← Тараджим

Тараджим · id 26350

أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض

المقري التلمساني

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

رحل الركب يقطع البيدا ... بسفين النياق كل وجناء تتلع الجيدا ... وتبذ الرفاق حسبت ليلة القا عيدا ... فهي ذات اشتياق صائمات لا تقبل الرخصة ... قبل فطر وعيد فهي مذ أملته مختصه ... بجهاد جهيد ومنها وهو آخرها: يا إمام العلا والفخر ... ذا السنا البهيج هاكها لا عدمت في الدهر ... آملا يرتجى عارضت قول بائع التمر ... بمقال شج غربوك الجمال يا حفصة ... من مكان بعيد من سجلمات ومن قفصة ... وبلاد الجريد ومن بديع نظمه ﵀ في مدح المصطفى ﷺ هذه القصيدة المشهورة وهي: سل ما لسلمى بنار الهجر تكويني ... وحبها في الحشي من قبل تكويني وفي معناها تمنيت المنى فغدا ... تغلبي كئيبا ببلواه يناجيني وفي قباب قبا قامت لنا بقبا ... طرازها مذهب في الحسن تزيين لمّا انثنت في الحلى تزهو ببهجتها ... وبالغزالة تزري والسراحين لمّا تفننت في أفنان قامتها ... تفننت بفنون الصد تفنيني ويحسب الصب يسليني محبتها ... هيهات لو أن جم النار يصليني النار في كبدي والشوق يقليني ... والقرب ينشرني والبعد يطويني

стр. 317

وركن صبري تخلى في الغرام وقد ... تمكن الحب في أي تمكين وقد رأيت ميسري عز مطالبه والطرف والظرف يبكيني ويكويني حالي لرفع الضم منجزم ... بالكسر عل برشف الضم تحييني يا صاح عج بالحمى وانزل بهم سحراً ... وأنظر لعجب أثيلاث البساتين وفوق سفح العميق عج لترى ... جآذر الحي بين الخرد العين ومل على أثلاث ألبان منعطفاً ... وحي سلعا وسل عن حال مسكين ثم أت جزعاً وجز عن حي كاظمة ... واقر السلام على خير النبيين محمّد المصطفى المختار من ظهرت ... آياته فتسلى كل جاء بالدين ومن شهاب بدا من نوره رجمت ... والماء من كفه يزري بجيحون وهو الذي اختاره الباري وأرسله ... برا رءوفاً رحيماً بالمساكين إنَّ سار في الرمل لم يظهر أثر ... وإنَّ علا الصخر كالطين كأنَّ بالرمل ما بالصخر بالصخر من جلد ... شوقا وبالصخر ما بالرمل من لين وفي الصحيحين أنَّ الجذع حن له ... والعذاق أنَّ إليه أي تأنين وقد سمعنا بأن الطير خاطبته ... في منطق مفصح من غير تلكين والظبي والضب جاءا يشهدان بان ... لا شيء أعظم من ويسين فكيف أحسن مدحا في محاسنه ... لكن لي قبولا منه يكفيني أقبل الأرض إجلالا لهيبته ... وألم الترب عل الوصل يحيني وقد أقول أبن حمدان أتى ... منديا بفؤاد منه محزون يا أكرم الخلق من عرب ومن عجم ... وأحسن الناس من حسن وتزيين

стр. 318

إني أتيتك فاقبلني بيدي ... ومن لهيب لظى وسجين وقد مدحتك فارحمني وجد فعسى ... من هول يوم اللقاء والحشر تنجيني وكن شفيعي من النيران يا أملي ... ولعل أحظى بأجر غير ممنون صلى عليك إله العرش ما غردت ... حمائم فوق أغصان البساتين صلى عليك إله العرش وما وفدت ... نويقة لحمي الأطلال تبريني صلى عليك إله العرش ما هطلت ... مدامع السحب أو عين المحبين صلى عليك إله العرش ما ضحكت ... مباسم الزهر في ثغر الأفانين وألفُ ألفِ صلاة لا نفاد لها ... مضروبة في ثمان ألف تسعين عليك يا خير خلق الله قاطبة ... وألف ألف سلام في ثمانين وآلك الغر والأصحاب كلهم ... وتابعيهم ليوم الحشر والدين ما عطر الروض في الأسحار صبا ... وفاح تسر خزامى منه نسرين وما شدا منشد صب لفرط جوي ... سل ما لسلمى بنار الهجر تكويني وقال ﵀: لبسنا فلم نبل الزمان وأبلانا ... يتابع أخرانا على الغي أولانا ونغتر بالآمال والعمر ينقضي ... فما كان بالرجعى إلى الله أولانا وماذا عسى أنَّ ينظر الدهر ما عسى ... فما انقاد للزجر وللزجر الحنيث ولا لانا جزينا صنيع الله شر جزائه ... فلم نزع ما من سابق الفضل أولانا فيا رب عاملنا بما أنت أهله ... من العفو واجبر صدعنا أنت مولانا انتهى.

стр. 319

ولنقتصر من نظمه على هذا القدر، فانه طويل عريض، وإنّما أطلت النفس في ترجمة أبن الخطيب، ﵀، علما مني بأن الذين رغبوا في تأليف هذا الموضوع، لهم تشوف إلى أنباء أبن الخطيب، وكلامه وجيلة أحواله ليست عندهم، وإنما يحفظون بعض نظمه ونثره، ولا يدرون ابتداء أمره وانتهاءه، وقد حكي غير واحد أنّه رئ ﵀ بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بسبب بيتين، وهما: يا مصطفى من قبل نشأة آدم ... والكون لم تفتح له أغلاق أيروم مخلوق ثناءك بعد ما ... أثنى على أخلاق وقد رأيت على هذين البيتين تخميسا لا بأس به، لأبي عبد الله بن جابر الغساني المكناسي، ﵀، وهو: يا سائر لضريح خير العالم ... ينتهى إليه مقال صب هائم بالله ناد وقل مقالة عالم ... يا مصطفى من قبل نشأة آدم والكون لم تفتح له إغلاق بثناك قد شهدت ملائكة السما ... والله قد صلى عليك وسلما يا مجتبي ومعظماً ومكرماً ... أيروم مخلوق ثناء بعد ما أثنى على أخلاقك الخلاق انتهى. وأولاد أبن الخطيب ﵀ ثلاثة: عبد الله، ومحمّد، وعلي. وكلهم حدث عن أبيه وعن أبن الجياب، وعلى منهم هو صاحب السلطان أحمد المرني الملقب بالمستنصر.

стр. 320

وحكى أنّه حضر معه في بستان، سح فيه ماء المذاكرة الهتان؛ وقد أبدى الأصيل شواهد الأصفرار، وأزمع النهار لمّا قدم الليل على الفرار؛ فقال المستنصر لمّا لأنَّ جانبه، وسالت بين سرحان البستان جداوله ومذانبه: يا فاس وأيم الله ذو شغفٍ ... في كل ربع له معناه يسبيني وقد أنست بقرب منك يا أملي ... ونظرة فيكم بالأنس تحسيني فأجابه على بن الخطيب بقوله العذب المصيب: لا أوحش الله ربعا أنت زائره ... يا بهجة الملك والدنيا مع الدين يا أحمد الحمد أبقاك الإله لنا ... فخرا وسلطان السلاطين وأما عبد الله فقد كتب بالعودتين، عن ملوك الحضرتين. وأما محمّد فقد نال حظاً من التصوف، ولم يكن له إلى خدمة الملوك تشوف. ولا بد أنَّ نلم بوصية أبن الخطيب، ﵀، لأولاده المذكورين، لمّا فيها من الحكم والوصايا النافعة لمن عمل بها، وهي: الحمد لله الذي لا يروعه الحمام المرقوب، إذا شم نجمه المثقوب، ولا يبغته الأجل المكتوب، ولا يفجوه الفراق المعتوب، ملهم الهدى الذي تطئن به القلوب، وموضح السبيل المطلوب، وجاعل النصيحة الصريحة في قسم الوجوب، لا سيما للولي المحبوب، والولد المنسوب، القائل في كتابه المعجز الأسلوب، " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب "، " ووصي بها إبراهيم بنيه يعقوب "؛ والصلاة

стр. 321

والسلام على سيدنا ومولانا محمّد رسوله اكرم على نوره جيوب الغيوب، وأشرف من خلعت عليه حلل المهابة والعصمة، فلا تقتحمه العيون ولا تصمه العيوب، والرضا عن آله وأصحابه المثابرين على سبيل الاستقامة بالهوى المغلوب والأمل المسلوب، والاقتداء الموصل للمرغوب، والعز والأمن من اللغوب. وبعد، فإني لمّا علاني المشيب بغمته، وقادني الكبر في رمته، وادكرت الشباب بعد أمته لمّا أضفت، وندمت بعد الفطام على ما رضعت؛ وتأكد وجوب نصحي لمن لزمني رعيه، وتعلق سعيه، وأملت أنَّ تتغذى إلى ثمرات استقامته، وأنا رهين فوات، وفي أموات، ويأمن العثور في الطريق التي اقتضت عثاري، إنَّ سلك وعسى ألا يكون ذلك على آثاري: فقلت أخاطب الثلاثة الولد؛ بعد الضراعة إلى الله توفيقهم، وإيضاح طريقهم، وجمع تفريقهم؛ وأنَّ يمن على فيهم بحسن الخلف، والتلافي من قبل، وأنَّ يرزق خلفهم التمسك بهدي السلف؛ فهو ولي ذلك والهادي إلى خير المسالك. اعلموا هداكم من بأنواره يهتدي الضلال، وبرضاه ترفع الأغلال، وبالتماس قربه يحصل الكمال؛ إذا ذهب المال، وأخلفت الآمال، والتبرات من يمينها. الشمال؛ أني مودكم وإنَّ سالمني الدرى، ومفارقكم وإنَّ طال المدى، وما عدا

стр. 322

مما بدا؛ فكيف وأدوات السفر جمع، ومنادي الرحيل يسمع؛ ولا أقل للحبيب المودع من وصية محتضر، وعاجلة مقتصر، ورتيمة تعقد في خنصر، ونصيحة تكون نشيدة واعٍ ومبصر، تتكفل لكم بحسن العواقب من بعدي، وتوضح لكم في الشفقة والحنو قصدي، حسبما تضمن وعد الله من قبل وعدي، فهي أربكم الذي لا يتغير وقفه، ولا ينالكم المكروه ما رف عليكم سقفه، وكأني بشبابكم قد شاخ، وبراحلكم قد أناخ؛ وبنشاطكم قد كسل، واستبدل الصاب من العسل، ونصول الشيب تروع بأسل، لا بل السام من ليس حدب قد نسل، والمعاد اللحد ولا تسل؛ فبالأمس كنتم فراخ حجر، واليوم آباء عسكر مجر، وغدا شيوخ مضيعة وهجر؛ والقبور فاغره، والنفوس عن المألوفات صاغره؛ والدنيا بأهلها ساخرة، والأولى تعقبها آخره؛ والحازم من لم يتعظ به في أمر، وقال: بيدي عمرو، فاقتنوها من وصية في النصح قصية؛ وخصوا بها أولادكم إذا عقلوا، ليجدوها زادها إذا انتقلوا؛ وحسبي وحسبكم الله الذي لم يخلق الخلق هملا، ولكن ليبلوهم أيهم أحسن عملا؛ ولا رضى الدنيا منزلا، ولا لطف بمن أصبح عن فئة الخير منعزلا؛ ولتلقنوا تلقينا، وتعلموا علماً يقينا؛ أنكم لن تجدوا بعد أفرد بذني، ويفترش التراب جنبي؛ ويسح إنسكابي، وترهول عن المصلى ركابي؛ أحرص مني على سعادة إليكم تجلب، أو غاية كمال بسببكم ترتاد وتطلب؛ حتى لا يكون في الدين والدنيا أورف

стр. 323

منكم ظلا، ولا أشرف محلا ولا أغبط نهلا وعلا وأقل ما يوجب ذلك عليكم أن تصيخوا الى قولي الآذان وتتلمحوا صبح نصحى فقد بان وسأعيد عليكم وصية لقمان: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وإذ قال لقمان لابنه وهو يعضه يا بني لا تشرك بالله إنَّ الشرك لظلم عظيم (.) يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر وأصبر على ما أصابك إنَّ ذلك من عزم الأمور. ولا تصعر خدك للناس ولا تمشي في إلاّ مرحا إنَّ الله لا يحب كل مختال فخور. وأقصد في مشيتك وأغضض من صوتك إنَّ أنكر الأصوات لصوت الحمير. (. وأعيد وصية خليل الله وإسرائيله حسبما محكم تنزيله:) يا بن إنَّ الله أصطفى لكم الدين فلا تموتن إلاّ وانتم مسلمون (. والدين الذي ارتضاه واصطفاه وأكمله ووفاه وقرره مصطفاه من قبل أن يتوفاه إذا أعمل فيه افتقاد فهو عمل واعتقاد وكلاهما مقرر ومستمد من عقل أو نقل محرر والعقل متقدم وبناؤه مع رفض أخيه متهدم فالله واحد أحد فرد صمد ليس له والد ولا ولد تنزه عن المكان والزمان وسبق وجوده وجود الأكوان خالق الخلق وما يعملون والذي لا يسأل عن شيء وهم يسألون الحي العليم المدبر القدير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير أرسل الرسل رحمة لتدعوا العباد إلى النجاة من الشقاء وتوجه الحجة في مصيرهم

стр. 324

إلى دار البقاء مؤيدة بالمعجزات التي لا تتصف أنوارها بالاختفاء ولا يجوز على تواترها دعوى الانتقاء ثم ختم ديوانهم بنبي ملتنا المرعية للهمل الشاهدة على الملل فتلخصت الطاعة وتبينت له الإمرة المطاعة ولم يبق بعده إلاّ ارتقاب الساعة ثم إن الله قبضه إذ كان بشرا وترك دينه يضم من الأمة نشرا فمن اتبعه لحق به ومن حاد عنه تورط في منتسبه وكانت نجاته على قدر سببه. روى عنه ﷺ أنه قال: " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي فعضوا عليهما بالنواجذ ". فاعلموا يا بني بوصية من ناص جاهد ومشفق شفقة والد واستشعروا حبه الذي توفرت دواعيه وعوا مراشد هدية يافوز واعيه وصلوا السبب بسببه وآمنوا بكل ما جاء به مجملا أو مفصلا على حسبه وأوجبوا التجلة لصحبه الذين اختارهم الله لصحبه واجعلوا محبتكم إياهم من توابع محبته واشملواهم بالتوفير وفضلوا منهم أولى الفضل الشهير وتبرءوا من العصبية التي لم يدعكم إليها داع ولا تع التشاجر بينهم أذن واع فهو عنوان السداد وعلامة سلامة الاعتقاد ثم اسحبوا فضل تعظيمهم على فقهاء الملة وأئمتها الجلة فهم صقلة نصولهم وفروع ناشئة على أصولهم وورثة رسولهم واعلموا إني قطعت في البحث زماني وجعلت النظر شاني منذ براني الله وأنشاني مع نبل يعترف به الشاني وإدراك يسلمه العقل الإنساني فلم أجد خابط ورق ولا مصيب عرق ولا

стр. 325

نازع خطام ولا متكلف فطام ولا مقتحم بحر طام إلاّ وغايته التي يقصدها قد فضلتها الشريعة وسبقتها وفرعت ثنيتها وارتقتها فعليكم بالتزام جادتها السابلة ومصاحبة رفقتها الكافلة والاهتداء بأقمارها غير الآفلة والله يقول وهو أصدق القائلين:) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (وقد علت شرائعه وراع الشكوك فلا تستنزلكم الدنيا عن الدين وابذلوا دون النفوس فعل المهتدين فلن ينفع متاع بعد الخلود في النار أبد الآبدين ولا يضر مفقود مع الفوز بالسعادة والله أصدق الواعدين ومتاع الحياة الدنيا أخس ما ورث الأولاد عن الوالدين اللهم قد بلغت فأنت خير الشاهدين فاحذروا المعاطب التي توجب في الشقاء الخلود وتستدعي شوه الوجوه ونضج الجلود واستعيذوا برضا الله من سخطه واربئوا بنفوسكم عن غمطه وارفعوا آمالكم عن القنوع بغرور قد خدع أسلافكم ولا تحمدوا على جيفة العرض الزائل ائتلافكم واقنعوا منه بما تيسر ولا تأسوا على ما فات وتعذر فإنما هي دجنة ينسخها المصباح وصفقة يتعقبها الخسار والرباح ودونكم عقيدة الإيمان فشدوا بالنواجذ عليها وكفكفوا الشبه أن تدنو إليها واعلموا أن الإخلال بشيء من ذلك خرق لا يرفؤه عمل وكل ما سوى الراعي همل وما بعد الرأس في صلاح الجسم أمل وتمسكوا بكتاب الله حفظا وتلاوة واجعلوا حمله على حمل التكليف علاوة وتفكروا في آياته ومعانيه وامتثلوا أموامره وانتهوا عن نواهيه ولا تتأولوه ولا تغلوا فيه وأشربوا قلوبكم حب

стр. 326

من أنزل على قلبه وأكثر من بواعث حبه وصونوا شعائر الله صون المحترم واحفظوا القواعد التي ينبنى عليها الإسلام حتى لا ينخرم. الله الله في الصلاة ذريعة التجلة وخاصة الملة وحاقنة الدم وغنى المستأجر المستخدم وأم العبادة وحافظة اسم المراقبة لعالم الغيب والشهادة والناهية عن الفحشاء والمنكر مهما عرض الشيطان عرضهما ووطأ للنفس الأمارة سماءها وأرضهما والوسيلة إلى بل الجوانح ببرود الذكر وإيصال تحفة الله إلى مريض الفكر وضابطة حسن العشرة من الجار وداعية المسالمة من الفجار والواسمة بسمة السلامة والشاهدة للعقد برفع الملامة وغاسول الطبع إذا شانه الطبع والخير الذي كل خير له تبع فاصبروا النفس على وظائفها بين إبداء وإعادة فالخير عادة ولا تفضلوا عليها الأشغال البدنية وتؤثروا على العلية الدنية فإنَّ أوقاتها المعنية بالانفلات تنبس والفلك بها من أجلكم لا يحبس وإذا قرنت بالشواغل فلها الجاه الأصيل والحكم الذي لا غيره الغدو والأصيل والوظائف بعد أداتها لا تفوت وأين حق من يموت من حق الحي الذي لا يموت؟ وأحكموا أوضاعها إذا أقمتموها وأتبعوها الموافل ما أطقتموها فبالإتقان تفاضلت الأعمال وبالمراعاة استحق الكمال

стр. 327

ولا شكر مع الإهمال ولا ربح مع إضاعة رأس المال وثابروا عليها الجماعات وبيوت الطاعات فهو أرفع للملام وأظهر لشرائع الإسلام وأبر بإقامة الفرض وأدعى إلى مساعدة البعض البعض. والطهارة التي هي في تحصيلها سبب موصل لمشروطها محصل فاستوفوها والأعضاء نظفوها وميهها بغير أوصافها الحميدة فلا تضفوها والحجول والغرر فأطيعوها والنيات في كل ذلك فلا تهملوها فالبناء بأساسه والسيف برئاسه. واعلموا أن هذه الوضيفة من صلاة وطهور وذكر مجهور وغير مجهور تستغرق الأوقات وتنازع شتى الخواطر المفترقات فلا يضبطها إلاّ من ضبط نفسه بعقال وكان في درجة الرجولة ذا انتقال واستعرض صدأه وإن تراخى تقهقر الباع وسرقته الطباع وكان لمّا سواها أضيع فشمل الضياع. والزكاة أختها الحبيبة ولدتها القريبة مفتاح السماحة بالعرض الزائل وشكران المسئول على الضد من درجة السائل وحق الله فيمال من أغناه لمن أجهده في المعاش وعناه من غير استحقاق مل يده وإخلاء يد أخيه ولا علة القدر الذي يخفيه وما لم ينله حظ فلا خير يه فاسمحوا بمتفرقاتها للحاضر لإخراجها واختيار عرضها ونتاجها واسحيوا من الله أن تبخلوا عليه ببعض ما بذل وخالفوا الشيطان كلما عذل واذكروا خروجكم إلى الوجود لا تملكون ولا تدرون أين تسلكون فوهب وأقدر وأورد

стр. 328

بفضله وأصدر ليرتب بكرمه الوسائل أو يقيم الحجج والدلائل فابتغوا إليه الوسيلة بماله واغتنموا رضاه ببعض نواله. وصيام رمضان عبادة السر المقربة إلى زلفى الممحوضة لمن يعلم السر وأخفى مؤكدة بصيام الجوارح عن الآثام والقيام ببر القيام والاجتهاد وإيثار السهاد على المهاد وإن وسع الاعتكاف فهو من سننه المرعية ولواحقه الشرعية فبذلك تحسن الوجوه وتحصل النفوس من الرقة على ما ترجوه وتهذب الطباع ويمتد في ميدان الوسائل إلى الله الباع. والحج مع الاستطاعة الركن الواجب والفرض على العين لا يحجبه الحاجب وقد بين رسول الله ﷺ قدره فيما فرض عن ربه وسنه وقال: ليس له جزاء عن الله إلاّ الجنة. ويلحق بذلك الجهاد في سبيل الله وإن كانت لكم قوة عليه وغنى لديه فكونوا ممن يسمع نفيره ويطيعه وإن عجزتم فأطيعوا من يستطيعه. هذه عمد الإسلام وفروضه ونقود مهره وعروضه فحافظوا عليها تعيشوا مبرورين وعلى من يناوئكم ظاهرين وتلقوا الله لا مبدلين ولا مغيرين ولا تضيعوا حقوق الله فتهلكوا مع الخاسرين. واعلموا أن بالعلم تستكمل وظائف هذه الألقاب وتجلى محاسنها من بعد الانتقاب فعليكم بالعلم النافع دليلا بين يدي الشافع فالعلم مفتاح هذا الباب والموصل إلى اللباب والله يقول:) هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب (. والعلم وسيلة النفوس

стр. 329

الشريفة إلى المطالب المنيفة وشرطه الخشية لله والخيفة وخاصة الملأ الأعلى وصفة الله في كتبه التي تتلى والسبيل في الآخرة إلى السعادة وفي الدنيا إلى التجلى عاده والذخر الذي قليله يشف وينفع وكثيره يعلىو يرقع لا يغصبه الغاصب ولا يسلبه العدو المناصب ولا يبتزه الدهر إذا مال ولا يستأثر به البحر إذا هال من لم ينله فهو ذليل وإن كثرت آماله وقليل وإن جم ماله وإن كان وقته قد فات اكتسابكم وتخطى حسابكم فالتمسوه لبنيكم واستدركوا منه ما خرج عن أيديكم واحملوهم على جمعه ودرسه واجعلوا طباعهم ثرى لغرسه واستهلوا ما ينالهم من تعب من جراه وسهر يهجر له الجفن كراه تعقدوا لهم ولاية عز لا تعزل وتحلوهم مثابة رافعة لا يحط فارعها ولا يستنزل واختاروا من العلوم التي ينفقها الوقت ما لا يناله في غيره المقت وخير العلوم علوم الشريعة وما نجم وما نجم بمنابتها المريعة من علوم لسان لا تستغرق الأعمار فصولها ولا يضايق ثمرات المعاد محصولها فإنما هي آلات لغير وأسباب إلى خير منها وخير فمن كان قابلا منها لازدياد وألفى فهمه ذا انقياد فليخص تجويد القرآن بتقديمه ثم حفظ الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه ثم الشروع في أصول الفقه فهو العلم العظيم المنة المهدي كنوز الكتاب والسنة ثم المسائل المنقولة عن العلماء الجلة والتدرب في طرق النظر وتصحيح الأدلة وهذه هي الغاية القصوى في الملة ومن قصر إدراكه عن هذا المرمى وتقاعد عن التي هي أسمى فليرو الحديث بعد تجويد الكتاب وإحكامه وليقرأ المسائل الفقهية على مذهب إمامه وإياكم والعلوم القديمة والفنون المهجورة الذميمة فأكثرها لا يفيد إلاّ تشكيكا ورأيا ركيكا ولا يثمر في

стр. 330

العاجلة إلاّ اقتحام العيون وتطريق الظنون وتطويق الاحتقار وسمة الصغار وخمول الأقدار والخسف من بعد الإبدار وجادة الشريعة أعرق في الاعتدال وأوفق من قطع العمر في الجدال هذا أبن رشد قاضي المصر ومفتيه وملتمس الرشد ومؤتيه عادت عليه بالسخطة الشنيعة وهو إمام الشريعة فلا سبيل إلى اقتحامها والتورط في ازدحامها ولا تخلطوا سامكم بحامكم إلاّ ما كان من حساب ومساحة وما يعود بجدوى فلاحة وعلاج يرجى على النفس والجسم براحة وما سوى ذلك فمحجور وضرم مسجور وممقوت مهجور. وأمروا بالمعروف أمرا رفيقا وانهوا على المنكر نهيا حريا بالاعتدال حقيقا واغبطوا من كان سنة الغفلات مفيقا واجتنبوا ما تنهون عنه حتى لا تسلكوا منه طريقا وأطيع أمر من ولاه الله من أموركم أمرا ولا تقربوا من الفتنة جمرا ولا تدخلوا في الخلاف زيدا وعمرا. وعليكم بالصدق فهو شعار المؤمنين وأهم ما أضرى عليه الآباء السنة البنين وأكرم منسوب إلى مذهبه ومن أكثر من شيء عرف به. وإياكم والكذب فهو العورة التي لا توارى والسوءة التي لا يرتاب في عارها ولا يتمارى وأقل عقوبات الكذب بين يدي ما أعد الله له من العذاب ألا يقبل صدقه إذا صدق ولا يعول عليه إن كان بالحق قد نطق. وعليكم بالأمانة فالخيانة لوم وفي وجه الديانة كلوم ومن الشريعة التي

стр. 331

لا يعذر بجهلها أداء الأمانات إلى أهلها وحافظوا على الحشمة والصيانة ولا تجزوا من أقرضكم دين الخيانة ولا توجدوا للغدر قبولا ولا تقروا عليه طبعا مجبولا وأوفوا بالعهد إنَّ العهد كان مسئولا ولا تستأثروا بكنز ولا خزن ولا تذهبوا لغير مناصحة المسلمين في سهل ولا حزن ولا تبخسوا الناس أشياءهم في كيل أو وزن والله الله أن تعينوا في سفك الدماء ولو بالإشارة أو بالكلام أو ما يرجع إلى وظيفة الأقلام واعلموا أن الإنسان في فسحة ممتدة وسبيل الله غير منسده ما لم ينبذ إلى الله بأمانة ويغمس في الدم الحرام بيده أو لسانه قال الله في كتابه الذي هدى به سننا قويما وجلى من الجهل والضلال ليلا بهيما:) ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالد فيها وغضب الله عليه ولعنة وأعد له عذابا عظيما (. واجتناب الزنا وما يتعلق به من كرمت طباعه وامتد سبيل السعادة باعه ولو لم تتلق نور الذي لم يهد شعاعه فالحلال لم تضق عن الشهوات أنواعه ولا عدم إقناعه ومن غلبت عليه غرائز جهله فلينظر هذا يحي أن يزني بأهله؟ والله قد أعد للزاني عذابا وبيلا وقال:) ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (. والخمر أم الكبائر ومفتاح الجرائم والجرائر واللهو لم يجعله الله في الحياة شرطا والمحرم قد أغنى عنه بالحلال الذي سوغ وأعطى وقد تركها في الجاهلية أقوام لم يرضوا لعقولهم الفساد ولا لنفوسهم بالمضرة في مرضاة

стр. 332

الأجساد والله جعلها رجسا محرما على العباد وقرنها بالأنصاب والأزلام في مباينة السداد. ولا تقربوا الربا فإنه من مناهي الدين والله تعالى يقول:) وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (. وقال:) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله (في الكتاب المبين. ولا تأكلوا مال أحد بغير حق يبيحه وانزعوا الطمع عن ذلك حتى تذهب ريحه والتمسوا الحلال يسعى فيه أحدكم على قدمه ولا يكل اختياره إلاّ للثقة من خدمة ولا تلجئوا إلى المتشابه إلاّ عند عدمه فهو في السلوك إلى الله أصل مشروط والمحافظ عليه مغبوط. وإياكم والظلم فالظلم ممقوت بكل لسان مجاهر لله بصريح العصيان والظلم ظلمات يوم القيامة كما ورد في الصحاح الحسان والنميمة فساد وشتات لا يبقى عليه ممات وفي الحديث: " لا يدخل الجنة قتات ". واطرحوا الحسد فما ساد حسود وإياكم والغيبة فباب الخير عنها مسدود والبخل فما رئى البخيل وهو مودود وإياكم وما يعتذر منه فموقف الخزي لا تستقال عثراته ومظنات الفائح لا تؤمن غمراتها وتفقدوا أنفسكم مع الساعات وأفشوا السلام في الطرق والجماعات ورقوا على ذوي الزمانات والعاهات وتاجروا مع الله بالصداقة يربحكم في البضاعات وعولوا عليه وحده في الشدائد واذكروا المساكين إذا نصبتم الموائد وتقربوا إليهم باليسر من ماله واعلموا أن الخلق عيال الله وأحب الخلق إليه المحتاط لعياله وارعوا حقوق الجار

стр. 333

واذكروا ما ورد في ذلك من الآثار وتعاهدوا أولى الأرحام والوشائج البادية الالتحام واحذروا شهادة الزور فإنها تقطع الظهر وتفسد السر والجهر والرشا فإنها تحط الأقدار وتستدعي المذلة والصغار ولا تسامحوا في لعبة قمر ولا تشاركوا أولي البطالة في أمر وصونوا المواعد من الإخلاف والأيمان من حنث الأوغاد والأجلاف وحقوق الله من الازدراء والاستخفاف ولا تلهجوا بالآمال العجاف ولا تكلفوا بالكهانة والإرجاف واجعلوا العمر بين معاش ومعاد وخصوصية وابتدعاد واعلموا أن الله بمرصاد وأن الخلق بين زرع وحصاد وأقلوا بغير الحالة الباقية الهموم واحذروا القواطع عن السعادة كما تحذر السموم واعلموا أن الخير أو الشر في الدنيا محال أن يدوم وقابلوا بالصبر أذية المؤذين ولا تقارضوا مقالات الظالمين فالله لمن بغي عليه خير الناصرين ولا تستعظموا حوادث الأيام كلما نزلت ولا تضجعوا للأمراض إذا أعضلت فكل منقرض حقير وكل منقض وإن طال فقصير وانتظروا الفرج وانتشقوا من جناب الله الأرج وأوسعوا بالرجاء الجوانح واجنحوا إلى الخوف من الله فطوبى لعبد إليه جانح وتضرعوا إلى الله بالدعاء والجئوا إليه في البأساء والضراء وقابلوا نعم الله بالشكر الذي يقيد منها الشارد ويعذب الموارد وأسهموا منها للمساكين وأفضلوا عليهم وعينوا الحظوظ منها لديهم فمن الآثار: " يا عائشة أحسني جوار

стр. 334

نعم الله فإنها قلما زالت عن قوم فعادت إليهم ". ولا تطغكم النعم فتقصروا في شكرها وتلفكم الجهالة بكسرها وتتوهموا أن سعيكم جلبها وجدكم حلبها فالله خير الرازقيم والعقبة للمتقين ولا فعل إلاّ الله إذا نظر بعين اليقين. والله الله لا تنسوا الفضل بينكم ولا تذهبوا بذهابه زينكم وليلتزم كل منكم لأخيه ما يشتد به تواخيه بما أمكنه من إخلاص وبر ومراعاة في علانية وسر وللإنسانية مزية لا تجهل وحق لا يهمل وأظهروا التعاضد والتناصر وصلوا التعاهد والتزاور ترغموا بذلك الأعداء وتستكثروا الأوداء ولا تنافسوا في الحظوظ السخيفة ولا تهارشوا تهارش السباع على الجيفة واعلموا أنَّ المعروف يكدر بالامتنان وطاعة النساء شر ما افسد بين الإخوان فإذا أسديتم معروفا فلا تذكره وإذا برز قبح فاستروه وإذا أعظم النساء أمرا فاحقروه والله الله لا تنسوا مقارضة سجلى وبروا أهل مودتي من أجلي ومن رزق منكم مالا بهذا الوطن القلق المهاد الذي لا يصلح لغير الجهاد فلا يستهلك أجمع في العقار فيصبح عرضة للمذلة والاحتقار وساعيا لنفسه إن تغلب العدو على بلده في الافتضاح والافتقار ومعوقا عن الانتقال أمام النوب الثقال وإذا كان رزق العبد على المولى فالإجمال في الطلب أولى وازهدوا جهدكم في مصاحبة أهل الدنيا فخيرها لا يقوم بشرها ونفعها لا يفي بضرها وأعقاب ما تقدم شاهده والنواريخ لهذه الدعوى عاضدة ومن بلى منكم بها فليستظهر بسعة الاحتمال والتقلل من المال ويحذر معاداة الرجال ومزلات الإذلال وفساد الخيال ومداخلة العيال وإفشاء الأسرار وسكر الاغترار

стр. 335

وليصن الديانة ويؤثر الصمت ويلزم الأمانة ويسر من رضا الله على أوضح الطرق ومهما اشتبه عليه أمران قصد أقربهما إلى الحق وليقف في التماس أسباب الجلال وسمو القدر ورفعة الحال دون الكمال فما بعد الكمال غير النقصان والزعازع تسالم اللدن اللطيف من الأغصان. وإياكم وطلب الولايات رغبة واستجلابا واستظهارا على الحظوظ وغلابا فذلك ضرر بالمروءات والأقدار داع إلى الفضح والعار ومن امتحن منك بها اختيار أو جبر عليها إكراها وإيثار فليتلق وظائفها بسعة صدره وليبذل من الخير فيها ما يشهد أنَّ قدرها دون قدره فالولايات فتنة ومحنة وأسر وإحنة وهي بين إخطاء سعادة وإخلال بعادة وتوقع عزل وإدالة رخاء بأزل وبيع جد من الدنيا بهزل ومزلة قدم واستتباع ندم ومآل العمر كله فوت ومعاد واقتراب من الله وابتعاد جعلكم الله ممن نفعه بالتصبير والتنبيه وممن لا ينقطع بسببه عمل أبيه. هذه أسعدكم الله وصيتي التي أصدرتها وتجارتي التي لربحكم أدرتهم فتلقوها بالقبول لنصحها والاهتداء بضوء صبحها وبقدر ما أمضيت من فروعها واستغشيتم من دروعها اقتنيتم من المناقب الفاخرة وحصلتم على سعادة الدنيا والآخرة بقدر ما أضعتم من لآليها النفيسة القيم استكثرتم من بواعث الندم ومهما شئمتم إطالتها واستغزرتم مقالتها فاعلموا أن تقوى الله فذلك الحساب وضابط هذا الباب كان الله خليقي عليكم في كل حال فالدنيا مناخ ارتحال وتأميل الإقامة فرض محال فالموعد للالتقاء دار البقاء

стр. 336

جعلها الله من وراء خطة النجاة ونفق بضائعها المزجاه المرتجاة والسلام عليكم من حبيبكم المودع والله يلامه حيث شاء من شمل متصدع والدكم محمّد بن عبد الله بن الخطيب ورحمة الله وبركاته. انتهت الوصية وهي غربة في معناها. قلت: ولأجل ذلك كان شيخنا الفقيه الإمام القاضي العلامة سيدي عبد الواحد الوانشريشي ﵀ كثيرا ما يدخل منها في خطبه على مالا يخفق على من طالعها وإلى الله ترجع الأمور. وإذ بلغنا في ترجمة أبن الخطيب إلى هذا الحد الذي يستطيل الناظر فيه وهو والله يتمم التعريف بابن الخطيب ولا يوفيه فلنذكر القاضي النبهاني والكاتب أبن زمرك اللذين كان لهما مع أبن الخطيب أول الأمر مصافاة ومتات ثم استحالت إلى ما علمت من العداوة ذات البتات.

стр. 337

القاضي النبهاني بسم الله الرحمن الرحيم أما القاضي النباهي فهو علي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن الحسن الجذامي المالقي النباهي، أبو الحسن الشهير بابن الحسن، قاضي الجماعة بغرناطة، الإمام العالم العلامة، كان ﵀ من أكابر المشهورين بها، ممن له الفصاحة والبلاغة والجلالة، إلى الاتصاف بالعلم والمعرفة، والتفنن في العلوم معقولها ومنقولها. ذكره ابن الخطيب في الإحاطة وأثنى عليه، وذكر أن ولادته عام ثلاثة عشر وسبع مئة، على ما ذكره بعضهم، وتأخرت وفاته عن ابن الخطيب، بحيث إنه كان حياً عام اثنين وتسعين وسبع مئة. وقال ابن الخطيب في ترجمة السلطان ابن الأحمر ما نصه: ثم قدم للقضاء الفقيه الحسيب أبا الحسن، وهو عين الأعيان بمالقة، المخصوص برسم التجلة، والقيام بالعقد والحل، فسدد وقارب، وحمل الكل، وأحسن

стр. 338

مصاحبة الخطبة والخطة، وأكرم المشيخة، مع النزاهة، ولم يقف في حسن التأتي عند غاية؛ فاتفق على رجاحته، ولم يقف في النصح عند غاية؛ أعانه الله. انتهى ملخصا. وكم بين ما قال فيه هنا وبين ما في " الكتيبة الكامنة " من تلقيبه بجعسوس، ووصمه بما لا يليق سماعه. وعلى كل حال فقد انتصف كل واحد منهما من صاحبه بلسانه، وعفو الله وراء الجميع. وقال في حقه الشيخ أبو زكرياء يحيى السراج في فهرسته: الشيخ الفقيه الراوية، قاضي الجماعة بالأندلس وخطيبها، أبو الحسن؛ أخذ عن أبي محمد عبد الله بن أحمد التجيبي الموطأ والشفاء وأكثر الصحيحين؛ وعن الخطيب أبي جعفر الطنجالي، والقاضي العارف أبي القاسم بن سعيد الحميدي، والوزير أبي بكر بن الحكيم، والقاضي أبي جعفر أحمد بن عبد الحق، والحاج الراوية أبي القاسم بن المهنى؛ وقرأ على الفقيه الحاج أبي القاسم بن أحمد بن محمد بن عمران الحضرمي بعض مختصر ابن الحاجب، والتسهيل البديع في اختصار التفريع؛ والحاج أبي عبد الله محمد بن علي السكوني، والخطيب أبي عبد الله الساحلي، والقاضي أبي الحجاج المنتشافري. قدم رسولاً لفاس عام سبعة وستين، ثم عام ثمانية وثمانين. انتهى.

стр. 339

قلت: تقدم من كلام ابن خلدون أنه جاء رسولا في شأن ابن الخطيب، وذلك خلاف هذين التارخين معاً، فتأمله. وله ﵀ بحث في مسألة الدعاء بعد الصلاة، رام فيه الرد على الشيخ الإمام أبي إسحاق الشاطبي، حسبما نقله صاحب المعيار. ومن تآليفه ﵀: " كتاب المرقبة العُليا، في مسائل القضا والفتيا " في جزأين، وهو كتاب ممتع إلى الغاية، وقفت على الجزء الأول منه، وقد ذكر في أثنائه أخبار سلفه ﵀، ولم أقف من أمره على غير ما ذكرته في هذا الموضوع. وقد قدمنا أنه كان مع السلطان أبي عبد الله بن الأحمر المخلوع حين رجع إلى طلب ملكه من المغرب؛ ورأيت لبعض المتأخرين وصفه بالقاضي الأجل ذي الوزارتين. والله أعلم. ابن زمرك وأما ابن زمرك فهو محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف الصريحي، أبو عبد الله، ويعرف بابن زمرك. هكذا ذكر غير واحد من المحققين، وسيأتي في كلام ابن الأحمر حذف " محمد " فيما بين " أحمد " و " يوسف "، ولعله من باب النسبة إلى الجد، والله أعلم. قال ابن الخطيب في الإحاطة: ولد هذا الفاضل بغرناطة، ونشأ بها،

стр. 340

وهو من مفاخرها، وكان صدراً من صدور طلبة الأندلس، وأفراد نجبائها، مختصا مقبولاً، هشا خلوبا، عذب الفكاهة، حلو المجالسة، حسن التوقيع، خفيف الروح، عظيم الانطباع، شره المذاكرة، فطناً بالمعاريض، حاضر الجواب، شعلة من شعل الذكاء، تكاد تحتدم جوانبه، كثير الرقة، فكهاً غزلا، مع حياء وحشمة، جواداً بما في يده، مشاركاً لإخوانه؛ نشأ عفا طاهرا، كلفاً بالقراءة، عظيم الدؤب، ثاقب الذهن، أصيل الحفظ، ظاهر النبل، بعيد مدى الإدراك، جيد الفهم؛ اشتهر فضله، وذاع أرجه، وفشا خبره، واضطلع بكثير من الأغراض، وشارك في جملة من الفنون، فأصبح متلقف كرة البحث، وصارخ الحلقة، وسابق الحلبة، ومظنة الكمال؛ ثم ترق في درج المعرفة والاطلاع، وخاض لجة الحفظ، وركض قلم التسويد والتقييد والتعليق، ونصب نفسه للناس متكلماً فوق الكرسي المنصوب، وبين الحفل المجموع، مستظهراً بالفنون التي بعد فيها شأوه، من عربية وبيان، وما تقذف به لجة النقل من أخبار وتفسير، متشوفا مع ذلك إلى السلوك مصاحباً للصوفية، آخذاً نفسه بارتياض ومجاهدة؛ ثم عانى الأدب، فكان أملك به. ورحل في طلب العلم والازدياد، فترقى إلى الكتابة عن ولد السلطان أمير المسلمين بالمغرب أبي سالم بن أبي الحسن، وعرف في بابه بالإجادة، ثم رجع مع السلطان ابن الأحمر في طلب ملكه، فلطف محله منه، وخصه بكتابة سره،) وثابت

стр. 341

الحال، ودالت الدولة، وكانت له الطائلة، فأقره على رسمه (، معروف الانقطاع والصاغية، كثير الدالة، مضطلعاً بالخطة: خطا، وإنشاء، ولسناً، ونقداً؛ فحسن منابه، واشتهر فضله، وظهرت مشاركته، وحسنت وساطته، ووسع الناس تخلقه، وامتد في ميدان النظم والنثر باعه، فصدر عنه من المنظوم قصائد بعيدة الشأو في مدى الإجادة، من الإغراض المتعددة، من ميلاديات وغيرها، وهو بحالة الموصوفة إلى الآن، أعانه الله وسدده. وأخذ العربية عن رحلة الوقت في فنها، أبي عبد الله) بن الفخار؛ ثم على إمامها القاضي الشريف، إمام الفنون اللسانية، أبي القاسم محمد بن أحمد الحسني؛ والفقه والعربية على الأستاذ المفتي أبي سعيد بن لب؛ واختص بالفقيه المحدث الصدر أبي عبد الله (بن مرزوق، روى عنه كثيراً؛ ولقي الحافظ القاضي أبا عبد الله المقري لما قدم الأندلس رسولا، وذاكره؛ وقرأ الأصول على أبي علي منصور الزواوي؛ وروى عن القاضي أبي البركات بن الحاج، والمحدث أبي الحسين بن التلمساني، والخطيب ابن اللوشي، والمقرئ أبي عبد الله بن بيبش؛ وقرأ بعض الفنون العقلية بفاس على الشريف الرحلة أبي عبد الله العلوي التلمساني، واختص به اختصاصاً لم يخل فيه من استفاردة، وحنكة في الصناعة. وأما شعره فمترامٌ إلى نمط الإجادة خفاجي النزعة، كلف بالمعاني البديعة، والألفاظ الصقيلة، غزير المادة

стр. 342

مولده في رابع عشر شوال عام ثلاثة وثلاثين وسبع مئة. انتهى كلام ابن الخطيب. وأورد له ابن الخطيب فيما يرجع إلى الفخر قوله - قال ابن الخطيب: ولقد صدق -: ولائمتي في الجود والجود شيمتي ... جبلت على إيثارها يوم مولدي ذريني فلو أني أُخلد بالغنى ... لكنت ضنيناً بالذي ملكت يدي وأورد له ايضاً قوله: لقد علم الله أني امرؤ ... أجر رثوب العفاف القشيب فكم غمض الدهر أجفانه ... وفازت قداحي بوصل الحبيب وقيل رقيبك في غفلة ... فقلت أخاف الإله الرقيب وله أيضاً ﵀: ما لي بحمل الهوى يدان ... من بعد ما أعوز التداني أصبحتُ أشكو إلى زمانٍ ... ما بتُّ منه على أمانِ ما بال عينيك تسجمان ... والدمعُ يرفضّ كالجُمان ما ذاك والإلف عنك وانٍ ... والبعدُ من بعده كَواني؟ يا شِقوة من هوانٍ ... لججتُ في أَبحُر الهوان

стр. 343

لم يَثنِنِي عن هواك ثانٍ ... يا بُغيةَ القلب قد كفاني انتهى. ثم أظلم الجو بينه وبين ابن الخطيب، وتولى مكانه بعد فراره كما قدمناه؛ وحظي عند ابن الأحمر جدا، وبقي على ذلك مدة. قلت: وقد رأيت بتلسان كتاباً ملوكياً من تأليف بعض سلاطينها بني الأحمر، وهو حفيد ابن الأحمد المخلوع، سلطان الأندلس، الذي كتب له ابن زمرك المذكور بعد ابن الخطيب، أورد فيه كلام ابن زمرك، وسماه: " البقية والمدرك، من كلام ابن زمرك "، وهو سفر ضخم، ليس فيه إلا نظمه فقط؛ وذكر فيه أن ابن زمرك مات قتيلاً بعد التسعين وسبع مئة، فكان ذلك الواقع له مساوياً لما وقع لابن الخطيب شيخه، حسبما قدمناه. ونص ما قيدت من ذلك الكتاب من أوله: " أما بعد ما يجب من حمد الله تعالى في كل حال، وشكره على ما أولى ويسر من صلاح الأحوال؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد صفوة الأنبياء، وسيد الأرسال، والرضا عمن له من صحب وأنصار وآل؛ فإن من المعلوم أن الأدب له بالنفس علاقة تؤديه إلى الاستحسان، وتؤثر من اشتهر به بالملاحظة بلحظ الحظ مع تعاقب الأحيان؛ ولا خفاء أن أيام مولانا الجد المقدس، الغني بالله، تولاه الله برضوانه، كانت غرراً في وجوه الأيام، ومواسم تجمع الطم والرم

стр. 344

من الرؤساء الأعلام؛ الآخذين بأعنة الكلام، السابقين في حلبة النثار والنظام؛ وأن الفقيه الرئيس المدرك، الناظم الناثر أبا عبد الله محمد بن يوسف ابن زمرك؛ عفا الله عنه - وحسبك بمن ارتضاه مولانا) الجد ﵀ لكتابته، وصرفه في الوجوه المتعددة من رسالته وحجابته؛ فكان بذلك خليقاً، لما جمع فيه من أدوات الكمال علماً وتحقيقا؛ وإدراكاً ونُبلا، وفقها وأوصولاً، وفروعاً وأدباً وتحصلا، وبياناً وتفسيراً ونظما وترسيلا - لما كان قد أخفت الأيام سنى صبحه، وخابت وسائل نصحه، وعادت بعدوانها بعد فوز قدحه؛ وعثر بين أقدام أقوام لا يعرفون أي ذخر فقدوا، ولا أي مطلق من تصرفاته الجميلة قيدوا؛ مستبصرين بالجهل في دياجي غيهم، معجبين بما ارتكبوه من جياد بغيهم؛ جميعهم يلحظه بمقل داميه، وألفاظ حامية؛ يصابحونه بأوجه خلت عن الوجاهة، سيماها الحسد، وضميرها السخط بما قدره الواحد الصمد. فخرّ على الألاءة لم يُوَسَّد ... كأن جَبِينَه سيفٌ صَقيلُ فيا لله من أشلاء هنالك ضائعة، وأعلاق غير مصونة، ووسائل مخفورة؛ وأذمة قطعت أرحامها، ولم يرع ذمامها؛ وعاثت الأيدي الفاتكة حينئذ على بنيه، وارتكبوها شنعاءَ في أهله وذويه.

стр. 345

هل كان إلا حيا تحيا العبادُ به ... هل كان إلا قذى في عين ذي عَوَرِ إن قال قولا تَرَ الأبصارَ خاشعةً ... لِمَا يُخبِّر من وَحيٍ ومن أثَر يا لَهف نفسيَ لو قد كنتُ حاضرَه ... غداةَ جُرِّعه أدهى مِنَ الصَّبر لَما تركتُ له شِلوا بِمَضيعةٍ ... ولا تولّى صريعَ الناب والظُّفُر وكان ما كان مما لست أذكره ... فظُنّ خيراً ولا تسأل عن الخَبر وإن سأل سائل عن الخبر الذي ألمعنا بذكره، وضمنا هذا البيت ذروا من فظيع أمره؛ فذلك عند ما نسب صاحب الأمر إليه ما راب، وتله) وابنيه (للجبين معفرين بالتراب؛ وصدمه في جنح السيوف، وتعاورته الحتوف؛ وأذهبه سليباً قتيلا، مصيرا مصراع منزله كثيباً مهيلا، وتعاورته الحتوف؛ وأذهبه سليباً قتيلا، مصيرا مصراع منزله كثيباً مهيلا، وكنا على بُعد من هذه الآزفة التي أورثت القلوب شجناً طويلا؛ وذكرتنا بعناية مولانا) الجد (الغني بالله بجانبه أعظم ذكرى، فأغرينا برثائه خلدا وفكرا؛ وارتجلنا عند ذكره الآن هذه الأبيات إشارة مقنعة، وكانية في السلوان مطمعه؛ وأرضينا بالشفقة أو داءه، وأرغمنا بتأبينه أعداءه. ولما تبلج الصبح لذي عينين، وتلقينا راية الفرج بالراحتين؛ عطفتنا على أبنائه عواطف الشفقه، وأطلقنا لهم ما عاثت الأيدي عليه صلةً لرحم طالما أضاعها من جهل الأذمة، وأخفر عهود تخدمه لمن سلف من الأئمة؛ وصرفنا للبحث والتفتيش وجوه آمالنا، وجعلنا ضم ما نثرته الحوادث

стр. 346

من منظوماته من أكيد أعمالنا؛ وكان تعلق بمحفوظنا جملة وافرة من كلامه، مشتملة على ما راق وحسن من نثاره ونظامه؛ فأضفنا ذلك إلى ما وقع عليه اجتهادنا من رقاعه، الحائلة المنتهبة بأيدي النوائب، الدائرة المستلبة بتعدي النواهب؛ فخلص من الجملة قلائد عقيان، وعقود در ومرجان؛ ترتاح النفوس النفيسة لإنشادها، وتحسد الأبصار الأسماع عند إيرادها؛ إلى ما يتخللها من تخليد مآثر سلفنا، والإشادة بعظيم ملكنا؛ فشرعنا في تقييد أوابدها الشارده، وإحياء رسومها البائدة؛ كلفا بالأدب؛ لوضوح فضله، وتأدية لما يجب من رعاية أهله. ولنبدأ بالتعريف بحال هذا الرئيس المنبه عليه، ونظهرها ما كنا نضمره من الميل إليه، في كل ما له أو عليه، فنقول: هو الفقيه الكاتب، الفذ الأوحد، أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن محمد ابن أحمد بن يوسف الصريحي، ويعرف بابن زمرك؛ أصله من شرق الأندلس، وسكن سلفه بالبيازين من غرناطة، وبها ولد؛ فنشأ ضئيلاً كالشهاب يتوقد، مختصر الجرم والأعين بإطالة فواضله تشهد، ومكتب الفئة القرآنية يؤثره بالجناب الممهد، فاشتغل أول نشأته بطلب العلم، والدؤوب على القراءة، وأخذ نفسه بملازمة حلقات التدريس، ولم يبلغ حد وجوب المفترضات إلا وهو متحمل الرواية، وملتمس لفائد الدرايه، مصابح كل يوم أعلام العلوم، ومستهدٍ بمصابيح الحدود العلمية والرسوم. فافتتح أبواب الكتب النحوية بالإمام أبي عبد الله ابن الفخار، الآية الكبرى في فن العربية، وتردد الأعوام العديدة إلى قاضي الجماعة أبي القاسم الشريف؛ فأحسن الإصغاء، وبذ النحاة البلغاء، بما أوجب رثاءه عند الوقوف على ضريحه بالقصيدة الفريدة، التي أولها:

стр. 347

أغرى سراة الحي بالإطراق حسبما تأتى مستوفاة إن شاء الله تعالى. واهتدى إلى طريق الخطبة ومناهج الصوفية، بالخطيب المعظم أبي عبد الله بن مرزوق، الوافد على مولانا الجد أبي الحجاج ﵁ في عام ثلاثة وخمسين وسبع مائة، وإليه جنح، وإياه قصد، عند تغربه إلى المغرب، في دولة السلطان أبي سالم، فتوجه بالعمامة التي ارتجل بين يديه فيها: توجتني بعمامة ... توجت تاج الكرامة فروض حمدك يزهى ... منى بسجع الحمامة وأخذ علم الأصلين عن الحافظ الناقد أبي المنصور الزواوي، وبرع في الأدب، أثناء الانقطاع وأول الطلب لأبي عبد الله بن الخطيب، ولكن لم يحمد بينهما المآل. واقتدى في العلوم العقلية بالشريف أبي عبد الله التلمساني، قدوة الزمان؛ وحصلت له الإجازة والتحديث بقاضي الجماعة، وشيخ الجملة، أبي البكرات بن الحاج، وبالخطيب البليغ أبي عبد الله اللوشي، وبالخطيب الورع أبي عبد الله بن بيبش العبدري، رضي الله عن جميعهم. وبواجب محافظتنا على عهدهم، إذ نحن واردون بالإجازة التامة عذب وردهم، وصل سببنا بهم الكثير من شيوخنا، مثل الإمام المعظم أبي محمّد عبد الله بن جزي، ومعلمنا الثقة المجتهد أبي الله الشريشي، والقاضي الإمام أبي عبد الله محمّد بن علي علاق، وغيرهم رحمة الله عليهم. لذلك صار صدراً في نوادي طلبة الأندلس، وأفراد نجبائها؛ فما شاءه المحضر يجده في خضله، ويتلقاه من باهر فضله؛ فكاهة ومجالسة أنيقة ممتعة، ومحادثة أريضة مزهرة، وجواباً مطبقا للمفصل، وذهنا

стр. 348

سابقا لإيضاح المشكل؛ مع انقياد الطبع، وإرسال الدمعة، في سبيل الخشوع والرقة، ورشح الجبين عند تلقي الموعظة، وصون الوجه بجلباب الحياء، ومقابلة الناظر إليه بالاحتشام، والمبادرة للاستدعاء، على طهارة، وبذل وسع، وكرم نفس، لم يعهد أجمل مشاركة منه لإخوانه، ولا أمتع منه بجاهه، إلى مبالغة في الهشة والمبرة والإيثار بما منح، وجنوح إلى حب الصالحين، ذلك بالأنضواء إلى شيخ الفرق الصوفية، الولي أبي جعفر بن الزيات، وأخيه الفاضل الناسك شيخنا أبي مهدي، قدس الله مغناه، وسواهما من أهل الأندلس والعدوة، وحملة أشد الحمل على كل تلبس كأبي البرغوطي وسواه. ومن تنديداته زعموا على أبي الحسن المحروق لميله عنه: ولد الفقر والرباط ولكن ... نفسه للسلوك ذات افتقار وخطب الأدب يافعا وكهلا، وحاز علمه إدراكاً ونبلاً. ولمّا كانت الحادثة على مولانا الجد ﵀، واجتاز إلى المغرب، كما تقرر في غير هذا، كلف به، وأنس إليه، لحلاوة منطق، ورفع استيحاش، ومراوضة خلق؛ ثم كرم الله وجهه في صحبه ركابه، فعلت منزلته، ولطف محله. وقفنا على وقعة من رقاعه وهو يبدي فيها ويعي، ويقول: " خدمته سبعاً وثلاثين سنة، ثلاثة بالمغرب، وباقيها بالأندلس، وأنشدته فيها ستاً وستين قصيدة، في ستّة وستين عيداً، وكل ما في منازله السعيدة، من القصور والرياض والدشار والسبيكة، من نظم الرائق، ومدح فائق، في القباب والطاقات والطرز وغير

стр. 349

ذلك فهو لي، وكانت أؤا كله وأؤا كل ابنه مولاي أبا الحاج وهما كبيرا ملوك أهل الأرض. وهنأته بكذا وكأنَّ قصيدة، وفوض لي في عقد الصلح بين الملوك بالعدوتين، وصلح النصارى عقدته تسع مرات، ألحسه فوض إلى ذلك "؟ قلنا: صدق في جميع ما ذكره، وبذلك شاهدة له. وخصه عام ثلاثة وسبعين بكتابة سره، واستعمله بعد أعوام في السفارة بينه وبين ملوك عصره، فحمد منابه، ونمت أحواله، ورغد جنابه. وكان هنالك بعض تقولات تشين وجه اجتهاده، وتومئ بما احتقبه من سوء مقاصده، وما صرفه من قبيح أغراضه، وهاجت الفتنة، فكانت سفارته أعظم أسبابها. وعند الأشد من عمره عرضت لأفكاره تقبلت، وأقعده عن قداح السياسة آفات مختلفات، وأشعرته حدة ذهنه إنه متخبط في أشراك وقعات؛ فقد بجامع مالقة، ثم بمسجد الحمراء، ملقيا على الكرسي فنونا جمله، وعلوما لم يزل يتلقاها عن أولياء التعظيم والتجله، فأنحاز إلى مادة أمم بمالقة طما منهم البحر، وتراءى لأبصارهم وبصائرهم الفخر؛ وكان التفسير أغلب عليه لفرط ذكائه، وما كان قيده وحصله أيام قراءته وإقرائه؛ فما شئت من بيان، وإعجاز قرآن؛ وآيات توحيد وإخلاص، ومنهاج صوفيه تؤذن بالخلاص، يوم الأحد بالنواص. مراراً عدة سمع ما يلقيه ولي الأمر وياشدة البلوى التي أذاقه مرها، وأمطاها إلى طية الهلاك ظهرها، ويا قرب ما كان الفوت، والحسام الصلت، من تباعد هذه القرب التي ألفيت.

стр. 350

قلنا: لقد جمع جواد القلم، فأطلقنا ونحن نشير إلى هذا الرئيس وتبدل طباعه، بعد انقضاء أعوام شاهدة باضطلاعه؛ وإحراز شيم أدت إلى علو مقداره، واستقامة مداره؛ فآل عمر مولانا جدنا إلى النفاذ، ورمت رئيس كتابه هذا أسهم الحساد؛ فظهر الخفي، وسقط به الليل على سرحان قد طالما جرب الوفي والصفي. وكان من شأنه الاستخفاف بأولياء الأمر من حجاب الدولة، والاسترسال في الرد عليهم بالطبع والجبلة مع الاستغراق في غمار الفتن اندلساً وغرباً، ومراعاة حظوظ نفسه استيلاء وغظبا؛ أما الجراءة فانتضى سيوفها، وأما إكفاء السماء على الأرض فقواصم نوع صنوفها، وأما المجاهدة فوقف الميدان الاعتراض صفوفها، وأما المجاملة فنكر معروفها. أداة هذا النبأ العظيم إلى سكنى المعتقل بقصبة المرية، وعلى الأثر كان الفرج قريبا، وسطور الموحدة قد أوسعها العفو تضريباً. ونالته هذه المحنة عند وفاة مولانا الجد الغني بالله وكانت وفاته غرة شهر صفر عام ثلاثة وتسعين وسبع مائة لأسباب يطول شرحها، أظهرها شراسة في لسانه، واعتزاز بمكانه، وتضريب بين خدام السلكان وأعوانه، فكبا

стр. 351

لليدين وللفم، إلى أنَّ من الله يسراحه، وأعاده إلى الخضرة في أوّل شهر رمضان المعظم عام أربعة وتسعين وسبع مائة، فكان ما كان من وفات مولانا الوالد ﵀، وقيام أخينا محمّد مقامة الأمر، فاستمر الحال أياما قلائل، وقدم للكتابة الفقيه أبن عاصم لمدة من عام، ثم أعاد المذكور إلى خطته، وقد دمثت بعض أخلاقه، وخمدت شراسته. وحلا بعض مذاقه، فما كان إلاّ كلاوليت، وإذابة قد ساء مشهداً وغيباً، وأوسع الضمائر شكا وريبا الإحن عليه. وغلت مراجلها لديه؛ وصار يتقلب على جمر الغضي، وتبرم بالقضا؛ ويظهر النصح وفي طيه التشفي، ويسم نفسه بالصلاح، ويعلن بالخشوع، ويشير بأنه الناصح الأمين، ويتلو قول الله سبحانه:) ولكن لا تحبون الناصحين (. ورتب على المشتغلين كبيرهم وصغيرهم ذنوباً ولم يقترفوها، ونسب إليهم نسبا من التضييع لم يعرفوها، وانهم أحتجنوا الأموال، وأساءوا الأعمال والأقوال؛ فلم يظفر من ذلك بكبير طائل، ولا حصل على تفاوت أعداده على حاصل؛ هذا على قلة معرفته بتلك الطريقة الاشتغالية، وعدم اضطلاعه بالأمور الجبائية فمن نفس يروع سرابها، ويكدر بالامتحان والامتهان شربها؛ ومن ضارعة

стр. 352

خاشعة لله سلبت، وطولبت بغير ما اكتسبت، وتعدت الأيدي إلى أقوام جلة سعدوا بشفائه، وامتحنوا وهم المبرءون من تزويره واعتدائه وسيسألون يوم لا يغني مال ولا بنون؛ وصار يصرف أغراضه، ويظهر أحقاده بين إفصاح بما كان الإعجام خيراً من إلقائه، وأنَّ عمر المسكين المستضعف لا حاجة في طول بقائه؛ إلى مجاهرة عهد منه أيام شبيبته نقيضها، وانعكس في شاخته تصريحها المنغص وتعريضها؛ لا يريح نفسه من جهد ولا يقف من اللجاجة عند حدّثني. وقد كان ثقل سمعه فساءت إجابته وطغت أخلاقه فسم الناس وساطته وبما استحلف؛ فلم يكن بين اللازمة واللازمة إلاّ الحنث عن قصد وغير قصد، ودعا على نفسه وأبنائه بإنجاز وعد وأن يقيض الله ولهم قاتل عمد. فسبحان القهار فوق عباده، الرحيم بهذا الشخص وبالأموات من شيعته وأولاده. فاستمر على ذلك إلى إحدى الليالي، فهلك في جنح الليل في جوف داره على يدي مخدومه؛ تلقاه زعموا عند الدخول عليه وهو بالمصحف رافع به يديه فجدلته السيوف وتناولته الحتوف فقضي عليه وعلى من وجد من خدامه وابنيه: كل ذلك بمرأى عين من أهله وبنايه، ولم يتقوا الله فيه حق تقاته؛ فكانت أنكى الفجائع وأفظع الوقائع؛ وساءت القالة وعظم المصاب وكل شيء إلى أجل نافذ وكتاب.

стр. 353

ولمّا تلخصت هذه المقدمة بين يدي نظامه، وتم جميع ما أبرزه البحث والاجتهاد من خير كلامه؛ اخترنا له اسماً يوافقه، ويوضح مشارقه، وهو " البقية والمدارك من شعر أبن زمرك ". أما البقية فلما بقى بعد هلاكه وتخطته الحوادث وشح الهر بإمساكه؛ والمدارك: لأجل ما ترك في مبيضاته، ولم يخرجه في حياته. وهانحن ننظم درره الرائقة ونطلع في مراتب التأليف كل شارقة. فمن ذلك قوله في ذكر الحضرة العلية، وتهنئة مولاه الجد ﵀ عليه ببعض المواسم العيدية؛ ووصف كرائم من جياده وآثار ملكه وجهاده: يا من يحين إلى نجد وناديها ... غرناطة قد ثوت بجد بواديها قف بالسبيكة وانظر ما بساحتها ... عقيلة والكثيب الفرد جاليها تقلدت بوشاح النهر وابتسمت ... أزهارها وهي حلي في تراقيها وأعين النرجس المطلول يانعة ... ترقرق الطل دمعاً في مآقيها وافتر ثغر أقاحٍ من أزهارها ... مقبلاً خد وردٍ من نواحيها كأنما الزهر في حافاتها سحراً ... دراهم والنسيم اللدن يجيبها وانظر إلى الدوح والأنهار تكنفها ... مثل الندمى سواقيها سواقيها كم حولها من بدور تجتني زهرا ... فتحسبت الزهر قد قبلن أيديها حصباؤها لؤلؤ قد شف جوهره ... والنهر قد سال ذوبا من لآليها

стр. 354

نهر النجم والزهر المطيف به ... زهر النجوم إذا ما شئت تشبيها يزيد حسناً على نهر المجرة قد ... أغناهه در حبابٍ عن دراريها يدعي المنجم رائيه وناظره ... مسميات أبانتها أساميها إنَّ الحجاز مغانيه بأندلسٍ ... ألفاظها طابقت منها معانيها فتلك نجد ساقها كل منسجم ... من الغمام يحييها فيحييها وبارق وعذيب كل مبتسم ... من الثغر يحليها مجليها وإن أردت ترى وادي العقيق فرد ... دموع عشاقها حمراً جواريها وللسبيكة تاج فوق مفرقها ... تود در الدراري لو تحليها كأن حمراءها والله يكلؤها ... ياقوتة فوق ذاك التاج يعليها إنَّ البدور لتيجان مكللة ... جواهر الشيب في أبهى مجاليها لكنها حسدت تاج السبيكة إذ ... رأت أزهاره زهراً يجليها بروجها لبروج الأفق مخجلة ... فشهبها في جمال لا تضاهيها تلك القصور التي راقت مظاهرها ... تهوى النجوم قصوراً عن معاليها لله لله عينا من رأى سحراً ... تلك المنارة قد رقت حواشيها والصبح في الشرق قد قد لاحت بشائره ... والشهب تستن سبقاً في مجاريها تهوى إلى الغرب لمّا هالها سحر ... وغمض الفجر من أجفان واشيها

стр. 355

وساجع العود العود في كف النيم إذا ... ما استوقفت ساجعات الطير يغريها يبدي أفانين سحر في ترنمه ... يصبي العقول بها حسنا ويسبيها يجسه ناعم الأطراف تحسبها ... لآلئا وهي نور في تلاليها مقاتل بلحاظٍ قوس حاجبيها ... ترمي القلوب بها عمداً فتصميها فباكر الروض والأغصان مائلة ... يثني النفوس لها شوقا تثنيها لم يرقص الدوح بالأكمام من طرب ... حتى شدا من قيان الطير شاديها وأسمعتها فنون السحر مبدعة ... ورق الحمام وغناها مغنيها غرناطة آنس الحمن ساكنها ... باحت بسر معانيها أغانيها أعدى نسيمهم لطفا نفوسهم ... فرقة الطبع منه يعديها فخلد الله أيام السرور بها ... صفراً عشيتها بيضاً لياليها وروض المحل منها كل منبجسٍ ... إذا اشتكت بغليل الجدب يرويها يحكي الخليفة كفا كلما وكفت ... بالجود فوق موات الأرض يحيها تغنى العُفاة وقد أمت مكارمه ... عن السؤال بالإحسان تغنيها لها بنان فما غيث يساجلها ... جوداً ولا سحبه يوما تدانيها فإن تصب سحبه بالماء حين همت ... بسجد ولحن صاب هاميها يا أيّها الغيث أنت الغوث في زمن ... ملكوه تلفت لولا تلافيها إنَّ الرعايا جزاك الله صالحة ... ملكت شرقا وغربا من يراعيها
следующие страницы →