، يغتاظ مما قدَّره الله عليه: فهذا حرام، وقد يؤدي إلى الكفر، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ) .
النوع الثاني: أن يكون باللسان، كالدعاء بالويل، والثبور، وما أشبه ذلك، وهذا حرام.
النوع الثالث: أن يكون بالجوارح، كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور، وما أشبه ذلك، وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب.
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٢ / ١١٠) .
ثانيا:
إذا ابتلى الله عبده بالمصائب لم يكن ذلك علامة على أنه غير مرضي عند الله، وقد صحح الله تعالى هذا الظن الخاطئ عند الناس، فقال تعالى: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) الفجر/١٥-٢٠.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀:
" يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان من حيث هو، وأنه جاهل ظالم، لا علم له بالعواقب، يظن الحالة التي تقع فيه تستمر ولا تزول، ويظن أن إكرام الله في الدنيا وإنعامه عليه يدل على كرامته عنده وقربه منه، وأنه إذا ﴿قدر عَلَيْهِ رِزْقهُ﴾ أي: ضيقه، فصار بقدر قوته لا يفضل منه، أن هذا إهانة من الله له، فرد الله عليه هذا الحسبان بقوله ﴿كَلا﴾ أي: ليس كل من نَعَّمْتُه في الدنيا فهو كريم عليَّ، ولا كل من قَدَرْتُ عليه رزقه فهو مهان لدي، وإنما الغنى والفقر، والسعة والضيق: ابتلاء من الله، وامتحان يمتحن به العباد، ليرى من يقوم له بالشكر والصبر، فيثيبه على ذلك الثواب الجزيل، ممن ليس كذلك فينقله إلى العذاب الوبيل " انتهى. " تفسير السعدي" (٩٢٤) .
وهذا نبينا محمد ﷺ خير الناس، وأعلم الناس، وأخشاهم، وأتقاهم، قد ابتلي كثيراً، فاتهم في عقله، وطعن في عرضه، وجُرح وكُسرت رَباعيته، مع ما لاقاه ﷺ من الأذى من كفار قريش، وسفهاء الطائف، وغيرهم، بل إنه ﷺ قد صحَّ عنه أنه قال (إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) رواه أحمد.
قال الشيخ الألباني – ﵀ – تعليقاً على الحديث السابق وما في معناه -:
وفي هذه الأحاديث: دلالة صريحة على أن المؤمن كلما كان أقوى إيماناً: ازداد ابتلاء، وامتحاناً، والعكس بالعكس، ففيها رد على ضعفاء العقول والأحلام، الذين يظنون أن المؤمن إذا أصيب ببلاء، كالحبس، أو الطرد، أو الإقالة من الوظيفة، ونحوها: أن ذلك دليل على أن المؤمن غير مرضي عند الله تعالى! وهو ظن باطل، فهذا رسول الله ﷺ وهو أفضل البشر: كان أشد الناس - حتى الأنبياء - بلاءً، فالبلاء – غالباً - دليل خير، وليس نذير شر.
" السلسلة الصحيحة " (١ / ١٤٤) .
وينظر جواب السؤال رقم (٧١٢٣٦) ففيه بيان موقف المؤمن من الابتلاء.
وينظر جواب السؤال رقم (١١٢٩٠٥) ففيه بيان كيف يعرف المصاب إن كانت مصيبته عقوبة أو ابتلاء لرفع درجاته.
ثالثا:
إن تصوير زوجكِ الربَّ تعالى بما قاله في حقه: من استهزائه به، وضحكه عليه: من ظن السوء بالله ﷻ ، الذي هو أولى بكل جميل؛ بل ذلك من الكفر المخرج من الملة؛ لدخوله في تنقص قدر الرب تعالى، ولدخوله في حكم الاستهزاء به ، ولتشبيه الله تعالى بأفعال الناقصين من البشر، وكل ذلك كفر بالله تعالى، لا يُختلف فيه.
قال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ) التوبة/ ٦٥.
وليس شرطاً أن يكون ذلك الزوج عالماً أنه قد جاء بالكفر المخرج من الملة، فالحكم على فعله وقوله هو للشرع، وليس له.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – في شرح الآيات السابقة -:
فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفراً، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفرٍ، فبيَّن أن الاستهزاء بالله، وآياته، ورسوله: كفرٌ، يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدلَّ على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرَفوا أنَّه محرم، ولكن لم يظنوه كفراً، وكان كفراً كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه.
" مجموع الفتاوى " (٧ / ٢٧٣) .
رابعا:
على الأخت السائلة أن تعلم هذا، وأن تُخبر به زوجها، وعليها أن تطلب منه أن يتلفظ بالشهادتين، ويتوب على ما صدر منه من كلمات، ويندم عليها، ويعزم على عدم العود لها، أو لمثلها.
وإذا كان زوجك بهذه الحال التي وردت في السؤال، من الجهل والتمادي في غيه عند نصحك له: فحاولي أن تكلميه في وقت هدوئه وراحة باله، وبيني له عاقبة ما يقول ويفعل، وإذا كان في إمكانك أن تستعيني عليه بشيخ ثقة، يبين له سوء ما هو عليه: فهو حسن إن شاء الله، ولعل احتشامه من شخص غريب له هيئة ومنزلة: لعل ذلك أن يمنعه عن المبالغة في غيه وضلاله عند نصحه.
بل لا تمكنيه من نفسك حتى يتوب، وأعلميه أنه لا يحل لك البقاء مع زوج يقول مثل ذلك في حق الله تعالى.
فإن أصر على ما هو فيه من سوء الطباع، ورذيل الأقوال والأفعال، ولم يبد ندما على ما بدر منه، ولا توبة إلى الله ، وانتهاء عما يقول ويفعل: فلا خير لك في البقاء مع زوج هذه حاله، فاتركيه وما هو فيه، واحفظي ـ أنت عليك ـ دينك، وعرضك.
وانظري أجوبة الأسئلة: (١٠٣٠٨٢) و (٢١٦٩٠) و (٨٩٧٢٢) .
(١٢٦٠١٩) كلمات وأمثال فيها اعتراض على أفعال الله، وطعن في حكمته، وعدله.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 798
هل يجوز الاستعانة بمن يستعين بالجن في استرجاع المفقود ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب مؤمن بالله وملتزم بما مكنني الله به من الالتزام وقعت بمشكلة مالية خطيرة جدا وعويصة وسدت بوجهي جميع أبواب السماء والأرض فأصبحت أمام خيارين كلاهما سيء الأول: استرجاع النقود بمساعدة شخص يتعامل مع الجن والثاني: الانتحار فأي الطريقين أسلك؟؟؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
هون عليك أيها المسلم، فما بعد الضيق إلا الفرج، وإن مع العسر يسرا، وكلما أغرق الليل في ظلامه اقتربت تباشير الصباح، وسيأتي الفجر حتما ليمحو كل آثار الظلام الدامس، وستشرق الشمس فعلا، لينتشر النور في أرجاء الأرض، وتظهر الحياة، وجثوم الهم على قلب المسلم لا ينبغي أبدا أن يحيد به عن حسن الظن بالله، وضرورة اللجوء إليه، فما خاف غيره إلا ليأمن به، وما اضطرته البلايا إلا إلى اللجوء إليه.
ولا تقل: سدت في وجهي أبواب السماء.
من ذا الذي سدها في وجهك؟
ومن أين لك خبر السماء؟
وكيف تسيء الظن بربك؟ وهو الجواد الكريم سبحانه القائل – كما في الحديث القدسي الصحيح -:
(يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ) .
رواه مسلم (٢٥٧٧) .
كيف تسيء الظن بمن بيده ملكوت السموات والأرض؟ يدبر الأمر، يصرف الآيات، كل يوم هو في شأن، يجيب داعيا، ويعطي سائلا، ويفك عانيا، ويشفي سقيما، ويكشف كربا، ويجيب مضطرا، ويغفر ذنبا، ويحيي حيا، ويميت ميتا، ويربي صغيرا، ويعتق رقابا، ويعطي رغابا، ويقحم عقابا.
وهو أجود الأجودين وأكرم الأكرمين، يعطي عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله، يشكر على القليل من العمل وينميه، ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، يستحي من عبده حيث لا يستحي العبد منه ويستره حيث لا يستر نفسه، ويرحمه حيث لا يرحم نفسه، دعاه بنعمته وإحسانه، وناداه إلى كرامته ورضوانه، فأبي، فأرسل في طلبه وبعث معهم إليه عهده، ثم نزل سبحانه بنفسه وقال: من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟
وكيف لا تحب القلوب من لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يجيب الدعوات ويقيل العثرات ويغفر الخطيئات ويستر العورات ويكشف الكربات ويغيث اللهفات وينيل الطلبات سواه؟
فهو أحق من ذكر، وأحق من شكر، وأحق من حمد، وأحق من عبد، وأنصر من ابتغى، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطي، وأرحم من استرحم، وأكرم من قصد، وأعز من التجيء اليه، وأكفي من توكل عليه.
أرحم بعبده من الوالدة بولدها، وأشد فرحا بتوبة عبده التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامها وشرابه في الأرض المهلكة إذا يئس من الحياة فوجدها، وهو الملك فلا شريك له، والفرد فلا ند له، كل شيء هالك إلا وجهه، لن يطاع إلا بإذنه، ولن يعصي إلا بعلمه.
يطاع فيشكر، ويعصي فيغفر، أقرب شهيد وأدنى حفيظ، حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي وكتب الآثار ونسخ الآجال، فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، عنت الوجوه لنور وجهه، وعجزت القلوب عن إدراك كنهه.
أكف جميع العالم ممتدة إليه بالطلب والسؤال، ويده مبسوطة لهم بالعطاء والنوال، يمينه ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وعطاؤه وخيره مبذول للأبرار والفجار، له كل كمال، ومنه كل خير، له الحمد كله، وله الثناء كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فتبارك اسمه، وتباركت أوصافه، وتباركت أفعاله، وتباركت ذاته، فالبركة كلها له ومنه، لا يتعاظمه خير سئله، ولا تنقص خزائنه على كثرة عطائه وبذله.
"تفسير ابن كثير" (٧/٤٩٥) ، "الجواب الكافي" (ص ١٦٦) ، "شفاء لعليل" (ص ١٨٤) .
فلا تقنط من رحمة الله، ولا تيأس من روح الله، وأحسن الظن به، وتوكل حق التوكل عليه، والجأ إليه في كل ما أهمك وألمّ بك، واستعن به ولا تعجز، واعلم أنه عند ظن عبده به: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
واعلم أن البلاء رحمة، والمؤمن بين خيري مقدورين: نعماء يشكرها، أو ضراء يصبر عليها.
وقد روى الترمذي (٢٣٩٨) عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: (الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ: فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) .
صححه الألباني في "صحيح الترمذي".
ثانيا:
الانتحار باب من أبواب العذاب، وكبيرة من كبائر الذنوب، ومسلك القانطين اليائسين من رحمة رب العالمين، وهو القائل سبحانه على لسان خليله إبراهيم ﵇: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) [الحجر/٥٦]
روى البخاري (٥٧٧٨) ومسلم (١٠٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
(مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.
وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.
وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) .
وروى البخاري (٣٤٦٣) ومسلم (١١٣) عن جُنْدَب بْن عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) .
فاحذر يا عبد الله من تلك الجريمة، والفعلة البائسة الضالة، فإنك مهما أصابك من ألم وضر في الدنيا، ومهما بلغت بك شدتك، فهي أهون مرات ومرات من ذلك الجرم العظيم، بل لا مقارنة بينهما أصلا؛ أين تعب الدنيا ونصبها، من جهنم وجحيمها؟!
نسأل الله أن يفرج كربك، ويهدي قلبك، ويشرح صدرك.
ثالثا:
قد ذكرت طريقين، وتسأل عن أيهما تسلك؟ ونسيت طريقا ثالثة هي أهدى سبيلا، وأرشد دليلا: صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض.
إنها طريق الأمن في أرض المخاوف، وسبيل الرشد المنقذ من الضلال، ونهج الراغبين الذين لا يزيدهم البلاء إلا رغبة فيما عند الله من الخير، ورهبة مما عنده من العذاب.
يقول الله : (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الأعراف/١٦٨
أي: اختبرناهم بالخير والشدة، والرغبة والرهبة، والعافية والبلاء، ليرجعوا إلى طاعة ربهم وينيبوا إليها، ويتوبوا من معاصيه.
فكثيرا ما يكون البلاء أرحب أبواب التوبة والإنابة، وأوضح طريق للرجوع إلى الله.
رابعا:
أكثر أهل العلم على أنه لا يجوز الاستعانة بالجن في الوصول إلى المفقود، أو غير ذلك من المباحات؛ لأنهم غالبا لا يعينون شخصا إلا إذا وصلوا لمأربهم منه، من الخضوع لهم، والوقوع في أنواع من الشرك والضلالات. نسأل الله العافية. قال الله تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الِْنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) الجن/٦
قال الشيخ السعدي ﵀:
" أي: كان الإنس يعبدون الجن ويستعيذون بهم عند المخاوف والأفزاع، فزاد الإنس الجن رهقا أي: طغيانا وتكبرا لما رأوا الإنس يعبدونهم، ويستعيذون بهم، ويحتمل أن الضمير في زادوهم يرجع إلى الجن ضمير الواو؛ أي: زاد الجن الإنس ذعرا وتخويفا لما رأوهم يستعيذون بهم ليلجئوهم إلى الاستعاذة بهم، فكان الإنسي إذا نزل بواد مخوف قال: " أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ". انتهى. "تفسير السعدي" (٨٩٠) .
قال علماء اللجنة الدائمة:
" الاستعانة بالجن أو الملائكة والاستغاثة بهم لدفع ضر أو جلب نفع أو للتحصن من شر الجن شرك أكبر يخرج عن ملة الإسلام والعياذ بالله - سواء كان ذلك بطريق ندائهم أو كتابة أسمائهم وتعليقها تميمة أو غسلها وشرب الغسول أو نحو ذلك، إذا كان يعتقد أن التميمة أو الغسل تجلب له النفع أو تدفع عنه الضر دون الله " انتهى.
"فتاوى اللجنة" (١/١٣٤-١٣٥) .
وسئل علماء اللجنة:
ما حكم الإسلام في الذي يستعين بالجن في معرفة المغيبات كضرب المندل؟
فأجاب علماء اللجنة:
" لا يجوز الاستعانة بالجن وغيرهم من المخلوقات في معرفة المغيبات لا بدعائهم والتزلف إليهم ولا بضرب مندل أو غيره، بل ذلك شرك؛ لأنه نوع من العبادة، وقد أعلم الله عباده أن يخصوه بها فيقولوا: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وثبت عن النبي ﷺ أنه قال لابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ... الحديث) انتهى.
"فتاوى اللجنة" (١/٣٤٥-٣٤٨)
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك حفظه الله:
ترك جدنا تركة مخفية في بيت لنا قديم بحثنا عنها ولم نجدها، وتعرفت على شخص أكد وجودها وأنه يستطيع إخراجها، علماً أنه يستخدم الجن، لكنه أقسم بالله أنه لا يشرك بالله عندما يستخدمهم وأنه لم يشرك بالله، هل يجوز لي أن أستخدمه في إخراجها؟ علماً أنه قال لي: أنا وأنت نذهب لأحد المشايخ ونسأله عن جواز ذلك من عدمه، ولكنني لم أفعل، علماً أنني سمعت أنه يجوز ذلك إذا لم يكن فيه إضرار بالآخرين، وهو كذلك إذ التركة خاصة بنا وهي كبيرة جداً.
فأجاب الشيخ:
" ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث عدة أن من أتى كاهناً أو عرافاً فسأله عن شيء فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، والمعروف أن الكهان إنما يتلقون ما يخبرون به عن الشيطان مما يسترقه الشيطان من السماء ومما يطلعون عليه من أحوال الناس، وعلى ذلك فهذا الذي يدعي أنه يعرف مكان ذلك المال، وأنه يستعين بالجن في معرفة مكان هذا المال أو غيره من الأمور المخفية الظاهر من حاله أنه كاهن، بل هو كاهن ولو زعم أنه لا يشرك، ولو أقسم على ذلك، فلا يجوز إذاً الاستعانة به على معرفة مكان هذا المال، ولكن ابحثوا عن أسباب أخرى وتحروا لعلكم تعثرون على هذه التركة دون أن تتوسلوا بما حرم الله، ولهذا نص بعض أهل العلم في تعريف الكاهن أنه الذي يخبر بالمغيبات في المستقبل ويدل على مكان المسروق وعلى الضالة، فهذا مما يحترفه الكهان ويسألهم الناس فيه، فالواجب على المسلم أن يحرص على سلامة دينه ولو فاته ما فاته من أمر الدنيا، والله أعلم " انتهى.
وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله:
" الاستعانة بالجن سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين وسيلة من وسائل الشرك، والاستعانة معناها: طلب الإعانة؛ ولهذا فمن المتقرر عند أهل العلم أنه لا يجوز طلب الإعانة من مسلمي الجن؛ لأن الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يطلبوا ذلك منهم، وهم أولى أن تخدمهم الجن، وأن تعينهم.
وأصل الاستعانة بالجن: من أسباب إغراء الإنسي بالتوسل إلى الجني، وبرفعة مقامه، وبالاستمتاع به، وقد قال - جل وعلا -: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا) الأنعام / ١٢٨، فحصل الاستمتاع - كما قال المفسرون - من الجني بالإنسي: بأن الإنسي يتقرب إليه، ويخضع له، ويذل، ويكون في حاجته، ويحصل الاستمتاع من الإنسي بالجني بأن يخدمه الجني، وقد يكن مع ذلك الاستمتاع ذبح من الإنسي للجني، وتقرب بأنواع العبادات، أو بالكفر بالله - جل وعلا - والعياذ بالله، بإهانة المصحف، أو بامتهانه أو نحو ذلك؛ ولهذا نقول: إن تلك الاستعانة بجميع أنواعها لا تجوز، فمنها ما هو شرك -كالاستعانة بشياطين الجن- يعني: الكفار - ومنها ما هو وسيلة إلى الشرك، كالاستعانة بمسلمي الجن " انتهى.
"التمهيد لشرح كتاب التوحيد" (٢/ ٣٧٣-٣٧٤) - ترقيم الشاملة.
والله أعلم.
راجع إجابة السؤال رقم: (١١١٩٣٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 799
لا يجوز الأكل من ذبيحة ذبحت لغير الله، وإن ذكر الذابح عليها اسم الله
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك ذبيحة لشخص من البوذيون اشتراها ليذبحها لمعتقد عندهم يخالف ديننا، (على ما أعتقد لطرد الأرواح الشريرة، لكن الذي ذبحها مسلم، وعلى الطريقة الإسلامية. فهل يجوز أكلها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذبح إن كان المراد به مجرد اللحم، كما هو الأصل في ذبائح الناس: فالواجب أن يكون على اسم الله تعالى؛ فما ذكر اسم الله عليه: حل أكله، إذا كان قد ذبح بالطريقة الشرعية المعروفة، فإن لم يذكر اسم الله عليه: لم يحل أكله؛ قال الله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ * وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) الأنعام /١١٨-١١٩.
وقال تعالى أيضا: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام/١٢١.
وأما إن كان المراد بالذبح: القربة والعبادة: فيجب أن يضاف إلى ذلك أن تكون تلك القربة إلى الله تعالى، كسائر القربات والعبادات. قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام /١٦٢-١٦٣.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
" يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير اسمه، أنه مخالف لهم في ذلك؛ فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) الكوثر / ٢. أي: أخلص له صلاتك وذبيحتك؛ فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى " انتهى.
تفسير ابن كثير - (٣ / ٣٨١-٣٨٢)
وروى مسلم (١٩٧٨) عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ) .
قال النووي ﵀:
أَمَّا الذَّبْح لِغَيْرِ اللَّه: فَالْمُرَاد بِهِ أَنْ يَذْبَح بِاسْمِ غَيْر اللَّه تَعَالَى، كَمَنْ ذَبَحَ لِلصَّنَمِ أَوْ الصَّلِيب أَوْ لِمُوسَى أَوْ لِعِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمَا أَوْ لِلْكَعْبَةِ وَنَحْو ذَلِكَ , فَكُلّ هَذَا حَرَام , وَلَا تَحِلّ هَذِهِ الذَّبِيحَة , سَوَاء كَانَ الذَّابِح مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا , نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ , وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابنَا , فَإِنْ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ تَعْظِيم الْمَذْبُوح لَهُ غَيْر اللَّه تَعَالَى وَالْعِبَادَة لَهُ كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا , فَإِنْ كَانَ الذَّابِح مُسْلِمًا قَبْل ذَلِكَ صَارَ بِالذَّبْحِ مُرْتَدًّا " انتهى.
فمن ذبح وقصد غير الله، كمن ذبح للصنم، أو لدفع الروح الشريرة – كما يزعمون – أو تقربا لما يعبد من دون الله، أو لولي ونحو ذلك: فهو مشرك خارج عن الملة، ولا يحل الأكل من ذبيحته، سواء ذكر اسم الله عليها أو لم يذكر اسم الله؛ لأنها أهلّ بها لغير الله، وقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) البقرة / ١٧٣
وقوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) أي: ذبح لغير الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" قوله تعالى: (وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) ظاهره أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقال هذا ذبيحة لكذا؛ وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه النصراني للحم وقال فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن متقربين به إلى الله سبحانه كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله؛ فإن عبادة الله سبحانه بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فكذلك الشرك بالصلاة لغيره والنسك لغيره أعظم شركا من الاستعانة باسم هذا الغير في فواتح الأمور؛ فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح والزهرة فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح والزهرة، أو قصد به ذلك أولى ... ؛ وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربا به إليه: لحرم، وإن قال فيه بسم الله؛ كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الأولياء والكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان ... " انتهى من "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢٦٠) .
وقال علماء اللجنة الدائمة:
" الذبح لغير الله شرك، وحكم الذبيحة حكم الميتة، ولا يجوز أكلها، ولو ذكر عليها اسم الله، إذا تحقق أنها ذبحت لغير الله " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٢٢٦) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" الذبح لغير الله شرك أكبر، لأن الذبح عبادة، فمن ذبح لغير الله فهو مشرك شركا مخرجا عن الملة – والعياذ بالله – سواء ذبح ذلك لملك من الملائكة، أو لرسول من الرسل، أو لنبي من الأنبياء، أو لخليفة من الخلفاء، أو لولي من الأولياء، أو لعالم من العلماء، فكل ذلك شرك بالله – – ومخرج عن الملة.
وأما الأكل من لحوم هذه الذبائح فإنه محرم؛ لأنها أهل لغير الله بها، وكل شيء أهل لغير الله به، أو ذبح على النصب، فإنه محرم " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٢/١٤٨) .
وهذا الذابح المسلم إن كان يعلم أنها إنما تُذبح لهذا الذي ذبحت له: فهو ذابح لغير الله، ولو ذكر اسم الله عليها، وهذا من الشرك الأكبر كما تقدم، وإن كان قد ذبحها وهو لا يعلم، وإنما طُلب منه أن يذبح فذبح، يظنهم إنما يذبحونها للحم: فلا شيء عليه.
والله أعلم.
راجع إجابة السؤال رقم: (٤٤٧٣٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 800
كذب ادعاء معرفة الغيب باستعمال " البنْدول " وأنه مصدر طاقة !
[السُّؤَالُ]
ـ[إنني شاب مسلم، وأعمل مهندساً، وأعيش في " الهند "، وكما تعرفون فإنَّ في " الهند " الكثير من الجماعات , وإنني أحمد الله فعقيدتي متفقة مع أهل السنَّة والجماعة، وأهل السلف , ولديَّ صديق من جماعة " التبليغ " يقول بأن هناك عالماً علَّمَنا فنّاً من الفنون، وهو معرفة الإجابات باستخدام " البندول " , وهذا الفن كالتالي: يقوم الشخص بإمساك " البندول " , ويقوم بالسؤال , ومن المفترض أنه يرسل موجات راديو إلى عقول أشخاص آخرين، ثم بعد ذلك يحصل على الإجابة منهم، ويقوم " البندول " بكشف هذا التردد، ويظهر الإجابة , وقد اعتقدت أنه كاذب، وكنت أحتاج إلى ما يثبت ذلك , وقلت له: لا أدري إن كان الإسلام يحل هذا أم يحرمه، ولكنني أرى أنها جاءت بمحض الحظ، وهو ما يجعلها حراماً، فقال لي: إن هذا ليس تنجيماً , ولكنه استخدام للحس بأعلى درجاته، كما أننا لا نقول معلومات بخصوص المستقبل , وإنما نجيب عن بعض الأسئلة التي هي في العقول، وقد فعل هذا أمامي لعدد من الأشخاص حتى أنني قلت إنه يسخر الجن، أو شيء ما، ومهما كان ما يقوم به فإنني أوقفت التفكير به، وبدأت في البحث حول هذا الأمر - " البحث بالبندول " -، ثم بدأت البحث على شبكة الإنترنت، ووجدت شيئاً غير عادي، أنه موجود على " الجوجل " , وأن هناك الكثير من الناس متورطون فيه، ويقولون بأنه يأتي بنتيجة، ثم ذهبت إلى تاريخ هذا الفن، فوجدت أنه موجود منذ أيام الفراعنة، وتم تطويره، وأن هناك بعض البندولات التي استخدموها لمعرفة قوى الحياة. ورؤيتي لهذا الأمر أنه حرام , ولا أدري لم أحسه تنجيماً، وأنه يبدو خرافة كبيرة، وكلٌّ من التنجيم والخرافات: جريمة، وإنني أريدكم أن تنيروا لي طريقي في هذا الأمر، وأريد أن أنأى بصديقي هذا عن مثل هذه الأعمال إذا كانت من المحرمات، إنني فقط أريد دليلاً من القرآن الكريم، والحديث الشريف، وطريق السلف الصالح. جزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جزاك الله خيراً، وبارك فيك، فإن تنبهك لهذا الأمر الذي هو أقرب إلى الشعوذة والسحر: إن دل فهو يدل على فقهك، وفهمك للتوحيد، ثبتك الله، ونفع بك.
وما سألت عنه من أمر البندول يتلخص جوابه في أمور:
أولاً:
نهى النبي ﷺ عن إتيان العرافين والمشعوذين والسحرة والكهنة، وحذَّر من تصديقهم , وعدَّ ذلك من الكفر، ومعلوم أن " العرَّاف " هو الذي يدَّعي معرفة الأمور الماضية، وقد يشمل لفظ العرَّاف أيضاً: الكهانة، وهو ادعاء معرفة الأمور المستقبلية.
وانظر جواب السؤال رقم (٨٥٥٤١) للوقوف على تعريفه، وحكم الذهاب إليه، وإلى السحرة.
ثانياً:
من المقرر في شريعتنا أنه لا يعلم الغيب إلا الله، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) لقمان/ ٣٤، ولو شاء الله أن يُطلع أحداً على شيء من الغيب فإن ذلك لا يكون إلا لرسول من رسله، قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) الجن/ ٢٦، ٢٧.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
(عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) من الخلق، بل انفرد بعلم الضمائر، والأسرار، والغيب.
(إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) أي: فإنه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبره به؛ وذلك لأن الرسل ليسوا كغيرهم، فإن الله أيدهم بتأييد ما أيده أحداً من الخلق، وحفظ ما أوحاه إليهم حتى يبلغوه على حقيقته، من غير أن تتخبطهم الشياطين، ولا يزيدوا فيه، أو ينقصوا.
" تفسير السعدي " (ص ٨٩١، ٨٩٢) .
ومن الغيب الذي استأثر الله بعلمه: معرفة ما في القلوب، والضمائر، والأنفس، فمن زعم من البشر – غير الرسل – معرفته: فهو عرَّاف، كاذب. قال الله تعالى في ثنائه على نفسه بما هو أهله: (يَعْلَمُ خَاِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) غافر/١٩.
قال ابن كثير ﵀:
" يخبر تعالى عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها؛ ليحذر الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله حَقّ الحياء، ويَتَّقُوهُ حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه، فإنه تعالى يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر" انتهى.
"تفسير ابن كثير" (٧/١٣٧) .
وقد بيَّن النبي ﷺ كيف يدَّعي العرَّافون والكهنة علمَ بعض الأمور الغيبية عن بعض الناس , ومن ذلك: استراق السمع من السماء , كما جاء في الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ، قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الْحَقَّ وَهْوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ - وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى، نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ - فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ الْمُسْتَمِعَ، قَبْلَ أَنْ يَرْمِىَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَيُحْرِقَهُ وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِىَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الأَرْضِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الأَرْضِ - فَتُلْقَى عَلَى فَمِ السَّاحِرِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ فَيَصْدُقُ، فَيَقُولُونَ أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا، فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ) .
رواه البخاري (٤٤٢٤) .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ) ، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (وإياي إِلَاّ أَنَّ اللَّهَ أعانني عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَاّ بِخَيْرٍ) .
رواه مسلم (٢٨١٤) .
وهذا القرين ملازم للإنسان يعرف بعض شؤونه الخاصة , فربما خدم هذا القرينُ شياطينَ الساحر، والعرَّاف؛ لإغواء الناس، وإيقاعهم في الشرك، والتعلق بغير الله تعالى , فيعطي للعراف وللساحر بعض المعلومات الخاصة التي تغيب عن الناس , فيظن أن هذا الساحر، أو العراف، يعلم الغيب، أو أنه صاحب كرامات , وقد يستخدم بعض الطرق للتلبيس على الناس , كاستخدام استفتاح المصحف , أو حركة البندول، أو غير ذلك.
والدليل على كذب وتدليس مستخدم البندول: أن استخداماته في أمور كثيرة، كتحديد جنس المولود , والكشف عن الأمراض، وتحديد أماكنها، وغير ذلك: مما يدل على كذب صاحب ذلك الادعاء؛ لأنه ليس المقصود هو " البندول " بحد ذاته، بل هو ادعاء صاحبه معرفة أشياء كثيرة غيبية، وما استخدام البندول إلا حيلة حتى يصير التركيز عليه باعتباره وسيلة! ولا يختلف هذا الفعل عن فعل إخوانه الكهان مما يدعون معرفة الغيب بالنظر في كف اليد، أو فنجان القهوة! .
وادعاء علاقة بين البندول والطاقة: ليس له أصل في الشرع، ولا في العلم الحديث، وإنما أُخذ هذا من الفراعنة، وأتباعهم.
قالت الدكتورة فوز كردي – حفظها الله -:
وهذه الطاقة غير قابلة للقياس بأجهزة قياس الطاقة المعروفة، وإنما يُدّعى قياسها بواسطة أجهزة خاصة مثل " البندول "، فبحسب اتجاه دورانه تُعرف الطاقة السلبية من الطاقة الإيجابية.
انتهى
http://www.alfowz.com/index.php?option=com_content&task=view&id=٤٤&Itemid=٢
والمسلم في حكمه على الشيء ينطلق من ثوابت ومسلمات الشريعة , فالغيب استأثر الله بعلمه , والعراف من ادعى علم المستقبل , وتصديقهم من كبائر الذنوب , بل من الكفر.
ولا شك أن الشعوذة، والسحر، والكهانة، تتطور على حسب تطور العصر، فلما كان هذا العصر هو عصر التطورات والاكتشافات والتكنولوجيا: فلا بد أن يلبَس السحرُ والشعوذة لبوس العلم، والتجربة , وتحت مسميات " الطاقة الخفية "، أو " الذبذبات العقلية " ... الخ.
ومثل هذه تنتشر في البلاد غير الإسلامية ممن يكثر بين أهلها انتشار الجهل والبدعة والخرافة، كالهند، وجنوب شرق آسيا، وغيرها من البلاد، ولا ينبغي أن ننسى دور " البوذيين " و " الهندوس " في نشر الخرافة في تلك البلاد، حتى وصل تأثير ذلك إلى عوام المسلمين.
ثالثا:
يمكن تسمية ما يدعيه ذلك المشعوذ كهانة أو عرافة أو تنجيما، فكلها ألفاظ تنطبق معانيها على ذلك الادعاء، وهي في نفسها متداخلة في صورها، ومتفقة في أحكامها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطَّابي، وغيره من العلماء، وحكى ذلك عن العرب، وعند آخرين هو من جنس الكاهن، وأسوأ حالا منه، فلحق به من جهة المعنى.
" مجموع الفتاوى " (٣٥ / ١٩٣، ١٩٤) .
وقال القرطبي – ﵀:
والعرَّاف: هو الحازر، والمنجم: الذي يدَّعي علم الغيب، وهي من العرافة، وصاحبها عرَّاف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب، ومقدمات يدَّعي معرفتها، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر، والطرْق، والنجوم، وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هو العيافة " بالياء "، وكلها يُطلق عليها اسم الكهانة.
قاله القاضي عياض.
" تفسير القرطبي " (٧ / ٣) .
وقد هدى الله هذه الأمة لسلوك طريق الحق، وكفاها عن مثل هذه الطرق , بثوابت في كتابه تعالى، وسنَّة نبيِّه ﷺ , ومثل هذه الحيل والطرق المبتكرة لا تنطلي إلا على من لم يهتد بنبراس الهداية، أو على إنسان قلَّ علمه، وتفقهه بشريعة الإسلام، وغلب عليه الجهل بالتوحيد.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 801
السؤال ببركة فلان ـ أحد الصالحين ـ
[السُّؤَالُ]
ـ[فضيلة الشيخ لنا إمام مسجد يقول: إنه يجوز للإنسان أن يسأل الله ببركة فلان، كأن يقول: اغفر لي يا رب ببركة فلان ـ أي أحد الصالحين مثلاً ـ فهل هذا نوع من الشرك؟ علماً بأنه في نفس الوقت لا يصرح بها شفهياً إلا إذا سألناه، كما أن هذا الإمام يكتب الحجاب والبخورات للناس كطرق علاج فهل نصلي خلفه أم لا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا ليس من الشرك، ولكنه من وسائل الشرك، وهو التوسل ببركة فلان، أو بحق فلان، أو جاه فلان، أو ذات فلان، هذا من وسائل الشرك، وليس من الشرك، بل هو بدعة عند جمهور أهل العلم، لأن التوسل عبادة لابد لها من توقيف، ولابد لها من بيان من الله ، أو من رسول الله ﷺ ، والله سبحانه بَيَّن لنا وهكذا الرسول ﷺ بَيَّن لنا وسائل العبادة، وأن المشروع أن نتوسل إلى الله في دعائنا إياه بأسمائه، كما قال سبحانه: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) الأعراف/١٨٠، وهكذا صفاته ، وهكذا التوسل بالتوحيد: اللهم إني أسألك بأنني أشهد أن لا إله إلا أنت، كما جاء في الحديث. وهكذا التوسل بالأعمال الصالحات، فيتوسل المؤمن بإيمانه بالله ورسله، وبمحبته لله ورسوله، وبره بوالديه، وبأدائه الأمانة، وبعفته عن الفواحش، وبمحافظته على الصلوات، إلى غير ذلك.
وفي هذا الباب: قصة أهل الغار، الثابتة في الحديث الذي رواه الشيخان: البخاري ومسلم في الصحيحين عن ابن عمر ﵄، أن ثلاثة من الناس فيمن كان قبلنا، آواهم المبيت، وفي رواية: (المطر) ، إلى غار فدخلوا فيه، فانحدرت عليهم صخرة سدت عليهم الغار، يقول النبي ﷺ : (إنهم فيما بينهم قالوا: لن ينجيكم من هذا الأمر إلا أن تسألوا الله بصالح أعمالكم، فقام أحدهم فسأل ربه ببره لوالديه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء، وقام الثاني وسأل الله بعفته عن الفاحشة عن الزنا، فانفرجت الصخرة بعض الشيء، وقام الثالث وتوسل إلى الله بأدائه الأمانة، فانفرجت الصخرة وخرجوا) . وهذا دليل على أن التوسل بالأعمال الصالحات وسيلة شرعية.
وهكذا التوسل بأسماء الله وصفاته كما تقدم، وهكذا التوسل بتوحيده والإخلاص له، أما التوسل بجاه فلان، أو ببركة فلان، أو بحق فلان، فهذا لا أصل له، ولا يجوز، بل هو من البدع، ولكن ليس من الشرك.
والصلاة خلف الإمام الذي يقول هذا صحيحة. لكن ينبغي أن يعلَّم ويوجه إلى الخير، فإن عرف الحق وامتثل له وتاب إلى الله من ذلك وإلا فالواجب أن يبدل بغيره، والواجب على المسؤولين أن يلتمسوا إماماً أصلح منه للمسجد حتى لا يَغُرَّ الناس.
وهكذا إذا كان يتعاطى كتب (الحجب) وهي التمائم، فهذا أيضاً منكر، والرسول ﷺ أمر بقطع التمائم وقال: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا أودع الله له) وأخبر أنها شرك، فلا يجوز كتابة التمائم لا من العظام، ولا من الخرز، ولا من الطلاسم، ولا من غير ذلك.
واختلف العلماء فيما إذا كانت التمائم من القرآن على قولين: أحدهما: الجواز، والثاني: المنع، والصواب: المنع، فلا يجوز اتخاذ التمائم والحُجُب حتى ولو من القرآن في أصح قولي العلماء، لأن الرسول ﷺ نهى عن التمائم، وأطلق وعَمَّم، فلا يجوز استثناء شيء من ذلك، ولأن تعليق التمائم من القرآن وسيلة إلى تعليق غيرها، فينفتح الباب، ويقع الشرك، وسد الذرائع أمر معلوم من الشريعة، وأصل من أصولها، ولأن تعليقها قد يفضي إلى امتهان الآيات القرآنية، فوجب منع ذلك.
وأما البخور فشيء آخر، فقد تُعالج بعض الأمراض بالخور، ولكن بعض من يدعي الطب قد يتظاهر بأشياء وعنده أشياء أخرى، قد يتظاهر بالتمائم أو بالبخور وهو يتعاطى خدمة الجن، وسؤال الجن، ودعوى علم الغيب بواسطة الجن، ومثل هذا خطره عظيم، فالواجب أن ينكر على هذا، وإن يوجه إلى الخير، وأن يُعلَّم حتى يستفيد، وحتى ينتبه لهذا الخطر، فإن استقام وتاب إلى الله وسار على الطريق السوي وإلا فالواجب إبداله بغيره من أئمة المسلمين الذين عندهم العناية بأمر الله، وعندهم صلاح العقيدة، وسلامة الدين ـ والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله" انتهى.
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (١/٢٩٨ – ٣٠٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجوب
стр. 802
اعتقاد النفع والضرر من الأولياء
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض المسلمين يعتقدون أن للأولياء تصرفات تضر وتنفع، وتجلب النفع وتدفع البلاء، بينما هم ينتمون إلى الإسلام، ويؤدون شعائر الإسلام كالصلاة وغيرها، فهل تصح الصلاة خلف إمامهم؟ وهل يجوز الاستغفار لهم بعد موتهم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا قول من أقبح الأقوال، وهذا من الكفر والشرك بالله ؛ لأن الأولياء لا ينفعون ولا يضرون، ولا يجلبون منافع ولا يدفعون مضاراً، إذا كانوا أمواتاً، إذا صح أن يسموا أولياء لأنهم معروفون بالعبادة والصلاح، فإنهم لا ينفعون ولا يضرون، بل النافع الضار هو الله وحده، فهو الذي يجلب النفع للعباد، وهو الذي يدفع عنهم الضر، كما قال الله جل وعلا للنبي ﷺ : (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) الأعراف/١٨٨، فهو النافع الضار .
قال في المشركين: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) يونس/١٨، فالله جل وعلا هو النافع الضار، وجميع الخلق لا ينفعون ولا يضرون.
أما الأموات فظاهر؛ لأنه قد انقطعت حركاتهم، وذهبت حياتهم، فلا ينفعون أنفسهم ولا غيرهم، ولا يضرون، لأنهم فقدوا الحياة، وفقدوا القدرة على التصرف، وهكذا في الحياة لا ينفعون ولا يضرون إلا بإذن الله، ومن زعم أنهم مستقلون بالنفع والضر وهم أحياء كفر أيضاً، بل النافع الضار هو الله وحده ، ولهذا لا تجوز عبادتهم، ولا دعاؤهم، ولا الاستغاثة بهم، ولا النذر لهم، ولا طلب المدد منهم.
ومن هذا يعلم كل ذي بصيرة أن ما يفعله الناس عند قبر البدوي، أو عند قبر الحسين، أو عند قبر موسى كاظم، أو عند قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني، أو ما أشبه ذلك، من طلب المدد والغوث أنه من الكفر بالله، ومن الشرك بالله ، فيجب الحذر من ذلك، والتوبة من ذلك، والتواصي بترك ذلك.
ولا يُصلى خلف هؤلاء، لأنهم مشركون، وعملهم هذا شرك أكبر، فلا يُصلى خلفهم، ولا يُصلى على ميتهم؛ لأنهم عملوا الشرك الأكبر الذي كانت عليه الجاهلية في عهد النبي ﷺ ، كأبي جهل وأشباهه من كفار مكة، وعليه كفار العرب؛ وهو دعاء الأموات والاستغاثة بهم أو بالأشجار والأحجار، وهذا هو عين الشرك بالله ، والله سبحانه يقول: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام/٨٨.
والواجب على أهل العلم أن يبينوا لهم، وأن يوضحوا لهم الحق، وأن يرشدوهم إلى الصواب، وأن يحذروهم من هذا الشرك بالله، فيجب على العلماء في كل من مصر والشام، والعراق، ومكة، والمدينة، وسائر البلاد، أن يرشدوا الناس، ولا سيما عند وجود الحجاج، فيجب أن يرشدوا ويبينوا لهم هذا الأمر العظيم، والخطر الكبير؛ لأن بعض الناس قد وقع فيه في بلاده فيجب أن يبين لهم توحيد الله، ومعنى لا إله إلا الله، وأن معناها لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي الشرك وتنفي العبادة لغير الله، وتوجب العبادة لله وحده، وهذا معنى قوله سبحانه: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) الإسراء/٢٣، وقوله سبحانه: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) البينة/٥، ومعنى قوله جل وعلا: (فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) الزمر/٢،٣، وقوله سبحانه: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) غافر/١٤.
فالواجب توجيه العباد إلى الخير، وإرشادهم إلى توحيد الله، وأن الواجب على كل إنسان أن يعبد الله وحده، ويخصه بالعبادة؛ من دعاء، ورجاء، وتوكل وطلب الغوث، وصلاة، وصيام، إلى غير ذلك، كله لله وحده، ولا يجوز أبداً فعل شيء من ذلك لغير الله ، سواء كان نبياً أو ولياً أو غير ذلك.
فالنبي لا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً إلا بإذن الله، ولكن يجب أن يُتَّبع، ويطاع في الحق، ويُحَبَّ المحبة الصادقة، ونبينا ﷺ أفضل الأنبياء وأشرفهم، ومع ذلك لا يُدعى من دون الله، ولا يُستغاث به، ولا يُسجد له، ولا يُصلى له، ولا يُطلب منه المدد، ولكن يُتبع، ويُصلى ويُسلم عليه، ويجب أن يكون أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا، وغيرهم كما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) .
لكن هذه المحبة لا توجب أن نشرك به، ولا تُسَوِّغ لنا أن ندعوه من دون الله، أو نستغيث به، أو نسأله المدد، أو الشفاء.
ولكن نحبه المحبة الصادقة لأنه رسول الله إلينا، ولأنه أفضل الخلق، ولأنه بَلَّغ الرسالة، وأَدَّى الأمانة، نحبه في الله محبة صادقة فوق محبة الناس والمال والولد، ولكن لا نعبده مع الله.
وهكذا الأولياء نحبهم في الله، ونترحم عليهم، من العلماء والعباد، ولكن لا ندعوهم مع الله، ولا نستغيث بهم، ولا نطوف بقبورهم، ولا نطلب منهم المدد، كل هذا شرك بالله ولا يجوز.
والطواف بالكعبة لله وحده، فالطواف بالقبر من أجل طلب الفائدة من الميت، وطلب المدد، وطلب الشفاء وطلب النصر على الأعداء كل هذا من الشرك بالله ، فالواجب الحذر منه غاية الحذر. ومن وسائل الشرك بهم: البناء على قبورهم، واتخاذ المساجد والقباب عليها، ولهذا صح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) متفق على صحته، وثبت في صحح مسلم عن جابر ﵁ أنه قال: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ) ، وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي عَنْ النَّبِيَّ ﷺ أنه قَالَ: (أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة" انتهى.
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (١/١٠٩ – ١١٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 803
القوانين التي تمنع تعدد الزوجات أو تضيقه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأيكم في القوانين التي تمنع تعدد الزوجات؟ أو التي تجعل من حق الزوجة أن تطلب الطلاق إذا تزوج زوجها عليها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الواجب على المسلم حاكماً أو محكوماً أن يكون تحاكمه إلى الله ورسوله، لا إلى غيرهما، فقد أمرنا الله تعالى بطاعة أولياء أمورنا، ثم أمر الجميع الحكام والمحكومين، إن تنازعوا في شيء أن يردوه إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وجعل ذلك شرطاً في الإيمان، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء/٥٩.
قال السعدي ﵀:
"أمر برد كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلى الله وإلى رسوله أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما أو عمومهما؛ أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه، لأن كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما.
فالرد إليهما شرط في الإيمان فلهذا قال: (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت، كما ذكر في الآية بعدها (ذَلِكَ) أي: الرد إلى الله ورسوله (خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا) فإن حكم الله ورسوله أحسن الأحكام وأعدلها وأصلحها للناس في أمر دينهم ودنياهم وعاقبتهم" انتهى.
وقال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء/٦٥.
فالتحاكم إلى غير الله ورسوله وإلزام الناس بذلك أمر خطير، قد يخرج صاحبه من الإيمان بالكلية.
ولذلك فإننا نتوجه بالنصيحة أولاً إلى هؤلاء الحكام الذين غَيَّروا وبَدَّلوا أحكام الله، فقد أباح الله تعالى للرجل أن يتزوج بأربع نساء، وأوجب عليه العدل بينهن، فقال تعالى: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) النساء/٣.
ولم يشترط الله تعالى موافقة الزوجة الأولى، ولا جعل من حقها طلب الطلاق إذا تزوج زوجها عليها، والنبي ﷺ يقول: (أَيُّمَا شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ) رواه البخاري (٢٥٦٣) ومسلم (١٥٠٤) .
فكل ما خالف كتاب الله فهو باطل، لا يجوز العمل به.
ثم لا ينقضي العجب من التضييق على الرجل فيما أحلَّ الله له، ومنعه منه، ثم فتح باب الحرام أمامه على مصراعيه.
فكثير من تلك القوانين الجاهلية التي تمنع تعدد الزوجات أو تضيقه لا تمنع أن يتخذ الرجل عشيقة، بل عشيقات، وهذا تحريم للحلال، وتحليل للحرام، وقد وصف الله كل حكم خالف حكمه بأنه حكم جاهلي، فقال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/٥٠.
قال ابن كثير ﵀:
"ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكَم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم اليَساق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ﷺ ، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال الله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون. (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عَقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء.
قال الحسن: من حكم بغير حكم الله، فحكم الجاهلية هو.
وروى البخاري (٦٨٨٢) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ) " انتهى بتصرف يسير.
"تفسير ابن كثير" (٢/٩٤) .
فالنصيحة للحكام أن يعودوا إلى شرع الله تعالى، فلا يحكموا غيره في قليل ولا كثير، ولن يجنوا من وراء ذلك هم وشعوبهم إلا الخير والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، بينما لم تجن الشعوب من الإعراض عن حكم الله واستبداله إلا انتشار الظلم والفسق والمجون والتخلف والانحلال الخلقي وتفكك المجتمع وكثرة الجرائم واختلال الأمن.
ثم نتوجه بالنصيحة ثانياً إلى الزوجة التي يريد زوجها أن يتزوج عليها، بأن الواجب عليها أن ترضى بحكم الله وتسلم وتنقاد له، وما تجده في نفسها من الغيرة أو الكراهية لذلك، فهذا أمر فطري لا تلام المرأة عليه، بشرط أن لا تعترض على حكم الله، وأن لا تطلب الطلاق أو تسيء عشرة زوجها وتمنعه حقوقه بسبب ذلك.
ولا يجوز لها طلب الطلاق من أجل أن زوجها تزوج عليها، بل ذلك من كبائر الذنوب، ويدخل تحت قوله ﷺ : (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) رواه ابن ماجه (٢٠٥٥) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه.
ولتضع نفسها مكان أختها التي يريد زوجها أن يتزوجها، فهل كانت سترضى من زوجته الأولى أن تمنع هذا الزواج، وتهدد الزوج بطلب الطلاق إن هو فعل ذلك! والنبي ﷺ يقول: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) رواه البخاري (١٣) ومسلم (٤٥) .
ثم نتوجه بالنصيحة إلى الزوج الذي يريد أن يعدد، بأن الواجب عليه أن يعدل بين زوجتيه، فإن الله تعالى إنما أباح التعدد للرجل بشرط أن يعدل، فإن لم يعدل أو خاف على نفسه أن لا يعدل فالواجب عليه الاقتصار على زوجة واحدة، قال الله تعالى: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) النساء/٣.
وأخبرنا النَّبِيِّ ﷺ أن: (مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ) رواه أبو داود (٢١٣٣) والترمذي (١١٤١) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.
نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين وأن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 804
هل يجوز أن يرسم المعلم نجمة إسرائيل للتلاميذ الممتازين لتشجيعهم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل مباح أن يرسم بعض المعلمين نجمة للتلاميذ الممتازين لتشجيعهم مع العلم أن هذه النجمة موجودة في علم إسرائيل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز أن يرسم المعلم لتلاميذه النجباء على سبيل التشجيع والتكريم نجمة إسرائيل السداسية، والتي يسمونها: نجمة داود؛ لما في ذلك من التشبه بالكافرين الذين هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا، ولما فيه من إضعاف روح الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين؛ فإنه كلما ضعف البراء من أعدائه، ضعف الولاء لإخوانه، وقد يؤدى التشبه الظاهر بهم إلى نوع ولاء لا يرضى الله عنه ورسوله والمؤمنون.
وقد روى الترمذي (٢٦٩٥) من حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى)
وصححه الألباني في "الصحيحة" (٢١٩٤)
وروى أبو داود (٤٠٣١) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) وصححه الألباني في "الإرواء" (٥/١٠٩)
قال شيخ الإسلام ﵀:
" نفس المخالفة لهم في الهدى الظاهر مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين؛ لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم " انتهى.
"اقتضاء الصراط" (ص ٥٦)
وقال أيضا:
" الْمُشَابَهَةَ فِي بَعْضِ الْهُدَى الظَّاهِرِ يُوجِبُ الْمُقَارَبَةَ وَنَوْعًا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ يُفْضِي إلَى الْمُشَارَكَةِ فِي خَصَائِصِهِمْ الَّتِي انْفَرَدُوا بِهَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْعَرَبِ، وذَلِكَ يَجُرُّ إلَى فَسَادٍ عَرِيضٍ "
انتهى.
"الفتاوى الكبرى" (٦/١٧٥)
وقال ابن القيم:
" نهى عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة، كقوله: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) وقوله: (إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم) وروى الترمذي عنه (ليس منا من تشبه بغيرنا) وسر ذلك أن المشابهة في الهدى الظاهر ذريعة إلى الموافقة في القصد والعمل " انتهى باختصار.
"إعلام الموقعين" (٣/١٤٠)
ونجمة داود عبارة عن شكل مُكوَّن من مثلثين كل منهما متساوي أضلاع، ولهما مركز واحد، وهذان المثلثان رأس أحدهما إلى أعلى ورأس الآخر إلى أسفل. ويشكِّل المثلثان المتداخلان نجمة سداسية ذات ستة رؤوس تلمسها جميعاً محيط دائرة افتراضية.
وأطرافها الستة ترمز إلى أيام الأسبوع الستة، أما المركز فهو السبت المقدس عند اليهود.
وكانت النجمة السداسية شائعة في الأحجبة والتعاويذ السحرية عند القوم.
"موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية" (٧/١٣٢-١٣٨)
ولا يكاد يسلم المسلم من المؤاخذة، طالما يهيجه إلى أشباه هذه الأمور الجهل بحقيقة الحال واللامبالاة التي يتصف بها كثير منا.
أما إذا كانت هذه النجمة التي يرسمها المعلم ليست سداسية، وإنما هي رسم لنجمة عادية فنرجو ألا يكون به بأس، إن شاء الله، وإن كان الأوفق بالمعلم المسلم تحفيز الطلبة بما يقربهم من الله، وبما ينمّي ولاءهم لدينهم ولرسولهم ولكتابهم ولجماعتهم، دون أن يخرج عن هذه الحدود؛ فإن رسالة المعلم جليلة، وشأنها عظيم، والمعلم داخل في قوله ﷺ : (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)
متفق عليه.
فمن أحسن لرعيته، واتقى الله فيها، أحسن الله إليه في حاله ومآله.
راجع إجابة السؤال رقم: (٤١٦٠)
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 805
الأصل في البشرية هو التوحيد والشرك أمر طارئ
[السُّؤَالُ]
ـ[بحثت في كتب المتخصصين في علم الأديان، فوجدتهم يقولون: إن الوثنيين لا يؤمنون في الأصل بعدة آلهة, يؤمنون بإله واحد لكن هذا الإله حل في موجودات أخرى، فأصبحت تلك الموجودات بذلك (ألوهية) ؛ أي يتصفون بصفة الألوهية، لأن الإله الواحد ظهر فيهم؛ (الصالحين من الناس وأجزاء من الطبيعة المادية واللامادية) . سؤالي هو: هل يمكن أن هذه في الأصل أديان توحيدية فتم تحريفها كما حدث للنصرانية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأصل في البشرية هو التوحيد والهداية والاتباع، والانحراف عن ذلك أمر طارئ وليس أصيلا في فطرة البشر وطبيعتهم، فقد كان آدم أبو البشر ﵇ نبيا مؤمنا موحدا وكذلك أبناؤه، ثم حدث الشرك في قوم نوح بعد عشرة قرون، كما قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) البقرة/٢١٣
قال ابن عباس في تفسيرها: " كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق. فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ".
وقال ابن كثير ﵀ بعد نقله عن ابن عباس وتصحيحه: " لأن الناس كانوا على ملة آدم، ﵇، حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا ﵇، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض " انتهى من "تفسير ابن كثير" (١/٥٦٩) .
وروى مسلم (٢٨٦٥) عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: (أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا) .
وأكثر من أشرك وعبد الآلهة مع الله إنما عبدها على اعتقاد أنها تقرب وتشفع عند الله تعالى، لا على أنها شاركته في الخلق أو الرزق، كما قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا) يونس/١٨، ١٩
وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) الزمر/٣
ومنهم من عبد الآلهة على أنها صور للصالحين أو الملائكة، أو أن الله يحل فيها كما ذكرت، ولم يثبت عن أحد من القدماء إثبات ربين متساويين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " إثبات ربين للعالم لم يذهب إليه أحد من بني آدم، ولا أثبت أحدٌ إلهين متماثلين ولا متساويين في الصفات ولا في الأفعال، ولا أثبت أحد قديمين متماثلين ولا واجبي الوجود متماثلين، ولكن الإشراك الذي وقع في العالم إنما وقع بجعل بعض المخلوقات مخلوقة لغير الله في الإلهية، بعبادة غير الله تعالى واتخاذ الوسائط ودعائها والتقرب إليها، كما فعل عباد الشمس والقمر والكواكب والأوثان وعباد الأنبياء والملائكة أو تماثيلهم ونحو ذلك، فأما إثبات خالقين للعالم متماثلين فل يذهب إليه أحد من الآدميين، وقد قال تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) لقمان/ ٢٥، وقال تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون. سيقولون لله قل أفلا تذكرون. قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون. قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون. سيقولون لله قل فأنى تسحرون) المؤمنون/٨٤ - ٨٩ وقال: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) يوسف/١٠٦ " انتهى من "درء تعارض العقل والنقل" (٥/١٥٦) .
والحاصل أن الأصل في الناس هو التوحيد والإسلام، والشرك أمر طارئ، وليس هناك أديان توحيدية، وإنما هو دين واحد ارتضاه الله وهو الإسلام، وهو دين جميع الأنبياء والمرسلين وأتباعهم.
وينظر: سؤال رقم (١١٦٨٢٦) ورقم (١٠١٣٦٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 806
اشتراط الرجوع إلى القانون الوضعي عند التنازع في الصفقات التجارية
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك بعض الصفقات التي تجري عن طريق بعض المواقع التجارية عبر الإنترنت، وتنص الشروط أنه إذا حصل أي اختلاف أو نزاع فإن القضية ستحال إلى المحكمة وتحل وفقاً للقانون (قانون تلك البلاد والتي قد تكون دولة غير مسلمة أو لا يطبق فيها شرع الله) ، فما الحكم هنا هل يجوز الانخراط في مثل هذه الصفقات؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز التحاكم لغير شرع الله، ولا التحاكم إلى هيئة قد تحكم بشريعة الله أو بغيرها؛ " فإن من مقتضى الإيمان بالله تعالى وعبادته الخضوع لحكمه والرضا بشرعه والرجوع إلى كتابه وسنة رسوله عند الاختلاف في الأقوال وفي الأصول وفي الخصومات وفي الدماء والأموال وسائر الحقوق. فإن الله هو الحكم وإليه الحكم. فيجب على الحكام أن يحكموا بما أنزل الله ووجب على الرعية أن يتحاكموا إلى ما أنزل الله في كتابه وسنة رسوله قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) النساء/٥٨، وقال في حق الرعية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء/٥٩، ثم بين أنه لا يجتمع الإيمان مع التحاكم إلى غير ما أنزل الله، فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) النساء /٦٠، إلى قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء/٦٥.
فنفى سبحانه - نفيا مؤكدا بالقسم - الإيمان عمن لم يتحاكم إلى الرسول ﷺ ويرضى بحكمه ويسلم له. كما أنه حكم بكفر الولاة الذين لا يحكمون بما أنزل الله وبظلمهم وفسقهم، قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة/٤٤، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة/٤٥، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) المائدة/٤٧.
ولا بد من الحكم بما أنزل الله والتحاكم إليه في جميع مواد النزاع في الأقوال الاجتهادية بين العلماء، فلا يقبل منها إلا ما دل عليه الكتاب والسنة من غير تعصب لمذهب ولا تحيز لإمام، وفي المرافعات والخصومات في سائر الحقوق لا في الأحوال الشخصية فقط، كما في بعض الدول التي تنتسب إلى الإسلام؛ فإن الإسلام كل لا يتجزأ. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) البقرة/٢٠٨، وقال تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) البقرة/٨٥.
فمن خالف ما أمر الله به ورسوله ﷺ بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله، أو طلب ذلك اتباعا لما يهواه ويريده، فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه، وإن زعم أنه مؤمن " انتهى.
"كتاب التوحيد" للشيخ صالح الفوزان (ص ٤٥ – ٤٧) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" والحكم بما أنزل الله على محمد ﷺ هو أكمل أنواع العدل وأحسنها، والحكم به واجب على النبي ﷺ وكل من اتبعه، ومن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر، وهذا واجب على الأمة في كل ما تنازعت فيه من الأمور الاعتقادية والعملية " انتهى ملخصاً من "منهاج السنة النبوية" (٥/٨٣-٨٥) .
وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (١/٤٠) :
" أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَنْ تَحَاكَمَ أَوْ حَاكَمَ إلَى غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَقَدْ حَكَّمَ الطَّاغُوتَ وَتَحَاكَمَ إلَيْهِ , وَالطَّاغُوتُ: كُلُّ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ ; فَطَاغُوتُ كُلِّ قَوْمٍ مِنْ يَتَحَاكَمُونَ إلَيْهِ غَيْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ , أَوْ يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ , أَوْ يَتْبَعُونَهُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ مِنْ اللَّهِ , أَوْ يُطِيعُونَهُ فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ طَاعَةٌ لِلَّهِ ; فَهَذِهِ طَوَاغِيتُ الْعَالَمِ إذَا تَأَمَّلْتَهَا وَتَأَمَّلْتَ أَحْوَالَ النَّاسِ مَعَهَا رَأَيْت أَكْثَرَهُمْ عَدَلُوا مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ إلَى عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ , وَعَنْ التَّحَاكُمِ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الرَّسُولِ إلَى التَّحَاكُمِ إلَى الطَّاغُوتِ , وَعَنْ طَاعَتِهِ وَمُتَابَعَةِ رَسُولِهِ إلَى طَاعَةِ الطَّاغُوتِ وَمُتَابَعَتِهِ " انتهى.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀:
" إن من أقبح السيئات وأعظم المنكرات التحاكم إلى غير شريعة الله من القوانين الوضعية، والنظم البشرية، وعادات الأسلاف والأجداد التي قد وقع فيها كثير من الناس اليوم وارتضاها بدلاً من شريعة الله التي بعث بها رسوله محمداً ﷺ ، ولا ريب أن ذلك من أعظم النفاق، ومن أكبر شعائر الكفر والظلم والفسوق وأحكام الجاهلية التي أبطلها القرآن وحذر عنها الرسول ﷺ " انتهى.
"فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم" (١٢/٢٦٦) .
وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
" الواجب على المسلمين أن يتحاكموا إلى الشريعة الإسلامية ...
ويحرم على المسلمين التحاكم إلى الأحكام العرفية، والمبادئ القبلية، والقوانين الوضعية؛ لأنها من التحاكم إلى الطاغوت الذي نهينا أن نتحاكم إليه، وقد أمرنا الله بالكفر به في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٣٧١) .
وقال الشيخ ابن باز ﵀:
" يجب على المسلمين أن يتحاكموا إلى كتاب الله , وسنة رسوله ﷺ في كل شيء، لا إلى القوانين الوضعية والأعراف والعادات القبلية " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٥/١٤٢) .
وعلى هذا، فالشرط الذي ذكره السائل، وهو إحالة المسائل المتنازع فيها إلى المحكمة وتحل وفقاً للقانون الوضعي، هذا الشرط باطل لا يحل لمسلم أن يرضى به.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 807
هل يجوز الأكل من ذبيحة ذبحت لغير الله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[اسمي عبد الله وأنا من ولاية كيرلا في الهند، في هذه المنطقة الناس سنيون ولكنهم يقومون ببعض العبادات التي ليس عليها أي دليل فمثلاً في يوم الحادي عشر من ربيع الأخر تقوم كل عائلة بذبح دجاجة احتراماً أو تقديراً للشيخ عبد القادر الجيلاني ولكنهم عندما يذبحون فإنهم يذكرون اسم الله. سؤالي: هل هذا اللحم حلال أم حرام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذبح عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله وحده؛ فمن صرفها لغير الله فهو مشرك. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام /١٦٢-١٦٣. وقال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) المائدة/٣. وقال تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) .
وروى مسلم (١٩٧٨) عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ) .
- ومن ذبح لغير الله، فسواء ذكر اسم الله عليه أو لم يذكر اسم الله، فهو شرك أكبر، مخرج عن الملة، ولا تحل ذبيحته، بل هي ميتة، يحرم أكلها.
قال النووي ﵀:
" وَأَمَّا الذَّبْح لِغَيْرِ اللَّه فَالْمُرَاد بِهِ: أَنْ يَذْبَح بِاسْمِ غَيْر اللَّه تَعَالَى، كَمَنْ ذَبَحَ لِلصَّنَمِ، أَوْ الصَّلِيب، أَوْ لِمُوسَى، أَوْ لِعِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمَا، أَوْ لِلْكَعْبَةِ وَنَحْو ذَلِكَ , فَكُلّ هَذَا حَرَام , وَلَا تَحِلّ هَذِهِ الذَّبِيحَة , سَوَاء كَانَ الذَّابِح مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا , نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ , وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابنَا , فَإِنْ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ تَعْظِيم الْمَذْبُوح لَهُ غَيْر اللَّه تَعَالَى وَالْعِبَادَة لَهُ كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا , فَإِنْ كَانَ الذَّابِح مُسْلِمًا قَبْل ذَلِكَ صَارَ بِالذَّبْحِ مُرْتَدًّا " انتهى.
وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
" الذبح لغير الله شرك، وحكم الذبيحة حكم الميتة، ولا يجوز أكلها، ولو ذكر عليها اسم الله، إذا تحقق أنها ذبحت لغير الله " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٢٢٦) .
وسئلوا أيضاً:
ما هو حكم الذبح للميت الذي يُدَّعَى أنه ولي الله ويُبنى عليه الجدران؟
فأجابوا: " الذبح لمن ذكرت من الميت الذي يدعى أنه ولي لله نوع من أنواع الشرك، وذابحها للولي مشرك ملعون، وهي ميتة يحرم على المسلم الأكل منها " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١/١٩٤) .
وقال الشيخ صالح الفوزان:
" قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) يشمل النوعين: ما تقرب به لغير الله، ولو ذكر عليه اسم الله، ويشمل ما ذبح لغير التقرب، وإنما ذبح للحم، لكن سَمَّي عليه غير اسم الله عند الذبح " انتهى مختصرا.
"المنتقى من فتاوى الفوزان" (٤٩/٣) .
وقال الشيخ ابن عثيمين:
" الذبح لغير الله شرك أكبر، لأن الذبح عبادة، فمن ذبح لغير الله فهو مشرك شركا مخرج عن الملة – والعياذ بالله – سواء ذبح ذلك لملك من الملائكة، أو لرسول من الرسل، أو لنبي من الأنبياء، أو لخليفة من الخلفاء، أو لولي من الأولياء، أو لعالم من العلماء، فكل ذلك شرك بالله – – ومخرج عن الملة.
وأما الأكل من لحوم هذه الذبائح فإنه محرم؛ لأنها أهل لغير الله بها، وكل شيء أهل لغير الله به أو ذبح على النصب فإنه محرم " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٢/١٤٨) .
فعليك أن تنصح هؤلاء وتبين لهم خطأ ما يفعلون، وخطورته، وأنه أمر مخرج من الإسلام.
نسأل الله تعالى أن يهديهم إلى الصواب.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 808
ترجمة ابن القيم وابن الجوزي، ومعنى " نفعنا الله ببركتهم " في كلام العلماء
[السُّؤَالُ]
ـ[ي هو أني وجدتُ في كتاب ابن القيم عندما يحكي عن الصالحين والذين حسنت خاتمتهم أنه يقول " نفعنا الله ببركاتهم "، وفيما معناه أنه كان يقول: أن نتبرك بقبورهم! فما الذي تحذرونا منه عن كتب ابن القيم ﵀، واقصد صاحب كتاب " بحر الدموع ".]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
خلط الأخ السائل بين شخصيتين، الأولى: ابن قيم الجوزية، والثاني: ابن الجوزي، وبينهما فرق في الاسم، والكنية، والميلاد، والاعتقاد.
١. فابن الجوزي: هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبد الله الجوزي.
وهو منسوب إلى " فرضة الجوز " وهو مرفأ نهر البصرة، وقيل بل كانت في داره بواسط جوزة، لم يكن بواسط جوزة سواها.
قال عنه ابن كثير: أحد أفراد العلماء، برَّز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوًا من ثلاثمائة مصنف.
وقال عنه الذهبي: ما علمتُ أحداً صنَّف ما صنَّف هذا الرجل.
وكان مشهوراً بالوعظ البليغ المؤثر.
من أبرز شيوخه: القاضي أبو بكر الأنصاري، وأبو بكر المَزْرَفي.
ومن أبرز تلامذته: عبد الغني بن عبد الواحد الجماعيلي المقدسي، عبد الحليم بن محمد بن أبي القاسم.
من أبرز كتبه: " زاد المسير في علم التفسير "، " صيد الخاطر "، " المنتظم في تواريخ الأمم من العرب والعجم "، " تلبيس إبليس "، " أخبار الحمقى والمغفلين ".
وكانت عقيدة ابن ابن الجوزي مضطربة، يميل إلى الأشعرية أحياناً كثيرة، وإلى السلف تارة أخرى.
قال ابن رجب الحنبلي – ﵀ – في ذكر ما انتُقد على ابن الجوزي -:
ومنها - وهو الذي من أجله نقم جماعة من مشايخ أصحابنا، وأئمتهم من المقادسة، والعلثيين -: مِن ميله إلى التأويل في بعض كلامه، واشتد نكيرهم عليه في ذلك، ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب، مختلف، وهو وإن كان مطلعاً على الأحاديث، والآثار في هذا الباب: فلم يكن خبيراً بحل شبهة المتكلمين، وبيان فِسادها، وكان معظِّماً لأبي الوفاء بن عقيل، يتابعه في أكثر ما يجد في كلامه، وإن كان قد ردَّ عليه في بعض المسائل، وكان ابن عقيل بارعاً في الكلام، ولم يكن تام الخبرة بالحديث، والآثار، فلهذا يضطرب في هذا الباب، وتتلون فيه آراؤه، وأبو الفرج تابع له في هذا التلون.
قال الشيخ موفق الدين المقدسي: كان ابن الجوزي إمام أهل عصره في الوعظ، وصنف في فنون العلم تصانيف حسنة، وكان صاحب قبول، وكان يدرِّس الفقه، ويصنِّف فيه، وكان حافظاً للحديث، وصنَّف فيه، إلا أننا لم نرض تصانيفه في السنَّة، ولا طريقته فيها. انتهى
" ذيل طبقات الحنابلة " (١ / ٤١٤) .
فالحذر من قراءة كتبه التي ألفها في باب الصفات ككتاب " دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ".
وكانت وفاته ﵀ في سنة (٥٩٧) هـ.
وأما كتاب " بحر الدموع " الوارد في السؤال، فهو لهذا الأول، ابن الجوزي، وليس لابن القيم الآتي ترجمته فيما بعد.
٢. ابن قيم الجوزية – ويُختصر اسمه إلى ابن القيِّم -: هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعي.
وكان والده عالماً مشهوراً بعلم الفرائض، كان قيِّماً – مسئولاً - للمدرسة الجوزية بدمشق , فعرف إمامنا بابن قيم الجوزية.
ومن أبرز شيوخه: شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد لازمه ملازمة تامة مدة طويلة، ونهل من علمه.
ومن أبرز تلامذته: ابن رجب الحنبلي، وابن عبد الهادي، وابن كثير، ﵏ جميعاً.
ومن أبرز كتبه: أعلام الموقعين عن رب العالمين، أحكام أهل الذمة، بدائع الفوائد، زاد المعاد في هدى خير العباد، هداية الحيارى من اليهود والنصارى.
وكان ابن القيم ﵀ سلفيّاً على الجادة.
وكانت وفاته ﵀ في سنة (٧٥١) هـ.
ثانياً:
وأما بخصوص مقولة ابن الجوزي ﵀: " نفعنا الله ببركاتهم ": ففيها تفصيل:
١. فالبركة لا تكون في ذات أحدٍ مجرداً إلا رسول الله ﷺ ، فقد جعل الله تعالى ذات نبيه ﷺ ، وآثاره الطاهرة كشعْره وعرقه وبصاقه: جعله بركة، وليس هذا لأحدٍ غيره، ولو كان لإمام الأولياء بعده أبي بكر الصدِّيق ﵁.
٢. والبركة لا تكون في ميت، ولا منه، وليّاً كان أو دعيّاً.
٣. والبركة في أهل العلم والفضل تكون فيما تركوه من العلم النافع، والسنن الحسنة التي يقتدى بهم فيها، وما نفعوا الناس به من الدعوة إلى الله، والتربية على دينه، لا في ذواتهم المجردة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: نَحْنُ فِي بَرَكَةِ فُلَانٍ أَوْ مِنْ وَقْتِ حُلُولِهِ عِنْدَنَا حَلَّتْ الْبَرَكَةُ: فَهَذَا الْكَلَامُ صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ، بَاطِلٌ بِاعْتِبَارِ.
فَأَمَّا الصَّحِيحُ: فَأَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّهُ هَدَانَا وَعَلَّمَنَا، وَأَمَرَنَا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ؛ فَبِبَرَكَةِ اتِّبَاعِهِ وَطَاعَتِهِ حَصَلَ لَنَا مِنْ الْخَيْرِ مَا حَصَلَ، فَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ. كَمَا كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَرَكَتِهِ لَمَّا آمَنُوا بِهِ وَأَطَاعُوهُ فَبِبَرَكَةِ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُمْ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بَلْ كُلُّ مُؤْمِنٍ آمَنَ بِالرَّسُولِ وَأَطَاعَهُ حَصَلَ لَهُ مِنْ بَرَكَةِ الرَّسُولِ بِسَبَبِ إيمَانِهِ وَطَاعَتِهِ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ.
وأَيْضًا: إذَا أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ وَصَلَاحِهِ دَفَعَ اللَّهُ الشَّرَّ وَحَصَلَ لَنَا رِزْقٌ وَنَصْرٌ، فَهَذَا حَقٌّ ... ، فَبَرَكَاتُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ بِاعْتِبَارِ نَفْعِهِمْ لِلْخَلْقِ بِدُعَائِهِمْ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَبِدُعَائِهِمْ لِلْخَلْقِ وَبِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ الرَّحْمَةِ وَيَدْفَعُ مِنْ الْعَذَابِ بِسَبَبِهِمْ حَقٌّ مَوْجُودٌ؛ فَمَنْ أَرَادَ بِالْبَرَكَةِ هَذَا وَكَانَ صَادِقًا فَقَوْلُهُ حَقٌّ.
وَأَمَّا " الْمَعْنَى الْبَاطِلُ ": فَمِثْلُ أَنْ يُرِيدَ الْإِشْرَاكَ بِالْخَلْقِ؛ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ مَقْبُورٌ بِمَكَانِ فَيَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يَتَوَلَّاهُمْ لِأَجْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَقُومُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهَذَا جَهْلٌ. فَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ مَدْفُونا بِالْمَدِينَةِ عَامَ الْحَرَّةِ، وَقَدْ أَصَابَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ وَالْخَوْفِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ، وَكَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَحْدَثُوا أَعْمَالًا أَوْجَبَتْ ذَلِكَ وَكَانَ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ يَدْفَعُ اللهُ عَنْهُمْ بِإِيمَانِهِمْ وَتَقْوَاهُمْ لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ كَانُوا يَدْعُونَهُمْ إلَى ذَلِكَ وَكَانَ بِبَرَكَةِ طَاعَتِهِمْ لِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَبَرَكَةِ عَمَلِ الْخُلَفَاءِ مَعَهُمْ يَنْصُرُهُمْ اللَّهُ وَيُؤَيِّدُهُمْ. وَكَذَلِكَ الْخَلِيلُ ﷺ مَدْفُونٌ بِالشَّامِ وَقَدْ اسْتَوْلَى النَّصَارَى عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ قَرِيبًا مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ وَكَانَ أَهْلُهَا فِي شَرٍّ.
فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَيِّتَ يَدْفَعُ عَنْ الْحَيِّ مَعَ كَوْنِ الْحَيِّ عَامِلًا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهُوَ غالط. وَكَذَلِكَ إذَا ظَنَّ أَنَّ بَرَكَةَ الشَّخْصِ تَعُودُ عَلَى مَنْ أَشْرَكَ بِهِ وَخَرَجَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، مِثْلُ أَنْ يَظُنُّ أَنَّ بَرَكَةَ السُّجُودِ لِغَيْرِهِ وَتَقْبِيلَ الْأَرْضِ عِنْدَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ يُحَصِّلُ لَهُ السَّعَادَةَ؛ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ يَشْفَعُ لَهُ وَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ بِمُجَرَّدِ مَحَبَّتِهِ وَانْتِسَابِهِ إلَيْهِ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ، وَنَحْوُهَا مِمَّا فِيهِ مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ مِنْ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْبِدَعِ: بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ وَلَا اعْتِمَادُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (١١/١١٣-١١٥) .
وقال ﵀ أيضا:
وقول القائل: " أنا في بركة فلان " و " تحت نظره " إن أراد بذلك أن نظره، وبركته مستقلة بتحصيل المصالح، ودفع المضار: فكذب، وإن أراد أن فلاناً دعا لي فانتفعت بدعائه، أو أنه علَّمني، وأدبني، فأنا في بركة ما انتفعتُ به من تعليمه، وتأديبه: فصحيح، وإن أراد بذلك أنه بعد موته يجلب المنافع، ويدفع المضار، أو مجرد صلاحه، ودينه، وقربه من الله ينفعني من غير أن يطيع الله: فكذب.
" الفتاوى الكبرى " (٥ / ٣٥٨) .
وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم – ﵀ – عن قول:
" كلك بركة "، أو " هذه من بركاتك "؟ .
فأجاب:
لا بأس بذلك، كما في قول أسيد بن حضير: " ما هي بأَول بركتكم يا آل أَبي بكر "، إذا تلمَّح أَن فيه البركات التي جعل الله فيه، أَو أَن الله الذي جعل فيه البركة، والبركات.
والممنوع: " تباركت علينا يا فلان ".
وسئل – كذلك – عن قول:
" وأعاد علينا من بركته " عبارة شارح " زاد المستقنع ":
فأجاب:
يعني بركة علمه، وليس المراد بركة ذاته؛ فإن الذوات جعل الله فيها ما جعل من البركة، ولكن لا تصلح للتبرك بها، إلا نبينا محمد ﷺ ، من أَبعاضه، كرِيقه، ولا يقاس على النبي ﷺ غيره، والصحابة ما فعلوا مع أَبي بكر، وعمر من قصد البركة فيهما كما فعلوا مع النبي ﷺ .
" فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " (١ / ١٠٣) .
وحسن الظن بالمؤلف يقتضي القول أنه أراد أنه استفاد من علوم أولئك الذي وصفهم بما نقلته عنه، والظاهر أنه يدعو الله تعالى أن ينفعه بما تعلمه منهم، وهي البركة التي جاءته منهم.
ثالثاً:
وما فهمه الأخ السائل من كون قصد المؤلف ابن الجوزي أن مقولته تعني " التبرك بقبورهم ": بعيد جدّاً عن الصواب؛ لما قدمناه من التفصيل النافع إن شاء الله، في أن المقصود علم أولئك العلماء، وليس ذواتهم فضلاً أن يكون المراد به قبورهم! ، وهل يتبرك بالقبور عاقل فضلاً عن عالم؟! .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
وأما التبرك بها - يعني: بالقبور -: فإن كان يعتقد أنها تنفع من دون الله : فهذا شرك في الربوبية، مخرج عن الملة، وإن كان يعتقد أنها سبب، وليست تنفع من دون الله: فهو ضال غير مصيب، وما اعتقده: فإنه من الشرك الأصغر، فعلى من ابتلي بمثل هذه المسائل أن يتوب إلى الله ، وأن يقلع عن ذلك قبل أن يفاجئه الموت فينتقل من الدنيا على أسوأ حال.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٢ / ٢٣١، ٢٣٢، سؤال رقم ٢٩٠)
стр. 809
الكفر العملي قد يكون مخرجاً من الملة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن صدور كفر عملي مخرج من الملة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الكفر العملي يخرج من الملة: مثل السجود لغير الله، والذبح لغير الله، هذا كفر عملي يخرج من الملة، الذي يذبح للأصنام أو إلى الكواكب، أو إلى الجن كفر عملي أكبر، وهكذا لو صلى لهم أو سجد لهم، يكفر كفراً عملياً أكبر، وهكذا لو سب الدين أو سب الرسول أو استهزأ بالله أو بالرسول هذا كفر عملي أكبر، عند جميع أهل السنة والجماعة" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٨/١٤٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 810
رسائل جوال تنشر الكهانة
[السُّؤَالُ]
ـ[انتشرت في هذه الأيام رسائل الـ "sms"، والتي تحتوي على بعض الرموز والأرقام والحروف، ثم يُطلب من الشخص أن يختار إحداها، فيُرسل إليه رسالة تخبره عن شيء في المستقبل، أو عن شخصيته. هي في الحقيقة عبارة عن لعبة، كما لو أني جلست وكتبت بعض العبارات عن المستقبل، وأعطيت كل عبارة شكلا، أو رمزا، أو حرفا محددا؛ ثم أطلب من أحد الأشخاص أن يختار إحداها. فهل في ذلك محذور شرعي؟ وهل يُعتبر هذا نوع من التنبؤ بعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله؟ وهل الرد على مثل هذه الرسائل معصية؟ وجزاكم الله خيرا ً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
علم الغيب من الأمور التي استأثر الله تعالى بها، واختص بها نفسه جل وعلا، دون من سواه من ملك مقرب أو نبي مرسل، وهو يطلع من يرتضيه من رسله على بعض الغيب، متى شاء وإذا شاء.
وبذلك جاءت الآيات والأحاديث.
قال : (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) هود /١٢٣
وقال تعالى: (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) يونس/٢٠
وقال : (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الكهف/٢٦
وقال سبحانه: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) آل عمران/١٧٩
وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) الأنعام/٥٠
قال الطبري ﵀: " قل لهؤلاء المنكرين نبوتك: لست أقول لكم إني الرب الذي له خزائن السماوات والأرض، فأعلمَ غيوب الأشياء الخفية، التي لا يعلمها إلا الرب الذي لا يخفى عليه شيء، فتكذبوني فيما أقول من ذلك؛ لأنه لا ينبغي أن يكون ربا إلا من له ملك كل شيء، وبيده كل شيء، ومن لا يخفى عليه خافية، وذلك هو الله الذي لا إله غيره "
"تفسير الطبري" (١١/٣٧١) .
وقال : (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) النمل/٦٥
قال القرطبي ﵀:
"لا يجوز أن ينفي الله شيئا عن الخلق ويثبته لنفسه، ثم يكون له في ذلك شريك، ألا ترى إلى قوله تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) وقوله تعالى: (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) ، فكان هذا كله مما استأثر الله بعلمه لا يَشْرَكُه فيه غيره " انتهى.
"تفسير القرطبي" (٤/١٧)
وهذا الذي تسأل عنه هو من باب الكهانة والتنبؤ بالغيب، والرجم بالظن الكاذب، وهو من كبائر الذنوب وموبقات الأعمال.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" والذي يأتي إلى الكاهن ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله من غير أن يصدقه، فهذا محرم، وعقوبة فاعله أن لا تقبل له صلاة أربعين يوماً، كما ثبت في صحيح مسلم (٢٢٣٠) أن النبي ﷺ قال: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) .
القسم الثاني: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ويصدقه بما أخبر به، فهذا كفر بالله ، لأنه صدقه في دعوى علمه الغيب، وتصديق البشري دعوى علم الغيب تكذيب لقول الله تعالى: (قًُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ) النمل/٦٥. ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ .
القسم الثالث: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ليبين حاله للناس، وأنها كهانة وتمويه وتضليل، وهذا لا بأس به، ودليل ذلك أن النبي ﷺ أتى ابن صياد، فأضمر له النبي ﷺ شيئاً في نفسه، فسأله النبي ﷺ ماذا خَبَّأ له؟ فقال: الدخ ـ يريد الدخان ـ. " انتهى.
"مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين" (٢/١٨٤) .
وما ورد في السؤال من أن هذه الرسائل عبارة عن لعبة، ليس صحيحا، وإنما هو كهانة ظاهرة، ودجل وشعوذة. ثم على افتراض صحة ذلك: فليس هذا مجال اللعب والتسلية، إنما ذكر أمر دين، وقضية إيمان وكفر؛ فكيف نقبل من السفهاء أن يلعبوا بأديان الناس، وعقائدهم، كهذا الذي ذكر في السؤال؟!!
قال الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة/٦٥، ٦٦
ثم إن هؤلاء الذين يرسلون هذه الرسائل لا يقصدون بذلك الجهد والتعب: مجرد اللعب، إنما يقصدون أكل أموال الناس بالباطل، ونشر الضلال، والترويج للدجل والكهانة. فليست هذه الأمور من قبيل اللعب والتسلية بوجه أصلا، إلا عند من توجه عنده الاستهزاء بآيات الله.
فعليك - أخي المسلم – الابتعاد عن هؤلاء القوم المفسدين، وعن ضلالهم، وإياك ومراسلتهم والتعاون معهم، وموافقتهم أو مخالطتهم بحال، فإن الله تعالى يقول في كتابه:
(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) النساء/١٤٠
ثم ننصحك بالمسارعة بالتوبة إلى الله : إن كنت قد حسنت الظن بحال هؤلاء المشعوذين، أو دخلت معهم في باطلهم، ولو على وجه اللعب؛ وإن من تمام توبتك: أن تنصح من تعلمه من إخوانك، ممن ابتلي بها، بحكمها في دين الله، وخطرها على دينه وإيمانه.
نسأل الله أن يثبتنا وإياك على الإيمان، ويقينا شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
وراجع إجابة السؤال رقم (٣٢٨٦٣)
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →