← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 26333

الخراج لأبي يوسف

أبو يوسف القاضي

Полный текст (280 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الْقِتَالِ فَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَلَهُ سَهْمٌ فِي الْإِسْلامِ. وَمَنْ أَجَابَ بَعْدَ الْقِتَالِ وَبَعْدَ الْهَزِيمَةِ فَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَالَهُ لأَهْلِ الْإِسْلامِ؛ لأَنَّهُمْ قَدْ أَحْرَزُوهُ قَبْلَ إِسْلامِهِ؛ فَهَذَا أَمْرِي وعهدي إِلَيْك. تدوين عمر ﵁ الدَّوَاوِين وَالْقَوْل فِي قسمه الأَرْض الْمَفْتُوحَة: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالُوا: لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ جَيْشُ الْعِرَاقِ مِنْ قِبَلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ شَاوَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي تَدْوِينِ الدَّوَاوِينِ. وَقَدْ كَانَ اتَّبَعَ رَأْيَ أَبِي بَكْر فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَلَمَّا جَاءَ فَتْحُ الْعِرَاقِ شَاوَرَ النَّاسَ فِي التَّفْضِيلِ، وَرَأَى أَنَّهُ الرَّأْيُ؛ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مَنْ رَآهُ. وَشَاوَرَهُمْ فِي قِسْمَةِ الأَرَضِينَ الَّتِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ؛ فَتَكَلَّمَ قَوْمٌ فِيهَا وَأَرَادُوا أَنْ يَقْسِمَ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ وَمَا فَتَحُوا، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: فَكَيْفَ بِمَنْ يَأْتِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَجِدُونَ الأَرْضَ بِعُلُوجِهَا١ قَدِ اقْتُسِمَتْ وَوُرِّثَتْ عَنِ الآبَاءِ وَحِيزَتْ، مَا هَذَا بِرَأْيٍ؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: فَمَا الرَّأْي، مَا الأَرْض والعلوج إِلَّا مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا هُوَ إِلا كَمَا تَقُولُ، وَلَسْتُ أَرَى ذَلِكَ، وَاللَّهِ لَا يُفْتَحُ بَعْدِي بَلَدٌ فَيَكُونُ فِيهِ كَبِير نبيل؛ بَلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ كُلا عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِذَا قُسِّمَتْ أَرْضُ الْعِرَاقِ بِعُلُوجِهَا، وَأَرْضُ الشَّامِ بِعُلُوجِهَا فَمَا يُسَدُّ بِهِ الثُّغُورُ وَمَا يَكُونُ لِلذُّرِّيَّةِ وَالأَرَامِلِ بِهَذَا الْبَلَدِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ؟ استشارة عمر الصَّحَابَة فِي قسْمَة الأَرْض الْمَفْتُوحَة: فَأَكْثَرُوا عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَالُوا: أَتَقِفُ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِأَسْيَافِنَا عَلَى قَوْمٍ لَمْ يَحْضُرُوا وَلَمْ يَشْهَدُوا، وَلأَبْنَاءِ الْقَوْمِ وَلأَبْنَاءِ أَبْنَائِهِمْ وَلَمْ يَحْضُرُوا؟ فَكَانَ عُمَرُ ﵁ لَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُول: هَذَا رَأْي. قَالُوا: فَاسْتَشِرْ. قَالَ: فَاسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فَاخْتَلَفُوا؛ فَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ ﵁ فَكَانَ رَأْيُهُ أَنْ تُقَسَّمَ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ، وَرَأْيُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَابْنَ عُمَرَ ﵃ رَأْيُ عُمَرَ. فَأَرْسَلَ إِلَى عَشْرَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ: خَمْسَةٍ مِنَ الأَوْسِ وَخَمْسَةٍ مِنَ الْخَزْرَجِ مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ؛ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا حَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَمْ أُزْعِجَكُمْ إِلا

стр. 37

لأَنْ تَشْتَرِكُوا فِي أَمَانَتِي فِيمَا حُمِّلْتُ مِنْ أُمُورِكُمْ؛ فَإِنِّي وَاحِدٌ كَأَحَدِكُمْ وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تُقِرُّونَ بِالْحَقِّ، خَالَفَنِي مَنْ خَالَفَنِي وَوَافَقَنِي مَنْ وَافقنِي، وَلَيْسَ أُرِيدُ أَنْ تَتَّبِعُوا هَذَا الَّذِي هَوَايَ، مَعَكُمْ مِنَ اللَّهِ كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ؛ فَوَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتُ نَطَقْتُ بِأَمْرٍ أُرِيدُهُ مَا أُرِيدُ بِهِ إِلا الْحَقَّ. قَالُوا: قُلْ نَسْمَعْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: قَدْ سَمِعْتُمْ كَلامَ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنِّي أَظْلِمَهُمْ حُقُوقَهُمْ. وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَرْكَبَ ظُلْمًا، لَئِنْ كُنْتُ ظَلَمْتُهُمْ شَيْئًا هُوَ لَهُمْ وَأَعْطَيْتُهُ غَيْرَهُمْ لَقَدْ شَقِيتُ؛ وَلَكِنْ رَأَيْتُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُفْتَحُ بَعْدَ أَرْضِ كِسْرَى١، وَقَدْ غَنَّمَنَا اللَّهُ أَمْوَالَهُمْ وَأَرْضَهُمْ وَعُلُوجَهُمْ فَقَسَّمْتُ مَا غَنِمُوا مِنْ أَمْوَالٍ بَيْنَ أَهْلِهِ وَأَخْرَجْتُ الْخُمُسَ فَوَجَّهْتُهُ عَلَى وَجْهِهِ وَأَنَا فِي تَوْجِيهِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَحْبِسَ الأَرَضِينَ بِعُلُوجِهَا وَأَضَعَ عَلَيْهِمْ فهيا الْخَرَاجَ وَفِي رِقَابِهِمُ الْجِزْيَةَ يُؤَدُّونَهَا فَتَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ: الْمُقَاتِلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ وَلِمَنْ يَأْتِي مِن بَعْدِهِمْ. أَرَأَيْتُمْ هَذِه الثغور لَا بُد لَهَا مِنْ رِجَالٍ يَلْزَمُونَهَا، أَرَأَيْتُمْ هَذِهِ الْمُدُنَ الْعِظَامَ -كَالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ والكوفة وَالْبَصْرَة ومصر- لَا بُد لَهَا مِنْ أَنْ تُشْحَنَ بِالْجُيُوشِ، وَإِدْرَارِ الْعَطَاءِ عَلَيْهِمْ؛ فَمِنْ أَيْنَ يُعْطَى هَؤُلاءِ إِذَا قُسِّمَتِ الأَرَضُونَ والعلوج. مَا جبي من أَرض السوَاد فِي عَهْدِ عُمَرَ ﵁: فَقَالُوا جَمِيعًا: الرَّأْيُ رَأْيُكَ؛ فَنِعْمَ مَا قلت وَمَا رَأَيْت، وَإِن لَمْ تَشْحِنْ هَذِهِ الثُّغُورَ وَهَذِهِ الْمُدُنَ بِالرِّجَالِ، وَتُجْرِي عَلَيْهِمْ مَا يَتَّقَوَّوْنَ بِهِ رَجَعَ أَهْلُ الْكُفْرِ إِلَى مُدُنِهِمْ؛ فَقَالَ: قَدْ بَانَ لِيَ الأَمْرُ فَمَنْ رَجُلٌ لَهُ جَزَالَةٌ وَعَقْلٌ يَضَعُ الأَرْضَ مَوَاضِعَهَا، وَيَضَعُ عَلَى الْعُلُوجِ مَا يَحْتَمِلُونَ؟ فَاجْتَمَعُوا لَهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ حنيف وَقَالُوا: تبعثه إِلَى أهل ذَلِكَ؛ فَإِنَّ لَهُ بَصَرًا وَعَقْلا وَتَجْرِبَةً؛ فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَوَلاهُ مِسَاحَةَ أَرْضِ السَّوَادِ فَأَدَّتْ جِبَايَةَ سَوَادِ الْكُوفَةِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِعَامٍ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَالدِّرْهَمُ يَوْمَئِذٍ دِرْهَمٌ وَدَانِقَانِ، وَنِصْفٌ، وَكَانَ وَزْنُ الدِّرْهَمِ يَوْمَئِذٍ وَزْنُ الْمِثْقَالِ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرَادُوا عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنْ يُقَسِّمَ الشَّامَ كَمَا قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، وَأَنَّهُ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الزُّبَيْرُ بن الْعَوام

стр. 38

وبلال بن رَبَاحٍ. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِذَنْ أَتْرُكُ مَنْ بعدكم من الْمُسلمين لَا شَيْء لَهُمْ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلالا وَأَصْحَابَهُ. قَالَ: فَرَأَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الطَّاعُونَ الَّذِي أَصَابَهُمْ بِعَمْوَاسَ عَنْ دَعْوَةِ عُمَرَ١ قَالَ: وَتَرَكَهُمْ عُمَرُ ﵁ ذِمَّةً يؤدون الْخراج للْمُسلمين. مَا اسْتشْهد بِهِ عُمَرُ ﵁ فِي تَقْسِيم الْفَيْء: قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي السَّوَادِ حِينَ افْتُتِحَ؛ فَرَأَى عَامَّتُهُمْ أَنْ يُقَسِّمَهُ وَكَانَ بِلَال بن رَبَاح أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ وَكَانَ رَأْيُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَلا يُقَسِّمَهُ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلالا وَأَصْحَابَهُ، وَمَكَثُوا فِي ذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً أَوْ دُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنِّي قَدْ وَجَدْتُ حُجَّةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ. ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْحَشْر: ٦] ؛ حَتَّى فَرَغَ مِنْ شَأْنِ بَنِي النَّضِيرِ فَهَذِهِ عَامَّةٌ فِي الْقُرَى كُلِّهَا. ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الْحَشْر: ٧] ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الْحَشْر: ٨] ثُمَّ لَمْ يَرْضَ حَتَّى خَلَطَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ؛ فَقَالَ: ﴿وَالَّذين تبوأوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْحَشْر: ٩] ؛ فَهَذَا فِيمَا بَلَغَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِلأَنْصَارِ خَاصَّةً. ثُمَّ لَمْ يَرْضَ حَتَّى خَلَطَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّك رؤوف رَحِيمٌ﴾ [الْحَشْر: ١٠] ؛ فَكَانَتْ هَذِهِ عَامَّةٌ لِمَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْ؛ فَقَدْ صَارَ هَذَا الْفَيْءُ بَيْنَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا؛ فَكَيْفَ نُقَسِّمُهُ لِهَؤُلاءِ وَنَدَعُ مَنْ تَخَلَّفَ بَعْدَهُمْ بِغَيْرِ قَسْمٍ؛ فَأَجْمَعَ عَلَى تَرْكِهِ وَجَمْعِ خَرَاجِهِ.

стр. 39

كَانَ رَأْي عمر هُوَ الصَّوَاب: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَالَّذِي رَأَى عُمَرُ ﵁ مِنَ الامْتِنَاعِ مِنْ قِسْمَةِ الأَرَضِينَ بَيْنَ مَنِ افْتَتَحَهَا عِنْدَ مَا عَرَّفَهُ اللَّهُ مَا كَانَ فِي كِتَابِهِ مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ كَانَ لَهُ فِيمَا صَنَعَ، وَفِيهِ كَانَتِ الْخِيَرَةُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَفِيمَا رَآهُ مِنْ جَمْعِ خَرَاجِ ذَلِكَ وَقِسْمَتِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عُمُومَ النَّفْعِ لِجَمَاعَتِهِمْ؛ لأَنَّ هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا عَلَى النَّاسِ فِي الأُعْطِيَاتِ وَالأَرْزَاقِ لَمْ تُشْحَنَ الثُّغُورُ وَلَمْ تَقْوَ الْجُيُوشُ عَلَى السَّيْرِ فِي الْجِهَادِ، وَلَمَا أَمِنَ رُجُوعَ أَهْلِ الْكُفْرِ إِلَى مُدُنِهِمْ إِذَا خَلَتْ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ وَالْمُرْتَزَقَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ حَيْثُ كَانَ.

стр. 40

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١ مَا عُمِلَ بِهِ فِي السَّوَادِ: قَالَ أَبُو يُوسُف: أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَمْرِ السَّوَادِ٢ وَمَا الَّذِي كَانَ أَهْلُهُ عُومِلُوا بِهِ فِي خَرَاجِهِمْ وَجِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ، وَمَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ. وَهَلْ يَجْرِي فِي شَيْءٍ مِنْهُ صُلْحٌ، وَمَا الْحُكْمُ فِي الصُّلْحِ مِنْهُ وَالْعُنْوَةِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: افْتَتَحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الْعِرَاقَ كُلَّهَا إِلا خُرَاسَانَ وَالسِّنْدَ، وَافْتَتَحَ الشَّامَ كُلَّهَا وَمِصْرَ إِلا إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَمَّا خُرَاسَان وإفريقية فافتتحتا فِي زمَان عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَافْتَتَحَ عُمَرُ السَّوَادَ وَالأَهْوَازَ؛ فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يقسم السوَاد وَأهل الأهواز وَمَا افْتُتِحَ مِنَ الْمُدُنِ؛ فَقَالَ لَهُمْ: فَمَا يَكُونُ لِمَنْ جَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَتَرَكَ الأَرْضَ وَأَهْلَهَا، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، وَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنَ الأَرْض. من كَانَ لَهُ عهد من الْمُسلمين: قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ السَّوَادِ؛ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ عَهْدٌ؛ فَلَمَّا رَضِيَ مِنْهُمْ بِالْخَرَاجِ صَارَ لَهُمْ عَهْدٌ؛ فَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ فَقَالُوا: لَيْسَ لَهُمْ عَهْدٌ إِلا لأَهْلِ الْحِيرَةِ، وَأَهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ، وَأَهْلِ أُلَّيْسَ، وَبَانِقْيَا؛ فَأَمَّا أَهْلُ بَانِقْيَا فَإِنَّهُمْ دَلُّوا جَرِيرًا عَلَى مَخَاضَةٍ، وَأَمَّا أَهْل أُلَّيْسَ فَإِنَّهُمْ أَنْزَلُوا أَبَا عُبَيْدَةَ وَدَلُّوهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ غِرَّةِ الْعَدُوِّ، وَأَهْلُ الْحِيرَةِ صَالَحَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَصَالَحَ أَهْلَ عَيْنِ التَّمْرِ وَأَهْلَ أَلَيْسَ. فتح الْقَادِسِيَّة: قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: لَمَّا اسْتَخْلَفَ عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَجَّهَ أَبَا عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ إِلَى مِهْرَانَ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ، وَكَانَتِ الْقَادِسِيَّةُ آخِرَ السَّنَةِ فَجَاءَ رُسْتُمُ صَاحِبُ الْعَجَمِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ مِهْرَانُ يعْمل عمل الصّبيان؛ فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَحَدَّثَنِي قَيْسٌ أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ عَبَرَ إِلَى مِهْرَانَ الْفُرَات فَقطعُوا الجسر٣

стр. 41

خَلْفَهُ فَقَتَلُوهُ وَأَصْحَابَهُ؛ فَأَوْصَى إِلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَوَلِيَ أَمْرَ النَّاسِ بَعْدَ أَبِي عُبَيْدٍ جَرِيرٌ فَلَقِيَ مِهْرَانَ فَهَزَمَهُ اللَّهُ وَالْمُشْرِكِينَ، وَقُتِلَ مِهْرَانُ فَرَفَعَ جُرَيْرٌ رَأْسَهُ عَلَى رُمْحٍ، ثُمَّ وَجَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي آخِرِ السَّنَةِ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ١ إِلَى رُسْتُمَ فَالْتَقَوْا بِالْقَادِسِيَّةِ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي حُصَيْنٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَاءَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَتَّى نَزَلَ بِالْقَادِسِيَّةِ وَمَعَهُ النَّاسُ. قَالَ فَمَا أَدْرِي لَعَلَّنَا كُنَّا لَا نَزِيدُ عَلَى سَبْعَةِ آلافٍ أَوْ ثَمَانِيَةِ آلافٍ بَيْنَ ذَلِكَ وَالْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ سِتُّونَ أَلْفًا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، مَعَهُمُ الْفُيُولُ. قَالَ فَلَمَّا نَزَلُوا قَالُوا لَنَا: ارْجِعُوا فَإِنَّا لَا نَرَى لَكُمْ عَدَدًا وَلا نَرَى لَكُمْ قُوَّةً وَلا سِلاحًا؛ فَارْجِعُوا. قَالَ: فَقُلْنَا: مَا نَحْنُ بِرَاجِعِينَ. فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ بِنِبَالِنَا وَيَقُولُونَ دوس يُشَبِّهُونَهَا بِالْمَغَازِلِ. قَالَ: فَلَمَّا أَبَيْنَا عَلَيْهِمُ الرُّجُوعَ، قَالُوا: ابْعَثُوا إِلَيْنَا رَجُلا عَاقِلا يُخْبِرُنَا مَا الَّذِي جَاءَ بِكُمْ مِنْ بِلادِكُمْ فَإِنَّا لَا نَرَى لَكُمْ عَدَدًا وَلا عُدَّةً. قَالَ: فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: أَنَا لَهُمْ، فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ، فَجَلَسَ مَعَ رُسْتَمَ عَلَى السَّرِيرِ، فَنَخَرَ وَنَخَرُوا حِينَ جَلَسَ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: وَالله مَا زادني مجْلِس هَذَا رِفْعَةً وَلا نَقَصَ صَاحِبَكُمْ، فَقَالَ لَهُ رُسْتَمُ: أَنْبِئُونِي مَا جَاءَ بِكُمْ مِنْ بِلادِكُمْ فَإِنَّا لَا نَرَى لَكُمْ عَدَدًا وَلا عُدَّةً. فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ: كُنَّا قَوْمًا فِي شَقَاءٍ وَضَلالَةٍ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ فِينَا نَبِيًا فَهَدَانَا اللَّهُ بِهِ وَرَزَقَنَا عَلَى يَدَيْهِ فَكَانَ فِيمَا رُزِقْنَا حَبَّةً زَعَمُوا أَنَّهَا تَنْبُتُ فِي هَذِهِ الأَرْضَ؛ فَلَمَّا أَكَلْنَا مِنْهَا وَأَطْعَمْنَا أَهْلِينَا قَالُوا لَا صَبْرَ لَنَا حَتَّى تُنْزِلُونَا هَذِه الْبِلَاد فتأكل هَذِهِ الْحَبَّةِ. فَقَالَ رُسْتَمُ: إِذَنْ نَقْتُلَكُمْ فَقَالَ: إِنْ قَتَلْتُمُونَا دَخَلْنَا الْجَنَّةَ، وَإِنْ قَتَلْنَاكُمْ دَخَلْتُمُ النَّارَ، وَإِلا فَأَعْطُونَا الْجِزْيَةَ، قَالَ فَلَمَّا قَالَ أَعْطُونَا الْجِزْيَةَ صَاحُوا وَنَخَرُوا، وَقَالُوا لَا صُلْحَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، فَقَالَ: الْمُغِيرَةُ: أَتَعْبُرُونَ إِلَيْنَا أَمْ نَعْبُرَ إِلَيْكُمْ؟ فَقَالَ: رُسْتَمُ: نَعْبُرُ إِلَيْكُمْ -مُدِلا- قَالَ فَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى عَبَرَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَرَ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُمْ وَهَزَمُوهُمْ. قَالَ حُصَيْنٌ وَكَانَ مَلِكُهُمْ رُسْتَمُ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَمْشِي عَلَى ظُهُورِ الرِّجَالِ نَعْبُرُ الْخَنْدَقَ، مَا مَسَّهُمْ سِلاحٌ قَدْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَالَ: وَوَجَدْنَا جِرَابًا فِيهِ كَافُورٌ. قَالَ: فَحَسِبْنَاهُ مِلْحًا وَطَبَخْنَا لَحْمًا فَطَرَحْنَا فِيهِ مِنْهُ؛ فَلَمْ نَجِدْ لَهُ طَعْمًا؛ فَمَرَّ بِنَا عَبَّادِيٌّ مَعَهُ قَمِيصٌ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُتَعَبِّدِينَ لَا تُفْسِدُوا طَعَامَكُمْ؛ فَإِنَّ مِلْحَ هَذِهِ الأَرْضِ لَا خَيْرَ فِيهِ فَهَلْ لَكُمْ أَنْ أُعْطِيَكُمْ بِهِ هَذَا الْقَمِيصَ؟ قَالَ: فَأَعْطَانَا بِهِ

стр. 42

قَمِيصًا؛ فَأَعْطَيْنَاهُ صَاحِبًا لَنَا فَلَبِسَهُ، فَإِذَا ثَمَنُ الْقَمِيصِ حِينَ عُرِفَتِ الثِّيَابُ دِرْهَمَانِ. قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَشرت غلى رَجُلٍ وَعَلَيْهِ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَسِلاحُهُ تَحْتَهُ فِي قَبْرٍ مِنْ تِلْكَ الْقُبُورِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَمَا كَلَّمَنَا وَلا كَلَّمْنَاهُ حَتَّى ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، فَهَزَمْنَاهُمْ حَتَّى بَلَغُوا الْفُرَاتَ. قَالَ: فَرَكبْنَا وطلبناهم فَانْهَزَمُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى سِوَارٍ، قَالَ: وَطَلَبْنَاهُمْ فَانْهَزَمُوا حَتَّى أَتَوُا الصراة، فَطَلَبْنَاهُمْ فَانْهَزَمُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْمَدَائِنِ فَنَزَلُوا كَوْثَى، وَبِهَا مَسْلَحَةٌ١ لِلْمُشْرِكِينَ بِدِيرِ الْمَسَالِحِ فَأَتَتْهُمْ خَيْلُنَا فَقَاتَلَتْهُمْ؛ فَانْهَزَمَتْ مَسْلَحَةُ الْمُشْرِكِينَ، حَتَّى لَحِقُوا بِالْمَدَائِنِ، وَسِرْنَا حَتَّى نَزَلْنَا عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ فَعَبَرَتْ طَائِفَةٌ مِنَّا مِنْ عُلْوِ الْوَادِي أَوْ مِنْ أَسْفَلِ الْمَدَائِنِ فَحَصَرْنَاهُمْ حَتَّى مَا وَجَدُوا طَعَامًا إِلا كِلابَهُمْ وَسَنَانِيرُهُمْ٢، فَتَحَمَّلُوا فِي لَيْلَةٍ حَتَّى أَتَوْا جَلُولاءَ؛ فَسَارَ إِلَيْهِمْ سَعْدٌ فِي النَّار وَعَلى مُقَدِّمَتِهِ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ قَالَ: فَهِيَ الْوَقْعَةُ الَّتِي كَانَتْ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ وَانْطَلَقَ يَهْزِمُهُمْ إِلَى نَهَاوَنْدَ. قَالَ: فَكَانَ كُلُّ أَهْلِ مِصْرٍ يَسِيرُونَ إِلَى حُدُودِهِمْ وَبِلادِهِمْ، قَالَ حُصَيْنٌ: فَلَمَّا هَزَمَ سَعْدٌ الْمُشْرِكِينَ بِجَلُولاءَ وَلَحِقُوا بِنَهَاوَنْدَ، رَجَعَ فَبَعَثَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِالْمَدَائِنِ؛ فَأَرَادَ أَنْ ينزلها بِالنَّاسِ فَاجْتَوَاهَا٣ النَّاسُ وَكَرِهُوهَا، فَبَلَغَ عُمَرَ ﵁ ذَلِكَ فَسَأَلَ: هَلْ يَصْلُحُ بِهَا الإِبِلُ؟ قَالُوا: لَا؛ لأَنَّ بِهَا الْبَعُوضَ. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَصْلُحُ بِأَرْضٍ لَا تَصْلُحُ بِهَا الإِبْلُ. ارْجِعُوا، فَلَقِيَ سَعْدٌ عَبَّادِيًّا فَقَالَ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَرْضٍ ارْتَفَعَتْ عَنِ الْبقْعَة وَتَطَأْطَأَتْ عَنِ السَّبْخَةِ وَتَوَسَّطَتِ الرِّيفَ وظعنت فِي أَنْفِ الْبَرِيَّةِ، قَالُوا: هَاتِ: قَالَ أَرض بَين الْحبرَة وَالْفُرَاتِ. فَاخْتَطَّ النَّاسُ الْكُوفَةَ وَنَزَلُوهَا. قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى: حَدَّثَنِي مِسْعَرٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَقَدْ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلاهُ، وَهُوَ يَفْحَصُ وَيَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النِّسَاء: ٦٩] ؛ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَنْ أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: وحَدثني عَمْرو بْنُ مُهَاجِرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا مِحْجَنٍ أُتِيَ بِهِ إِلَى سَعْدٍ، وَقَدْ شَرِبَ خَمْرًا يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ؛ فَأَمَرَ بِهِ إِلَى الْقَيْدِ. وَكَانَتْ بِسَعْدٍ جِرَاحَةٌ فَلَمْ يَخْرُجْ يَوْمَئِذٍ إِلَى النَّاسِ، فَصَعَدُوا بِهِ فَوْقَ الْعَذِيبِ لِيَنْظُرَ إِلَى النَّاس قَالَ: وَاسْتعْمل

стр. 43

سَعْدٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْخَيْلِ خَالِدَ بْنَ عَرْفَطَةَ؛ فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ قَالَ أَبُو مِحْجَنٍ: كَفَى حَزَنًا أَنْ تَرْتَدِي الْخَيْلُ بِالْقَنَا ... وَأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَيَّ وَثَاقِيَا ثُمَّ قَالَ لامْرَأَةِ سَعْدٍ: أَطْلِقِينِي، فَلَكِ اللَّهُ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ أَنْ رَاجع حَتَّى أَضَعَ رِجْلِي فِي الْقَيْدِ وَإِنْ أَنَا قُتِلْتُ اسْتَرَحْتُمْ مِنِّي قَالَ: فَأَطْلَقَتْهُ حِينَ الْتَقَى النَّاسُ. قَالَ: فَرَكِبَ فَرَسًا لِسَعْدٍ أنْثَى يُقَالُ لَهَا الْبَلْقَاءُ، وَأَخَذَ رُمْحًا وَخَرَجَ فَجَعَلَ لَا يَحْمِلُ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْعَدُوِّ إِلا هَزَمَهُمْ؛ فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَعَجَّبُونَ وَيَقُولُونَ: هَذَا مَلَكٌ لِمَا يَرَوْنَهُ يَصْنَعُ، وَجَعَلَ سَعْدٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: الصَّبْرُ صَبْرُ الْبَلْقَاءِ١ وَالطَّعْنُ طَعْنُ أَبِي مِحْجَنٍ، وَأَبُو مِحْجَنٍ فِي الْقَيْدِ! فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْعَدُوَّ وَرَجَعَ أَبُو مِحْجَنٍ حَتَّى وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْقَيْدِ فَأَخْبَرَتِ امْرَأَةُ سَعْدٍ سَعْدًا بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَضْرِبُ الْيَوْمَ رَجُلا أَبْلَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى يَدَيْهِ مَا أَبْلَى. قَالَ فَخَلَّى سَبِيلَهُ. فَقَالَ أَبُو مِحْجَنٍ: قد كنت حَيْثُ كَانَ الْحَدُّ يُقَامُ عَلَيَّ وأطهر مِنْهَا، وَأما الْيَوْم فو الله لَا أَشْرَبُهَا أَبَدًا. قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: كَانَتْ بُجَيْلَةُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ رُبُعُ النَّاسِ. قَالَ وَلَحِقَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ بِالْفُرْسِ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ بَأْسَ النَّاسِ هَاهُنَا لِبُجَيْلَةَ، قَالَ فَوَجَّهُوا إِلَيْنَا سِتَّةَ عَشَرَ فِيلا وَإِلَى سَائِرِ النَّاسِ فِيلَيْنِ، قَالَ: وَالله إِن عمر ابْن معديكرب يُحَرِّضُ النَّاسَ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ كُونُوا أُسْدًا عَنَابِسَةً؛ فَإِنَّمَا الْفَارِسِيُّ تَيْسٌ بَعْدَ أَنْ يُلْقِيَ نَيْزَكَهُ. قَالَ: وَأَسْوَارٌ٢ مِنْ أَسَاوِرَتِهِمْ لَا تَقَعُ لَهُ نَشَّابَةٌ فَقُلْتُ: اتِّقَاءً يَا أَبَا ثَوْرٍ، وَرَمَاهُ الْفَارِسِيُّ فَأَصَابَ فَرَسَهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ عَمْرٌو فَاعْتَنَقَهُ، وَذَبَحَهُ كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ وَأَخَذَ سَلَبَةُ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَقِبَاءٍ دَيْبَاجٍ وَمِنْطَقَةٍ بِالذَّهَبِ. قَالَ فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ أُعْطِيَتْ بُجَيْلَةُ رُبُعَ السَّوَادِ فَأَكَلُوهُ ثَلاثَ سِنِينَ، ثُمَّ وَفَدَ جرير إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ لَهُ: يَا جُرَيْرُ إِنِّي قَاسِمٌ مَسْئُولٌ، لَوْلا ذَلِكَ لَسَلَّمْتُ لَكُمْ مَا قَسَمْتُ لَكُمْ؛ وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يُرَدَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَرَدَّهُ جُرَيْرٌ فَأَجَازَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا بِثَمَانِينَ دِينَارًا. قَالَ: وَحَدَّثَنِي حُصَيْنٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ قَدِ اسْتَعَمَلَ النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرَّنٍ عَلَى كُسْكَرَ. فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن

стр. 44

مَثَلِي وَمَثَلَ كُسْكَرَ مَثَلُ رَجُلٍ شَابٍّ عِنْدَهُ مُومِسَةٌ تَتَلَوَّنُ لَهُ وَتَتَعَطَّرُ، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهُ لَمَا عَزَلْتَنِي عَنْ كُسْكَرَ وَبَعَثْتَنِي فِي جَيْشٍ مِنْ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَكَتَبَ إِلَيه عُمَرُ أَنْ سِرْ إِلَى النَّاسِ بِنَهَاوَنْدَ فَأَنْتَ عَلَيْهِمْ -وَهَذَا حِين انْهَزَمت الْفرس من جلاولاء - فَائْتِ نَهَاوَنْدَ. قَالَ فَسَارَ إِلَيْهِمُ النُّعْمَانُ فَالْتَقَوْا فَكَانَ أَوَّلُ قَتِيلٍ وُجِدَ سُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنِ١ الرَّايَةَ فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُمْ. وَهَزَمَ الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ تَقُمْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ بَعْدَ يَوْمِئِذٍ. وَأَمَّا غَيْرُ حُصَيْنٍ فَحَدَّثَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ لَمَّا شَاوَرَ الْهُرْمُزَانَ فِي فَارِسٍ وَأَصْبَهَانَ وَأَذَرَبِيجَانَ فَقَالَ لَهُ الهرمزان: إِن أَصْبَهَان الرَّأْي وَفَارِسٌ وَأَذْرَبِيجَانَ الْجَنَاحَانِ؛ فَابْدَأْ بِالرَّأْسِ أَوَّلا. فَدَخَلَ عُمَرُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ بِالنُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ يُصَلِّي، فَقَعَدَ إِلَى جَنْبِهِ؛ فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ: لَا أَرَانِي إِلا مُسْتَعْمِلُكَ. قَالَ أَمَّا جَابِيًا فَلا، وَلَكِنْ غَازِيًا. قَالَ: فَإِنَّكَ غَازٍ؛ فَوَجَّهَهُ وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ -وَذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اخْتَطَّ النَّاسُ بِهَا وَنَزَلُوا- أَنْ يَمُدُّوهُ، وَمَعَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ عَمْرُو بن معديكرب وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَالأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ؛ فَسَارَ النُّعْمَانُ بِالْمُسْلِمِينَ؛ فَلَمَّا صَارُوا إِلَى نُهَاوَنْدَ أَرْسَلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مَلِكِهِمْ، وَهُوَ إِذْ ذَاكَ ذُو الْجَنَاحَيْنِ، فَقَطَعَ إِلَيْهِمُ الْمُغِيرَةَ نَهْرَهُمْ. فَقِيلَ لِذِي الْجَنَاحَيْنِ: إِنَّ رَسُولَ الْعَرَبِ هَاهُنَا، فَشَاوَرَ أَصْحَابَهُ وَمَنْ مَعَهُ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنْ أَقْعُدَ لَهُ فِي بَهْجَةِ الْمُلْكِ وَهَيْبَتِهِ أَوْ أَقْعُدَ لَهُ فِي هَيئته الْحَرْبِ؟ فَقَالُوا. اقْعُدْ لَهُ فِي بهجة الْملك وهيبته؛ فَقَعَدَ عَلَى سَرِيرِهِ، وَوَضَعَ تَاجًا عَلَى رَأْسِهِ، وَأَجْلَسَ أَبْنَاءَ الْمُلُوكِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ عَلَيْهِمْ أَسْوِرَةُ الذَّهَبِ وَالْقِرَطَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالدَّيْبَاجِ، ثُمَّ أَذِنَ لِلْمُغِيرَةِ؛ فَلَمَّا دَخَلَ أَخَذَ بِضَبْعَيْهِ رَجُلانِ. وَمَعَ الْمُغِيرَةِ سَيْفُهُ وَرُمْحُهُ فَجَعَلَ يَطْعَنُ بِرُمْحِهِ فِي بُسُطِهِمْ يُخَرِّقُهَا لِيَتَطَيَّرُوا مِنْ ذَلِكَ. حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُكَلِّمَهُ وَالتَّرْجُمَانُ يُتَرْجِمُ بَيْنَمَا؛ فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَمَّا أَصَابَكُمْ مِنَ الْجُوعِ وَالْجَهْدِ جِئْتُمْ إِلَيْنَا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَمَرْنَا لَكُمْ وَرَجَعْتُمْ. فَتَكَلَّمَ الْمُغِيرَةُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّا مَعْشَرَ الْعَرَبِ كُنَّا أَذِلَّةً، يَطَؤُنَا النَّاسُ وَلا نَطَؤُهُمْ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ مِنَّا نَبِيًا فِي شَرَفٍ مِنْ أَوْسَطِنَا حَسَبًا وَأَصْدَقِنَا حَدِيثًا، فَأَخْبَرَنَا بِأَشْيَاءَ وَجَدْنَاهَا كَمَا قَالَ، وَإِنَّهُ وَعَدَنَا فِيمَا وَعَدَنَا أَنْ سَنَمْلِكُ مَا هَاهُنَا ونغلب عَلَيْهِ، وَأرى هَاهُنَا أَثَرَهُ وَهَيْئَةَ مَا مَنْ خَلْفِي بِتَارِكِيهَا حَتَّى يُصِيبُوهَا. قَالَ الْمُغيرَة وَقَالَت لَيْسَ نَفسِي لَو جمعت جرامبزك فَوَثَبْتَ وَقَعَدْتَ مَعَ الْعِلْجِ عَلَى

стр. 45

السَّرِيرِ حَتَّى يَتَطَيَّرُوا، قَالَ: فَوَثَبْتُ فَإِذَا أَنَا مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ. قَالَ: فَجعلُوا يطؤوني بِأَرْجُلِهِمْ وَيُنَحُّونِي بِأَيْدِيهِمْ. قَالَ فَقُلْتُ: إِنَّا لَا نَفْعَلُ هَذَا بِرُسُلِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ عَجَزْتُمْ فَلا تُؤَاخِذُونِي، فَإِنَّ الرُّسُلَ لَا يُفْعَلُ بِهَا هَذَا. قَالَ: فَكَفُّوا عَنِّي. قَالَ فَقَالَ الْمَلِكُ: إِنْ شِئْتُمْ قَطَعْنَا إِلَيْكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ قَطَعْتُمْ إِلَيْنَا، قَالَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: بَلْ نَقْطَعُ إِلَيْكُمْ. قَالَ: فَقَطَعْنَا إِلَيْهِمْ. قَالَ: فَتَسَلْسَلُوا كُلُّ خَمْسَةٍ وَسَبْعَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَعَشْرَةٍ فِي سِلْسِلَةٍ حَتَّى لَا يَفِرُّوا. قَالَ: فَعَبَرَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ فَصَافُّوهُمْ فَرَشَقُونَا حَتَّى أَسْرَعُوا فِينَا، قَالَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ لِلنُّعْمَانِ: إِنَّهُ قَدْ أَسْرَعَ فِي النَّاسِ وَقَدْ جُرِحُوا فَلَوْ حَمَلْتَ؛ فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان إِنَّك لذُو مَنَاقِبَ وَقَدْ شَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَكَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ وَيَنْزِلُ النَّصْرُ. ثُمَّ قَالَ: إِنِّي هَازٌّ الرَّايَةَ ثَلاثَ هِزَّاتٍ؛ فَأَمَّا أَوَّلُ هِزَّةٍ فَلْيَقْضِ الرَّجُلَ حَاجَتَهُ وَلْيُجَدِّدَ وَضُوءًا، وَأَمَّا الثَّانِيَةَ فَلْيَنْظُرِ الرَّجُلُ إِلَى شِسْعِهِ وَيَرُمَّ مِنْ سِلاحِهِ١؛ فَإِذَا هَزَزْتُ الثَّالِثَةَ فَاحْمِلُوا، وَلا يَلْوِيَنَّ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ قُتِلَ النُّعْمَانُ فَلا يَلْوِيَنَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَإِنِّي دَاع الله بِدَعْوَةٍ فَأَقْسَمْتُ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مِنْكُمْ لَمَا أَمَّنَ عَلَيْهَا. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقِ النُّعْمَانَ شَهَادَةً الْيَوْمَ فِي نَصْرٍ وَفَتْحٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: فَأَمَّنَ الْقَوْمُ، قَالَ: فَهَزَّ الرَّايَةَ ثَلاثَ هِزَّاتٍ، قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ وَحَمَلَ النَّاسُ فَكَانَ النُّعْمَانُ أَوَّلُ صَرِيعٍ، قَالَ: فَمَرَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ وَهُوَ صَرِيعٌ، قَالَ: فَأَسِفْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرْتُ عَزِيمَتَهُ؛ فَلَمْ أَلْوِ عَلَيْهِ وَأَعْلَمُ عِلْمًا حَتَّى يعر مَكَانُهُ. قَالَ: فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا قَتَلُوا الرَّجُلَ شَغَلُوا عَنْهُ أَصْحَابَهُ، وَوَقَعَ ذُو الْجَنَاحَيْنِ عَنْ بَغْلَةٍ لَهُ شهباء انْشَقَّ بَطْنُهُ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَأَتَى مَكَانَ النُّعْمَانِ فَإِذَا بِهِ رَمَقٌ، وَأَتَوْهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ قَالَ: مَا فَعَلَ النَّاسُ؟ قَالَ فَقِيلَ لَهُ: فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، اكْتُبُوا بِذَلِك إِلَى عُمَرَ. وَقَضَى نَحْبَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَرَحِمَهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ قَرَأَ كِتَابَ عُمَرَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ ﵄ بِنَهَاوَنْدَ: إِذَا لَقِيتُمُ الْعَدُوَّ فَلَا تَفِرُّوا وَإِذا غنتم فَلا تَغُلُّوا٢؛ فَلَمَّا لَقِينَا الْعَدُوَّ وَقَالَ لنا النُّعْمَان: لَا تُوَاقِعُوهُمْ -ذَلِك فِي يَوْم الْجُمُعَة- حَتَّى يَصْعَدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَيَسْتَنْصِرْ٣، ثمَّ وقعناهم؛ فَكَانَ النُّعْمَانُ أَوَّلُ صَرِيعٍ فَقَالَ: سجوني ثوبا٤.

стр. 46

وَأَقْبِلُوا عَلَى عَدُوِّكُمْ وَلا أَهُولَنَّكُمْ. قَالَ: فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا ثُمَّ أَتَى عمر الْخَبَر صعد الْمِنْبَرَ فَنَعَى النُّعْمَانَ إِلَى النَّاسِ، وَقد كَانَ خير نَهَاوَنْدَ وَالْمُسْلِمِينَ أَبْطَأَ عَلَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ فَكَانَ يَسْتَنْصِرُ وَكَانَ النَّاسُ مِمَّا يَرَوْنَ مِنَ اسْتِنْصَارِهِ لَيْسَ لَهُمْ ذِكْرٌ إِلا نَهَاوَنْدَ وَابْنَ مُقَرِّنٍ. فَحَدَّثَنِي بَعْضُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ شَيْخٌ قَدِيمٌ قَالَ: قَدِمَ أَعْرَابِيٌّ الْمَدِينَةَ فَقَالَ مَا بَلَغَكُمْ عَنْ نَهَاوَنْدَ وَابْنِ مُقَرِّنٍ؟ فَقِيلَ لَهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: لَا شَيْءٌ. قَالَ: فَأَتَى عُمَرَ كُلَيْبٌ الْجَرْمِيُّ فَخَبَّرَهُ بِخَبَرِ الأَعْرَابِيِّ؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا ذِكْرُكَ نَهَاوَنْدَ وَابْنَ مُقَرِّنٍ إِلا وَعِنْدَكَ خَبَرٌ أَخْبِرْنَا؛ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنا فلَان ابْن فُلانٍ الْفُلانِيُّ، خَرَجْتُ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَإِلَى رَسُولِهِ ﵇ بِأَهْلِي وَمَالِي، فَنَزَلْنَا مَوْضِعَ كَذَا وَكَذَا؛ فَلَمَّا ارْتَحَلْنَا فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنَ الْعِرَاقِ. قُلْنَا: فَمَا خَبَرُ النَّاسِ؟ قَالَ: الْتَقَوْا فَهَزَمَ اللَّهُ الْعَدو؛ وَقتل ابْن مقرن، وَلَا وَالله مَا أَدْرِي مَا تهاوند وَلا ابْنَ مُقَرِّنٍ، قَالَ: أَتَدْرِي بِأَيِّ يَوْمٍ ذَلِكَ مِنَ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا أَدْرِي؛ لَكِنِّي أَدْرِي مَتَى فُعِلَ ذَلِكَ قَالَ: ارْتَحَلْنَا يَوْمَ كَذَا فَنَزَلْنَا مَوْضِعَ كَذَا -يَعُدُّ مَنَازِلَهُ- قَالَ فَقَالَ عُمَرُ: ذَاكَ يَوْمُ كَذَا هُوَ الْجُمُعَةُ وَلَعَلَّكَ أَنْ تَكُونَ لَقِيتَ بَرِيدًا مِنْ بُرُدِ الْجِنِّ، فَإِنَّ لَهُمْ بُرُدًا قَالَ: فَمَضَى مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرُ أَنَّهُمُ الْتَقَوْا يَوْمَئِذٍ، فَلَمَّا أُتِيَ عُمَرُ بِنَعْيِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَجَعَلَ يَبْكِي. قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ مُدْرِكِ بْنِ عَوْفٍ الأَحْمَسِيِّ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ إِذْ أَتَاهُ رَسُولُ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَسْأَلُهُ عَنِ النَّاسِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَذْكُرُ مَنْ أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ بِنَهَاوَنْدَ؛ فَيَقُولُ: فُلانُ ابْنُ فُلانٍ وَفُلانُ ابْنُ فُلانٍ، ثُمَّ قَالَ الرَّسُولُ: وَآخَرُونَ لَا نعرفهم. قَالَ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ لَكِنِ اللَّهُ يَعْرِفُهُمْ، قَالَ: وَرَجُلٌ شَرَى نَفْسَهُ١ -يَعْنِي عَوْفَ بْنَ أَبِي حَيَّةَ أَبَا شِبْلٍ الأحمسي- فَقَالَ مدرك ابْن عَوْفٍ: ذَاكَ وَاللَّهِ خَالِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّهُ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبَ أُولَئِكَ، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الآخِرَةَ بِالدُّنْيَا. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: وَكَانَ أُصِيبَ وَهُوَ صَائِمٌ فَاحْتُمِلَ وَبِهِ رَمَقٌ فَأَبَى أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ حَتَّى مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى. رَأْي الصَّحَابَة ﵃ فِي تَقْسِيم السوَاد: قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى: فَلَمَّا افْتُتِحَ السَّوَادُ شَاوَرَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ

стр. 47

النَّاسَ فِيهِ فَرَأَى عَامَّتُهُمْ أَنْ يُقَسِّمَهُ، وَكَانَ بِلالُ بْنُ رَبَاحٍ مِنْ أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ رَأْيُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنْ يُقَسِّمَهُ، وَكَانَ رَأْيُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ رَأْيَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَكَانَ رَأَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَلا يُقَسِّمَهُ حَتَّى قَالَ عِنْدَ إِلْحَاحِهِمْ عَلَيْهِ فِي قِسْمَتِهِ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلالا وَأَصْحَابَهُ؛ فَمَكَثُوا بِذَلِك أَيَّامًا حَتَّى قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لَهُم: فقد وَجَدْتُ حُجَّةً فِي تَرْكِهِ وَأَنْ لَا أُقَسِّمَهُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ الله ورضوانا﴾ ؛ فمثلا عَلَيْهِمْ حَتَّى بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ . قَالَ: فَكَيْفَ أُقْسِمُهُ لَكُمْ، وَأَدَعُ مَنْ يَأْتِي بِغَيْرِ قَسْمٍ؟ فَأَجْمَعَ عَلَى تَرْكِهِ وَجَمْعِ خَرَاجِهِ وَإِقْرَارِهِ فِي أَيدي أهليه وَوَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَى أَرْضِيهِمْ وَالْجِزَيَةِ على رُءُوسهم. مساحة السوَاد وَمَا وَضعه عمر عَلَيْهِ: قَالَ أَبُو يُوسُف: فَحَدَّثَنِي السَّرِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَسَحَ السَّوَادَ؛ فَبَلَغَ سِتَّةً وَثَلاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جُرَيْبٍ١، وَأَنَّهُ وَضَعَ على جريب الزَّرْع درها وَقَفِيزًا، وَعَلَى الْكَرْمِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ وَعَلَى الرَّطِبَةِ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَعَلَى الرَّجُلِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَأَرْبَعَةً وَعشْرين درها، وَثَمَانِية وَأَرْبَعين درهما٢. مَا وظفه عمر لعماله: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عَلَى الصَّلاةِ وَالْحَرْبِ، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَلَى الْقَضَاءِ وَبَيْتِ الْمَالِ، وَبَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ عَلَى مِسَاحَةٍ الأَرَضِينَ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمْ شَاةً كُلَّ يَوْم -شَرطهَا وَبَطْنُهَا لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَرُبُعُهَا لعبد الله بن مَسْعُودٍ، وَالرُّبُعُ الآخَرُ لِعُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ- وَقَالَ: إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ وَالِي الْيَتِيمِ فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ٦] وَاللَّهِ مَا أَرَى أَرْضًا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَاةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ إِلا اسْتَسْرَعَ خَرَابُهَا. مَا وظف على أَنْوَاع الثَّمر والرءوس وَالْأَرْض: قَالَ: فَمَسَحَ عُثْمَانُ الأَرَضِينَ، وَجَعَلَ عَلَى جَرِيبِ الْعِنَبِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، وعَلى جريب

стр. 48

النَّخْلِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْقَصَبِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْحِنْطَةِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْنِ، وَعَلَى الرَّأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَطَّلَ مِنْ ذَلِكَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ. قَالَ سَعِيدٌ وَخَالَفَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي فَقَالَ: عَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْعِنَبِ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ جَارِيَة بْنِ مُضَرِّبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقَسِّمَ السَّوَادَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَرَ بِهِمْ أَنْ يُحْصُوا؛ فَوَجَدَ الرَّجُلَ يُصِيبُ الاثْنَيْنِ وَالثَّلاثَةَ مِنَ الْفَلاحِينَ، فَشَاوَرَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: دَعْهُمْ يَكُونُوا مَادَّةً لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَبَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ فَوَضَعَ عَلَيْهِم ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين درهما، وَأَرْبَعين وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. قَالَ: وَبَلَغَنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلا أَنْ يَضْرِبَ بَعْضُكُمْ وُجُوهَ بَعْضٍ لَقَسَّمْتُ السَّوَادَ بَيْنَكُمْ. وَشَكَا أَهْلُ السَّوَادِ إِلَيْهِ فَبَعَثَ مِائَةَ فَارِسٍ، فِيهِمْ ثَعْلَبَةُ بْنُ يَزِيدَ الْحِمَّانِيُّ؛ فَلَمَّا رَجَعَ ثَعْلَبَةُ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَرْجِعَ إِلَى السَّوَادِ أَبَدًا. لِمَا رَأَى فِيهِ مِنَ الشَّرِّ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ ﵁ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ عَلَى مَا وَرَاءَ دِجْلَةَ، وَبَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ عَلَى مَا دُونَهُ؛ فَأَتَيَاهُ فَسَأَلَهُمَا: كَيْفَ وَضَعْتُمَا عَلَى الأَرْضِ، لَعَلَّكُمَا كَلَّفْتُمَا أَهْلَ عملكما مَا لَا يُطِيقُونَ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَقَدْ تَرَكْتُ فَضْلا. وَقَالَ عُثْمَانُ: لَقَدْ تَرَكْتُ الضِّعْفَ. وَلَوْ شِئْتُ لأَخَذْتُهُ؛ فَقَالَ عُمَرُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لأَرَامِلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لأَدَعَنَّهُمْ لَا يَفْتَقِرُونَ إِلَى أَمِيرٍ بعدِي. قَالَ: وحثدني السَّرِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَرَضَ عَلَى الْكَرْمِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى الرَّطِبَةِ خَمْسَةً، وَعَلَى كُلِّ أَرْضٍ يَبْلُغُهَا الْمَاءُ عَمِلَتْ أَوْ لَمْ تَعْمَلْ دِرْهَمًا وَمَخْتُومًا "قَالَ عَامِرٌ: هُوَ الْحَجَّاجِيُّ، وَهُوَ الصَّاعُ"، وَعَلَى مَا سَقَتِ السَّمَاءُ مِنَ النَّخْلِ الْعُشْرَ وَعَلَى مَا سُقِيَ بِالدَّلْوِ نِصْفَ الْعُشْرِ١، وَمَا كَانَ مِنْ نَخْلٍ عُمِلَتْ أَرْضُهُ؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء.

стр. 49

قَالَ: وَحَدَّثَنِي حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأودي قَالَ: شهِدت عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يُصَابَ بِثَلاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَاقِفًا عَلَى حُذَيْفَة بن الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ وَهُوَ يَقُولُ لَهُمَا: لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ. وَكَانَ عُثْمَانُ عَامِلا عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ، وَحُذَيْفَةُ على مَا رواء دِجْلَةَ مِنْ جَوْخَى وَمَا سَقَتْ؛ فَقَالَ عُثْمَانُ: حَمَّلْتُ الأَرْضَ أَمْرًا هِيَ لَهُ مطيقة ولوشئت لأَضْعَفْتُ أَرْضِي. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: وَضَعْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُحْتَمِلَةٌ، وَمَا فِيهَا كَثِيرَة فَضْلٍ؛ فَقَالَ عُمَر ﵁: انْظُرَا لَا تَكُونَا حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ، أَمَا لَئِنْ بَقِيتُ لأَرَامِلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لأَدَعُهُنَّ لَا يَحْتَجْنَ إِلَى أَحَدٍ بَعْدِي، وَكَانَ حُذَيْفَةُ عَلَى خَتْمِ جَوْخَى وَعُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ عَلَى خَتْمِ أَسْفَلِ الْفُرَاتِ -خَتْمِ الأَعْنَاقِ، قَالَ: وَأَوْصَى عُمَرُ ﵁ فِي وَصِيَّتِهِ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَن يُوفى لَهُم بعدهمْ وَلا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ وَأَنْ يُقَاتل من ورائهم١. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ لَمَّا أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنْ يَمْسَحَ السَّوَادَ أَرْسَلَ إِلَى حُذَيْفَةَ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِدِهْقَانٍ مِنْ جَوْخَى. وَبَعَثَ إِلَى عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِدِهْقَانٍ مِنْ قِبَلِ الْعِرَاقِ؛ فَبَعَثَ إِلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَاحِدٍ وَمَعَهُ تَرْجُمَانُ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ؛ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تُؤَدُّونَ إِلَى الأَعَاجِمِ فِي أَرْضِهِمْ؟ قَالُوا: سَبْعَةٌ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا؛ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَا أَرْضَى بِهَذَا مِنْكُمْ، وَوَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ٢ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ يَنَالُهُ الْمَاءُ قَفِيزًا مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ قَفِيزًا مِنْ شَعِيرٍ وَدِرْهَمًا؛ فمسحا على ذَلِك؛ فَكَانَت مساحتها مُخْتَلِفَةٌ. كَانَ عُثْمَانُ عَالِمًا بِالْخَرَاجِ فَمَسَحَهَا مِسَاحَةَ الدَّيْبَاجِ، وَأَمَّا حُذَيْفَةُ فَكَانَ أهل جوخى قوما مَنَاكِير فَلَعِبُوا بِهِ فِي مِسَاحَتِهِ، وَكَانَتْ جَوْخَى يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ فَخَرِبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَغَارَتْ مِيَاهُهَا وَقَلَّتْ مَنَافِعُهَا، وَصَارَتْ وَظِيفَتُهَا يَوْمَئِذٍ هَيِّنَةٌ لِمَا كَانُوا عَمِلُوا عَلَى حُذَيْفَةَ فِي مِسَاحَتِهِ٣. قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِمَارَةَ عَنِ الْحَكَمِ بن عتيبة عَن عَمْرو بن مَيْمُون وَجَارِيَة بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ عُثْمَان بن حَنِيفٍ عَلَى السَّوَادِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يمسحه فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ مِمَّا يُعْمَلُ مِثْلُهُ درهما

стр. 50

وَقَفِيزًا، وَأَلْغَى الْكَرْمَ وَالنَّخْلَ وَالرِّطَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَرْضِ وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ رَأْسٍ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَضِيَافَةً ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لِمَنْ مر بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَجَبَاهُمْ عُثْمَانُ ثَلاثَ سِنِينَ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَالَ: إِنَّهُمْ يُطِيقُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنِ ابْنِ عَوْفٍ أَنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَسَحَ السَّوَادَ مَا دُونَ جَبَلِ حُلْوَانَ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ يَنَالهُ المَاء بدلُوا أَوْ بِغَيْرِهِ زُرِعَ أَوْ عُطِّلَ١ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا وَاحِدًا، وَمِنْ كُلِّ رَأْسٍ مُوسِرٍ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَمِنَ الْوَسَطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَمِنَ الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا وَخَتَمَ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ رَصَاصًا، وَأَلْغَى لَهُمُ النَّخْلَ عَوْنًا لَهُمْ وَأَخَذَ مِنْ جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، وَمِنْ جَرِيبِ السِّمْسِمِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَمِنَ الْخُضَرِ مِنْ غَلَّةِ الصَّيْفِ مِنْ كُلِّ جَرِيبٍ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ، وَمِنْ جَرِيبِ الْقُطْنِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ إِذَا صَالَحَ قَوْمًا اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا مِنَ الْخَرَاجِ كَذَا وَكَذَا، وَأَنْ يُقْرُوا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ٢، وَأَن يهدوا الطَّرِيق وَلَا يمالئوا علينا عدونا وَلَا يئووا لَنَا مُحْدِثًا؛ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فهم آمنُوا عَلَى دِمَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَلَهُم بذلك ذمَّة اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ، وَنَحْنُ بَرَاءٌ مِنْ معرة الْجَيْش٣.

стр. 51

فَصْلٌ: فِي أَرْضِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَمْرِ الشَّامِ والجزية وَفُتُوحِهِمَا، وَمَا كَانَ جَرَى عَلَيْهِ الصُّلْحُ فِيمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ مِنْهُمَا؛ فَإِنِّي كَتَبْتُ إِلَى شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ لَهُ عِلْمٌ بِأَمْرِ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ فِي فَتْحِهِمَا أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَكَتَبَ إِلَيَّ: حَفِظَكَ اللَّهُ وَعَافَاكَ، قَدْ جَمَعْتُ لَكَ مَا عِنْدِي مِنْ عِلْمِ الشَّام والجزيرة وَلَيْسَ بِشَيْء حَفِظْتُهُ عَنِ الْفُقَهَاءِ، وَلا عَمَّنْ يُسْنِدُهُ عَنِ الْفُقَهَاءِ؛ وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ من حَدِيث من ويصف بِعِلْمِ ذَلِكَ، وَلَمْ أَسْأَلْ عَنْ إِسْنَاده أحدا مِنْهُم. قسْمَة أَرض الجزيرة قبل الْفَتْح: إِنَّ الْجَزِيرَةَ كَانَتْ قَبْلَ الإِسْلامِ طَائِفَةٌ مِنْهَا لِلرُّومِ، وَطَائِفَةٌ لِفَارِسَ، وَلِكُلٍّ فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْهَا جند وعمال؛ فَكَانَت رَأْي الْعَيْنِ فَمَا دُونَهَا إِلَى الْفُرَاتِ لِلرُّومِ، وَنَصِيبَيْنَ وَمَا وَرَاءَهَا إِلَى دِجْلَةَ لِفَارِسٍ، وَكَانَ سَهْلُ مَارْدِينَ وَدَارَا إِلَى سِنْجَارَ وَإِلَى الْبَرِّيَّةِ لِفَارِسَ، وَجَبَلُ مَارْدِينَ وَدَارَا وَطُورِ عَبْدِينَ لِلرُّومِ، وَكَانَتْ مَسْلَحَةُ١ مَا بَيْنَ الرُّومِ وَفَارِسِ حِصْنًا يُقَالُ لَهُ حِصْنُ سِرْجَةَ بَيْنَ دَارَا وَبَين نَصِيبين. من فتح الشَّام: فَلَمَّا تَوَجَّهَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ؛ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَدْ بَعَثَ مَعَهُ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ، وَسَمَّى لَهُ وِلايَةَ الأَرْدُنَّ وَيَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَسَمَّى لَهُ دِمَشْقَ، وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَمَدَّهُ بِهِ مِنَ الْيَمَامَةِ وسمى لَهُ حمص، وأمده بَعْدَمَا شَارَفَ الشَّامَ بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَقَامَ أَبُو عُبَيْدَة بِأَطْرَافِ الشَّامِ وَمَضَى شُرَحْبِيلُ إِلَى الأُرْدُنِّ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى دِمَشْقَ وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى حِمْصَ. فَلَمَّا انْتَظَمَ لَهُمُ الأَمْرُ وَاسْتَقَامَ وَجَّهَ أَبُو عُبَيْدَةَ شُرَحْبِيلَ إِلَى قِنَّسْرِينَ فَفَتحهَا.

стр. 52

دُخُول الرها وَمَا صولح عَلَيْهِ أَهلهَا: وَوَجَّهَ عِيَاضَ بْنَ غَنَمٍ الْفِهْرِيَّ إِلَى الْجَزِيرَةِ وَمَدِينَةِ مَلِكِ الرُّومِ يَوْمَئِذٍ الرُّهَا فَعَمَدَ لَهَا عِيَاضُ بن غنم، وَلم يتَعَرَّض لشَيْء مِمَّا مَرَّ بِهِ مِنَ الْقُرَى وَالرَّسَاتِيقِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا وَلا جُنْدًا حَتَّى نَزَلَ الرَّهَا فَأَغْلَقَ أَصْحَابُهَا أَبْوَابَهَا وَأَقَامَ عِيَاضٌ عَلَيْهَا لُبْثًا لَمْ يُسَمَّ لِي؛ فَلَمَّا رأى صَاحبهَا الحاصر وَيَئِسَ مِنَ الْمَدَدِ فَتَحَ لَهَا بَابا من الْجَبَلِ لَيْلا فَهَرَبَ، وَأَكْثَرُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ وَبَقِيَ فِي الْمَدِينَةِ أَهْلُهَا مِنَ الأَنْبَاطِ وَهُمْ كَثِيرٌ، وَمَنْ لَمْ يُرِدِ الْهَرَبَ مِنَ الرُّومِ وَهُمْ قَلِيلٌ؛ فَأَرْسَلُوا إِلَى عِيَاضِ بْنِ غَنَمٍ يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ عَلَى شَيْءٍ سَمَّوْهُ فَكَتَبَ عِيَاضٌ بِذَلِك إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ؛ فَلَمَّا أَتَاهُ الْكِتَابُ بَعَثَ بِهِ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ؛ فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: إِنَّكَ إِنْ أَعْطَيْتَهُمُ الصُّلْحَ عَلَى شَيْءٍ مُسَمًّى فَعَجَزُوا عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تَقْتُلَهُمْ وَلَمْ تَجِدْ بُدًا مِنْ إبِْطَال مَا اشتطرت عَلَيْهِمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ، وَإِنْ أَيْسَرُوا أَدَّوْهُ عَلَى غَيْرِ الصَّغَارِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِيهِمْ؛ فَاقْبَلْ مِنْهُمُ الصُّلْحَ وَأَعْطِهِمْ إِيَّاهُ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا الطَّاقَةَ، فَإِن أَيْسَرُوا أَوْ أَعْسَرُوا لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيْهِمْ إِلا مَا يَطِيقُونَ، وَتَمَّ لَكَ شَرْطُكَ وَلَمْ يَبْطُلْ. فَقَبِلَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَكَتَبَ إِلَى عِيَاضِ بْنِ غَنَمٍ؛ فَلَمَّا أَتَى عِيَاضَ بْنَ غَنَمٍ الْكِتَابُ أَعْلَمَهُمْ مَا جَاءَ فِيهِ، فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ فَقَالَ قَائِلٌ: قَبِلُوا الصُّلْحَ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ. وَقَالَ آخَرُ: أَنْكَرُوا ذَلِكَ وَعَلِمُوا أَنَّ فِي أَيْدِيهِمْ أَمْوَالا وَفُضُولا تَذْهَبُ إِنْ أُخِذُوا بِالطَّاقَةِ وَأَبَوْا إِلا شَيْئًا مُسَمًّى؛ فَلَمَّا رَأَى عِيَاضٌ إِبَاءَهُمْ وَحَصَانَةَ مَدِينَتِهِمْ وَآيِسَ مِنْ فَتْحِهَا عُنْوَةً صَالَحَهُمْ عَلَى مَا سَأَلُوا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ إِلا أَنَّ الصُّلْحَ قَدْ وَقَعَ وَفُتِحَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ لَا شكّ فِي ذَلِك. دُخُول حران وَالصُّلْح مَعَ أَهلهَا: ثُمَّ سَارَ عِيَاضُ بْنُ غَنَمٍ إِلَى حرَام أَوْ بَعَثَ، وَكَانَتْ أَقْرَبَ الْمَدَائِنِ إِلَيْهِ فَأَغْلَقَهَا أَهْلُهَا مِنَ الأَنْبَاطِ وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنَ الرُّومِ وَكَانُوا بِهَا؛ فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ مَا أَعْطَى أَهْلَ الرَّهَا؛ فَلَمَّا رَأَوْا مَدِينَةَ مُلْكِهِمْ قَدْ فُتِحَتْ أَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ أَجْمَعُونَ. فَأَمَّا الْقُرَى وَالرَّسَاتِيقَ فَإِنَّ أحدا مِنْهُمْ لَمْ يَدَعْ وَلَمْ يَمْتَنِعْ؛ إِلا أَنَّ أَهْلَ كُلِّ كَوْرَةٍ كَانُوا إِذَا فُتِحَتْ مَدِينَتُهُمْ يَقُولُونَ نَحْنُ أُسْوَةَ أَهْلِ مَدِينَتِنَا وَرُؤَسَائِنَا. وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ عِيَاضًا أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ وَلا أَبَاهُ عَلَيْهِمْ؛ فَأَمَّا مَنْ وَلِيَ مِنْ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ فَتْحِهَا فَإِنَّهُمْ قَدْ جَعَلُوا أَهْلَ الرَّسَاتِيقِ أُسْوَةَ أهل الْمَدَائِن إِلَّا فِي أزراق الْجند فَإِنَّهُم

стр. 53

حَمَّلُوهَا عَلَيْهِمْ دُونَ أَهْلِ الْمَدَائِنِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْل الْعِلْمِ مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ عِلْمًا بِذَلِكَ: إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لأَنَّ أَهْلَ الرَّسَاتِيقِ أَصْحَابُ الأَرَضِينَ وَالزَّرْعِ، وَأَنَّ أَهْلَ الْمَدَائِنِ لَيْسُوا كَذَلِكَ فَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحُجَّةِ يَقُولُونَ: حَقُّنَا فِي أَيْدِينَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي دَوَاوِينِكُمْ وَقَدْ جَهِلْتُمْ وَجَهِلْنَا كَيْفَ كَانَ أَوَّلُ الأَمْرِ؛ فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ أَنْ تُحْدِثُوا عَلَيْنَا مَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ ثَبْتٌ وَتَنْقُضُونَ هَذَا الأَمْرَ الثَّابِتَ فِي أَيْدِيكُمْ الَّذِي لَمْ نَزَلْ عَلَيْهِ. مَا وضع على أهل فَارس: وَأَمَّا مَا كَانَ فِي أَيْدِي أَهْلِ فَارِسٍ مِنَ الْجَزِيرَةِ فَإِنَّهُ لم يبلغنِي فِيهِ شَيْءٍ أَحْفَظُهُ؛ إِلا أَنَّ فَارِسَ لَمَّا هُزِمَتْ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَبَلَغَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ هُنَالِكَ مِنْ جُنُودِهِمْ تَحَمَّلُوا بِجَمَاعَتِهِمْ وَعَطَّلُوا مَا كَانُوا فِيهِ إِلا أَهْلَ سِنْجَارَ؛ فَإِنَّهُمْ وَضَعُوا بِهَا مَسْلَحَةً يَذُبُّونَ عَنْ سَهْلِهَا وَسَهْلِ مَارْدِينَ وَدَارَا؛ فَأَقَامُوا فِي مَدِينَتِهِمْ؛ فَلَمَّا هَلَكَتْ فَارِسٌ وَأَتَاهُمْ مَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلامِ أَجَابُوا وَأَقَامُوا فِي مَدِينَتِهِمْ وَوَضَعَ عِيَاضُ بْنُ غَنَمٍ الْفِهْرِيُّ على الجماجم الْجِزْيَة١ عَلَى كُلِّ جُمْجُمَةٍ دِينَارًا وَمُدَّيْنِ قَمْحًا وَقِسْطَيْنِ زَيْتًا وَقِسْطَيْنِ خَلا، وجعلهم جَمِيعًا طَبَقَةً وَاحِدَةً؛ فَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ هَذَا عَلَى صُلْحٍ وَلا عَلَى أَمْرٍ أَثْبَتَهُ، وَلا بِرِوَايَةٍ عَنِ الْفُقَهَاءِ، وَلا بِإِسْنَادٍ ثَابِتٍ. فَلَمَّا وَلِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بَعَثَ الضَّحَّاكَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْعَرِيِّ فَاسْتَقَلَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فَأَحْصَى الْجَمَاجِمَ، وَجَعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ عُمَّالا بِأَيْدِيهِمْ، وَحَسَبَ مَا يَكْسِبُ الْعَامِلُ سَنَتَهُ كُلَّهَا ثُمَّ طَرَحَ مِنْ ذَلِكَ نَفَقَتَهُ فِي طَعَامِهِ وَأُدْمِهِ٢ وَكِسْوَتِهِ وَحِذَائِهِ وَطَرَحَ أَيَّامَ الأَعْيَادِ فِي السَّنَةِ كُلَّهَا؛ فَوَجَدَ الَّذِي يُحْصَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ فَأَلْزَمَهُمْ ذَلِكَ جَمِيعًا وَجَعَلَهَا طَبَقَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ حَمَلَ الأَمْوَالَ عَلَى قَدْرِ قُرْبِهَا وَبُعْدِهَا فَجَعَلَ عَلَى كُلِّ مِائَةِ جَرِيبِ زَرْعٍ مِمَّا قَرُبَ دِينَارًا، وَعَلَى كُلِّ أَلْفِ أَصْلِ كَرْمٍ مِمَّا قَرُبَ دِينَارًا، وَعَلَى كُلِّ أَلْفَيْ أَصْلٍ مِمَّا بَعُدَ دِينَارًا، وَعَلَى الزَّيْتُونِ عَلَى كُلِّ مِائَةِ شَجَرَةٍ مِمَّا قَرُبَ دِينَارًا، وَعَلَى كُلِّ مِائَتَيْ شَجَرَةٍ مِمَّا بَعُدَ دِينَارًا، وَكَانَ غَايَةُ الْبُعْدِ عِنْدَهُ مَسِيرَةَ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا دُونَ الْيَوْمِ فَهُوَ فِي الْقُرْبِ. وَحُمِلَتِ الشَّامُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَحُمِلَتِ الْموصل على مثل ذَلِك.

стр. 54

فَصْلٌ: كَيْفَ كَانَ فَرْضُ عُمَرَ لأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضي عَنْهُم قسْمَة أبي بكر على النَّاس: قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى: وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نُجَيْحٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَالٌ؛ فَقَالَ: من كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عِدَةٌ فَلْيَأْتِ؛ فَجَاءَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرين أَعطيتك هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا١ يُشِير بِيَدِهِ؛ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: خُذْ؛ فَأَخَذَ بكفيه ثمَّ عده فَوَجَدَهُ خَمْسَمِائَةٍ فَقَالَ: خُذْ إِلَيْهَا أَلْفًا؛ فَأَخَذَ أَلْفًا ثُمَّ أَعْطَى كُلَّ إِنْسَانٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَدَهُ شَيْئًا، وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنَ الْمَالِ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ النَّاسِ بِالسَّوِيَّةِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى. فَخَرَجَ عَلَى سَبْعَةِ دَرَاهِمَ وَثُلُثٍ لِكُلِّ إِنْسَانٍ. فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ جَاءَ مَالٌ كَثِيرٌ هُوَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ النَّاسِ فَأَصَابَ كُلُّ إِنْسَانٍ عِشْرِينَ دِرْهَمًا. قَالَ فَجَاءَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنَّكَ قَسَّمْتَ هَذَا الْمَالَ فَسَوَّيْتَ بَيْنَ النَّاسِ، وَمِنَ النَّاسِ أُنَاسٌ لَهُمْ فَضْلٌ وَسَوَابِقُ وَقِدَمٌ؛ فَلَوْ فَضَّلْتَ أَهْلَ السَّوَابِقِ وَالْقِدَمِ وَالْفَضْلِ بِفَضْلِهِمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ السَّوَابِقِ وَالْقِدَمِ وَالْفَضْلِ فَمَا أَعْرَفَنِي بِذَلِك؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ ثَوَابُهُ عَلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَهَذَا مَعَاشٌ فَالأُسْوَةُ فِيهِ خير من الأثرة. مفاضلة عمر ﵁ بَين النَّاس فِي الْقِسْمَة: فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَجَاءَتِ الْفُتُوحُ فَضْلٌ، وَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ قَاتَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَنْ قَاتَلَ مَعَ؛ فَفَرَضَ لأَهْلِ السَّوَابِقِ وَالْقِدَمِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا خَمْسَةَ آلافٍ خَمْسَةَ آلافٍ٢، وَلِمَنْ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا أَرْبَعَةَ آلافٍ أَرْبَعَةَ آلافٍ، وَفَرَضَ لِمَنْ كَانَ لَهُ إِسْلامٌ كَإِسْلامِ أَهْلِ بَدْرٍ دُونَ ذَلِكَ، أَنْزَلَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلهمْ من السوابق. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي أَبُو مَعْشَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَوْلَى عَمْرَةَ وَغَيْرُهُ قَالَ: لَمَّا جَاءَت عمر

стр. 55

ابْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الْفُتُوحُ وَجَاءَتِ الأَمْوَالُ قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رَأَى فِي هَذَا الْمَالِ رَأْيًا وَلِي فِيهِ رَأْيٌ آخَرُ، لَا أَجْعَلُ مَنْ قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَنْ قَاتَلَ مَعَهُ. فَفَرَضَ للمهاجرين وَالأَنْصَارِ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا خَمْسَةَ آلافٍ خَمْسَةَ آلافٍ، وَفَرَضَ لِمَنْ كَانَ إِسْلامُهُ كَإِسْلامِ أَهْلِ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا أَرْبَعَةَ آلافٍ أَرْبَعَةَ آلافٍ، وَفَرَضَ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اثْنَيْ عشر ألفا اثْنَي عشر ألفا إِلا صَفِيَّةَ وَجُوَيْرِيَةَ؛ فَإِنَّهُ فَرَضَ لَهما سِتَّةَ آلافٍ سِتَةَ آلافٍ؛ فَأَبَيَا أَنْ يَقْبَلا؛ فَقَالَ لَهُمَا: إِنَّمَا فرضت لَهُنَّ لِلْهِجْرَةِ. فَقَالَتَا: لَا إِنَّمَا فَرَضْتَ لَهُنَّ لِمَكَانِهِنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ لَنَا مِثْلُهُ؛ فَعَرَفَ ذَلِكَ عُمَرُ فَفرض لَهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. وَفَرَضَ لِلْعَبَّاسِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَفَرَضَ لأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَرْبَعَةَ آلافٍ، وَفَرَضَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -ابْنِهِ- ثَلاثَةَ آلافٍ؛ فَقَالَ: يَا أَبَتِ، لِمَ زِدْتَهُ عَلَيَّ أَلْفًا١، مَا كَانَ لأَبِيهِ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَمْ يَكُنْ لأَبِي، وَمَا كَانَ لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِي، فَقَالَ: إِنَّ أَبَا أُسَامَةَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَبِيكَ، وَكَانَ أُسَامَةُ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكَ، وَفَرَضَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ خَمْسَةَ آلافٍ خَمْسَةَ آلافٍ، أَلْحَقَهُمَا بِأَبِيهِمَا لِمَكَانِهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَفَرَضَ لأَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ؛ فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ: زِيدُوهُ أَلْفًا، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: مَا كَانَ لأَبِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ لآبَائِنَا، وَمَا كَانَ لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَنَا. فَقَالَ: إِنِّي فَرَضْتُ لَهُ بِأَبِيهِ أَبِي سَلَمَةَ أَلْفَيْنِ وَزِدْتُهُ بِأُمِّهِ أُمِّ سَلَمَةَ٢ أَلْفًا، فَإِنْ كَانَ لَكَ أُمٌّ مِثْلَ أُمِّ سَلَمَةَ زِدْتُكَ أَلْفًا. وَفَرَضَ لأَهْلِ مَكَّةَ وَالنَّاسِ ثَمَانِمِائَةٍ ثَمَانِمِائَةٍ؛ فَجَاءَ طَلْحَة بن عَبدِي اللَّهِ بِأَخِيهِ عُثْمَانَ فَفَرَضَ لَهُ ثَمَانِمِائَةٍ فَمَرَّ بِهِ النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ فَقَالَ عُمَرُ: افْرِضُوا لَهُ أَلْفَيْنِ. فَقَالَ لَهُ طَلْحَةُ: جِئْتُكَ بِمِثْلِهِ فَفَرَضْتَ لَهُ ثَمَانِمِائَةٍ وَفَرَضْتَ لِهَذَا أَلْفَيْنِ. فَقَالَ: إِنَّ أَبَا هَذَا لَقِيَنِي يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقُلْتُ: مَا أُرَاهُ إِلا قَدْ قُتِلَ. فَسَلَّ سَيْفَهُ وَكَسَرَ غِمْدَهُ، وَقَالَ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قُتِلَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَأَبُو هَذَا يَرْعَى الشَّاءَ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَعمل عمر بِهَذَا مُدَّة خِلَافَته.

стр. 56

أَثَرَة عمر رَضِي الله عَلَى نَفْسِهِ: قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَفْرِضَ لِلنَّاسِ -وَكَانَ رَأْيُهُ خَيْرًا مِنْ رَأْيِهِمْ- قَالُوا لَهُ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، قَالَ: لَا فَبَدَأَ بِالأَقْرَبِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَفَرَضَ لِلْعَبَّاسِ ثُمَّ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا حَتَّى وَالَى بَيْنَ خَمْسِ قَبَائِلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَمَّنْ شَهِدَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَفَتَحَ فَارِسَ وَالرُّومَ جَمَعَ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا تَرَوْنَ؛ فَإِنِّي أَرَى أَنْ أجعَل عَطاء النَّاس ي كُلِّ سَنَةٍ وَأَجْمَعَ الْمَالَ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ. قَالُوا: اصْنَعْ مَا رَأَيْتَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مُوَفَّقٌ. قَالَ: فَفَرَضَ الأُعْطِيَاتِ، فَدَعَا بِاللَّوْحِ فَقَالَ: بِمَنْ أَبْدَأُ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ؛ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ أَبْدَأُ بِبَنِي هَاشِمٍ رَهْطِ النَّبِيِّ ﷺ . فَكَتَبَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ -مِنْ مَوْلًى أَوْ عَرَبِيٍّ١- لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسَةُ آلافٍ خَمْسَةُ آلافٍ، وَفَرَضَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ثُمَّ فَرَضَ لِمَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ وَفَرَضَ لِلْبَدْرِيِّينَ أَجْمَعِينَ -عَرَبِيِّهِمْ وَمَوْلاهُمْ- خَمْسَةَ آلافٍ خَمْسَةَ آلافٍ، وَفَرَضَ لِلأَنْصَارِ أَرْبَعَةَ آلافٍ أَرْبَعَةَ آلافٍ؛ فَكَانَ أَوَّلُ أَنْصَارِي فرض لَهُ مُحَمَّد ابْن مَسْلَمَةَ وَفَرَضَ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَة آلافٍ عَشْرَةَ آلافٍ وَفَرَضَ لِعَائِشَةَ ﵂ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا٢، وَفَرَضَ لِمُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ أَرْبَعَةَ آلافٍ أَرْبَعَةَ آلافٍ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، وَفرض لعمل بْنِ أَبِي سَلَمَةَ لِمَكَانِ أُمِّ سَلَمَةَ أَرْبَعَةَ آلافٍ. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: لِمَ تُفَضِّلُ عُمَرَ عَلَيْنَا أَلِهِجْرَةِ أَبِيهِ؟ فَقَدْ هَاجَرَ آبَاؤُنَا وَشَهِدُوا بَدْرًا. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أُفَضِّلُهُ لِمَكَانِهِ مِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ فَلْيَأْتِ الَّذِي يَسْتَعْتِبُ بِأُمٍّ مِثْلَ أُمِّهِ أُعْتِبُهُ٣. وَفَرَضَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ خَمْسَةَ آلافٍ خَمْسَةَ آلافٍ لِمَكَانِهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم٤.

стр. 57

ثُمَّ فَرَضَ لِلنَّاسِ ثَلاثَمِائَةٍ ثَلاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعَمِائَةٍ أَرْبَعَمِائَةٍ لِلْعَرَبِيِّ وَالْمَوْلَى، وَفَرَضَ لِنِسَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ سِتَّمِائَةٍ سِتَّمِائَةٍ، وَأَرْبَعَمِائَةٍ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَلاثَمِائَةٍ ثَلاثَمِائَةٍ وَمِائَتَيْنِ مِائَتَيْنِ وَفَرَضَ لأُنَاسٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ، وَفَرَضَ لِلْمِرْقَالِ حِينَ أَسْلَمَ أَلْفَيْنِ، وَقَالَ لَهُ: دَعْ أَرْضِي فِي يَدِي أُعَمِّرُهَا وَأُؤَدِّي عَنْهَا الْخَرَاجَ مَا كَانَتْ تُؤَدِّي. فَفَعَلَ. قَالَ مُجَالِدٌ: فَكَانَتْ عَمَّةٌ لِي أَعْطَاهَا مِائَتَيْنِ؛ فَلَمَّا أَمَّرَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ عَلَى الْكُوفَة ألغى أَحدهمَا؛ فَلَمَّا قدم على ﵁ دَخَلَ عَلَيَّ عَائِدًا لِجَدِّي فَكَلَّمْتُهُ فِيهَا فأثبتها لَهَا. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قالَ: قَدِمْتُ من الْبَحْرين بخسمائة أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخطاب ﵁ مُمْسِيًا فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْبِضْ هَذَا الْمَالَ. قَالَ: وَكَمْ هُوَ؟ قُلْتُ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: وَتَدْرِي كَمْ خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ؟ قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ مِائَةُ أَلْفٍ، وَمِائَةُ أَلْفٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ. قَالَ: أَنْتَ نَاعِسٌ، اذْهَبْ فَبِتِ اللَّيْلَةَ حَتَّى تُصْبِحَ؛ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: اقْبِضْ مِنِّي هَذَا الْمَالَ. قَالَ: وَكَمْ هُوَ؟ قُلْتُ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: أَمِنْ طِيبٍ هُوَ؟ قَالَ قُلْتُ: لَا أَعْلَمُ إِلا ذَاكَ؛ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ مَالٌ كَثِيرٌ فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نُكِيلَ لَكُمْ كِلْنَا، وَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعُدَّ لَكُمْ عَدَدْنَا، وَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَزِنَ لَكُمْ وَزَنَّا لَكُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمنِينَ دون للنَّاس دَوَاوِينَ يُعْطَوْنَ عَلَيْهَا. فَاشْتَهَى عُمَرُ ذَلِك. مَا فَرْضه عمر للصحابة: فَفَرَضَ لِلْمُهَاجِرِينَ خَمْسَةَ آلافٍ خَمْسَةَ آلافٍ، وَلِلأَنْصَارِ ثَلاثَةَ آلافٍ ثَلاثَةَ آلافٍ، وَلأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، قَالَ: فَلَمَّا آتى زَيْنَب بنت جَحْشٍ مَالَهَا قَالَتْ: غَفَرَ اللَّهُ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ كَانَ فِي صَوَاحِبَاتِي مَنْ هُوَ أَقْوَى عَلَى قِسْمَةِ هَذَا الْمَالِ مِنِّي؛ فَقِيلَ لَهَا: إِنَّ هَذَا كُلَّهُ لَكِ، فَأَمَرَتْ بِهِ فَصُبَّ وَغَطَّتْهُ بِثَوْبٍ ثُمَّ قَالَتْ لِبَعْضِ مَنْ عِنْدَهَا: أدخلي يَديك لآلِ فُلانٍ وَآلِ فُلانٍ؛ فَلَمْ تَزَلْ تُعْطِي لآلِ فُلانٍ وَآلِ فُلانٍ حَتَّى قَالَتْ لَهَا الَّتِي تُدْخِلُ يَدَهَا لَا أَرَاكِ تَذْكُرِينِي وَلِي عَلَيْكِ حَقٌّ. فَقَالَتْ: لَكِ مَا تَحْتَ الثَّوْبِ. قَالَ: فَكَشَفَتِ الثَّوْب فَإِذا ثمَّ [هُنَاكَ] خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا قَالَ: ثُمَّ رَفَعَتْ يَدَهَا فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكْنِي عَطَاءَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بَعْدَ عَامِي هَذَا أَبَدًا، قَالَ: فَكَانَتْ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَوَّلَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ لُحُوقًا بِهِ ﵇. وَذكرنَا لَنَا أَنَّهَا كَانَتْ أَسْخَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وأعطاهن.

стр. 58

وَجَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَطَاءَ الأَنْصَارِ؛ فَبَدَأَ بِأَهْلِ الْعَوَالِي، فَبَدَأَ بِبَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ الأَوْسِ لِبُعْدِ مَنَازِلِهِمْ، ثُمَّ الْخَزْرَجِ حَتَّى كَانَ هُوَ آخِرُ النَّاسِ، وَهُمْ بَنُو مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُمْ حَوْلَ الْمَسْجِدِ. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْمَدَنِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حَمَلَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ أَلْفَ أَلْفٍ؛ فَقَالَ عُمَرُ: بِكَمْ قَدِمْتَ؟ فَقَالَ: بِأَلْفِ أَلْفٍ. قَالَ فَأَعْظَمَ ذَلِكَ عُمَرُ، وَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا تَقُولُ قَالَ: نَعَمْ، قَدِمْتُ بِمَائَةِ أَلْفٍ وَمِائَةِ أَلْفٍ حَتَّى عَدَّ عَشْرَ مَرَّاتٍ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِي نَصِيبَهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَهُوَ بِالْيَمَنِ وَدَمُهُ فِي وَجهه. التَّفَاضُل فِي الْعَطاء وَسَببه: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِب عَن يزِيد عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ مَا أَحَدٌ إِلا وَلَهُ فِي هَذَا المَال حَتَّى أُعْطِيَهُ أَوْ مُنِعَهُ، وَمَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا عَبْدٌ مَمْلُوكٌ١، وَمَا أَنَا فِيهِ إِلَّا كأحدكم، وَلَكنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَقَسْمِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَالرَّجُلُ وَتِلادُهُ فِي الإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَقِدَمُهُ فِي الإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَغِنَاهُ فِي الإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ فِي الإِسْلامِ. وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِي بِجَبَلِ صَنْعَاءَ حَظُّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَهُوَ مَكَانَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْمَرَّ وَجْهُهُ يَعْنِي فِي طَلَبِهِ٢. قَالَ: وَكَانَ دِيوَانُ حِمْيَرَ عَلَى حِدَةٍ، وَكَانَ يَفْرِضُ لأُمَرَاءِ الْجُيُوشِ وَالْقُرَى فِي الْعَطَاءِ مَا بَيْنَ تِسْعَةِ آلافٍ وَثَمَانِيَةِ آلافٍ وَسَبْعَةِ آلافٍ عَلَى قَدْرِ مَا يُصْلِحُهُمْ مِنَ الطَّعَامِ وَمَا يَقُومُونَ بِهِ من الْأُمُور. عَطاء الْأَطْفَال: قَالَ: وَكَانَ لِلْمَنْفُوسِ إِذَا طَرَحَتْهُ أُمُّهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ؛ فَإِذَا تَرَعْرَعَ بَلَغَ بِهِ مِائَتَيْنِ؛ فَإِذَا بَلَغَ زَادَهُ. قَالَ: وَلَمَّا رَأَى الْمَالَ قَدْ كَثُرَ قَالَ لَئِنْ عِشْتُ إِلَى هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِنْ قَابِلٍ لأُلْحِقَنَّ أُخْرَى النَّاسِ بِأُولاهُمْ حَتَّى يَكُونُوا فِي الطَّاء سَوَاءٌ. قَالَ: فَتُوُفِّيَ ﵀ قبل ذَلِك. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُ بِأَخْمَاسِ فَارِسٍ قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَجِنُّهَا سَقْفٌ دُونَ السَّمَاءِ حَتَّى أُقَسِّمَهَا بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ: فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ بَيْنَ صَفَّيِّ الْمَسْجِد

стр. 59

وَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَمَ فَبَاتَا عَلَيْهَا، ثُمَّ غَدَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِالنَّاسِ عَلَيْهِ فَأمر بالجلابيب فَكُشِفَتْ عَنْهَا فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى شَيْء لم تَرَ عَيناهُ مِثْلَهُ مِنَ الْجَوْهَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَبَكَى؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: هَذَا مِنْ مَوَاقِفِ الشُّكْرِ، فَمَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: أَجَلْ؛ وَلَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْطِ قَوْمًا هَذَا إِلا أَلْقَى بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَة والبغضاء، ثمَّ قَالَ: أنحشو لَهُمْ أَوْ نَكِيلُ لَهُمْ بِالصَّاعِ؟ قَالَ: ثُمَّ أَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَن يحشو لَهُم فحشا لَهُمْ قَالَ: وَهَذَا قَبْلَ أَنْ يدون الدَّوَاوِين. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَن جَارِيَة بْنِ مُضَرِّبٍ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سَأَلَ: كَمْ يَكْفِي الْعَيِّلَ؟ قَالَ: وَأَمَرَ بِجَرِيبٍ يَكُونُ سَبْعَةَ أَقْفِزَةٍ فَخُبِزَ وَجُمِعَ عَلَيْهِ ثَلاثِينَ مِسْكِينًا فَأَشْبَعَهُمْ وَفَعَلَ بِالْعَشِيِّ مِثْلَهُ قَالَ: فَمِنْ ثَمَّ جَعَلَ لِلْعَيِّلِ جَرِيبَيْنِ فِي الشَّهْرِ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ لَنَا قَدِيمٌ قَالَ حَدثنِي أشياخي قَالُوا: كَانَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَرْبَعَةُ آلافِ فَرَسٍ مَوْسُومَةٌ١ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِذَا كَانَ فِي عَطَاءِ الرَّجُلِ خِفَّةٌ أَوْ كَانَ مختاجا أَعْطَاهُ الْفَرَسَ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ أَعْيَيْتَهُ أَوْ ضَيَّعْتَهُ مِنْ عَلَفٍ أَوْ شُرْبٍ فَأَنْتَ ضَامِنٌ، وَإِنْ قَاتَلْتَ عَلَيْهِ فَأُصِيبَ أَوْ أُصِبْتَ فَلَيْسَ عَلَيْك شَيْء.

стр. 60

فَصْلٌ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ بِهِ فِي السوَاد قَالَ أَبُو يُوسُف: رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ: نَظَرْتُ فِي خَرَاجِ السَّوَادِ وَفِي الْوُجُوهِ الَّتِي يُجْبَى عَلَيْهَا، وَجَمَعْتُ فِي ذَلِكَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْخَرَاجِ وَغَيْرِهِمْ وَنَاظَرْتُهُمْ فِيهِ؛ فَكُلٌّ قَدْ قَالَ فِيهِ بِمَا لَا يَحِلُّ الْعَمَلُ بِهِ؛ فَنَاظَرْتُهُمْ فِيمَا كَانَ وُظِّفَ عَلَيْهِمْ فِي خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي خَرَاجِ الأَرْضِ وَاحْتِمَالِ أَرْضِهِمْ إِذْ ذَاكَ لِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ؛ حَتَّى قَالَ عُمَرُ لِحُذَيْفَةَ وَعُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ -وَكَانَ عُثْمَانُ عَامِلُهُ إِذْ ذَاكَ عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ وَحُذَيْفَةُ عَامِلُهُ عَلَى مَا وَرَاءِ دِجْلَةَ مِنْ جَوْخَى وَمَا سَقَتْ- فَقَالَ عُثْمَانُ: حَمَّلْتُ الأَرْضَ أَمْرًا هِيَ لَهُ مطيقة، وَلَو شِئْت لأشعفت. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: وَضَعْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُحْتَمِلَةٌ وَمَا فِيهَا كَثِيرُ فَضْلٍ، وَإِنَّ أَرَاضِيهِمْ كَانَتْ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ الْخَرَاجُ الَّذِي وُظِّفَ عَلَيْهَا؛ إِذْ كَانَ صاحبا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَا بِذَلِكَ، وَلَمْ يَأْتِنَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فِيهِ اخْتِلافٌ؛ فَذَكَرُوا أَنَّ الْعَامِرَ كَانَ مِنَ الأَرَضِينِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كثيرا وَأَن الْمُعَطل مِنْهَا كَانَ يَسِيرًا، وَوَصَفُوا كَثْرَةَ الْعَامِرِ الَّذِي لَا يُعْمَلُ وَقِلَّةَ الْعَامِرِ الَّذِي يُعْمَلُ، وَقَالُوا لَوْ أَخَذْنَا بِمِثْلِ ذَلِكَ الْخَرَاجِ الَّذِي كَانَ حَتَّى يَلْزَمَ لِلْعَامِرِ الْمُعَطَّلِ مِثْلَ مَا يلْزم لِلْعَامِلِ المعتمل، ثمَّ تقوم بِعِمَارَةِ مَا هُوَ السَّاعَةَ غَامِرٌ وَلَا نحرثه لِضَعْفِنَا عَنْ أَدَاءِ خَرَاجِ مَا لم نعمله وَقلة ذَات أَيْدِينَا. فَأَما مَا تعطل مُنْذُ مائَة سنة وَأكْثر وَأَقل؛ فَلَيْسَ يُمكن عِمَارَته وَلا اسْتِخْرَاجِهِ فِي قَرِيبٍ وَلِمَنْ يَعْمُرُ ذَلِكَ حَاجَةٌ إِلَى مُؤَنَةٍ وَنَفَقَةٍ لَا تُمْكِنُهُ؛ فَهَذَا عُذْرُنَا فِي تَرْكِ عِمَارَةِ مَا قَدْ تَعَطَّلَ، فَرَأَيْتُ أَنَّ وَظِيفَةً مِنَ الطَّعَامِ -كَيْلًا مُسَمًّى أَوْ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ تُوضَعُ عَلَيْهِمْ مُخْتَلَفًا- فِيهِ دَخَلٌ عَلَى السُّلْطَانِ وَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَفِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ. وَظِيفَة الطَّعَام فِي الرُّخص والغلاء: أَمَّا وَظِيفَةُ الطَّعَامِ فَإِنْ كَانَ رَخِصًا فَاحِشًا لَمْ يَكْتَفِ السُّلْطَانُ بِالَّذِي وَظَّفَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِالْحَطِّ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَقْوَ بِذَلِكَ الْجُنُودُ وَلَمْ تُشْحَنْ بِهِ الثغور، وَإِمَّا غلاء فَاحِشا

стр. 61

لَا يَطِيبُ السُّلْطَانُ نَفْسًا بِتَرْكِ مَا يَسْتَفْضِلُ أَهْلُ الْخَرَاجِ مِنْ ذَلِكَ، وَالرُّخْصُ وَالْغَلاءُ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَقُومَانِ عَلَى أَمْرٍ وَاحِد. وَظِيفَة الدَّرَاهِم: وَكَذَلِكَ وَظِيفَةُ الدَّرَاهِمِ مَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ تَفْسِيرُهَا يَطُولُ، وَلَيْسَ لِلرِّخَصِ وَالْغَلاءِ حَدٌّ يُعْرَفُ وَلا يُقَامُ عَلَيْهِ؛ إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ لَا يُدْرَى كَيْفَ هُوَ. وَلَيْسَ الرُّخْصُ مِنْ كَثْرَةِ الطَّعَامِ وَلا غَلاؤُهُ مِنْ قِلَّتِهِ؛ إِنَّمَا ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ وَقَضَاؤُهُ، وَقَدْ يَكُونُ الطَّعَامُ كَثِيرًا غَالِيًا، وَقَدْ يَكُونُ قَلِيلا رخيصا. القَوْل فِي التسعير: قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ أَنَّ السِّعْرَ غَلا فِي زَمَنِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ: إِنَّ السِّعْرَ قَدْ غَلا فَوَظِّفْ وَظِيفَة نقوم عَلَيْهَا. "إِنَّ الرُّخْصَ وَالْغَلاءَ بِيَدِ اللَّهِ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَجُوزَ أَمْرَ الله وقضاءه". قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي ثَابِتٌ أَبُو حَمْزَةَ الْيَمَانِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ. قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ النَّاسُ: الرَّسُول اللَّهِ ﷺ : إِنَّ السِّعْرَ قَدْ غَلا؛ فَسَعِّرْ لَنَا سِعْرًا. فَقَالَ "إِنَّ السِّعَر غَلاؤُهُ وَرُخْصُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ لأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلَمَةٌ يَطْلُبُنِي بِهَا". قَالَ: وَحَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: غَلا السِّعْرُ عَلَى عَهْد رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا تُسَعِّرْ لَنَا؟ فَقَالَ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْقَابِضُ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْبَاسِطُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أُعْطِيكُمْ شَيْئًا وَلا أَمْنَعُكُمُوهُ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ أَضَعُ هَذَا الأَمْرَ حَيْثُ أُمِرْتُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ ظَلَمْتُهَا إِيَّاهُ فِي نَفْسٍ وَلا دم وَلَا مَال". مَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْل الْخَرَاجِ فِيمَا بَينهم: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَأَمَّا مَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْل الْخراج فِيمَا بَينهم؛ فَلَا بُد لِهَاتَيْنِ الطَّبَقَتَيْنِ مِنْ مِسَاحَةٍ أَوْ طِرَادَةٍ. وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ غَلَبَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْقُوَّةِ أَهْلَ الضَّعْفِ، وَاسْتَأْثَرُوا بِهِ وَحَمَلُوا الْخَرَاجَ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ وَعَلَى الإِنْكَارِ مَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ لَوْلَا أَن تطول لفسترها؛ وَلَكِنِّي قَدْ بَيَّنْتُ لَكَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَرْجُو أَنْ يُكْتَفَى بِهِ فِي جبابة الْخراج والعشور

стр. 62

وَالصَّدَقَاتِ وَالْجَوَالِيَ وَفِي الْعَمَلِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَلَمْ أَجِدْ شَيْئًَا أَوْفَرَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَلا أَعْفَى لأَهْلِ الْخَرَاجِ مِنَ التَّظَالُمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَحَمْلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلا أَعْفَى لَهُمْ مِنْ عَذَابِ وُلاتِهِمْ وَعُمَّالِهِمْ مِنْ مُقَاسَمَةٍ عَادِلَةٍ خَفِيفَةٍ فِيهَا لِلسُّلْطَانِ رِضًا وَلأَهْلِ الْخَرَاجِ مِنَ التَّظَالُمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَحَمْلِ بَعضهم على بعض رَاحَة وَفضل، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ -أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَهُ- أَعْلَى بِذَلِكَ عَيْنًا وَأَحْسَنَ فِيهِ نَظَرًا لِلْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ بِهِ من دينه وعباده، وَاللَّهُ أَسْأَلُ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ التَّوْفِيقَ فِيمَا نَوَى مِنْ ذَلِكَ وَأَحَبَّ، وَحُسْنَ الْمَعُونَةِ عَلَى الرَّشَادِ، وَصَلاحِ الدَّين والرعية. الْمُقَاسَمَة على أَنْوَاع من الزَّرْع: رَأَيْتُ -أَبْقَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- أَنْ يُقَاسَمَ مِنْ عَمَلِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ جَمِيعًا عَلَى خُمْسَيْنِ لِلسَّيِّحِ مِنْهُ، وَأَمَّا الدَّوَالِي فَعَلَى خُمُسٍ وَنِصْفٍ، وَأَمَّا النَّخْلُ وَالْكَرْمُ وَالرِّطَابِ وَالْبَسَاتِينِ فَعَلَى الثُّلُثِ، وَأَمَّا غِلالُ الصَّيْفِ فَعَلَى الرُّبُعِ، وَلا يُؤْخَذُ بِالْخَرَصِ فِي شَيْء من ذَلِك، وَلَا يحرز عَليْهِمْ شَيْءٌ مِنْهُ يُبَاعُ مِنَ التُّجَّارِ ثُمَّ تَكُونُ الْمُقَاسَمَاتُ فِي أَثْمَانِ ذَلِكَ أَوْ يُقَوَّمُ ذَلِكَ قِيمَةً عَادِلَةً لَا يَكُونُ فِيهَا حَمْلٌ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ، وَلا يَكُونُ عَلَى السُّلْطَانِ ضَرَرٌ، ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ ذَلِكَ، أَيُّ ذَلِكَ كَانَ أَخَفَّ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ وَقِسْمَةُ الثَّمَنِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السُّلْطَانِ، أَخَفَّ فعل ذَلِك بهم. مُعَاملَة أهل خَيْبَر: قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ الْحِزَامِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ خَيْبَرَ إِلَى الْيَهُودِ مُسَاقَاةً بِالنِّصْفِ، وَكَانَ يَبْعَثُ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يُخَيِّرُهُمْ أَيُّ النِّصْفَيْنِ شَاءُوا، أَوْ يَقُولُ لَهُمُ: اخْرُصُوا أَنْتُمْ وَخَيِّرُونِي فَيَقُولُونَ: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ١. قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ خَيْبَرَ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ بِالنِّصْفِ؛ فَكَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ فِي حَيَاةِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَيَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَعَامَّةِ وِلايَةِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ عُمَرُ هُوَ الَّذِي نَزَعَهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ:

стр. 63

لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرًا قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّا أَرْبَابُ الأَمْوَالِ وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا مِنْكُمْ فَعَامِلُونَا بِهَا؛ فَعَامَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النِّصْفِ عَلَى أَنَّا إِذَا شِئْنَا أَنْ نُخْرِجَكُمْ أَخْرَجْنَاكُمْ؛ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَهْلُ خَيْبَرَ سَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ فَدَكٍ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ فَنَزَلُوا عَلَى مَا نَزَلَ عَلَيْهِ أَهْلُ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ يَصُونَهُمْ وَيَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ، فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِثْلِ مُعَامَلَةِ أَهْلِ خَيْبَرَ؛ فَكَانَتْ فَدَكُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١؛ وَذَلِكَ أَنَّه لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مُقْسِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ افْتَتَحَ خَيْبَرَ فَقَالَ لَهُ أَهْلُهَا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِعَمَلِهَا مِنْكُمْ فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا بِالنِّصْفِ، ثُمَّ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ يُقَسِّمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَأَهْدَوْا إِلَيْهِ فَرَدَّ هَدِيَّتَهُمْ، وَقَالَ: لَمْ يَبْعَثْنِي النَّبِيُّ ﷺ لأَكْلِ أَمْوَالِكُمْ؛ وَإِنَّمَا بَعَثَنِي لأَقْسِمَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شِئْتُمْ عَمِلْتُ وَعَالَجْتُ وَكِلْتُ لَكُمُ النِّصْفَ وَإِنْ شِئْتُمْ عَمِلْتُمْ وعالجتم وكلتم لنا النّصْف؛ فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا فَقَالَ: قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّا صَالَحْنَا أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ نُخْرِجَهُمْ مَتَى أَرَدْنَا وَأَنَّهُمْ عَدَوْا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَعَ عَدْوِهِمْ عَلَى الْأَنْصَارِيِّ قَبْلِهِ فَلا نَعْلَمُ لنا، ثمَّ [هُنَاكَ] عَدُوًّا غَيْرَهُمْ؛ فَمَنْ كَانَ لَهُ بِخَيْبَرَ مَالٌ فَلْيَلْحَقْ بِهِ فَإِنِّي مخرجهم. القَوْل فِي القطائع وَأَرْض الْعشْر: قَالَ ابو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى: فَأَما القطائع فَمَا كَانَ مِنْهَا سَيِّحًا فَعَلَى الْعُشْرِ وَمَا سُقِيَ مِنْهَا بِالدَّلْوِ وَالْغَرْبِ وَالسَّانِيَةِ فَعَلَى نِصْفِ الْعُشْرِ لِمُؤَنَةِ الدَّالِيَةِ وَالْغَرْبِ وَالسَّانِيَةِ٢. وَإِنَّمَا الْعُشْرُ وَالصَّدَقَةِ فِي الثِّمَارِ وَالْحَرْثِ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ فَمَا جَاءَتْ بِهِ الآثَارُ وَالسُّنَّةُ الْعشْر من ذَلِك مَا سُقِيَ سَيْحًا وَنِصْفُ الْعُشْرِ على مَا سُقِيَ بِالْغَرْبِ وَالدَّالِيَةِ وَالسَّانِيَةِ؛ فَهَذَا الْمجمع عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ عُلَمَائِنَا وَمَا جَاءَتْ بِهِ الآثَارُ، وَلَسْتُ أَرَى الْعُشْرَ إِلا عَلَى مَا يَبْقَى فِي أَيْدِي النَّاسِ، لَيْسَ عَلَى الْخُضَرِ الَّتِي لَا بَقَاءَ لَهَا وَلا عَلَى الأَعْلافِ وَلا عَلَى الْحَطَبِ عُشْرٌ، وَالَّذِي لَا يَبْقَى فِي أَيْدِي النَّاس هُوَ مثل البطيح والقثاء

стр. 64

وَالْخِيَارِ وَالْقَرْعِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْجَزَرِ وَالْبُقُولِ وَالرَّيَاحِينِ وَأَشْبَاهِ هَذا؛ فَلَيْس فِي هَذَا عُشْرٌ١. وَأَمَّا مَا يَبْقَى فِي أَيْدِي النَّاسِ مِمَّا يُكَالُ بِالْقَفِيزِ، وَيُوزَنُ بِالأَرْطَالِ فَهُوَ مِثْلُ الْحِنْطَة وَالشعِير والذة وَالأُرْزِ وَالْحُبُوبِ وَالسِّمْسِمِ وَالشَّهْدَانِجِ٢ وَاللَّوْزِ وَالْبُنْدُقِ وَالْجَوْزِ وَالْفُسْتُقِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالزَّيْتُونِ والقرطم والكزيرة وَالْكَرَاوِيَا وَالْكَمُّونِ وَالْبَصَلِ وَالثَّوْمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَإِذَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَكْثَرَ فَفِيهِ الْعُشْرُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضٍ تُسْقَى سَيْحًا أَوْ سَقَتْهَا السَّمَاءُ، وَإِذَا كَانَتْ فِي أَرْضٍ تُسْقَى بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَإِذَا نقص عَن خَمْسَة أوسق لم يكن فِيهِ شَيْء. وَإِذَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ نِصْفَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ حِنْطَةً وَنِصْفَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ شَعِيرًا كَانَ فِيهَا الْعُشْرُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْرَجَتْ قَدْرَ وَسْقٍ مِنْ حِنْطَةٍ وَقَدْرَ وَسْقٍ مِنْ شَعِيرٍ وَقَدْرَ وسق من أزر وَقَدْرَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ وَقَدْرَ وَسْقٍ مِنْ زَبِيبٍ، وَتَمَّ ذَلِكَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ كَانَ فِي ذَلِكَ الْعُشْرُ. وَإِنْ نَقَصَ عَنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَسْقٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الْعُشْرُ مَا خَلا الزَّعْفَرَانُ؛ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضٍ الْعُشْرُ، وَأَخْرَجَ الله مِنْهُ منا يَكُونُ قِيمَتَهُ قِيمَةَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ أَدْنَى مَا تُخْرِجُ الأَرْضُ مِنَ الْحُبُوبِ مِمَّا عَلَيْهِ الْعُشْرُ؛ فَفِيهِ الْعُشْرُ إِذَا كَانَ يُسْقَى سَيْحًا أَوْ تُسْقِيهِ السَّمَاءُ، وَإِذَا سُقِيَ بَغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ فَنِصْفُ الْعُشْرِ، وَإِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ فَفِيهِ الْخَرَاجُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَإِذَا لَمْ تَبْلُغْ قِيمَةُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلا شَيْءَ فِيهِ. القَوْل فِي الزَّعْفَرَان فِي أَرض الْعشْر وَالْخَرَاج وَوقت الْأَدَاء: وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: إِذَا كَانَ الزَّعْفَرَانُ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَإِنْ لم تخرج الأَرْض مِنْهُ إِلَّا رَطْلا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ فَفِيهِ الْخَرَاجُ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَقْتِ أَدَاءِ مَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ وَالْكَثِيرِ. وَقَالَ غَيْرُهُ حَتَّى يَبْلُغَ أَدْنَى مَا يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ فَلا صَدَقَةَ فِيمَا لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَة أوسق. الْمِقْدَار الَّذِي يُؤْخَذ مِنْهُ: وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: فِي كُلِّ مَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ الْعُشْرُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضٍ الْعُشْرِ وَسُقِيَ سَيْحًا، وَنِصْفُ الْعُشْرِ إِذَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ أَو سانية.

стр. 65

وَالْخَرَاجُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ والزَّبِيبِ وَالذُّرَةِ وَالْحُبُوبِ وَأَنْوَاعِ الْبُقُولِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ غَلاتِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ مِمَّا يُكَالُ وَلا يُكَالُ؛ فَإِذَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَلِيلا أَوْ كَثِيرًا فَفِيهِ الْعُشْرُ وَلا تُحْسَبُ مِنْهُ أُجْرَةُ الْعُمَّالِ وَلا نَفَقَةُ الْبَقَرِ إِذَا كَانَ يُسْقَى سَيْحًا أَوْ تَسْقِيهِ السَّمَاءُ، وَإِنْ كَانَ يُسْقَى بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةٍ فَهِيَ نِصْفُ الْعُشْرِ. وَحَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مِنْ شَيْءٍ؛ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ إِلا دُسْتُجَةَ١ بَقْلٍ؛ فَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَأْخُذُ بِهَذَا، وَيَقُولُ: لَا تُتْرَكُ أَرْضٌ تَعْتَمِلُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا مَا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنَ الْخَرَاجِ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخراج وَمَا يجب عَلَيْهَا مِنَ الْعُشْرِ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ قَلِيلا أَخْرَجَتْ أَمْ كَثِيرًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا صَدَقَةَ فِيمَا تُخْرِجُ الأَرْضُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ عَنِ الْحَسَن الْبَصْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ صَدَقَةً، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةً، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ". مِقْدَار الوسق: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَالْقَوْلُ عِنْدَنَا عَلَى هَذَا، وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَالْخَمْسَةُ أَوْسُقٍ ثَلاثُمِائَةِ صَاعٍ، وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ، وَهُوَ مِثْلُ قَفِيزِ الْحُجَّاجِ وَمِثْلُ الرُّبُعِ الْهَاشِمِيِّ وَالْمَخْتُومِ الْهَاشِمِيِّ؛ الأول اثْنَان وَثَلَاثُونَ رطلا. الحكم فِيمَا إِذا أكل رب المَال من ثمره: فَإِذَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ ثَلاثَمِائَةِ صَاعٍ مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ؛ فَأَكَلَ رَبُّ الأَرْضِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًَا أَوْ أَطْعَمَ أَهْلَهُ أَوْ جَارَهُ أَوْ صديقه؛ فَصَارَ مَا بَقِي ينص عَنْ ثَلاثِمِائَةِ صَاعٍ كَانَ فِيمَا بَقِيَ الْعُشْرُ إِذَا كَانَ يُسْقَى سَيْحًا وَنِصْفُ الْعُشْرِ إِذَا كَانَ يُسْقَى بِغَرْبٍ أَوْ سَانِيَةٍ أَوْ دَالِيَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيمَا أَطْعَمَ وَأَكَلَ شَيْءٌ، وَكَذَا لَوْ سُرِقَ بَعْضُهُ كَانَ عَلَيْهِ فِيمَا بَقِي الْعشْر أَو

стр. 66

نِصْفُ الْعُشْرِ؛ فَهَذَا جَمِيعُ مَا جَاءَ فِيمَا أخرجت الأَرْض. وَهَذِه أُصُولُ ذَلِكَ؛ فَمَا تَفَرَّعَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ وَبِهِ يُشَبَّهُ، وَهَذِهِ عِبَارَةُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ وَيُمَثَّلُ عَلَيْهِ؛ فَخُذْ فِي ذَلِكَ بِمَا رَأَيْتَ أَنَّهُ أَصْلَحُ لِلرَّعِيَّةِ وَأَوْفَرُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَبِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ أَحْبَبْت. اسْتِيفَاء الْعشْر أَو نصف الْعشْر: قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ: الْعُشْرُ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، مَا سُقِيَ مِنْ ذَلِكَ سَيْحًا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةٍ فَنِصْفُ الْعُشْرِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالرِّشَاءِ نِصْفُ الْعُشْرِ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ أَوْ سُقِيَ سَيْحًا الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالْغَيْلِ١ نِصْفُ الْعُشْرِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا سَقَتِ السَّمَاءُ فَفِي كُلِّ عَشْرَةٍ وَاحِدٌ، وَمَا سُقِيَ بِالْغَرْبِ فَفِي كُلِّ عِشْرِينَ وَاحِدٌ، وَقَالَ: فِي مَوضِع عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "مَا سُقِيَ بِالدَّوَالِي". قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ أَوْ سُقِيَ سَيْحًا فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِدَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةٍ أَوْ غَرْبٍ فَنِصْفُ الْعشْر". مِمَّا يُؤْخَذ مِنْهُ الصَّدَقَة وَمِمَّا لَا يُؤْخَذ: قَالَ: وَحَدَّثَنَا عُمَرُو بْنُ عُثْمَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى صَدَقَةً إِلا فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالزَّبِيبِ. قَالَ: وَعِنْدَنَا كِتَابٌ كَتَبَهُ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ، أَوْ قَالَ نُسْخَةٌ أَوْ وَجَدْتُ نُسْخَةً هَكَذَا. قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ "فِيمَا

стр. 67

سَقَتِ السَّمَاءُ أَوْ سُقِيَ سَيْحًا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالْغَرْبِ أَوْ السَّوَانِي أَوِ النَّضُوحِ نِصْفُ الْعُشْرِ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عِمَارَةَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّه قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" قَالَ عَمْرٌو: وَالْوَسْقُ عِنْدَنَا سِتُّونَ صَاعا. قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ معمر قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عِمَارَةَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: وَخَمْسَةُ أَوْسُقٍ يَوْمَئِذٍ وَسْقَانِ الْيَوْمَ. قَالَ: وَحَدّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول الله ﵊ -فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الصَّدَقَةُ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فَصَاعِدًا". قَالَ: وَحَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَيْسَ فِي الْخُضَرِ زَكَاةٌ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عِيسَى قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ يَقُولُ: لَا صَدَقَةَ فِي الْخُضَرِ الرَّطْبَةِ وَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ، وَقَالَ: إِنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي النَّخْلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْكَرْمِ، وَيَعْنِي بِالصَّدَقَةِ فِي هَذِه الْعشْر. قَالَ: وحَدثني قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَسَدِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْخُضَرِ زَكَاةٌ: الْبَقْلُ وَالْقِثَّاءُ وَالْخِيَارُ وَالْبِطِّيخُ وَكُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبَانٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْبُقُولِ زَكَاةٌ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سِوَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمَا قَالا: فِي كُلِّ مَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ صَدَقَةٌ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَة عَن عمر بن

стр. 68

الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا زَكَاةَ إِلا فِي أَرْبَعَةٍ: التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ". فَأَمَّا الْعَسَلُ وَالْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرَ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ، وَإِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَإِذَا كَانَ فِي الْمَفَاوِزِ وَالْجِبَالِ عَلَى الأَشْجَارِ وَفِي الْكُهُوفِ فَلا شَيْءَ فِيهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الثِّمَارِ تَكُونُ فِي الْجِبَالِ وَالأَوْدِيَةِ لَا خراج عَلَيْهَا وَلَا عشر. القَوْل فِيمَا يخرج من الْعَسَل: حَدَّثَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: كَتَبَ بَعْضُ أُمَرَاءِ الطَّائِفِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّ أَصْحَابَ النَّحْلِ لَا يُؤَدُّونَ إِلَيْنَا مَا كَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَسْأَلُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ نَحْمِيَ أَوْدِيَتِهِمْ؛ فَاكْتُبْ إِلَيَّ بِرَأْيِكَ فِي ذَلِكَ؛ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنْ أَدَّوْا إِلَيْكَ مَا كَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاحْمِ لَهُمْ أَوْدِيَتَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُؤَدُّوا إِلَيْكَ مَا كَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ فَلا تَحْمِ لَهُمْ. قَالَ: وَكَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً. وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَتَبَ فِي الْعَسَلِ: مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً. قَالَ: وَحَدَّثَنِي الأَحْوَصُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: فِي كُلِّ عَشْرَةِ أَرْطَالٍ رَطْلٌ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُحَرَّرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ يَرْفَعُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "فِي الْعَسَل الْعشْر". القَوْل فِي اللوز والجوز وأمثالهما: فَأَمَّا الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالْبُنْدُقُ وَالْفُسْتُقُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ فَفِيهِ الْعُشْرُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ، وَالْخَرَاجُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ لِأَنَّهُ يُكَال. مَا لَيْسَ فِيهِ خمس وَلَا عشر وَلَا خراج: قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى: وَلَيْسَ فِي الْقَصَبِ وَلا فِي الْحَطَبِ وَلا فِي الْحَشِيشِ وَلا فِي التِّبْنِ وَلا فِي السَّعْفِ عُشْرٌ وَلا خَمْسٌ وَلا خَرَاجٌ.

стр. 69

القَوْل فِي قصب الذريرة وقصب السكر: فَأَمَّا قَصَبُ الذَّرِيرَةِ١ فَإِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَإِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ فَفِيهِ الْخَرَاجُ، وَأَمَّا قَصَبُ السُّكَّرِ فَفِيهِ الْعُشْرُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ، وَالْخَرَاجُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ لأَنَّهُ مِمَّا يُؤْكَلُ، وَقَصَبُ الذَّرِيرَةِ وَإِنْ لَمْ يُؤْكَل فَلهُ ثمن وَمَنْفَعَة. القَوْل فِي النفط وَمَا أشبهه: وَلَيْسَ فِي النِّفْطِ وَالْقِيرِ وَالزِّئْبَقِ والموميا إِذا كَانَ لشَيْء مِنْ ذَلِكَ عَيْنٌ فِي الأَرْضِ شَيْءٌ نَعْلَمُهُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ عُشْرٍ أَوْ أَرْضِ خَرَاجٍ. وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده: قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مُقْسِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَام: ١٤١] قَالَ: الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سِوَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَآتُوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ قَالَ: هَذَا سِوَى مَا فِيهِ مِنَ الصَّدَقَةِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﵎: ﴿وَآتُوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ ، قَالَ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُسَنَّ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ فَلَمَّا سُنَّ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ تُرِكَ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَاده﴾ قَالَ: هِيَ الصَّدَقَةُ مِنَ الْحَبِّ وَالثِّمَارِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ سَالِمٍ الأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﵎: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْم حَصَاده﴾ قَالَ: يُضِيفُكَ الضَّيْفُ فَتَعْلِفُ دَابَّتَهُ، وَيَأْتِيكَ السَّائِلُ فَتُعْطِيَهُ، ثُمَّ يَقَعُ فِيهِ الْعشْر وَنصف الْعشْر.

стр. 70

فصل: فِي ذكر القطائع مَا هِيَ القطائع: قَالَ أَبُو يُوسُف ﵀: فَأَمَّا الْقَطَائِعُ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ فَكُلُّ مَا كَانَ لِكِسْرَى وَمَرَازِبَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدٍ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْمَدَنِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ -قَالَ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا كَانَ أَعْلَمَ بِالسَّوَادِ مِنْهُ- قَالَ: بَلَغَتِ الصَّوَافِي عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁ أَرْبَعَةَ آلافِ أَلْفٍ، وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا صَوَافِي الأَثْمَارِ؛ وَذَلِكَ أَنَّه كَانَ أَصْفَى كُلَّ أَرْضٍ كَانَتْ لِكِسْرَى أَوْ لأَهْلِهِ أَوْ لِرَجُلٍ قُتِلَ فِي الْحَرْبِ أَوْ لَحِقَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ أَوْ مَغِيضِ مَاءٍ أَوْ دَيْرِ بَرِيدٍ؛ قَالَ: وَذَكَرَ لِي خَصْلَتَيْنِ لَمْ أحفظهما. أَصْنَاف الصَّواف: قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَرَّةَ قَالَ: أَصْفَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ عَشْرَةَ أَصْنَافٍ: أَرْضُ مَنْ قُتِلَ فِي الْحَرْبِ، وَأَرْضُ مَنْ هَرَبَ، وَكُلُّ أَرْضٍ كَانَتْ لِكِسْرَى، وَكُلُّ أَرْضٍ كَانَتْ لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِهِ وَكُلُّ مَغِيضِ مَاءٍ وَكُلُّ دَيْرِ بَرِيدٍ، قَالَ: ونسيت أَربع خِصَال كَانَت لِلأَكَاسِرَةِ. قَالَ: وَكَانَ خَرَاجُ مَا اسْتَصْفَاهُ عُمَرُ ﵁ سَبْعَةَ آلافِ أَلْفٍ فَلَمَّا كَانَتِ الْجَمَاجِمُ١ أَحْرَقَ النَّاسُ الدِّيوَانَ فَذَهَبَ ذَلِكَ الأَصْلُ وَدَرَسَ وَلَمْ يُعْرَفْ. مَا فعل عمر بِهَذِهِ الأَرْض = أَرض الصوافي: قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَشْيَخَةِ الْقُدَمَاءِ قَالَ: وُجِدَ فِي الدِّيوَانِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَصْفَى أَمْوَالَ كِسْرَى وَآلِ كِسْرَى وَكُلِّ مَنْ فَرَّ عَنْ أَرْضِهِ وَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَكُلِّ مَغِيضِ مَاءٍ أَوْ أَجَمَةٍ؛ فَكَانَ عُمَرُ ﵁ يُقْطِعُ مِنْ هَذِهِ لِمَنْ أَقْطَعَ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ وَفِي لَا يَدِ وَارِثٍ فَلِلإِمَامِ الْعَادِلِ أَنْ يُجِيزَ مِنْهُ وَيُعْطِي مَنْ كَانَ لَهُ غَنَاءٌ فِي الإِسْلامِ وَيَضَعُ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ وَلا يُحَابِي بِهِ،

стр. 71

فَكَذَلِكَ هَذِهِ الأَرْضُ. فَهَذَا سَبِيلُ الْقَطَائِعِ عِنْدِي فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ. وَالَّذِي صَنَعَ الْحَجَّاجُ ثُمَّ فَعَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَإِنَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَخَذَ فِي ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ لأَنَّ مَنْ أَقْطَعَهُ الْوُلاةُ الْمَهْدِيُّونَ فَلَيْسَ لأحد أَن يرد ذَلِك. مَا يُؤْخَذ من القطائع: فَأَمَّا مَنْ أَخَذَ مِنْ وَاحِدٍ وَأَقْطَعَ آخَرَ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَالٍ غَصَبَهُ وَاحِدٌ مِنْ وَاحِدٍ وَأَعْطَى وَاحِدًا؛ وَإِنَّمَا صَارَتِ الْقَطَائِعُ يُؤْخَذُ مِنْهَا الْعُشْرُ لأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ إِنْ رَأَى أَنْ يُصَيِّرَ عَلَيْهَا عَشْرًا فَعَل، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُصَيِّرَ عَلَيْهَا عِشْرِينَ فَعَلَ وَإِنْ رَأَى أَنْ يُصَيِّرَهَا خَرَاجًا -إِذَا كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْ أَنْهَارِ الْخَرَاجِ- فَعَلَ ذَلِكَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ خَاصَّةً؛ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهَا الْعُشْرُ لِمَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الإِقْطَاعِ مِنَ الْمُؤَنَةِ فِي حَفْرِ الأَنْهَارِ وَبِنَاءِ الْبُيُوتِ وَعَمَلِ الأَرْضِ، وَفِي هَذَا مُؤُنَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى صَاحِبِ الإِقْطَاعِ؛ فَمِنْ ثَمَّ صَارَ عَلَيْهِ الْعشْر لم يَلْزَمُ مِنَ الْمُؤَنَةِ. وَالأَمْرُ فِي ذَلِك إِلَيْك مَا رَأَيْتَ أَنَّهُ أَصْلَحُ؛ فَاعْمَلْ بِهِ إِن شَاءَ الله.

стр. 72

فصل: أَرض الْحجاز وَمَكَّة وَالْمَدينَة واليمن وَأَرْضُ الْعَرَبِ الَّتِي افْتَتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّا أَرْضُ الْحِجَازِ وَمَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَأَرْضُ الْيَمَنِ وَأَرْضُ الْعَرَبِ الَّتِي افْتَتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ فَلا يُزَادُ عَلَيْهَا وَلا يُنْقَصُ مِنْهَا؛ لأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ جَرَى عَلَيْهِ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحُكْمُهُ؛ فَلا يَحِلُّ لِلإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ افْتَتَحَ فُتُوحًا مِنَ الأَرْضِ الْعَرَبِيَّةِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا الْعُشْرَ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا خَرَاجًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي تِلْكَ الأَرَضِينَ. أَلا تَرَى أَنَّ مَكَّةَ وَالْحَرَمَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا خَراجٌ فَأَجْرَوُا الأَرْضَ الْعَرَبِيَّةَ كُلَّهَا هَذَا الْمَجْرَى وَأَجْرَى الْبَحْرَانِ والطائف كَذَلِك أَو لَا تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ حُكْمُهُمْ الْقَتْلُ أَوِ الإِسْلامُ وَلا تُقْبَلُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، وَهَذَا خِلافُ الْحُكْمِ فِي غَيْرِهِمْ فَكَذَلِكَ أَرْضُ الْعَرَبِ. وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يَرَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْخَرَاجَ عَلَى رِقَابِهِمْ لِقَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [الْمَائِدَة: ٥١] وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ وَحَالِمَةٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مُعَافِرِيًّا١؛ فَأَمَّا الأَرْضُ فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهَا خَرَاجًا؛ وَإِنَّمَا جَعَلَ الْعُشْرَ فِي السَّيْحِ وَنِصْفَ الْعُشْرَ فِي الدَّالِيَةِ لِمُؤَنَةِ الدَّالِيَةِ والسانية.

стр. 73

فصل: مَا أَخطَأ فِيهِ الْخَوَارِج فِي هَذَا الْمَوْضُوع وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَإِنَّهُمْ أَخْطَأُوا الْمَحَجَّةَ وَجَعَلُوا قُرًى عَرَبِيَّةً بِمَنْزِلَةِ قُرًى عَجَمِيَّةً وَلَمْ يَأْخُذُوا بِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَمَنِ اجْتَمَعَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُمْ أَحْسَنُ تَأْوِيلا وَتَوْفِيقًا مِنَ الْخَوَارِجِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمين.

стр. 74

فصل: فِي حكم أَرض الْبَصْرَة وخراسان وَأَمَّا أَرْضُ الْبَصْرَةِ وَخُرَاسَانَ فَإِنَّهُمَا عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ السَّوَادِ مَا افْتُتِحَ مِنْ ذَلِكَ عُنْوَةً؛ فَهُوَ أَرْضُ خراج وَمَا صلوح عَلَيْهِ أَهْلُهُ فَعَلَى مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ وَلا يُزَادُ عَلَيْهِمْ وَمَا أَسْلَمَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ فَهُوَ عُشُرٌ، وَلَسْتُ أُفَرِّقُ بَيْنَ السَّوَادِ وَبَيْنَ هَذِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهَا؛ وَلَكِنْ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا سُنَّةٌ وَأَمْضَى ذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنَ الْخُلَفَاءِ فَرَأَيْتُ أَنْ تُقِرَّهَا عَلَى حَالِهَا؛ وَذَلِكَ الأَمْرُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ. الأَرْض الَّتِي لَيست فِي يَد أحد وَلَا ملكه: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَكُلُّ أَرْضٍ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالطَّائِفِ وَأَرْضِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا عَامِرَةٌ وَلَيْسَتْ لأَحَدٍ وَلا فِي يَدِ أَحَدٍ وَلا مِلْكَ أَحَدٍ وَلا وِرَاثَةً وَلا عَلَيْهَا أَثَرُ عِمَارَةٍ فَأَقْطَعَهَا الْإِمَامُ رَجُلا فَعَمَرَهَا فَإِنْ كَانَتْ فِي أَرْضٍ الْخراج أَدَّى عَنْهَا الَّذِي أَقْطَعَهَا الْخَرَاجَ، وَالْخَرَاجُ مَا افْتُتِحَ عُنْوَةً، مِثْلُ السَّوَادِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ أَدَّى عَنْهَا الَّذِي أقطعها الْعشْر. أَرض الْعُشْرَ: وَأَرْضُ الْعُشْرِ كُلُّ أَرْضٍ أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ، وَأَرْضُ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْيَمَنِ وَأَرْضُ الْعَرَبِ كُلُّهَا أَرْضُ عُشْرٍ؛ فَكُلُّ أَرْضٍ أَقْطَعَهَا الإِمَامُ مِمَّا فُتِحَتْ عُنْوَةً فَفِيهَا الْخَرَاجُ إِلا أَنْ يُصَيِّرُهَا الإِمَامُ عُشْرِيَّةً؛ وَذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ إِذَا أَقْطَعَ أحدا أَرضًا من أَرْضَ الْخَرَاجِ فَإِنْ رَأَى أَنْ يُصَيِّرَ عَلَيْهَا عُشْرًا، أَوْ عُشْرًا وَنِصْفًا، أَوْ عُشْرَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ خَرَاجًا؛ فَمَا رَأَى أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ أَهْلُهَا فَعَلَ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ فَكَيْفَمَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَ؛ إِلا مَا كَانَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْيَمَنِ فَإِنَّ هُنَالك لَا يَقَعُ خَرَاجٌ وَلا يَسَعُ الإِمَامَ وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ ذَلِكَ وَلا يُحَوِّلَهُ عَمَّا جَرَى عَلَيْهِ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحُكْمُهُ؛ فَقَدْ بَيَّنْتُ لَكَ فَخُذْ بِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ أَحْبَبْتَ، وَاعْمَلْ بِمَا تَرَى أَنَّه أَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَعَمُّ نَفْعًا لِخَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ وَأَسْلَمُ لَكَ فِي دِينِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي الْمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخطاب رَضِي

стр. 75

اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ إِلَى الْبَصْرَةِ -وَكَانَتْ تُسَمَّى أَرْضُ الْهِنْدِ- فَدَخَلَهَا وَنَزَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقاص الْكُوفَة، وَأَن زيادا ابْنَ أَبِيهِ هُوَ الَّذِي بَنَى مَسْجِدَهَا وَقَصْرَهَا وَهُوَ الْيَوْمُ فِي مَوْضِعِهِ، وَإِنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ افْتَتَحَ تُسْتَرَ وَأَصْبَهَانَ وَمَهْرَجَانَ قُذَقَ وَمَاهَ ذُبْيَانَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقاص محاصر الْمَدَائِن. قَالَ أَبُو يُوسُف: وَكُلُّ مَنْ أَقْطَعَهُ الْوُلاةُ الْمَهْدِيُّونَ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ وَأَرْضِ الْعَرَبِ وَالْجِبَالِ مِنَ الأَصْنَافِ الَّتِي ذكرنَا أَن الإِمَام أَنْ يُقْطِعَ مِنْهَا؛ فَلا يَحِلُّ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ مِنَ الْخُلَفَاءِ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ وَلا يُخْرِجَهُ من يَدي من هُوَ ي يَدِهِ وَارِثًا أَوْ مُشْتَرِيًا؛ فَأَمَّا إِنْ أَخَذَ الْوَالِي مِنْ يَدِ وَاحِدٍ أَرْضًا وَأَقْطَعَهَا آخَرَ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ غَصَبَ وَاحِدًا وَأَعْطَى آخَرَ؛ فَلا يَحِلُّ لِلإِمَامِ وَلا يَسَعُهُ أَنْ يُقْطِعَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَقَّ مُسْلِمٍ وَلا مُعَاهِدٍ وَلا يُخْرِجَ مِنْ يَدِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلا بِحَقٍّ يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ بِذَلِك الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ فَيُقْطِعَهُ مَنْ أَحَبَّ مِنَ النَّاسِ؛ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ. وَالأَرْضُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ فالإمام أَنْ يُجِيزَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَنْ كَانَ لَهُ غَنَاءٌ فِي الإِسْلامِ، وَمَنْ يَقْوَى بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ وَيَعْمَلُ فِي ذَلِكَ بِالَّذِي يَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَصْلَحُ لأَمْرِهِمْ، وَكَذَلِكَ الأَرَضُونَ يُقْطِعُ الإِمَامُ مِنْهَا مَنْ أَحَبَّ مِنَ الأَصْنَافِ الَّتِي سَمَّيْتُ، وَلا أَرَى أَنْ يَتْرُكَ أَرْضًا لَا مِلْكَ لأَحَدٍ فِيهَا وَلا عِمَارَةً حَتَّى يُقْطِعَهَا الإِمَام فَإِن ذَلِك أعمر لبلاد وَأَكْثَرُ لِلْخَرَاجِ؛ فَهَذَا حَدُّ الإِقْطَاعِ عِنْدِي على مَا أَخْبَرتك. من كَانَ لَهُ أَرض فَلم يعمرها وَالْحكم فِي إقطاع الإِمَام: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَقَدْ أَقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَأَلَّفَ عَلَى الإِسْلامِ أَقْوَامًا وَأَقْطَعَ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ مَنْ رَأَوْا أَنَّ فِي إِقْطَاعِهِ صَلاحًا. حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نُجَيْحٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْطَعَ لأُنَاسٍ مِنْ مُزَيْنَةَ أَوْ جُهَيْنَةَ أَرضًا؛ فَلم يعرموها فَجَاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوهَا فَخَاصَمَهُمُ الْجَهْنِيُّونَ أَوِ الْمُزَنِيُّونَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ مِنِّي أَوْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لَرَدَدْتُهَا؛ وَلَكِنَّهَا قَطِيعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ ثُمَّ تَرَكَهَا ثَلاثَ سِنِينَ فَلَمْ يَعْمُرَهَا فعمرها قوم آخَرُونَ فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا. قَالَ: وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزُّبَيْرَ أَرْضًا فِيهَا نَخْلٌ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ، وَذَكَرَ أَنَّهَا كَانَتْ أَرضًا يُقَال لَهَا الجرف، وَذُكِرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَقْطَعَ الْعَقِيقَ أَجْمَعَ لِلنَّاسِ حَتَّى جَازَتْ قَطِيعَةُ أَرْضِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ فَقَالَ: أَيْنَ الْمُسْتَقْطِعُونَ مُنْذُ الْيَوْمَ فَإِنْ يَكُنْ فِيهِمْ خَيْرٌ فَتَحْتَ قَدَمَيَّ. قَالَ خَوات بن جُبَير:
следующие страницы →