Полный текст (1 044 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
المشكل ببيانه، وحرر الملتبس ببرهانه؛ إلى أن أحله قضاء الجماعة درة أفقه الأصعد، وبوأه عزيز ذلك المقعد؛ فشرف الخطة، والمجلس السلطاني أعلاه الله تعالى يختصه بنفسه، ويفرغ عليه من حلل الأصطفاء ولبسه؛ ويستمطر فوائده، ويجري بأنظاره حقوق الملك وعوائده؛ فكان بين يديه حكما مقسطا، ومقسما لحظوظ الأنعام مقسطا، إلى أن خصه بالكتابة المولوية، ورأى له في ذلك حق الأولوية؛ إذ كان والده المقدس نعم الله ثراه، ومنحه السعادة في أخراه؛ مشرف ذلك الديوان، ومعلي ذلك الإيوان؛ يحبر رقاع الملك فتروق، وتلوح كالشمس عند الشروق؛ فحل ابنه هذا الكبير شرفا، الشهير سلفا؛ مرتبته التي سمت وافترت به عن السعد وابتسمت؛ فسحبت به للشرف مطارف، وأحرزت به من الفخر التالد والطارف؛ فهو اليوم في وجهها غرة، وفي عينها قرة؛ والله هو في ملاحظة الحقائق ورعيها، وسمع الحجج ووعيها؛ فلقد فضل بذلك أهل الاختصاص وسبقهم في تبيين ما يشكل منه وما يعتاص؛ إذ المشكلة معه جلية الأغراض، والآراء لديه آمنة من مآخذ الاعتراض؛ فكم رتبة عمرها بذويها، فأكسبها تشريفاً وتنويها؛ وعلى ذلك فأعلام قضاة الوطن، ومن عبر منهم وقطن؛ مع أقدارهم السامية، ومعاليهم التي هي للزهر مسامية؛ إنما رقتهم وساطته التي أحسنت، وزينت بهم المجالس وحسنت؛ فبه أمضوا
стр. 177
أحكامهم، وأعملوا في الأباطيل احتكامهم؛ وكتبوا الرسوم وكبتوا الخصوم؛ وحلو دست القضاء، وسلوا سيف المضاء؛ وفي زمانه تحرجوا وفي بستانه تأرجوا؛ ومن خلقه اكتسبوا، وإلى طرقه انتسبوا؛ وعلى موارده حاموا وحول فرائده قاموا؛ وبتعريفه عرفوا، وبتشريفه شرفوا؛ وبصفاته كلفوا وبعرفانه وقفوا؛ فأمنوا مع انكساب سحبه إفادته من الجدب وقاموا بذلك الغرض بسبب ذلك الندب؛ وهل العلماء وإن عمت فوائدهم، وانتظمت بجياد الأذهان فرائدهم؛ إلاّ من أنواره مستمدون وإلى الاستفادة من أنظاره ممتدون، وببركاته معتدون، وبأسبابه مشتدون؛ فبه اجتنبت من أفنان المنابر ثمراتهم، وتأرجحت في روضات المعارف زهراتهم؛ وبه عمروا الحق وائتلق من أنوارهم ما ائتلق؛ إذ كل من اصطناعه محسوب، وإلى بركته منسوب؛ فهو بدرهم الأهدى وغيثهم الأجدى؛ وعقدهم المقتنى، وروضهم المجتنى؛ وبدر منازلهم، وصدر محافلهم؛ وعلى ما أعلى المقام المولوى من مكانه، وقضى به من استمكانه؛ واعتمد من إبرامه وأبرم من اعتماده ومهد من إكرامه وأكرم من مهاده؛ واختص من علاه، وأعلى من اختصه، واستخلص من حلاه، وحلى من استخلاصه؛ ووفى من تكرمه، وكرم من وفائه، وأصفى من مجده، ومجد من اصطفائه؛ وقدم من براعته، وحكم من يراعته؛ وشقق من كتابته، وأنطق من خطابته، وسجل من أنظاره وعدل من اختياره؛ فذكا ذكره،
стр. 178
وسطا سطره؛ وأمعن معناه، وأغنى مغناه. أشار
أيده الله تعالى باستئناف خصوصيته وتجديدها، وإثبات مقامته وتحديدها؛ لتعرف تلك الحدود فلا تتخطى وتكبر تلك المراتب فلا تستعطي؛ فاصدر له - شكر الله تعالى إصداره، وعمر بالنصر داره - هذا المنشور الذي تأرج بمحامده نشره وتضمن من مناقبه البديع فراق طيه ونشره؛ وغدا وفرائد المآثر لديه مكنونه، وأصبح للمفاخر مالكا لمّا أتى به مدنونه؛ وخصه فيه بالنظر المطلق الشرط، الملازم للتفريض ملازمة الشرط للمشروط؛ المستكمل الفروع والأصول، المستوفي الأجناس والفصول؛ في الأمور التي تختص بأعلام القضاة الأكابر، وكتاب القضاة ذوي الأقلام والمحابرو شيوخ العلم وخطباء المنابر، وسائر أرباب الأقلام القاطن منهم والغابر؛ بالحضرة العلية وجميع البلاد النصرية؛ تولى الله جميع ذلك بمعهود ستره، ووصل له ما تعود من شفع اللطف ووتره؛ يحوط مراتبهم التي قطفت من روضتها ثمرات الحكم وجنيت، ويراعى أمرهم التي أقيمت على القواعد وبنيت وحقوقهم التي حفظت لهم في المجالس السلطانية ورعيت؛ ويحل كل واحد مهم في منزلته التي تليق، ومرتبته التي هو بها خليق؛ على مقتضى ما يعلم من أدواتهم، ويخبر من تباين ذواتهم؛ ويرشح كل واحد إلى ما استحقه، ويؤتى كل ذي حق حقه، اعتماداً على أغراضه التي عدلت، وصدحت على أفنانها من الأفواه طيور شكر وهدلت؛ واستناداً في ذلك إلى آرائه، وتفويضاً له في هذا الشأن بين خلصاء الملك وظهرائه؛ ولمقتضى ما كان عليه أعلام الرياسة الذين سبقوا، وانتهضوا بهممهم واستبقوا؛ كالشيخ
стр. 179
الرئيس الصالح ابي الحسن بن الجياب، والشيخ ذي الوزارتين ابي عب بن الخطيب، رحمهما ات فليقم - أبقاه الله تعالى - بهذه الأعمال التي سمت واعتزت ومالت بها أعطاف العدل واهتزت؛ وسار بها الخبر حيث سرى، وصار بها الحق مشدود العرى؛ وعلى جميع القضاة الأصفياء، والعلماء الأرضياء، والخطباء الأولياء، والمقرئين الأذكياء، وحملة القلام الأحطياء؛ أن يعتمدوا على هذا الولي العماد في كل ما يرجع إلى عوائدهم، ويختص في دار الملك من مرتباتهم وفوائدهم؛ وما يتعلق بولاياتهم وأنياتهم، ويليق بمقاصدهم ونياتهم؛ فهو الذي يسوغهم المشارب ويبلغهم المآرب؛ ويستقبل العلى بالعلى، والعطل بالحلي والمشكل بالجلي والمفرق بالتاج، والمقدمة بالإنتاج؛ وعلى ذلك فهذا المنشور الكريم قد اقرهم على ولايتهم وأبقاهم، ولقاهم من حفظ المراتب ما رقاهم؛ فليجروا على ما هم بسبيله، وليهتدوا برشد هذا الاعتناء ودليله.
وكتب في صفر عام سبعة وخمسين وثمان مائة ". انتهى.
وإنّما كتبته برمته لتعلم به مصداق ما قد مناه من تمكن أبن عاصم المذكور من مراتب الاصطفاء والاحتفاء.
ولنختم ترجمته، ﵀ بتخميس عجيب من نظمه:
سبحان من أظهر الأنوار واحتجابا ... وكل حمد وتمجيد له وجبا
стр. 180
إذا ابتغى العقل في إدراكه سببا ... جاء الحجاب فألقى دونه الحجبا
حتى إذا ما تلاشى عندها ظهرا
سبحان من كان والأكوان لم تكن ... في غير أين ولا وقت ولا زمن
حتى أتى الجود بالإحياء والمنن ... وكان ما قد رسمناه بما ومن
وأظهر الشمس ذات النور والقمر
سبحان من حجب الأبصار فاحتجبت ... وكم أراد مريد نيلها فأبت
ومن حدثته أمانيه فقد كذبت ... حقيقة ذاتها عن ذاتها وجبت
لا يدرك العقل من أخبارها خبرا
سبحا من شأنه في شأن عجب ... يخفى فيظهر أو يبدو فيحتجب
يا أيها العاكفون السادة النجب ... هل فيكم من سعى سعيا كما يجب
ففاز بالغرض المطلوب أو ظفر
سبحان من لم يزل بالعلم منفردا ... ومن تعالى عن الاشباه فاتحدا
واحدا صمدا ... تبارك الله لم يولد ولم يلد
تنزه الله عما يلحقون البشرا
سبحان من أخرج الموجود من عدم ... رسما برى كونه في غير مرتسم
فلا محل سوى كنه من الكلم ... ولم يزل هو في ديمومة القدم
مؤثرا يخلق التأثير والأثر
سبحان من خلق الأشياء أجمعها ... فمن رآها رأى أفعاله معها
стр. 181
وكان أتقها صنعا وأبدعها ... نفس إلى العالم العلوي رعها
وخصها من معاليه بما بهرا
سبحان من عم بالإنعام ما خلقا ... وشفع العدل بالإحسان فاتفقا
وزاد بالذكر في قلب التقي تقى ... فاستكمل الدين والإيمان والخلقا
وكان مدركه الصديق أو عمرا
سبحان من سبحته كل سابحة ... وكل عائمة في الماء سائحة
وكل غادية تغدو ورائحة ... وسبحته خفايا كل جانحة
لم تعرف السر حتى جاورت صورا
سبحان من حمدته ألسن البشر ... في السر والجهر والآصال والبكر
وفي الدجى تشدو ونصف الليل والسحر ... بالشكر والذكر والآيات والسور
توليه حمدا وتتلو بعده سورا
سبحان من نزهته ألسن عزفت ... عن كل ما يوهم التشبيه إذ وصفت
صفا لها مورد التحقيق حين صفت ... فلم تفارقها حتى أثبتت ونفت
ولم يدع شبهة تؤذي ولا ضررا
سبحان من شكره في الدين مفترض ... وليس جسم ولا عرض
ينهي ويأمر ما في ذا وذا غرض ... فاذكر لنعماه ذكرا ليس ينقرض
فمن تحدث بالنعمى فقد شكرا
سبحان من خضع السبع الطباق له ... وأعظمته قلوب حشوها وله
تريد إنَّ تعلم الأبقي وتعقله ... طوبى لمن أمل الأبقى وأم له
واستكثر الزاد لمّا آنس السفر
стр. 182
سبحان من زين الأفلاك بالشهب ... وبين الدين بالآيات والكتب
ولم يدعنا لدى لهو وفي لعب ... لكن نهانا وآتانا على الرتب
حتى انتهينا وأذعنا لمّا أمرا
سبحان من جعل الأشياء تختلف ... فتارة تتناءى ثم تأتلف
هذا الظلام بنور الصبح ينصرف ... كما الضلال لنور العلم يقف
فسله نورا ينير السمع والبصرا
سبحان من خلق الأخلاق والخلقا ... والشمس والبدر والظلماء والغسقا
يروقك الكل مجموعا ومفتراقا ... وانظر لنفسك واسلك نحوه طرقا
فأسعد الناس من في نفسه نظرا
سبحان منزل الماء المزن في المطر ... يروي النبات ويسقي يانع الثمر
كأنما الزهر تهديه إلى الزهر ... إذا رأيت تلاقيها على قدر
رأيت صنع قدير أحكم القدرا
سبحان من قدر الأوقات والأجلا ... وتابع الوحي واستتلى به الرسلا
فمن تعدى حدود الفوق قيل غلا ... ومن تجاوز منحطا فقد سفلا
ومن تخطى خطوط المنتهى كفرا
سبحان من فجر الأنهار فانفجرت ... وقدر الخير في إجرائها فجرت
فزينة الأرض بالأزهار قد ظهرت ... وللبصيرة عين كلما نظرت
رأت جمالا وإجمالا ومعتبرا
стр. 183
سبحان من خلق الإنسان من علق ... وأعقب الليلة الليلاء بالغسق
يا بهجة الشمس دوني عذت من فلق ... ويا سنا البدر عارض حمرة الشفق
حين تعود لنا من ليلتنا سحرا
سبحان من علم الإنسان بالقلم ... وسلط الهم والبلوى على الهمم
فقاومتها جنود الصبر والكرم ... ثم ابتلى قلب غير العارف الفهم
فما أطلق ولا أوفى ولا صبرا
سبحان من خلق الإنسان من عجل ... فليس يمشي إلى شيء على مهل
ولا يقول سوى هذا وذلك لي ... مقسم الحال بين الحرص والحيل
فليس تلقاه إلاّ ضارعا حذرا
سبحان من زانه بالعلم والأدب ... وبالفضائل والإيمان والطلب
فلا يزال حليف الفكر والتعب ... رام الكمال فلم يبلغ ولم يخب
ولم يرد بعد في ري ولا صدرا
سبحان من شأنه بالكبر والأشر ... يمسي ويصبح في غي وفي بطر
مردد العزم بين الجبن والخور ... لا يستفيق من الشكوى إلى البشر
ولا يزحزح عن ظلم إذا قدرا
سبحان محرقه في وقدة الحسد ... فلا يزال أخا غيظ وفي نكد
كالبحر يرمي إلى العينين بالزبد ... إذا رأى أثر النعمى على أحد
يود لو كان أعمى لا يرى ضجرا
стр. 184
سبحان من أمر الأرواح فأتمرت ... ثم استديمت فلم تنهض بما أمرت
وكل نفس إذا سامحتها فجرت ... فلا تصلها إذا خانتها أو غدرت
واقطع علائق من قد خان أو غدرا
سبحان من بسط التعليم ثم طوى ... فأعق القلب وجدا دائما وهوى
وذاب في ملتظى أشواقه وذوى ... وكان أزمع واستوفى المنى ونوى
حجا فلما انى ميقاته حصرا
سبحان من في بساط العدل أجلسنا ... وباغتفار عظيم الذنب آنسنا
وزان بالعلم والإيمان أنفسنا ... فكان أعظمنا قدرا وأنفسنا
من انتهى أو نهى أو خاف فازدجرا
سبحان من خص بالإيمان أنفسنا ... وخافه من عذاب النار أنفسنا
لولاه لم نعرف المعروف والحسنا ... ولا استفدنا لسانا ناطقا لسنا
ولا درينا: أباح الشرع أو حظرا
سبحان من جعل الإيمان بالقدر ... والحشر والنشر منجاة من الضرر
فلا خلود مع الإيمان في سقر ... ولا وصول إلى أمن دون حذر
حتى تكون لأمر الله مؤتمرا
سبحان من إن يشأ أعطاك أو منعك ... ومن إذا شاء أمرا حادثا وقعا
وتارة يخفض الأمر الذي رفعا ... يوما يفرق للإنسان ما حمعا
ولا يبالي بمن أثرى ومن خسرا
سبحان من هو يوم الفصل يجمعنا ... وللنعيم بفضل منه يرفعنا
стр. 185
من بعد رؤية أهوال تروعنا ... يرى لها والها هيمان أورعنا
حيران عريان يبدي كل ما سترا
سبحان من شاء في الدنيا سعادتنا ... بطاعة أحسنت منا إرادتنا
ويبتلينا ويستحلي عبادتنا ... حتى إذا شاء في الأخر إعادتنا
أعادنا مثل ما كنا كما ذكرا
سبحان من يحشر الإنسان مكتئبا ... خوف الجراء ويجزيه بما كسبا
ويحكم الحكم يمضيه كما وجبا ... فالقاسطون إلى نيرانه عصبا
والمقسطون إلى جناته زمرا
سبحان من فضل الإسلام في الأمم ... بالطيبات الطاهر المبعوث في الحر
محمّد خير من يمشي على قدم ... إذا عددت بيوت المجد والكرم
فمنه حتى إلى عدنان أو مضرا
سبحان من ختم الأديان في الأزل ... بالملة السمحة البيضاء في الملل
أتى بها خير مأمور وممتثل ... محمّد خاتم السادات والرسل
وخير من حج بيت الله واعتمرا
إذا وصفنا فبالتقصير نعترف ... فكل لفظ بليغ دونه يقف
هو النبي الذي في ذكره شرف ... فإن طلبت رضاه الذي تصف
فكن على وصفه في الذكر مقتصرا
صلى الإله عليه ما بدا قمر ... وما سرى في الديجاء أنجم زهر
وما تباينت الأشكال والصور ... وما تدورست الآيات والسور
وما قضى مؤمن من حاجة وطرا
стр. 186
وبالجملة فابن عاصم أبو يحيى كان يسميه أهل زمانه أبن الخطيب الثاني، حسبما قاله الوادي آشي وغيره.
ولا بد إنَّ نلم بنبذة من أخبار أبن الخطيب السلماني الوزير: إذ هو لسان الدين، وفخر الإسلام بالأندلس في عصره، فنقول: هو محمّد بن عبد الله أبن سعيد بن عبد الله بن سعيد ين علي بن أحمد السلماني، قرطبي الأصل، ثم لوشيه، يكنى أبا عبد الله، ويلقب من الألقاب المشرفة بلسان الدين، الوزير الشهير، الطائر الصيت، المثل المضروب في الكتابه والشعر والمعرفة بالعلوم على اختلاف أنواعها، ﵀.
أوليته
قال أبن الأحمر في نثير فرائد الجمان في حقه ما نصه: " ذو الوزارتين الفقيه الكاتب، أبو عبد الله محمّد، أبن الرئيس الفقيه الكاتب المفتي ببلدة لوشة، عبد الله، أبن الفقيه الكاتب سعيد أبن الفقيه الصالح ولي الله الخطيب سعيد السلماني اللوشي بابن الخطيب ". انتهى.
وقال غيره: إنَّ بيتهم يعرف في القديم ببني الوزير، ثم في الحديث
стр. 187
ببني الخطيب. وسعيد جده الأعلى أوّل من تلقب بالخطيب، وكان من أهل العلم والدين والخير، وكذلك سعيد جده الأقرب كان على خلال حميدة، من خط، وتلاوة، وفقه، وحساب، وأدب، خيرا، صدراً، وتوفي عام ثلاثة وثمانين وست مائة، وأبوه عبد الله كان من أهل العلم بالأدب والطب، وقرأ على أبي الحسن البلوطي، وأبي جعفر الوزير، وغيرهما، وأجازه طائفة من أهل المشرق، وتوفي بطريف عام واحد وأربعين وسبع مائة شهيدا يوم الاثنين السابع من جمادى الأولى من العام مفقودا ثابت الجأش، شكره الله فعله. قال ابنه لسان الدين صاحب الترجمة: أنشدت والدي أبياتاً من شعري فسر وتهلل، وارتجل رحمه الله تعالى:
الطب والشعر والكتابة ... سماتنا في بني النجابه
هي ثلاث مبلغات ... مرتبات بعضها الحجابه
انتهى.
نشأته: ونشأ لسان الدين على حالة حسنة سالكاً سنن أسلافه، فقرأ القرآن على المكتب، الأستاذ الصالح أبي عبد الله عبد الولي العواد، تكتبا، ثم حفظا، ثم تجويدا؛ ثم قرأ القرآن أيضاً على أستاذ الجماعة أبي الحسن القيجاطي، وقرأ عليه العربية، وهو أوّل من انتفع به، وقرأ على الخطيب أبي القاسم بن جزي؛
стр. 188
ولازم قراءة العربية والفقه والتفسير على الشيخ أبي عبد الله بن الفخار البيري، شيخ النحوين لعهده؛ وقرأ على قاضي الجماعة أبي عبد الله بن بكر؛ وتأدب بالرئيس أبي الحسن بن الجياب؛ وروى عن كثير من الأعيان، كالمحدث شمس الدين بن جابر، وأخيه أبي جعفر، والقاضي أبي البركات بن الحاج؛ والشيخ أبي محمّد بن سلمون، وأخيه أبي القاسم بن سلمون، وأبي عمرو بن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وله روايه عالمية، والأستاذ اللغوي أبي عبد الله بن بيبش؛ والمحدث الكاتب أبي الحسن التمساني المسن، والقائد الكاتب أبي بكر بن ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم، والقاضي المحدث أبي بكر أبن شيرين، والشيخ أبي عبد الله أبن الفقيه القاضي أبي عبد الله بن عبد الملك، والخطيب أبي جعفر الطنجالي، والقاضي أبي بكر بن منظور، والرواية أبي عبد الله بن حزب الله، وعن اشهر أسلافنا المتأخرين القاضي أبي عبد الله بن محمّد المقري القرشي، التلمساني المولد والمنشأ والمقبر، قاضي الجماعة بفاس، وعن الشريف أبي علي الحسن بن يوسف، وعن الخطيب الرئيس الراوية أبي عبد الله أبن مرزوق، وعن المحدث الفاضل الحسيب أبي العبياس بن يربوع السبتي، والرئيس الكاتب أبي محمّد بن عبد المهيمن الحضرمي السبتي، والشيخ المقري أبي محمّد بن أيوب المالقي، آخر الرواة عن أبي الاحوص، وعن أبي عثمان أبن ليون من أهل المرية، وعن القاضي أبي الحجاج المنتشافري، من أهل رندة، إلى غيرهم ممن يطول ذكره من أهل الأندلس، والعدوة الغربية،
стр. 189
والمشرق وأفريقية بالإجازة؛ وأخذ الطب والتعالم وصناعة التعديل عن الإمام أبي زكريا يحيى بن هذيل، ولازمه.
تآليفه
قال أبن الأحمر ﵀: " لأبن الخطيب الأوضاع المصنفات، التي آذان إحسانها هي المقطرات المشنفات، ومنها في التصوف الذي أكثر أهل الحقائق إليه نظر التشوف: روضة التعريف بالحب الشريف ". انتهى.
ثم سرد غيرهما من كتبه، ومنها: الإحاطة، في تاريخ غرناطة، في خمسة عشر سفراً؛ واللمحة البدرية في الدولة النصرية؛ والحلل المرقومة؛ ومثلى الطريقة، في ذم الوثيقة؛ والوثيقة؛ والسحر والشعر؛ وريحانة الكتب، ونجعة المنتاب، في أسفار؛ والصيب والجهام، والماضي والكهام، في جموع شعره؛ ومعيار الاختيار؛ ومفاضلة مالقة وسلا؛ ورسالة الطاعون؛ ورسالة الطاعون؛ والمسائل الطبية، في سفر؛ والرجز في عمل الترياق؛ واليوسفي في الطب، في سفرين؛ والتاج المحلى في مساجلة القدح المعلى؛ والكتيبة الكامنة، في أدباء المائة الثامنة، ونفاضة الجراب، في أربعة أسفار، وهي من أحسن تآليفه، ولم أزل أكثر البحث في هذا التاريخ عنها، فلم أقف منها على عيه ولا أثر، إلاّ عدة أوراق متفرقة، وقد كنت قبل هذا التاريخ رأيت بعضها. والبيزرة، في سفر، والبيطرة، في سفر جامع لمّا يرجع إليه من محاسن الخيل وغيره ورسالة تكون الجنين؛ والوصول لحفظ الصحة في الفصول؛ ورجز الطب، ورجز الأغذية، ورجز السياسة؛
стр. 190
وكتاب الوزارة ومقامة السياسة والغيرة على أهل الحيرة وحمل الجمهور على السنن المشهور والزبدة الممخوضة والرد على اله الإباحة وسد الذريعة في تفضيل الشريعة وخطرة الطيف ورحلة الشتاء والصيف وطرفة العصر في دولة بني نصر في ثلاثة أسفار وتقرير الشبه وتحرير الشبه واستنزال اللطف الموجود في سر الوجود وبستان الدول وهو غريب في معناه في فنون السياسة في ثلاثين جزءا ولم يكمل وأبيات الأبيات فيما اختاره ﵀ من مطالع ما له من الشعر ورقم الحلل في نظم الدول في غاية من الحلاوة والعذوبة والجزالة وفتات الخوان ولقط الصوان في سفر يتضمن المقطوعات وعائد الصلة في سفرين وصل به صلة الأستاذ أبي جعفر بن الزبير وتلخيص الذهب في اختيار عيون الكتب الأدبيات وجيش التوشيح ورجز في أصول الفقه شرح ولي الدين بن خلدون صاحب التاريخ المشهور والإكليل الزاهر وكناسة الدكان بعد انتقال السكان وعمل من طب لمن حب والدرر الفاخرة واللجج الزاخرة جمع فيه نظم بن صفوان والباخر الطيبية في المفاخر الخطيبية وخلع الرسن في أمر القاضي أبن الحسن وأعمال الأعلام فيمن بويع من ملوك الإسلام قبل الاحتلام. وألف أيضاً في الموسيقى ومصنفاته زادت على الخمسين وقد ذكرنا نحو الخمسين.
стр. 191
حاله
قال أبن الأحمر: " هو شاعر الدنيا وعلم المفرد والثنيا وكتاب الأرض إلى يوم العرض لا يدافع مدحه في الكتاب ولا يجنح فيه إلى العتب آخر من تقدم في الماضي وسيف مقولة ليس بالكهام إذ هو الماضي وإلاّ فانظر كلام الكتاب الأول من العصبة كيف كان فيهم بالإفادة صاحب القصبة للبراعة باليراعة وبه اسكت صائلهم وما حمدت بكرهم وأصائلهم المشوبة بالحلاوة الممكنة من مفاصل الطلاوة وهو نفيس العدوتين ورئيس الدولتين بالاطلاع على العلوم العقلية والإمتاع بالفهوم النقلية لكن صل لسانه في الهجاء لسع ونجاد نظاقة في ذلك اتسع حتى صدمني وعلى القول فيه أقدمني بسبب هجوه في أبن عمي ملك الصعق الأندلسي سلطان ذلك الوطن في النفر الجنسي المعظم في الملوك بالقول الجني والإنسي ثم صفحت عنه صفحة القادر الوارد من مياه الظفر غير الصادر لأنَّ مثلي لا يليق به إظهار العورات ولا يجمل به تتتبع العثرات اتباعا للشرع في تحريم الغيبة وضربا عن الكريهة وإثباتا لحظوظ النقيبة الرغيبة فما ضره لو اشتغل بذنوبه وتأسف على ما شرب من ماء الهجو بذنوبه. وقد قال بعض الناس: من تعرض للأعراض أرسى عرضه هدفا لسهام الأغراض ". انتهى كلام أبن الأحمر.
وقال غيره: تقلد الكتابة أيام السلطان أبي الحجاج في أخريات دولته بعد
стр. 192
شيخه أبن الجياب.
قال أبن الصباغ العقيلي: " كان أبو الحسن بن الجياب رئيس كتاب الأندلس وهم رؤساء غيرهم واختص به الوزارتين أبو عبد الله بن الخطيب اختصاصا تاما وأورثته رتبته من بعده وعهد بها إليه مشيرا بذلك على من استشاره من أعلام الحجاب عند حضوره عمره. وتدرب بذكائه حتى استحق أزمته فأنسى بحسن سياسته شيخه المذكور ونال التي لا فوقها من الحظوة وبعد الصيت وسعادة البخت.
اتفق له يوما بعد ما عزم النصراني على ورود البلاد وضاقت به الصدور فأنشد أبن الجياب بديها بمحضر الكتاب:
هذا العدو قد طغى ... وقد تعدى وبغى
وقال لابن الخطيب: أجز أبا عبد الله فأنشده بديها:
وأظهر السلم وقد ... أسر حسوا في أرتغا
فبلغ الرحمن سي ... في النصر فيه ما ابتغى
ورده رد ثمود ... والفصيل قد رغا
حتى يرى وليمة ... لكل مرهوب الثغا
стр. 193
فقال أبن الجياب: هكذا وإلاّ فلا وعجب الحاضرون من هذه البديهة ". انتهى كلام أبن الصباغ.
ولمّا توفي أبو الحجاج ازدادت منزلة أبن الخطيب عند ابنه أبي عبد الله إلى أن كانت عليه الدائرة فقبض على أبن الخطيب وعلى أملاكه ثم تخلص منها نكبة مصحفية بشفاعة السلطان المستعين بالله أبي سالم إبراهيم أبن السلطان الشهير الكبير أبي الحسن المريني صاحب المغربو كان تحريك عزائم السلطان ابى سالم للشفاعة فيه بسعاية الغالبع دولته الحاجب الرئس الخطيب الراحل أبي عبد الله بن مرزوق. ولمّا تخلص لبن الخطيب من هذه الأنشوطة لحق بسلطانه أبي عبد الله كما نذكره قريبا وورد صحبته المغرب واستقر أبو عبد الله بن الخطيب بسلا تحت الجراية التامة متكلفا خدمة ضريح الملوك من بني مرين ليمت باب إلى صاحب الملك من بينهم كما يقضي له ما بقي من مآربه بالأندلس بشفاعة غير مردودة وفي أثناء هذه المدة كان يتطوف ببلاد المغرب مثل مراكش وأنظارها. ثم لمّا رجع مخدومة لغرناطة عاد هو في صحبة أولاده فألقى مقاليد رياسته وأزمة سياسته ورقاه إلى الذروة
стр. 194
التي لا فوقها ثم سم الخدمة وتسخط النعمة وأضمر الفرار عندما سمع بأن الملك استوثق للسلطان أبي فارس بن أبي الحسن المريني وأنّه ملك تلمستان فأظهر الذهاب إلى تفقد أحوال بعض الثغور فكان آخر عهد الأندلس به وخرج بتلمستان واهتزت دولة السلطان أبي فارس لقدومه ثم كان من أمه ما سنذكره.
ولنورد بعض تفضيل لمّا سبق الإلمام به وما لم يسبق فنقول: قال في كتابه المسمى باللمحة البدرية في الدولة النصرية عند ذكره خلع السلطان أبي عبد الله وقيام الأمير إسماعيل عليه وذلك في شهر رمضان المعظم من عام ستين وسبع مائة ما نصه:
" وكان السلطان أبو عبد الله عند تنصير الأمر إليه قد ألزم أخاه إسماعيل قصرا من قصور أبيه بجوار داره مرفها عليه متممة وظائفه له وأسكن معه أمه وأخواته منها وقد أستأثر يوم وفاة والده بمال جم من خزائنه الكائنة في بيتها فوجدت السبيل إلى السعي لولدها فجعل تواصل زيارة ابنتها التي عقد لها الوالد مع أبن عمه الرئيس أبي الوليد أبن الرئيس أبي عبد الله المبايع له بأندروش أبن الرئيس أبي السعيد جدهم الذي تجمعهم جرثومته وشمر المهر المذكور عن ساعد عزمه وجده وهو على ما هو من الإقدام ومداخلة ذؤبان الرجال واستعان بمن آسفه الدولة وهفت به الأطماع فتألف منها زهاء مائة قصدوا جهة
стр. 195
من جهات القلعة متسنمين شفا صعب المرتقي واتخذوا آلة تدرك ذروته لصعود بنية كانت عن التمام وكسبوا حرسيا بأعلاه بما اقتضى صماته فاستووا به ونزلوا إلى القلعة سحر الليلة الثامنة والعشرين من شهر رمضان عام ستين وسبع مائة فاستظهروا بالمشاعل والصراخ وعالجوا دار الحاجب رضوان ففضوا أغلاقها ودخلوا فقتلوه بين أهله وولده وانتهبوا ما اشتملت عله داره وأسرعت طائفة مع الرئيس فاستخرجت الأمير المستقل إسماعيل وأركبته وقرعت الطبول ونودي بدعوته وقد كان أخوه السلطان متحولا بولده إلى سكنى الجنة المنسوبة إلى العريف لصق داره وهي المثل المضروب في الظل الممدودة والماء المسكوب والنسيم البليل يفصل بينها وبين معقل الملك السور المنيع والخندق المصنوع فما راعه إلاّ النداء والعجيج وأصوات الطبول وهب إلى الدخول إلى القلعة. فألفها قد أخذت دونه شعائها كلها ونقابها وقذفته الحراب ورشقته السهام فرجع أدراجه وسدده الله في مخل الحيرة ودس له عرق الفحول من قومه فامتطى صهوة فرس كان مرتبطا عنده وصار لوجهه فأعيا المتبع وصبح مدينة وادي آش ولم يشعر حافظ قصبتها إلاّ به وقد تولج عليها فالتف بها أهلها وأعطوه صفتهم بالذب عنه فكان أملك بها وتجهزت الحشود إلى منازلته وقد جدد
стр. 196
أخوه المتغلب على ملكه عقد السلم مع طاغية قشتالة باحتياجه إلى سلم المسلمين لجراء فتنة بينه وبين البرجلونيين من أمته واغتبط به أهل المدينة فذبوا عنه ورضوا بهلاك عمتهم دونه واستمرت الحال إلى يوم عيد النحر من عام التاريخ ووصله رسول صاحب المغرب مستنزلا منها ومستدعيا إلى حضرته لمّا عز عن إمساكها. وراسل ملك الروم فلم يجد عند من معول فانصرف ثانية يوم عيد النحر المذكور وتبعه الجمع الوافر من أهل المدينة خيلا ورجالا إلى مربلة من ساحل إجازته. وكان وصوله إلى مدينة فاس مصحبا من البر والكرامة بما لا مزيد عله في السادس من شهر محرم فاتح عام واحد وستين وسبع مائة وركب السلطان للقائه ونزل إليه عند ما سلم عليه وبالغ في الحفاية به.
وكانت قد لحق به مفلتا من شرك النكبة التي استأصلت المال وأوهمت سوء الحال بشفاعة السلطان أبي سالم قدس الله روحه فقمت بين يديه في المحفل المشهود يومئذ وأنشدته:
سلا هل لديها من مخبرة ذكر ... وهل أعشب الوادي ونم به الزهر
وهل باكر الوسمي دارا على اللوى ... عفت آيها إلاّ التوهم والذكر
بلادي التي عاطيت مشمولة الهوى ... بأكنافها والعيش فينان مخضر
وجوى الذي ربي جناحي وكره ... فها أنا ذا مالي جناح ولا وكر
стр. 197
نبت بي لاعن جفوة وملالة ... ولا نسخ الوصل الهني بها هجر
ولكني الدنيا قليل متاعها ... ولذاتها دأبا تزور وتزور
فمن لي بقرب العهد منها ودونها ... مدى طال حتى يومه عندنا شهر
ولله علينا من رآنا وللأسى ضرام له في كل جارحة جمر
وقد بددت در الدموع يد النوى ... وللشوق أَشجان يضيق لها الصدر
بكينا على نهر الشروب عشية ... فعاد أجاجا بعدنا ذلك النهر
أقول لأظعاني وقد غالها السرى ... وآنسها الحادي وأوحشها الزجر
رويدك بعد العسر يسر أنَّ أبشري ... بأنجاز وعد الله قد ذهب العسر
ولله فينا سر غيب ربما ... أتى النفع من حال أريد بها الضر
وإنَّ تخن الأيام لم تخن النهى ... وإنَّ يخذل الأقوام لم يخذل الصبر
وإنَّ عركت مني الحظوب مجربا ... نقابا تساوى عنده الحلو والمر
فقد عجمت عوداً صليبا على الردى ... وعزما كما تمضي المهندة البتر
إذا أنت بالبيضاء قررت منزلي ... فلا اللحم حل ما حييت ولا الظهر
زجرنا بإبراهيم برء همومنا ... فلما رأينا وجهه صدق الزجر
بمنتخب من آل يعقوب كلما ... دجا الخطب لم يكذب لعزمته فجر
تناقلت الركبان طيب حديثه ... فلما رأته صدق الخبر الخبرَ
ندى لو حواه البحر لذ مذاقه ... ولم مده أبداً جزر
стр. 198
وبأس غدا يرتاع من خوفه الردى ... وترفل في أثوابه الفتكه البكر
أطاعته حتى العصم في قنن الربا ... وهشت إلى تأميله الأنجم الزهر
قصدناك يا خير الملوك على النوى ... لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر
كففنا بك الأيام عن غوائلها ... وقد رابنا منها التعسف والكبر
وعذنا بذاك المجد فانصرم الردى ... ولذنا بذاك العز فانهزم الذعر
ولمّا أتينا البحر يرهب موجه ... ذكرنا نداك الغمر فاحتقر البحر
خلافتك العظمى ومن لم يدن بها ... فإيمانه لغو وعرفانه نكر
ووصفك يهدي المدح قصد صوابه ... إذا ضل في أوصاف من دونك الشعر
دعتك قلوب المؤمنين واخلصت ... وقد طاب منها السر لله والهجر
ومدت إلى الله الأكف ضراعة ... فقال لهن الله قد قضى الأمر
وألبسها النعمى ببيعتك التي ... لها الطائر الميمون والمحتد الحر
فأصبح ثغر الثغر بيسم ضاحكا ... وقد كان مما نابه ليس يفتر
وأمنت بالسلم البلاد وأهلها ... فلا ظبة تعرى ولا روعة تعرو
وقد كان مولانا أبوك مصرحا ... بأنك في أبنائه الولد البر
وكنت خليقاً بالإمارة بعده ... على الفور لكن كل شيء له قدر
وأوحشت من دار الخلافة هالة ... أقامت زمانا لا يلوح بها البدر
فرد عليك الله حقك إذ قضى ... بأن تشمل النعمى وينسدل الستر
وقاد إليك الملك رفقا بخلقه ... وقد عدموا ركن الإمامة واضطروا
стр. 199
وزادك بالتمحيص عزا ورفعةً ... وأجرا ولولا السبك ما عرف التبر
وأنت الذي تدعى إذا دهم الردى ... وأنت الذي ترجى إذا أخلف القطر
وأنت إذا جار الزمان محكم ... لك النقض والإبرام والنهى والأمر
وهذا أبن نصر قد أتى وجناحه ... مهيض ومن علياك يلتمس الجبر
غريب يرجى منك ما أنت أهله ... فإنَّ كنت تبغي الفخر قد جاءك الفخر
ففز يا أمير المسلمين ببيعة ... موثقة قد حل عروقها الغدر
ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعا ... بيا لمرين جاءه العز والنصر
وخذ يا إمام الحق بالحق ثأره ... ففي ضمن ما تأتى به العز والأجر
وأنت لها يا ناصر الحق فلتقم ... بحق فما زيد يرجى ولا عمرو
فإنَّ قيل مال مالك الدهر وافر ... وإنَّ قيل جيش عندك العسكر المجر
يكف باب العادي ويحيا الهدى ويبني بك الإسلام ما هدم الكفر
أعده إلى أوطانه عنك راضياً ... وطوقه نعماك التي مالها حصر
وعاجل قلوب الناس فيه بجبرها ... فقد صدهم عنه التغلب والقهر
وهم يرقبون الفعل منك وصفقة ... تحاولها يمناك ما بعدها خسر
مرامك سهل لا تؤودك كلفة ... سوى ما إنَّ له في العلا خطر
وما العمر إلاّ زينة مستعارة ... ترد ولكن الثناء هو العمر
ومن باع ما يفني باق مخلد ... فقد انجح المسعى وقد ربح التجر
стр. 200
ومن دون ما تبغيه يا ملك الهدى ... جياد المذكى والمحجلة الغر
وراد وشقر واضحات شياتها ... فأجسامها تبر وأرجلها در
وشهب إذا ما ضمرت يوم غارةٍ ... مطهمة غارت بها الأنجم الزهر
وأسد رجال من مرين مخيفة ... عمائمها بيض وآسالها سمر
عليها من الماذى كل مفاضة ... تدافع في أعطافها اللجج الخضر
هم القوم إنَّ هبوا لكشف ملمة ... فلا الملتقى صب ولا المرتقى وعر
إذا سئلوا أعطوا وإنَّ نوزعوا سطوا ... وإنَّ واعدوا وفوا وإنَّ عاهدوا بروا
وإنَّ مدحوا أهتزوا ارتياحا كأنهم ... نشاوى تمشت في معاطفهم خمر
وإنَّ سمعوا العوراء فروا بأنفس ... حرام على هماتها في الوغى الفر
وتبسم ما بين الوشيج ثغورهم ... وما بين قضب الدوح يبتسم الزهر
أمولاي غاضت فكرتي وتبدلت ... طباعي فلا طبع يعين ولا فكر
ولولا حنان منك داركتني به ... وأحييتني لم تبق عين ولا أثر
فأوجدت مني فائتاً أي فائت ... وأنشرت ميتا ضم أشلاءه قبر
بدأت بفضل لم أكن لعظيمة ... بأهل فجل اللطف وانفرج الصدر
وطوقتني النعمى المضاعفة التي ... يقل عليها مني الحمد والشكر
وأنت بتتميم الصنائع كافل ... إلى أنَّ يعود الجاه والعز والوفر
جزاك الذي أسنى مقامك عصمة يفك بها عانٍ وينعش مضطر
إذا نحن أثنينا عليك بمدحة ... فهيهات يحصى الرمل أو يحصر القطر
ولكننا نأتى بما نستطيعه ومن بذل المجهود حق له العذر
стр. 201
فلا تسأل عن امتعاض وانتقاض، وسداد أنحاء في التأثر لنا وأغراض، والله غالب على أمره.
وفي صبيحة يوم السبت السابع عشر من شهر شوال عام اثنين وستين وسبع مائة كان انصرافه إلى الأندلس، وقد ألح صاحب قشتالة في طلبه، وترجح الرأي على قصده، فقعد السلطان بقبة العرض من جنة المصارة، وبرز الناس وقد أسمعهم البيرح، واستحضرت البنود، والطبول والآلة، وألبس خلعة الملك، وقيدت له مراكبه فاستقل، وقد التف عليه كل من جلا عن الأندلس من لدن الكائنة في جملة كثيفة، ورئي من رقة الناس وإجهاشهم وعلو أصواتهم بالدعاء ما قدم به العهد، إذ كان مظنة ذلك سكوناً وعطافاً وقربا، قد ظله الله بوارق الرحمة، وعطف عليه وشاج المحبة، إلى كونه مظلوم العقد، منزع الحق، فتبعته الخواطر وحميت عليه الأنفس، وانصرف لوجهته؛ وهو الآن برندة مستقل بها وبجهاتها، ومقتنع برسم سلطانها وقد قام له برسم الوزارة الشيخ القائد أبو الحسن علي بن يوسف بن كماشة الحضرمي، وبكتابه الفقيه أبو عبد الله بن زمرك، وقد استفاض عنه الحزم والتدرب والتيقظ للأمور والمعرفة بوجوه المصالح ما لا ينكر، كان الله له ولنا بفضله. انتهى كلام أبن الخطيب في اللمحة البدرية.
стр. 202
وقد عرفت أنّه في ذلك التاريخ لم يكن دخل السلطان غرناطة، ولم يلحق به أبن الخطيب حتى دخلها.
وقد ذكر ولي الدين بن خلدون هذه الواقعة في تاريخه الكبير وأحسن سردها فقال في ترجمة أيام السلطان أبي سالم ما نصه: الخبر عن خلع أبن الأحمر صاحب غرناطة ومقتل رضوان ومقدمه على السلطان لمّا هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبع مائة ونصب ابنه محمّد للأمر واستبد عليه رضوان مولى أبيه وكان قد رشح ابنه الأصغر إسماعيل بما ألقى عليه وعلى أمه من محبته فلما عدلوا بالأمر عنه حجبوه ببعض قصورهم وكان له صهرا من أبن عمه إسماعيل بن الرئيس أبي سعيد فكان يدعوه سرا إلى القيام بأمره حتى أمكنته فرصة في الدولة بخروج السلطان إلى بعض متنزهاته برياضه فصعد سور الحمراء ليلة سبع وعشرين لرمضان من سنة ستين في بعض أوشاب جمعهم من الطغام وعمد إلى دار الحاجب رضوان فاقتحم عليه الدار وقتله بين حرمه وبناته وقربوا إلى إسماعيل فرسه فركب فأدخلوه القصر وأعلنوا بيعته وقرعوا طبولهم بسور الحمراء وفر السلطان من مكانه بمتنزهه فلحق بوادي آش وغدا الخاصة والعامة على إسماعيل فبايعوه واستند على هذا الرئيس أبن عمه فخلعه لأشهر من بيعته واستقل
стр. 203
بسلطان الأندلس. ولمّا لحق السلطان أبو عبد الله محمّد بوادي آش بعد مقتل حاجبه رضوان واتصل الخبر بسلطان المولى أبي سالم امتعض لمهلك رضوان وخلع السلطان رعيا لمّا سلف له في جوارهم وأزعج لحينه أبا القاسم الشريف من أهل مجلسه لاستقدامه فوصل إلى الأندلس وعقد مع أهل الدولة على إجازة المخلوع من وادي أش إلى المغرب وأطلق من اعتقلهم الوزير الكاتب أبا عبد الله أبن الخطيب كانوا اعتقلوه لأول أمرهم لمّا كان رديفا للحاجب رضوان وركنا لدولة المخلوع فأوصى المولى أبو سالم إليهم بإطلاقه فأطلقوه ولحق مع الرسول أبي القاسم الشريف بسلطانه المخلوع بوادي آش للإجازة إلى المغرب وأجاز لذي القعدة من سنته وقدم على السلطان بفاس وأجل قدومه وركب للقائه ودخل به إلى مجلس ملكه وقد احتفل ترتيبه وغص بالمشيخة والعلية ووقف وزيره أبن الخطيب فأنشد السلطان قصيدته الرائية يستصرخه لسلطانه ويستحثه لمظاهرته على أمره واستعطف واسترحم بما أبكى الناس شفقة له ورحمة.
ثم سرد ولي الدين بن خلدون القصيدة التي قدمنا ذكرها إلى آخرها قال: ثم انفض المجلس وانصرف أبن الأحمر إلى نزله وقد فرشت له القصور وقربت الجياد بالمراكب الذهبية وبعث إليه بالكسى الفاخرة ورتبت الجرايات له ولمواليه من المعلوجي وبطانته من الصنائع وحفظ عليه رسم سلطانه في الراكب والراجل ولم يفقد من ألقاب ملكه إلاّ الآلة
стр. 204
أدبا مع السلطان واستقر في جملته إلى أن كان من لحاقه بالأندلس وارتجاع ملكه سنة ثلاث وستين ما نحن نذكره.
انتهى كلام أبن خلدون وفيه بعض مخالفة يسيرة لكلام أبن الخطيب في اللمحة البدرية.
ولا بد أن نسرد كلام أبن خلدون في شأن أبن الخطيب إذ ذكره في ترجمة السلطان أبي الفارس أبن السلطان أبي الحسن المريني بما نصه: الخبر عن قدوم الوزير أبن الخطيب على السلطان بتلمستان نازعا إليه عن سلطانه أبن الأحمر صاحب الأندلس أصل هذا الرجل من لوشة على مرحلة من غرناطة في الشمال من البسيط الذي فيه ساحاتها المسمى بالمرج على وادي شنجيل ويقال شنبيل المخترق في ذلك البسيط من الجنوب إلى الشمال كان بها له سلف معدود في وزرائها وانتقل أبوه عبد الله إلى غرناطة واستخدم لملوك بني الأحمر واستعمل على مخازن الطعام ونشأ ابنه محمّد بغرناطة وقرأ وتأدب على مشيختها واختص بصحبة الحكيم المشهور يحيى بن هذيل وأخذ عنه العلوم الفلسفية وبرز في الطب وانتحل الأدب وأخذ عن أشياخها وامتلأ حوض السلطان من نظمه
стр. 205
ونثره مع انتقاء الجيد منه ونبغ في الشعر والترسيل بحيث لا يجاري فيهما وامتدح السلطان أبا الحجاج من ملوك بني الأحمر لعصره وملأ الدنيا بمدائحه وانتشرت في الآفاق فرقاه السلطان إلى خدمته وأثبته في ديوان الكتاب ببابه مرؤوسا بأبي الحسن بن الجياد شيخ العدوتين في النظم والنثر وسائر العلوم الأدبية وكاتب السلطان بغرناطة من لدن أيام محمّد المخلوع من سلفه عندما قتل وزيره محمّد بن الحكيم المستبد عليه كما مر في أخبارهم. فاستبد أبن الجياد برياسة الكتاب من يومئذ إلى أن هلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبع مائة فولى السلطان أبو الحجاج يومئذ محمّد أبن الخطيب رياس الكتاب ببابه مثناة بالوزارة ولقبه بها فاستقل بذلك وصدرت عنه غرائب من الترسيل في مكاتبات جيرانهم من ملوك العدوة ثم دخله السلطان في تولية العمال على يده بالمشارطات فجمع له بها أموالا وبلغ به في المغالطة إلى حيث لم يبلغ بأحد ممن قبله وسفر عنه إلى السلطان أبي عنان ملك بني مرين بالعداوة معزيا بأبيه السلطان أبي الحسن فجلى في أغراض سفارته. ثم هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين عدا عليه بعض الزعانف يوم الفطر بالمسجد في سجوده للصلاة وطعنه فأشواه وفاظ لوقته وتعاورت سيوف الموالي المعلوجي هذا القاتل فمزقوه أشلاء
стр. 206
وبويع ابنه محمّد بالأمر لوقته وقام بأمره مولاهم رضوان الراسخ القدم في قيادة عساكرهم وكفالة الأصاغر من ملوكهم واستبد بالدولة وأفرد أبن الخطيب بوزارته. كما كان لأبيه واتخذ لكتابته غيره وجعل أبن الخطيب رديفا له في أمره ومشاركا في استبداده معه فجرت الدولة على أحسن حال وأقوم طريقة ثم بعثوا الوزير أبن الخطيب سفيرا إلى السلطان أبي عنان مستمدين له على عدوهم الطاغية على عادتهم مع سلفه فلما قدم على السلطان ومثل بين يديه تقدم الوفد الذين معه من وزراء الأندلس وفقهائها واستأذنه في إنشاد شعره قدمه بين يدي نجواه فأذن له وأنشد وهو قائم:
خليفة الله ساعد القدر ... علاك ما لاح في الدجى قمر
ودافعت عنك كف قدرته ... ما ليس يستطيع دفعه البشر
وجهك في النائبات بدر ذجي ... لنا وفي المحل كفك المطر
والناس طرا بأرض أندلس ... لولاك ما أوطنوا ولا عمروا
وجملة الأمر أنّه وطن ... في غير علياك ما له وطر
ومن به مذ وصلت حبلهم ... ما جحدوا نعمة ولا كفروا
وقد أهمتهم بأنفسهم ... فوجهوني إليك وانتظروا
فاهتز السلطان لهذه الأبيات وأذن له في الجلوس وقال له قبل أن يجلس
стр. 207
ما ترجع إليهم إلاّ بجميع طلباتهم ثم أثقل كاهلهم بالإحسان وردهم بجميع ما طلبوه. وقال شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف وكان معه في ذلك الوفد: لم نسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلاّ هذا.
ومكثت دولتهم هذه بالأندلس خمس سنين ثم ثار بهم محمّد الرئيس أبن عم السلطان شركه في جده الرئيس أبي سعيد وتحين خروج السلطان إلى متنزهه خارج الحمراء وتسوروا دار الملك المعروفة بالحمراء وكبس رضوان في بيته فقتله ونصب للملك إسماعيل أبي الحجاج بما كان صهره على شقيقته وكان معتقلا بالحمراء فأخرجه وبايع له وقام بأمره مستبدا عليه وأحس السلطان محمّد بقرع الطبول وهو بالبستان فركب ناجيا إلى وادي آش وضبطها بالخبر إلى السلطان أبي سالم إثر ما استولى على ملك آبائه بالمغرب وقد كان مثواه أيام أخيه أبي عنان عندهم بالأندلس واعتقل الرئيس القائم بالدولة هذا الوزير أبن الخطيب وضيق عليه في محسبه وكانت بينه وبين الخطيب أبن مرزوق مودة استحكمت أيام مقامعه بالأندلس وكان غالبا على هوى السلطان أبي سالم فزين له استدعاء هذا السلطان المخلوع من وادي آش يعده زبونا على أهل الأندلس ويكف به عادية القرابة المرشحين هناك متى طمحوا إلى ملك المغرب فقبل ذلك منه وخاطب أهل الأندلس في تسهيل طريقه من وادي آش إليه وبعث من أهل مجلسه الشريف أبا القاسم التلمساني وحمله مع ذلك الشفاعة في أبن الخطيب وحل معتقله فأطلق وصحب الشريف أبا القاسم إلى وادي آش وسار في ركاب سلطانه وقدموا على
стр. 208
السلطان أبي سالم فهتز لقدوم أبي الأحمر وركب في الموكب لتلقيه وأجلسه إزاء كرسيه وأنشد أبن الخطيب قصيدته كما مر يستصرخ السلطان لنصره فوعده وكان يوما مشهودا وقد مر ذكره ثم أكرم مثواه وأرغد نزله ووفر أرزاق القادمين في ركابه وأرغد عيش أبن الخطيب في الجراية والإقطاع. ثم استأنس واستأذن السلطان في التجوال بجبهات مراكش والوقوف على آثر الملك بها فأذن له وكتب إلى العمال بإتحافه فتباروا في ذلك وحصل منه على حظ وعندما مر بسلا إثر قفوله من سفره دخل مقبرة الملوك بشالة ووقف على قبر السلطان أبي الحسن وأنشد قصيدته على روي الراء الموصولة يرثيه ويستجير به في استرجاع ضياعه بغرناطة مطلعها:
إن بان منزله وشطت داره ... قامتمقام عيانه أخباره
قسم زمانك عبرة أو عبرة ... هذا ثراه وهذه آثاره
فكتب السلطان أبو سالم في ذلك إلى أهل الأندلس بالشفاعة فشفعوه واستقر هو بسلا منتبذا عن سلطانه طول مقامه بالعدوة. ثم عاد السلطان محمّد المخلوع إلى ملكه بالأندلس سنة ثلاثة وستين وبعث عن مخلفه بفاس من الأهل والوالد والقائم بالدولة يومئذ عمر بن عبد الله بن علي فاستقدم أبن الخطيب من سلا وبعثهم لنظره فسر السلطان لقدومه ورده إلى منزلته كما كان مع رضوان كفله وكان عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة وأبن أشياخهم قد لحق بالطاغية في ركب أبيه عندما أحس بالشر من الرئيس
стр. 209
صاحب غرناطة وأجاز يحيى من هنالك إلى العداوة وأقام عثمان بدار الحرب فصحب السلطان في مثوى اغترابه هنالك وتقلب في مذاهب خدمته وانحرفوا عن الطاغية بعد ما يئسوا من الفتح على يده فتحولوا عنه إلى ثغور بلادهم وخاطبوا الوزير عمر بن هب في أن يمكنهم من بعض الثغور الغريبة التي لطاغيتهم بالأندلس يرتقبون منها الفتح وخاطبني السلطان المخلوع في ذلك وكانت بيني وبين عمر بن عبد الله أذمة مرعية وخاصة متأكدة فوفيت للسلطان بذلك من عمر بن عبد الله وحملته على أن يرد عليه مدينة زندة إذ هي من تراث سلفه فقبل إشارتي في ذلك وتسوغها السلطان المخلوع ونزل بها وعثمان بن يحيى في جملته وهو المقدم في بطانته ثم غزوا منها مالقة فكانت ركابا للفتح وملكها السلطان واستولى بعدها على دار ملكه بغرناطة وعيمان بن يحيى متقدم القوم في الدولة عريق في المخالصة وله على السلطان دالة واستبداد على هواه. فلما وصل أبن الخطيب بأهل السلطان وولده وأعاده إلى مكنه في الدولة من علو يده وقبول اشارته أدركته الغيرة من عثمان ونكر على السلطان الأستكفاء به وأراه التخوف من هؤلاء الأعياض فحذره السلطان وأخذ في التدبير عليه حتى نكبه وأباه وإخوته في رمضان سنة أربع وستين وأودعهم المطبق ثم غربهم بعد ذلك وخلا لابن الخطيب
стр. 210
الجو وغلب على هوى السلطان ودفع إليه تدبير الدولة وخلط بنيه بندمائه ولعل خلوته وانفراد أبن الخطيب بالحل والعقد وانصرفت إليه الوجوه وعلقت به الآمال وغشى بابه الخاصة والكافة وغصت به بطانة السلطان وطشيته فتفننوا في السعايات فيه وقد صم السلطان عن قبولهم ونمى الخبر بذلك إلى أبن الخطيب فشمر عن ساعده في التفويض واستخدم للسلطان عبد العزيز أبن السلطان أبي الحسن ملك الغدوة يومئذ في القبض على أبن عمه عبد الرحمن أبن أبي يفلوس أبن السلطان أبي علي كانوا قد نصبوه شيخا على الأندلس لمّا أجاز من العدوة بعد ما جاس خلالها لطلب الملك وأضرم بها نار الفتنة في كل ناحية وأحسن دفاعه الوزير عمر بن عبد الله القائم يومئذ بدولة بني مرين فاضطر إلى الإجازة إلى الأندلس فأجاز هو ووزيره مسعود بن ماساي ونزلوا على السلطان المخلوع عام سبعة وستين فأكرم نزلهم وتوفى على بن بدر الدين شيخ الغزاة فقدم عبد الرحمن مكانه. وكان السلطان عبد العزيز قد استبد بملكه بعد مقتل الوزير عمر بن عبد الله غص بما فعله السلطان المخلوع من ذلك وتوقع انتقاض أمره منهم ووقف على مخاطبات من عبد الرحمن يسر بها في بني مرين فجزع لذلك وداخله أبن الخطيب في اعتقاله أبن يفلوسن وابن ماساي وإراحة نفسه من شغبهم على أن يكون له المكان من دولته متى نزع إليه فأجابه إلى ذلك وكتب له العهد بخطه على يد سفيره إلى الأندلس وكاتبه أبن يحيى بن أبي مدين وأغرى أبن الخطيب سلطانه بالقبض على أبن يفلوسن بن ماساي فقبض عليهم واعتقلهم وفي خلال ذلك استحكمت نفرة أبن الخطيب لمّا بلغه من البطانة
стр. 211
من القدح فيه والسعاية وربما تخيل السلطان مال إلى قبوله وأنهم قد أحفظوه عليه فأجمع التحول عن الأندلس إلى المغرب واستأذن السلطان في تفقد الثغور الغربية وسار إليها في لمة من فرسانه ومعه أبنه علي الذي كان خاصة للسلطان وذهب لطيته فلما حاذى جبل الفتح فرضة المجازة إلى العدوة مال إليه وسرح اذنه بين يديه فخرج قائد الجبل لتلقيه. وقد كان السلطان عبد العزيز أوعز إليه بذلك وجهز له الأسطول من حينه فأجاز إلى سبتة وتلقاه ولاتها بأنواع التكرمة وامتثال المراسم ثم سار لقصد السلطان فقدم عله سنة ثلاث وسبعين بمقامه تلمستان فهتزت له الدولة وأركب السلطان خاصته لتلقيه وأحله لمجلسه بمحل الأمن والغبطة ومن دولته بمكان التنويه والعز وأخرج لوقته كتابه أبا يحيى بن أبي مدين سفيرا إلى صاحب
الأندلس في أهله وولده فجاء بهم على أكمل حالت الأمن والتكرمة ثم أكثر المنافسون له في شأنه وأعزوا سلطانه بتتبع عثراته وإبداء ما كان كامنا في نفسه من سقطاته وإحصاء معايبه وشاع على ألسنة أعدائه كلمات منسوبة إلى الزندقة أحصوها عليه ونسبوها إليه ورفعت إلى قاضي الحضرة أبي الحسن بن الحسن فإسترعاها وسجل عليه بالزندقة وراجع صاحب الأندلس رأيه فيه وبعث القاضي أبن الحسن إلى السلطان عبد العزيز في الانتقام منه بتلك السجلات وإمضاء حكم الله فيه فصم على ذلك وأنف لذمته أن تخفر ولجواره أن يرد وقال لهم: هلا انتقمتم منه عندكم وانتم عالمون بما كان عليه وأما أنا فلا يخلص إليه بذلك أحد ما كان في جواري ثم وفر
стр. 212
الجراية والإقطاع له ولبنيه، ولمن جاء من أهل الأندلس في جملته. فلما هلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين، ورجع بنو مرين إلى المغرب، وتركوا تلمسان، سار هو في ركاب الوزير أبي بكر بن غازي، القائم، فنزل بفاس، واستكثر من شراء الضياع، وتأنق في بناء المساكن، واغتراس الجنات، وحفظ عليه القائم بالدولة الرسوم التي رسمها له السلطان المتوفى، واتصلت حاله على ذلك، إلى أنَّ ما نذكره.
انتهى كلام أبن خلدون وأكثره بلفظه.
قلت: وقد وقفت على كتاب القاضي أبي الحسن المذكور يخاطب به أبن الخطيب يعظه، ويشير إلى ما نشغل من البنيان، وفيه ما بين كلام أبن خلدون السابق وزيادة، وما يدل على ما ذكره أبن خلدون من أنّه سجل عليه بأمور منكرة، وعند الله تجتمع الخصوم، وقد أسقطت بعضه اختصاراً، ونص ما تعلق به الغرض قوله يخاطب الوزير أبن الخطيب: فشرعتم في الشراء، وتشديد البناء؛ وتركتم الاستعداد لهدام اللذات، هيهات هيهات؛ تبنون ما لا تسكنون مالا تأكلون، وتؤملون مالا تدركون؛ أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة، فأين المهرب مما هو كائن! ونحن إنّما نتقلب في قدرة الطالب، شرقتم أو غربتم، والأيام تتقاضى الدين، وتنادي بالنفس الفرارة إلى أين إلى أين! نترك الكلام مع الناقد فيما ارتكبه من تزكية نفسه، وعد ما جلبه من مناقبه، ما عدا ما هدد به من حديد لسانه، خشية اندراجه في نمط من قال فيه رسول الله) :
стр. 213
" إنَّ من شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه ". ولا غيبة فيمن ألقى جلباب الحياء عن وجهه؛ ونرحمه على ما أبداه وأهداه من العيوب التي نسبها لأخيه، واستراح على قوله بها فيه، ونذكره على طريقة نصيحة الدين، بالحديث الثابت في الصحيح عن رسول الله) ، وهو قوله: " أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع! فقال: إنَّ المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أنَّ يقضى مت عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار ". ويعلم الله أنَّ معنى هذا الحديث الثابت عن النذير الصادق، هو الذي حملني على نصحكم ومراجعتكم في كثير من الأمور، منها الإشارة عليكم بإذهاب عين ما كتبتم به في التاريخ وأمثاله، فإنكم نفعتم بما وقعتم فيه من الغيبة المحرمة أحياء وأمواتاً، لغير شيء حصل بيدكم، وضررتم نفسكم بما رتبتم من المطالبات بنص الكاتب والسنة قبلكم، والرضا بهذه الصفقة الخاسرة أمر بعيد من الدين والعقل. وقد قلت لكم غير ما مرة عن أطراسكم المسودة، بما دعوتم إليه من البدعة، والتلاعب بالشريعة: إنَّ حقها التخريق والتحريق، وإنَّ أطراها لكم فقد خدع نفسه وخدعكم، والله الشهيد بأني نصحتكم وما غششتكم، وليس هذا القول وإنَّ كان ثقيلا عليكم، بمخالف لمّا ذنبتم به من تقدم المواجهة بالملاطفة، والمعاملة بالمكارمة، فليست المداراة بقادحة في الدين، بل هي محمودة
стр. 214
وفي بعض الأحوال، مستحسنة على ما بينه من العلماء، إذ هي مقاربة في الكلام، أو مجاملة بأسباب الدنيا، لصلاحها أو صلاح الدين، وإنّما المذموم المداهنة، وهي بذل الدين لمجرد الدنيا به لتحصيلها؛ ومن خالط للضرورة مثلكم وزايله بأخلاقه، ونصحه مخاطبة ومكاتبة، واستدل له بكتاب الله وسنة رسول الله) على صحة مقالته، فقد سلم والحمد لله من مداهنته، وقام لله بما يجب عليه في حقكم من التحذير والإنكار، مع الإشفاق والوجل. وأكثرهم في كتابهم من المن بما ذكرتم أنكم صنعتم، وعلى تقدير الموافقة لكم، ليتكم فعلتم فسلمنا من المعرة وسلمتم، وجل القائل سبحانه:) قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (. وقلما شاركتم أنتم في شيء إلاّ بأعراض حاصلة في يدكم، أو لأغراض دنيوية خاصة بكم، فالملام إذاً في الحقيقة إنّما هو متوجه إليكم. وأما ما أظهرتم بمقتضى حركاتكم، من التندم على فراق محلكم، والتعلل بأخبار قطركم وأهلكم، فتناقص منكم، وإنَّ كنتم فيه بغدركم:
أتبكي على لبنى وأنت تركتها ... فكنت كآتٍ حتفه وهو طائع
وما كأنَّ ما منتك نفسك خاليا ... تلاقي ولا كل الهوى أنت تابع
فلا تبكين في إثر شيء ندامة ... إذا نزعته من يديك النوازع
стр. 215
وعلى أنَّ تأسفكم لمّا وقعتم فيه من الغدر لسلطانكم، والخروج لا لضرورة غالبة عن أوطانكم، من الواجب بكل اعتبار عليكم، سيما وقد مددتم إلى التمتع لغيرها عينيكم. ولو لم يكن لهذه الجزيرة الفريدة من الفضيلة إلاّ ما خصت به من بركة الرباط، ورحمة الجهاد، لكفاها فخراً على ما يجاورها من سائر البلاد، قال رسول الله) : " رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم سواه ". وقال ﵇: " الروحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خير من الدنيا وما فيها ". وعلى كل تقدير فإذا لم يكن يا أخي فراركم من الأندلس إلى الله وحده بالتوبة المكملة والاستغفار، مع الانقطاع في أحد المواطن المكرمة المعظمة بالإجماع، وهي طيبة أو مكة أو بيت المقدس، فقد خسرتم صفقة رحلتكم، وتبين أنَّ لغير وجه الله العظيم كانت نية هجرتكم؛ اللهم إلاّ إنَّ كنتم قد لاحظتم مسألة الرجل الذي قتل مائة نفس، وسأل أعلم أهل الأرض، فأشار عليه بعد إزماع التوبة بمفارقة المواطن التي ارتكب فيها الذنوب، وأكتسب بها العيوب؛ فأمر آخر، مع أنَّ كلام العلماء في هذا الحديث معروف؛ ويقال لكم من الجواب الخاص بكم: فعليكم إذاً بترك القيل والقال، وكسر حربة الجدال والقتال، وقصر ما بقي من مدة العمر على الانشغال بصالح الأعمال. ووقعت في مكتوبكم كلمات اوردها النقد في قالب الاستهزاء والازدراء، والجهالة بمقادير الأشياء، منها: ريح صرصر، وهو لغة القرآن، وقاع قرقر: وهو لفظ سيد العرب والعجم محمّد) ، ثبت في الصحيح في باب التغليظ فيمن لا يؤدي زكاة ماله، " قيل: يا رسول الله، والبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقر ولا غنم
следующие страницы →