Полный текст (280 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فَكَذَلِكَ هَذِهِ الأَرْضُ.
فَهَذَا سَبِيلُ الْقَطَائِعِ عِنْدِي فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ.
وَالَّذِي صَنَعَ الْحَجَّاجُ ثُمَّ فَعَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَإِنَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَخَذَ فِي ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ لأَنَّ مَنْ أَقْطَعَهُ الْوُلاةُ الْمَهْدِيُّونَ فَلَيْسَ لأحد أَن يرد ذَلِك.
مَا يُؤْخَذ من القطائع:
فَأَمَّا مَنْ أَخَذَ مِنْ وَاحِدٍ وَأَقْطَعَ آخَرَ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَالٍ غَصَبَهُ وَاحِدٌ مِنْ وَاحِدٍ وَأَعْطَى وَاحِدًا؛ وَإِنَّمَا صَارَتِ الْقَطَائِعُ يُؤْخَذُ مِنْهَا الْعُشْرُ لأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ إِنْ رَأَى أَنْ يُصَيِّرَ عَلَيْهَا عَشْرًا فَعَل، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُصَيِّرَ عَلَيْهَا عِشْرِينَ فَعَلَ وَإِنْ رَأَى أَنْ يُصَيِّرَهَا خَرَاجًا -إِذَا كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْ أَنْهَارِ الْخَرَاجِ- فَعَلَ ذَلِكَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ خَاصَّةً؛ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهَا الْعُشْرُ لِمَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الإِقْطَاعِ مِنَ الْمُؤَنَةِ فِي حَفْرِ الأَنْهَارِ وَبِنَاءِ الْبُيُوتِ وَعَمَلِ الأَرْضِ، وَفِي هَذَا مُؤُنَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى صَاحِبِ الإِقْطَاعِ؛ فَمِنْ ثَمَّ صَارَ عَلَيْهِ الْعشْر لم يَلْزَمُ مِنَ الْمُؤَنَةِ. وَالأَمْرُ فِي ذَلِك إِلَيْك مَا رَأَيْتَ أَنَّهُ أَصْلَحُ؛ فَاعْمَلْ بِهِ إِن شَاءَ الله.
стр. 72
فصل: أَرض الْحجاز وَمَكَّة وَالْمَدينَة واليمن وَأَرْضُ الْعَرَبِ الَّتِي افْتَتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وَأَمَّا أَرْضُ الْحِجَازِ وَمَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَأَرْضُ الْيَمَنِ وَأَرْضُ الْعَرَبِ الَّتِي افْتَتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ فَلا يُزَادُ عَلَيْهَا وَلا يُنْقَصُ مِنْهَا؛ لأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ جَرَى عَلَيْهِ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحُكْمُهُ؛ فَلا يَحِلُّ لِلإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ افْتَتَحَ فُتُوحًا مِنَ الأَرْضِ الْعَرَبِيَّةِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا الْعُشْرَ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا خَرَاجًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي تِلْكَ الأَرَضِينَ.
أَلا تَرَى أَنَّ مَكَّةَ وَالْحَرَمَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا خَراجٌ فَأَجْرَوُا الأَرْضَ الْعَرَبِيَّةَ كُلَّهَا هَذَا الْمَجْرَى وَأَجْرَى الْبَحْرَانِ والطائف كَذَلِك أَو لَا تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ حُكْمُهُمْ الْقَتْلُ أَوِ الإِسْلامُ وَلا تُقْبَلُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، وَهَذَا خِلافُ الْحُكْمِ فِي غَيْرِهِمْ فَكَذَلِكَ أَرْضُ الْعَرَبِ.
وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يَرَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْخَرَاجَ عَلَى رِقَابِهِمْ لِقَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [الْمَائِدَة: ٥١] وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ وَحَالِمَةٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مُعَافِرِيًّا١؛ فَأَمَّا الأَرْضُ فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهَا خَرَاجًا؛ وَإِنَّمَا جَعَلَ الْعُشْرَ فِي السَّيْحِ وَنِصْفَ الْعُشْرَ فِي الدَّالِيَةِ لِمُؤَنَةِ الدَّالِيَةِ والسانية.
стр. 73
فصل: مَا أَخطَأ فِيهِ الْخَوَارِج فِي هَذَا الْمَوْضُوع
وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَإِنَّهُمْ أَخْطَأُوا الْمَحَجَّةَ وَجَعَلُوا قُرًى عَرَبِيَّةً بِمَنْزِلَةِ قُرًى عَجَمِيَّةً وَلَمْ يَأْخُذُوا بِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَمَنِ اجْتَمَعَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُمْ أَحْسَنُ تَأْوِيلا وَتَوْفِيقًا مِنَ الْخَوَارِجِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمين.
стр. 74
فصل: فِي حكم أَرض الْبَصْرَة وخراسان
وَأَمَّا أَرْضُ الْبَصْرَةِ وَخُرَاسَانَ فَإِنَّهُمَا عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ السَّوَادِ مَا افْتُتِحَ مِنْ ذَلِكَ عُنْوَةً؛ فَهُوَ أَرْضُ خراج وَمَا صلوح عَلَيْهِ أَهْلُهُ فَعَلَى مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ وَلا يُزَادُ عَلَيْهِمْ وَمَا أَسْلَمَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ فَهُوَ عُشُرٌ، وَلَسْتُ أُفَرِّقُ بَيْنَ السَّوَادِ وَبَيْنَ هَذِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهَا؛ وَلَكِنْ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا سُنَّةٌ وَأَمْضَى ذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنَ الْخُلَفَاءِ فَرَأَيْتُ أَنْ تُقِرَّهَا عَلَى حَالِهَا؛ وَذَلِكَ الأَمْرُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.
الأَرْض الَّتِي لَيست فِي يَد أحد وَلَا ملكه:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَكُلُّ أَرْضٍ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالطَّائِفِ وَأَرْضِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا عَامِرَةٌ وَلَيْسَتْ لأَحَدٍ وَلا فِي يَدِ أَحَدٍ وَلا مِلْكَ أَحَدٍ وَلا وِرَاثَةً وَلا عَلَيْهَا أَثَرُ عِمَارَةٍ فَأَقْطَعَهَا الْإِمَامُ رَجُلا فَعَمَرَهَا فَإِنْ كَانَتْ فِي أَرْضٍ الْخراج أَدَّى عَنْهَا الَّذِي أَقْطَعَهَا الْخَرَاجَ، وَالْخَرَاجُ مَا افْتُتِحَ عُنْوَةً، مِثْلُ السَّوَادِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ أَدَّى عَنْهَا الَّذِي أقطعها الْعشْر.
أَرض الْعُشْرَ:
وَأَرْضُ الْعُشْرِ كُلُّ أَرْضٍ أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ، وَأَرْضُ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْيَمَنِ وَأَرْضُ الْعَرَبِ كُلُّهَا أَرْضُ عُشْرٍ؛ فَكُلُّ أَرْضٍ أَقْطَعَهَا الإِمَامُ مِمَّا فُتِحَتْ عُنْوَةً فَفِيهَا الْخَرَاجُ إِلا أَنْ يُصَيِّرُهَا الإِمَامُ عُشْرِيَّةً؛ وَذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ إِذَا أَقْطَعَ أحدا أَرضًا من أَرْضَ الْخَرَاجِ فَإِنْ رَأَى أَنْ يُصَيِّرَ عَلَيْهَا عُشْرًا، أَوْ عُشْرًا وَنِصْفًا، أَوْ عُشْرَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ خَرَاجًا؛ فَمَا رَأَى أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ أَهْلُهَا فَعَلَ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ فَكَيْفَمَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَ؛ إِلا مَا كَانَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْيَمَنِ فَإِنَّ هُنَالك لَا يَقَعُ خَرَاجٌ وَلا يَسَعُ الإِمَامَ وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ ذَلِكَ وَلا يُحَوِّلَهُ عَمَّا جَرَى عَلَيْهِ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحُكْمُهُ؛ فَقَدْ بَيَّنْتُ لَكَ فَخُذْ بِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ أَحْبَبْتَ، وَاعْمَلْ بِمَا تَرَى أَنَّه أَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَعَمُّ نَفْعًا لِخَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ وَأَسْلَمُ لَكَ فِي دِينِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي الْمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخطاب رَضِي
стр. 75
اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ إِلَى الْبَصْرَةِ -وَكَانَتْ تُسَمَّى أَرْضُ الْهِنْدِ- فَدَخَلَهَا وَنَزَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقاص الْكُوفَة، وَأَن زيادا ابْنَ أَبِيهِ هُوَ الَّذِي بَنَى مَسْجِدَهَا وَقَصْرَهَا وَهُوَ الْيَوْمُ فِي مَوْضِعِهِ، وَإِنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ افْتَتَحَ تُسْتَرَ وَأَصْبَهَانَ وَمَهْرَجَانَ قُذَقَ وَمَاهَ ذُبْيَانَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقاص محاصر الْمَدَائِن.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَكُلُّ مَنْ أَقْطَعَهُ الْوُلاةُ الْمَهْدِيُّونَ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ وَأَرْضِ الْعَرَبِ وَالْجِبَالِ مِنَ الأَصْنَافِ الَّتِي ذكرنَا أَن الإِمَام أَنْ يُقْطِعَ مِنْهَا؛ فَلا يَحِلُّ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ مِنَ الْخُلَفَاءِ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ وَلا يُخْرِجَهُ من يَدي من هُوَ ي يَدِهِ وَارِثًا أَوْ مُشْتَرِيًا؛ فَأَمَّا إِنْ أَخَذَ الْوَالِي مِنْ يَدِ وَاحِدٍ أَرْضًا وَأَقْطَعَهَا آخَرَ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ غَصَبَ وَاحِدًا وَأَعْطَى آخَرَ؛ فَلا يَحِلُّ لِلإِمَامِ وَلا يَسَعُهُ أَنْ يُقْطِعَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَقَّ مُسْلِمٍ وَلا مُعَاهِدٍ وَلا يُخْرِجَ مِنْ يَدِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلا بِحَقٍّ يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ بِذَلِك الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ فَيُقْطِعَهُ مَنْ أَحَبَّ مِنَ النَّاسِ؛ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ.
وَالأَرْضُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ فالإمام أَنْ يُجِيزَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَنْ كَانَ لَهُ غَنَاءٌ فِي الإِسْلامِ، وَمَنْ يَقْوَى بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ وَيَعْمَلُ فِي ذَلِكَ بِالَّذِي يَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَصْلَحُ لأَمْرِهِمْ، وَكَذَلِكَ الأَرَضُونَ يُقْطِعُ الإِمَامُ مِنْهَا مَنْ أَحَبَّ مِنَ الأَصْنَافِ الَّتِي سَمَّيْتُ، وَلا أَرَى أَنْ يَتْرُكَ أَرْضًا لَا مِلْكَ لأَحَدٍ فِيهَا وَلا عِمَارَةً حَتَّى يُقْطِعَهَا الإِمَام فَإِن ذَلِك أعمر لبلاد وَأَكْثَرُ لِلْخَرَاجِ؛ فَهَذَا حَدُّ الإِقْطَاعِ عِنْدِي على مَا أَخْبَرتك.
من كَانَ لَهُ أَرض فَلم يعمرها وَالْحكم فِي إقطاع الإِمَام:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَقَدْ أَقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَأَلَّفَ عَلَى الإِسْلامِ أَقْوَامًا وَأَقْطَعَ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ مَنْ رَأَوْا أَنَّ فِي إِقْطَاعِهِ صَلاحًا.
حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نُجَيْحٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْطَعَ لأُنَاسٍ مِنْ مُزَيْنَةَ أَوْ جُهَيْنَةَ أَرضًا؛ فَلم يعرموها فَجَاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوهَا فَخَاصَمَهُمُ الْجَهْنِيُّونَ أَوِ الْمُزَنِيُّونَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ مِنِّي أَوْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لَرَدَدْتُهَا؛ وَلَكِنَّهَا قَطِيعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ ثُمَّ تَرَكَهَا ثَلاثَ سِنِينَ فَلَمْ يَعْمُرَهَا فعمرها قوم آخَرُونَ فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزُّبَيْرَ أَرْضًا فِيهَا نَخْلٌ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ، وَذَكَرَ أَنَّهَا كَانَتْ أَرضًا يُقَال لَهَا الجرف، وَذُكِرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَقْطَعَ الْعَقِيقَ أَجْمَعَ لِلنَّاسِ حَتَّى جَازَتْ قَطِيعَةُ أَرْضِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ فَقَالَ: أَيْنَ الْمُسْتَقْطِعُونَ مُنْذُ الْيَوْمَ فَإِنْ يَكُنْ فِيهِمْ خَيْرٌ فَتَحْتَ قَدَمَيَّ. قَالَ خَوات بن جُبَير:
стр. 76
أَقْطِعْنِيهِ، فَأَقْطَعَهُ إِيَّاهُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ أَقْطَعَ أَبَا بَكْرٍ وَأَقْطَعَ عُمَرَ ﵄.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سِوَارٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ صَلْتٍ الْمَكِّيِّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: أَعْطَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَرْضًا؛ فَعَجَزُوا عَنْ عِمَارَتِهَا فَبَاعُوهَا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِثَمَانِيَةِ آلافِ دِينَارٍ أَوْ بِثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ؛ فَوَضَعُوا أَمْوَالَهُمْ عِنْدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁؛ فَلَمَّا أَخَذُوهَا وَجَدُوهَا تَنْقُصُ فَقَالُوا: هَذَا نَاقِصٌ قَالَ: أحسبوا زَكَاته؛ قَالَ: فَحَسبُوا فوجوده وَافِيًا، فَقَالَ: أَحَسِبْتُمْ أَنِّي أُمْسِكُ مَالا لَا أُزَكِّيهِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: أَقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَال بن الْحَارِث الْمُزَنِيَّ مَا بَيْنَ الْبَحْرِ وَالصَّخْرِ؛ فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْمَلَ هَذَا؛ فَطَيَّبَ لَهُ أَنْ يُقْطَعَهَا مَا خَلا الْمَعَادِنَ فَإِنَّهُ اسْتَثْنَاهَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: أَقْطَعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي النَّهْرَيْنِ، وَلِعَمَّارِ بن يسَار إِسْتِينْيَا، وَأَقْطَعَ خَبَّابًا صَنْعَاءَ، وَأَقْطَعَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ قَرْيَةَ هُرْمُزَانَ قَالَ: فَكُلٌّ جَارٍ. قَالَ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَسَعْدُ يعطيان أرضهما بِالثُّلثِ وَالرّبع١.
وَقَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَرْضُ خَرَاجٍ، وَكَانَ لِخَبَّابٍ أَرْضُ خَرَاجٍ، وَكَانَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ أَرْضُ خَرَاجٍ وَلِغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، وَكَانَ لِشُرَيْحٍ أَرْضُ خَرَاجٍ فَكَانُوا يُؤَدُّونَ عَنْهَا الْخَرَاجَ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: فَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الآثَارُ بِأَنَّ النَّبِيِّ ﷺ أَقْطَعَ أَقْوَامًا، وَأَنَّ الْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ أَقْطَعُوا، وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلاحَ فِيمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ؛ إِذْ كَان فِيهِ تَأَلُّفٌ عَلَى الإِسْلامِ وَعِمَارَةٌ لِلأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ إِنَّمَا أَقْطَعُوا مَنْ رَأَوْا أَنَّ لَهُ غَنَاءٌ فِي الإِسْلامِ وَنِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ، وَرَأَوْا أَنَّ الأَفْضَلَ مَا فَعَلُوا، وَلَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَأْتُوهُ وَلَمْ يَقْطَعُوا حَقَّ مُسْلِمٍ وَلا مُعَاهَدٍ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ بِغَيْرِ حَقٍّ طوقه من سبع أَرضين".
стр. 77
فَصْلٌ: فِي إِسْلامِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَهْلِ الْبَادِيَةِ عَلَى أَرضهم وَأَمْوَالهمْ
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَسْلَمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَرْضِهِمْ مَا الْحُكْمُ من ذَلِكَ؟ فَإِنَّ دِمَاءَهُمْ حَرَامٌ وَمَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ؛ فَلَهُمْ وَكَذَلِكَ أَرْضُوهُمْ لَهُمْ وَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ بِمَنْزِلَةِ الْمَدِينَةِ؛ حَيْثُ أَسْلَمَ أَهْلُهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتْ أَرْضُهُمْ أَرْضَ عُشْرٍ، وَكَذَلِكَ الطَّائِفُ وَالْبَحْرَانِ.
وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ إِذَا أَسْلَمُوا عَلَى مِيَاهِهِمْ وَبِلادِهِمْ؛ فَلَهُمْ مَا أَسْلمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي أَيّدهُم وَلَيْسَ لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقَبَائِلِ أَنْ يَبْنِيَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا يسْتَحق مِنْهُ شَيْئا وَلَا يحْفر فِيهِ بِئْرا يسْتَحق بِهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا الْكَلأَ وَلا يَمْنَعُوا الرِّعَاءَ وَلا الْمَوَاشِي من المَاء وَلَا حَافِظًا وَلا خُفًّا١ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ، وَأَرْضُهُمْ أَرْضُ عُشْرٍ لَا يُخْرِجُونَ عَنْهَا فِيمَا بَعْدُ وَيَتَوَارَثُونَهَا وَيَتَبَايَعُونَهَا.
وَكَذَلِكَ كُلُّ بِلادٍ. أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَهِيَ لَهُمْ وَمَا فِيهَا.
وَأَيُّمَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ صَالحهمْ الإِمَام أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى الْحُكْمِ وَالْقَسْمِ، وَأَنْ يُؤَدُّوا الْخَرَاجَ فَهُمْ أَهْلُ ذِمَّةٍ وَأَرْضُهُمْ أَرْضُ خَرَاجٍ وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ وَيُوَفَّى لَهُمْ وَلا يُزَادُ عَلَيْهِمْ.
وَأَيُّمَا أَرْضٍ افْتَتَحَهَا الإِمَامُ عُنْوَةً فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا؛ فَإِنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلَ فَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ وَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ وَإِنْ لَمْ يَرَ قِسْمَتَهَا وَرَأَى الصَّلاحَ فِي إِقْرَارِهَا فِي أَيدي أهليها كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي السَّوَادِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ وَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَهِيَ مِلْكٌ لَهُمْ يَتَوَارَثُونَهَا وَيَتَبَايَعُونَهَا وَيَضَعُ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ، وَلا يُكَلَّفُوا مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُطِيقُونَ.
стр. 78
فَصْلٌ: فِي مَوَاتِ الأَرْضِ فِي الصُّلْحِ وَالْعُنْوَةِ وَغَيْرِهِمَا
وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الأَرَضِينَ الَّتِي افْتُتِحَتْ عُنْوَةً أَوْ صُولِحَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَفِي بَعْضِ قُرَاهَا أَرْضٌ كَثِيرَةٌ لَا يُرَى عَلَيْهَا أَثَرُ زِرَاعَةٍ وَلا بِنَاءٍ لأَحَدٍ، مَا الصَّلاحُ فِيهَا؟ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي هَذَهِ الأَرَضِينَ أَثَرُ بِنَاءٍ وَلا زَرْعٍ، وَلَمْ تَكُنْ فَيْئًا لأَهْلِ الْقَرْيَةِ وَلا مَسْرَحًا وَلا مَوْضِعَ مَقْبَرَةٍ وَلا مَوْضِعَ مُحْتَطَبِهِمْ وَلَا مَوضِع مرعى دوايهم وَأَغْنَامِهِمْ، وَلَيْسَتْ بِمِلْكٍ لأَحَدٍ وَلا فِي يَدِ أَحَدٍ فَهِيَ مَوَاتٌ؛ فَمَنْ أَحْيَاهَا أَوْ أَحْيَا مِنْهَا شَيْئًا فَهِيَ لَهُ. وَلَكَ أَنْ تُقْطِعَ ذَلِكَ مَنْ أَحْبَبْتَ وَرَأَيْتَ وَتُؤَاجِرَهُ وَتَعْمَلَ فِيهِ بِمَا تَرَى أَنَّهُ صَلاحٌ. وَكُلُّ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ.
وَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهَل لَهُ إِذَا أَجَازَهُ الإِمَامُ، وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ فَلَيْسَتْ لَهُ، وَلِلإِمَامِ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ يَدِهِ وَيَصْنَعَ فِيهَا مَا رأى من الْإِجَازَة وَالإِقْطَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قِيلَ لأَبِي يُوسُفَ: مَا يَنْبَغِي لأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَالَ هَذَا إِلا مِنْ شَيْءٍ لأَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ"؛ فَبَيَّنَ لَنَا ذَلِكَ الشَّيْءَ فَإنَّا نرجو أَنْ تَكُونَ قَدْ سَمِعْتَ مِنْهُ فِي هَذَا شَيْئًا يُحْتَجُّ بِهِ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: حُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: الإِحْيَاءُ لَا يَكُونُ إِلا بِإِذْنِ الإِمَام. أَرَأَيْت رجلَيْنِ أَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَخْتَارَ مَوْضِعًا وَاحِدًا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنَعَ صَاحِبَهُ، أَيُّهُمَا أَحَقُّ بِهِ؟ أَرَأَيْتَ إِنْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُحْيِيَ أَرْضًا مَيْتَةً بِفِنَاءِ رَجُلٍ وَهُوَ مقرّ أَن لَا حق لَهُ فيِهَا فَقَالَ: لَا تُحْيِهَا فَإِنَّهَا بِفِنَائِي؛ وَذَلِكَ يَضُرُّنِي. فَإِنَّمَا جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذْنَ الْإِمَامِ فِي ذَلِك هَهُنَا فَصْلا بَيْنَ النَّاسِ؛ فَإِذَا أَذِنَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ لإِنْسَانٍ كَانَ لَهُ أَن يُحْيِيهَا، وَكَانَ ذَلِكَ الإِذْنُ جَائِزًا مُسْتَقِيمًا.
وَإِذَا مَنَعَ الإِمَامُ أَحَدًا كَانَ ذَلِكَ الْمَنْعُ جَائِزًا، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ النَّاسِ التَّشَاحُّ فِي الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ وَلا الضِّرَارُ فِيهِ مَعَ إِذْنِ الإِمَامِ وَمَنْعِهِ.
وَلَيْسَ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَرُدُّ الأَثَرَ إِنَّمَا رَدُّ الأَثَرِ أَنْ يَقُولَ: إِن أَحْيَانًا بِإِذْنِ الإِمَامِ فَلَيْسَتْ لَهُ؛ فَأَمَّا مَنْ يَقُولُ هِيَ لَهُ فَهَذَا اتِّبَاعُ الأَثَرِ وَلَكِنْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ لِيَكُونَ إِذْنُهُ فَصْلا فِيمَا بَيْنَهُمْ
стр. 79
من خصوماتهم وإضرار بَعضهم بعض١.
قَالَ أَبُو يُوسُف: أَمَّا أَنَا فَأَرَى إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى أَحَدٍ وَلا لأَحَدٍ فِيهِ خُصُومَةٌ أَنَّ إِذْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَائِزٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِذَا جَاءَ الضَّرَرُ؛ فَهُوَ عَلَى الْحَدِيثِ "وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ".
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: حَدَّثَنِي هِشَام بن عُرْوَة عبن أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَمن أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بن يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ". قَالَ عُرْوَةُ: فَحَدَّثَنِي مَنْ رَأَى ذَلِكَ النَّخْلَ يُضْرَبُ فِي أَصْلِهِ بِالْفُئُوسِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي لَيْثٌ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَادِيٌّ الأَرْضِ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ثُمَّ لَكُمْ مِنْ بَعْدُ؛ فَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِمُحْتَجِرٍ حَقٌّ بَعْدَ ثَلاثِ سِنِينَ"٢.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لمتحجر حَقٌّ بَعْدَ ثَلاثِ سِنِينَ"؛ وَذَلِكَ أَنَّ رِجَالا كَانُوا يَحْتَجِرُونَ مِنَ الأَرْضِ مَا لَا يَعْمَلُونَ٣.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِمُحْتَجِرٍ حَقٌّ بَعْدَ ثَلاثِ سِنِينَ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَنَا عَلَى الأَرْضِ الْمَوَاتِ الَّتِي لَا حَقٌّ لأَحَدٍ فِيهَا وَلا مِلْكٌ؛ فَمَنْ أَحْيَاهَا وَهِيَ كَذَلِكَ فَهِيَ لَهُ: يَزْرَعُهَا وَيُزَارِعُهَا وَيُؤَاجِرُهَا وَيُكْرِي مِنْهَا الأَنْهَارَ وَيُعَمِّرُهَا بِمَا فِيهِ مَصْلَحَتُهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ أدّى عَنْهَا الْعشْر، وَإِن
стр. 80
كَانَتْ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ أَدَّى عَنْهَا الْخَرَاجَ، وَإِنِ احْتَفَرَ لَهَا بِئْرًا أَوِ اسْتَنْبَطَ لَهَا قَنَاةً كَانَتْ أَرْضَ عُشْرٍ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَأَيُّمَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بَادُوا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَبَقِيَتْ أَرْضُوهُمْ مُعَطَّلَةٌ، وَلا يُعْرَفُ أَنَّهَا فِي يَدِ أَحَدٍ وَلا أَنَّ أَحَدًا يَدَّعِي فِيهَا دَعْوَى، وَأَخَذَهَا رَجُلٌ فَعَمَرَهَا وَحَرَثَهَا وَغَرَسَ فِيهَا، وَأَدَّى عَنْهَا الْخَرَاجَ وَالْعُشْرَ فَهِيَ لَهُ.
وَهَذِهِ الْمَوَاتُ هِيَ الَّتِي وَصَفْتُ لَكَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ وَلَيْسَ لِلإِمَامِ أَنْ يُخْرِجَ شَيْئًا مِنْ يَدِ أَحَدٍ إِلا بِحَقٍ ثَابِتٍ مَعْرُوفٍ.
وَلِلإِمَامِ أَنْ يُقْطِعَ كُلَّ مَوَاتٍ وَكُلُّ مَا كَانَ لَيْسَ لأحد يه مِلْكٌ، وَلَيْسَ فِي يَدِ أَحَدٍ وَيَعْمَلُ فِي ذَلِكَ بِالَّذِي يَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَعَمُّ نَفْعًا.
وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا مِمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ افْتَتَحُوهُ مِمَّا كَانَ فِي أَيْدِي أَهْل الشِّرْكِ عُنْوَةً، وَقَدْ كَانَ الإِمَامُ قَسَّمَهَا بَيْنَ الْجُنْدِ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا وَخَمَّسَهَا؛ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ لأَنَّهُ حِينَ قَسَّمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ صَارَتْ أَرْضَ عُشْرٍ؛ فَيُؤَدِّي عَنْهَا الَّذِي أَحْيَا مِنْهَا شَيْئًا الْعُشْرَ، كَمَا يُؤَدِّي هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَسَّمَهَا الإِمَامُ بَيْنَهُمْ.
وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ حِينَ افْتَتَحَهَا تَرَكَهَا فِي أَيْدِي أَهْلِهَا وَلَمْ يَكُنْ قَسَّمَهَا بَيْنَ مَنِ افْتَتَحَهَا، كَمَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ تَرَكَ السَّوَادَ فِي أَيدي أهليه؛ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ يُؤَدِّي عَنْهَا الَّذِي أَحْيَا مِنْهَا شَيْئًا الْخَرَاجَ كَمَا يُؤَدِّي الَّذِي كَانَ الإِمَامُ أَقَرَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ.
وَأَيُّمَا رَجُلٍ أَحْيَا أَرضًا من أَرض الْمَوَاتِ -مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ أَوْ أَرْضِ الْعَرَبِ الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا وَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ- فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الأَرَضِينَ الَّتِي افْتَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ مِمَّا فِي أَيْدِي أَهْلِ الشِّرْكِ؛ فَإِنْ أَحْيَاهَا وَسَاقَ إِلَيْهَا الْمَاءَ مِنَ الْمِيَاهِ الَّتِي كَانَت ي أَيْدِي أَهْلِ الشِّرْكِ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ، وَإِنْ أَحْيَاهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَاءِ -بِبِئْرٍ احْتَفَرَهَا فِيهَا أَوْ عَيْنٍ اسْتَخْرَجَهَا مِنْهَا- فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ. وَإِنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسُوقَ الْمَاءَ إِلَيْهَا مِنَ الأَنْهَارِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَيْدِي الأَعَاجِمَ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ سَاقَهُ أَوْ لَمْ يَسُقْهُ.
وَأَرْضُ الْعَرَبِ مُخَالِفَةٌ لأَرْضِ الْعَجَمِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا يُقَاتَلُونَ عَلَى الإِسْلامِ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ وَلا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِلا الإِسْلامَ؛ فَإِنْ عُفيَ لَهُم عَن بِلَادهمْ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ وَإِنْ قَسَّمَهَا الإِمَامُ وَلَمْ يَدَعْهَا لَهُمْ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ، وَلَيْسَ يُشْبِهُ الْحُكْمُ فِي الْعَرَب الحكم.
стр. 81
فِي الْعَجم لأَنهم يُقَاتَلُونَ عَلَى الإِسْلامِ وَعَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ وَالْعَرَبُ لَا يُقَاتَلُونَ إِلا عَلَى الإِسْلامِ؛ فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلُوا، وَلا نَعْلَمُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَلا أَحَدًا مِنَ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِهِ أَخَذُوا مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ جِزْيَةً؛ إِنَّمَا هُوَ الإِسْلامُ أَوْ الْقَتْلُ.
فَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ سَبَى النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ، كَمَا سَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ ذَرَارِيَّ هَوَازِنَ وَنِسَاءَهُمْ، ثُمَّ عَفَا عَنْهُمْ بَعْدُ وَأَطْلَقَ عَنْهُمْ؛ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِأَهْلِ الأَوْثَانِ مِنْهُمْ.
فَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ الْعَرَبِ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الأَعَاجِمِ تُقْبَلُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ كَمَا أَضْعَفَ عُمَرُ ﵁ عَلَى بَنِي تَغْلِبَ الصَّدَقَةَ عِوَضًا مِنَ الْخَرَاجِ١، وَكَمَا وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرِيًّا٢ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ؛ فَهَذَا عِنْدَنَا كَأَهْلِ الْكتاب، وكما صَالح أهل نجر أَن عَلَى فِدْيَةٍ.
وَأَمَّا الْعَجَمُ فَتُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْهُمْ وَالْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ مِنَ الرِّجَالِ مِنْهُمْ، وَقَدْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ أَهْلِ هَجَرَ وَالْمَجُوس وَأهل شِرْكٍ وَلَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ، وَهَؤُلاءِ عِنْدَنَا مِنَ الْعَجَمِ وَلا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ وَلا تُؤْكَلُ ذَبَائِحِهُمُ٣.
وَوَضَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى مُشْرِكِي الْعَجَمِ بِالْعِرَاقِ الْجِزْيَةَ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ عَلَى الطَّبَقَاتِ الْمُعْسِرِ وَالْمُوسِرِ وَالْوَسَطِ.
وَأَهْلِ الرِّدَّةِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ الْحُكْمُ فِيهِمْ كَالْحُكْمِ فِي عَبَدَةِ الأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِلَّا بِالْإِسْلَامِ أَوِ الْقَتْلُ، وَلا تُوضَعُ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَة.
стр. 82
فَصْلٌ: الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدِّينَ إِذَا حَاربُوا وَمنعُوا الدَّار
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَلَوْ أَنَّ الْمُرْتَدِّينَ مَنَعُوا الدَّارَ وَحَارَبُوا سُبِيَ نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيهِمْ وَأُجْبِرُوا عَلَى الإِسْلامِ كَمَا سَبَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ ذَرَارِيَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ.
وَكَمَا سَبَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ الله وَجه بني نَاجِية مُوَافَقَةً لأَبِي بَكْرٍ وَلا يُوضَعُ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ.
وَإِنْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْقِتَالِ وَقَبْلَ أَنْ يُظْهَرَ عَلَيْهِمْ حَقَنُوا دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُم وَامْتَنَعُوا مِنَ السِّبَاءِ.
وَإِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ؛ فَأَسْلَمُوا حَقَنُوا الدِّمَاءَ وَمَضَى فِيهِمْ حُكْمُ السِّبَاءِ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؛ فَأَمَّا الرِّجَالُ فَأَحْرَارٌ لَا يُسْتَرَقُّونَ.
وَقَدْ فَدَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأَسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ؛ فَلَمْ يَكُونُوا رَقِيقًا، وَأَطْلَقَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ فَلَمْ يَكُونَا رَقِيقًا وَلَم يَكُونَا مَوَالِيَ لِمَنْ حَقَنَ دِمَاءَهُمْ.
وَلَيْسَ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَلا مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ سَبْيٌ وَلا جِزْيَةٌ إِنَّمَا هُوَ الْقَتْلُ أَوِ الإِسْلامُ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ أَوِ الإِسْلامُ فَظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى دَارِهِمْ سَبَى الذَّرَارِيَّ، وَقَتَلَ الرِّجَالَ وَقُسِّمَتِ الْغَنِيمَةُ عَلَى مَوَاضِعِ قِسْمَةِ الْخُمُسِ لِمَنْ سَمَّى الله فِي كِتَابِهِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَهَذَا جَائِزٌ.
وَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ السِّبَاءَ وَأَطْلَقَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ وَتَرَكَ الأَرْضَ وَأَمْوَالهمْ فَهُوَ فِي سَعَةٍ، وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ جَائِزٌ. وَأَرْضُهُمْ أَرْضُ عُشْرٍ لَا تُشْبِهُ أَرْضَ الْخَرَاجِ لأَنَّ حُكْمَ هَذَا مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْخَرَاجِ.
وَقَدْ ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى غَيْرِ دَارٍ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ فَتَرَكَهَا عَلَى حَالهَا، من ذَلِكَ الْبَحْرَانِ وَالْيَمَامَةُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ بِلادِ غَطَفَانَ وَتَمِيمٍ.
وَأَمَّا مَا جَلَبُوا بِهِ فِي عَسْكَرِهِمْ؛ فَلَيْسَ يُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ بَيْنَ الَّذِينَ غَنِمُوهُ وَالْخُمُسُ لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ١.
وَغَنِيمَةُ الْعَسْكَرِ مُخَالِفَةٌ لِمَا أَفَاءَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، وَالْحُكْمُ فِي هَذَا غَيْرُ الْحُكْمِ فِي تِلْكَ الْغَنَائِمِ، تِلْكَ غَنَائِمُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ سَوَاءٌ: الْخُمُسُ بَيْنَ مَنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ بَيْنَ الَّذين قَاتلُوا عَلَيْهِ وغنموه.
стр. 83
فصل: أَهْلُ الْقُرَى وَالأَرَضِينَ وَالْمَدَائِنُ وَأَهْلُهَا وَمَا فِيهَا
وَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى وَالأَرَضِينَ وَالْمَدَائِنُ وَأَهْلُهَا وَمَا فِيهَا فَالإِمَامُ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ تَرَكَهُمْ فِي أَرْضِهِمْ وَدُورِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ وَسَلَّمَ لَهُمْ أَمْوَالَهُمْ وَوضع عَلَيْهِم الْجِزْيَة، وَالْخَارِج مَا خَلا الرِّجَالَ مِنْ عَبَدَةِ الوثان مِنَ الْعَرَبِ خَاصَّةً؛ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ إِنَّمَا هُوَ الإِسْلامُ أَوِ الْقَتْلُ.
وَلا خُمُسَ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، أَلا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ فِي كِتَابِهِ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الْحَشْر: ٧] ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الْحَشْر: ٨] ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ تبوأوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الْحَشْر: ٩] ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الْحَشْر: ١٠] ، فَصَارَ فِي الْقُرَى هَؤُلاءِ جَمِيعًا، وَهَذَا فِي غَيْرِ غَنِيمَةِ الْعَسَاكِرِ، وَقَدْ تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْقُرَى مَا لَمْ يُقْسَمْ.
وَقَدْ ظَهَرَ عَلَى مَكَّةَ عُنْوَةً، وَفِيهَا أَمْوَالٌ فَلَمْ يُقَسِّمْهَا وَظَهَرَ عَلَى قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، وَعَلَى غير دَار من ندور الْعَرَبِ؛ فَلَمْ يُقَسِّمْ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ غَيْرَ خَيْبَرَ؛ فَلِذَلِكَ كَانَ الإِمَام بِالْخِيَارِ إِن قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَسَنٌ، وَإِنْ تَرَكَ كَمَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ خَيْبَرَ فَحَسَنٌ.
وَقَدْ تَرَكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ السَّوَادَ وَهَذِهِ الْبِلْدَانُ مِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا افْتُتِحَ عُنْوَةً؛ وَإِنَّمَا كَانَ الصُّلْحُ مِنْ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْحُصُونِ؛ فَأَمَّا الْبِلْدَانُ فَحَازُوهَا وَظَهَرُوا عَلَيْهَا عُنْوَةً فَتَرَكَهَا عُمَرُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ وَلِمَنْ يَجِيء مِنْ بَعْدِهِمْ، وَرَأَى الْفَضْلَ فِي ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ يَمْضِي عَلَى مَا رَأَى مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ أَن يحْتَاط للْمُسلمين وَالدّين١.
стр. 84
فَصْلٌ: حَدُّ أَرْضِ الْعُشْرِ مِنْ أَرض الْخراج
قَالَ أَبُو يُوسُف ﵀: فَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حَدِّ أَرْضِ الْعُشْرِ مِنْ حَدِّ أَرْضِ الْخَرَاجِ؛ فَكُلُّ أَرْضٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا، وَهِيَ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ أَوْ أَرْضِ الْعَجَمِ فَهِيَ لَهُمْ وَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ، بِمَنْزِلَةِ الْمَدِينَةِ حِينَ أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا وَبِمَنْزِلَةِ الْيَمَنِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةَ وَلا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلا الإِسْلامَ أَوِ الْقَتْل مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ؛ فَأَرْضُهُمْ أَرْضُ عُشْرٍ، وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهَا الإِمَامُ لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ ظَهَرَ عَلَى أَرَضِينَ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ وَتَرَكَهَا؛ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ حَتَّى السَّاعَةَ.
قَالَ: وَأَيُّمَا دَارٍ مِنْ دُورِ الأَعَاجِمِ قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهَا الإِمَامُ وَتَرَكَهَا فِي أَيْدِي أَهْلِهَا؛ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ، وَإِنْ قَسَّمَهَا بَيْنَ الَّذِينَ غَنِمُوهَا فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ. أَلا تَرَى أَنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ ظَهَرَ عَلَى أَرْضِ الأَعَاجِمِ وَتَرَكَهَا فِي أَيْدِيهِمْ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ. وَكُلُّ أَرْضٍ مِنْ أَرَاضِي الأَعَاجِمِ صَالَحَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا وَصَارُوا ذمَّة فَهِيَ أَرض خراج.
стр. 85
فَصْلٌ: فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ
وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَمَّا يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنْ حِلْيَةٍ وَعَنْبَرٍ؛ فَإِنَّ فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنَ الْحِلْيَةِ وَالْعَنْبَرِ الْخُمُسُ؛ فَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَلا شَيْءَ فِيهِ. وَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَقُولانِ: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السَّمَكِ.
وَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي أَرَى فِي ذَلِكَ الْخُمُسَ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِمَنْ أَخْرَجَهُ؛ لأَنَّا قَدْ رُوِينَا فِيهِ حَدِيثًا من عُمَرَ ﵁، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فَاتَّبَعْنَا الأَثَرَ وَلَمْ نَرَ خِلافَهُ.
قَالَ أَبُو يُوسُف ﵀: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ عَنْ عَمْرو بن دِينَار عَن طَاوُوس عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ اسْتَعْمَلَ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ عَلَى الْبَحْرِ؛ فَكَتَبَ إِلَيْهِ فِي عَنْبَرَةٍ وَجَدَهَا رَجُلٌ عَلَى السَّاحِلِ يَسْأَلُهُ عَنْهَا وَعَمَّا فِيهَا؛ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ.
"إِنَّهُ سَيْبٌ مِنْ سَيْبِ اللَّهِ فِيهَا وَفِيمَا أَخْرَجَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنَ الْبَحْرِ الْخُمُسُ" قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: "وَذَلِكَ رَأْيِي".
стр. 86
فَصْلٌ: فِي الْعَسَلِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ
وَأَمَّا الْعَسَلُ وَالْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَأَشْبَاهُ ذَلِك فَإِن الْعَسَلِ الْعُشْرَ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ وَإِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ, إِذا كَانَ فِي المفاوز والجبار على الْأَشْجَار أَو فِي الكهور فَلا شَيْءَ فِيهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الثِّمَارِ تَكُونُ فِي الْجِبَالِ وَالأَوْدِيَةِ لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا وَلا عُشْرَ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: كَتَبَ أَمِيرُ الطَّائِفِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ أَصْحَابَ النَّحْلِ لَا يُؤَدُّونَ إِلَيْنَا مَا كَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَسْأَلُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ نَحْمِيَ لَهُمْ أَوْدِيَتَهُمْ، فَاكْتُبْ إِلَيَّ بِرَأْيِكَ فِي ذَلِكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ "إِنْ أَدَّوْا إِلَيْكَ مَا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاحْمِ لَهُمْ أَوْدِيَتَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدُّوا إِلَيْكَ مَا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلا تَحْمِ لَهُمْ" قَالَ: "وَكَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً١.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ فِي الْخَلايَا٢ مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي الأَحْوَصُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ "فِي كُلِّ عَشْرَةِ أَرْطَالٍ رَطْلٌ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُحَرَّرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ يَرْفَعُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ".
وَأَمَّا اللَّوْزُ وَالْجَوْزُ وَالْبُنْدُقُ وَالْفُسْتُقُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ فَفِيهِ الْعُشْرُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ، وَالْخَرَاجُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ لِأَنَّهُ يُكَال.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَلَيْسَ فِي الْقَصَبِ وَلا فِي الْحَطَبِ وَلا فِي الْحَشِيش وَلا فِي التِّبْنِ وَلا فِي السَّعَفِ عُشْرٌ وَلا خَمْسٌ وَلا خراج.
стр. 87
وَأَمَّا قَصَبُ الذَّرِيرَةِ فَإِنْ كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ فَفِيهِ الْخَرَاجُ.
وَأَمَّا قَصَبُ السُّكَّرِ فَفِيهِ الْعُشْرُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ، وَالْخَرَاجُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ لأَنَّهُ ثَمَرٌ يُؤْكَلُ. وَقَصَبُ الذَّرِيرَةِ وَإِنْ لَمْ يُؤْكَلْ فَلَهُ ثَمَرَةٌ وَمَنْفَعَةٌ١.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَلَيْسَ فِي النِّفْطِ وَالْقِيرِ وَالزِّئْبَقِ وَالْمَوْمَيَاءِ -إِنْ كَانَ لشَيْء مِنْ ذَلِكَ عَيْنٌ فِي الأَرْضِ- شَيْءٌ نَعْلَمُهُ، كَانَ فِي أَرْضِ عُشْرٍ أَوْ فِي أَرْضِ خَرَاجٍ.
стр. 88
فصل: قصَّة نَجْرَان وَأَهْلهَا وَكتاب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وَسَأَلْتَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ نَجْرَانَ وَأَهْلِهَا وَكَيْفَ كَانَ الْحُكْمُ جَرَى فِيهِمْ وَفِيهَا. وَلِمَ أُخْرِجُوا مِنْهَا بَعْدَ الشَّرْطِ الَّذِي كَانَ شُرِطَ عَلَيْهِمْ، وَمَا السَّبَبُ فِي ذَلِكَ؟ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَقَرَّ أَهْلَهَا فِيهَا عَلَى شُرُوطٍ اشْتَرَطَهَا عَلَيْهِمْ وَاشْتَرَطُوهَا هُمْ، وَكَتَبَ لَهُمْ بِذَلِكَ كِتَابًا، قَدْ ذَكَرْتُ نُسْخَتَهُ لَكَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ وَإِلَى غَيْرِهِمْ، وَكَتَبَ لَهُمْ عَهْدًا؛ فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى نَجْرَانَ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحِم الرَّحِيمِ - هَذَا أَمَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُوله، يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ. عهد عَن مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، آمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ، وَأَن يفعل وَيفْعل وَيَأْخُذ مِنَ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَمَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الثِّمَارِ". وَإِنَّ نُسْخَةَ كِتَابِ النَّبِيّ ﷺ لَهُمُ الَّتِي فِي أَيْديهم:
كتاب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأهل نَجْرَانَ:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا مَا كتب مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ نَجْرَانَ -إِذْ كَانَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ- فِي كُلِّ ثَمَرَةٍ وَفِي كُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ١ وَرَقِيقٍ؛ فَأَفْضَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَتَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ مِنْ حُلَلِ الأَوَاقِي فِي كُلِّ رَجَبٍ أَلْفُ حُلَّةٍ وَفِي كُلِّ صَفَرٍ أَلْفُ حُلَّةٍ مَعَ كُلِّ حُلَّةٍ أُوقِيَّةٌ مِنَ الْفِضَّةِ، فَمَا زَادَتْ عَلَى الْخَرَاجِ أَوْ نَقَصَتْ عَنِ الأَوَاقِي فَبِالْحِسَابِ، وَمَا قَضَوْا مِنْ دُرُوعٍ أَوْ خَيْلٍ أَوْ رِكَابٍ أَوْ عَرُوضٍ٢ أُخِذَ مِنْهُمْ
стр. 89
بِالْحِسَابِ. وَعَلَى نَجْرَانَ مَؤُنَةُ رُسُلِي وَمُتْعَتُهُمْ مَا بَيْنَ عِشْرِينَ يَوْمًا فَمَا دُونَ ذَلِكَ، وَلا تُحْبَسُ رُسُلِي فَوْقَ شَهْرٍ، وَعَلَيْهِمْ عَارِيَةٌ ثَلاثِينَ دِرْعًا وَثَلاثِينَ فَرَسًا وَثَلاثِينَ بَعِيرًا إِذَا كَانَ كَيْدٌ بِالْيَمَنِ وَمَعَرَّةً.
وَمَا هَلَكَ مِمَّا أَعَارُوا رُسُلِي مِنْ دُرُوعٍ أَوْ خَيْلٍ أَوْ رِكَابٍ أَوْ عَرُوضٍ؛ فَهُو ضَمِينٌ عَلَى رُسُلِي حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَيْهِم.
ولنجران وحاشيتها جِوَارُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَرْضِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَغَائِبِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ وَعَشِيرَتِهِمْ وَبِيَعِهِمْ وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، لَا يُغَيَّرُ أُسْقُفٌ من أسيقفيته وَلا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ وَلا كَاهِن من كهنته وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَنبه. وَلا دَمَ جَاهِلِيَّةٍ وَلا يَخْسَرُونَ وَلا يَعْسِرُونَ وَلا يَطَأُ أَرْضَهُمْ جَيْشٌ. وَمَنْ سَأَلَ مِنْهُمْ حَقًّا فَبَيْنَهُمُ النَّصَفُ١ غَيْرَ ظَالِمِينَ وَلا مَظْلُومِينَ.
وَمَنْ أَكَلَ رِبًا مِنْ ذِي قَبْلِ فَذِمَّتِي مِنْهُ بَرِيئَةٌ. وَلا يُؤْخَذُ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِظُلْمِ آخَرَ٢، وَعَلَى مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ جِوَارُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ أَبَدًا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، مَا نَصَحُوا وَأَصْلَحُوا مَا عَلَيْهِمْ غَيْرَ مُتَفَلِّتِينَ بِظُلْمٍ.
شَهِدَ أَبُو سُفْيَانُ بْنُ حَرْبٍ وَغَيْلانُ بْنُ عَمْرٍو وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ مِنْ بَنِي نَصْرٍ وَالأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيُّ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ.
وَكَتَبَ لَهُمْ هَذَا الْكِتَابَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بكر.
كتاب أبي بكر لأهل نَجْرَان:
قَالَ: ثُمَّ جَاءُوا مِنْ بَعْدُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَكَتَبَ لَهُمْ:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا مَا كَتَبَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ نَجْرَانَ، أَجَارَهُمْ بِجِوَارِ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَرْضِيهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَحَاشِيَتِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ وَغَائِبِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ وَأَسَاقِفَتِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ وَبِيَعِهِمْ٣ وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ لَا يخسرون وَلَا يعسرون, لَا يُغير أسيقف مِنْ أُسْقُفُيَّتِهِ وَلا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ وَفَاءً لَهُمْ بِكُلِّ مَا كَتَبَ لَهُمْ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ جِوَارُ اللَّهِ وَذمَّة النَّبِيِّ ﷺ أبدا وَعَلَيْهِم
стр. 90
النُّصْحُ وَالإِصْلاحُ فِيمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ.
شَهِدَ الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ عَمْرٍو -أَحَدُ بَنِي الْقَيْنِ- وَعَمْرٌو مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ وَرَاشِدُ بْنُ حُذَيْفَةَ والمغيرة، وَكتب".
مَا فعل عمر بِأَهْل نَجْرَان وَمَا كتب لَهُم:
ثُمَّ جَاءُوا مِنْ بَعْدِ أَنِ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ أَجْلاهُمْ عَنْ نَجْرَانَ الْيَمَنَ وَأَسْكَنَهُمْ بِنَجْرَانَ الْعِرَاقَ لأَنَّهُ خَافَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَكَتَبَ لَهُمْ:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا مَا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لأَهْلِ نَجْرَانَ مَنْ سَارَ مِنْهُمْ آمِنٌ بِأَمَانِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفَاءً لَهُمْ بِمَا كَتَبَ لَهُمْ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁.
"أَمَّا بَعْدُ": فَمن مروا بِهِ من أرماء الشَّام وأمراء الْعرَاق فليسقوهم من حرث الأَرْض، فَمَا اعتملوا مِنْ ذَلِكَ فَهُو لَهُمْ صَدَقَةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ وَعَقْبَةٌ لَهُمْ مَكَانَ أَرْضِهِمْ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ فِيهِ لأَحَدٍ وَلا مَغْرَمَ.
"أَمَّا بَعْدُ"؛ فَمَنْ حَضَرَهُمْ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَلْيَنْصُرْهُمْ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُمْ فَإِنَّهُمْ أقواهم لَهُم الذِّمَّة وجريتهم عَنْهُمْ مَتْرُوكَةٌ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرِينَ شَهْرًا بَعْدَ أَنْ يَقْدِمُوا وَلا يُكَلَّفُوا إِلا مِنْ صُنْعِهِمُ الْبِرَّ غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلا مُعْتَدَى عَلَيْهِمْ. شَهِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ وَمُعَيْقِيبٌ، وَكَتَبَ".
مَا كتبه لَهُم عُثْمَان:
فَلَمَّا قُبِضَ عُمَرُ ﵁، وَاسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ أَتَوْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ فَكَتَبَ لَهُمْ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ -وَهُوَ عَامِلُهُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُثْمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، سَلامُ اللَّهِ عَلَيْكَ؛ فَإِنِّي أَحْمَد اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الأَسْقُفَ وَالْعَاقِبَ وَسُرَاةِ أَهْلِ نَجْرَانَ الَّذِينَ بِالْعِرَاقِ، أَتَوْنِي فَشَكَوْا إِلَيَّ وَأَرَوْنِي شَرْطَ عُمَرَ لَهُمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنِّي قَدْ خَفَّفْتُ عَنْهُمْ ثَلاثِينَ حُلَّةً مِنْ جِزْيَتِهِمْ تَرَكْتُهَا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَإِنِّي وَفَّيْتُ لَهُمْ بِكُلِّ أَرْضِهِمُ الَّتِي تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ عُقْبَى مَكَانِ أَرْضِهِمْ بِالْيَمَنِ فَاسْتَوْصِ بِهِمْ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُمْ أَقْوَامٌ لَهُمْ ذِمَّةٌ، وَكَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مَعْرِفَةٌ. وَانْظُرْ صَحِيفَةً كَانَ عُمَرُ كَتَبَهَا لَهُمْ فَأَوْفِهِمْ مَا فِيهَا، وَإِذَا قَرَأْتَ صَحِيفَتَهُمْ فَارْدُدْهَا عَلَيْهِمْ وَالسَّلامُ.
стр. 91
وَكَتَبَ حُمْرَانُ بْنُ أَبَانٍ، لِلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ".
مَا طلبه أهل نَجْرَان من على:
فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدِمَ الْعِرَاقَ أَتَوْهُ؛ فَحَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ ابْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: أَتَى أَسْقَفُ نَجْرَانَ عَلِيًّا ﵁، وَمَعَهُ كِتَابٌ فِي أَدِيمٍ أَحْمَرَ.
قَالَ: أَسْأَلُكَ يَا أَمِيَر الْمُؤْمِنِينَ خَطَّ يَديك وَشَفَاعَةَ لِسَانِكَ -يَعْنِي لَمَا رَدَدْتَنَا إِلَى بِلَادنَا- قَالَ فَأَبَى عَلِيٌّ ﵁ أَنْ يَرُدَّهُمْ وَقَالَ: وَيْحَكَ إِنَّ عُمَرَ كَانَ رَشِيدَ الأَمْرِ.
قَالَ وَكَانَ عُمَرُ ﵁ أَجْلاهُمْ لأَنَّهُ خَافَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَانُوا اتَّخَذُوا الْخَيْلَ وَالسِّلاحَ فِي بِلادِهِمْ فَأَجْلاهُمْ عَنْ نَجْرَانَ الْيَمَنَ وَأَسْكَنَهُمْ نَجْرَانَ الْعِرَاقَ.
قَالَ: وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ عَلِيًّا لَوْ كَانَ مُخَالِفًا لِسِيرَةِ عُمَرَ لَرَدَّهُمْ، ثمَّ كتب لَهُم عَلِيٌّ ﵁.
مَا كتبه عَليّ لأهل نَجْرَانَ:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا كِتَابٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لأَهْلِ النَّجْرَانِيَّةِ، إِنَّكُمْ أَتَيْتُمُونِي بِكِتَابٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فِيهِ شَرْطٌ لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَإِنِّي وَفَّيْتُ لَكُمْ بِمَا كَتَبَ لَكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؛ فَمَنْ أَتَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَفِ لَهُمْ وَلا يُضَامُوا وَلا يُظْلَمُوا وَلا يُنْتَقَصُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ.
وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلاثِينَ، مُنْذُ وَلَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة".
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَهَذِهِ الْحُلَلُ الْمُسَمَّاةُ هِيَ الْوَاجِبَةُ على أَرضهم وعَلى جِزْيَة رُءُوسهم تقسم على رُءُوس الرِّجَال الَّذين لم يسلمُوا وعَلى كُلِّ أَرْضٍ مِنْ أَرَاضِي نَجْرَانَ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ بَاعَ أَرْضَهُ أَوْ بَعْضَهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ تَغْلِبِيٍّ.
وَالْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي أَرضهم.
فَأَما جِزْيَة رُءُوسهم؛ فَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ شَيْءٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِمُ الْيَوْمَ لِنَجْرَانَ هَذِهِ ضِيَافَةٌ، وَلا نَائِبَةٌ لِلرُّسُلِ وَلا لِلْوَالِي؛ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ بِنَجْرَانَ الْيَمَنِ. أَمَّا الْيَوْم فَلَا.
стр. 92
قَالَ: وَلَوِ اشْتَرَى نَجْرَانِيٌّ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا الْخَرَاجُ وَلَمْ يَمْنَعَ الْخَرَاجَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الأَرْضِ النَّجَرَانِيَّةِ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِجِزْيَةِ رَأْسِهِ وَالأَرْضُ إِنْ كَانَتْ لَهُ بِنَجْرَانَ خَاصَّةً مِنَ الْحُلَلِ؛ لأَنَّ الْحُلَلَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ لِجِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ فِي أَرْضِ نَجْرَانَ خَاصَّةً، وَقَدْ يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَقَ بِهِمْ وَيُحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَيُوَفَّى لَهُمْ بِذِمَّتِهِمْ وَلا يُحَمَّلُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ وَلا يظلموا وَلَا يعسوا وَلا يَخْسَرُوا وَلا يُكَلَّفُوا مَؤُنَةً وَلا نَائِبَةً، وَأَنْ يُبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَجْبِيهِمْ فِي بِلادِهِمْ وَلا يَلْزَمُ نِسَاءَهُمْ وَلا صِبْيَانَهُمْ فِي رُءُوسهم جِزْيَة من احلل وَلَا من غَيرهَا.
حُكُومَة عمر فِي أَرض نَجْرَان الْيمن:
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ عَنْ مُحَمَّد بن عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن سَابِطٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: لَمَّا بَعَثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى خَرَاجِ أَرْضِ نَجْرَانَ -يَعْنِي نَجْرَانَ الَّتِي قُرْبَ الْيَمَنِ- كَتَبَ إِلَيَ أَنِ انْظُرْ كُلَّ أَرْضٍ جَلا أَهْلُهَا عَنْهَا؛ فَمَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ بَيْضَاءَ تُسْقَى سَيْحًا أَوْ تَسْقِيهَا السَّمَاءُ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ نَخِيلٍ أَوْ شَجَرٍ فَادْفَعْهُ إِلَيْهِمْ يَقُومُونَ عَلَيْهِ وَيَسْقُونَهُ؛ فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَلِعُمَرَ وَلِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ الثُّلُثَانِ وَلَهُمُ الثُّلُثُ، وَمَا كَانَ مِنْهُم يُسْقَى بِغَرْبٍ فَلَهُمُ الثُّلُثَانِ وَلِعُمَرَ وَلِلْمُسْلِمِينَ الثُّلُثُ. وَادْفَعْ إِلَيْهِمْ مَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ بَيْضَاءَ١ يَزْرَعُونَهَا؛ فَمَا كَانَ مِنْهَا يُسْقَى سَيْحًا أَوْ تُسْقِيهِ السَّمَاءُ فَلَهُمُ الثُّلُثُ، وَلِعُمَرَ وَلِلْمُسْلِمِينَ الثُّلُثَانِ. وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ بَيْضَاءَ تُسْقَى بِغَرْبٍ فَلَهُمُ الثُّلُثَانِ وَلِعُمَرَ وَلِلْمُسْلِمِينَ الثُّلُثُ.
стр. 93
فَصْلٌ: فِي الصَّدَقَاتِ
وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَمَّا يَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَة، وَفِي الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ، وَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَامَلَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ الأَصْنَافِ؟ فَمُرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا بِأَخْذِ الْحَقِّ وَإِعْطَائِهِ مَنْ وَجَبَ لَهُ وَعَلَيْهِ وَالْعَمَلَ فِي ذَلِكَ بِمَا سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ من سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ. هَكَذَا رُوِيَ لَنَا عَنْ نَبِيِّنَا ﷺ ، وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَكَ مِمَّنِ اسْتَنَّ بِفِعْلِهِ وَرَضِيَ عَمَلَهُ، وَأَعْظَمَ عَلَيْهِ ثَوَابَهُ، وَأَنْ يُعِينُكَ عَلَى مَا وَلاكَ، وَيَحْفَظَ لَكَ مَا استرعاك.
стр. 94
وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا بَلَغَنَا أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ الأَصْنَافِ مِنَ الصَّدَقَاتِ؛ وَعَلَيْهِ أَدْرَكْتُ فُقَهَاءَنَا، وَهُوَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْنَا فِي ذَلِكَ -حَدِيثًا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ كِتَابًا فِي الصَّدَقَةِ فَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، أَوْ قَالَ بِوَصِيَّتِهِ فَلَمْ يُخْرِجَهُ حَتَّى قُبِضَ ﷺ ، فَعَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى هَلَكَ ثُمَّ عمل بِهِ عمر.
زَكَاة الْغنم:
قَالَ: فَكَانَ فِيهِ "فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَتْ فَشَاتَانِ، إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ فَثَلاثُ شِيَاهٍ إِلَى ثَلاثِمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ. وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ الْمِائَةَ.
زَكَاة الْإِبِل:
وَفِي خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ،
وَفِي خَمْسَةِ عَشَرَ ثَلاثُ شِيَاهٍ،
وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ،
وَفِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ بنت مخاص، إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ؛
فَإِن زَادَتْ فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ، إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ،
فَإِنْ زَادَتْ فَفِيهَا حُقَّةٌ إِلَى سِتِّينَ ,
فَإِنْ زَادَتْ فَفِيهَا جَزَعَةٌ إِلَى خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ ,
فَإِنْ زَادَتْ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ ,
فَإِنْ زَادَتْ فَفِيهَا حُقَّتَانِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ،
فَإِنْ زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حُقَّةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ،
وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ،
وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ١ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ".
وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا زَادَتِ الإِبْلُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَبِحِسَابٍ تُسْتَقْبَلُ بِهَا الْفَرِيضَةُ وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فَإِذَا كَثُرَتِ الإِبِلُ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حُقَّةٌ، وَكَذَلِكَ الْغَنَمُ إِذَا كَثُرَتْ فَفِي كل مائَة شَاة: شَاة.
زَكَاة الْبَقر:
وَلَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاثِينَ بَقَرَةً مِنَ الْبَقَرِ السَّائِمَةِ شَيْءٌ؛ فَإِذا كَانَت ثَلَاثِينَ فِيهَا تَبِيعٌ جَذَعٌ، إِلَى تِسْعٍ وَثَلاثِينَ، فَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا مُسِنَّةٌ؛ فَإِذَا كَثُرَتْ فَفِي كُلِّ ثَلاثِينَ تتبع جَذَعٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: لَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ معَاذ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ
стр. 95
مُسِنَّةً، وَقَدْ بَلَغَنَا مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
القَوْل فِي زَكَاة الْخَيل:
أما الْخَيْلُ فَإِنِّي أَدْرَكْتُ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ مَشْيَخَتِنَا يَخْتَلِفُونَ فِيهَا؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: فِي الْخَيْلِ السَّائِمَةِ الصَّدَقَةُ دِينَارٌ فِي كُلِّ فَرَسٍ، وَرُوِيَ لَنَا ذَلِكَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ بَلَغَنَا نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁. وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَيْضًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ يُخَالِفُ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَوْ لَا يَرْفَعُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّه قَالَ: "قَدْ عَفَوْتُ لأُمَّتِي عَنِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ".
وَقَدْ رُوِينَا عَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا نَقَلَهُ إِلَيْنَا رِجَالٌ مَعْرُوفُونَ أَنَّهُ قَالَ "تَجَاوَزْتُ لأُمَّتِي عَنِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ".
وَمِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَن أبي إِسْحَاق، عَن الْحَارِث عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَجَاوَزْتُ لَكُمْ عَن صَدَقَة الْخَيل وَالرَّقِيق".
الْإِبِل وَالْبَقر العوامل:
فَأَمَّا الإِبِلُ الْعَوَامِلُ وَالْبَقَرُ الْعَوَامِلُ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ لَمْ يَأْخُذْ مُعَاذٌ مِنْهَا شَيْئًا، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. قَالَ: وَالْجَوَامِيسُ وَالْبُخْتُ بِمَنْزِلَةِ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَهِيَ كَمَعْزِ الشَّاةِ وَضَأْنِهَا.
السن الَّتِي تُؤْخَذ فِي الزَّكَاة وَمَا لَا يُؤْخَذ فِيهَا:
فَأَمَّا مَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الْغَنَمِ فَلا تُؤْخَذُ إِلا الثنى فَصَاعِدا، وَلَا تُؤْخَذ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلا عَمْيَاءُ وَلا عَوْرَاءُ وَلا ذَاتُ عَوَارٍ فَاحِشٍ وَلا فَحْلُ الْغَنَمِ وَلا الْمَاخِضُ وَلا الْحَوَامِلُ وَلا الرُّبَى -وَهِيَ الَّتِي مَعَهَا وَلَدٌ تُرَبِّيهِ- وَلا الأَكِيلَةُ- وَهِيَ الَّتِي يُسَمِّنُهَا صَاحِبُ الْغَنَمِ لِيَأْكُلَهَا- وَلا جَذَعَةٌ فَمَا دُونَهَا فَإِنْ كَانَتْ فَوْقَ الْجَذَعِ وَدُونَ هَذِهِ الأَرْبَعِ أَخَذَهَا الْمُصَدِّقُ. وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ أَنْ يَتَخَيَّرَ الْغَنَمَ فَيَأْخُذَ مِنْ خِيَارِهَا، وَلا يَأْخُذَ مِنْ شِرَارِهَا وَلا مِنْ دُونِهَا وَلَكِنْ يَأْخُذُ الْوَسَطَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى السُّنَّةِ وَمَا جَاءَ فِيهَا. وَلا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ أَنْ يَجْلِبَ الْغَنَمَ مِنْ بلد إِلَى بلد.
حول زَكَاة الْمَاشِيَة:
وَلا تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقر وَالْغنم حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحَوْلُ؛ فَإِذَا حَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ أَخَذَ مِنْهَا، وَيُحْتَسَبُ فِي الْعَدَدِ بِالصَّغِيرِ وَبِالْكَبِيرِ وَبِالسَّخْلَةِ، وَإِنْ جَاءَ بِهَا الرَّاعِي عَلَى يَدِهِ يَحْمِلُهَا إِذَا كَانَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ نَتَاجٍ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ فِي
стр. 96
السَّنَةِ الأُولَى وَيُحْتَسَبُ بِهِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ بَقِيَ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَالْمَعْزُ وَالضَّأْنُ فِي الصَّدَقَةِ سَوَاءٌ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُونَ جَمَلا فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ كَانَ يَقُولُ: لَا شَيْءَ فِيهَا، وَأَمَّا أَنَا فَأَرَى أَنْ يَأْخُذَ الْمُصَدِّقُ مِنْهَا وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ الْعَجَاجِيلُ وَالْفُصْلانِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ -رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
فَإِنْ كَانَتْ لَهُ شَاةٌ مُسِنَّةٌ وَتِسْعَةٌ وَثَلاثُونَ جَمَلا؛ فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَإِنَّ فِيهَا مُسِنَّةً، وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا كَانَ فِيهَا مُسِنٌّ يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ وَجَبَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْإِبِل وَالْبَقر.
إِذا هلك جُزْء من الْمَاشِيَة بعد الْحول:
فَإِنْ هَلَكَتِ الشَّاةُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَلا شَيْءَ فِيهَا عَلَى قْوْلِ أبي حنيفَة.
وَقَالَ أَبُو يُوسُف: فِيهَا تِسْعَةٌ وَثَلاثُونَ جُزْءًا مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ جَمَلٍ. فَإِنْ حَالَ الْحَوْلُ لَهُ عَلَى أَرْبَعِينَ بَقَرَةً فَهَلَكَ مِنْهَا عِشْرُونَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِي الْمُصَدِّقُ ثُمَّ أَتَى؛ فَإِنَّ فِيهَا نِصْفَ مُسِنَّةٍ، فَإِنْ كَانَ إِنَّمَا هَلَكَ أَقَلٌّ فَبِحِسَابِهِ، إِنْ هَلَكَ ثُلُثَ الأَرْبَعِينَ بَقِيَ فِيهَا ثلث مُسِنَّةٍ، وَإِنْ هَلَكَ رُبُعَ الأَرْبَعِينَ بَقِيَ فِيهَا ثَلاثَةُ أَرْبَاعِ مُسِنَّةٍ لَا يحول مَا يجل فِي مُسِنَّةٍ إِلَى تَبِيعٍ، وَكَذَلِكَ الإِبِلُ لَوْ كَانَ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ مِنَ الإِبِلِ؛ فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَجَبَتْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ؛ فَإِنْ هَلَكَتْ كُلُّهَا إِلا بَعِيرًا فَإِنَّ فِي ذَلِكَ الْبَعِيرُ جُزْءًا من خَمْسَة وعشرن جُزْءًا مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَإِنْ كَانَ هَلَكَ مِنْهَا عِشْرُونَ وَبَقِيَ خَمْسَةٌ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ صَاحِبِهَا شَيْءٌ، وَكَانَ لِلْمُصَدِّقِ مِنْهَا خُمْسُ بنت مَخَاض.
وَلَو كَانَ لَهُ خَمْسُونَ مِنَ الْبَقَرِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلا مُسِنَّةٌ لَيْسَ فِيمَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ شَيْءٌ إِلا تَبِيعٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ؛ فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا مُسِنَّةٌ، ثُمَّ لَيْسَ فِيمَا يَزِيدُ عَلَى الأَرْبَعِينَ شَيْءٌ إِلا الْمُسِنَّةُ حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتِّينَ فَفِيهَا تَبِيعَانِ، ثُمَّ إِذَا صَارَتْ سَبْعِينَ فَفِيهَا تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ، فَإِن زَادَتِ الْبَقَرُ وَكَثُرَتْ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ وَفِي كُلِّ ثَلاثِينَ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ جَذَعٌ؛ فَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ لِلرَّجُلِ عَلَى خَمْسِينَ بَقَرَةً ثُمَّ هَلَكَ مِنْهَا عَشْرَةٌ فَإِنَّ فِيهَا مُسِنَّةٌ عَلَى حَالِهَا لأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مَا يَجِبُ فِيهِ مُسِنَّةٌ. فَإِنْ كَانَ الَّذِي هَلَكَ مِنْهَا عِشْرُونَ فَإِنَّ عَلَيْهِ فِيهَا ثَلاثَةُ أَرْبَاعِ مُسِنَّةٍ لأَنَّهُ ذَهَبَ مِمَّا كَانَتْ تَجِبُ فِيهِ الْمُسِنَّةُ -وَهُوَ أَرْبَعُونَ- رُبُعُهُ فَيَسْقُطُ ربع المسنة.
لَو كَانَ لَهُ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ فَحَالَ عَلَيْهَا الْحول فَعَلَيهِ حقة، فَإِن هلك مِنْهَا
стр. 97
ثَلاثٌ أَوْ أَرْبَعٌ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَدِّقُ وَبَقِيَ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ أَخَذَ مِنْهُ الْمُصَدِّقُ حَقَّهُ لأَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِي سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ حُقَّةٌ. وَلَمْ يَحْتَسِبْ بِمَا هَلَكَ.
وَلَوْ كَانَ إِنَّمَا بَقِيَ أَقَلَّ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ قُسِّمَتِ الْحُقَّةُ عَلَى سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا، ثمَّ نظرت كَمْ نَصِيبُ الَّذِي بَقِيَ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ مِنَ الْحُقَّةِ؛ فَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا كَذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ الْغَنَمُ لَوْ كَانَتْ لَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً فَإِنَّ فِيهَا شَاةً وَاحِدَةً؛ لأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْغَنَمِ شَيْءٌ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَرْبَعِينَ فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ؛ فَإِنْ هَلَكَ مِنَ الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ الشَّاةِ عِشْرُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ كَانَ عَلَيْهِ فِي الأَرْبَعِينَ الْبَاقِيَةِ شَاةٌ لأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْهَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، وَلَوْ هَلَكَ مِنْهَا مِائَةٌ وَبَقِيَ عِشْرُونَ فَعَلَيْهِ نِصْفُ شَاةٍ -نِصْفُ مَا كَانَ يَجِبُ فِي الأَرْبَعِينَ- وَلا يُحْتَسَبُ بِالْفَضْلِ الَّذِي يُجَاوِزُ الأَرْبَعِينَ، وَيُحْتَسَبُ لَهُ بِمَا نَقَصَ عَنِ الأَرْبَعِينَ.
وَلَوْ حَالَ لَهُ الْحَوْلُ عَلَى مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاةً فَفِيهَا شَاتَانِ؛ فَإِنْ هَلَكَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِي الْمُصَدِّقُ شَيْءٌ سَقَطَ عَنْهُ بِحِسَابِهِ، إِنْ هَلَكَ سُدُسٌ سَقَطَ سُدُسُ شَاتَيْنِ، وَكَذَلِكَ خُمُسٌ. وَلَوْ هَلَكَ مِنْهَا شَاتَانِ فَقَطْ كَانَ عَلَيْهِ مِائَةُ جُزْءٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ شَاتَيْنِ. وَعَلَى هَذَا جَمِيعُ هَذَا الْوَجْهِ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغنم. وَالله أعلم.
стр. 98
بَابٌ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَالضَّيَاعِ فِي الزَّكَاة
مدْخل
لَا يحتال فِي إِسْقَاط الزَّكَاة وَلَا جُزْء مِنْهَا؛
قَالَ أَبُو يُوسُف ﵀: لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ مَنْعَ الصَّدَقَةِ وَلا إِخْرَاجَهَا مِنْ مُلْكِهِ إِلَى مُلْكِ جَمَاعَةٍ غَيْرِهِ لِيُفَرِّقَهَا بِذَلِك؛ فَتَبْطُلُ الصَّدَقَةُ عَنْهَا بِأَنْ يَصِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مَا لَا يَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، وَلا يَحْتَالُ فِي إِبْطَالِ الصَّدَقَةِ بِوَجْهٍ وَلا سَبَب.
القَوْل فِي مَانع الزَّكَاة:
بَلَغَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مَانِعُ الزَّكَاةِ بِمُسْلِمٍ، وَمَنْ لَمْ يُؤَدِّهَا فَلا صَلاةَ لَهُ"، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ يَقُولُ: "لَوْ مَنَعُونِي عِقَالا مِمَّا أَعْطَوْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَجَاهَدْتُهُمْ" حِينَ منعُوهُ الصَّدَقَة، وَرَأى قِتَالهمْ حِلا طَلْقًا لَهُ. وَجَرِيرٌ ﵁ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "لِيَصْدُرُ الْمُصَدِّقُ عَنْكُمْ حِينَ يَصْدُرُ وَهُوَ رَاض".
صِفَات جَامع الصَّدقَات وَلَا يكون من عُمَّال الْخراج:
وَمُرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِاخْتِيَارِ رَجُلٍ أَمِينٍ ثِقَةٍ عَفِيفٍ نَاصِحٍ مَأْمُونٍ عَلَيْكَ وَعَلَى رَعِيَّتِكَ فَوَلِّهِ جَمِيعِ الصَّدَقَاتِ فِي الْبُلْدَانِ.
وَمُرْهُ فَلْيُوَجِّهَ فِيهَا أَقْوَامًا يَرْتَضِيهِمْ وَيَسْأَلُ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ وَطَرَائِقِهِمْ وَأَمَانَاتِهِمْ يَجْمَعُونَ إِلَيْهِ صَدَقَاتِ الْبُلْدَانِ؛ فَإِذَا جُمِعَتْ إِلَيْهِ أَمَرْتَهُ فِيهَا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهِ فَأَنْفَذَهُ وَلا تُوَلِّهَا عُمَّالَ الْخَرَاجِ. فَإِنَّ مَالَ الصَّدَقَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يدْخل فِي مَال الْخَارِج، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَّالَ الْخَرَاجِ يَبْعَثُونَ رِجَالا مِنْ قِبَلِهِمْ فِي الصَّدقَات فيظلمون ويعسفون ويأتون مَا لَا يَحِلُّ وَلا يَسَعُ.
وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَخَيَّرَ لِلصَّدَقَةِ أَهْلُ الْعَفَافِ وَالصَّلاحِ؛ فَإِذَا وَلَّيْتَهَا رَجُلا وَوَجَّه مِنْ قِبَلِهِ مَنْ يُوثَقُ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ أَجْرَيْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ بِقَدْرِ مَا تَرَى، وَلَا يجر عَلَيْهِمْ مَا يَسْتَغْرِقُ أَكْثَرَ الصَّدَقَةِ.
وَلا يَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ مَالُ الْخَرَاجِ إِلَى مَالِ الصَّدَقَاتِ وَالْعُشُورِ لِأَن الْخراج فِي الْجَمِيع الْمُسْلِمِينَ وَالصَّدَقَاتِ لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ.
فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الصَّدَقَاتُ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ جُمِعَ إِلَى ذَلِكَ مَا يُؤْخَذ من الْمُسلمين
стр. 99
مِنَ الْعُشُورِ -عُشُورِ الأَمْوَالِ- وَمَا يُمَرُّ بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ مِنْ مَتَاعٍ وَغَيْرِهِ؛ لأَنَّ مَوْضِعَ ذَلِكَ كُله مَوضِع الصَّدَقَة.
من يسْتَحق مَال الصَّدقَات:
فَيُقَسَّمُ ذَلِكَ أَجْمَعُ لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ ﵎ فِي كِتَابِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التَّوْبَة: ٦٠] ؛ فَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ قَدْ ذَهَبُوا وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا يُعْطِيهِمُ الْإِمَامُ مَا يَكْفِيهِمْ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنَ الثُّمُنِ أَوْ أَكْثَرَ أُعْطِيَ الْوَالِي مِنْهَا مَا يَسَعُهُ وَيَسَعُ عُمَّالَهُ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلا تَقْتِيرٍ، وَقُسِّمَتْ بَقِيَّةُ الصَّدَقَاتِ بَيْنَهُمْ؛ فَلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ سَهْمٌ، وَلِلْغَارِمِينَ -وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى قَضَاءِ دُيُونِهِمْ١- سَهْمٌ، وَفِي أَبْنَاءِ السَّبِيلِ الْمُنْقَطِعِ بِهِمْ سَهْمٌ يُحْمَلُونَ بِهِ وَيُعَانُونَ، وَفِي الرِّقَابِ سَهْمٌ وَفِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الرَّجُلُ الْمَمْلُوكِ أَوْ أَبٌ مَمْلُوكٌ أَوْ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ أَوْ أُمٌّ أَوِ ابْنَةٌ أَوْ زَوْجَةٌ أَوْ جَدٌّ أَوْ جَدَّةٌ أَوْ عَمٌّ أَوْ عَمَّةٌ أَوْ خَالٌ أَوْ خَالَةٌ وَمَا أَشْبَهَ هَؤُلاءِ فَيُعَانُ هَذَا فِي شِرَاء هَذَانِ وَيُعَانُ مِنْهُ الْمُكَاتَبُونَ، وَسَهْمٌ فِي إِصْلاحِ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا يَخْرُجُ بَعْدَ إِخْرَاجِ أَرْزَاقِ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا، وَيُقَسَّمُ سَهْمُ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْ صَدَقَةِ مَا حَوْلَ كُلِّ مَدِينَةٍ فِي أَهْلِهَا وَلا يَخْرُجُ مِنْهَا فَيُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى أَهْلِ مَدِينَةٍ أُخْرَى٢، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيَصْنَعُ بِهِ الْإِمَامُ مَا أَحَبَّ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَإِنْ صَيَّرَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ مِمَّنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى ذكره أَجْزَأَ٣.
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ أُتِيَ بِصَدَقَةٍ فَأَعْطَاهَا كُلَّهَا أَهْلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنِ عِمَارَةَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: "لَا بَأْسَ أَنْ تُعْطَى الصَّدَقَةُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "لَا بَأْسَ بِأَنْ تُعْطَى الصَّدَقَة فِي صنف وَاحِد".
стр. 100
ثَوَاب الْعَامِل على الصَّدَقَة بِالْحَقِّ:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِم بن عمر عَن قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْحَقِّ كالغازي فِي سَبِيل الله".
نصيحة لمن عمل فِي مَال الْمُسلمين:
قَالَ: ثَنَا بعض أشياخنا عَن طَاوُوس، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَلَى الصَّدَقَةِ؛ فَقَالَ لَهُ "اتَّقِ اللَّهَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ لَا تجئ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ تَحْمِلُهُ عَلَى رقبتك لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةٍ لَهَا خوار أَو شَاة لَهَا تؤاج"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا لَهَكَذَا؟ قَالَ: "أَيْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِلا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ" قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَتَأَمَّرُ عَلَى اثْنَيْنِ أَبَدًا.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلا يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللَّتْبِيَّةِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ؛ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ. أَفَلا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَبَيت أمه حَتَّى ينظر أيهدى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا شَيْئًا إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ؛ إِمَّا بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ -ثُمَّ رفع يَدَيْهِ حَتَّى رُؤِيَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ- فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بلغت؟ ".
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ بَعَثَهُ سَاعِيًا؛ فَرَآهُ فِي بَعْضِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ "أَمَا يَسُرُّكَ أَنْ تَكُونَ فِي مِثْلِ الْجِهَادِ؟ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ، وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنِّي أَظْلِمُهُمْ؟ قَالَ: كَيْفَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ تَأْخُذُ مِنَّا السَخْلَةَ. قَالَ: أَجَلْ، خُذْ مِنْهُمْ وَإِنْ جَاءَ بِهَا الرَّاعِي يَحْمِلُهَا عَلَى كَتِفِهِ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ تَدَعُ لَهُمُ الرُّبَى وَالأَكِيلَةَ وَفَحْلَ الْغَنَمِ والماخض"١.
قَالَ: وحَدثني عَطَاءُ بْنُ عَجْلانَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سُفْيَانَ بْنَ مَالِكٍ سَاعِيًا بِالْبَصْرَةِ؛ فَمَكَثَ حِينًا ثُمَّ اسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: أَو لست فِي جِهَادٍ؟ قَالَ: مِنْ أَيْنَ، وَالنَّاسُ يَقُولُونَ هُوَ يَظْلِمُنَا؟ قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ يَقُولُونَ: يَعُدُّ عَلَيْنَا السَّخْلَةُ. قَالَ: فَعُدَّهَا وَإِنْ جَاءَ بِهَا الرَّاعِي يَحْمِلُهَا عَلَى كَتِفِهِ، قَالَ: أَو لَيْسَ
стр. 101
تَدَعُ لَهُمُ الرُّبَى وَالَأَكِيلَةَ وَالْمَاخِضَ وَفَحْلَ الْغَنَمِ؟
قَالَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ رَجُلَيْنِ من أجشع أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعَثَ مُحَمَّدَ بن مسلة سَاعِيًا عَلَيْهِمْ، قَالا: فَكَانَ يَقْعُدُ فَمَا أَتَيْنَاهُ بِهِ مِنْ شَاةٍ فِيهِ وَفَاءٌ مِنْ حَقِّهِ أَخَذَهَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَرَّتْ بِهِ غَنَمُ الصَّدَقَةِ فِيهَا شَاةٌ ذَاتُ ضَرْعٍ عَظِيمٍ فَقَالَ عُمَرُ: مَا هَذِهِ؟ قَالُوا: مِنْ غَنَمِ الصَّدَقَةِ؛ فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْطَى هَذِهِ أَهْلُهَا وَهُمْ طَائِعُونَ، فَلا تَغْصِبُوا النَّاسَ وَلا تَأْخُذُوا حَزَرَاتِ النَّاسِ. يَعْنِي بِحَزَرَاتٍ خِيَارَ أَمْوَالِ النَّاسِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ فِي أَوَّلِ الإِسْلامِ مُصدقا فَقَالَ: "خُذ الشارق وَالْبكْر وَذَات الْعَيْبِ وَلا تَأْخُذْ مِنْ حَزَرَاتِ النَّاسِ شَيْئًا".
قَالَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ بَعَثَ رَجُلا يُصَدِّقُ النَّاسَ حِينَ أمره الله جلّ ثَنَاؤُهُ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَأْخُذْ مِنْ حَزَرَاتِ أَنْفُسِ النَّاسِ شَيْئًا، خُذِ الشَّارِفَ وَالْبِكْرَ وَذَاتَ الْعَيْبِ" كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُنَفِّرَ النَّاس حَتَّى يفقهوا وَيَحْتَسِبُوا؛ فَذَهَبَ فَأَخَذَ ذَلِكَ عَلَى مَا أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ، حَتَّى جَاءَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ؛ فَذَكَرَ لَهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنَ النَّاسِ يُزَكِّيهِمْ بِهَا وَيُطَهِّرَهُمْ بِهَا؛ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: قُمْ فَخُذْ؛ فَذَهَبَ فَأَخَذَ الشَّارِفَ وَالْبِكْرَ وَذَاتَ الْعَيْبِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ مَا قَامَ فِي إِبِلِي أَحَدٌ قَطُّ يَأْخُذُ شَيْئًا الله قَبْلَكَ، وَاللَّهِ لَتَخْتَارَنَّ؛ فَرَجَعَ إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيِّ ﷺ .
قَالَ: وَحَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ بَعَثَ مُصَدِّقًا فَجَاءَهُ بِإِبِلٍ مُسَانَّ؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ" فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أُعْطِيَ الْبِكْرَيْنِ بِالْجَمَلِ الْمُسِنِّ. قَالَ: "فَلا إِذًا".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: " الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كمانعها".
قَالَ: وَحدثنَا عُبَيْدَة بن أبي رائطة عَن أبي حُمَيْدٍ عَنْ وَهِيلِ بْنِ عَوْفٍ الْمُجَاشِعِيِّ قَالَ: جِئْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّ أَصْحَابَ الصَّدَقَةِ قَدْ ظَلَمُونَا وَتَعَدَّوْا عَلَيْنَا وَأَخَذُوا أَمْوَالَنَا، قَالَ: "لَا تَمْنَعْهُمْ شَيْئًا وَلا تَسُبَّهُمْ وَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ من شرهم".
стр. 102
قَالَ: وَحَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِنَا، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا هُرَيْرَةَ: فِي أَيِّ الْمَالِ الصَّدَقَةُ؟ قَالَ "فِي الثُّلُثِ الأَوْسَطِ؛ فَإِنْ أَبَى فَأَخْرِجْ لَهُ الثَّنِيَّةَ وَالْجَذَعَةَ، فَإِنْ أَبِي فَدَعْهُ وَقُلْ لَهُ قَوْلا مَعْرُوفًا".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجه أَنَّه قَالَ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعِينَ من الْغنم شَيْء.
زِيَادَة الْخراج وتقليله حسب الطَّاقَة:
قِيلَ لأَبِي يُوسُفَ: لِمَ رَأَيْتَ أَنْ يُقَاسِمَ أَهْلُ الْخَرَاجِ مَا أَخْرَجَتِ الأَرْضُ مِنْ صُنُوفِ الْغَلاتِ، وَمَا أَثْمَرَ النَّخْلُ وَالشَّجَرُ وَالْكَرْمُ عَلَى مَا قَدْ وَضَعْتَهُ مِنَ الْمُقَاسَمَاتِ، وَلَمْ تَرُدَّهُمْ إِلَى مَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَضَعَهُ عَلَى أَرْضِهِمْ وَنَخْلِهِمْ وَشَجَرِهِمْ، وَقَدْ كَانُوا بِذَلِكَ رَاضِينَ وَلَهُ مُحْتَمِلِينَ؟
فَقَالَ أَبُو يُوسُف: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رَأَى الأَرْضَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتَ مُحْتَمِلَةً لِمَا وَضَعَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَقُلْ حِينَ وَضَعَ عَلَيْهَا مَا وَضَعَ مِنَ الْخَرَاجِ إِنَّ هَذَا الْخَرَاجَ لازِمٌ لأَهْلِ الْخَرَاجِ وَحَتْمٌ عَلَيْهِمْ، وَلا يَجُوزُ لِي وَلِمَنْ بَعْدِي مِنَ الْخُلَفَاءِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْهُ وَلا يَزِيدَ فِيهِ؛ بَلْ كَانَ فِيمَا قَالَ لِحُذَيْفَةَ وَعُثْمَان حِين أَتَيَاهُ بِخَبَر مَا كَانَ اسْتَعْمَلَهُمَا عَلَيْهِ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ "لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا لَوْ أَخْبَرَاهُ أَنَّهَا لَا تُطِيقُ ذَلِكَ الَّذِي حُمِّلَتْهُ مِنْ أَهْلِهَا لَنَقَصَ مِمَّا كَانَ جَعَلَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَرَاجِ، وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَا فَرَضَهُ وَجَعَلَهُ عَلَى الأَرْضِ حَتْمًا لَا يَجُوزُ النَّقْصُ مِنْهُ، وَلا الزِّيَادَةُ فِيهِ مَا سَأَلَهُمَا عَمَّا سَأَلَهُمَا عَنْهُ مِنِ احْتِمَال أهل الرض أَوْ عَجْزِهِمْ.
وَكَيْفَ لَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ مِنْ ذَلِكَ وَالزِّيَادَةُ فِيهِ وَعُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ يَقُولُ مُجِيبًا لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حملت الأَرْض أمرا لَهُ لَهُ مُطِيقَةٌ وَلَوْ شِئْتُ لأَضْعَفْتُ أَرض، أَو لَيْسَ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ تَرَكَ فَضْلا لَوْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ؟
وَحُذَيْفَةُ يَقُولُ مُجِيبًا لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَيْضًا: وَضَعْتُ على الأَرْض أمرا هَل لَهُ مُحْتَمِلَةٌ وَمَا فِيهَا كَثِيرُ فَضْلٍ؛ فَقَوْلُهُ هَذَا يَدُلُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا قَدْ تَرَكَهُ لَهُمْ؛ وَإِنَّمَا سَأَلَهُمَا لِيَعْلَمَ فَيَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ وَبِقَدْرِ مَا لَا يُجْحِفُ ذَلِكَ بِأَهْلِ الأَرْضِ.
فَلَمَّا رَأينَا مَا كَانَ جعل عَلَى أَرْضِهِمْ مِنَ الْخَرَاجِ يَصْعُبُ عَلَيْهِم ورأينا أَرضهم غير
стр. 103
مُحْتَمِلَةٍ لَهُ وَرَأَيْنَا أَخْذَهُمْ بِذَلِكَ دَاعِيًا إِلَى جَلائِهِمْ عَنْ أَرْضِهِمْ. وَتَرْكِهِمْ لَهَا، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ الْخَرَاجَ عَلَيْهِمْ- سَأَلَ عَنْهُمْ: أَيُطِيقُونَ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَتَقَدَّمَ فِي أَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ، اتَّبَعْنَا مَا أَمَرَ بِهِ وَتَقَدَّمَ فِيهِ، وَرَجَوْنَا أَنْ يَكُونَ الرُّشْدُ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ؛ فَلَمْ نُحَمِّلْهُمْ مَا لَا يَطِيقُونَ وَلَمْ نَأْخُذَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ إِلا بِمَا تحتمله أَرضهم.
دَلِيل ذَلِك:
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلإِمَامِ أَنْ يَنْقُصَ وَيَزِيدَ فِيمَا يُوَظِّفُهُ مِنَ الْخَرَاجِ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ عَلَى قَدْرِ مَا يَحْتَمِلُونَ، وَأَنْ يُصَيِّرَ عَلَى كُلِّ أَرْضٍ مَا شَاءَ بَعْدَ أَنْ لَا يَجْحَفَ ذَلِكَ بِأَهْلِهَا مِنْ مُقَاسَمَةِ الْغَلاتِ أَوْ مِنْ دَرَاهِمَ عَلَى مِسَاحَةِ جريانها١ أَنَّ عُمَرَ ﵁ جَعَلَ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ قَفِيزًا وَدِرْهَمًا، وَعَلَى الْجَرِيبِ مِنَ النَّخْلِ ثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ، وَقَدْ قَالُوا إِنَّهُ أَلْغَى النَّخْلَ عَوْنًا لأَهْلِ الأَرْضِ، وَقَالُوا إِنَّهُ جَعَلَ فِيمَا سُقِيَ مِنْهُ سَيْحًا الْعُشْرَ وَفِيمَا سُقِيَ بِالدَّالِيَةِ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَمَا كَانَ مِنْ نَخْلٍ عُمِلَتْ أَرْضُهُ فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ شَيْئًا.
وَجَعَلَ عَلَى الْكَرْمِ وَالرِّطَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ.
وَوَجَّهَ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ إِلَى أَرْضِ نَجْرَانَ؛ فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُقَاسِمَ أَهْلَ الأَرْضِ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ مِمَّا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا مِنْ غَلَّةٍ وَأَنْ يُقَاسِمَهُمْ ثَمَرَ النَّخْلِ مَا كَانَ مِنْهُ يُسْقَى سَيْحًا؛ فَلِلْمُسْلِمِينَ الثُّلُثَانِ وَلَهُمُ الثُّلُثُ وَمَا كَانَ يُسْقَى بِغَرْبٍ فَلَهُمُ الثُّلُثَانِ وَلِلْمُسْلِمِينَ الثُّلُثُ.
فَفِي هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ مِنْ عُمَرَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ وَفِي أَرْضِ نَجْرَانَ مَا يَدُلُّ على أَن للْإِمَام أَن يختال؛ فَيَجْعَلَ عَلَى كُلِّ أَرْضٍ مِنَ الْخَرَاجِ مَا يَحْتَمِلُ وَيَطِيقُ أَهْلُهَا.
أَو لَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِ افْتَتَحَ خَيْبَرَ عُنْوَةً وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهَا خَرَاجًا وَدَفَعَهَا إِلَى الْيَهُودِ مُسَاقَاةً بِالنِّصْفِ؟ وَأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لَمَّا افْتَتَحَ السَّوَادَ نَاظَرَ بَعْضَ دَهَاقِينِ الْعِرَاقِ، وَسَأَلَهُمْ: كَمْ كُنْتُمْ تُؤَدُّونَ إِلَى الأَعَاجِمِ فِي أَرْضِكُمْ؟ فَقَالُوا: سَبْعَةً وَعِشْرِينَ؛ فَقَالَ: لَا أَرْضَى بِهَذَا مِنْكُمْ؛ فَرَأَى أَنْ تُمْسَحَ الْبِلادُ وَجَعَلَ عَلَيْهَا الْخراج، وَكَانَ ذَلِك عِنْد أَصْلَحَ لأَهْلِ الْخَرَاجِ وَأَحْسَنَ رَدًّا وَزِيَادَةً فِي الْفَيْءِ مِنْ غَيْرِ أَن يحملهم مَا لَا
стр. 104
يَطِيقُونَ؛ فَلِلإِمَامِ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا كَانَ عُمَرُ جَعَلَهُ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ، فَإِنْ كَانُوا يَطِيقُونَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَكَانَتْ أَرْضُهُمْ لَهُ مُحْتَمِلَةً؛ وَإِلا وَضَعَ عَلَيْهِمْ مَا تَحْتَمِلُهُ الأَرْض ويطيقه أَهلهَا.
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنِ انْظُرِ الأَرْضَ وَلا تَحْمِلْ خَرَابًا عَلَى عَامِرٍ وَلا عَامِرًا على خارب، وَانْظُرِ الْخَرَابَ؛ فَإِنْ أَطَاقَ شَيْئًا فَخُذْ مِنْهُ مَا أَطَاقَ وَأَصْلِحْهُ حَتَّى يُعَمَّرَ، وَلا تَأْخُذْ مِنْ عَامر لَا يَعْتَمِلُ شَيْئًا، وَمَا أَجْدَبَ مِنَ الْعَامِرِ مِنَ الْخَرَاجِ فَخُذْهُ فِي رِفْقٍ وَتَسْكِينٍ لأَهْلِ الأَرْضِ. وَآمُرُكَ أَنْ لَا تَأْخُذَ فِي الْخَرَاجِ إِلا وَزْنَ سَبْعَةٍ لَيْسَ فِيهَا تِبْرٌ وَلا أُجُورَ الضَّرَّابِينَ، وَلا إِذَابَةَ الْفِضَّةِ وَلا هَدِيَّةَ النَّيْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ، وَلا ثَمَنَ الصُّحُفِ وَلا أُجُورَ الْفُتُوحِ وَلا أُجُورَ الْبُيُوتِ وَلا دَرَاهِمَ النِّكَاحِ، وَلا خَرَاجَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الأَرْض.
لَا يَحِلُّ لِوَالِي الْخَرَاجِ أَنْ يَهَبَ شَيْئا إِلَّا بِإِذن الإِمَام وَمَا فِيهِ مصلحَة:
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَلا يَحِلُّ لِوَالِي خَرَاجٍ أَنْ يَهَبَ لِرَجُلٍ مِنْ خَرَاجِ أَرْضِهِ شَيْئًا إِلا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامَ قَدْ فَوَّضَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: هَبْ لِمَنْ رَأَيْتَ أَنَّ فِي هِبَتِكَ لَهُ صَلاحًا لِلرَّعِيَّةِ وَاسْتِدْعَاءً لِلْخَرَاجِ، وَلا يَسَعُ مَنْ يَهَبُ لَهُ وَالِي الْخَرَاجِ شَيْئًا مِنَ الْخَرَاجِ -بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ- قَبُولُ ذَلِكَ، وَلا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْخَرَاجِ لأَنَّ الْخَرَاجَ صَدَقَةُ الأَرْضِ، وَهُوَ فَيْء لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلا يَحِلُّ لِوَالِي الْخَرَاجِ أَنْ يَهَبَ شَيْئًا مِنَ الْخَرَاجِ إِلا أَنْ يَكُونَ الْوَالِي مُتَقَبِّلا لِلْخَرَاجِ فَتَجُوزُ لَهُ الْهِبَةُ، وَيَسَعُ الْمَوْهُوبَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ، أَوْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَدْ رَأَى الصَّلاحَ فِي تَفْوِيضِ خَرَاجِ أَرْضِ صَاحِبِ الأَرْضِ إِلَيْهِ؛ فَيَجُوزُ لَهُ وَيَسَعُهُ أَنْ يَقْبَلَهُ. لَيْسَ يَجُوزُ هِبَةُ شَيْءٍ مِنَ الْخَرَاجِ إِلا لِلإِمَامِ أَوْ لِمَنْ يُطْلِقُ لَهُ الْإِمَامُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ يَرَى أَن فِي ذَلِك صلاحا.
لَا تَحْويل لأرض الْخراج إِلَى أَرض عشرِيَّة وَالْعَكْس صَحِيح:
وَلَا يحل لأحد أَنْ يُحَوِّلَ أَرْضَ خَرَاجٍ إِلَى أَرْضِ عُشْرٍ، وَلا أَرْضَ عُشْرٍ إِلَى أَرْضِ خَرَاجٍ؛ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ أَرْضُ عُشْرٍ وَإِلَى جَانِبِهَا أَرْضُ خَرَاجٍ فَيَشْتَرِيهَا فَيُصَيِّرَهَا مَعَ أَرْضِهِ وَيُؤَدِّي عَنْهَا الْعُشْرَ، أَوْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ أَرْضُ خَرَاجٍ وَإِلَى جَانِبِهَا أَرْضُ عُشْرٍ فَيَشْتَرِيَهَا فَيُصَيِّرَهَا مَعَ أَرْضِهِ، وَيُؤَدِّي عَنْهَا الْخَرَاجَ؛ فَهَذَا حَدُّ مَا لَا يحل فِي الأَرْض وَالْخَرَاج.
стр. 105
فَصْلٌ: فِي بَيْعِ السَّمَكِ فِي الآجام
وسألك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ بَيْعِ السَّمَكِ فِي الآجَامِ وَمَوَاضِعِ مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ؛ فَلا يَجُوزُ بَيْعُ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ لأَنَّهُ غَرَرٌ، وَهُوَ الَّذِي يَصِيدُهُ فَإِنْ كَانَ يُؤْخَذُ بِالْيَدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصَادَ؛ فَلا بَأْسَ بِبَيْعِهِ، وَمِثْلُهُ إِذَا كَانَ يُؤْخَذُ بِغَيْرِ صَيْدٍ كَمِثْلِ سَمَكٍ فِي حِبٍّ وَإِلا فَإِذَا كَانَ لَا يُؤْخَذُ إِلا بِصَيْدٍ فَمِثْلُهُ كَمِثْلِ ظَبْيٍ فِي الْبَرِيَّةِ أَوْ طَيْرٍ فِي السَّمَاءِ، وَلا يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ لأَنَّهُ غَرَرٌ وَهُوَ للَّذي صَادَهُ، وَقَدْ رَخَّصَ فِي بَيْعِ السَّمَكِ فِي الآجَامِ أَقْوَامٌ فَكَانَ الصَّوَابُ عِنْدَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِي قَوْلِ مَنْ كَرِهَهُ.
حَدَّثَنَا الْعَلاءُ بْنُ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنِ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَبَايَعُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ غَرَرٌ".
وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَبِيعُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ غَرَرٌ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي بُحَيْرَةٍ يَجْتَمِعُ فِيهَا السَّمَكُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ: أَنُؤَاجِرُهَا؟ فَكَتَبَ أَنِ افْعَلُوا.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ حَمَّادٍ قَالَ: طَلَبْتُ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُهُ عَنْ بَيْعِ صَيْدِ الآجَامِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ لَا بَأْسَ بِهِ، وَسَمَّاهُ الْحَبْسُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنِ عِمَارَةَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: إِنِ اشْتَرَيْتَهُ صَيْدًا مَحْصُورًا وَرَأَيْتَ بَعْضَهُ فَلا بَأْسَ، وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ وَضَعَ عَلَى أَجَمَةِ بُرْسٍ أَرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا فِي قِطْعَةِ أَدَمٍ؛ وَإِنَّمَا دَفَعَهَا إِلَيْهِمْ عَلَى مُعَامَلَةٍ فِي قَصَبِهَا.
قَالَ أَبُو يُوسُف: حَدثا ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغرَر١.
стр. 106
فَصْلٌ: فِي إِجَارَةِ الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ ١ وَذَاتِ النَّخْلِ
وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْمُزَارَعَةِ فِي الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ بِالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ وَإِفْسَادِهِ، وَيَقُولُونَ الأَرْضُ الْبَيْضَاءُ مُخَالِفَةٌ لِلنَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَلا يَرَوْنَ بَأْسًا بِالْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ.
وَأَمَّا أَصْحَابُنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ؛ فَمَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ مِنْهُمْ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ فِي الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ بِالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ، وَمَنْ كَرِهَ الْمُسَاقَاةَ مِنْهُمْ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ كَرِهَ الْمُزَارَعَةَ فِي الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ بِالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ. وَالْفَرِيقَانِ جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَرَوْنَهَا سَوَاءً: مَنْ أَفْسَدَ الْمُسَاقَاةَ أَفْسَدَ الأَرْضَ، وَمَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ أَجَازَ الأَرْضَ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: أَحْسَنُ مَا سَمِعْنَاهُ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِزٌ مُسْتَقِيمٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ قَدْ يَدْفَعُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ الْمَالَ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ وَالثلث؛ فَيجوز هَذَا مَجْهُولٌ لَا يُعْلَمُ مَا مَبْلَغُ رِيحه لَيْسَ فِيهِ اختلال بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيمَا عَلِمْتُ، وَكَذَلِكَ الأَرْضُ عِنْدِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَارَبَةِ: الأَرْضُ الْبَيْضَاءُ مِنْهَا وَالنَّخْلُ وَالشَّجَرُ سَوَاءٌ.
قَالَ: وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ مِمَّنْ يَكْرَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ، وَفِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَأَقَلَّ وَأكْثر، وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى مِمَّنْ لَا يرى بذلك بَأْسا.
أَدِلَّة من كره الْمُزَارعَة:
وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي حُصَيْنٍ عَنِ ابْنِ رَافِعِ بْنِ خُدَيْجٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى حَائِطٍ فَسَأَلَ: لِمَنْ هُوَ؟ فَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ لِي: اسْتَأْجَرْتُهُ. فَقَالَ: "لَا تَسْتَأْجِرْهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ"؛ فَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَمَنْ كَرِهَ الْمُسَاقَاةَ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَيَقُولُ: هَذَهِ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ مَجْهُولَةٌ، وَكَانُوا يحتجوا أَيْضًا فِي الْمُزَارَعَةِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّه كره الْمُزَارعَة بِالثُّلثِ وَالرّبع.
стр. 107
أَدِلَّة من أجَاز الْمُزَارعَة وَالْمُسَاقَاة:
وَأَمَّا أَصْحَابُنَا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ فَأَجَازُوا ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ وَيَحْتَجُّونَ فِي ذَلِكَ بِمَا عَامَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ فِي التَّمْرِ وَالزَّرْعِ، وَلا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ خَلا هَؤُلاءِ الرَّهْطِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ.
مُسَاقَاة الرَّسُول ﷺ أَرض خَيْبَر:
قَالَ أَبُو يُوسُف: فَكَانَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْنَا فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِز مُسْتَقِيم ابتعنا الأَحَادِيثَ الَّتِي جَاءَتْ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مُسَاقَاةِ خَيْبَرَ؛ لأَنَّهَا أَوْثَقُ عندنَا وَأكْثر وأعم مِمَّا جَاءَ فِي خلَافهَا من الأَحَادِيثِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّه عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَر يشطر مَا يَخْرُجُ مِنْ زَرْعٍ وَتَمْرٍ، وَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ كُلَّ عَامٍ مِائَةَ وَسْقٍ ثَمَانِينَ تَمْرًا وَعِشْرِينَ شَعِيرًا؛ فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَسَّمَ خَيْبَرَ، وَخَيَّرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَقْطَعَ لَهُنَّ مِنَ الأَرْضِ أَوْ يَضْمَنْ لَهُنَّ الْمِائَةَ وَسْقٍ كُلَّ عَامٍ؛ فَاخْتَلَفْنَ عَلَيْهِ فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ أَنْ يُقْطَعَ لَهُنَّ وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَوْسُقَ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ عَنْهُمَا مِمَّنِ اخْتَارَ الأَوْسُقَ.
قَالَ: وَحدثنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى أَبِي جَعْفَرَ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ عَنْ قَبَالَةِ الأَرْضِ وَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقْبِلُ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِهَا بِالنِّصْفِ يَقُومُونَ عَلَى النَّخْلِ يَحْفَظُونَهُ وَيَسْقُونَهُ وَيُلَقِّحُونَهُ؛ فَإِذَا بَلَغَ أَدْنَى صِرَامِهِ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ؛ فَخَرَصَ١ عَلَيْهِمْ مَا فِي النَّخْلِ فَيَتَوَلَّوْنَهُ وَيَرُدُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الثَّمَنَ بِحِصَّةِ النِّصْفِ مِنَ الثَّمَرَةِ؛ فَأَتَوْهُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الأَعْوَامِ؛ فَقَالُوا: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ قَدْ جَارَ عَلَيْنَا فِي الْخَرَصِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَحْنُ نَأْخُذُهُ بِخَرَصِ عَبْدِ اللَّهِ وَنَرُدُّ عَلَيْكُمُ الثَّمَنَ بِحِصَّتِكُمْ مِنَ النِّصْفِ"، فَقَالُوا بِأَيْدِيهِمْ هَكَذَا -وَعَقَدَ بَيْنَ دَوْرِ ثَلاثِينَ٢: هَذَا الْحق، بِهَذَا قَامَت السَّمَاوَات وَالأَرْضُ، لَا بَلْ نَحْنُ نَأْخُذُهُ؛ فَتَوَلَّوُا النَّخْلَ، وَتَوَلَّوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الثَّمَنَ بِحِصَّةِ النِّصْفِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ أَبِي جَعْفَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنه أعْطى خَيْبَر بِالنِّصْفِ.
стр. 108
قَالَ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ يُعْطُونَ أَرْضَهُمْ بِالثُّلُثِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: رَأَيْت سعد ابْن أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يُعْطِيَانِ أَرْضَهُمَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ.
قَالَ: وَحدثنَا الْحجَّاج بن أرضاة، عَنْ أَبِي جَعْفَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه أَعْطَى خَيْبَرَ بِالنِّصْفِ؛ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵃ يُعْطُونَ أَرْضَهُمْ بِالثُّلُثِ.
قَالَ أَبُو يُوسُف: فَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْنَا فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ عندنَا.
أَنْوَاع من الْمُزَارعَة:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَالْمُزَارَعَةُ١ عِنْدَنَا عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا عَارِية لَيْسَ فِيهَا إِجَارَةٌ، وَهُوَ الرَّجُلُ يُعِيرُ أَخَاهُ أَرْضًا يَزْرَعُهَا، وَلا يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ إِجَارَةً فَيَزْرَعَهَا الْمُسْتَعِيرُ بِبِذْرِهِ وَبَقَرِهِ وَنَفَقَتِهِ فَالزَّرْعُ لَهُ وَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ؛ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ فَالْعُشْرُ عَلَى الزَّارِعِ، وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: تَكُونُ الأَرْضُ لِلرَّجُلِ فَيَدْعُو الرَّجُلَ إِلَى أَنْ يَزْرَعَهَا جَمِيعًا وَالنَّفَقَةُ وَالْبِذْرُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ؛ فَهَذَا مِثْلُ الأَوَّلِ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا وَالْعُشْرُ فِي الزَّرْعَ إِنْ كَانَتْ أَرْضُ عُشْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْضُ خَرَاجٍ فَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: إِجَارَةُ أَرْضٍ بَيْضَاءَ بِدَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ؛ فَهَذَا جَائِزٌ وَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْضُ عُشْرٍ فَالْعُشْرُ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو يُوسُف فِي الإِجَارَةِ الْخَرَاجُ، وَأَمَّا الْعُشْرُ فَعَلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: الْمُزَارَعَةُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي هَذَا: أَنَّه فَاسِدٌ، وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَجْرُ مِثْلِهَا، وَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ، وَالْعُشْرُ عَلَى رَبِّ الأَرْض.
قلت: الْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ عَلَى شُرُوطِهَا وَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ وَالْعُشْرُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا فِي الزَّرْعِ؛ فَهَذَا الْوَجْهُ الرَّابِع.
стр. 109
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ أَرْضٌ وَبَقَرٌ وَبِذْرٌ؛ فَيَدْعُو أَكَّارًا١ فَيُدْخِلَهُ فِيهَا فَيَعْمَلُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ لَهُ السُّدُسُ أَوِ السُّبُعُ؛ فَهَذَا فَاسِدٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَمَنْ وَاقعَة وَالزَّرْعُ فِي قَوْلِهِمْ لِرَبِّ الأَرْضِ وَلِلأَكَّارِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ وَالْعُشْرُ فِي الطَّعَامِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُف: وَهُوَ عِنْدِي جَائِزٌ عَلَى مَا اشترطها عَلَيْهِ على مَا جَاءَت بِهِ الْآثَار.
أَشْيَاء أُخْرَى تخَالف حكم مَا ذكرنَا:
قَالَ أَبُو يُوسُف: وَلَوْ أَنَّ رَجُلا دَفَعَ إِلَى رجل رحى مَاء يقوم عَلَيْهِ أَو يؤاجرها ويطحن للنَّاس فِيهَا بِالأُجْرَةِ عَلَى النِّصْفِ؛ فَهَذَا فَاسِدٌ لَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَدْفَعُ إِلَى الرَّجُلِ بُيُوتَ قَرْيَةٍ أَو دَار أَو دَوَابٍّ أَوْ سَفِينَةً يُؤَاجِرُهَا وَيَكْتَسِبُ عَلَيْهَا؛ فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَبَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ فَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلِي، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمُعَامَلَةِ وَالْمُزَارَعَةِ. لِلأَجِيرِ فِي هَذَا الْوَجْهِ الْفَاسِدِ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى مَالِكِ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ مِنْ غَلَّةِ الرَّحَى وَالسَّفِينَةِ فَهِيَ لصَاحِبهَا.
стр. 110
فَصْلٌ: فِي الْجَزَائِرِ فِي دِجْلَةَ والفرات والغروب
قَالَ أَبُو يُوسُف ﵀: وَسَأَلْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْجَزَائِرِ الَّتِي تَكُونُ فِي دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ يَنْضَبُ عَنْهَا الْمَاءُ؛ فَجَاءَ رَجُلٌ وَهِيَ جَزِيرَةٌ أَرْضٍ لَهُ فَحَصَّنَهَا مِنَ الْمَاءِ وَزَرَعَ فِيهَا أَوْ إِذَا نَضَبَ الْمَاءُ عَنْ جَزِيرَةِ دِجْلَةَ أَوِ الْفُرَاتِ؛ فَجَاءَ رَجُلٌ مُلاصِقٌ تِلْكَ الْجَزِيرَةَ بِأَرْضٍ لَهُ فَحَصَّنَهَا مِنَ الْمسَاء وَزَرَعَ فِيهَا فَهِيَ لَهُ، وَهَذَا مِثْلُ الأَرْضِ الْمَوَاتِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِأَحَدٍ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ أَحَدًا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُتْرَكْ يُحَصِّنُهَا وَلا يَزْرَعُ فِيهَا١ وَيُحْدِثُ فِيهَا حَدَثًا إِلا بِإِذْنِ الإِمَامِ.
فَأَمَّا إِذَا نَضَبَ الْمَاءُ عَنْ جَزِيرَةٍ فِي دِجْلَهَ -مِثْلَ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ الَّتِي بِحِذَاءِ بُسْتَانِ مُوسَى، وَهَذِهِ الْجَزِيرَةِ الَّتِي مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ- فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يُحْدِثَ فِيهَا شَيْئًا لَا بِنَاءً وَلا زَرْعًا؛ لأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ إِذَا حُصِّنَتْ وَزُرِعَتْ كَانَ ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى أَهْلِ الْمَنَازِلِ وَالدُّورِ، قَالَ: وَلا يَسَعُ الإِمَامَ أَنْ يُقْطَعَ شَيْئًا مِنِ هَذَا، وَلا يُحْدِثَ فِيهِ حَدَثًا،
قَالَ: وَأَمَّا مَا كَانَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الأَرْضِ الْمَيْتَةِ يُحْيِيهَا الرَّجُلُ وَيُؤَدِّي عَنْهَا حَقَّ السُّلْطَانِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلا فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْبَطِيحَةِ٢ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ مِلْكٌ لأَحَدٍ غَلَبَ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَضَرَبَ عَلَيْهَا الْمِسْنَاةَ وَاسْتَخْرَجَهَا، وَأَحْيَاهَا وَقَطَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْقَصَبِ؛ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الأَرْضِ الْمَيْتَةِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا عَالَجَ مِنْ أَجَمَةٍ أَوْ مِنْ بَحْرٍ أَوْ مِنْ بَرٍّ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونُ فِيهِ مِلْكٌ لإنْسَانٍ؛ فَاسْتَخْرَجَهُ رَجُلٌ وَعَمَّرَهُ فَهُوَ لَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْموَات.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلا أَحْيَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا قَدْ كَانَ لَهُ مَالِكٌ قَبْلَهُ رَدَدْتُ ذَلِكَ إِلَى الأَوَّلِ وَلَمْ أَجْعَلْ لِلثَّانِي فِيهِ حَقًّا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي قَدْ زرع يَده؛ فَلَهُ زَرْعُهُ وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا نَقُصَتِ الأَرْضُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَجْرُهُ وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا قَطَعَ مِنْ قَصَبِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الأَرْضُ فِي الْبَرِّيَّةِ فِيهَا نَبَاتٌ؛ لأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْقَصَبِ.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلا حَظَرَ حَظِيرَةً فِي الْبَطِيحَةِ، وَكَرَى لَهَا نَهَرًا فَجَاءَ رجل فَقَالَ: أَنا أَدخل
следующие страницы →