Полный текст (1 044 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
بي وتعينوني لخدمة هذا المولى وزيارته وتفقده ومدح النبي ﷺ ليلة المولد في جواره وبين يديه وهو غرض غريب مناسب لبركم به، إلى أن أحج بيت الله بعناية مقامكم وأعود داعيا مثنيا مستدعيا للشكر والثناء من أهل المشرق والمغرب وأتعوض من ذمتي بالأندلس ذمة بهذا الرباط المبارك يرثها ذريتي وقد ساومت في شيء من ذلك منتظر ثمنه مما يباع بالأندلس بشفاعتكم ولو ظننت أنهم يتوقفون لكم في مثل هذا أو يتوقع فيه وحشة أو جفاء والله ما طلبته لكنكم أسرى وأفضل وانقطاعي أيضاً لوالدكم مما لا يسع مجدكم إلاّ عمل ما يليق بكم فيه وهاأنا أرقب جوابكم بما لي عندكم بما لي عندكم من القبول ويسعني مجدكم في الطلب وخروج الرسول لاقتضاء هذا الغرض والله يطلع من مولاي على ما يليق به. والسلام.
وكتبه في الحادي عشر من رجب عام أحد وستين وسبع مائة.
وفي مدرج الكتاب بعد نثر هذه القصيدة:
مولاي هاأنا في جوار أبيكا ... فابذل من البر المقدر فيكا
أسمعه ما يرضيه من تحت الثرى ... والله يسمعك الذي يرضيكا
واجعل رضاه إذا نهدت كتيبة ... تهدي إليك النصر أو تهديكا
واجبر لجبري قلبة تنل المنى ... وتطالع الفتح المبين وشيكا
فهو الذي سن البرور بأمه ... وأبيه فاشرع شرعه لبنيكا
وابعث رسولك منذرا ومحذرا ... وبما تؤمل نيله يأتيكا
قد هز عزمك كل قطر نازح ... وأخاف مملوكا به ومليكا
فإذا سموت إلى مرام شاسع ... فغضونه ثمر المنى تنجيكا
ضمنت رجال الله منك مطالبي ... لمّا جعلتك في الثواب شريكا
стр. 282
فلئن كفيت وجوهها في مقصدي ... ورعيتها بركاتها تكفيكا
وإذا قضيت حوائجي وأريتني ... أملي فربك ما أردت يريكا
واشدد على قولي يدا فهو الذي ... برهانه لا يقبل التشكيكا
لكن رأيت جناب شالة مغنما ... يضفي عليّ العز في ناديكا
وفروض حقك لا تفوت فوقها ... باق إذا استجزيته يجزيكا
ووعدتني وتكرر الوعد الذي ... أبت المكارم أن يكون لأفيكا
أضفى عليك الله ستر عناية ... من كل محذور الطرو يقيكا
ببقائك الدنيا تحاط وأهلها ... فالله ﷻ يبقيكا
ولمّا وصل هذا السلطان أبا سالم ﵀ راجعه بما نصه بعد البسملة والصلاة: من عبد الله المستعين بالله إبراهيم أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبن مولانا أمير الملمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي الحسن أبن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العلمين أبي سعيد أبن ملانا أمير المسامين المجاهد في سبيل رب العالمين يوسف بن يعقوب بن عبد الحق أيد الله أمره وأعز نصره إلى الشيخ الفقيه الأجل الأسنى الأعز الأحظى الأوجه الأنوه الصدر الأحفل المنصف البليغ الأعرف الكمل أبي عبد الله أبن الشيخ الأجل الأعز الأسنى الوزير الأرفع الأنجد الأصيل الأكمل المرحوم المبرور أبي محمد بن الخطيب وصل الله عزته ووالى نعمته.
стр. 283
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله تعالى والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمّد رسوله الكريم المصطفى والرضى عن آله وصحبه أعلام الإسلام وأئمة الرشد والهدى وصلة الدعاء لهذا الأمر العلي العزيز المنصور المستعين بالنصر الأعز والفتح الأسنى.
فإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم بلوغ الأمل ونجح القول والعمل من منزلنا الأسعد بضفة وادي ملوية يمنه الله وصنع الله جميل ومنه جزيل والحمد لله ولكم عندنا المكانة الواضحة الدلائل والعناية المتكلفة برعى الوسائل ذلكم لمّا تميزتم به من التمسك بالجناب العلي المولوي العلوي حدد الله عليه ملابس غفرانه وسقاه غيوث رحمته وحنانه وبما أهديتم إلينا من التقرب لدينا بخدمة ثراه الطاهر والاشتمال بمطارف حرمته السامية المظاهر وإلى هذا وصل الله حظوتكم ووالي رفعتكم فإنه ورد علينا خطابكم الحسن عندنا قصده المقابل بالإسعاف المستعذب ورده فوقفنا على ما نصه واستوفينا ما شرحه وقصه فآثرنا تلطفكم في التوسل بأكبر الوسائل إلينا ورعينا أكمل الرعية حق ذلكم الجناب العزيز علينا وفي الحين عينا لكمال مطلبكم وتمام مأربكم والتوجه بخطابنا في حقكم والاعتمال بوفقكم خديمينا أبا البقاء بن تاشكورت وأبا زكريا بن فرقاجة أنجدهما الله وتولاهما وأمس تاريخه انفصلا مودعين إلى الغرض المعلوم بعد التأكيد عليهما فيه وشرح العمل الذي يوفيه فكونوا على علم من ذلكم وابسطوا له جملة آمالهم وإنا لنرجو ثواب الله في جبر أحوالكم وبرء اعتلالكم والله سبحانه يصل
стр. 284
مبرتكم ويتولى تكرمتكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتب في الرابع والعشرين لرجب عام واحد وستين وسبع مائة.
فراجعه أبن الخطيب بما نصه: مولاي خليفة الله بحق وكبير ملوك الأرض عن حجة ومعدن الشفقة والرحمة ببرهان وحكمة أبقاكم الله عالي الدرجة في المنعمين وافر الحظ عند جزاء المحسنين وأراكم ثمرة بر أبيكم في البنين وصنع لكم في عدوكم الصنع الذي لا يقف عند معتاد وأذاق العذاب الآليم من أراد في مثابتكم بإلحاد.
عبدكم الذي ملكتم رقه وآويتم غربته وسترتم أهله وولده وأسنيتم رزقه وجبرتم قلبه يقبل موطئ الأخمص الكريم من رجلكم الطاهرة المستوجبة بفضل الله لموقف النصر الفارعة هضبة العز المعمولة الخطو في مجال السعد ومسير الحظ أبن الخطيب من شاله التي توكد بملككم الرضي احترامها وتجدد برعيكم عهدها واستبشر بملككم دفينها وأشرق بحسناتكم نورها وقد ورد على العبد الجواب المولوي البر الرحيم المنعم المحسن بما يليق بالملك الأصيل والقدر الرفيع والهمة السامية والعزة القعساء من رعي الدخيل والنصرة للذمام والاهتزاز لبر الأب الكريم فثاب الرجاء وانبعث الأمل وقوى العضد وزار اللطف فالحمد لله الذي أجرى الخير على يدكم الكريمة وأعانكم على رعي ذمام الصالحين المتوسل إليكم أولا بقبورهم
стр. 285
ومتعبداتهم وتراب أجدادهم ثم بقبر مولاي ومولاكم ومولى الخلق أجمعين الذي تسبب في وجودكم واختصكم بحبه وغمركم بلطفه وحنانه وعلمكم آداب الشريعة وأورثكم ملك الدنيا وهيأتكم دعوته بالاستقامة إلى ملك الآخرة بعد طول المدى وانفساح البقاء وفي علومكم المقدسة ما تضمنت الحكايات عن العرب من النضرة عن طائر داست أفراخه ناقة في جوار رئيس منهم وما انتهى إليه الامتعاض لذلك مما أهينت فيه الأنفس وهلكت الأموال وقصارى من امتعض لذلك أن يكون كبعض خدامكم من عرب تامسان فما الظن بكم وأنتم الكريم أبن الكريم أبن الكريم فيمن لجأ أولا إلى حماكم بالأهل والوالد عن حسنة تبرعتم بها وصدقة حملتكم الحرية على بذلها ثم فيمن حط رحل الاستجارة بضريح أكرم الخلق عليكم دامع العين خافق القلب دامي القرحة يتغطى بردائه ويستجير بعليائه كأني تراميت عليه في الحياة أمام الذعر الذي يذهل العقل ويحجب عن التمييز بقصر داره ومضجع رقاده ما من يوم إلاّ وأجهر بعد التلاوة: يا ليعقوب باب الرجل لمرين نسأل الله إلاّ يقطع عني معروفكم ولا يسلبني عنايتكم ويستعملني ما بقيت في خدمتكم ويتقبل دعائي فيكم ولحين وصول الجواب الكريم نهضت إلى القبر المقدس ووضعته بإزائه وقلت: يا مولاي يا كبير الملوك وخليفة الله وبركة بني مرين صاحب الشهرة والذكر في المشرق والمغرب عبدك المنقطع إليك المترامي بين يدي قبرك المتوسل إلى الله ثم إلى ولدك بك أبن الخطيب وصله من مولاه ولدك ما يليق بمقامه من رعى وجهك والتقرب إلى الله برعيك والاشتهار في مشرق الدنيا ومغربها ببرك وانتم من
стр. 286
أنتم من إذا صنع صنيعة كملها وإذا بدا منة تممها انتم من إذا صنع صنيعة كملها وإذا بدا منة تممها وإذا أسدى يدا أبرزها طاهرة بيضاء غير معيبة ولا ممنونة ولا منتقصة وأنا تحت ذيل حرمتك وظل دخيلك حتى يتم أملي ويخلص قصدي وتحف نعمتك بي ويطمئن إلى مأمنك قلبي.
ثم قلت للطالبة: أيّها السادة بيني وبينكم تلاوة كتاب الله منذ أيام ومناسبة النحل وأخوة التألف بهذا الربط المقدس والسكنى بين أظهركم فأمنوا على دعائي بإخلاص من قلوبكم واندفعت في الدعاء والتوسل الذي نرجو أن يتقبله الله ولا يضيعه وخاطب مولاه شاكرا لنعمته مشيدا بصنيعته مسرورا بقبوله وشأنه من التعلق والتطارح شأنه حتى يكمل القصد ويتم الغرض معمور الوقت بخدمة يرفعها ودعاء يردده والله المستعان.
وفي يوم الخميس سابع عشر من شعبان من العام المؤرخ ورد كتاب فتح تلمستان فأصدر أبن الخطيب إلى باب السلطان أبي سالم ما نصه: مولاي فتاح الأقطار والأمصار فائدة الزمان والأعصار أثير هبات الله الآمنة من الاعتصار قدوة الأيدي والأبصار ناصر الحق عند قعود الأنصار وهي طويلة انظرها في الريحانة وبعدها قصيدة بديعة مطلعها:
أطاع لساني في مديحك إحساني ... وقد لهجت نفسي بفتح تلمستان
ومن مخاطباته للحاجب أبن مرزوق: سيدي بل مالكي بل شافعي ومنتشلي من الهفوة ورافعي وعاصمي عند تجويد حروف الصنائع ونافعي الذي بجاهه أجزلت المنازل قراى وفضلت أولاي والمنة لله أخراى وأصبحت وقول الحسن هجيراي:
стр. 287
علقت بحبل من حبال محمّد ... أمنت به من طارق الحدثان
تغطيت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني
وصلت مكناسة حرسها الله تعالى تحت غيث حذاني حذو نداك وسحائب لولا الخصال المبرة قلت يداك وكأن الوطن لاغتباطه بجواري وما رآه من انتياب زواري وأوعز إلى بهت يقطع الطريق وأطلق يده على التغريق وأشرق القوافل مع كثرة الماء بالريق فلم يسع إلاّ المقام أياما قعودا في البر وقياما واختيارا لضروب الأنس واعتياما ورأيت بلدة معارفها أعلام وهواؤها برد سلام ومحاسنها تعمل فيها ألسنة وأقلام فحيا الله سيدي فلكم من فضل أفاد وأنس أحاء وقد باد وحفظ منه على الأيام الذخر والعتاد كما ملكه زمام الكمال فاقتاد وأنا أتارح عليه في صلة تفقده وموالاة يده بأن يسهمني في فرض مخاطبتها مهما خاطب معتبرا من هذه الجهات ويصحبني من مناصحته بكئوس مسرة يعمل فيها هاك وهات فالعز بعزه معقود والسعد بوجوده موجود ومنهل السرور بسرور مورود والله يبقيه ببقاء الدهر ويجعل حبه وظيفة السر وحمده وظيفة الجهر ويحفظ على الأيام من زمنه زين الدهر ويصل لنا تحت إيالته العام بالعام والشهر بالشهر آمين آمين. انتهى.
وقال ﵀: حضرت يوما بين يدي السلطان أبي عنان في بعض وافاداتي عليه لغرض الرسالة وجرى ذكر بعض أعدائه فقلت ما اعتقده في اطراء ذلك العدو وما عرفته من فضله وأنكر على بعض الحاضرين ممن لا يحطب إلاّ في حبل السلطان فصرفت وجهي وقلت: أيدكم الله تحقير عدو السلطان بين يديه
стр. 288
ليس من السياسة في شيء بل غير ذلك أحق وأولى، فإن كان السلطان غالبا عدوه كان قد غلب غير حقير وهو الأولى بفخره، وجلالة قدره وإن لبه العدو لم يغلبه حقير فيكون أشد للحسرة وأوكد للفضيحة. فوافق ﵀ على ذلك واستحسنه وشكر عليه وخجل المعترض. انتهى.
ومن نظمه ﵀:
وكناسة جمعت بها زمر العدا ... فمدي بريدً فيه ألف بريد
من واصل للصوم لا لريلضة ... أو مدمن للجوع غير مريد
فإذا لكت طريقها متصوفا ... فابن السلوك بها على التجريد
ولمّا دخل ﵀ مدينة آنفي، ومر منها على دار عظيمة تنسب إلى والي جبايتها " عبو " من بني الترجمان قارون قومه، وغني صنفه قال:
قد مررنا بدار " عبو " الوالي ... وهي ثكلى تشكو صروف اللالي
أقصدت ربها الحوادث لمّا ... رشقته بصائبات نبال
كان بالأمس واليا مستطيلا ... وهو اليوم ما له من وال
ومن نظمه ﵀ في الشيخ أبن بطان الصنهاجي:
لله درك يا أبن بطان فما ... لشهير جودك في البسيطة جاحد
إن كان في الدنيا كريم واحد ... يزن الجميع فأنت ذاك الواحد
أجريت فضلك جعفرا يحيا به ... ما كان من مجد فذكرك خالد
وهي الليالي لا تزال صروفها ... يشقى بموقعها الكريم الماجد
وبمستعين الله يصلح منك ما ... قد كان أفسد الزمان الفاسد
стр. 289
وقال ﵀ وقد انتابه البرغوث:
زحفت إليَّ ركائب البرغوث ... نم الظلام بركبها المحثوث
بالحبة السوداء قابل مقدمي ... لله أي قرى أعد خبيث
كسحت بهن ذباب سرح تجلدي ... ليلا فحبل الصبر جد رثيث
إن صابرت نفسي أذاه تعبت ... أو صحت منه أنفت من تحنيثي
جيشان من ليل وبرغوث فهل ... جيش الصباح لصرختي بمغيث
ومن نظمه ﵀ في عثمان بن يحيى بن عمر بن روح:
أسمى ذي النورين وجهك في الوغى ... شمس الضحى حلت بليث عرين
إن تفخر بمرين أرض العدوة ال ... قصوى فانك أنت فخر مرين
وقال يخاطب الوالي محمد بن حسون بن أبي العلاء وصدر بها رسالة:
لم يبق لي جود اولاية حاجة ... في الأمن أو في الجاه أو في المال
بعد اللقاء أو لو الفضائل بغيتي ... وأريت هذا القصد شرط كمال
أجملته وتشوفت لبيانه ... همم فكنت مفسر الإجمال
وخصصت بالإلغاء غيرك غيرة ... وجعلت ذكرك شاهد الأعمال
أنسيت يا بن العلا قشب الملا ... وتركت أهل الأرض في أسمال
تثني عليك رعية آمالها ... في أن تفوز يداك بالآمال
стр. 290
أرعيتها هملا فلم يطرق لها ... بمنيع سورك طارق الإهمال
من كنت واليه تولته العلا ... ومن اطرحت فما له من والي
وقال ﵀ عند وقوفه على مراكش واعتباره بما صار إليه أمرها:
بلد قد غزاه صرف الليالي ... وأباح المصون منه مبيح
فالذي خر من بناه قتيل ... والذي خر منه بعض جريح
وكأن الذي يزور طبيب ... قد تأتى له بها التشريح
أعجبت منه أربع ورسوم ... كان قدما بها اللسان الفصيح
كم معان غابت بتلك المغاني ... وجمال أخفاه ذاك الضريح
وملوك تعبدوا الدهر لمّا ... أصبح الدهر وهو عبد صريح
دوخوا نازح البسيط حتى ... قال ما شاء ذابل وصفيح
حيث شبت لهم من البأس نار ... ثم هبت لهم من النصر ريح
أثر يندب المؤثر لمّا ... طال بعد الدو منه النزوح
ساكن الدار روحها كيف يبقى ... جسد بعد ما تولى الروح
وقال يخاطب عميد مراكش المتميز بالرأي والسياسة والهمة وإفاضة العدل وكف اليد والتجافي عن مال الجباية، عامر لن محمد بن علي بن الهنتاتي:
تقمل لي الأظعان والشوق في الحشى ... له الحكم يمضي بين ناه وآمر
إذا جبل التوحيد أصبحت فارعا ... فخيم قرير العين في دار عامر
стр. 291
وزر تربة المعلوم إن مزارها ... هو الحج يفضي نحوه كل ضامر
ستلقى بمثوى عامر بن محمد ... ثغور الأماني من ثنايا البشائر
ولله ما تبلوه من سعد وجهة ... ولله ما تلقاه من يمن طائر
وتستعمل الأمثال في الدهر منكما ... بخير مزور أو بأغبط زائر
أقول: عامر بن محمد هذا هو قريع هنتاتة وكانت له مع أبي الحسن المرني في الوفاء أحاديث صححت عند أبي عنان وغيره متاته ولم يزل في رياسته مدة أبي عنان ومن بعده من ملوك بني ورين إلى زمن أبي فارس عبد العزيز أبن أبي الحسن فنازله بجنوده، وحاصره بمعتقله حتى استولى عليه وقتله.
وقد ساق أمره أبي خلدون واستوفاه، ومنعنى من الإتيان به ما حصل من التطويل في هذه الترجمة، وقد أشار إليه أبن الأحمر في " نثير فرائد الجمان " عند ما ذكر الشريف الشبوكي ونصه: " صاحبنا الفقيه محمد بن يوسف بن أحمد بن محمد بن يوسف يكنى أبا عبد الله ويعرف بالشوكي، رأيته وصحبته، ونسبته حسبما نقلته من خطه على متن كتاب، وأخبرني هو به وسمعته أيضاً بفاس من بعض الناس وهو محمد أبن يوسف بن أحمد بن محمد بن يوسف بن عمران بن عبد الرحيم بن نوح بن شعيب بن علي بن أبي محمد بن حيان بن فضل بن طاهر بن مطهر بن حمود بن زياد إبن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، ويعرف بالشبوكي. وشبوكة: قرية بينها وبين مدينة فاس ثلاثة أميال؛ واخبرني أنَّ جده عبد الرحيم
стр. 292
أتى من المشرق إلى المغرب، واستوطن بشبوكة وهو شريف ويوسف أبوه كان ﵀ جميل الوجه جدا شاعرا مجيدا فقيها وبرز عدلا في سماط شهود فاس واستخدمه أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عنان المريني شاهد في دار صناعته وأحمد والد يوسف كان فقيها صوفيا ومحمّد والد أحمد كان فقيها صالحا ويوسف والد محمّد كان فقيها عالما صالحا مكاشفا مجاب الدعوة من أمل الطبقة العليا في الصلاح وأبو على الله كتب الوثيقة بشهود فاس.
حاله أكرمه الله:
هو فارس القريض وحامل لوائه الطويل العريض وله وجه وسيم وحياء جسيم وسمو همته لم يبلغ إنسان ولم ولم يسمع بمثلها في سالف الأزمان ويؤثر عزة نفسه على هواه ويختار مهيع السمو على ما ساه وأنشدني لنسه يمدح أمير المؤمنين أبا فارس عبد العزيز المريني بعد قتل لوزيره المتغلب على أمره عمر بن عبد الله بن علي الياباني وحرضه على قتال الشيخ أبي ثابت عامر بن محمّد بن علي الهنتاتي صاحب جبل هنتاتة من حوز مراكش حين خرج عليه به بالسلطان المعتمد على الله أبي الفضل محمّد بن أخي السلطان عبد العزيز هذا:
أبان في حبه ما قال عاذله ... دمع جرى فوق صفح الخد هامله
فبات من وطأة التفريق ذا وجل ... يستنجد الصبر عونا وهو خاذله
صب إذا ما بدا بالرقمتين له ... وميض برق الحمى هاجت بلابله
يبكي لمنزل أنس بان آهله ... وظاعن عنه عنه قد شطت منازله
يا حسن عصر بهم قضيته زمنا ... رقت حواشيه إذ رقت أصالته
стр. 293
كأن صوب دموعي بعد بعدهم ... سيب الملك إذا وافاه سائله
عبد العزيز الذي عزت بدولته ... مراتب الحق والتاحت دلائله
وأصبح الملك في أمن وفي دعة ... من الذي كان عالته غوائله
عادت بعيد لنا نضارته ... فعاد يافعا واشتد كاهله
كالروض باكره طل على ظمأ ... وجاده بعد ذلك الطل وابله
هو الإمام الذي من أم ساحته ... جادت عليه بجدواها أنامله
ومن تخلف جهلا عن إجابته ... سارت إليه على علم صواهله
قل للذي عنه أقضيته جرائمه ... وعقلته عن العليا معاقله
زر حضرة الملك الميمون طالعه ... تحظ بما أنت في دنياك آمله
فطبعه الصفح والمعروف شيمته ... والحلم والصون والتقوى شمائله
أبلغ جميع العدا أن سوف يشملهم ... من الظبي كل ماضي الحد فاصله
هذا المليك أتاهم في كتائبه ... لنسخ آجالهم تنضي رواجله
بكل خرق طويل الباع متئد ... مقصر عمر من تلقى مناصله
وجحفل فيه سمر الخط مشرعة ... قد حجبت أنجم الشعري قساطله
سيعلم الغمر عقبي ما جناه إذا ... كلت مواضيه وانفضت كلاكله
وحاط بالجبل البحر المحيط ولا ... حت فوق أرؤسهم منه جداوله
فانهض إليهم أمير المؤمنين فقد ... أعطيت كل المنى فيما تحاوله
من ذا ينازل جيشا أنت قائده ... يوم الكريمة أو من ذا يناضله
стр. 294
إلاّ ترى المارق الرعيد حين عتا ... وأضمر المكر صادته حبائله
ظن الضنين بأن يسمو ويعلو في ... دنيا سمت وعلت فيها بواطله
قادرته الصعاد الزرق منجدلا ... فوق الصعيد تناديه جنادله
دنياه تضحك من أحواله عجبا ... به وفي الحي تبكيه أرامله
فليهن دين الهدى من بعد مدته ... أن أنت يا ذا المحايا المطلق كافله
ينتصب قط في الدنيا لواء علا ... إلاّ ومن آل عبد الحق حامله
مولاي مولاي دم ما عشت مصطبا ... علا وفخرا عزا لا تزايله
إن سار جيشك فالتأكيد يقدمه النصر عاجله يقفوه آجله
انتهى كلام أبن الأحمر.
وأقارب هذا الشريف الشبوكي لم يزالوا إلى الآن ولهم مصاهرة مع ولينا الفقيه المحدث الحاج الرحال البركة القدوة الصالح الناصح أبي عبد الله سيدي محمّد بن الولي الصالح سيدي أبي بكر بن محمّد صاحب الدلا أبقى الله علاهم وألهم على ما أولاهم.
ولنرجع إلى أبن الخطيب فنقول: وقال ﵀ وقد شاهد بجبل هنتاتة محمّد وفاة السلطان أبي الحسن المريني حيث أصابه طارق الأجل الذي فصل الخطة وأصمت الدعوة ورفع المنازعة وعاينه مرفها عن الابتذال بالسكنى مفترشا بالحصباء مقصدا بالابتهال والدعاء فلم يبرح يوم زيارة محل وفاته أن قال:
стр. 295
يا حسنها من أربع وديار ... أضحت لباغي الأمن دار قرار
وجبال عز لا تذل أنوفها ... إلاّ لعز الواحد القهار
ومقر توحيد وأس خلافة ... آثارها تني عن الأخبار
ما كنت أحسب أن أنهار الندى ... تجري بها جملة الأنهار
ما كنت أحسب أن أنوار الحجا ... تلتاح في قنن وفي أحجار
مجت جوانبها البرود وإن تكن ... شبت بها الأعداء جذوة نار
هدت بناها سبيل وفائها ... فكأنها صرعى بغير عقار
لمّا توعدها على المجد العدا ... رضيت بعيث النار لا بالعار
عمرت بجبلة عامر وأعزها ... عبد العزيز بمرهف بتار
فرسا رهان أحرزا قصب الندى ... والبأس في طلق وفي مضمار
ورثا عن الندب الكبير أبيهما ... محض الوفاء ورفعة المقدار
وكذا الفروع تطول وهي شبيهة ... بالأصل في ورق وفي أثمار
أزرت وجوه الصيد من هنتاتة ... فب جوها بمطالع الأقمار
لله أي قبيلة تركت لها الن ... ظراء دعوى الفخر يوم فخار
نصرت أمير المؤمنين وملكه ... قد أسلمته عزائم الأنصار
وارت عليا عندما ذهب الردى ... والروع بالأسماع والأبصار
تخاذل الجيش اللهام وأصبح الَ ... أبطال بين تقاعد وفرار
стр. 296
كفرت صنائعه فيمن دارها ... مستظهرا منها بعز جوار
وأقام بين ظهورها لا يتقى ... وقع الردى وقد ارتمى بشرار
فكأنها الأنصار لمّا آنست ... فيما تقادم غربة المختار
لمّا غدا لحظا وهم أجفانه ... نابت شفارهم عن الأشفار
حتى دعاه الله بين بيوتهم ... فأجاب ممتثلا لأمر الباري
لو كان يمنع من قضار الله ما ... خلصت إليه نوافذ الأقدار
قد كان يأمل أن يكافئ بعض ما ... أولوه لولا قاطع الأعمار
ما كان يقنعه لو امتد المدى ... إلاّ القيام بحقها من دار
فيعيد ذلك الماء ذائب فضه ... ويعيد ذاك الترب تبر نضار
حتى تفوز على النوى أوطانها ... من ملكه بحلائل الأوطار
حتى يلوح على وجوه وجوههم ... أثر العناية ساطع الأنوار
ويسوغ الأمل القصي كرامها ... من غير ما ثنيا ولا استعصار
ما كان يرضى الشمس أو بدر الدجدى ... عن درهم فيهم ولا دينار
أو أن يتوج أو يقلد هامها ... ونحورها بأهلة ودرارى
حق على المولى ابنه إيثار ما ... بذلوه من نصر ومن إيثار
فلمثلها ذخر الجزاء ومثله ... من لا يضيع صنائع الأحرار
وهو الذي يقضي الديون وبره ... يرضيه في علن وفي إسرار
стр. 297
حتى تحج محلة رفعوا بها ... علم الوفاء لاعين النظار
فيصير منها البيت بيتا ثانيا ... للطائفين إليه أي بدار
تغنى قلوب القوم عن هدى به ... ودموعهم تكفي لرمي جمار
حييت من دار تكفل سعيها الَ ... محمود بالزلفى وعقبى الدار
وضفت عليك من الإله عناية ... ما كَرّ ليل فيك إثر نهار
وقال ﵀ حين زار بخارج أغمات قبر المعتمد بالله أبي القاسم أبن عباد أمير حمص وقرطبة والجزيرة وما إلى ذلك الصقع الغربي ونصه كلامه الذي رتبه في ذلك أنه قال: وقفت على قبر المعتمد بالله بمدينة أغمات في حركة راحلة أعملتها إلى الجهات المراكشية باعثها لقاء الصالحين ومشاهدة الآثار عام واحد وستين وسبع مائة وهو بمقبرة اغمات في نشر من الأرض قد حفت به سدرة وإلى جنبه قبر اعتماد حظيته مولاة رميك وعليهما هيئة التغرب ومعاناة الخمول من بعد الملك فلا تملك العين دمعها عند رؤيتهما فأنشدت في الحال:
قد زرت قبرك عن طوع بأغمات ... رأيت ذلك من أولى المهمات
لم لا أزورك يا أندى الملوك يدا ... ويا سراج الليالي المدلهمات
وأنت من لو تخطى الدهر مصرعه ... إلى حياتي لجادت فيه أبياتي
أناف قبرك في هضب يميزه ... فتنتحيه حفيات التحيات
كرمت حيا وميتا واشتهرت علا ... فأنت سلطان أحياء وأموات
стр. 298
مائ مثلك في ماض ومعتقدي ... أن لا يرى الدهر في حال ولا آتي
وقال ﵀ مخاطبا أحمد بن يوسف حفيد الولي الصالح سيدي أبي محمّد صالح النائم في ظل صيته ﵏:
يا حفيد الولي يا وارث الفخ ... رْ الذي نال مقال وحال
لك يا أحمد بن يوسف جبنا ... كل قفر يعني أكف الرحال
ولمّا خرج ﵀ من آسفي سار إلى منزل ينسب لأبي خدو فيه رجل من بني المنسوب إليه اسمه يعقوب قال في نفاضة الجراب فألطف وأجزل وآنس في الليل وطلبني بتذكرة تثبت عندي معرفته فكتب له:
نزلنا على يعقوب نجل أبي خدو ... فعرفنا الفضل الذي ما له حدّثني
وقابلنا بالبشر واحتفل القرى ... فلم يبق لحم ننله ولا زبد
يحق علينا أن نقوم بحقه ... ويلقاه منا البر والشكر والحمد
وقال يخاطب السلطان:
أنت للمسلمين خير عماد ... وملاذ وأي حرز حريز
لو رأى ما شرعت للخلق فيه ... عمر الفاضل أبن عبد العزيز
لجرى ملكك المبارك خيرا ... وقصى بالسيوف والتبريز
فاشكر الله ما استطعت بفعل ... وبقول مطول أو وجيز
стр. 299
كل ملك يرى بصحبة أهل الْ ... علم قد باء بالمحل العزيز
فإذا ما ظفرت منهم بإكسير ... ملأت البلاد من إبريز
والبرايا تبيد والملك يفنى ... أين كسرى الملوك مع أبرويز
وقال: أنشدت أبني عبد الله وقد وصل لزيارتي من الباب السلطاني حيث جرايته ووظيفته وانجر حديثما فقد بغرناطة في شجون الكلام:
يا بني عبد الإله احتسابا ... عن أثاث ومنزل وعقار
كيف يأسي على خسارة جزة ... من يرى الكل في سبيل الخسار
هدف لا تنى سهام الليالي ... عن سباق تجاهه وبدار
واحد طائش وثان مصيب ... ليس ينجى منها اشتمال حذار
غير ذي الدار صرف الهم فيها ... فمناخ الرحيل ليس بدار
وقال: أنشدته وأمرته بحفظه والتأدب به واللهج نحكمته:
إذا ذهبت بيمينك لا تضيع ... زمانك في البكاء على المصيبه
ويسراك اتنم فالقوس ترمي ... وما تدري أرشقتها قريبه
وما بغريبة نوب الليالي ... ولكن النجاة هي الغريبه
وقال ﵀:
يأهل هذا القطر ساعده القطر ... بليت فدلوني لمن يرفع الأمر
تشاغلت بالدنيا ونمت مفرطا ... وفي شغلي أو نومتي سرق العمر
وقال ﵀:
مالي أذهب نفسي في مطالبها ... والنفس تأنف تأنف تهذيبي وتهذي بي
стр. 300
إذا استعنت على دهري بتجربة ... تأبى المقادير تجريبي ويجري بي
وقال ﵀ موريا حين أكل مشرف الدار القابض أي أخذ ماله:
مشرف دار الملك ما باله ... منتفخ الجوف شكا نافضا
فقيل لي ليس به علة ... لكنه قد أكل القابضا
وقال ﵀:
يا نفس لا تصغي إلى سلوى ... كم أخلف الموعود عرقوب
وأنت يا قلبي وصاك إب ... راهيم بالحزن ويعقوب
قال: وقلت في رأس الغادر بالدولة حين عرض علي:
في غير حفظ الله من هامة ... هام بها الشيطان في كل واد
ما تركت حمدا ولا رحمة ... في فم إنسان ولا فؤاد
وقال ﵀:
يا كواكب الحسن يا معناه يا قمره ... يا روضه المتناهي الريع يا ثمره
أمرتني بسلو عنك ممتنع ... مأمور حسنك لمّا يقض ما أمره
وقال ﵀ في السعيد أبي بكر أبن السلطان أبي عنان:
أميرا كأن قمير الدجا ... أفاض الضياء على صفحتيه
تملأ قلبي من حبه ... غداة نظرت بعيني إليه
فلا بسط الدهر كف الردى ... لذاك الشخيص وذاك الوجيه
стр. 301
وقال عندما انصرف عنه ابنه إلى مدينة فاس، لإقامة رسمه من الخدمة قال: وأشجاني انصرافه لوقوع قرحه على قرح، والمستعان الله:
بان اليوم الخميس قرة عيني ... حسبي الله أي موقف بين
لو جنى موقف النوى حين حي ... حان يوم الوداع والله حيني
ضايقني صروف هذي الليالي ... وأطالت همي وأولت بديني
وطن نازح وشمل شتيت ... كيف يبقى معذب بين ذين؟
يا الهي أدرك بلطفك ضعفي ... إن ما أشتكيه ليس بهين
قال: وخاطبت أسيادة الخطيبية مع طيفور طعام:
تعلم طيفوري خلال السميه ... وإن كان منسوبا إلى غير بسطام
وجاء فقير الوقت لابس خرقة ... فليس براض غير صحبة صوام
فديتك لا تردده عنك مخيبا ... ودرسه يا مولاي قصة بلعام
قال: وكتبت إلى أسياد الخطيبية ووصل ولدها إلى سلا ومنعني عن لقائه عذر من مرض وكان نزوله بزاوية النساك:
صدني عن لقاء نجلك عذر ... يمنع الجسم عن تمام العباده
واختصرت القرى لأن حط رحلا ... في محل الغنى ودار الزهاده
стр. 302
ولو إني احتفلت لم يعن الدهر ... ولا نلت بعض بعض أراده
وعلى كل حالة قصوري ... عادت إذ قبولك العذر عاده
لا عدمت الرضا من الله والحسنى ... كما نص وحيه والزيادة
وقال يخاطبه من ضريح السلطان أبي الحسن بشالة لا استنهاض عزيمته في قضاء غرضه:
برئت لله من حولي ومن حيلي ... إن نام عني ولي فهو خير ولي
أصبحت مالي من عطف أؤمله ... من غيره في مهمات ولا بدل
ما كنت أحسب أن أرمي بقاصية ... للهجر أقطع فيها جانب الأمل
من بعد ما خلصت نحوي الشفاعة ما ... بين الفلا والدجى والبيض والأسل
إن كنت لست بأهل للذي طمحت ... إليه نفسي وأهوى نحوه أملي
فكيف يلغى ولا ترعى وسيلته ... دخيل قبر أمير المسلمين علي
من بعد ما اشتهرت حالي به وسرت ... بها الركائب في سهل وفي حبل
والرسل تترى ولا تخفى نتائجها ... عند التأمل من قول ولا عمل
ولا لليلي من صبح أطلعه ... كأن همي قد مدّ الدجنة لي
لو أنني يا بن مرزوق عقدت يدي ... وكان محتكما في خيرة الدول
لكان ركبي قد أفضى إلى فرج ... وكان حزني قد أوفى على جذل
ألممت بالعتب لم أحذر مواقعه ... " أنا الغريق فما خوفي من البلل "
ولست أجحد ما خولت من نعم ... لكنها النفس لا تنفك عن الأمل
ولست أيأس من وعد وعدت به ... إنما " خلق الإنسان من عجل "
стр. 303
وقال ﵀ يخاطب السلطان أبا الحجاج:
مولاي إنَّ الشعر ديوان حكمة ... يفيد الغني والعز والجاه من كانا
وقد وجد المختار في الحفل منصتا ... له وحبا كعبا عليه وحسانا
وفيما رواه الناقلون وأثبتوا ... بذلك ديواننا صحيحا فديوانا
بأن أبا بكر خليفته الرضا ... وفاروق الأدنى إليه وعثمانا
لهم في ضروب القول إذ هم فحوله ... خطاب وشعر يستقران تبيانا
وفاض على أهل القريض نوالهم ... فروض روض القول سحا وتهتانا
وأنت أحق الناس إن تفعل التي ... بها فعل المختار دينا وإيمانا
فما زلت تهدي في البرية هديه ... وتفضي بما يرضيه سرا وإعلانا
وإن قيل قدر المرء ما هو محسن ... فصنعة نظم القول أرفعه شانا
وقال ﵀ في فن التورية:
بنفسي حبيب في ثناياه " بارق " ... ولكنها للواردين عذاب
إذا كان لي منه الوصل " حاجر " ... فمعي " ععقيق " بالجفون مذاب
وقال:
عذبت قلبي بالهوى فقيامه ... في نار هجرك دائما وقعوده
ولقد عهدت القلب وهو موحد ... فعلام يقضي في العذاب خلوده
وقال في التجنيس:
دعوتك للود الذي جنباته ... تداعت مبانيها وهمت بأن تهي
стр. 304
وقلت لعهد الوصل والقرب بعدما ... تناءى أأسلو عن حياتي وأنت هي
ومن شام من جو الشبيبة بارقا ... ولم تنهه عنه النهى كيف ينتهي؟
وقال أيضاً:
ناديت دمعي إذ جد الرحيل بهم ... والقلب من فرق التوديع قد وجبا
سقطت يا دمع من عيني غداة نأى ... عني الحبيب ولم تقض الذي وجبا
وقال موريا:
كتبت بدمع عيني صفح خدي ... وقد منع الكرى هجر الخليل
وراب الحاضرين فقلت هذا ... كتاب العين ينسب للخليل
وتذكرت بهذا قول الشيخ أبي حيان:
سبق الدمع بالمسير المطايا ... إذ نوى من أحب عني نقله
وأجاد السطور في صفحة الخد ... ولم لا يجيد وهو أبن مقله
والبيت الثاني أدرت ولكن أبن الخطيب قد قصد تورية أخرى لم يقصدها أبو حيان وكلاهما قد أحسن في توريته.
وقال أبن الخطيب:
ولمّا رأت عزمي على السرى ... وقد رابها صدري على موقف البين
أتت بصحاح الجوهر دموعها ... فعارضت من دمعي بمختصر العين
وقال أيضاً:
بحق ما بيننا يا ساكني القصبه ... ردوا علي حياتي فهي مختصبه
ماذا جنيتم على قلبي ببينكم ... وانتم الأهل والأحباب والعصبه
стр. 305
وقال عفا الله عنه:
مضجعي فيك عن قتادة يروي ... وروي عن أبي الزناد فؤادي
وكذا النوم شاعر فيك أمسي ... من دموعي يهيم في كل وادي
وقال ﵀:
حين ساروا عني وقد خنقتني ... عبارات قد أعربت عن ولوعي
صحت من ينصر الغريب فلما ... لم أجد ناصرا بلعت دموعي
وقال عفا الله عنه:
قال لي والدموع تنهل سحبا ... في عراض من الخدود محول
بك ما بي فقلت مولاي عفا ... كَ المعافي من عبرتي ونحولي
أنا جفني القريح يروي عن الأعمش ... والجفن منك عن مكحول
وقال وقد جلس السلطان في يوم شديد البرد للسلام:
جلس المولى لتسليم الورى ... ولفصل البرد في الجو احتكام
فإذا ما سألوا عن يومنا ... قلت هذا اليوم برد وسلام
وقال رحمه الله تعالى:
يا أبي بدر غزاني ... مستبيحا سرح صدري
فأنا اليوم شهيد ال ... حب من غزوة بدر
وقال:
أشكوا لمبسمه الحريق وقد حمى ... عني لماه المشتهى ورحيقه
يا ريقه حيرتني ومطلتني ... ما أنت إلاّ بارد يا ريقه
стр. 306
وقال فيمن ركب البحر وماد:
ركب السفينة واستقل بأفقها ... فكأنما ركب الهلال الفرقد
وشكو إليَّ بميدهم فأجبتهم ... لا غرو أن ماد القضيب الأملد
وقال أيضاً:
يا مالكي بخلال ... تهدي إلى الفكر حيره
أضرمت قلبي نارا ... يا مالك بن نويره
وقال عندما خرج السلطان أبن الأحمر من فاس متوجها إلى الأندلس لطلب حقه:
ولمّا حثثت السير والله حاكم ... لملكك في الدنيا بعز وفي الأخرى
حكى فرس الشطرنج طرفك لا يرى ... ينقل من بيضاء إلا إلى حمرا
وقال رحمه الله تعالى:
تعجلت وخط الشيب في زمن الصبا ... لخوضي خمار الهم في طلب المجد
فمهما رأيتم شيبة في المفارقي ... فلا تنكروها إنها شيبة الحمد
وقال ﵁:
يا من تقلد للعلاء سلوكا ... والفضل أضحى نهجه مسلوكا
كاتبتني متفضلا فملكتني ... لا زلت منك مكاتبا مملوكا
стр. 307
وقال عفا الله عنه:
أجاد يراع الحسن خط عذاره ... وأودعه السر المصون الذي يدري
ولم يفتقر فيه لختم وطابع ... فمبسمه أغناه عن طابع السر
وقال في رجل حلف واقسم أنه ذو مال وأمانة وطلب من السلطان الخدمة:
حلفت لهم بأنك ذو يسار ... وذوثقة وبر في اليمين
ليستندلوا بحفظ مال ... فتأكل باليسار وباليمين
وقال في الفخر:
ما ضرني أن لم أكن متقدما ... فالسبق يعرف أخر المضمار
ولئن غدا ربع البلاغة بلقعا ... فلرب كنز في أساس جدار
وقال في مديح السلطان أبي الحجاج:
في مصر قلبي من خزائن يوسف ... حب وعير مدائحي تمتاره
حليت شعري باسمه فكأنه ... في كل قطر حله ديناره
وقال يخاطب ابنه السلطان أبا عبد الله:
قالوا لخدمته دعاك محمّد ... فكرتها وزهدت في التنويه
فأجبتهم أنا والمهيمن كاره ... في خدمة المولى محب فيه
ومن قوله في غرناطة:
أحبك يا مغنى الكمال بواجب ... وأقطع في أوصافك الغر أوقاتي
تقسم منك الترب قومي وجيرتي ... ففي الظهر أحيائي وفي البطن أمواتي
стр. 308
وقال في غرض ينحو به نحو المشارقة:
رموا بالسلو حليف الغرام ... وأدمعه كالحيا الهاطل
أعوذ بعزك يا سيدي ... لذلي من دعوة الباطل
وقال أيضا:
يا ليل طلت ولم تجد بتبسم ... وأريتني خلق العبوس النادم
هلا رحمت تغربي وتفرقي ... لله ما أقساك باب الرجل بن الخادم
وقال في سكين الأضاحي للسلطان أبي الحجاج ﵀:
لي الفضل أن شاهدتني واختبرتني ... على كل مصقول الغرارين مرهف
كفاني فخرا أن تراني قائما ... بسنة إبراهيم في كف يوسف
وقال في مروحة سلطانية:
كأني قوس الشمس عند طلوعها ... وقد قدمت من قلبها نسمة الفخر
وإلاّ كما هبت بمحتدم الوغى ... بنصر ولكن من بنود بني نصر
وقال يخاطب شيخه أبن الجياب:
بين السهام وبين كتبك نسبة ... فيها يصاب من العدو المقتل
وإذا أردت لها زيادة نسبة ... هذي وهذي في الكناية تجعل
وقال يتغزل وفيه معنى غريب:
إن اللحاظ هي السيوف حقيقة ... ومن استراب فحجتي تكفيه
لم يدع غمد السيف جفنا باطلا ... إلاّ لشبه اللحظ يغمد فيه
قيل أحسن منه قول غيره:
إنَّ العيون النجل أمضى موقعا ... من كل هندي وكل يمان
стр. 309
فضل العيون على السيوف بأنها ... قتلت ولم تخرج من الأجفان
وأصل ما قاله أبن الخطيب قول الآخر:
بين السيوف وعينيه مشاركة ... من أجلها قيل للأغماد أجفان
وقال أبن الخطيب أيضاً في البراغيث:
بتنا نكابد هم القحط ليتنا ... وأنجد السهد والكرب البراغيثا
وكان يحمل ما كنا نكابده ... من المشقة لو أن البراغيثا
وقال خالد البلوي صاحب الرحلة وقد استكثر من سرقة كتاب " البرق الشامي " للعماد الأصبهاني:
خليلي إن يلف اجتماع بخالد ... فقولا له قولا ولن تعدوا الحقا
سرقت العماد الأصبهاني برقة ... وكيف ترى في شاعر سرق البرقا؟
وقال في المنجانة:
تأمل في المنجان منقطعا ... يجري وقدره عمرا منك منتهيا
والله لو كان وادي الرمل ينجده ... ما كان كامله إلاّ وقد ذهبا
وقال:
أقول لعاذلي لمّا نهاني ... وقد وجد المقالة إذ جفاني
علمت بأنه مر التجني ... وفاتك أنه حلو اللسان
стр. 310
وقال في غرض صوفي:
لا تنكروا أن كنت قد أحببتكم ... أو أنني استولى على هواكم
طوعا وكرها ما ترون فإنني ... طفت الوجود فما وجدت سواكم
وقال يمدح وفيه تورية:
وإن نظرت إلى لآلاء غرته ... يوم الهياج رأيت الشمس في الأسد
ونسب إليه الحافظ أبو على التنسي ﵀ قصيدة يخرج منها أكثر من ثلاث مائة بيت ونسبها غير التنسي إلى بعض المشارقة فالله أعلم وهي:
داء ثوى بفؤادي شفة سقم ... لمحنتي من دوائي الهم والكمد
يوم النوى حل في قلبي لم ألم ... وحرقتني وبلائي فيه بالرصد
توجعي من جوى شبت حرارته ... مع العنا رثى لي فيه ذو الحسد
أصل الهوى ملبسي وجدا بهه عدم ... لمهجتي من رشا بالحسن منفرد
تتبعي وجه من تزهو نضارته ... إذا انثنى قاتلي عمدا بلا قود
مهدي الجوى مولع بالهجر منتقم ... ما حيلتي قد كوى قلبي مع الكبد
لمصرعي معتد تحلو مرارته ... يا قومنا آخذ نحو الردى بيدي
قلبي كوى ملك في النفس محتم ... لقصتي فهو سولى وهو معتمدي
مروعي قمر تسبي إشارته ... إذا رنا ساطع الأنوار في البلد
стр. 311
هد القوى حسن كالبدر مبتسم ... لفتنتي موهن عند النوى جلدي
مودعي النار قد شبت زيارته ... لمّا جنى مورثي وجدا مع الأبد
قلت: وعندي أنها بعيدة من نفس أبن الخطيب مع أن الحافظ التنسي نسبها له وغيره لبعض المشارقة وذكر التنسي أنه يخرج منها ثلاث مائة بيت ونيف ستون بيتا والله ولي التوفيق.
ثم وقفت بعد هذا على كراسة من بعض تآليف الصفدي بخطه وعبر فيها أنها لبعض المشارقة وأورد القطعة مع تقديم وتأخير فأردت أن أذكره إتماما للفائدة ونصه: صالح بن أحمد بن عثمان صلاح الدين القواس الشاعر الخلاطي ثم البعلبكي توفي سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة كان رجلاً خيرا متواضعا صحب الفقراء وسافر الكثير وكان يعبر الرؤيا قال الصفدي: أنشدني من لفظه الشيخ الحافظ الذهبي قال: أنشدني المذكور قصيدته السائرة ذات الأوزان وهي:
داء ثوى بفؤادي شفه سقم ... لمحنتي من دواعي الهم والكمد
بأضلعي لهب تذكو شرارته ... من الضنى في محل الروح من الجسد
يوم النوى ظل النوى في قلبي به ألم ... وحرقتي وبلائي فيه بالرصد
توجعي من جوى شبت حرارته ... مع العنا قد رثى لي فيه ذو الحسد
أصل الهوى ملبسي وجدي به عدم ... لمهجتي من رشا بالحسن منفرد
стр. 312
تتبعي وجه من تزهو نضارته ... لمّا جنى مورثي وجدا مع الأبد
هد القوى حسن كالبدر مبتسم ... لفتنتي موهن عند النوى جلدي
مروعي قمر تسبي إشارته ... إذا رنا ساطع الأنوار في البلد
مهدي الجوى مولع بالهجر منتقم ... ما حيلتي قد كوى قلبي مع الكبد
لمصرعي معتد تحلو مرارته ... يا قومنا آخذ نحو الردى بيدي
قلبي كوى ملك في النفس محتم ... لقصتي فهو سولى وهو معتمدي
تتبعي وجه من تزهو نضارته ... إذا انثنى قاتلي عمدا بلا قود
قال الصفدي: قلت: هذه القصيدة تقرأ على ثلاث مائة وستين وجها.
وقال في المشيب:
إني لمبلي بالهوى من بعدما ... للوخظ بالفودين أي دبيب
لبس البياض وحل ذروة منبر ... مني ووالي الوعظ فعل خطيب
وكتب ببعض الحيطان لمّا أجاز بسبته:
أقمنا برهة ثم ارتحلنا ... كذلك الدهر حالا بعد حال
وكل بداية فإلى انتهاء ... وكان إقامة فإلى ارتحال
ومن سام الزمان دوام أمر ... فقد وقف الرجاء على المحال
وقد قدمنا بعض هذه المقطوعات على غير هذا الوجه.
وقال مما يكتب في طاق الماء بباب القبة:
أنا طاق تزهو بي الأيام ... تعبت في بدائعي الأفهام
стр. 313
وتباديت للنواظر محرا ... باً كأن الإناء في إمام
واقف للصلاة حتى إذا ما ... جئت للشراب حان مني السلام
وقال في ذلك أيضاً:
يا صانعي لله ما أحكمته ... فلأنت بين العالمين رئيس
أحكمت تاجي يوم صغت رقوشه ... فصبت إليه مفارق ورءوس
وأقمت في محرابه فكأنه ... محلى إناء الماء فيه عروس
وكتب إليه شيخه أبن الجياب بقوله:
أيا كتابي إذا ما جئت مالقة ... دار المكارم من ثني ووحدان
فلا تسلم على ربع بذي سلم ... بها وسلم على الربع لسلمان
فأجابه أبن الخطيب بقوله:
يا ليت شعري هل يقضي تألفنا ... ويثني الشوق عن غاياته الثاني
أو هل يحن على نفسي معذبها ... أو هل يرق لقلبي قلبي الثاني
وقال ﵀:
عد عن كيت وكيت ... ما عليها غير ميت
كيف ترجى حالة البق ... يا لمصباح وريت
وقال ﵀:
والله ما جان على ماله ... أو جاهد من ذاد عن عرضه
стр. 314
والناس في خير وفي ضده ... هم شهداء الله في أرضه
وقال ﵀: ومما قلته من الموشحات التي أنفرد باختراعها الأندلسيون وطمس الآن رسمها:
رب ليل ظفرت بالبدر ... ونجوم السماء لم تدر
حفظ الله ليلنا ورعى
أي شمل من الهوى جمعا
غفل الدهر والرقيب معا
ليت نهر النهار لم يجر ... حكم الله لي على الفجر
علل النفس يا أخا العرب
بحيث أحلى من الضرب
في هوى من وصاله أربي
كلما مر ذكر من تدري ... قلت يا برده على صدري
صاح لا تهتم بأمر غد
وأجز صرفها يدا بيد
بين نهر وبلبل غرد
وغصون تميد من سكر ... أعلنت يا غمام بالشكر
يا مرادي ومنتهي أملي
هاتها عسجدية الحلل
حلت الشمس منزل الحمل
وينود الربيع في النشر ... والصبا عنبرية النشر
стр. 315
غرة الصبح هذه وضحت
وقيان الغصون قد صدحت
وكأن الصبا إذا نفحت
وهفا طيبها عن الحصر ... مدحة في علا بني نصر
هم ملوك الورى بلا ثنيا
مهدوا الدين زينوا الدنيا
وحمى الله منهم العليا
بالإمام المرفع الخطر ... والغمام المبارك القطر
إنما يوسف إمام هدى
حاز في المعلومات كل مدى
قل لدهر بملكه سعدا
افتخر جملة على الدهر ... كافتخار الربيع بالزهر
يا عماد العلا والمجد
أطلع العيد طالع السعد
ووفي الفتح فيه بالوعد
وتجلت فيه على القصر ... غرر من طلائع النصر
فتناهت من حسنها البهج
بحياة النفوس والمهج
واستمعها ودع مقال شجي
قسما بالهوى لذي حجر ... ما لليل المشوق من فجر
ومن بديع موشحاته ﵀ قوله:
كم ليوم الفراق من غصة ... في فؤاد العميد
نرفع الأمر فيه والقصة ... للمولى الحميد
стр. 316
رحل الركب يقطع البيدا ... بسفين النياق
كل وجناء تتلع الجيدا ... وتبذ الرفاق
حسبت ليلة القا عيدا ... فهي ذات اشتياق
صائمات لا تقبل الرخصة ... قبل فطر وعيد
فهي مذ أملته مختصه ... بجهاد جهيد
ومنها وهو آخرها:
يا إمام العلا والفخر ... ذا السنا البهيج
هاكها لا عدمت في الدهر ... آملا يرتجى
عارضت قول بائع التمر ... بمقال شج
غربوك الجمال يا حفصة ... من مكان بعيد
من سجلمات ومن قفصة ... وبلاد الجريد
ومن بديع نظمه ﵀ في مدح المصطفى ﷺ هذه القصيدة المشهورة وهي:
سل ما لسلمى بنار الهجر تكويني ... وحبها في الحشي من قبل تكويني
وفي معناها تمنيت المنى فغدا ... تغلبي كئيبا ببلواه يناجيني
وفي قباب قبا قامت لنا بقبا ... طرازها مذهب في الحسن تزيين
لمّا انثنت في الحلى تزهو ببهجتها ... وبالغزالة تزري والسراحين
لمّا تفننت في أفنان قامتها ... تفننت بفنون الصد تفنيني
ويحسب الصب يسليني محبتها ... هيهات لو أن جم النار يصليني
النار في كبدي والشوق يقليني ... والقرب ينشرني والبعد يطويني
стр. 317
وركن صبري تخلى في الغرام وقد ... تمكن الحب في أي تمكين
وقد رأيت ميسري عز مطالبه والطرف والظرف يبكيني ويكويني
حالي لرفع الضم منجزم ... بالكسر عل برشف الضم تحييني
يا صاح عج بالحمى وانزل بهم سحراً ... وأنظر لعجب أثيلاث البساتين
وفوق سفح العميق عج لترى ... جآذر الحي بين الخرد العين
ومل على أثلاث ألبان منعطفاً ... وحي سلعا وسل عن حال مسكين
ثم أت جزعاً وجز عن حي كاظمة ... واقر السلام على خير النبيين
محمّد المصطفى المختار من ظهرت ... آياته فتسلى كل جاء بالدين
ومن شهاب بدا من نوره رجمت ... والماء من كفه يزري بجيحون
وهو الذي اختاره الباري وأرسله ... برا رءوفاً رحيماً بالمساكين
إنَّ سار في الرمل لم يظهر أثر ... وإنَّ علا الصخر كالطين
كأنَّ بالرمل ما بالصخر بالصخر من جلد ... شوقا وبالصخر ما بالرمل من لين
وفي الصحيحين أنَّ الجذع حن له ... والعذاق أنَّ إليه أي تأنين
وقد سمعنا بأن الطير خاطبته ... في منطق مفصح من غير تلكين
والظبي والضب جاءا يشهدان بان ... لا شيء أعظم من ويسين
فكيف أحسن مدحا في محاسنه ... لكن لي قبولا منه يكفيني
أقبل الأرض إجلالا لهيبته ... وألم الترب عل الوصل يحيني
وقد أقول أبن حمدان أتى ... منديا بفؤاد منه محزون
يا أكرم الخلق من عرب ومن عجم ... وأحسن الناس من حسن وتزيين
стр. 318
إني أتيتك فاقبلني بيدي ... ومن لهيب لظى وسجين
وقد مدحتك فارحمني وجد فعسى ... من هول يوم اللقاء والحشر تنجيني
وكن شفيعي من النيران يا أملي ... ولعل أحظى بأجر غير ممنون
صلى عليك إله العرش ما غردت ... حمائم فوق أغصان البساتين
صلى عليك إله العرش وما وفدت ... نويقة لحمي الأطلال تبريني
صلى عليك إله العرش ما هطلت ... مدامع السحب أو عين المحبين
صلى عليك إله العرش ما ضحكت ... مباسم الزهر في ثغر الأفانين
وألفُ ألفِ صلاة لا نفاد لها ... مضروبة في ثمان ألف تسعين
عليك يا خير خلق الله قاطبة ... وألف ألف سلام في ثمانين
وآلك الغر والأصحاب كلهم ... وتابعيهم ليوم الحشر والدين
ما عطر الروض في الأسحار صبا ... وفاح تسر خزامى منه نسرين
وما شدا منشد صب لفرط جوي ... سل ما لسلمى بنار الهجر تكويني
وقال ﵀:
لبسنا فلم نبل الزمان وأبلانا ... يتابع أخرانا على الغي أولانا
ونغتر بالآمال والعمر ينقضي ... فما كان بالرجعى إلى الله أولانا
وماذا عسى أنَّ ينظر الدهر ما عسى ... فما انقاد للزجر وللزجر الحنيث ولا لانا
جزينا صنيع الله شر جزائه ... فلم نزع ما من سابق الفضل أولانا
فيا رب عاملنا بما أنت أهله ... من العفو واجبر صدعنا أنت مولانا
انتهى.
стр. 319
ولنقتصر من نظمه على هذا القدر، فانه طويل عريض، وإنّما أطلت النفس في ترجمة أبن الخطيب، ﵀، علما مني بأن الذين رغبوا في تأليف هذا الموضوع، لهم تشوف إلى أنباء أبن الخطيب، وكلامه وجيلة أحواله ليست عندهم، وإنما يحفظون بعض نظمه ونثره، ولا يدرون ابتداء أمره وانتهاءه، وقد حكي غير واحد أنّه رئ ﵀ بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بسبب بيتين، وهما:
يا مصطفى من قبل نشأة آدم ... والكون لم تفتح له أغلاق
أيروم مخلوق ثناءك بعد ما ... أثنى على أخلاق
وقد رأيت على هذين البيتين تخميسا لا بأس به، لأبي عبد الله بن جابر الغساني المكناسي، ﵀، وهو:
يا سائر لضريح خير العالم ... ينتهى إليه مقال صب هائم
بالله ناد وقل مقالة عالم ... يا مصطفى من قبل نشأة آدم
والكون لم تفتح له إغلاق
بثناك قد شهدت ملائكة السما ... والله قد صلى عليك وسلما
يا مجتبي ومعظماً ومكرماً ... أيروم مخلوق ثناء بعد ما
أثنى على أخلاقك الخلاق
انتهى.
وأولاد أبن الخطيب ﵀ ثلاثة: عبد الله، ومحمّد، وعلي. وكلهم حدث عن أبيه وعن أبن الجياب، وعلى منهم هو صاحب السلطان أحمد المرني الملقب بالمستنصر.
стр. 320
وحكى أنّه حضر معه في بستان، سح فيه ماء المذاكرة الهتان؛ وقد أبدى الأصيل شواهد الأصفرار، وأزمع النهار لمّا قدم الليل على الفرار؛ فقال المستنصر لمّا لأنَّ جانبه، وسالت بين سرحان البستان جداوله ومذانبه:
يا فاس وأيم الله ذو شغفٍ ... في كل ربع له معناه يسبيني
وقد أنست بقرب منك يا أملي ... ونظرة فيكم بالأنس تحسيني
فأجابه على بن الخطيب بقوله العذب المصيب:
لا أوحش الله ربعا أنت زائره ... يا بهجة الملك والدنيا مع الدين
يا أحمد الحمد أبقاك الإله لنا ... فخرا وسلطان السلاطين
وأما عبد الله فقد كتب بالعودتين، عن ملوك الحضرتين. وأما محمّد فقد نال حظاً من التصوف، ولم يكن له إلى خدمة الملوك تشوف.
ولا بد أنَّ نلم بوصية أبن الخطيب، ﵀، لأولاده المذكورين، لمّا فيها من الحكم والوصايا النافعة لمن عمل بها، وهي:
الحمد لله الذي لا يروعه الحمام المرقوب، إذا شم نجمه المثقوب، ولا يبغته الأجل المكتوب، ولا يفجوه الفراق المعتوب، ملهم الهدى الذي تطئن به القلوب، وموضح السبيل المطلوب، وجاعل النصيحة الصريحة في قسم الوجوب، لا سيما للولي المحبوب، والولد المنسوب، القائل في كتابه المعجز الأسلوب، " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب "، " ووصي بها إبراهيم بنيه يعقوب "؛ والصلاة
следующие страницы →