Полный текст (1 044 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا ومولانا محمّد وآله
الحمد لله الذي أعلى مراتب العلماء الأعلام وزكى منهم العقول الراجحة والأحلام ومنحهم مآثر تقصر عن جمعها المحابر والأقلام ومفاخرات طارت كل مطار. وجعل معاليهم زاهرة زاهية وأضواء فهومهم نامية سامية وأنواء علومهم شامعة هامية وبواكف الأمطار وأطلعهم على حقائق الأسرار وهداهم وهدى بهم إلى ترتيب المدارك وتقريب المسالك وجلى بمشارق الأنوار من معارفهم وآدابهم عمن تمسك بأذيالهم وأهدابهم غياهب الجهل الحوالك فأضاءت الأقطار. وعرفهم المقاصد الحسان والوسائل المغتبطة والإلماع بأصول الرواية والسماع والإعلام بحدود قواعد الإسلام وإرشادهم إلى التنبيهات المستنبطة السامية الأخطار حتى رفلوا من حلل التحقيق السابغة في مطارف وبرود وورود من منهال السائغة كل عذب
стр. 2
برود وتنسموا من حجج الحق البالغ الروض المعطار واتنوا أزهار أضحت منية الطالب وبغية الرائد واجتلوا جواهر نظمت منها الدرر والفرائد في أجياد السطار. فإن أمهم ناقص عديم ألفي لديهم الغنية والإكمال أو قصدهم عليل سقيم وجد في أيديهم الشفاء فنال غاية الآمال وظفر بمنتهى الأوطار. والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمّد أفضل العالمين بإطلاق سراج المريدين وكنز العارفين الذي لا يخشى معه إملاق عمدتنا العظمى ووسيلتنا الكبرى عند الملك الخلاق صاحب المعجزات الباهرة التي اهتدى بها ذوو الأفكار والآيات الظاهرة التي حصل بها التمييز لمن له استذكار الموطأ الأكناف والأخلاق المنتقي من أعظم الذخائر وأنفس الأعلاق المختار من قبل نشأة آدم والكون
стр. 3
لم تفتح له أغلاق ﷺ عليه وعلى آله وأصحابه الذين لنجومهم في سما الحق أتلاق صلاة وتسليما دائمين ما أنشئت في ثنائه الأحمدي وأنشئت بفنائه المحمدي القصائد والأبيات والأشطار وبعد:
فيقول أحمد ذو القصو ... رِ المقرى إذا انتسب
جبر المهيمن صدعة ... ووقاه سي ما أكتسب
وحباه منحة مؤمن ... محض العباد وأحتسب
وأسدي إليه من المواهب أسناها ومن العواقب حسناها.
إنه لمّا سبق القضاء وجرت الأقدار بارتحالي عن الوطن المحبوب والقرار بعد أن شممت عراره النجى ولا أشجان ولا أكدار في عشية لم يكن بعدها من عرار ونزحت عن بلد به الوالد وما ولد محل قطع التمائم وفتح الكمائم سقى الله عهاده صوب الغمائم:
بلد تحف به الرياض كأنه ... وجه جميل والرياض عذاره
стр. 4
وكأنما واديه معصم غادة ... ومن الجسور المحكمات سواره
وكان ذلك وغصن النشاط يانع وبرد الشباب قشيب وشمل النفس مجتمع دون مانع وكأس الأنس مزج بتسنيم القرب وشيب وفود الرأس غير خاضع ولا خانع إذ لم تطرق ساحته ولم تجس خلاله جيوش المشيب حللت الحضرة الفاسية حاطها الله حيث المجالس غاصة بالعامة والخاصة والمساجد آهلة معمورة والمشاهد بالزوار مغمورة والحل المعارف فضاضه والعوارف الجليلة مفاضه حضرة ديباجها ربيعي وامتزاجها بالنفوس طبيعي ولم لا وقد نظمت المفاخر ونسقتها وجمعت المآثر ووسقتها جادتها غر السحاب وسقتها:
بلاد بها الحصباء در وتربها ... عبير وأنفاس الرياح شمول
تسلسل منها ماؤها وهو مطلق ... وصح نسيم الروض وهو عليل
فألقيت بها عصا التساير وقاها الله من الآفات والأغاير وأقتفيت في ذلك سنن بعض سلفي الأخيار إذ كان أشهر أسلافنا الشيخ الإمام صاحب التصانيف الشهيرة التي اقتادت المحاسن بزمام القاضي الأشهر العلامة
стр. 5
الأظهر أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن أحمد المقري القرشي التلمساني النشأة والقبر أفاض الله سجال الرحمة على مثوى ذلك الحبر انتقل إليها أيام السلطان المرحوم أبى عنان فارس فولاه قضاء جماعتها وبنى له المتوكلية أعظم المدارس حسبما ذكره غير واحد من أهل الفهارس وأشار إليه الوزير أبن الخطيب في كتاب الإحاطة التي أحيت من التأريخ الرسم الدارس.
ولم تزل كتب الأقارب والإخوان ترد على وتثني عنان اعتنائها إلى وتكرر وتعدد وتنتاب وتتردد وتتنوع وتتجدد فأرتاح إليها ارتياح الغصن عند هزته وأحن إليها حنين كثير إلى معاهد عزته:
يا من يذكرني حديث أحبتي ... طاب الحديث بذكرهم ويطيب
اعد الحديث على من جنباته ... إنَّ الحديث عن الحبيب حبيب
وكثير ما يحرك ذلك منى كامن شوق شب عمره عن الطوق وأجد من لواعج الأوار ما وجده الفرزدق عند مباينة النوار:
стр. 6
بلد الجزائر ما أمر نواها ... كلف الفؤاد بحبها وهواها
يا عاذلي في حبها كن عاذري ... يكفيك منها ماؤها وهواها
والحنين إلى الوطن مجال لكل حر ومضمار:
إيه أحاديث نعمان وساكنه ... إنَّ الحديث عن الأحباب أسمار
وليس بمستنكر حنين الناب إلى عطنه والمرء إلى محل نشأته ووطنه.
وقد روينا في الصحيح من حنين سيد الوجود ﵊ وأصحابه إلى مكة ما لا يجهله إلاّ من هو عن العلوم بمعزل. ومن الأبيات السائرة:
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل
ورب ذكرى أثارت الأشواق وحركتها وأنشبت النفوس في حبائل البوس وتركتها وكم من ماجد بكى لفقد المشاهد وأهتم لبعد المعالم والمعاهد:
سلام على تلك المعاهد أنها ... مرتاع ألافى وعهد صحابي
ويا سرحة أنعمى فلطالما ... سكبت على مثواك ماء شبابي
فله تلك المعاهد ما أبهج محياها وحاط بعين كلاءته تلك المشاهد ما أطيب رياها حين باكرها الوسمى وحياها:
стр. 7
حيا تلمسان الحيا فربوعها ... صدف يجود بدره المكنون
ما شئت من فضل عميم إن سقى ... أروى ومن ليس بالممنون
أو شئت من دين إذا قدح الهدى ... اورى ودنيا لم تكن بالدون
ورد النسيم لها بنشر حديقة ... قد أزهرت أفنانها بفنون
وإذا الحبيبة أم يحيا أنجبت ... فلما الشفوف على عيون العون
طالما ذكرت الأبلة وشعب بوان ... وأنست صروف الزمان الخوان
وأنبتت أزهار أنس ذات ألوان وثمار نخل من القرب صنوان وغير صنوان والشمل مجتمع بالجيران والإخوان والروض مطلول النبات مخضر العذبات مخضل الجنبات مفوف الخمائل
стр. 8
متضوع الشمائل مساب الماء منجاب السماء والغصون متأودة الأعطاف دانية الجنى والقطاف والنسيم يعبق نشرا والجو يتألق رونقا وبشرا فتقصر عنه أوصاف دوى الأصناف:
والزهر حيانا بثغر باسم ... والنهر قابلنا بقلب صافي
ولآلئ الأنداء في الغدير غرقى ودموع النهر لا ترقا والزهر تسقط وأكف الريح تكتب والغمام ينقط:
كأن أكف الريح تكتب أسطرا ... على النهر إلاّ أن أحرفها زرق
فتحنى عليهن الغصون قدودها ... لتقرأها جهرا من الورق الورق
والورقاء تهتف لفقد إلف نازح فتهيج شجو الجاد والمازح:
رب ورقاء هتوف بالضحى ... ذات شجو صدحت في فنن
ذكرت إلفا ودهرا صالحا ... فبكت شجوا فهاجت حزنى
فبكائي ربما أراقها ... وبكاها ربما أرقني
فإذا تبدؤني أسعدها ... وإذا أبدؤها تسعدني
ولقد تبكى فما أفهمها ... ولقد أبكى فما تفهمني
غير أني بالشجا أعرفها ... وهي أيضاً بالشجا تعرفني
стр. 9
فأكرم بها من ذات طوق عبرت عما في ضميرها من جوى وسوق فساقت لواعج الأفكار أي سوق وبينها وبين الصب فرق عند ذوى الذوق:
وترنمت ذات الجناح بسحرة ... بالواديين فهيجت أشواقي
ورقا تعلمت البكا والبث من ... يعقوب والأحان من إسحاق
أني تضاهين هوى وصبابة ... وأسى وفرط جوى وفيض مآقى
وأنا الذي أملي الهوى من خاطري ... وهي التي تملي من الأوراق
فما كان أسرع من تمزيق ذلك الإهاب وحصول شمله في يد الانتهاب وأنشد لسان حاله عند الذهاب:
إلاّ إنَّ هذا الدهر يوم وليلة ... يكران من سبت عليك إلى سبت
فقل لجديد العيش لا بد من بلى ... وقل لاجتماع الشمل لا بد من شت
وهكذا الدنيا إحلاء وإمرار وإقرار وإنكار وإعلان وإسرار تعفى كل ربع عامر وتببد كل مأمور وآمر:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بعدما نعمنا برهة من الزمان في ظلال الأمان وقطعنا نبذة من
стр. 10
الشباب في مواطن الأحباب ما بين دراسة ودراية ورواية وممارسة أمور تبعد عن طرق الغواية وتحبير طروس وملازمة دروس بين يدي أشيخ مجالستهم نامية الغروس وخصوصا شيخهم الذي فضله لا يفترق إلى دلال عمنا فتينا سيدي سعيد أحمد المقري شكر الله خلاله فهو شيخ أولئك الأعلام الذين ورثوا العلم من غير كلاله وعمروا ربوع المجد وتفيوا ظلاله وأرشدوا إلى سبل الهدى وأزاحوا عن الضلالة وعمرت أرضهم بكل مجد وجلاله وإن نبت بي عن جفوة وملالة فآها على ذلك العصر ما أبهاه وأجمله وأتمه وأكمله عصر يكاد يكلمنا فيه الجماد وتروينا الثماد وتحيينا العشيات والبكر ولا تنتابنا التعلات ولا الفكر فإن سألنا فعنه في الحقيقة وإن صرحنا أو كنينا فنعنى حماه وعقيقه:
نسائل عن ثمامات بحزوى ... وبان الرمل يعلم ما عنينا
وقد كشف الغطا فما نبالي ... أصرحنا بذكرى أم كنينا
ولو إني أنادي يا سليمى ... لقالوا ما أردت سوى لبينى
إلاّ لله طيف كان يسقى ... بكاسات الكرى زورا ومينا
فأمسينا كأنا ما افترقنا ... وأصبحنا كأنا ما التقينا
وكنا نحسب الدهر لا يدور وأن الأعجاز صدور والأهلة بدور
стр. 11
حتى ضرب الدهر ضربانه، وبدد الرفيق وأبانه؛ فلم تتأود قدود الأغصان، ولم تترنح أعطاف ألبان؛ وانقطعت الأسباب عن مواصلة الجيران والأحباب؛ الذين:
جرى بعضهم ذات اليمين وبعضهم ... شمالاً وقلبي بينهم متوزعُ
فو الله ما أدرى بليل وقد مضت ... حمولهم أي الفريقين أتبعُ؟
وهأنا الآن أحاول إطفاء لهيب بالضلوع وقد، وأعالج أدواء سقم جل وكيف لا وقد:
روعت بالبين حتى ما أراع به ... وبالمصائب في أهلي وجيراني
لم يترك الدهر لي علقاً أضم به ... إلاّ رماه بفقد أو بهجرانِ
وفي هذا التاريخ الغريب وردت كتب من تلك الناحية حركت شجو الغريب؛ والشوق إلى لقائهم، والتوق إلى ما يرد من تلقائهم، يقتادان القلب بزمام فينقاد، ويوقدان نار الوجد بين الضلوع أي إقاد:
هي الدار لا أصحو بها علاقة ... لأمر لنا بين الجوانح مضمرِ
فجاء على أرجائها الغيث أنها ... منازل جيران كرام ومعشرِ
وكان من جملة فصولها، وفروع اصلها؛ طلب التعريف والإلمام، ببعض أحوال الشيخ الإمام، قاضي الأئمة وعلم الأعلام، عمدة أرباب المحابر والأقلام، ومفخر علماء الإسلام ذى الفضائل التي استقلت رسومها، فلم تحتج إلى إعمال
стр. 12
العلام؛ والمحاسن التي بهرت أقمارا وشموسا سيدي أبي الفضل عياض أبن موسى؛ الشهير الصيت في كل قطر، صب الله على مثواه من الرحمات شآبيب القطر:
فهو الإمام الذي سارت مآثره ... في الشرق والغرب سير الشمس والقمرِ
وكم له من تآليف قد اشتهرت ... بكل قطر فسل تنبيك عن خبرِ
فقالت: نالي بهذا الأمر يدان، ولو أيدني كل قاص ودان؛ وماذا عسى أن اصف من جلالة يتهلل بشرها، وجزالة يتضوع نشرها؛ وبلاغة تبذ بلاغة سحبان، وبراعة تقاعس عن رتبتها الشيب والشبان، وعلم أظهر غوامض الحقائق وأبان، وحلم أرسخ من رضوى وأبان. ومحاسن، ماؤها غير آسن، وحلى، حازت مراتب العلى، ومصنفات، مقرطات مشنفات، أعلاق لا تعدلها الأثمان، ولا تشد على مثلها الأيمان.
على إني لست من رجال هذا المجال ولا من فرسان ميدان الإحسان؛ إذ الباع قصير، والعقل بقواعد العلم غير بصير؛ والقلب حليف أشجان وأوصاب، والفكر أليف غصص تجرع منها جنى حنظل أو صاب؛
стр. 13
لا أستطيع إنشاء قول، ولا أفكر إلاّ في هم أو هول؛ إلى ما دهم من الفتن، التي محت ما بالدهر من ازديان؛ وطرق من المحن، التي يغنى عن خبرها العيان؛ فتنوعت منها الأعداد، إلى أفراد وأزواج، وكثر الترداد، من الخطوب ذات الجموع والأفواج؛ وتفاقم وازداد، هول بحورها المتلاطمة الأمواج:
ملنا من الأيام ما لا نطيقه ... كما حمل العظم الكسية العصائبا
وعصر رجوعنا منه إبداء منحة ... فأندى ولكن محنة ومصائبا
وما حال من قرت المصائب عيونه دموعا وجوانحه جوى، ورمته النوائب عن قسى النوى؛ فخلع على الكواكب كراه، وبرح به الشوق وبراه. وقطع ودج صبره وفراه، واعتراه من الدهر ما اعتراه، وضاعف ما به كذب حاسد افتراه؛ يأكل المحاسن، ويجهل بمساويه أن يحاسن؛ ويعيد الحق باطلا، والحلى عاطلا؛ ويقلب النحة محنة، ويرى المصافاة إحنة؛ يخاتل مخاتلة الذيب، ويكدر مناهل الخلوص والتهذيب، ويقابل الحق
стр. 14
الواضح بالتكذيب؛ ويشتغل بما لا يعنيه، ويعرض عما يقربه إلى ربه ويزلفه ويدنيه:
لي حيلة فيمن ينم ... وليس للكذاب حيله
من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليلة
إلى الله المشتكى من هذا وأضرابه، ممن لم تصف موارد شرابه:
مضت أعمارنا ومضت سنونا ... ولم تظفر بذى ثقة يدانِ
وجربنا الزمان فلم يفدنا ... سوى التخويف من أهل الزمانِ
ولا غرو أن كان لأهل الزمان اشباه، ولله بعض أهل الذكاء والتيقظ والانتباه:
والناس مثل زمانهم ... قدوا الحذاء على مثله
ورجال دهرك مثل ده ... رك في تقلبه وحاله
ولذا إذا فسد الزما ... ن جرى الفساد على رجاله
أستغفر الله، هذه نفثة مصدور ذي المثل، أو هفوة مغمور ساعدها طغيان القلم:
نذم زماناً ما له من جناية ... ونشكوه لو تغنى عن المرء شكواه
ولا ذنب فينا للزمان وإنّما ... جنينا فعوقبنا بما د جنيناه
هو القدر الجاري على الكره والرضا ... فصبراً وتسليما لمّا قدر الله
ونفوسنا أولى باللوم لو سلكنا سبيل خيار القوم؛ واقتفينا سنن التقوى، وتمسكنا بحبل التوفيق الأقوى:
стр. 15
وما دارنا إلاّ موات لو أننا ... نفكر والأخرى هي الحيوانُ
شربنا بها عزاً بهمنٍ جهالةً ... وشتان عزٌ للفتى وهوانُ
وحق لمن علم تقلبات الدهر بأهله وتصرفاته، أن يستعمل ما بقى من عمره فيما يوصله إلى منازل النعيم المقيم وغرفاته:
للدهر قوس لا تزال سهامها ... تصمى الأنام أصاغراً وأكابرا
طوبى لمن هجر القبيح ولم يكن ... إلاّ على فعل الجميل مثابرا
جعلنا الله ممن ثابر على فعل الجميل، وبلغ من خير الدارين غاية التأمل.
وين ورد علي هذا الخطاب الذي تقدم، وألفى ركن الاصطبار كاد يتهدم أو تهدم؛ أضربت عن جوابه حينا من الدهر، وما طلت مقتضى دينه من يوم إلى يوم، ومن شهر إلى شهر؛ والأرض تميد اضطرابا واختلالا، والأحوال تزيد دنفا واعتلالا؛ وأنا أحوم على مناهل الجواب حوما، وأروم الورود في مشاربها العذبة يوما فيوما؛ والأيام لا تسمح بنهله، ولا تفسح إليها فسحة ولا توسعها مهله؛ ثم وقع العزم والتصميم على جواب هذا السائل، راجيا من الله سبحانه أن يكون ذلك من أفضل القرب وأعظم الوسائل؛ ودخلت من هذا الباب بعد أن قرعت، وأخذت في هذا الغرض وشرعت، وشربت من ماء التصنيف وكرعت، وبذرت في أرض التأليف وزرعت، هذا مع إني ما مهرت ولا برعت؛ ولا أتقنت لصناعة التأليف عملا:
لكن قدرة مثلي غير خلفية ... والنمل يعذر في القدر الذي حملا
وكثيرا ما خرجت من الشيء إلى ما يناسبه ويدانيه؛ وربما أبعت
стр. 16
النجعة، ثم وقعت الأوبة والرجعة على رغم أنف قالي ذلك وشانيه وقربت بذلك كله شاسعا كي تسهل مئونته على معانيه وهصرت أفنان ألفاظه ومعانيه ليقرب اقتطاف لجانيه وسميته بأزهار الرياض في أخبار عياض وما يناسبها مما يحصل به ارتياح وارتياض تسمية وافقت إن شاء الله معناه وناسبت منزله ومغناه لأنه جمع أزهار ذات ألوان من ورد وأقحوان وبهار عرفه ذو انتشار ومنثور روضه مريع ممطور ونسرين يفوق أرجه مسك دارين وآيس عاطر الأنفس وشقيق خليق بالمدح حقيق ونيلوفر حاز من المحاسن النصيب الأوفر وأجريت جداول أنهار من الحكايات لسقي هذه الأزهار فأينع النوار وتألقت الأنوار وتفنن الناظر بين أنجاد وأغوار ولم يدر وقد انتقل من أطوار إلى أطوار وتأمل صرحا بني على غير شفا جرف هار:
أضياء هدى أم ضياء نهار ... وشذا المحامد أم شذا الأزهار
стр. 17
وقد أفصح ترجمان التراجم عن عدها وسردها ولوح لنكته الاختتام بنيل وفرها والافتتاح بوردها.
وهي هذه الترجمة: الأولى: روضة الورد في أولية هذا العالم الفرد.
الثانية: روضة الأقحوان في ذكر حالة المنشأ والعنفوان.
الثالثة: روضة البهار في ذكر جملة من شيوخه الذين فضلهم أظهر من شمس النهار.
الرابعة: روضة المنثور في بعض ماله من منظوم ومنثور.
الخامسة: روضة النسرين في تصانيفه العديمة النظير والقرين.
السادسة: روضة الآس في وفاته وما قابله الدهر الذي ليس لجرحه من آس.
السابعة: روضة الشقيق في جمل من فوائده ولمع من فرائده المنظومة نظم الدر العقيق.
الثامنة: روضة النيلوفر في ثناء الناس عليه وذكر بعض مناقبه التي هي أعطر من المسك الأذفر.
فدونك أيّها الناظر روضات أزهار وجنات تجري من تحتها الأنهار ابوابها ثمانية وقطوفها دانية تعطر منها نسيم الصبا بزهر الآداب وسما إلى
стр. 18
محاسنها من تعلق من التاريخ بأهداب لم أسبق إلى مثلها فما رأيت وإن بعدت فيها عن المهيع المطروق ونأيت والإنسان مغرم ببنيات أفكاره وإن قوبل ما صدر منه بإنكار وقد أنشدت بلسان حالها مخاطية من رضى بانتسابها وانتحالها:
سرح جفونك في الحدا ... ئق وأجن أزهار الرياض
من ورد أحمر أو شقا ... ئق أو بهار ذي بياض
وأشرب بكاسات الرفا ... ئق من عيون أو حياض
وأنظر مناقب ذي الحقا ... ئق عالم الدنيا عياض
واركع بماء التعريف زلالا وأدر كأس التشريف حلالا وأرو من هذا النهر واقطف ما شئت من أصناف الزهر وأخطر هذه الروضة ببالك وأدر إليها وجه قبولك وإقبالك فمؤلفها وإن لم يكن بمصيب ولا ممن له في الإجادة حظ وافر ولا نصيب فمن ألفيت فيه تحسن بإحسان وتنال المرعى الخصيب:
سلام مثل عرف المسك طيبا ... وحسنا مثل أزهار الرياض
على لفظ الجلالة والمعالي ... إمام الدين والدنيا عياض
إذا ما قيس بالعلماء طرا ... غدا بحرا وأضحوا كالحياض
стр. 19
وكنت حين شرعت في هذا المجموع السامي وأطلعت على بعضه صاحبنا الفقيه العلامة الأصيل الحاج الرحال أبا الحسن سيدي علي بن أحمد الخزرجي الشامي حفظ الله كماله وبلغه آماله خاطبني بقصيدة من نظمه أسماها الله ألم فيها بذكر هذا الموضوع بما يقتضيه شرف خلاله وكرم جلاله وأشار فيه إلى نقص العزم الرحلة التي نويت إذ ذاك للمكان الشريف لا حرمنا الله من مشاهدته عن قرب في حفظ وعافية بمنة ويمنة. وهي هذه وأنشدنيها من لفظه وكتبها بخطه وأرسلها إلي شكر الله صنيعه:
أمفتي الغرب أبدعتم طرازا ... نثرتم فيه أزهار الرياض
ونظمتم عقودا من لآل ... لجيد حلي المآثر من عياض
وأورقتم غصون علاه لمّا ... سقاها فكرم سقي الحياض
ونمقتم مطارف ما رأينا ... كطرتهم سوادا في بياض
وناديتم عقائلها فذلت ... شوامسها إليكم باتياض
وأسستم من الآثار طرا ... قواعد لا تساوم بانتقاض
لك التبريز في العلياء فاقض ... على علمائها ما أنت قاضي
стр. 20
تبديتم بها بدرا وحزتم ... خصال سباقكم دون اعتراض
نعتم بالكمال بغير عطف ... وكلهم بذلك النعت راضي
وما وفوا بحقكم ولكن ... يؤدي البعض من بعض افتراض
بعلمكم شفيتم أرض غرب ... وكانت ذات أحشاء مراض
ولمّا أن بدا منكم فراق ... توقعت أن يؤل إلى انقراض
وأنّ نجومها بالبعد يخشى ... عليها من سقوط وأنقضاض
فأرسل شافعا خل حشاه ... بهذا البعد أمست في انفضاض
يذكركم ليالي نيرات ... بأنسكم تنير دجى المضاض
يود الطرف يجعلها اكتحالا ... مكان سواده دون اغماض
بحق الله لا تبدي دجاها ... بغيبة بدركم بعد اتماض
ولا تمهل شفاعة مستهام ... صدوق الود في آت وماضي
ودم للدين والدنيا إماما ... وبحر هدى علومك في افتياض
يعم الأرض ما لاحت بدور ... وما فاحت أزهار في رياض
يكرع منه الملوك علا ونهلا ويضرع في الجواب فعلا لا قولا ويعيد السلام التام الزكي العام على المجلس العلمي ورحمه الله تعالى وبركاته.
انتهى ما كتب به صانه الله وأضفى عليه حلل المجد.
стр. 21
وقد ذكرت في هذا المكتاب جكايات مختلفة وفنون مفيدة يزداد الناظر بها معرفة حسبما جرت بذلك عادة كثير من الأمة في مصنفاتهم ومجالس درسهم. وقد قال الماوردي أقضى القضاة في كتاب آداب الدين والدنيا: القلوب ترتاح إلى الفنون المختلفة وذكر أن المأمون كان ينتقل في قصره من موضع إلى موضع وينشد قول أبي العتاهية:
لا يصلح النفس إذا كانت مدبرة ... إلاّ التنقل من حال إلى حال
وقال أبو حنيفة: الحكايات عن العلماء أحب إليَّ من كثير من الفقه لأنها آداب القوم. وقال الشيخ سيدنا أبو القاسم الجنيد ﵁ ونفعنا ببركاته: الحكايات جند من جنود الله يقوي الله بها أبدان المريدين. وقال الإمام المواق في كتابه المسمى " سند المهتدين " عن شيخه المنتوري بسنده إلى أبي العباس بن العريف قال: كنت في مجلس أستادي أبي علي الصدفي أقرأ عليه الحديث فقرأ يوما الحديث ثم أغلق الكتاب وجعل
стр. 22
يحكي حكايات الصالحين فوقع في نفسي: كيف يجيز الشيخ أن يقطع حديث رسول الله) ويحكي الحكايات؟ قال: فما تم لي الخاطر حتى نظر إليَّ الشيخ شزرا وقال: يا أحمد الحكايات جند من جنود الله يثبت الله بها قلوب العارفين من عباده. قال: فما بقي في جسدي شعرة إلاّ قطر منها العرق. فلما رآني دهشت قال لي: يا أحمد أين مصداق ذلك في كتاب الله؟ قلت: الشيخ أعلم قال: قوله تعالى:) وكلا نقص عليك من أنباء الرسل (الآية. انتهى.
وهذا أوان الشروع وعلى الله قصد السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل.
стр. 23
روضة الورد في أولية هذا الإمام الفرد
أقول وعلى الله أعتمد ومن بحر كرمه أستمد: هذه ترجمة نذكر فيها أصله ومحتده وأوليته ومولده.
قال الشيخ الإمام الرحال أبو عبد الله محمّد بن جابر الوادي آشي الملقب بشمس الدين ﵀ ورضى عنه: هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض بن محمّد أبن عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي. هكذا ذكر نسبه الشيخ أبو القاسم الملاحي. وعمرون ثبت عنده بنون بعد الواو.
ووقع في نعجم أصحاب الصدفي للإمام الشهير القاضي ابى عبد الله محمّد بن عبد الله القضاعي المعروف بابن الأبار عمرو دون نون.
قلت: ونحوه لابن خاتمة في الكتاب المسمى " مزية المرية على غيرها من البلاد الأندلسية ".
وقال الشيخ أبو القاسم بن الملجوم: إجتاز علينا القاضي عياض عند انصرافه من سبته قاصدا إلى الحضرة زائرا لأبي بداره عشية يوم الأثنين الثامن لرجب سنة ثلاث وأربعين وخمس
стр. 24
مائة وفي هذه العشية استجزته وسألته عن نسبه فقال لي: إنما أحفظ: عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض. وأحفظ أيضاً بعد ذلك: محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض. ولا أعرف أن محمدا هذا هو أبو عياض أو بينهما أحد. انتهى كلام أبن الملجوم.
وقوله اجتاز علينا يعني بمدينة فاس وقوله قاصدا إلى الحضرة يعني مراكش.
وأفادني الشيخ العارف المتبتل الرباني البركة سيدي حسين الزرويلي أبقى الله بركاته وأدام وجوده والنفع به: أن القاضي عياض ﵁ لمّا دخل الحضرة الفاسية حاطها الله نزل بدار أبن الغرديس التغلبي بزنقة حجامة حسبما أشار إليه أبن الأحمر ولم تزل هذه الدار إلى الآن بيد أولاد أبن الغرديس.
وقال نجل عياض الشيخ الإمام أبو عبد الله محمّد بن عياض قاضي دانية على ما قال أبن خلكان وقاضي غرناطة على ما قال أبن قنفذ وغيره. ولعله تولى القضاء فيهما معا ﵀ المتوفى سنة خمس وسبعين وخمس مائة:
стр. 25
" كان أبي يقول: لا أدري: هل محمّد والد عياض أو بينهما رجل؟ فهو جده " انتهى.
وهو مثل ما حكى أبن الملجوم عن عياض كما سبق قريبا.
ورأيت في تاريخ الشمس أبن خلكان المسمى " وفيات الأعيان " في تعداد آباء القاضي عياض خلاف ما سبق ولا أدري هل ذلك تحريف من الناسخ أو هو من المؤلف؟ ونصه: " عياض بن موسى بن عياض بن موسى بن عياض بن محمّد بن موسى بن عياض اليحصبي ". انتهى.
فأنت تراه قد أسقط عمرون فيما بين عياض وموسى وأسقط أيضاً عبد الله فيما بين محمّد وموسى.
وقد وافق في إسقاط عبد الله الشيخ العلامة أبن خاتمة في " مزية المرية " فأنه قال في باب العين ما نصه: " ومن الغرباء: عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض بن محمّد بن موسى بن عياض اليحصبي ". انتهى.
على إنَّ أبن خلكان وغيره من المشارقة ربما يقع لهم الغلط في تاريخ أهل المغرب لبعد الديار ولغير ذلك مما لا يخفى على ممارس علم التاريخ كما إنَّ كثيرا من المغاربة لا يحررون تاريخ المشارقة لمّا ذكرناه ولذا قال شيخ الإسلام أبن حجر في تأليفه المسمى " إنباء الغمر بأنباء العمر " حين عرف
стр. 26
بشيخه ولي الدين بن خلدون الحضرمي المغربي قاضي القضاة المالكية بالديار المصرية، وهو صاحب التاريخ الكبير المشهور، الموسوم " ديوان العبر، وكتاب المبتدأ والخبر، في تاريخ العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر " ما نصه: " وصنف التاريخ الكبير في سبع مجلدات ضخمة، ظهرت فيه فضائله، وأبان فيه عن براعته، ولم يكن مطلعا على الأخبار على جلتها، ولا سيما أخبار المشرق وهذا بين لمن نظر في كلامه ". انتهى.
وأين هذا الكلام وقول الشيخ شمس الدين البغدادي في الشيخ ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون المذكور، رحم الله تعالى الجميع:
قاضي القضاة لبن خلدون أتى عجبا ... تاريخه مخبر عن سائر الدولِ
وليس بدعا ولا في الله ممتنعا ... أن يجمع العلم الكلي في رجلِ
وبالجملة فما ذكرنا أولا في تعداد آباء القضي عياض، ﵀، هو الذي
стр. 27
عليه المعول، وعليه اعتمد ولده، وأبن الملجم، وابن بشكوال، وأبن جابر وأبن الخطيب في " الإحاطة " وغير واحد؛ وكفى بهؤلاء حجة. وناهيك بولده وأبن الملجم الذي أخذ ذلك من لفظه، حسبما سبق آنفاً؛ وهو الصواب الذي لا يعدل عنه، والله تعالى اعلم.
واليحصبي، بضم الصاد وكسرها، وزاد بعضهم فتحها ونحوه لابن خلكان؛ واقتصر بعضهم على الكسر قائلا: وهو الصواب بناء على أنها اعني القبيلة، يحصب بكسر الصاد، كتغلب. ولا اشك أنَّ النسب إليه إن كان بكسر الصاد: يحصبي بالكسر كتغلبي؛ وأما ضم الصاد في النسب فهو مبني على أن " يحصب " بضم الصاد في الحي. قال أبن سيده في محكمه: ويحصب: قبيلة، وإنّما هي يحصب، يعني بضم الصاد، نقلت من قولك: حصبه بالحصى يحصبه؛ قال أبن جابر: وليس بالقوي ويحصب: من حمير وهو يحصب بن مدرك حسبيما هو مذكور في كتب الأنساب.
قال القاضي أبو عبد الله محمد بن القاضي أبي الفضل عياض:
стр. 28
" استقر اجدادنا في القديم بجهة بسطة، من بلاد الندلس، ثم انتقلوا إلى مدينة فاس، وكان لهم استقرار بالقيروان، فلا أدري أكان قبل استقرارهم بالأندلس أم بعده؟ ولذلك يقول عبد الله بن حكيم:
وكانت لهم بالقيروان مآثر ... عليها لمحض الحق أوضح برهانِ
قال: وكان " عمرون " والد جد أبي، ﵀ على جميعهم، رجلاً خيرا صالحا، من أهل القرآن، حج إحدى عشرة حجة وغزا مع أبن أبي عامر غزوات كثيرة، وانتقل من مدينة فاس إلى مدينة سبته، بعد دخول بني عبيد الغرب، وكان سبب ذلك أنّه كان له ة لأبيه نباهة بمدينة فاس، فأخذ أبن أبي عامر رهنا من أعيان مدينة فاس فأخذ فيهم أخوي " عمرون ": عيسى والقاسم، فخرج عمرون إلى مدينة سبتة، ليقرب من أخبارهما بمدينة قرطبة، فاستحسن سكنى مدينة سبتة، وكان موسراً، فاشترى بها أرضاً وهي المعروفة بالمنارة فبنى في بعضها مسجداً وفي بعضها دارا حبسها على المسجد وهو حتى الآن منسوب اليه، وحبس الأرض للدفن، ولم يزل منقطعا في ذلك المسجد إلى أن مات ﵀ سنة سبع وتسعين وثلاث مائة. وولد له قبل وفاته بيسير ابنه عياض ثم ولد لعيلض ابنه موسى ثم ولد لموسى ابنه
стр. 29
عياض أبي ﵏ أجمعين؛ وذلك فيما رايته بخطه في النصف من شعبان عام ستّة وسبعين وأربع مائة بسبتة " انتهى.
والسبتي: نسبة إلى سبتة، مدينة بساحل بحر الزقاق، مشهورة واختلف في سبب تسميتها فقيل لانقطاعها في البحر من قولك: سبت النعل: إذا قطعتها وقيل لأنَّ مخطها هو سبت بن حام بن نوح وإلى هذا الأخير ينظر قول لسان الدين الوزير الشهير، العلامة أبو عبد الله بن الخطيب السلماني الغرناطي، ﵀ من قصيدة:
حييت يا مختط سبت بن نوح ... بكل مزن يغتدى أو يروح
مغني أبي الفضل على الذي ... أضحت برياه رياض تفوح
وفيها يقول الأديب أبو الحكم مالك بن المرحل، من قصيدة طويلة بديعة جدا، مطلعها:
سلام على سبتة المغرب ... أخية مكة أو يثربِ
وفي مدحها يقول أيضاً ﵀:
اخطر على سبتة وانظر إلى جمالها تصبو إلى حسنهِ
كأنها عود غناء وقد ... ألقى في البحر على بطنهِ
وقال الحجاري في المسهب: " أوّل من سكن بر الدوة وبر الأندلس من نوح بعد الطوفان سبت واندلس ابنا يافث بن نوح فنزل سبت في ىخر المعمور من بر العدوة،
стр. 30
وبنى له منزلا في موضع سبتة فدعيت باسمه، وتناسلت منه قبائل البربر، واتسعت في بر العدوة إلى أن بلغت إلى فلسطين، وكان ملكهم يسمى جالوت، وكان مجوسيا، وهزمه طالوت، وقتله داود، فانضمت البربر عن فلسطين وعن الديار المصرية واقتصرت من برقة إلى آخر المعمور؛ وسكن أخوه أندلس مقابلا له في انتهاء المعمور فعرفت باسمه " انتهى.
وأكثر بلاد العدوة في الإقليم الثالث، وفيه حضرتها مراكش وما قارب منها الأندلس كسبتة وما قرب منها في الإقليم الرابع.
قال أبن سعيد: " ولا نطالب في هذا البر بما صنعناه في الأندلس فأهل الأندلس إما عرب أو متعربون، قد توارثوا قوام اللسان وحافظوا عليه وأهل بر العدوة أما بربر أو متبربرون ". انتهى.
وفي وصفها يقول لسان الدين بن الخطيب في مقامة وصف البلدان: " قلت: فمدينة سبتة؟ قال: تلك عروس المجلي، وثنية الصباح الأجلى؛
стр. 31
تبرجت تبرج العقيلة، ونظرت وجهها من البحر في المرآة الصقيلة، واختص ميزان حسناتها بالأعمال الثقيلة؛ وإذا قامت بيض أسوارها وكان جبل بليونش في جوارها وتهيم الخواطر بين أنجادها وأغوارها؛ إلى الميناء الفلكية، والمراقي الملكية. والركية الزكية غير المنزورة ولا البلكية ذات الوقود الجزل، المعد للأزل، والقصور المقصورة على الجد والهزل؛ والوجوه الزهر السحن، المضنون بها عن المحن؛ دار الناشبة، والحامية المضرمة للحرب المناشبة؛ والأسطول المرهوب، المحظور الألهوب والسلاح المكتوب المحسوب، والأثر المعروف المنسوب؛ كرسي الأمراء والشراف والوسيطة، لخامس أقاليم البسيطة، فلا حظ لها في الأنحراف؛
стр. 32
بصرة علوم اللسان وصنعاء الحلل الحسان وثمرة امتثال قوله " إنَّ الله يأمر بالعدل والإحسان " الأمينة على الأختزان، القويمة المكيال والميزان، محشر أنواع الحيتان، ومحط قوافل العصير والحرير والكتان، وكفاها السكنى ببليونش في فصول الأزمان، ووجود المسكن النبيهة بأرخص الأثمان؛ والمدفن المرحوم غير المزحوم، وخزانة كتب العلوم، والآثار المنبئة عن أصالة الحلوم؛ إلا أنها فاغرة الأفواه للجنوب للغيث المصبوب عرضة للرياح ذات الهبوب عديمة الحرث فقيرة من الحبوب ثغر تنبو فيه المضاجع بالجنوب وناهيك بحسنة تعد من الذنوب؛ فأحوال أهلها رقيقة، وتكلفهم ظاهر مهما ظهرت وليمة أو غنيمة، واقتصادهم لا تلتبس منه طريقة وأنساب نفقاتهم في تقدير الأرزاق عريقة؛ فهم يمصون البلالةمص المحاجم، ويجعلون الخبز في الولائم بعدد الجماعة، وفتنتهم ببلدهم فتنة الواجم بالبشير المهاجم، وراعي الجديب بالمطر السحيم؛ فلا يفضلون على مدينتهم مدينة الشك عندي في مكة والمدينة ". انتهى. قلت: ولعله عرض بقوله: " الشك عندي في مكة والمدجينة " بقول مالك بن المرحل: " أخية مكة أو يثرب " والله اعلم.
وكان لسان الدين بن الخطيب كثيرا ما ينزل في وجهاته المغربية عند الشريف الشهير، سيدي أبي العباس أحمد بن سيدي محمد أبن سيدي احمد،
стр. 33
أبن سيدي طاهر سيدي رفيع أبن سيدي علي المدعو بالمكين، أبن سيدي أحمد، أبن سيدي علي، أبن سيدي أبي الطاهر، أبن سيدي الحسين، أبن سيدي موهوب، أبن سيدي أحمد، أبن سيدي محمد، أبن سيدي طاهر، أبن سيدي الحسين، أبن مولانا علي، المعو بالهادي، أبن مولانا محمد، المدعو بالجواد، أبن مولانا علي الرضا أبن مولانا موسى، المدعو بالكاظم، أبن مولاي جعفر الصادق، أبن مولاي محمد الباقر بن زين العابدين علي، أبن ملانا الحسين الشهيد، أبن مولانا أمير المؤمنين، مولانا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ونفعنا ببركته هؤلاء السادات، الذين سردنا أسمائهم تبركاً بها.
قال صاحب كتاب " الكواكب الوقادة، في ذكر من دفن في سبتة من العلماء والصلحاء القادة ":
" كان هذا السيد الشريف يوسع أبن الخطيب إكراما، وكان من عادة الشريف المذكور أن يخرج إلى بساتينه في المصيف بقرية بليونش، كمنية العبا، وجنة الحافة، ويخرج في القبة السامية المطلة على البحر بجنة الحافة، ويجعل الطريق تحته، فإذا رأى جماعة سائرين من أي صنف كانوا، من التجار أو الغرباء أو البلديين، يوجه رجاله إليهم ويقدم لهم الطعام، ويرتاح إلى ذلك ويسر به ويؤنس كلاً بما يناسبه، من ذكر عيون أخبار بلده، وخاصة قطره، وما يجر إلى ذلك ويرجع اليه، من بديع الحكايات، ولطيف
стр. 34
النوادر؛ ثم يأمر بإدارته على تلك البستان، ورؤية ما بها من المصانع، ثم يبعث وراء آخرين، وينزل كل واحد منزلته، ويغيب عمن يخجله حضوره؛ ويغضى عن مداعبة إن وقعت، ويتجاهل الهفوة أن بدرت. وكان يخرج الوزير أبن الخطيب عند نزوله عنده إلى هذه القرية البليونشية.
ومن بديع نظم أبن الخطيب فيها:
بليونش أسنى الأماكن رفعة ... وأجل أرض الله طراً شانا
هي جنة الدنيا التي من حلها ... نال الرضا والروح والريحانا
قالوا القرود بها فقلت فضيلة ... حيوانها قد قارب الإنسانا
وفيها يقول القاضي عياض:
بليونش جنة ولكن ... طريقها يقطع النياطا
كجنة الخلد لا يراها ... إلاّ الذي جاوز الصراطا
ونقلت من خط أبن حيان بعد كلام في سبتة ما نصه: " ومتنزهاتها أعظمها بليونش تحتوي على مياه عيون وأودية ومتنزهات، وأبنية عظيمة؛ وفيها من جميع الأشجار والثمار ".
стр. 35
وفيها يقول أبو الحجاج المنصفي:
بليونش شكلها بديع ... أفع في قالب الجمالِ
فيها الذي ما رأته عيني ... يوماً ولم يخطر ببالي
طريقها كالصدود لكن ... تعقبه لذة الوصالِ
قال أبن رشيد: وأنشدني القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي عبد الرحمن الكميلي قاضي أزمور فيها:
بليونش كلها عذاب ... فالمشي في سبلها عقاب
يكنفها شامخ منيف ... كأنه فوقها عقاب
وهذا الشامخ يعرف بجبل نوسى. وإليه أشار المنصفي في مخمسة: وطود موسى لها تاج تاج على الراس وبهذا الجبل متعبد مبارك، وبساحله مغطس المرجان، ومن عجائب هذا المتعبد أنَّ من دخله ممن ليس له أهلاً فانه يجد في عنقه صفعاً إلى اسفل الجبل؛ وهو مسيرة ثلاثة أميال، وهو من سبتة على تسعة اميال، وبهذا الجبل منشأ
стр. 36
القرود، وهو مستشرف على بعض الأندلس. وبسبتة مدرسة بناها أبو الحسن الشاري، ووقف بها كتبا عظيمة.
وبموضع يقال له التوتة يوجد كثير من اليلقوت الأحمر دقيق. ومن عجائبها أن البلارج لا تعشش فيها، وقلما تخطر عليها. ويقال أنها بناها سبت بن سام بن نوح وأنّه دعا لها باليمن والبركة ورووا في ذلك حديثا عن مالك عن نافع عن أبي عمر. قال عياض: وأبرأ أنا من عهدته، وقد خرجه في الغنية، ولذلك قال بعض الشعراء:
فكل جبار إذا ما طغى ... وكان في طغيانه يسرفُ
أرسل الله إلى سبتةٍ ... فكل جبار بها يقصفُ
أنشدها أبو عبد الله محمد بن حمادة البرنسي، خال أبي لأمه، في كتابه المسمى " المقتبس، في أخبار المغرب والأندلس ".
ومن نظم المنصفي في بليونش من قصيدة:
انظر إلى نضرة زهر الربا ... كأنه وشى على كاعبِ
ومتع الطرف ببليونش ... ومائها المنبعث الساكبِ
تشاركت والحسن في وصفها ... تشارك العين مع الحاجبِ
стр. 37
وقد أرتنا اليوم من حسنها ... ما لم يكن في زمن الحاجبِ
والحاجب: أحد ملوك سبتة؛ وله عمل أبن مرانة قصيدة في الكوائن والحوادث.
فعالة بالطبع في أهلها ... ما تفعل القهوة بالشاربِ
تذكر الشيخ زمان الصبا ... وتفسد التوبة للتائبِ
وله:
انظر إلى بهجة بليونش ... وحسن ذاك المنظر اللامعِ
تحكى الثريا عندما أسرجت ... بليلة الختمة في الجامعِ
ولمّا قفل السلطان الأشهر أبو عبد الله محمد بن يوسف بن الأحمر من المغرب، حين رجوعه إلى بلده مع قاضي حضرته غرناطة، أبي الحسن علي بن الحسن، المعروف بالنباهي شيخنا، ووزيره أبي عبد الله بن الخطيب، صنع له ضيافة ملوكية بالمنية، من قرية بليونش المشار إليها، حيث القصر هناك، وعنصر
стр. 38
الماء المختص بها. ومن هناك ركب البحر ليلا وذلك في جمادى الآخر من عام ثلاثة وستين وسبع مائة. وفي الحادي والعشرين من الشهر المذكور دخل دار ملكه حمراء غرناطة، وأكل من فضل هذه الضيافة معظم من كان بالقرية من قوي وضعيف ورفيع ووضيع.
وكان شيخنا القاضي أبو الحسن المذكور يثني عليه، ويعظمه تعظيما يليق بمثله، ويقول في أثناء حديثه: فعل أبو العباس الشريف صاحب سبتة كذا، وصنع كذا. ولم تزل حالته هذه، ﵀ عليه، إلى أن أسن وأقعد، فلزم منزله ثلاث سنين، من غير أن ينقص ذلك من منصبه شيئاً ولا من انتفاع الناس به؛ وكان ابيض اللون، حسن الهيئة والملبس، يخضب بالحناء؛ وتوفي في زمانته وقد نيف على الثمانين، عام ستنة وسبعين وسبع مائة، وله الآن قرابة بمدينة فاس بقيد الحياة " انتهى كلام صاحب الكواكب الوقادة باختصار، وبعضه بالمعنى.
ومن نظم هذا الشريف، مما أمر به أن ينقش بالقبة المذكورة آنفاً في معنى الآستعاذة:
وثقت بالله ربي ... وحسبي الله حسبي
والله كافٍ وواقٍ ... ودافع كل خطب
ولست أخشى إذا ما ... وثقت بالله ربي
بلغت فيها مرادي ... منها مع صحبي
والخمس تفقأ عيناً ... لكل حاسد ندبِ
стр. 39
وكان السلطان المرحوم أبو عنان فارس، أبن سلطان أبي الحسن المريني يجل هذا الشريف، ويعترف له بالفضل، ويعطيه العطاء الجزل، وكان يستدعيه كل سنة إلى حضرته فاس، لحضور المولد السعيد، الذي سنه ببلاد المغرب الشيخ أبو العباس العزفي، وتلك السنة إلى الآن بحسن نيته، واعتنائه بالجانب العلى، نفعه الله بذلك، ويخلع عليه الخلع الملوكية، ويعد له ديناراً مسكوكا يصنع بمدينة مراكش، زنته مائة دينار ذهباً، يدفع له ذلك مع جائزته، إلى غير ذلك مما كان يتحفه به، ﵀، ويصحبه في وجهته تلك من الضعفاء والتجار ما لا يحصى كثرة، ويتولى هو الإنفاق على الجميع من ماله، ويرفع عنهم اللوازم المخزنية، فكان التجار لأجل ذلك يرصدون وقت سفره وقفولته. وقدمه السلطان أبو عنان لمذكور ناظرا إلى بلده سبتة، وأمر صاحب قصبتها ألا يقطع أمراً إلاّ بمشورته، فكان العمال يخافونه ويشاورونه، فإذا رأى من أحدهم خروجا عن العادة، أو حيفا على الرعية، كتب إلى السلطان في شأنه، فيزله من فوره، ويعوضه بغيره. وكان يقول للسلطان: لعلك تحسبني خديما، لست كذلك، وإنّما نحن معشر أهل البيت شفعاء في الدنيا، وشفعاء في الآخرة. فكان أهل سبته في أيامه في عيش هني، ونعمة شاملة، بقي على هذه الحالة المرضية مدة عشرين سنة. وله بسبتة آثار تحكى الآثار العزفية، كالرياض
стр. 40
الأعظم، الذي إمام باب الميناء الأسفل الذي تأنق فيبنيانه وأبدع صنعته، وجلب إليه المياه بالدواليب حتى أوصله إلى القبة ذات الأعمدة، وكالرياض الذي بالصفارين، حيث كان قعوده مع خواص الناس وعامتهم.
قال صاحب الكواكب الوقادة: " سمعت أحد كتابه الخاص به، الملازم له ليلاً ونهاراً، مع مرور الأيام والسنين، يقول: ما أمرني قط سيدي ومولاي الشريف بكتب شيء مخالف للشرع، بل في رفع المظالم، وإنهاء الشفاعات، وتوجيه الأمانات، وما في معنى ذلك، مما ندب إليه الشرع، وحض عليه، ووعد بالثواب على فعله. وطالما سمعت الكاتب المذكور يقسم على ذلك، فنفعه الله به ". انتهى.
قلت: تذكرت بهذا الفعل الجميل ما كتب به على دواة أمير المؤمنين أبي عنان، ﵀، وهو:
أنا دواة فارس ... أبي عنان المعتمد
حلفت من يكتب بي ... بالواحد الفرد الصمد
أنَّ لا يمد مدة ... في قطع رزق لأحد
وقد رأيت في هذا الأيام دواة في غاية ما يكون من الإتقان والصنعة والتذهيب، وفيها مكتوب البيتان الأخيران، وهي عند بعض أصحابنا الكتاب الحضرة الفاسية أحاطه الله وأظنها هي الدواة التي كانت لأبي عنان، والله اعلم.
следующие страницы →