Полный текст (1 044 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
من القدح فيه والسعاية وربما تخيل السلطان مال إلى قبوله وأنهم قد أحفظوه عليه فأجمع التحول عن الأندلس إلى المغرب واستأذن السلطان في تفقد الثغور الغربية وسار إليها في لمة من فرسانه ومعه أبنه علي الذي كان خاصة للسلطان وذهب لطيته فلما حاذى جبل الفتح فرضة المجازة إلى العدوة مال إليه وسرح اذنه بين يديه فخرج قائد الجبل لتلقيه. وقد كان السلطان عبد العزيز أوعز إليه بذلك وجهز له الأسطول من حينه فأجاز إلى سبتة وتلقاه ولاتها بأنواع التكرمة وامتثال المراسم ثم سار لقصد السلطان فقدم عله سنة ثلاث وسبعين بمقامه تلمستان فهتزت له الدولة وأركب السلطان خاصته لتلقيه وأحله لمجلسه بمحل الأمن والغبطة ومن دولته بمكان التنويه والعز وأخرج لوقته كتابه أبا يحيى بن أبي مدين سفيرا إلى صاحب
الأندلس في أهله وولده فجاء بهم على أكمل حالت الأمن والتكرمة ثم أكثر المنافسون له في شأنه وأعزوا سلطانه بتتبع عثراته وإبداء ما كان كامنا في نفسه من سقطاته وإحصاء معايبه وشاع على ألسنة أعدائه كلمات منسوبة إلى الزندقة أحصوها عليه ونسبوها إليه ورفعت إلى قاضي الحضرة أبي الحسن بن الحسن فإسترعاها وسجل عليه بالزندقة وراجع صاحب الأندلس رأيه فيه وبعث القاضي أبن الحسن إلى السلطان عبد العزيز في الانتقام منه بتلك السجلات وإمضاء حكم الله فيه فصم على ذلك وأنف لذمته أن تخفر ولجواره أن يرد وقال لهم: هلا انتقمتم منه عندكم وانتم عالمون بما كان عليه وأما أنا فلا يخلص إليه بذلك أحد ما كان في جواري ثم وفر
стр. 212
الجراية والإقطاع له ولبنيه، ولمن جاء من أهل الأندلس في جملته. فلما هلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين، ورجع بنو مرين إلى المغرب، وتركوا تلمسان، سار هو في ركاب الوزير أبي بكر بن غازي، القائم، فنزل بفاس، واستكثر من شراء الضياع، وتأنق في بناء المساكن، واغتراس الجنات، وحفظ عليه القائم بالدولة الرسوم التي رسمها له السلطان المتوفى، واتصلت حاله على ذلك، إلى أنَّ ما نذكره.
انتهى كلام أبن خلدون وأكثره بلفظه.
قلت: وقد وقفت على كتاب القاضي أبي الحسن المذكور يخاطب به أبن الخطيب يعظه، ويشير إلى ما نشغل من البنيان، وفيه ما بين كلام أبن خلدون السابق وزيادة، وما يدل على ما ذكره أبن خلدون من أنّه سجل عليه بأمور منكرة، وعند الله تجتمع الخصوم، وقد أسقطت بعضه اختصاراً، ونص ما تعلق به الغرض قوله يخاطب الوزير أبن الخطيب: فشرعتم في الشراء، وتشديد البناء؛ وتركتم الاستعداد لهدام اللذات، هيهات هيهات؛ تبنون ما لا تسكنون مالا تأكلون، وتؤملون مالا تدركون؛ أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة، فأين المهرب مما هو كائن! ونحن إنّما نتقلب في قدرة الطالب، شرقتم أو غربتم، والأيام تتقاضى الدين، وتنادي بالنفس الفرارة إلى أين إلى أين! نترك الكلام مع الناقد فيما ارتكبه من تزكية نفسه، وعد ما جلبه من مناقبه، ما عدا ما هدد به من حديد لسانه، خشية اندراجه في نمط من قال فيه رسول الله) :
стр. 213
" إنَّ من شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه ". ولا غيبة فيمن ألقى جلباب الحياء عن وجهه؛ ونرحمه على ما أبداه وأهداه من العيوب التي نسبها لأخيه، واستراح على قوله بها فيه، ونذكره على طريقة نصيحة الدين، بالحديث الثابت في الصحيح عن رسول الله) ، وهو قوله: " أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع! فقال: إنَّ المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أنَّ يقضى مت عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار ". ويعلم الله أنَّ معنى هذا الحديث الثابت عن النذير الصادق، هو الذي حملني على نصحكم ومراجعتكم في كثير من الأمور، منها الإشارة عليكم بإذهاب عين ما كتبتم به في التاريخ وأمثاله، فإنكم نفعتم بما وقعتم فيه من الغيبة المحرمة أحياء وأمواتاً، لغير شيء حصل بيدكم، وضررتم نفسكم بما رتبتم من المطالبات بنص الكاتب والسنة قبلكم، والرضا بهذه الصفقة الخاسرة أمر بعيد من الدين والعقل. وقد قلت لكم غير ما مرة عن أطراسكم المسودة، بما دعوتم إليه من البدعة، والتلاعب بالشريعة: إنَّ حقها التخريق والتحريق، وإنَّ أطراها لكم فقد خدع نفسه وخدعكم، والله الشهيد بأني نصحتكم وما غششتكم، وليس هذا القول وإنَّ كان ثقيلا عليكم، بمخالف لمّا ذنبتم به من تقدم المواجهة بالملاطفة، والمعاملة بالمكارمة، فليست المداراة بقادحة في الدين، بل هي محمودة
стр. 214
وفي بعض الأحوال، مستحسنة على ما بينه من العلماء، إذ هي مقاربة في الكلام، أو مجاملة بأسباب الدنيا، لصلاحها أو صلاح الدين، وإنّما المذموم المداهنة، وهي بذل الدين لمجرد الدنيا به لتحصيلها؛ ومن خالط للضرورة مثلكم وزايله بأخلاقه، ونصحه مخاطبة ومكاتبة، واستدل له بكتاب الله وسنة رسول الله) على صحة مقالته، فقد سلم والحمد لله من مداهنته، وقام لله بما يجب عليه في حقكم من التحذير والإنكار، مع الإشفاق والوجل. وأكثرهم في كتابهم من المن بما ذكرتم أنكم صنعتم، وعلى تقدير الموافقة لكم، ليتكم فعلتم فسلمنا من المعرة وسلمتم، وجل القائل سبحانه:) قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (. وقلما شاركتم أنتم في شيء إلاّ بأعراض حاصلة في يدكم، أو لأغراض دنيوية خاصة بكم، فالملام إذاً في الحقيقة إنّما هو متوجه إليكم. وأما ما أظهرتم بمقتضى حركاتكم، من التندم على فراق محلكم، والتعلل بأخبار قطركم وأهلكم، فتناقص منكم، وإنَّ كنتم فيه بغدركم:
أتبكي على لبنى وأنت تركتها ... فكنت كآتٍ حتفه وهو طائع
وما كأنَّ ما منتك نفسك خاليا ... تلاقي ولا كل الهوى أنت تابع
فلا تبكين في إثر شيء ندامة ... إذا نزعته من يديك النوازع
стр. 215
وعلى أنَّ تأسفكم لمّا وقعتم فيه من الغدر لسلطانكم، والخروج لا لضرورة غالبة عن أوطانكم، من الواجب بكل اعتبار عليكم، سيما وقد مددتم إلى التمتع لغيرها عينيكم. ولو لم يكن لهذه الجزيرة الفريدة من الفضيلة إلاّ ما خصت به من بركة الرباط، ورحمة الجهاد، لكفاها فخراً على ما يجاورها من سائر البلاد، قال رسول الله) : " رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم سواه ". وقال ﵇: " الروحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خير من الدنيا وما فيها ". وعلى كل تقدير فإذا لم يكن يا أخي فراركم من الأندلس إلى الله وحده بالتوبة المكملة والاستغفار، مع الانقطاع في أحد المواطن المكرمة المعظمة بالإجماع، وهي طيبة أو مكة أو بيت المقدس، فقد خسرتم صفقة رحلتكم، وتبين أنَّ لغير وجه الله العظيم كانت نية هجرتكم؛ اللهم إلاّ إنَّ كنتم قد لاحظتم مسألة الرجل الذي قتل مائة نفس، وسأل أعلم أهل الأرض، فأشار عليه بعد إزماع التوبة بمفارقة المواطن التي ارتكب فيها الذنوب، وأكتسب بها العيوب؛ فأمر آخر، مع أنَّ كلام العلماء في هذا الحديث معروف؛ ويقال لكم من الجواب الخاص بكم: فعليكم إذاً بترك القيل والقال، وكسر حربة الجدال والقتال، وقصر ما بقي من مدة العمر على الانشغال بصالح الأعمال. ووقعت في مكتوبكم كلمات اوردها النقد في قالب الاستهزاء والازدراء، والجهالة بمقادير الأشياء، منها: ريح صرصر، وهو لغة القرآن، وقاع قرقر: وهو لفظ سيد العرب والعجم محمّد) ، ثبت في الصحيح في باب التغليظ فيمن لا يؤدي زكاة ماله، " قيل: يا رسول الله، والبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقر ولا غنم
стр. 216
لا يؤدي منها حقها، إلاّ إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئاً، تنطحه بقونها، وتطؤه بأظلافها ". الحديث الشهير. قال صاحب المعلم: بطح لها البقاع قرقر، أي ألقى على وجهه، والقاع: المستوى من الأرض، والقرقر: كذلك؛ هذا ما حض من الجواب. وبقي في مكتوبكم حشو كثير من كلام الإقذاع، وفحش بعيد من الحشمة والحياء، رأيت أنَّ من الصواب الإضراب عن ذكره، وصون اليد عن الاستعمال فيه، والظاهر أنّه إنّما صدر عنكم وانتم بحال مرض، فلا حرج فيه عليكم إن شاء الله، أجلكم، ومكن أمنكم، وسكن وجلكم، ومنه جل اسمه نسأل لي ولكم حسن الخاتمة، والفوز بالسعادة الدائمة، والسلام الأتم يعتمدكم، والرحمات والبركات من كتابه علي بن عبد الله بن الحسن، وفقه الله.
وذلك بتاريخ أخريات جمادى الأولى من عام ثلاثة وسبعين وسبع مائة.
وقيد ﵀ في مدرج طي هذا الكتاب ما نصه: يا أخي، أصلحنى الله وإياكم، وبقي من الحديث شيء، الصواب الخروج عنه لكم، إذ هذا أوانه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة فيه ما فيه، وليكن البناء بعد أنَّ كان على أصل صحيح بحول الله، وحاصله:
أنكم عددتم ما شاركتم فيه بحسب الأوقات، وقطعتم بنسبة الأمور كلها لنفسكم، وأنها إنّما صدرت عن أمركم وبأذنكم، من غير مشاركة في شيء منها لكم، ثم مننتم بها المن القبيح، المبطل لعمل بركم، على تقدير
стр. 217
التسليم في فعله لكم، ورميتم غيركم بالتقصير في حاله كله، طريقة من يبصر القذى في عين أخيه ويدع الجذع في عينه، وأقصى ما تسنى للمحب أيام كونكم بالأندلس، تقلد كلفة قضاء الجماعة، وما كان إلاّ أنَّ وليتها بقضاء الله وقدره، فقد تبين لكل ذي عقل سليم أنّه لا موجد إلاّ الله، وإذا كان كذلك كان الخير والشر والطاعة والمعصية حاصلاً بإيجاده سبحانه وتخليقه وتكوينه، من غير عاضد له على تحصيل مراده ولا معين، ولكنه، جلت قدرته، وعد فاعل الخير بالثواب فضلا منه، وأوعد فاعل الشر بالعقاب عدلا منه، وكأني بكم تضحكون من تقرير هذه المقدمة، وما أحوجكم إلى تأملها بعين اليقين، فكابدت أيام تلك الولاية النكدة من الكناية، باستحقاركم للقضايا الشرعية، وتهاونكم بالأمور الدينية، ما يعظم الله به الأجر، وذلك في جملة مسائل، منها مسألة أبن الزبير المقتول على الزندقة بعد تقضي موجباته، على كره منكم؛ ومنها مسألة أبن أبي العيش المثقف في السجن على آرائه المضلة، التي كان منها دخوله على زوجه إثر تطليقه إياها بالثلاث، وزعمه أنَّ رسول الله) أمره بالمشافهة بالاستمتاع بها، فحملتم أحد ناسكم تناول إخراجه من الثقاف، ومن غير مبالاة بأحد؛ ومنها أنَّ أحد الفتيان المتعلقين بكم توجهت عليه مطالبة بدم القتيل، وسيق المدعي عليه للذبح بغير سكين، فما وسعتني بمقتضي الدين إلاّ حبسه على ما أحكمته السنة، فأنتقم لذلك، وسجنتم الطالب ولي الدم، وسرحتم الفتى المطلوب على الفور، إلى غير ذلك مما لا يسع الوقت شرحه، ولا يجمل بي ولا بكم
стр. 218
ذكره. والمسألة الأخرى أنتم توليتم كبرها، حتى جرى فيها القدر بما جرى من الانفصال، والحمد لله على كل حال. وأما الرمى بكذى وكذا مما لا علم لنا به بسببه، ولا عذر لكم من الحق في التكلم به، فشئ قلما يقع من البهتان، ممن كان يرجوا لقاء ربه، وكلامهم في المدح والهجو هو عندي من قبيل اللغو الذي نمر به كراما، والحمد لله فكثروا أو أقلوا من أي نوع شئتم، وانتم وما ترضونه لنفسكم، وما فهت لكم بما فهت من الكلام، إلاّ على جهة الإعلام، لا على جهة الانفعال، لمّا صدر أو يصدر عنكم من الأقوال، فمذهبي غير مذهبكم، وعندي ما ليس عندكم.
وكذلك رأيتم تكثرون في مخاطبتكم من لفظ الرقية في معرض الإنكار لوجود نفعها، والرمى بالمنقصة والحمق لمستعملها، ولو كنتم قد نظرتم في شيء من كتب السنة، وسير الأمة المسلمة، نظر مصدق، لمّا وسعكم إنكار ما أنكرتم، وكتبه بخط يدكم، فهو قادح كبير في عقيدة دينكم، فقد ثبت بالإجماع في سورة الفلق أنّه خاطب للنبي) ، وإنَّ المراد بها هو وآحاد أمته؛ وفي أمهات الإسلام الخمس أنَّ رسول الله) كان إذا اشتكى رقاه جبريل، فقال: بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذي عين. وفي الصحيح أيضاً إنَّ أناساً من أصحاب رسول الله) كانوا في سفر، فروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فلم يضيفوهم، فقالوا: هل فيكم راق؟ فإنَّ سيد الحي لديغ أو مصاب: فقال رجل من القوم: نعم، فأتاه بفاتحة الكتاب، فبرئ الرجل، فأعطى قطيعا من
стр. 219
غنم، الحديث شهير. قال أهل العلم: فيه دليل على جواز اخذ الأجرة على الرقية والطب وتعليم القرآن، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور وجماعة من السلف، وفيه جواز المقارضة، وإنَّ كان ضد ذلك أحسن، وفي هذا القدر كفاية. وما رقيت قط أحداً على الوجه الذي ذكرتم، ولا إسترقيت، والحمد لله، وما حملني على تبين ما تبينته الآن لكم في المسألة، إلاّ إرادة الخير التام لجهتكم، والطمع في إصلاح باطنكم وظاهركم، فأبى أخاف عليكم من الإفصاح بالطعن في الشريعة، ورمى علمائها بالمنقصة، على عادتكم وعادة المستخف أبن هذيل سيخكم، منكر علم الجزيئات، القائل بعدم قدرة الرب على جمع الممكنات؛ وانتم قد انتقلتم إلى جوار أناس أعلام، قلما تجوز عليهم، حفظهم الله، المغالطات، فتأسركم شهادة العدول التي لا مدافع لكم فيها، وتقع الفضيحة، والدين النصيحة، أعاذنا الله من درك الشقاء، وشماتة الأعداء، وجهد البلاء. وكذلك أحذركم من الوقوع بما لا ينبغي في الجانب الرفيع، جناب سيد المرسلين، وقائد الغر المحجلين، صلوات الله وسلامه عليه، فانه نقل عنكم في هذا الباب أشياء منكرة، يكبر في نفوس التكلم بها، انتم تعاملونها، وهي التي زرعت في القلوب ما زرعت من بغضكم، وإيثار بعدم، مع استشعار الشفقة والوجل من وجه آخر عليكم ولولا أنكم سافرتم قبل تقلص ظل السلطنة عنكم، لكانت الأمة المسلمة، امتعاضاً لدينها ودنياها، قد برزت الجهات، لطلب الحق منكم، فليس يعلم أنّه صدر عن مثلكم من خدام الدول ما صدر عنكم، من البعث في الأبشار والأموال، وهتك الأعراض، وإفشاء الأسرار، وكشف الأستار، واستعمال المكر والحيل والغدر في غلب الأحوال، للشريف والمشروف، والخديم والمخدوم، ولو لم يكن في الوجود من الدلال على صحة ما رضيتم به لنفسكم، من
стр. 220
الاتسام بسوء العهد، وتجاوز المحض وكفران النعم والركون إلى ما تحصل من الحطام الزائل إلاّ عملكم مع سلطانكم ومولاكم وأبن مولاكم أيده الله بنصره وما ثبت من مقالاتكم السيئة فيه وفي الكثير من أهل قطره لكفاكم وصمة لا يغسل دنسها البحر ولا ينسى عارها الدهر فإنكم تركتموه أوّلاً بالمغرب عند تلون الزمان وذهبتم للكدية والأخذ بمقتضى المقامة الساسانية إلى أن استدعاه الملك وتخلص له بعد الجهد الأندلس فسقطتم عليه سقوط الذباب على الحلواء وضربتم وجوه رجاله بعضا ببعض حتى خلا لكم الجو وتمكن الأمر والنهي فهمزتم ولزمتم وجمعتم من المال ما جمعتم ثم وريتم بتفقد ثغر الجزيرة الخضراء مكرا منكم فلما بلغتم أرض الجبل انحرفتم عن الجادة وهربتم بأثقالكم الهروب الذي أنكه عليكم كل من بلغه حديثكم أو يبلغه إلى آخر الدهر في العدوتين من مؤمن وكافر وبر وفاجر فكيف يستقيم لكم بعد المعرفة بتصرفاتكم حازم أو يثق بكم في قول أو فعل صالح أو طالح. ولو كان قد بقي لكم من العقل ما تتفكرون به في الكيفية التي ختمتم بها عملكم بالأندلس من الزيادة في المغرم وغير ذلك مما لكم وزره ووزر من عمل بعدكم إلى يوم القيامة حسبما ثبت في الصحيح لحملكم على مواصلة الحزن وملازمة الأسف والندم على ما أوقعتم فيه نفسكم الأمارة من التورط والتنشب وأشطان الآمال ودسائس الشيطان ونعوذ بالله من شرور الأنفس وسيئات الأعمال.
وأما قولكم عن فلان: أنّه كان حشرة في قشور اللوز وإن فلان كان
стр. 221
برغوثا في تراب الخيول فكلام سفساف يقال لكم من الجواب عليه: وأنتم يا هذا أين كنتم من خمسين سنة مثلا؟ خلق الله الخلق لا استظهارا بهم ولا استكثارا وأنشأهم كما قدر أحوالا وأطوارا واستخلفهم في الأرض بعد أمة أمما وبعد عصر أعصار وكلفهم شرائعه وأحكامه ولم يتركهم هملا وأمرهم ونهاهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا إنَّ أكرمكم عند الله أنقاكم وبكل اعتبار فلا نعلم في نمط الطلبة تدريجا كان أسمح في تدريجكم ونبدأ من كذا فإنه كان كذا وكذا وأكثر أهل زمانه تخملا وتقللا في نفسه بالنسبة إلى منصبه كان الشيخ أبو الحسن بن الجياب ولكنه حين علم ﵀ من نشأتكم وحالتكم ما علم نبذ مصاهرتكم وصرف عليكم صداقكم وكذلك فعلت بنت جزي زوج الرهيصي معكم حسبما هو مشهور في بلدكم وذكرتم أنكم مازلتم من أهل الغنى حيث نفرتم بذكر العرض وهو بفتح العين والراء: حطام الدنيا على ما حكى أبو عبيد قال أبو زيد: هو بسكون الراء: المال الذي لا ذهب فيه ولا فضة وأي مال خالص يعلم لكم أو لأبيكم بعد الخروج من الثقاف على ما كان قد تبقى عنده مثال مجبى قرية مترايل ثم من العدد الذي برز قبلكم أيام كانت أشغال الطعام بيدكم على ما شهد به الجمهور من أصحابكم وأما الفلاحة التي أشرتم إليها فلا حق لكم فيها إذ هي في الحقيقة لبيت مال المسلمين مع ما بيدكم على ما تقر في الفقهيات والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا ولو قبل من أهل المعرفة بكم بعض مالديهم من سقطاتكم والقالي والقيل ولم يصر إلى دفع معرتها عنكم وجه التأويل لكانت مسألتكم ثانية لمسألة أبي الخير بل أبي الشر الحادثم أيام خلافة الحكم المسطورة في نوازل
стр. 222
أبي الأصبغ بن سهل فاعلموا ذلك ولا تهملوا إشارتي عليك قديما وحديثا بلزوم الصلوات وحضور الجماعات وفعل الخيرات والعمل على التخلص من التبعات إنَّ وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور.
وقلتم في كتابكم: أين الخطط المتوارثة عن الآباء والأجداد؟ وقد أذهب الله عنا ببركة الملة المحمدية غيبة الجاهلية في التفاخر بالآباء ولكنني أقول لكم على جهة المقابلة لكلامكم: إنْ كانت الإشارة إلى المجيب بهذا فمن المعلوم المتحق عند أفضل الناس أنه من حيث الأصالة أحد أماثل قطره. قال القاضي أبو عبد الله بن عسكر: وقد ذكر في كتابه من سلفى فلان بن فلان ما نصه: وبيته بيت قضاء وعلم وجلالة لم يزالوا يرثون ذلك كابرا عن كابر استقضى جده المنصور أبن أبي عامر. وقال غيره وغيره وبيدي من عهود الخلفاء وصكوك الأمراء المكتتبة بخطوط أيديهم من لدن فتح جزيرة الأندلس إلى هذا العهد القريب ما تقوم به الحجة القاطعة للسان الحاسد والجاحد والمنة لله وحده. وإن كانت الإشارة إلى غير من الأصحاب في الوقت حفظهم الله فكل واحد منهم إذا نظر إليه بعين الحق وجد أقرب منكم نسبا للخطط المعتبرة وأولى بميراثها بالفوض والتعصيب أو مساويا على فرض المسامحة لكم قال رسول الله) : المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره حرام دمه وماله وعرضه.
ونرجع إلى طريقة أخرى فنقول: من كان يا فلان من قومكم في عمود نسبكم فقيها مشهورا أو كاتبا قبلكم معروفا أو شاعرا مطبوعا أو رجلاً نبيها مذكورا ولو كان يا لوشي وكان لكان من الواجب الرجوع إلى التناصف
стр. 223
والتواصل والتواضع وترك التحاسد والتباغض والتقاطع إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم وأبدانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
وكذلك العجب كل العجب من تسمياتكم الخربات التي شرعتم في بنائها بدار السلامة وهيهات هيهات المعروف من الدنيا أنها دار بلاء وجلاء وعناء وفناء ولو لم يكن من الموعظة الواقعة بتلك الدار في الوقت إلاّ موت سعيدكم عند دخولها لأغناكم عن العلم اليقيني بمآلها وأظهر تم سرورا كثيرا بما قلتم إنكم نلتم حيث أنتم من الشهوات التي ذكرتم أن منها الإكثار من الأكل والخرق والقعود بإزاء جارية الماء على نطع الجلد والإمساك أولى بالجواب على هذا الفضل فلا خفاء بما فيه من الخسة والخباثة والخبث وبالجملة فسرور العاقل إنما ينبغي أن يكون بما يجمل تقديمه من زاد التقوى للدار الباقية فما العيش كما قال رسول الله) إلاّ عيش الآخرة فقدموا إن قبلتم وصاة الحبيب أو البغيض بعضا عسى أن يكون لكم ولا تخالفوا كيلا يكون عليكم هذا الذي قلته لكم وإن كان لدي من يقف عليه من نمط الكثير فهو في اعتبار المكان وما مر من الزمان في حيز اليسير وهو في نفسه قول حق وصدق ومستند أكثره كتاب الله وسنة محمّد رسول الله) وعلى سائر أنبيائه فاحمدوا الله العلي العظيم على تذكيركم به إذ هو مجري النصيحة الصريحة يسرني الله وإيام لليسرى وجعلنا ممن دكر فانتفع بالذكرى والسلام.
انتهى كلام القاضي أبي الحسن النباهي ﵀.
قلت: ولعل هذا الكلام وأشباهه هو الحامل لابن الخطيب على هجو القاضي
стр. 224
ابن الحسن المذكور في الكتيبة الكامنة حيث ذكره ولقبه بجعسوس ووصفه بما لا يليق ذكره ثم ألف في ذلك تأليف مختلفة مستقلا سماه بخلع الرسن في وصف القاضي أبن الحسن حسبما ألفيت ذلك بخط شيخنا القاضي سيدي عند الواحد الوانشريسي ﵀ ولا يخلو كلام كل واحد منهما من تحامل على صاحبه والله يسمح لنا ولهما بجاه النبي) .
وقال ولي الدين بن خلدون في تاريخه في موضع أخر ما نصه:
كان محمّد بن الأحمر المخلوع قد رجع من رندة إلى ملكه بغرناطة في جمادي من سنة ثلاث وستين وقتل له الطاغية عدوه الرئيس المنتزى على ملكهم حين هرب من غرناطة إليه وفاء بهد المخلوع واستوى على كرسيه واستقل بملكه ولحق به كاتبه وكاتب أبيه محمّد بن الخطيب فاستخلصه وعقد له على وزارته وفوض إليه القيام بملكه فستولى عليه وملك هواه وكانت عينه ممتدة إلى المغرب وسكناه إلى إن نزلت به آفة في رياسته فكان لذلك قدم السوابق والوسائل عند ملوكه وكان لأبناء السلطان أبي الحسن كلهم غيرة من ولد عمهم السلطان أبي علي ويخشونه على أمرهم ولمّا لحق الأمير عبد الله الرحمن بن أبي يفلوس بالأندلس اصطفاه أبن الخطيب واتخلصه لنجواه ورفع في الدولة وتبته وأعلى منزلته وحمل السلطان على أن عقد له على الغزاة المجاهدين من زنانة مكان بني عمه من الأعياض فكانت له آثار في الأضطلاع بها ولمّا استبد السلطان عبد العزيز بأمره واستقل بملكه وكان أبن الخطيب ساعيا في مرضاته عند سلطانه فدس إليه باعتقال عبد الرحمن
стр. 225
أبن أبي يفلوس ووزيره المطارد به مسعود بن ماسايو أدار أبن الخطيب في ذلك مكره وحمل السلطان عليهما إلى أن سطا بهما أبن الأحمر واعتقلهما سائر أيام السلطان عبد العزيز وتغير الجو بين أبن الأحمر ووزيره أبن الخطيب وأظلم وتنكر له فنزع عنه إلى عبد العزيز سلطان المغرب سنة ثنتين وسبعين لمّا قدم من الوسائل ومهد من السوابق فقبله السلطان وأحله في مجلسه محل الاصطفاء والقرب وخاطب أبن الأحمر في أهله وولده فبعثهم إليه واستقر في جملة السلطان. ثم تأكدت العداوة بينه وبين أبن الأحمر فرغب السلطان عبد العزيز في مل الأندلس وحمله عليه وتواعدوا في ذلك عند رجوعه من تلمستان إلى المغرب ونمى ذلك إلى أبن الأحمر فبعث إلى السلطان عبد العزيز بهدية لم يسمع بمثلها انتقى فيها من متاع الأندلس وماعونها وبالها الفارهة ومعلوجة السبى وجواريه وأوفد بها رسله يطلب إسلام وزيره أبن الخطيب إليه فأبى السلطان من ذلك ونكره. ولمّا هلك واستبد الوزير أبن غازي بالأمر تحيز إليه أبن الخطيب ودخله وخاطبه أبن الأحمر فيه بمثل ما خاطب السلطان عبد العزيز فلج واستنكف عن ذلك وأقبح الرد وانصرف رسوله إليه ود رهب سطوته فأنطلق أبن الأحمر لحينه عبد الرحمن بن أبي يفلوس وأركبه الاسطول وقذف به إلى ساحل بطوية ومع الوزير مسعود بن ماساي ونهض يعني أبن الأحمر إلى جبل الفتح فنازله بعساكره ونزل عبد الرحم ببطوية.
стр. 226
ثم ذكر أبن خلدون كلاما كثيرا تركته لطوله وملخصه: أن الوزير أبا بكر أبن غازي الذي كان معه أبن الخطيب ولي أبن عمه محمّد بن عثمان مدينة سبتة خوفا عليها من أبن الأحمر ونهض هو أعني الوزير إلى منازلة عبد الرحمن بن أبي يفلوس ببطوية إذ كانوا قج بايعوه فامتنع عليه وقاتله أياما ثم رجع إلى تازا ثم إلى فاس واستولى عبد الرحمن على تازا وبينما الوزير أو بكر بفاس يدبر الرأي إذ وصله الخبر بأن أبن عمه محمّد بن عثمان بايع السلطان أحمد بن أبي سالم وهو المعروف بذي الدولتين وهذه هي دولته الأولى وذلك إنَّ أبن عم الوزير وهو محمّد بن عثمان لمّا تولى سبتة كان أبن الأحمر قد طاول حصار جبل الفتح وأخذ بمخنقة وتكررت المراسلة بينه وبين محمد بن عثمان والعتاب فاستعتب له وقبح ما جاء به أبن عمه الوزير أبو بكر بن غازي من الاستغلاظ له في شأن أبن الخطيب وغيره فوجد أبن الأحمر بذلك السبيل إلى غرضه وداخله في البيعة لابن السلطان أبي سالم من الأبناء الذين كانوا بطنجة تحت الرقبة وإنَّ يقيمه للمسلمين سلطانا ولا يتركهم فوضى وهملا تحت ولاية الصبي الذي لم يبلغ ولا تصح ولايته شرعا وهو السعيد بن أبي فارس الذي بايعه الوزير أبي بكر بن غازي بتلمستان حين مات أبوه واستبد عليه واختص أبن الأحمر أحمد أبن أبي سالم من بين أولئك الأبناء لمّا سبق بينه وبين أبيه أبي سالم من المولاة. وكان أبن الأحمر اشترط على محمّد بن عثمان وحزبه شروطا منها أن ينزلوا له من جبل الفتح الذي هو محاصر له وأن يبعثوا له جميع أبناء الملوك من بني مرين ليكونوا تحت حوطته وأن يبعثوا إليه بالوزير أبن الخطيب متى قدروا
стр. 227
عليه فانعقد أمرهم على ذلك وتقبل محمّد بن عثمان شروطه وركب من سبتة إلى طنجة واستدعى أبي العباس أحمد من مكان اعتقاله فبايعه وحمل الناس على طاعته واستقدم أهل سبتة للبيعة وكتابتها فقدموا وبايعوا وخاطب أهل جبل الفتح فبايعوا وأفرج أبن الأحمر عنهم. وبعث إليه محمّد بن عثمان عن سلطانه بالنزول له عن جبل الفتح وخاطب أهله بالرجوع إلى طاعته فارتحل أبن الأحمر من مالقة إليه ودخله ومحا دعوة بني مرين مما وراء البحر وأهدى للسلطان أبي العباس وأمده بعسكره من غزاة الأندلس وكمل إليه مالا للإعانة على أمره. ولمّا وصل الخبر بهذا إلى الوزير أبي بكر بن غازي قامت عليه القيامة وكأنَّ أبن عمه محمّد بن عثمان كتب إليه يموه بأن هذا عن أمره فتبرأ من ذلك ولاطف أبن عمه أن ينقض ذلك الأمر فاعتل له بانعقاد البيعة لأبي العباس. وبينما الوزير أبو بكر ينتظر إجابة أبن عمه إلى ما رامه منه بلغه الخبر بأنه أشخص الأبناء المعتقلين كلهم بالأندلس وحصلوا تحت كفالة ابن الأحمر فوجم وأعرض عن أبن عمه ونهض إلى تازا لمحاصرة عبد الرحمن بن أبي يفلوس فاهتبل في غيبة أبن عمه محمّد بن عثمان ملك المغرب ووصله مدد السلطان أبن الأحمر من رجال الأندلس الناشبة نحو ستمائة وعسكر آخر من الغزاة. وبعث أبن الاحمر رسله إلى الأمير عبد الرحمن باتصال اليد مع أبن عمه السلطان أحمد ومظاهرته واجتماعهما على مل فاس وعقد بينهما الاتفاق على أن يختص عبد الرحمن بملك سلفه فتراضيا. وزحف محمّد بن عثمان وسلطه إلى فاس وبلغ الخبر إلى الوزير أبي بكر بمكانه من
стр. 228
تازا فانفض معسكره ورجع إلى فاس ونزل بكدية العرائس وانتهى السلطان أبو العباس أحمد إلى زرهون فصمد إليه الوزير بعسكره فاحتل مصافه ورجع إلى عقبة مفلولا وانتهب عسكره ودخل البلدة الجديدة البيضاء وجأجأ بالعرب أولاد الحسين فعسكروا بالزيتون ظاهر فاس فنهض إليهم الأمير عبد الرحمن من تازا بمن كان معه من العرب الأجلاف وشردهم إلى الصحراء وشارف السلطان أبو العباس أحمد بمجموعة من العرب وزناتها وبعثوا إلى ولي دولتهم ونزمار بن عريف بمكانه من قصره الذي اختطه بملوية فجاءهم وأطلعوه على كامن أسرارهم فأشار عليهم بالاجتماع والاتفاق فاجتمعوا بوادي النجا وتخالفوا ثم ارتحلوا إلى كدية العرائس في ذي القعدة من سنة خمس وسبعين وبرز إليهم الوزير بعساكر فانخزمت جموعه وأحيط به وخلص إلى البلد الجديد بعد غص الريق. واضطرب معسكر السلطان أبي العباس بكدية العرائس ونزل الأمير عبد الرحمن بإزائها وضربوا على البلد الجديد سياجا بالبناء للحصار وأنزلوا بها أنواع القتال والإرهاب ووصلوهم بمدد
السلطان أبن الأحمر فأحكموا الحصار وتحكموا في ضياع أبن الخطيب بفاس فهدموها وعاثوا فيها. ولمّا كان فاتح سنة ست وسبعين داخل محمّد بن عثمان عمه الوزير أبا بكر في النزول عن البلد الجديد والبيعة للسلطان لكون الحصار قد اشتد به ويئس وأعجزه المال فأجاب وأشترط عليهم الأمير
стр. 229
عبد الرحمن التجافي له عن أعمال مراكش بدل سجلماسة فعقدوا له على كره وطووا على المكر وخرج الوزير أبو بكر إلى السلطان أبي العباس وبايعه وأقضى عهده بالأمانة وتخلية سبيله من الوزارة ودخل السلطان أبو العباس إلى البلد الجديد سابع المحرم وارتحل الأمير عبد الرحمن يومئذ إلى مراكش واستولى عليها.
محنة أبي الخطيب ووفاته:
ثم ذكر أبن خلدون الخبر عن مقتل أبن الخطيب فقال: ولمّا استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد دار ملكه فاتح سنة ست وسبعين استقل بسلطانه والوزير محمّد بن عثمان مستبد عليه وسليمان بن داود بن أعراب كبير بني عسكر رديف له وقد كان الشرط وقع بينه وبين السلطان أبن الأحمر عندما بويع بطنجة على نكبة أبن الخطيب وإسلامه إليه لمّا نمى إليه عنه أنه كان يغري السلطان عبد العزيز المريني بملك الأندلس فلما زحف السلطان أبو العباس من طنجة ولقيه أبو بكر بن غازي بساحة البلد الجديد فهزمه السلطان ولازمه بالحصار أوى معه أبن الخطيب إلى البلد الجديد خوفا على نفسه. فلما استولى السلطان على البلد أقام أياما ثم أغراه سليمان بن داود بالقبض عليه فقبضوا عليه وأودعوه السجن وطيروا بالخبر إلى السلطان أبن الأحمر وكان سليمان بن داود شديد العداوة لابن الخطيب لمّا كان سليمان قد بايعه السلطان أبن الأحمر على مشيخة
стр. 230
الغزاة بالأندلس، متى أعاد الله إلى ملكه، فلما استقر له سلطانه، جاز له سليمان سفيراً عن الوزير عمر بن عبد الله، ومقتضيا عهده من السلطان، فصده أبن الخطيب عن ذلك، محتجاً بأن تلك الرياسة إنّما هي لأعياض الملك من بني عبد الحق، لأنهم يعسوب زناتة، فرجع سلمان، وأثار حقد ذلك لأبن الخطيب، ثم جاوز الأندلس لمحل إمارته من جبل الفتح، فكانت تقع بينه وبين أبن الخطيب مكتبات، يشير كل واحد منهما لصاحبه، بما يحفظه، مما كمن في صدورهما. وحين بلغ خبر القبض على أبن الخطيب إلى السلطان أبن الأحمر بعث كاتبه ووزيره بعد أبن الخطيب، وهو أبو عبد الله أبن زمرك، فقدم على السلطان أبي العباس، وأحضر أبن الخطيب بالمشور في مجلس الخاصة، وعرض عليه بعض كلمات وقعت له في كتابه المحبة، فعظم النكير فيها، فوبخ ونكل، وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملأ، ثم نقل إلى محبسه، واشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه، وأفتى بعض الفقهاء فيه، ودس سليمان بن داود لبعض الأوغاد من حاشيته بمقتله، فطرقوا السجن ليلا، ومعهم زعانفة جاءوا في لفيف الخدم، مع سراء السلطان أبن الأحمر، وقتلوه خنقا في محبسه، واخرج شلوه من الغد، فدفن في مقبرة باب المحروق، ثم أصبح من الغد على سافة قبره طريحا، وقد جمعت له أعواد، وأضرمت
стр. 231
عليه نار، فاحرق شعره، واسود بشره، فأعيد إلى حفرته، وكان في ذلك انتهاء محنته. وعجب الناس من هذه الشنعاء التي جاء بها سليمان، واعتدوها من هناته، وعظم النكير فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته، والله الفعال لمّا يريد. وكان، عفا الله عنه، أيام امتحانه بالسجن يتوقع مصيبة الموت، فتجهش هواتفه بالشعر، يبكي نفسه، ومما قال في ذلك:
بعدنا وإنَّ جاورتنا البيوت ... وجئنا بوعظ ونحن صموت
وأنفاسنا سكنت دفعة ... كهجر الصلاة تلاه القنوت
وكنا عظاماً فصرنا عظاماً ... وكنا نقوت فيها نحن قوت
وكنا شموس سماء العلا ... غربن فناحت علينا السموت
فكم خذلت ذا الحسام الظبا ... وذو البخت كم جدلته البخوت
وكم سيق للقبر في خرقة ... فتىً ملئت من كساه التخوت
فقل للعدا ذهب أبن الخطيب ... وفات ومن ذا الذي لا يفوت
ومن كان يفرح منهم له ... فقل: يفرح اليوم من لا يموت
انتهى كلام أبن خلدون في ديوان العبر.
ورأيت تخميسا لبعض بني الصباغ على هذه القطعة، لكنه زاد فيها بعض أبيات على ما ذكره أبن خلدون، وها أنا أثبته تتميما للفائدة، وهو:
أيا جاهلا غره ما يفوت ... وألهاه حال قليل الثبوت
تأمل لمن بعد أنسٍ يصوت ... بعدنا وإنَّ جاورنا البيوت
وجئنا بوعظ ونحن صموت
стр. 232
لقد نلت من دهرنا رفعة ... تقضت كبرق مضى سرعة
فهيهات ترجوا لها رجعة ... وأصواتنا سكنت دفعة
كهجر الصلاة تلاه تفوت
بدا لي من العز وجه شباب ... يؤمل سيبي وبأسي يهاب
فسرعان مزق ذاك الإهاب ... ومدت وقد أنكرتنا الثياب
علينا نسائجها العنكبوت
فآها لعز تقضي مناما ... منحنا به الجاه دوما كراما
وكنا نسوس أموراً عظاما ... وكنا عظاماً فصرنا عظاماً
وكنا تقوت فها نحن قوت
وكنا لذا الملك حلي الطلا ... فآها عليه زماناً خلا
نعوض من جدة بالبلى ... وكنا شموس سماء العلا
غربن فناحت علينا السموت
تعودت بالرغم صرف الليالي ... وحملت نفسي فوق احتمالي
وأيقنت أنَّ سوف يأتي ارتحالي ... ومن كان منتظراً للزوال
فكيف يؤمل منه الثبوت
стр. 233
هو الموت يا ما له من نبا ... يجوز الحجاب إلى من أبى
ويألف أخذ سنى الحبا ... فكم أسلمت ذا الحسام الظبا
وذا البخت كم جدلته البخوت
هو الموت أفضح من عجمةٍ ... وأيقظ بالوعظ من نومةٍ
وسلى عن الحزن ذا حرقةٍ ... فكم سيق للقبر في خرقةٍ
فتى ملئت من كساه التخوت
تقضى زماني بعيش خصيب ... وعندي لذنبي انكسار المنيب
وها الموت قد صبت مني نصيبي ... فقل للعدا ذهب أبن الخطيب
وفات ومن ذا الذي لا يفوت
مضى أبن الخطيب كمن قبله ... ومن بعده يقتفي سبله
وهذا الردى ناثر شمله ... فمن كان يفرح منهم له
فقل يفرح اليوم من لا يموت
стр. 234
هو الموت عم فما للعدا ... يسرون بي حين دقت الردى
ومن فاته اليوم يأتي غداً ... سيبلي الجديد إذا ما المدى
تتابع آحاده والسبوت
أخي توخ طريق النجاة ... وقدم لنفسك قبل الممات
وشمر بجد لمّا هو آتي ... ولا تغترر بسراب الحياة
فإنك عما قريب تموت
انتهى. وقد تذكرت بقوله:
سيبلي الجديد إذا ما المدا ... تتابع آحاده والسبوت
قول الآخر:
نطوى سبوات وآحادا وننشرها ... ونحن في الطي بين السبت والأحد
فعد ما شئت من سبت ومن أحدٍ ... لا بد أنَّ يدخل المطوي في العدد
شعره
قال بعض الأعلام: شعر أبن الخطيب ما بعده مطمع لطامع، ولا معرج على شاعر بعده الآذان والمسامع؛ فمن ذلك قوله سامحه الله:
عسى خطرة بالركب يا حادي العيس ... على الهضبة الشماء من قصر باديس
стр. 235
لنظفر من ذاك الزلال بعلة ... وننعم في تلك الظلال بتععريس
حبست بها ركبي فواقاً وإنّما ... عقدت على قلبي لها عقد تحبيس
لقد رسخت آي الجوافي جوانحي ... كما رسخ الإنجيل في قلب قسيس
بميدان جفني للسهاد كتيبة ... تغير على السراح الكرى في كراديس
وما بي إلاّ نفحة حاجرية ... سرت والدجى ما بين وهن وتغليس
إلاّ نفس يا ريح من جانب الحمى ... تنفس من نار الجوى بعض تنفيس
ويا قلب لا تلق السلاح فربما ... تعذر في الدهر أطراد المقاييس
وقد تعتب الأيام بعد عتابها ... وقد يعقب الله النعيم من البوس
ولا تخشى لج الدمع يا خطرة الكرى ... إلى الجفن بل قيس على صرح بلقيس
تقول سليمى: ما لجسمك شاحباً ... مقالة تأنيب يشاب بتأنيس
وقد كنت تعطو كلما هبت الصبا ... بريان في ماء الشبيبة مغموس
ومن رابح الأيام يا بنت عامر ... يجوب الفلا راحت يداه بتفليس
стр. 236
فلا تحسبي والصدق خير سجية ... ظهور النوى إلاّ بطون النواميس
وقفراء أما ركابها فمضلل ... ومربعها من آنس غير مأنوس
سنحنا بها من هضبة لقرارة ... ضلالا وملنا من كناس إلى خيس
إذا ما نهضنا عن مقيل غزالة ... نزلنا فعرسنا بساحة عريس
أدرنا بها كأسا دهاقاً من سرى ... أملنا بها عند الصباح من الروس
وحانه خمار هدانا لقصدها ... شميم الحميا واصطكاك النواقيس
تطلع ربانيها من جداره ... يهيم في جنح الظلام بتقديس
بكرنا وقلنا إذ نزلنا بساحة ... عن الصافنات الجرد والضمر العيس
أيا عابد الناسوت أنا عصابة ... اتينا لتثليث بلى ولتسديس
وما قصدنا إلاّ المقام بحانة ... وكم ألبس الحق المبين بتلبيس
فأنزلنا قوراء في جنباتها ... محاربب شتى الاختلاف النواميس
بدرنا بها طين الختام بسجدة ... أردنا بها تجديد حسرة إبليس
ودار العذاري بالمدام كأنها ... قطاً تتهادى في رياش الطواويس
وصارفنا فيها نضار بمثله ... كأنا ملأنا الكأس ليلا من الكيس
стр. 237
وقمنا نشاوي عندما متع الضحى ... كما نهضت غلب الأسود ن الخيس
فقال: لبئس المسلمون ضيوفنا ... أما وأبيك الحبر ما نحن بالبيس
وهل في بني مثواك إلاّ مبرز ... بحلة شورى أو بحلقة تدريس
إذا هز عسال اليراعة فاتكاً ... أسال بجميع الحبر فوق القراطيس
يقلب تحت النقع مقلة ضاحك ... إذا التفت الأبطال عن مقل شوس
سبينا عقار الروم في عقر خاننا ... بحيلة تمويه وخدعة تدليس
لئن أنكرت شكلي ففضلى واضح ... وهل جائز في العقل إنكار محسوس!
رسبت بأقصى الغرب ذخر مضنة ... وكم درة علياء في قاع قاموس
وأغربت سوسى بالعذيب وبارق ... على وطن داني الجوار من السوس
ومن ذلك قوله ﵀ في الميلاد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام يمدح مخدومه أبا عبد الله المخلوع:
ما على القلب يدعكم من جناح ... أنَّ يرى طائراً بغير جناح
стр. 238
وعلى الشوق أنَّ يشب إذا هب ... بأنفاسكم نسيم الصباح
جيرة الحي والحديث شجون ... والليالي تلين بعد الجماح
أترون السلو خامر قلبي ... بعدكم؟ لا، وفالق الإصباح
ولو إني أعطي اقتراحي على الأيام ... ما كان بعدكم باقتراحي
ضايقتني فيكم صروف الليالي ... واستدارت على دور الوشاح
وشقنى كأس الفراق دهاقاً ... في اغتباق مواصل واصطباح
واستباحت من جدتي وفتائي ... حرما لم أخله بالمستباح
ومنها:
يا ترى والنفوس أسرى أماني ... مالها من وثاقها سراح
هل يباح الورود ذياد ... أو يباح اللقاء بعد انتراح
وإذا أعوذ الجسوم التلاقي ... ناب عنه تعارف الأرواح
وهي طويلة، ولم يحضرني منها في هذا التاريخ سوى ما كتبته. قلت: وأظن أنَّ الفقيه الكاتب أبا زكريا يحيى بن خدلون كاتب الإنشاء يتلمسان المحروسة أيام السلطان ابى حمو موسى بن يوسف الزياني ﵀ نسج على منوال هذه القصيدة في قصيدته بديعة له، ورفعها إلى السلطان أبي حمو في مولد سنة
стр. 239
ثمان وسبعين وسبع مائة. وهذا أبن خلدون أخو ولي الدين صاحب التاريخ المشهور، ونص القصيدة:
ما على الصب في الهوى من جناح ... أنَّ يرى حلف عبرة وافتضاح
وإذا ما المحب عيل اصطبارا ... كيف يصغي إلى نصيحة لاحي
يا رعي الله بالمحصب ربعا ... آذنت عهده النوى بانتزاح
كم أدرنا كأس الهوى فيه مزجا ... رُبَّ جدٍ من الجوى في المزاح
هل إلى رسمه المحيل سبيل ... يا حدادة المطى تلك الطلاح
نسأل الدار بالخليط ونسقى ... ذلك الربع بالدموع السفاح
أي شجو عانيت بعد نواها ... من أسى لازم وصبر مزاح
أهل ودى إنَّ رابكم برح وجدوى ... من صبا بارح وبرق لياح
فأسألوا البرق عن خفوق فؤادي ... والصبا عن سقام جسمي المتاح
يا أهيل الحمى نداء مشوق ... ما له عن هوى الدمى من براح
طالما استعذب المدامع ورداً ... في هواكم عن كل عذب قراح
عاده بالطلول للشوق عيد ... من حمام بدوحهن صداح
من لقلب من الجوى في ضرام ... ولجفن من البكا في جراح
ولصب يهيجه الذكر شوقاً ... فهو سكراً يرتاح من غير راح
وليال قضيت للهو فيها ... وطرا والشباب ضافي الجناح
стр. 240
راكبا في الهوى ذلول تصاب ... ساحباً في الغرام ذيل مراح
ونجوم المنى تنير إلى أن ... روع الشيب سربها بالصباح
أي مري حمدت لم ادخل منه ... بسوى حسرةٍ وطول افتضاح
واخسارى يوم القيامة إن لم ... يغفر الله زلتي واجتراحي
لم اقدم وسيلةً فيه إلاّ ... حب خير الورى الشفيع الماحي
سيد العامين دنيا وأخرى ... اشرف الخلق في العلا والسماح
سيد الكون من سماء وأرض ... سره بين غاية وافتتاح
زهرة الغيب مظهر الوحي معنى الن ... ور كنه المشكات والمصباح
آية المكرمات قطب المعالي ... مصطفى الله من قريش البطاح
أوّل الأنبياء تخصيص زلفى ... آخر المرسلين بعث نجاح
صفوة الخلق أرفع الرسل قدراً ... وسراج الهدى وشمس الفلاح
من لميلاده بمكة ضاءت ... من قرى قيصر جميع الضواحي
وخبت نار فارس وتداعت ... من مشيد الإيوان كل النواحي
من رقى في السماء سبعاً طباقاً ... ورأى آي ربه في اتضاح
ودنا منه قاب قوسين قرباً ... ظافراً في العلى بكل اقتراح
من هدى الخلق بين حمر وسودٍ ... وجلا ليل غيهم بالصباح
من يجير غدا يوم يجزى ... كل عاص وطائع باجتراح
стр. 241
من إلى حوضه وظل لواه ... يلجأ الناس بين ظامٍ وضاحي
أحمد المجتبى حبيباً وإني ... فوق عز الحبيب مرمى طماح
في أناجيله المسيح تلاه ... باسمه والكليم في الألواح
ولكم حجةٍ وبرهان صدقٍ ... في سماعٍ أتى بها والتماح
إنَّ في النجم والنبات لآياً ... بهرت والجماد والأرواح
معجزات فتن المدارك وصفاً ... وحساباً كالزهر أو كالصباح
يا رواة القريض ولا شعر عجزاً ... ما عسى تدركون بالأمداح
إنما حسبنا الصلاة عليه ... وهي للفوز آية استفتاح
يا الهي بحق أحمد عفواً ... عن ذنوبٍ جنيتهن قباح
وأدم دولة الخليفة موسى ... ذي المعالي المبينة الأوضاح
مفخر الملك مستقر المزايا ... مظهر اللطف ذو التقى والصلاح
ناصر الحق خاذل الجور عدلا ... ملجأ الخائفين بحر السماح
يتلقى لاندى بوجه حييٍ ... ويلاقي العدا ببأس صفاح
وله المكرمات إرثاً ولبساً ... حاز حمدا بها معلى القداح
من علا باذخٍ وفخرٍ صميم ... وكمال بحتٍ ومجدٍ صراح
وأحاديث في المعالي حسانٍ ... رويت عنه في العلى الصحاح
عاقد صفقة العلا كل حين ... فائز فيه سعيه بالرباح
стр. 242
للنى والهدى يروح ويغدو ... أي مغدي إلى العلا ومراح
ملك تشرق الأسرة منه ... في سماء السرير نور صباح
وإذا ما علا بعالي العوالي ... صهوة الجود فهو ليث الكفاح
لبس الدهر منه حلة حسن ... وثنى للسرور عطف مراح
وعلا عاتق الخلافة منه ... طراز فخر سبي النهى بالتماح
ورث الملك شامخاً عن سراةٍ ... شيدوا ركنه بأيدي الصفاح
من بني القاسم الذي تحلوا ... بالمعالي واستأثروا بالفلاح
فرعوا هضبة الخلافة مجداً ... رفعوا سقفه على الأرماح
نشروا راية المفاخر حمداً ... خافق النور بالرابا والبطاح
يا إماما بذلك الملك جلالاً ... وجمالاً فديت بالأرواح
أنت شمس الكمال دمت علياً ... في اغتباق من المنى واصطباح
وبنوك الأعلون أنجم سعدٍ ... زاهرات بنورك الوضاح
وأبو تشافين بدر منير ... زانه الله بالخلال الصباح
أكمل العالمين خلقاً وخُلقاً ... اشرف الناس في الندى والكفاح
وبكم زينت سماء المعالي ... واهتدى الناس في الدجى والصباح
قلت: قوله:
أكمل العامين خلقاً وخلقاً ... اشرف الناس في الندى والكفاح
لا يخلو من قلة تحفظ، ومثل هذا في الحقيقة إنما يطلق على رسول) ، وإن كان المتكلم أراد أهل عصره.
стр. 243
وكان السلطان أبو حمود موسى بن يوسف الممدوح في هذه القصيدة يحتفل لليلة مولد رسول الله) غاية الاحتفال، كما كان ملوك المغرب والأندلس في ذلك العصر وما قبله يعتنون بذلك، ولا يقع منهم فيه إغفال؛ وقد تقدم أنَّ العزفي صاحب سبته هو الذي سن ذلك في بلاد المغرب، وأتى بزلفى تدينه إلى الله وتقرب؛ واقتفى الناس سننه، وتقلدوا مننه؛ تعظيماً للجناب الذي وجب له السمو والعلو، على أنَّ بعضهم قد خرج في ذلك إلى حدّثني الإسراف والغلو؛ وكل يعمل على شاكلته.
ومن جملة احتفال السلطان أبي حمو المذكور ما قاله صاحب راح الأرواح: " أنّه كان يقيم ليلة الميلاد النبوي، على صاحبه الصلاة والسلام، بمشورة من تلمسان المحروسة، مدعاةً حفيلة، يحشر فيها الناس خاصة وعامة، فما شئت من نمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة؛ وبسط موشاة، ووسائد بالذهب مغشاة؛ وشمع كالأسطوانات، وموائد كالهالات؛ ومباخر صفر منصوبة كالقباب، يخالها المبصر من تبر مذاب؛ ويفاض على الجميع أنواع الأطعمة، كأنها أزهار الربيع المنمنمة؛ تشتهيها الأنفس وتستلذها النواظر، ويخالط حسن رياها الأرواح ويخامر؛ رتب الناس فيها على مراتبهم ترتيب احتفال، وقد علت الجميع أبهة الوقار والإجلال؛ وبقرب ذلك يحتفل المسمعون بأمداح المصطفى ﵊، ومكفرات ترغب في الإقلاع عن الآثام؛ يخرجون فيها من فن إلى فن، ومن إلى فن، ومن أسلوب إلى أسلوب؛ ويأتون من ذلك بما تطرب له
стр. 244
النفوس وترتاح إلى سماعه القلوب؛ وبالقرب من السلطان، رضوان الله عليه، خزانة النمجانة وقد زخرفت كأنها حلة يمانية لها أبواب مرتجة على عدد ساعات الليل الزمانية؛ فمهما مضت ساعة وقع النقر بقدر حسابها، وفتح عند ذلك باب من أبوابها؛ وبرزت منه جارية صورت في أحسن صورة، في يدها اليمنى رقعة مشتملة على نظم فيه تلك الساعة باسمها مسطورة؛ فتضعها بين يدي السلطان بلطافة، ويسارها ع فمها كالؤدية بالمبايعة حق الخلافة؛ هكذا حالهم الى انبلاج عمود الصباح، ونداء المنادي حي على الفلاح ".
انتهى كلام صاحب راح الأرواح.
وقال في نظم الدرر والعقيان في هذا المعنى ما نصه: " وكان يعني السلطان أبا حمو يقوم بحق ليلة مولد المصطفى ﷺ ، ويحتفل لها بما هو فوق سائر المواسم، يقيم مدعاة، يحشر لها الأشراف والسوقة، فما شئت من نمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، وشمع كالأسطوانات، وأعيان الحضرة على مراتبهم تطوف عليهم ولدان قد لبسوا أقبية الخز الملون، وبأيديهم مباخر ومرشات، ينال كل منهم بحظه، وخزانة المنجانة ذات تماثيل لجين محكمة الصنعة، بأعلاها أيكة تحمل طائرا فرخاه تحت جناحيه ويختله فيهما أرقم خارج من كوة بجذر الأيكة صعدا، وبصدرها أبواب مرتجة
стр. 245
بعدد ساعات الله الزمانية، يصاقب طرفيها بابان كبيران وفوق جميعها دوين رأس الخزانة قمر أكمل يسير على خط الاستواء سير نظيره من الفلك، ويسامت أول كل ساعة بابها المرتج، فينقص من البابين الكبيرين عقابان بفي كل واحد منهما صنجة صفر يلقيها إلى طست من الصفر مجوف بوسطه ثقب يفضى بها إلى داخل الخزانة فيرن وينهش الأرقم أحد الفرخين فيصفر له أبواه فهنا يفتح باب الساعة الذهبية وتبرز منه جارية محتزمة كأظرف ما أنت راء، بيمينها إضبارة فيها اسم ساعتها منظومة ويسراها موضوعة على فيها، كالمبايعة بالخلافة، والمسمع قائم ينشد أمداح سيد المرسلين وخاتم النبيين سيدنا ومولانا محمد ﷺ ثم يؤتى آخر الليل بموائد كالهالات دورا والرياض نورا؛ قد اشتملت من أنواع محاسن الطعام على ألوان تشتهيها الأنفس وتستحسنها الأعين، وتلذ بسماعها الأذان، ويشره مبصرها للقرب منها والتناول وإن كان ليس بغرثان؛ والسلطان لم يفاق مجلسه الذي ابتدأ جلوسه فيه وكل ذلك بمرأى منه ومسمع حتى يصلي هنالك صلاة الصبح.
على هذا الأسلوب تمضي ليلة مولد المصطفى ﷺ في جميع أيام دولته أعلى الله مقامه في عليين وشكر له في ذلك صنعه الجميل آمين.
وما من ليلة مولد مرت في أيامه إلاّ ونظم فيها قصيدا في مدح المصطفى ﷺ أوّل ما يبتدئ المسمع في ذلك المحفل العظيم بإنشاده، ثم يتلوه إنشاد من رفع إلى مقامه العلي في تلك الليلة نظما ".
انتهى كلام صاحب نظم الدرر والعقيان، وهو أتم مساقا من كلامه في راح الأرواح.
стр. 246
أقول: ولا بد أن نذكر جملة من الطع التي أنشأها الكاتب أبو زكريا يحيى بن خلدون كاتب السلطان أبو حمو المذكور على لسان جارية المنجانة مخاطبة بما مر من الليل وكانت تأتي بها في يدها اليمنى كما ذكرناه فمن ذلك قوله ﵀ في مضي ساعتين من الليل:
أخليفة الرحمن والملك الذي ... تعنو لعز علاه أملاك البشر
لله مجلسك الذي يحكى علا ... بك مالكي أفق السماء لمن نظر
أو ما ترى فيه النجوم زواهرا ... وجه الخليفة بينهن هو القمر
والليل منه ساعتان قد أنقضت ... تثني عليك ثنا الرياض على المطر
لازال هذا الملك منصورا بكم ... وبلغت مما ترتجي أسنى الوطر
وقوله ﵀ في انقضاء ثلاثة ساعات من الليل:
أمولاي يا بن الملوك الألي ... لهم في المعالي سنى الرتب
تولت ثلاث من الليل أب ... قت لك الفخر في عجمها والعرب
فدم حجة الله في أرضه ... تنال الذي شئته من أرب
وقوله ﵀ في مضي ست ساعات:
يا ماجد وهو فرد ... تخاله في عساكر
ست من الليل ولت ... ما إن لها من نظائر
دامت لياليك حتى ... إلى المعاد نواضر
وقوله ﵀ في مضي ثمان ساعات:
يا أكرم الخلق ذاتا ... وأشرف الناس أسره
مرت ثمان وأبقت ... في القلب منى وحسره
стр. 247
فيهن كان شبابي ... أخا نعيم ونضره
ولي بها الدهر عني ... ترى لها بعد كره
فالله يبقيك مولى ... يطيل في السعد عمره
وقوله ﵀ في مضي عشر ساعات:
يا مكان الخير والخيل التي حكمت ... له بعز على الأيام مقتبل
هذا الصباح وقد لاحت بشائره ... والليل ودعنا توديع مرتحل
لله من الساعات باهرة ... مضين لاعن قلى منا ولا ملل
كذا تمر ليالي العمر راحلة ... عنا ونحن مع الآمال في شغل
نمسي ونصبح في لهو نسر به ... جهلا وذلك يدنينا من الأجل
والعمر نمضي ولا ندري فوا أسفا ... عليه إذ مر في الآثام والزلل
يا ليت شعري غدا كيف الخلاص به ... ولم نقدم له شيئا من العمل
يا رب عفوك عما قد جنت يدي ... فليس لي بجزاء الذنب من قبل
يا رب وانصر أمير المسلمين أبا ... حمو الرضا وأنله غاية الأمل
وأبق في العز والتمكين مدته ... وأعل دولته الغرا على الدول
ومن الموشحات التي خوطب بها السلطان أبو حمو ﵀ في مولد سنة سبع وستين وسبع مائة قول طبيب دولته أبي عبد الله محمّد بن أبي جمعة الشهير بالتلاليسي رحمه الله تعالى:
لي مدمع هتان ... ينهل مثل الدرر
قد صير الأجفان ... ما إن لها من أثر
стр. 248
حق له يجري ... دما على طول الدوام
مذ جد في السير ... ناس إلى خير الأنام
وعاقني وزري ... يا صاح عن ذلك المقام
وسارت الأظعان ... يحدي بها في السحر
فاستبشر الركبان ... بقرب نيل الوطر
يا سعده من زار ... قبر النبي المصطفى
محمّد المختار ... قطب المعالي والوفا
في مدحه قد حار ... الخلق طرا وكفى
في محكم القرآن ... وشرحه والسير
فضله الرحمن ... على جميع البشر
يا حادي الركب ... بالله إن جئت البقيع
تحية الصب ... بلغ إلى الهادي الشفيع
غرب بالمغرب ... عن ذلك المغني الرفيع
وليس لي إمكان ... ينهضني للسفر
إلاّ من السلطان ... الملك المظفر
من لم يزل يسمو ... إلى المعالي كل حين
ذاك أبو حمو ... المولى أمير المسلمين
طاعته غنم ... نلنا بها دنيا ودين
أظهر في البلدان ... من عدله المشتهر
وعم بالإحسان ... للبدو ثم الحضر
стр. 249
قابله إسعاد ... تكل عنه الألسنة
قبيل عبد الواد ... به غدت في سلطنة
أيامه أعياد ... يا ليتها ألف سنة
ملك بني زيان ... بالمشرفي الذكر
أحياه إذا قد كان ... ليس له من خبر
تاهت تلمستان ... بملكه على البلاد
صار لها شان ... وسعدها حلف ازدياد
قد ضل إنسان ... قال بها يشكو السهاد
ليل الهوى يقظان ... والحب ترب السهر
والصبر لي خوان ... والنوم من عيني بري
وكان هذا السلطان أبو حمو ﵀ يقرض الشعر ويحب أهله وله ﵀ تأليف حسن في السياسة لخص فيه سلوان المطامع لابن ظفر وزاد عليه فوائد وأورد فيه جملة من نظمه وأمورا جرت له مع معاصريه من ملوك بني مرين وغيرهم وصنفه برسم ولي عهده أبي تاشفين وسماه نظم السلوك في سياسة الملوك.
وكان الفقيه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الخطيب المذكور آنفا كثيرا ما يوجه إليه بالأمداح ومن أحسن ما وجه له قصيدة سينية فائقة وذلك عندما أحس بتغير سلطانه عليه فجعلها مقدمة بين يدي نجواه لتمهد له مثواه
стр. 250
وتحصل له المستقرة إذا ألجأه إلى الأمر إلى المفر فلم تساعده الأيام كما هو شأنها في أكثر الأعلام وهي هذه:
أطلعن في سدف الفروع شموسها ... ضحك الظلام لها وكان عبوسا
وعطف قضبا للقدود نواعما ... بوئن أدواح النعيم غروسا
وعدلن عن جهر السلام مخافة ال ... واشي فجئن بلفظه مهوسا
وسفرن من دهش الوداع وقومهن ... إلى الترحل قد أناخوا العيسا
وخلسن من خلل الحجال إشارة ... فتركن كل حجالها مخلوسا
لم أنسها من وحشة والحي قد ... زجر الحمول وآثر التغليسا
لا الملتقي من بعدها كثب ولا ... عوج الركاب تسأم التخييسا
فوقفت وقفة هائم برحاؤها ... وقفت عليه وحبست تحبيسا
ودعوت عيني عاتبا وعيونها ... بعصا النوى قد بجست تبجيسا
نافست يا عيني در دموعهم ... فعرضت درا للدموع نفيسا
ما للحمى بعد الأحبة موحشا ... ولكم تراءى آهلا مأنوسا
ولسر به حول الخميلة نافرا ... عمن يحس به وكان أنيسا
ولظله المورود غمر قليبه ... لا يقتضي وردا ولا تعريسا
حييته فأجابني رجع الصدى ... لا فرق بينهما إذا ما قيسا
ما إن يزيد على الإعادة صوته ... حرفا فيشفى بالمزيد نسيسا
следующие страницы →