Полный текст (1 044 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
القرود، وهو مستشرف على بعض الأندلس. وبسبتة مدرسة بناها أبو الحسن الشاري، ووقف بها كتبا عظيمة.
وبموضع يقال له التوتة يوجد كثير من اليلقوت الأحمر دقيق. ومن عجائبها أن البلارج لا تعشش فيها، وقلما تخطر عليها. ويقال أنها بناها سبت بن سام بن نوح وأنّه دعا لها باليمن والبركة ورووا في ذلك حديثا عن مالك عن نافع عن أبي عمر. قال عياض: وأبرأ أنا من عهدته، وقد خرجه في الغنية، ولذلك قال بعض الشعراء:
فكل جبار إذا ما طغى ... وكان في طغيانه يسرفُ
أرسل الله إلى سبتةٍ ... فكل جبار بها يقصفُ
أنشدها أبو عبد الله محمد بن حمادة البرنسي، خال أبي لأمه، في كتابه المسمى " المقتبس، في أخبار المغرب والأندلس ".
ومن نظم المنصفي في بليونش من قصيدة:
انظر إلى نضرة زهر الربا ... كأنه وشى على كاعبِ
ومتع الطرف ببليونش ... ومائها المنبعث الساكبِ
تشاركت والحسن في وصفها ... تشارك العين مع الحاجبِ
стр. 37
وقد أرتنا اليوم من حسنها ... ما لم يكن في زمن الحاجبِ
والحاجب: أحد ملوك سبتة؛ وله عمل أبن مرانة قصيدة في الكوائن والحوادث.
فعالة بالطبع في أهلها ... ما تفعل القهوة بالشاربِ
تذكر الشيخ زمان الصبا ... وتفسد التوبة للتائبِ
وله:
انظر إلى بهجة بليونش ... وحسن ذاك المنظر اللامعِ
تحكى الثريا عندما أسرجت ... بليلة الختمة في الجامعِ
ولمّا قفل السلطان الأشهر أبو عبد الله محمد بن يوسف بن الأحمر من المغرب، حين رجوعه إلى بلده مع قاضي حضرته غرناطة، أبي الحسن علي بن الحسن، المعروف بالنباهي شيخنا، ووزيره أبي عبد الله بن الخطيب، صنع له ضيافة ملوكية بالمنية، من قرية بليونش المشار إليها، حيث القصر هناك، وعنصر
стр. 38
الماء المختص بها. ومن هناك ركب البحر ليلا وذلك في جمادى الآخر من عام ثلاثة وستين وسبع مائة. وفي الحادي والعشرين من الشهر المذكور دخل دار ملكه حمراء غرناطة، وأكل من فضل هذه الضيافة معظم من كان بالقرية من قوي وضعيف ورفيع ووضيع.
وكان شيخنا القاضي أبو الحسن المذكور يثني عليه، ويعظمه تعظيما يليق بمثله، ويقول في أثناء حديثه: فعل أبو العباس الشريف صاحب سبتة كذا، وصنع كذا. ولم تزل حالته هذه، ﵀ عليه، إلى أن أسن وأقعد، فلزم منزله ثلاث سنين، من غير أن ينقص ذلك من منصبه شيئاً ولا من انتفاع الناس به؛ وكان ابيض اللون، حسن الهيئة والملبس، يخضب بالحناء؛ وتوفي في زمانته وقد نيف على الثمانين، عام ستنة وسبعين وسبع مائة، وله الآن قرابة بمدينة فاس بقيد الحياة " انتهى كلام صاحب الكواكب الوقادة باختصار، وبعضه بالمعنى.
ومن نظم هذا الشريف، مما أمر به أن ينقش بالقبة المذكورة آنفاً في معنى الآستعاذة:
وثقت بالله ربي ... وحسبي الله حسبي
والله كافٍ وواقٍ ... ودافع كل خطب
ولست أخشى إذا ما ... وثقت بالله ربي
بلغت فيها مرادي ... منها مع صحبي
والخمس تفقأ عيناً ... لكل حاسد ندبِ
стр. 39
وكان السلطان المرحوم أبو عنان فارس، أبن سلطان أبي الحسن المريني يجل هذا الشريف، ويعترف له بالفضل، ويعطيه العطاء الجزل، وكان يستدعيه كل سنة إلى حضرته فاس، لحضور المولد السعيد، الذي سنه ببلاد المغرب الشيخ أبو العباس العزفي، وتلك السنة إلى الآن بحسن نيته، واعتنائه بالجانب العلى، نفعه الله بذلك، ويخلع عليه الخلع الملوكية، ويعد له ديناراً مسكوكا يصنع بمدينة مراكش، زنته مائة دينار ذهباً، يدفع له ذلك مع جائزته، إلى غير ذلك مما كان يتحفه به، ﵀، ويصحبه في وجهته تلك من الضعفاء والتجار ما لا يحصى كثرة، ويتولى هو الإنفاق على الجميع من ماله، ويرفع عنهم اللوازم المخزنية، فكان التجار لأجل ذلك يرصدون وقت سفره وقفولته. وقدمه السلطان أبو عنان لمذكور ناظرا إلى بلده سبتة، وأمر صاحب قصبتها ألا يقطع أمراً إلاّ بمشورته، فكان العمال يخافونه ويشاورونه، فإذا رأى من أحدهم خروجا عن العادة، أو حيفا على الرعية، كتب إلى السلطان في شأنه، فيزله من فوره، ويعوضه بغيره. وكان يقول للسلطان: لعلك تحسبني خديما، لست كذلك، وإنّما نحن معشر أهل البيت شفعاء في الدنيا، وشفعاء في الآخرة. فكان أهل سبته في أيامه في عيش هني، ونعمة شاملة، بقي على هذه الحالة المرضية مدة عشرين سنة. وله بسبتة آثار تحكى الآثار العزفية، كالرياض
стр. 40
الأعظم، الذي إمام باب الميناء الأسفل الذي تأنق فيبنيانه وأبدع صنعته، وجلب إليه المياه بالدواليب حتى أوصله إلى القبة ذات الأعمدة، وكالرياض الذي بالصفارين، حيث كان قعوده مع خواص الناس وعامتهم.
قال صاحب الكواكب الوقادة: " سمعت أحد كتابه الخاص به، الملازم له ليلاً ونهاراً، مع مرور الأيام والسنين، يقول: ما أمرني قط سيدي ومولاي الشريف بكتب شيء مخالف للشرع، بل في رفع المظالم، وإنهاء الشفاعات، وتوجيه الأمانات، وما في معنى ذلك، مما ندب إليه الشرع، وحض عليه، ووعد بالثواب على فعله. وطالما سمعت الكاتب المذكور يقسم على ذلك، فنفعه الله به ". انتهى.
قلت: تذكرت بهذا الفعل الجميل ما كتب به على دواة أمير المؤمنين أبي عنان، ﵀، وهو:
أنا دواة فارس ... أبي عنان المعتمد
حلفت من يكتب بي ... بالواحد الفرد الصمد
أنَّ لا يمد مدة ... في قطع رزق لأحد
وقد رأيت في هذا الأيام دواة في غاية ما يكون من الإتقان والصنعة والتذهيب، وفيها مكتوب البيتان الأخيران، وهي عند بعض أصحابنا الكتاب الحضرة الفاسية أحاطه الله وأظنها هي الدواة التي كانت لأبي عنان، والله اعلم.
стр. 41
رجع إلى ذكر الشريف
وكان الشريف المذكور يصنع أنواع المطاعم الرفيعة، ويتبسط في ألوانها، ويطعمها الغني والفقير، والقوي والضعيف، ممن يحضر مجالسه أو يأتي إليه، وبالجملة فهو قطب الجود الذي عليه المدار، وإمام الأدب الذي لا يجاريه الرضي ولا مهيار؛ ومن نظمه وقد ساير قاضي الجماعة بحضرة غرناطة، أبا البركات البلفيقي الشهير بابن الحاج السلمي، ومن ولد العباس بن مرداس ﵁، زمن الشبيبة في بعض أسفاره ببر الأندلس، فلما أنتهبا إلى قرية بزليانة وأدركهما النصب، واشتد عليهما حر الهجير، نزولا وأكلا من باكر التين الذي هنالك، وشربا من ذلك الماء العذب، واستلقى أبو البركات على ظهره تحت شجرة مستظلا بظلها، ثم التفت إلى الشريف وقال:
ماذا تقول، فدتك النفس في حالي ... يفنى زماني في حل وترحال
وارتج عليه فقال لأبي العباس: أجز؛ فقال بديها:
كذا النفوس اللواتي العز يصبها ... ترضى بمقام دون آمال
стр. 42
دعها تجوب الفيافي والقفار إلى ... أنَّ تبلغ السؤال أو تفنى بتجوال
وكان عطاء هذا السيد الشريف المرسوم له من بيت المال، ثلاثين ديناراً من الذهب العين في رأس كل شهر، وهو خاتمة الشرفاء العظام بمدينة سبتة. ولهؤلاء الشرفاء بمدينة سبتة نحو الثلاثين قبراً، في روضتهم المنسوبة إليهم، بالجانب الشرقي من رابطة الفصال. وهؤلاء الشرفاء من ذرية أبي الطاهر الذي خرج من جزيرة صقلية، وكانت لهم بسبتة وجاهة وسيادة، وجلالة ومجادة؛ لمكان بيتهم الشريف، ونسبهم العالي المنيف؛ ما منهم واحد إلاّ غذاه العلم بلبانه، والأدب ببيانه. وولى منهم قضاء بلدهم سبتة رجلان، لم يطلع مثلهما الملوان؛ تقى وعلماً، وأناة وحلما؛ وأولهما القاضي أبو الشرف الرفيع، والثاني ابنه القاضي أبو الحسن علي. وكم نشأ عن هذا الأصل الطاهر من جهبذ تحرير، وعالم ماهر؛ وسخى جواد، له إلى الإعطاء ارتياح وإلى الكرم استناد؛ وناهيك بخاتمهم أبي العباس المذكور.
وكان فائدة مضرب الميناء لهذا الشريف الحسيني، دون أنَّ يشكره غيره، وكان له بضرب أويات يوم يضرب فيه، ويومان لبيت المال،
стр. 43
وكانت عادة عامل المضارب، الناظر في فوائدها وما تحتاج إليه من نفقة وآلة، أنَّ يأمر رجاله وأعوانه، حين يقعد النواتية الكيس، بالوقوف إليه، والدفاع عنه، بعد أنَّ يحضر الشهود، خفراً وضبطاً لمّا يحصل من فائدة المضرب المالي في يوميه؛ فإذا كان يوم السيد الشريف يأمر رجاله وخادمه وأعلاجه الإسلاميين، بإباحة المضرب للمساكين، وتفريق الحوت على من لا يصل إليه، ممن يحضر متنزها، إما لحفظ مروءة، وإما لغير ذلك. ولا يزال الناظر من قبله، وهو القائد فارح أحد أعلاجه، واقفاً على حصانه، وقد أحاطت به رجاله، إلى أنَّ يرضى كل من يحضر، وما فضل عن ذلك فهو له. وأما السيد الشريف فلا يحضر، إذ همته أرفع من ذلك، وقدره أعظم، ومكانته بسبته مكانته، بحيث يأتي إليه في الموضع الذي أعده لجلوسه برياضة الذي بالصفارين صبيحة كل يوم صاحب القصبة، كائنا من كان، مسلماً عليه، ثم ينصرف، ثم يأتي الوالي على قبض الجباية مسلماً، ثم ينصرف بعد تقبيل قدمه، ثم يأتي صاحب الشرطة، وكذا جميع أمراء سبتة، إلاّ القاضي، لمكان خطته، فيعامل كلا بما يستحق من إكرام وإهانة، وإغلاظ ومجاملة، فلا يتخلف أحد عن غرضه، ولا يصدر إلاّ عن رأيه ونظره. وهذا كله مع النصيحة للمسلمين، وجلب المنفعة لهم بالقول والفعل، وإطعام الطعام الذي لا يقدر عليه الأمير فمن دونه، ورفع المظالم، ومنح الجاه، إلى غير ذلك، نفعه الله. فكان من حكمة الله وبركته أهل البيت،
стр. 44
وفضل الجود والكرم ومكارم الأخلاق، وإيصال المنفعة للعباد، أنَّ يخرج في اليوم الذي له بالمضرب من الحوت، أي نوع كان من الجاري، أضعاف ما يخرج في اليومين، ويحصل له من الفائدة أكثر مما يحصل لمتولي النظر فيهما، فيتصل بيده من فائدة يومه خمس مائة الدينار وسبع المائة، وربما يزيد، وقد انتهى في بعض الأحيان إلى ألفي دينار في اليوم، حسبما يسنيه الله ؛ هذا بهد العادة التي عودها نفسه النفيسة، من الإيثار والبذل، للسرى والنذل. ولم تكن له همة، ﵀، في احتكار المال وجمعه، بل يصرف ذلك كله في إطعام الطعام، الخاص والعام، وفي تشديد البنيان، والإنفاق على الفعلة والصناع والخدام، وآثاره ومصانعه بداخل سبتة وخارجها شهادة بذلك مدى الأيام؛ وكم في أثناء هذا التصرف من مؤاساة الفقير، وإعانة الضعيف، وإغاثة الملهوف، برفع لازم أو وظيف، حسبما هو معلوم معروف منقول.
وكان ملوك بني مرين يعتنون له أتم اعتناء، ويبادرون إلى موافقة أغراضه، وقبول شفاعته، وما يتلقاه حين وروده على حضرتهم فاس إلاّ الملك بنفسه، إلى غير ذلك من مناقبه ﵁، ونفعنا به، وبسلفه الطاهر.
قلت: وإنّما ذكرت التعريف بهذا الشريف الفياض، تفاؤلا بالابتداء به بعد عياض، لأني اشترط إني أخرج من الشيء إلى ما يناسبه، فبدأت
стр. 45
في ذلك بهذا السيد الشريف، الذي عظمت مجادته، وكرمت مناسبه، وزكت مآثره، وعلت مناصبه؛ والأعمال بالنيات، والله يبلغنا في الدارين غاية الأمنيات.
وبعد أنَّ بلغت سبته ما ذكرناه من أحوالها، وبقيت مدة آمنة من شرور الدنيا وأهوالها، وأطلعت في سمائها نجومها، كانت علومها للمردة وجومها؛ كعياض المؤلف فيه هذا الكتاب، وهؤلاء الشرفاء الذين لا يمترى في فضلهم ولا يرتاب، وبنى العز في المشاهير الذين برزوا في ميدان السبق على الخاصة والجماهير؛ وحازوا رياسة الدين والدنيا، وفازوا بالمكانة السامية والمرتبة العليا؛ وغيرهم ممن لا يحصى كثره، ممن كان لهم تقديم وأثرة، عدا عليها الدهر بعدوانه، وسقط شرفها من إيوانه؛ واستولى عليها العدو الكافر، في قضية يطول شرحها، وعظم على أهل الإيمان قرحها، وأعضل أطبائها الملوك إلى الآن جرحها، ولم يزل بنفوس المؤمنين شجوها وبرحها.
أخبرني الفقيه الطيب العدل الفرضي، سيدي أبو القاسم بن محمّد الوزير الغساني ﵀: أنّه لمّا دخل سبته، حين وجهه أمير المؤمنين، مولانا المنصور، ﵀، إليها في شأن فداء الكفار المأخوذين بالغزوة الشهيرة، ذهب إلى المدرسة التي كان بناها أحد ملوك بني مرين ﵏، وأظنه أبا عنان،
стр. 46
وهي من أجلّ المدارس وأعظمها، فرأى في محرابها ناقوساً وصليباً، قال: فساءني ذلك، فرفعت بصري فإذا كتابة بخط رائق، في تلك النقوش فوق ذلك الناقوس، فيها قوله تعالى:) شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم إنَّ الدين عند الله الإسلام (. وكان ذلك الكتب قديماً فيها من جملة ما كتب المسلمون بها حين بناها، على ما جرت به عادة الملوك من كتب الآيات القرآنية في النقوش بالزليج والمرمر. قال لي ﵀: فتعجبت من ذلك الاتفاق، وسلاني ذلك بعض التسلى، وإلى الله ترجع الأمور.
وكان أخذ سبتة، أعادها الله، سنة تسع وعشرون وثمان مائة. بعد ما استولى العدو الكافر على معظم بلاد الأندلس، مثل قرطبة، ومرسية، وطليطلة، وبلنسية، وغيرها، مما يطول تعداده.
وقد قال بعض الشعراء حين أخذت طليطلة، وكانت من أوّل ما اخذ من القواعد العظام، يخاطب أهل الأندلس:
يأهل أندلس شدوا رحالكم ... فما المقام بها إلاّ من الغلط
السلك ينثر من أطرافه وأرى ... سلك الجزيرة منثور من الوسط
من جاور الشر لا يأمن بوائقه ... كيف الحياة مع الحيات في سفط
стр. 47
ولله در الإمام العلامة خاتمة أدباء الأندلس، أبي الطيب صالح أبن شريف الزندي ﵀ إذ قال بلاد الأندلس، ويبعث العزائم ويحركها من أهل الإسلام لنصرة الدين، وإنقياد البلاد من يد الكافرين، ولسان الحال ينشده " لقد أسمعت لو ناديت حياً ".
لكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شهدتاها دول ... من سرة زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقى إلى أحد ... ولا يدوم على حالٍ لها شان
يمزق الدهر حتما كل سابغة ... إذا نبت مشرفيات وخرصان
وينتضى كل سيف للفناء ولو ... كان أبن ذي يزن والغمدان غمدان
أين الملوك ذوو التيجان من يمن ... وأين منهم أكاليل وتيجان
وأين ما شداه شداد في إرم ... وأين ما ساسه في الفرس ساسان
وأين ما حازه قارون من ذهبٍ ... وأين عاد وشداد وقحطان
أتى على الكل أمر لا مرد له ... حتى قضوا فكان القوم ما كانوا
وصار ما كان من ملك ومن ملك ... كما يحكى عن خيال الطيف وسنان
دار الزمان على داراً وقاتله ... وأم كسرى فما آواه إيوان
стр. 48
كأنما الصعب لم يسهل له سبب ... يوما ولا ملك الدنيا سليمان
فجائع الدهر أنواع منوعة وللزمان مسران وأحزان
وللحوادث سلوان يهونها ... وما لمّا حل بالإسلام سلوان
دهى الجزيرة أمر لا عزاء له ... هوى له أحد وانهد ثهلان
أصابها العين في الإسلام فارتزئت ... حتى خلت منه أقطار وبلدان
فاسأل بلنسية ما شأن مرسيةٍ ... وأين شاطبة أم أين جيان
وأين قرطبة دار العلوم فكم ... كم عالم قد سما فيه له شأن
وأين حمص وما تحويه من نزهٍ ... ونهرها العذب فياض وملآن
قواعد كن أركان البلاد فما ... عسى البقاء لم تبق أركان
تبكي الحيفة البيضاء من أسفٍ ... كما بكى لفراق الإلف هيمان
على ديار من الإسلام خاليةٍ ... قد أسلمت ولها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائس ما ... فيهن إلاّ نواقيس وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة ... حتى المنابر ترثى وهي عيدان
يا غفلان وله في الدهر موعظة ... إنَّ كنت في سنة فالدهر يقظان
وماشياً مرحا يلهيه موطنه ... أبعد حمص تغر المرء أوطان
стр. 49
تلك المصيبة أنست ما تقدمها ... وما لها مع طول الهر نسيانُ
يا أيّها الملك البيضاء رايته ... أدرك بسيفك أهل الكفر لا كانوا
يا راكبين عتاق الخيل ضامرة ... كأنها في مجال السبق عقبانُ
وحاملين سيوف الهند مرهفةً ... كأنها في ظلام النقع نيرانُ
وراتعين وراء البحر في دعةٍ ... لهم بأوطانهم عزٌ وسلطانُ
أعندكم نبأ من أهل أندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبانُ
كم يستغيث بنو المستضعفين وهم ... أسرى وقتلى فما يعتز إنسانُ
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم ... وانتم يا عباد الله إخوانُ
ألا نفوس أبيات لها همم ... أما على الخير أنصارٌ وأعوانُ
يا من لذة قوم بعد عزهم ... أحال حالهم كفر وطغيانُ
بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم ... واليوم هم في بلاد الكفر عبدانُ
فلو ترهم حيارى لا دليل لهم ... عليهم من ثياب الذل ألوانُ
ولو رأيت بكاهم عند بيعهم ... لهالك الأمر واستهوتك أحزانُ
يا رُبَّ أم وطفلٍ حيل بينهما ... كما تفرق أرواح وأبدانُ
стр. 50
وطفلةٍ ما رأتها الشمس إذ برزت ... كأنها هي ياقوت ومرجانُ
يقودها العلج للمكروه مكرهة ... والعين باكية والقلب حيرانُ
لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمانُ
انتهى وكان السيخ الإمام العلامة الفقيه الوزير الكاتب أبو يحيى بن عاصم صاحب الشرح على تحفة أبيه، رحم الله الجميع، عند ما رأى اختلال أمر الجزيرة أعادها الله وأخذ النصارى دمرهم الله لمعظمها، ولم يبق إذ ذاك بيد المسلمين إلاّ غرناطة، وما يقرب منها، مع وقوع فتن بين ملوك بني نصر حينئذ ثم أفضى الملك إلى بعضهم، بعد تمحيص وأمور يطول بيانها، ألف كتابا سماه: " جنة الرضى، في التسليم لمّا قدر الله وقضى " وهو كتاب جدا غريب، رأيت بعضه بتلمسان، ونقلت منه ما نصه: " من استقرأ التواريخ المنصوصة، وأخبار الملوك المقصوصة، علم أنَّ النصارى دمرهم الله لم يدركوا في المسلمين ثارا، ولم يرحضوا عن أنفسهم عارا، ولم يخربوا من الجزيرة منازلا وديارا، ولم يستولوا عليها بلادا جامعة وأمصارا، إلاّ بعد تمكينهم لأسباب الخلاف، واجتهدوا في وقوع الافتراق، بين المسلمين والاختلاف؛ وتضربهم بالمكر والخديعة بين ملوك
стр. 51
الجزيرة؛ وتحريشهم بالكيد والخلابة بين حماتها في الفتن المبيرة؛ ومهما كانت الكلمة مؤتلفة، والأهواء لا مفترقة، والعلماء بمعاناة اتفاق القلوب إلى الله مزدلفة؛ فالحرب إذ ذاك سجال، ولله إقامة الجهاد في سبيله رجال، وللممانعة في غرض المافعة ميدان رحب ومجال وروية وارتحال.
ثم قال: وتطاولت الأيام ما بين مهانة ومقاطعة؛ ولا أمل للطاغية إلاّ في التمرس بالإسلام والمسلمين، وإعمال الحيلة على المؤمنين، وإضمار المكيدة للموحدين، واستبطان الخديعة للمجاهدين؛ وهو يظهر أنّه ساع للوطن في العاقبة الحسنى، وأنّه المصلحة لخاصتهم وجمهورهم؛ وهو يسر حسواً في ارتغائه، ويعمل الحيلة في التماس هلك الوطن وابتغائه. فتباً لعقول تقبل مثل هذا المحال، وتصدق هذا الكذب بوجه أو حال؛ وليت المغرور الذي يقبل هذا لو فكر في نفسه، وعرض هذا المسموع على مدركات حسه، وراجع أوليات عقله وتجريبات حدسه، وقاس عدوه الذي لا ترجى مودته على أبناء جنسه؛ فأنا أناشده الله هل بات قط بمصالح النصارى وسلطانهم مهتما، وأصبح من خطب طرقهم مغتما؛ ونظر المفكر في العاقبة الحسنة، أو قصد لهم قصد
стр. 52
المدبر في المعيشة المستحسنة؛ أو خطر على قلبيه أن يحفظ في سبيل القربة أربابهم وصلبانهم، أو عمر ضميره من تمكين عزهم بما ترضاه أحبارهم ورهبانهم؛ فإن لم يكن ممن يدين بدينهم الخبيث ولم يشرب قلبه حب التثليث؛ ويكون صادق اللهجة منصفا عند قيام الحجة؛ فسيعترف أنَّ ذلك لم يخطر له قط على خاطر ولا مر له ببال، وأنَّ عكس ذلك هو الذي كان به ذا اغتباط وبفعلة ذا اهتبال، وإنَّ نسب لذلك المعنى فهو عليه أثقل من الجبال، وأشد على قلبه من وقع النبال؛ هذا وعقده التوحيد، وصلاته التحميد؛ وملته الغراء وشريعته البيضاء ودينه الحنيف القويم، ونبيه الرءوف الرحيم، وكتابه القرآن الحكيم، ومطلوبه بالهداية الصراط المستقيم؛ فكيف نعتقد هذه المزية الكبرى، والمنقبة الشهرى؛ لمن عقده التثليث، ودينه المليث؛ ومعبوده الصليب، وغافر ذنبه القسيس؛ وربه عيسى المسيح ونظره ليس البين ولا الصحيح، وإن ذلك الرب قد ضرج بالدماء، وسقى الخل عوض الماء؛ وأن اليهود قد قتلته مصلوبا، وأدركته مطلوبا وقهرته
стр. 53
مغلوباً؛ وأنّه جزع من الموت وخاف إلى سوى ذلك مما يناسب هذه الأقاويل السخاف فكيف يرجى من هؤلاء الكفرة من الخير مثقال الذرة أو يطمع منهم في جلب المنفعة أو دفع المضرة اللهم أحفظ علينا العقل والدين واسلك بنا سبيل المهتدين " انتهى.
ومنه أيضاً ما نصه: " كانت خزانة هذه الدار النصرية مشتملة على كل نفيسة من الياقوت ويتيمة من الجوهر وفريدة من الزمرد وثمينة من الفيروز وفاخر من الآلة ونادر من الأمتعة فمن عقود فذة وسلوك جمة وأقراط تفضل على قرطى مارية نفاسة فائقة وحسنا رائقا ومن سيوف شواذ في الإبداع غرائب في الإعجاب منسوبات الصفائح في الطبع خالصة الحلى من التبر ومن دروع مقدرة السرد متلاحمة النسج واقية للبأس في يوم الحرب مشهورة النسبة إلى داود نبي الله ومن جواشن سباغة اللباسة وذهبية الحلي
стр. 54
هندية الضرب ديباجية الثوب ومن بيضات عسجدية الطوق جوهرية التنضيد زبرجدية التقسيم ياقوتية المركز ومن مناطق لجينية الصوغ عريضة الشكل مزججة الصفح ومن درق لمطية مصمتة المسام لينة المجسة معروفة المنعة صافية الأديم ومن قسى ناصعة الصبغة هلالية الخلقة منعطفة الجوانب زارية بالحواجب إلى آلات فاخرة من أتوار نحاسية ومناور بلورية وطيافير دمشقية وسبحات زجاجية وصحاف صينية وأكواب عراقية وأقداح طباشيرية وسوى
стр. 55
ذلك مما لا يحيط به الوصف، ولا يستوفيه العد؛ وكل ذلك ألهبه شواظ الفتنة، والتقمه تيار الخلاف والفرقة، فرزئت الدار منه بما يتعذر إتيان الدهور بمثله، وتقتصر ديار الملوك المؤثلة عن بعضه فضلا عن كله ". انتهى.
وسنذكر من كلامه ﵀ بعد هذا، زيادة على ما جلبناه الآن، والله المستعان.
وكانت غرناطة منتهى الآمال، ووسطى قلادة الأمصار، ولم تزل محاسنها مجلوة على منصة الدهور والأعصار. وقد استولى وصفها لسان الدين الوزير أبو عبد الله بن الخطيب في كتاب الإحاطة، ويرحم الله القائل:
غرناطة ما لها نظير ... ما مصر ما الشام ما العراق؟
ما هي إلاّ العروس تجلى ... والأرض من جملة الصداق
قال الفقيه الأديب أبو عبد الله بن محمّد بن أحمد بن الحداد الشهير بالوادي آشى، نزيل تلمسان:
كان على ظهر النسخة الرائقة الجمال، والفائقة الكمال، من الإحاطة، في تاريخ غرانطة، المحبسة على المدرسة اليوسفيه، من الحضرة العليه، بخط قاضي الجماعة، ومنفذ الأحكام الشرعية المطاعة، صدر البلغاء، وعلم العلماء، ووحيد الكبراء، وأصيل الحسباء، الوزير المعظم أبي يحيى بن عاصم ﵀، ما نصه:
стр. 56
" الحمد لله، الاستدلال بالأثر على المؤثر مما سلمه الإعلام، وشهدت به العقول الراجحة والأحلام، وهو الحجة المعتمدة حين تتفضل الألباب، وتتقصر الأفهام، وبه الاستمساك إنَّ طرقت الشكوك، أو عرضت الأوهام. وحسبك بما يسلم في هذا المقام المتعالى من الأدلة، وما يعتمد في هذا المجال المتضايق من البراهين المستقلة؛ فتحقيق أنَّ يتلقى هذا النوع من الاستدلال فيما دون الفن المشار إليه بالقبول، ويستقبل المهتدي لاستنباطه لمّا فيه من التبادر إلى الأفهام والتسابق للعقول؛ وإذا ثبت أنَّ المستدل بهذه الأدلة سالك على سواء سبيل، ومنتمٍ من صحة النظير إلى أكرم قبيل، فلا خفاء إنَّ كتاب " الإحاطة " للشيخ الرئيس ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الخطيب ﵀، من أثر هذه الدولة النصرية أدامها الله بكل اعتبار، ومآثرها التي هي عبرة لأولي الألباب، وذكرى لأولي الأبصار.
أما الأول فلأن الأنباء التي أظهرت صحتها، وأوضحت حجتها، وشرفت مقصدها، وكرمت مصعدها، وإنّما هي مناقب ملوكها الكرام، ومكارم خلفائها الأعلام، وأخبار من اشتملت عليه دولتهم الشريفة من صدور حملة السيوف والأقلام؛ وأفذاذ حفظة الدين والدنيا، والشرف والعليا، والملك والإسلام؛ أو ما يرجع إلى مفاخر حضرة الملك، وينظم نظم الجمان في ذلك السلك، من حضانة قلعتها، وأصالة منعتها؛
стр. 57
وقديم اختطاطها، وكريم جهادها ورباطها؛ وحسن ترتيبها ووضعها، وما اشتمل عليه من مقاصد الأنس أهل ربعها؛ وما سوى هذه الأقسام الثلاثة فمن قبيل القليل، ومما يرجع إلى شرف الحضرة، ممن انتابها من أهل الفضل الواضح والمجد الأثيل.
وأما ثانياً فإنَّ راسم آياتها المتلوه، ومبدع محاسنها المجلوة، وناقل صورتها من الفعل إلى القوه، وإنّما هو حسنة من حسنات هذه الدولة النصرية الكريمة، ونشأة من نشأت جودها الشامل النعمة، الهامل الديمة، فما ظهر عليه من كمالات الأوصاف، على الإنصاف، فأخلاف هذه المكارم النصرية أرضعته، وعنايتها الجميلة أسمته، فوق الكواكب ورفعته؛ وإليها ينسب إحسان إنَّ انتسب، منشؤه الذي عظم فيه قدره، بل افقه الذي اشرق فيه بدره؛ والتشريفات السلطانية هي التي فتقت اللهى باللهى، وأحلت من مراق العز فوق السها؛ وأمكنت الأيدي من الذخائر والأعلاق، وطوقت المنن كالقلائد في الأعناق؛ وقلدت الرياسة والأقلام أعلام؛ فبهرت أنواع المحاسن، وورد معين البلاغة غير المطرق ولا الآسن؛ وبرعت التواليف، في الفنون المتعددة، واشتهرت التصانيف، ومنها هذا التصنيف المشار إليه، لمّا له
стр. 58
من الأذمة المتأكدة. وإذا ظهر هذا الاستدلال، وأوضح البيان ما كتمه الإجمال، فلنفضح الآن بما قصد، ولنلحق من انجم السعادة ما رصد، وذلك أن لمولاي أمير المؤمنين، المجاهد في سبيل رب العالمين، الغالب بالله، المؤيد بنصره أبي عبد الله، محمد بن الخلفاء النصريين أيده الله ونصره، وسنى له الفتح المبين ويسره مآثر لم يسبق إليها، ومكارم لم يجر أحد ممن وسم بالكرم عليها، لجلالة قدرها، وضخامة أمرها، من ذلك هذا للقصد الذي آثر لها كالكتاب المذكور وسواه مما هو أحد وفذلك في معناه؛ عقد جميعها التحبيس على أهل العلم والطلبة بحضرته العلية هنالك، ليشتمل به الامتناع، ويعم به الانتفاع؛ والله ينفع بهذا القصد الكريم، ويتولى المثوبة على هذا العقد الجسيم.
وهذه النسخة في أثنى عشر سفراً، متفقة الخط والعمل، أكتتب هذا على ظهر الأول منها بتاريخ رجب الفرد، عام تسعة وعشرين وثمان مائة، عرف الله بركته بمنة، آمين ". انتهى.
وقال الوزير أبو يحيى بن عاصم المذكور، قدس الله روحه الطيبة، وسقى مثواه غيث رحمته الصيبة، في كتابه المسمى ب " الروض الأريض، في ترجمة شموس العصر، من ملوك بني نصر "، في اسم الغني بالله محمّد بن يوسف بن إسماعيل أبن فرج بن نصر الخزرجي، بعد كلام ما نصه:
стр. 59
" كان قد جرى عليه التمحيص الذي أزعجه عن وطنه، إلى الدار البيضاء بالمغرب من إيالة بني مرين، فأفاده الحنكة والتجربة هذه اليسيرة التي وقف شيوخها على تحقيقها، وانتهجوا واضح طريقها، وبلغتنا منقولة بألسنة صدقهم، معبراً عنها في عرف التخاطب بالعادة، فلم يكن الوزير الكيس، والرئيس الجهبذ يجريان من الاستقامة على قانون، ولا يطردان من الصواب على أسلوب، إلاّ بالمحافظة على ما رسم من القواعد، والمطابقة لمّا ثبت من العوائد، وكان ذوو نبل من هذه الطبقة، وأولو الحذق من أرباب هذه المهن السياسية، يتعجبون من صحة اختيارها لمّا رسم، وجوده تمييزه لمّا قعد، ويرون المفسدة بالخروج عنها ضربة لازب، وأنَّ الاستمرار على مراسمها آكد واجب؛ فيتحرونها بالالتزام كما تتحرى السنن، ويتوخونها بالإقامة كما تتوخى الفرائض، وسواء تبادر لهم معناها ففهموه، أو خفي عليهم وجه رسمها فجهلوه ".
حدثني شيخنا القاضي أبو العباس أحمد بن أبي القاسم الحسني: أنَّ الرئيس أبا عبد الله بن زمرك دخل على الشيخ ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الخطيب يستأذنه في جملة مسائل، مما يتوقف عادة على إذن الوزير، وكان معظمها فيما يرجع إلى مصلحة الرئيس أبي عبد الله. قال الشريف: فأمضاها كلها له، ما عدا واحدة منها تضمنت نقص عادة مستمرة، فقال له ذو الوزارتين
стр. 60
أبن الخطيب: لا والله يا رئيس أبا عبد الله، لا آذن لك في هذا، لأنا ما استقمنا في هذه الديار إلاّ بحفظ العوائد.
ثم قال صاحب الروض: فلما تأذن الله تعالى للدولة بالاضطراب، واستحكم الوهن بتمكن الأسباب، عدل عن هذه القواعد الراسخة، واستخف بتلك القوانين الثابتة؛ فنشأ من المفاسد ما أعوز رفعه، وتعدد وتره وشفعه، واستحكم ضرره حتى لم يمكن دفعه، وتعذر فيه الدواء الذي يرجى نفعه، وكان قد صحبه من الجد ما سنى آماله، وانجح بأذن الله أقواله وأعماله؛ فكان يجري الأمر على رسم من السياسة واضح، ونطر من الآراء السديدة راجح؛ ثم يحفه من الجد السياج لا يفارقه، إلى تمام الغاية المطلوبة من حصوله، وتمكن مقتضى الإرادة السلطانية من فروعه وأصوله.
انتهى كلام أبن عاصم، وإنّما أتيت به لغرابته. وقال أبو عبيد البكري ﵀: " الأندلس شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدال استوائها، هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في عظم جبايتها، صينية في جواهر معادنها، عدنية في منافع سواجلها، فيها آثار عظيمة لليونانيين ".
стр. 61
قال ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الخطيب: خص الله بلاد الأندلس من الريع، وغدق السقيا، ولذاذة الأقوات، وفراهة الحيوان، ودرور الفواكه، وكثرة المياه، وتبحر العمران، وجودة اللباس، وشرف الآنية وكثرة السلاح، وصحة الهواء، وابيضاض ألوان الإنسان، ونبل الأذهان، وقبول الصنائع، وشهامة الطباع، ونفوذ الإدراك، وإحكام التمدن والاعتمار، بما حرمه الكثير من الأقطار، مما سواها.
ثم قال: وحديث الفتح، وما فتح الله على الإسلام من المنح، وأخبار ما أفاء الله من خير، على موسى من نصير، وكتب من جهاد، لطارق بن زياد، مملول قصاص وأوراق، وحديث أفول وإشراق، وإرعاد وإبراق؛ وعظم امتشاش. وآلة معلقة في دكان قشاش. انتهى.
ولا خفاء بما كان لملوك المسلمين بالأندلس والعداوة على النصارى. دمرهم الله من الاستطالة والغلبة، حتى وقع التخاذل والتدابر، فأنعكس الأمر. وقد حكي غير واحد أنَّ دن جناحه بن دن افنش، استنصر على أبيه بالسلطان المجاهد أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني، ولاذ به، ورهن عنده تاجه ذخيرة النصارى، ولقيه بصخرة عباد، من أحواز رنده، فسلم عليه،
стр. 62
ويقال إنَّ أمير المسلمين لمّا فرغ من ذلك، طلب بلسان زناتة الماء، ليغسل يده به من قبلة الفنش، أو مصافحته.
أبن الخطيب:
" والشيء يذكر بالشيء، فأثبت حكاية اتفقت بسبب ذلك، استدعى بها الدعاء ممن يحسن عنده موقعها، وهي أنَّ اليهودي الحكيم أبن زرزار، على عهد ملك النصارى، حفيد هذا الفنش المذكور، وصل إلينا بغرناطة في بعض جوائجه، وحخل إلى بدار سكناي، مجاوراً لقصر السلطان بحمراء غرناطة، وعندي القاضي اليوم بغرنطة وغيرها من أهل الدولة، وبيده كتاب من سلطان المغرب محمّد بن أبي عبد الرحمن بن السلطان الكبير المولى أبي الحسن، وكان محمّد هذا قد فر إلى صاحب قشتالة، واستدعى من قبله إلى الملك، فسهل له ذلك، وشرط عليه ما شاء، وربما وصله خطابه بما لم يقنعه في إطرائه، فقال لي: مولاي السلطان دن بطرة يسلم عليك، ويقول لك: انظر مخاطبة هذا الشخص، وكان بالأمس كلباً من كلاب بابه، حتى ترى خسارة الكرامة فيه، فأخذت الكتاب من يده، وقرأته وقلت له: ابلغه عني أنَّ هذا الكلام ما جرك إليه إلاّ خلو بابك من الشيوخ، الذين يعرفونك بالكلاب والأسود، وبمن تغسل الأيدي منهم إذا قبلوها، فتعلم من الكلب الذي تغسل اليد منه، ومن لا، وأنَّ جد هذا الولد هو الذي قبل جدك يده،
стр. 63
واستدعى الماء ليغسل يديه منه بمحضر النصارى والمسلمين؛ ونسبة الجد إلى الجد كنسبة الحفيد إلى الحفيد؛ وكونه لجأ إلى بلادك بعار عليه، وأنت معرض إلى اللجإ إليه، فيكافئك بأضعاف ما عاملته به. فقام أبن الحسن المستقصي يبكي ويقبل يدي، ويصفني بولي الله، وكذلك من حضرني. وتوجه إلى المغرب رسولا، فقص على بني مرين خبر ما شاهد مني وسمعه؛ وبالحضرة اليوم ممن تلقى منه ذلك كثير، جعل الله ذلك خالصاً لوجهه ". انتهى.
ولمّا تقلص ظل الإسلام بالجزيرة، أعداها الله للإسلام، واسترد الكفار، دمرهم الله، أكثر أمصارها وقراها، على وجه العنوة والصلح والاستسلام، ويستنهضون عزماتهم من كل الأمصار. فمن ذلك ما كتب به الكاتب الرئيس أبو عبد الله بن زمرك ﵀ لمّا نزل المسلمون بآخر مرج غرناطة، متوجهين لفج خير: " أعلموا أنا نذكر لكم ما لا يغيب عن أديانكم وأحسابكم، إنَّ هذا الجهاد وليمة دعا الله عباده إليها، وحضهم عليها، فالآيات في المصاحف مسطوره، والأحاديث مشهورة، لبيع النفوس فيها من الرحمن، وبذل المهج رغبة في حصول ثواب الملك والديان، ينزل الله فيها الملائكة المسومين. وتفرح الحور العين، وتسح الرحمة من رب العالمين، ويباهي الله ملائكته بالمجاهدين؛ وقد
стр. 64
تضافرت على ذلك النصوص، وكفى شرفا الفوز بمحبة الله في قوله) إنَّ الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (؛ فينبغي فيه الاستغفار من سالف الذنوب، وتطهير السرائر والقلوب، واجتماع الأيدي والكلمة في مرضات علام الغيوب ".
وابلغ منه ما كتب به ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الخطيب في الحث على الجهاد، والترغيب فيه، وهو: " أيها الناس، رحمكم الله، إخوانكم المسلمون قد دهم العدو قصمه الله ساحتهم، ورام الكفر قبحه الله استباحهم؛ وزحفت أحزاب الطواغيت عليهم، ومدينة الصليب ذراعيه إليهم؛ وأيديهم بعزة الله أقوى، وانتم المؤمنون أهل البر والتقوى؛ وهو دينكم فانصروه، وجواركم القريب فلا تحفزوه، وسبيل الرشد قد وضح فلتبصروه. والجهاد، فقد تعين الجار الجار، فقد قرر الشرع حقه وبين الله اللهَ في الإسلام، الله اللهً في أمة محمّد ﵇؛ الله اللهَ في المساجد المعمورة بذكر الله، الله اللهَ في وطن الجهاد في سبيل الله، قد استغاث بكم الدين فأغيثوه، قد تأكد عهد الله وحاشاكم أنَّ تنكثوه؛ أعينوا إخوانكم بما أمكن من الإعانة، أعنكم الله عند الشدائد، جددوا عوائد الخير، يصل الله لكم ميل العوائد؛ صلوا رحم الكلمة، وآسوا أنفسكم وأموالكم تلك الطوائف المسلمة؛ كتاب الله بين أيديكم، وألسنة الآيات تناديكم، وسنة رسول الله) قائمة فيكم، والله يقول فيه:) يأيها الذين آمنوا هل أذلكم على تجارة تنجيكم (. ومما صح عنه قوله: " من اغبرت قدماه في سبيل
стр. 65
الله حرمها الله على النار ". " لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم ".) ومن جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا (. أدركوا رمق الدين قبل أن يفوت بادروا عليل الإسلام قبل أن يموت احفظوا وجوهكم مع الله يوم يسألكم عن عباده جاهدوا في الله بالألسن والأموال حق جهاده:
ماذا يكون جوابكم لنبيكم ... وطريق هذا العذر غير ممهد
إن قال لم فرطتم في أمتي ... وتركتوهم للعدو المعتدي
تالله أن العقوبة لم تخف ... لكفى من وجه ذاك السيد
اللهم اعطف علينا قلوب العباد اللهم بث لنا الحمية في البلاد اللهم دافع
стр. 66
المربني نص محل الحاجة لنا منها: " ولا شك عند عاقل أنكم إن انحلت عروة تأميلكم أو أعرضتم عن ذلك الوطن استولت عليه يد عدوه ". انتهى.
فكتب بطرته أبو عبد الله الوادي آشي المذكور ما نصه: " كذلك وقع آخر الأمر. وكان الاستيلاء على غرناطة آخر ما بقي من بلاد اللأندلس للإسلام في محرم عام سبة وتسعين وثمان مائة فرحم الله أبن الخطيب العاقل اللبيب وغفر له برحمته ". انتهى كلام الوادي آشي.
على أنه يظهر في كلام بعضهم أن الصلح كان في محرم ودخول الجيش القصبة الحمراء كان في ربيع فلا منافاة والله أعلم.
ورأيت بخط الإمام الوانشريشي سيدي عبد الواحد ﵀ ما نصه: " استولى العدو على جبل الفتح سنة ستّة وستين وثمان مائة وعلى الحمة تاسع المحرم يوم الخميس عام سبعة وثمانين وثمان مائة وفي عام خمسة وتسعين وثمان مائة استولى العدو على جميع بلاد الأندلس ما عدا غرناطة وبشرتها وكان قبله في عام اثنين وتسعين استولى على مالقة في رمضان منه وفي عام سبعة وتسعين استولى على غرناطة ". انتهى.
стр. 67
ولمّا دخل النصارى إلى الحمراء خرج أميرها أبو عبد الله بن محمّد بن أبي الحسن علي النصري واشترط المسلمون على العدو الكافر شروطا أظهر قبولها وبسط لهم جناح العدل حتى بلغت بزعمهم نفوسهم مأمولها وكان من جملتها أن من شاء البقاء عنده أقام في ظل الأمان مكرما ومن أراد الخروج إلى بر العدوة أنزل بأي بلاد شاء منها من غير أن يعطي كراء ولا مغرما وأظهر للمسلمين العناية والاحترام حتى كان النصارى يحسدونهم على ذلك ويقولون لهم: أنتم عند ملوكنا أعز وأكرم منا ووضع عنهم المغارم حيلة منه وكيدا ليغرهم بذلك ويثبطهم على الجواز. فوقع الطمع لكثير من الناس وظنوا أن ذلك البرق ليس بخلب فاشترى كثير من المقيمين الرباع العظيمة ممن أراد الذهاب للعدوة بأرخص الأثمان وأمر لعنه الله بانتقال سلطة غرناطة أبي عبد الله إلى قرية أدرش من قرى البشرة فارتحل أبو عبد الله بعياله وحشمه وأقام بها ينتظر ما يؤمر به ثم ظهر للطاغية أن يجيزه إلى العداوة فأمر بالجواز وأعد له المراكب العظيمة وركب معه كثير من المسلمين ممن أراد الجواز حتى نزلوا بمليلة من ريف المغرب ثم ارتحل السلطان أبو عبد الله إلى مدينة فاس حرمها الله وما زال أعقابه بها إلى الآن من جملة الضعفاء السؤال عبد الملك الطويل العريض فسبحان المعز المذل المانح المانع لا إله إلاّ هو.
стр. 68
وكان خلع أبيه أبي الحسن يوم الأحد ثالث جمادى الأخرى من عام تسعين وثمان مائة، خلعه أخوه، ودخل أبو عبد الله المذكور، أبن أبي الحسن بض البيازين سادس عشر شوال عام واحد وتسعين، وافتك ملك أبيه من يد عمه، وتوفى ﵀ بفاس عام أربعة وعشرين، وتسع مائة، ودفن بإزاء المصلى، خارج باب الشريعة، وخلف ولين، اسم أحدهما يوسف، والآخر محمّد وعقبه بها الآن بها كما ذكرناه والله وارق الأرض ومن عليها والله خير الوارثين.
وكان من قدر الله تعالى أنهم لمّا وصلوا مدينة فاس أصاب الناس بها شدة عظيمة من الجوع والغلاء والطاعون حتى فر كثير منها بسبب ذلك ورجع بعض أهل الأندلس إلى بلادهم فأخبروا بتلك الشدة فتقاعس من أراد الجواز وعزموا على الإقامة والدجن ولم يجز النصارى أحد بعد ذلك إلاّ بالكراء والمغرم وعشر المال فلما رأى الطاغية أن الناس قد تركوا الجواز وعزموا على الاستيطان والمقام في الوطن أخذ في نقض الشروط التي اشترط عليه المسلمون أول مرة ولم يزل ينقضها فصلا فصلا إلى أن نقض جميعها وزالت حرمة المسلمين وأدركهم الهوان والذلة واستطال عليهم النصارى وفرضت عليهم المغارم الثقيلة وقطع عنهم الأذان في الصوامع وأمرهم بالخروج من غرناطة إلى الأرباط والقرى فخرجوا أذلة صاغرين ثم بعد ذلك دعاهم إلى التنصر وأكرههم عليهم وذلك سنة أربع وتسع مائة فدخلوا فيه كرها وصارت الأندلس كلها
стр. 69
دار كفر ولم يبق من يجهر بكلمة التوحيد والأذان وجعلت في المساجد والمآذن النواقيس والصلبان بعد ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن فإنا لله وإنا إليه راجعون لا راد لمّا قضاه الله الملك الديان.
وقد رأيت لبعضهم رسالة ببعض شرح ذلك ونصها: " وتعرفنا من غير ما طريق وعلى لسان غير فريق أن قطر الأندلس نظر الله إليه عاد بنوره عليه طرق أهله خطب لم يجر في سالف الدهر وذلك أنهم أكرهوا بالقتل إن يقع منهم النطق بما يقتضي في الظاهر الكفر ولم يقبل منهم الأشر وكان الابتداء في ذلك من أهل غرناطة جدد الله رسمها وأعاد إلى بلاد المسلمين أسمها وخصوصا أهل واسطتها لقلة الناس وكونهم من الرعية الدهماء مع عدم العصبية بسبب اختلاف الأجناس علم النصارى دمرهم الله بأن من يقي بها من المسلمين إنما هم إسارا في أيديهم وعيال عليهم وبعد أن انتزعوا منهم الأسلحة والمعاقل وعتوا فيهم بالخروج والجلاء فلم يبق من المسلمين طائل ونقض اللعين طاغية النصارى عهوده ونشر بمحض الغدر بنوده من غير معذرة لفقها ولا كذبة من معرض العذر نمقها إلاّ أعجاز من الكفر وصدورا من الغيض والمكر وخالص لغدر جمعها وفرقها وكان الطاغية إذا ذاك باشبيلية جبرها الله وجعل بها قدره ووقى المسلمين والإسلام شره وبعد أن كان قبل قد انسل إلى غرناطة انسلال
стр. 70
القطا إلى الماء وطلع إليها طلوع الرقيب على خلوات الأحباء وأمر بإخلاء الأرباض وأذن بالسفر في البحر للأبعاض ولم يحضر من الأجفان إلاّ القليل وما كان قصده إلاّ التفريق والتهويل على ما عهد من غدر النصارى وطغيانهم وفعلهم الذميم مع المسلمين وثورانهم والإعلان بمحنتهم والحرص على ارتدادهم وفتنتهم وأقام بعد انصرافه عنها وخروجه منها بأشبيلية مديدة وعقاربه لأشياعه من النصارى بغرناطة تدب وتسري ونفسه الخبيث بالعاب تفري ثم انتقل عن الواسطة للبيازين حيث الحمية والنصرة الإيمانية ومع السراجة والنحية والعقل الرصين والدين المتين فجعل صعبها ذلولا وأعاد للكفر كرها من كان بحضرتها وتمتع أحزاب الشيطان قصمهم الله بنضرتها نسأل الله تعالى أن يجعل تمتعه قليلا ".
وزيادة الخبر: " أن الطاغية قشتالة وأرغون قصمه الله صدم غرناطة صدمة وأكره على الكفر من بقي بها من الأمة بعد أن هيض جناحهم وركدت رياحهم وجعل بعد جنده الخاسر على جميع جهات الأندلس ينثال والطاغية يزدهي في الكفر ويختال ودين الإسلام تنثر بالأندلس نجومه وتطمس معالمه ورسومه فلوا رأيتم ما صنع الكفر بالإسلام بالأندلس لكان
стр. 71
كان مسلم يندبه ويبكيه فقد عبث البلاء برسومه وعفى على أقماره ونجمه ولو حضرتم من جبر بالقتل على الإسلام وتوعد بالنكال والمهالك العظام ومن كان يعذب في الله بأنواع العذاب ويدخل به من الشدة في باب ويخرج من باب لأنساكم مصرعه وساءكم مفظعه وسيوف النصارى إذ ذلك على رؤوس الشرذمة القليلة من المسلمين مسلوله وأفواه الذاهلين محلوله وهم يقولون ليس لأحد بالتنصر أن يمطل ولا يلبث حينا ولا يمهل وهم يكابدون تلك الأهوال ويطلبون لطف الله في كل حال ". انتهى.
وكان جمعة من علماء الأندلس خرجوا إلى تلمستان منهم القاضي الشهير أبو عبد الله بن الأزرق صاحب الشرح العجيب على مختصر خليل وكتاب السياسة الملخص من مقدمة تاريخ أبن خلدون وفيه زيادات بديعات وكتاب روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام وغير ذلك وأرتحل من تلمستان إلى المشرق وسنلم بذكر. ومنهم بنو داود المذكورون في فهرسة الشيخ أبن غازي وهؤلاء خرجوا من الأندلس قبل أخذ غرناطة ولكن لمّا رأوا استطالة العدو عليها وأنّه آخذها لا محالة قوضوا رحالهم عنها فنزلوا بتلمستان المحروسة وأخذة الحضرة الغرناطية بعد ارتحالهم بقريب ﵏. ومنهم الفقيه الأديب حائز قصب السبق في كثرة النسخ والكتابة أبو عبد الله محمّد بن الحداد الشهير بالوادي آشي وسنذكره إن شاء الله رحم
стр. 72
الله الجميع. وممن خرج بفاس من العلماء أبو لعباس البقي ثم رجع إلى غرناطة وقضيته معروفة.
ولا بأس أن نورد كتاب السلطان أبي عبد الله محمّد بن الأحمر المخلوع المذكور الذي بعث به لصاحب فاس في ذلك العهد تمهيدا لعذره وتوطئة لمقصده وتطارحا على تلك الأبواب وتملقا وتمسكا بذلك الجناب وتعلقا وهو في الغاية الفصاحة والبلاغة من إنشاء الفقيه الأديب الشاعر الناظم الناثر الكتب المجيد البارع البليغ أبي عبد الله محمّد بن عبد الله العربي العقيلي ﵀ وسماه بالروض العاطر الأنفاس في التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس ونصه بعد الافتتاح:
مولى الملوك ملوك العرب والعجم ... رعيا لمّا مثله يرعى من الذم
بك استجار ونعم الجار أنت لمن ... حار الزمان عليه جور منتقم
حتى غدا ملكه بالرغم مستلبا ... وأفظع الخطب ما يأتي على الرغم
حكم من الله حتملا مرد لم ... وهل مرد لحكم منه منحتم
стр. 73
وهي الليالي وقاك الله صولتها ... تصول حتى على الآساد في الأجم
كنا ملوكا لنا في أرضنا دول ... نمنا بها تحت أفنان من النغم
فأيقظتنا سهام للردى صيب ... يرمى بأفجع حتف من بهن رمي
فلا تنم تحت ظل الملك نومتنا ... وأي ملك بظل الملك لم ينم
يبكي عليه الذي قد كان يعرفه ... بأدمع مزجت أمواهها بدم
كذلك الدهر لم يبرح كما زعموا ... يشم بو الصغار الأنف ذا الشمم
وصل أواصر قد كانت اشتبكت ... فالملك بين ملوك الأرض كالرحم
وأبسط لنا الخلق المرجو باسطه ... واعطف ولا تنحرف وأعذر ولا تلم
لا تأخذنا بأقوال الوشاة ولم ... نذنب ولو كثرت أقوال ذي الوخم
فما أطقنا دفاعا للقضاء وما ... أرادت أنفسنا ما حل من نقم
ولا ركوبا بإزعاج لسابحة ... في زاخر بأكف الموج ملتطم
والمرء ما لم يعنه الله أضيع من ... طفل تشكي بفقد الأم في اليتم
وكل ما كان غير الله يحرسه ... فإن محروسه لحم على وضم
стр. 74
كن كالسمؤل إذ سار الهمام له ... في جحفل كسواد الليل مرتكم
فلم يبح أدرع الكندي وهو يرى ... أن ابنه البر قد أشفى على الرجم
أو كالمعلى مع الضليل الأروع إذ ... أجاره من أعاريب ومن عجم
وصار يشكره شكرا يكافئ ما ... أسدى إليه من الآلام والنعم
ولا تعاتب على أشياء قد قدرت ... وخط مسطورها في اللوح بالقلم
وعد عما مضى إذ لا ارتجاع له ... وعد أحرارنا في جملة الخدم
إيه حنانيك يا بن الأكرمين على ... ضيف ألم بفاس غير محتشم
فأنت أنت ولولا أنت ما نهضت ... بنا إليها خطا الوخادة الرسم
رحماك يا رحما ينمي إلى رحما ... في النفس والأهل والأتباع والحشم
فكم مواقف صدق في الجهاد لنا ... والخيل عالك الأشداق للجم
والسيف يخضب بالحمر من علق ... ما ابيض من سبل وأسود من لمم
ولا ترى صدر عضب غير منقصف ... ولا ترى متن لدن غير منحطم
стр. 75
حتى هينا بدهيا لا اقتدار بها ... سوى على الصون للأطفال والحرم
فقال من لم يشاهدها فربتما ... يخال جامحها يقتاد بالخطم
هيهات لو زبنته الحرب كان بها ... أعيا يدا من يد جالت على زلم
تالله ما أضمرت غشا ضمارنا ... ولا طوت صحة منها على سقم
لكن طلبنا من الأمر الذي طلبت ... ولاتنا قبلنا في الأعصر الدهم
فحاننا عنده الجد الخئون ومن ... تقعد به نكبات الدهر لم يقم
فاسود ما اخضر من عيش دهته عدا ... بالأسمر اللدن أو بالأبيض الخدم
وشتت البين شملا كان منتظما ... والبين أقطع للموصول من جلم
فرب مبنى شديد قد أناخ به ... ركب البلا فقرته أدمع الديم
قمنا لديه أصيلانا نسائله ... أيا جوابا وما بالربع من أرم
وما ظننا بإن نبق إلى زمن ... نرى به غرر الأحباب كالحمم
لكن رضا بالقضا الجاري وإن طويت ... منا الضلوع على برح من الألم
следующие страницы →