Полный текст (1 044 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
كان مسلم يندبه ويبكيه فقد عبث البلاء برسومه وعفى على أقماره ونجمه ولو حضرتم من جبر بالقتل على الإسلام وتوعد بالنكال والمهالك العظام ومن كان يعذب في الله بأنواع العذاب ويدخل به من الشدة في باب ويخرج من باب لأنساكم مصرعه وساءكم مفظعه وسيوف النصارى إذ ذلك على رؤوس الشرذمة القليلة من المسلمين مسلوله وأفواه الذاهلين محلوله وهم يقولون ليس لأحد بالتنصر أن يمطل ولا يلبث حينا ولا يمهل وهم يكابدون تلك الأهوال ويطلبون لطف الله في كل حال ". انتهى.
وكان جمعة من علماء الأندلس خرجوا إلى تلمستان منهم القاضي الشهير أبو عبد الله بن الأزرق صاحب الشرح العجيب على مختصر خليل وكتاب السياسة الملخص من مقدمة تاريخ أبن خلدون وفيه زيادات بديعات وكتاب روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام وغير ذلك وأرتحل من تلمستان إلى المشرق وسنلم بذكر. ومنهم بنو داود المذكورون في فهرسة الشيخ أبن غازي وهؤلاء خرجوا من الأندلس قبل أخذ غرناطة ولكن لمّا رأوا استطالة العدو عليها وأنّه آخذها لا محالة قوضوا رحالهم عنها فنزلوا بتلمستان المحروسة وأخذة الحضرة الغرناطية بعد ارتحالهم بقريب ﵏. ومنهم الفقيه الأديب حائز قصب السبق في كثرة النسخ والكتابة أبو عبد الله محمّد بن الحداد الشهير بالوادي آشي وسنذكره إن شاء الله رحم
стр. 72
الله الجميع. وممن خرج بفاس من العلماء أبو لعباس البقي ثم رجع إلى غرناطة وقضيته معروفة.
ولا بأس أن نورد كتاب السلطان أبي عبد الله محمّد بن الأحمر المخلوع المذكور الذي بعث به لصاحب فاس في ذلك العهد تمهيدا لعذره وتوطئة لمقصده وتطارحا على تلك الأبواب وتملقا وتمسكا بذلك الجناب وتعلقا وهو في الغاية الفصاحة والبلاغة من إنشاء الفقيه الأديب الشاعر الناظم الناثر الكتب المجيد البارع البليغ أبي عبد الله محمّد بن عبد الله العربي العقيلي ﵀ وسماه بالروض العاطر الأنفاس في التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس ونصه بعد الافتتاح:
مولى الملوك ملوك العرب والعجم ... رعيا لمّا مثله يرعى من الذم
بك استجار ونعم الجار أنت لمن ... حار الزمان عليه جور منتقم
حتى غدا ملكه بالرغم مستلبا ... وأفظع الخطب ما يأتي على الرغم
حكم من الله حتملا مرد لم ... وهل مرد لحكم منه منحتم
стр. 73
وهي الليالي وقاك الله صولتها ... تصول حتى على الآساد في الأجم
كنا ملوكا لنا في أرضنا دول ... نمنا بها تحت أفنان من النغم
فأيقظتنا سهام للردى صيب ... يرمى بأفجع حتف من بهن رمي
فلا تنم تحت ظل الملك نومتنا ... وأي ملك بظل الملك لم ينم
يبكي عليه الذي قد كان يعرفه ... بأدمع مزجت أمواهها بدم
كذلك الدهر لم يبرح كما زعموا ... يشم بو الصغار الأنف ذا الشمم
وصل أواصر قد كانت اشتبكت ... فالملك بين ملوك الأرض كالرحم
وأبسط لنا الخلق المرجو باسطه ... واعطف ولا تنحرف وأعذر ولا تلم
لا تأخذنا بأقوال الوشاة ولم ... نذنب ولو كثرت أقوال ذي الوخم
فما أطقنا دفاعا للقضاء وما ... أرادت أنفسنا ما حل من نقم
ولا ركوبا بإزعاج لسابحة ... في زاخر بأكف الموج ملتطم
والمرء ما لم يعنه الله أضيع من ... طفل تشكي بفقد الأم في اليتم
وكل ما كان غير الله يحرسه ... فإن محروسه لحم على وضم
стр. 74
كن كالسمؤل إذ سار الهمام له ... في جحفل كسواد الليل مرتكم
فلم يبح أدرع الكندي وهو يرى ... أن ابنه البر قد أشفى على الرجم
أو كالمعلى مع الضليل الأروع إذ ... أجاره من أعاريب ومن عجم
وصار يشكره شكرا يكافئ ما ... أسدى إليه من الآلام والنعم
ولا تعاتب على أشياء قد قدرت ... وخط مسطورها في اللوح بالقلم
وعد عما مضى إذ لا ارتجاع له ... وعد أحرارنا في جملة الخدم
إيه حنانيك يا بن الأكرمين على ... ضيف ألم بفاس غير محتشم
فأنت أنت ولولا أنت ما نهضت ... بنا إليها خطا الوخادة الرسم
رحماك يا رحما ينمي إلى رحما ... في النفس والأهل والأتباع والحشم
فكم مواقف صدق في الجهاد لنا ... والخيل عالك الأشداق للجم
والسيف يخضب بالحمر من علق ... ما ابيض من سبل وأسود من لمم
ولا ترى صدر عضب غير منقصف ... ولا ترى متن لدن غير منحطم
стр. 75
حتى هينا بدهيا لا اقتدار بها ... سوى على الصون للأطفال والحرم
فقال من لم يشاهدها فربتما ... يخال جامحها يقتاد بالخطم
هيهات لو زبنته الحرب كان بها ... أعيا يدا من يد جالت على زلم
تالله ما أضمرت غشا ضمارنا ... ولا طوت صحة منها على سقم
لكن طلبنا من الأمر الذي طلبت ... ولاتنا قبلنا في الأعصر الدهم
فحاننا عنده الجد الخئون ومن ... تقعد به نكبات الدهر لم يقم
فاسود ما اخضر من عيش دهته عدا ... بالأسمر اللدن أو بالأبيض الخدم
وشتت البين شملا كان منتظما ... والبين أقطع للموصول من جلم
فرب مبنى شديد قد أناخ به ... ركب البلا فقرته أدمع الديم
قمنا لديه أصيلانا نسائله ... أيا جوابا وما بالربع من أرم
وما ظننا بإن نبق إلى زمن ... نرى به غرر الأحباب كالحمم
لكن رضا بالقضا الجاري وإن طويت ... منا الضلوع على برح من الألم
стр. 76
لبيك يا من دعانا نحو حضرته ... دعاء إبراهيم الحجاج للحرم
وأعط الأمن الذي رصت قواعده ... على أساس وفاء غير منهدم
خليفة الله وافاك العبيد فكن ... في كل فضل وطول عند ظنهم
وبين أسلافنا ما قد علمت به ... من اعتقاد بحكم الإرث مقتسم
وأنت منهم كأصل مطلع غصنا ... أو كالشراك الذي قد قُدَّ من أدم
وقد خطوت خطاهم في مآثرهم ... فلم يذموا إذن فيها ولم تذم
وصيت مولى الورى الشيخ الإمام غدا ... في الناس أشهر من نار على علم
سلالة الأمراء الجلة الكبارا ... العليلة الظهراء القادة البهم
بنو مرين ليوث في عرين أبوا ... رؤيا قرين لهم في البأس والكرم
النازلين من البيضاء وسط حمى ... أحمى من الأبلق السامي ومن إرم
والجائسين بجهم الخيل كل ذرى ... والدعسين بسمر الخط كل كمي
يريك فارسهم إن هز عامله ... في مأزق بلظى الهيجاء مضطرم
стр. 77
ليثا على أجدل عار من أجنحة ... يسطو بأرقم لداغ بغير فم
في اللام يدغم من عساله ألفا ... ولم نجد ألفا أصلا بمدغم
أهل الحفيظة يوم الروع يحفظهم ... من عصمة الله ما يربى على العصم
بأس تطير شرار منه محرقة ... لكل مدرع بالحزم محتزم
هم بطائفة التثليث قد فتكوا ... كمثل ما يفتك السرحان بالغنم
وإن يلثمهم يوم الوغى رهج ... أنسوك ما ذكروه عن ذوى اللثم
تضئ آراؤهم في كل معضلة ... إضاءة السراج في داج من الظلم
هذا ولو من حيا ذاب محتشم ... لذاب منهم حياء كل محتشم
طابت مدائحهم إذ طابت أنفسهم ... فاشتاقت النسمات أسما من النسم
لله درهم والسحب باخلة ... بدرهن على الأنعام والنعم
بحيث الأفق من لون حمرته ... كالشيب يخضب بالحناء والكتم
стр. 78
هناك تنهل أيديهم بصوب حيا ... يحيى بالاجداث ما فيها من الرمم
وإن بيتي زيادة طالما ذكروا ... إذا ألمت أحاديث بذكرهم
أحلام عاد وأجساد مطهرة ... من العقمة والآفات والأثم
يرون حقا عليهم حفظ جارهم ... فلم يضر نازل فيهم ولم يضم
فروعه بالدواهي لا يراع ولا ... يغنم منها بما يعرو من الغنم
هم البحار سماحا غير أن بها ... ما قد أناف على الأطواد من همم
وليس يسلم من حتفه محاربها ... حتى يكون إليهم ملقى السلم
كم فيهم من أمير أوحد ندس ... يقرطس الغرض المقصود بالفهم
ولا كسبط أبى حسون من حسنت ... أمداحه حسن ما فيه من الشيم
هذا كم أبن أبي زكري الهمام فقل ... في اصله المنتقى من مجده العمم
стр. 79
خليفة الله حقا في خليقته ... كنائب ناب في حكم عن الحكم
مهما تنر قسمات منه نيرة ... تنل بنان له ما جل من نعم
فوجهه بدجى وكفه بجدا ... أبهق من الزهر أو أندى من الديم
وفضله وله الفضل المبين جرى ... كجري الأمثال في الأقطار والأمم
وجوده المتوالى للبرية ما ... وجوده بينها طرا بمنهدم
إذا ابتغت نعما منه العفاة له ... لم سمعوا كلمة منه سوى نعم
وإن يعبس زمان في وجوههم ... لم يبصروا غير وجه منه مبتسم
وجه تبين سمات المكرمات به ... كما تبين سمات الصدق في الكلم
وراحة لم تزل في كل آونة ... في نيلها راحة الشاكي من العدم
لله ما التزمته من نوافله ... أيام لا فرض مفروض بملتزم
أنسى الخلائف في حلم وفي شرف ... وفي سخاء وفي علم وفي فهم
فجاز معتمدا منهم ومعتضدا ... وامتاز عن قائم منهم ومعتصم
وناصر الدين في الإقبال فاق وفي ... محبة العلم أزرى بابنه الحكم
أفعال أعدائه معتلة أبدا ... متى يرم جزمها بالحذف تنجزم
стр. 80
فويل أهل الفلا من حية ذكر ... للمتلئب اللهام المجر ملتقم
رامو عداوة من إن شاء غادرهم ... مثل الأحاديث عن عاد وعن إرم
فسوف يأكل من جيشه لجب ... بكل قرم إلى لحمانهم قرم
وإن الأعراب إذ ساروا لغابته ... لسائرون إلى لقم على لقم
وهم كما قاله ماض: أرى قدمي ... بسعيه نحو حتفي قد أراق دمي
فقل إذن للمناوي الناوي الآن الأذى ... ياغر غرك ما أبصرت في الحلم
له صوارم لو ناجتك السنها ... لبشرتك بعمر منك منصرم
وإن روحك عن قرب سيقبضه ... قبض المسلم ما قد حاز من سلم
فهو الذي ما له ند يشابهه ... من كل متصف بالدهي متسم
يدبر الأمر تدبيرا يخلصه ... مما عسى أن يرى فيه من الوهم
ويبصر الغيب لحظ الذهن منه إذا ... تعمى أدراجه ألحاظ كل عم
стр. 81
وينعم النظر المفضى بناظره ... لصوب وجه صواب واضح اللقم
ذو منطق لم تزل تجلوا نتائجه ... عن مبطل بخصم المبطل الخصم
ومسمع ليس يصغي للوشاة فلم ... ينفق لديه الذي عنهم إليه نمي
فعقله لا توازيه العقول وهل ... يوازن الطود ما قد طال من أكم
إيه جميع الورى من بدو أو حضر ... نداء مرتيط بالنصح مرتسم
شدوا وجدوا ولا تعنوا ولا تهنوا ... قد لفها الليل بالواقة الحطم
هذا الأمير المريني السعيد له ... سعد يؤيده في كل مصطدم
قد أقسمت أنه المنصور ألسنة ... من نخبة الاوليا مبرورة القسم
فشيعوه ووالوه تروا عجبا ... وتظفروا معه بالأجر والغنم
والحمد لله إذ أبقى خلافته ... كهفا لنا من يخيم فيه لم يرم
حرز حريز وعز قائم وندى ... غمر دراك بلا من ولا سأم
стр. 82
دامت ودام لها سعد يساعدها ... في كل مبتدأ منه ومختتم
فالله عز أسمه قد زانها بحلى ... من غر امداحه كالدر في النظم
الواهب الألف بعد الألف من ذهب ... كالجمر يلمع في مستوقد الضرم
والفاعل لم يهمم به أحد ... والقائل القول فيه حكمة الحكم
ذاكم هو الشيخ فاعجب أنّه هرم ... جودا وحاشاه أن يعزى إلى هرم
وحسبنا أن أيدينا به أعتصمت ... من حبله بوثيق غير منفصم
فما محالفه يوما بمضطهد ... ولا موالفه يوما بمهتضم
ولا موافيه في جهد بمطرح ... ولا مصافيه في ود بمتهم
ولا محيا محيه بمنكسف ... ولا راجاء مرجيه بمنخرم
وما تكرمه سرا بمنكشف ... ولا تنكره جهرا بمكتتم
وليس لامح مرآه بمكتئب ... وليس راضع جدواه بمنفطم
ولا مقبل يمناه الكريمة في ... محل ممتهن بل دست محترم
وما وسيلتنا العظمى إليه سوى ... ما ليس ينكر ما فيها من العظم
وإنّما هي وما أدراك ما هي من ... وسيلة ردها أدهى من الرضم
стр. 83
نبينا المصطفى الهادي بخير هدى ... محمّد خير خلق الله كلهم
داعي الورى من أولى خيم وأهل قرى ... إلى طريق الرشاد لأحب أمم
عليه منا صلاة ما ذكرت ... أمن تذكر الجيران بذي سلم
وما تشفع فيها بالشفيع له ... دخيل حرمته العلياء في الحرم
" ربنا ظلمنا أنفسنا وإنَّ لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ".
" أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا أنت خير الراحمين ". " ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ". " ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأنَّ الكافرين لا مولى لهم ". " نعم المولى ونعم النصير ".
أما بعد حمد الله الذي لا يحمد على السراء والضراء سواه؛ والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمّد، الذي طلع طلوع الفجر بل البدر فلاح، يدعوا إلى سبيل كل فلاح، أولى قلوب غافلة، ونفوس سواه؛ والرضا عن أصحابه، وعترته الأكرمين وأحزابه، الذين تلقوا بالقبول ما أورده عليهم من أوامر ونواه، وعزروه ونصروه في حالي قربه ونواه.
فيا مولانا، الذي أولانا من النعم ما أولانا؛ لا حط الله تعالى لكم من العزة رواقا، ولا أذوى لدوحة دولتكزم أغضانا ولا أرواقا؛ ولا زالت مخضرة العود، متبسمة عن زهرات البشائر متحفة بثمرات السعود، ممطورة
стр. 84
بسحاب البركات المتداركات دون بروق ولا رعود: هذا مقام العائذ بمقامكم، المتعلق بأسباب ذمامكم لعواطف قلوبكم، وعوارق إنعامكم، المقبل الأرض تحت أقدامكم، المتلجلج اللسان عند محاولة مفاتحة كلامكم؛ وماذا الذي يقول من وجهة خجل، وفؤاده وجل، وقضيته المقضية عن التنصل والاعتذار تجل، بيد أني أقول لكم لربى، واجترائي عليه أكثر وإجرامي إليه أكبر: اللهم لا برئ فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، لكني مستقيل مستنيل مستعتب مستغفر؛ " وما أبرئ نفسي، إنَّ النفس أمارة بالسوء ". هذا على طريق التنزل والاتصاف، بما تقتضيه الحال ممن يتحيز إلى الإنصاف؛ وأما على وجهة التحقيق، فأقول ما قالته الأم ابنة الصديق: " والله إني لأعلم أني بما يقوله الناس، والله يعلم إني منه بريئة، ولأقولن ما لم يكن، ولئن أنكرت ما تقولون لا تصدقونني، فأقول ما قاله أبو يوسف: صبر جميل، والله المستعان على ما تصفون ".
على إني لا أنكر عيوبي، فأنا معدن العيوب، ولا أجحد ذنوبي، فأنا
стр. 85
جبل الذنوب، إلى الله أشكو عجري وبجري، وسقطاتي وغلطاتي. نعم، كل شيء ولا ما يقوله المتقول، المشنع المهول، الناطق بفم الشيطان المسول. ومن أمثالهم: " سبني واصدق ". ولا تفتر ولا تخلق؛ فمثلى كان يفعل أمثالها، ويحمل من الأوزار المضاعفة أحمالها، ويهلك نفسه ويحبط أعمالها؛ عياذاً بالله من خسران الدين، وإيثار الجاحدين والمعتدين، قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين. وأيم الله لو علمت شعرة في فودي تميل تميل إلى تلك الجهة لقلعتها، بل لقطفت ما تحت عمامتي من هامتي وقطعتها؛ غير أنَّ الرعاء في كل وقت وأوان، للملك أعدائه وعليه أحزاب وأعوان، كان أحمق وأجهل من أبن ثروان، أو أعقل من أشج بني مروان؛ ورب متهم برئ، ومسربل بسربال وهو منه عري؛ وفي الأحاديث صحيح وسقم، ومن التراكيب المنطقية منتج وعقيم، ولكن ثم ميزان عقل، تعتبر به أوزان النقل؛ وعلى الراجح الاعتماد، ثم إشاعة الإحماد، المتصل المتماد؛ وللمرجوع الأطراح، ثم الذم الصراح، بعد النفض من الراح؛ وأكثر ما تسمعه الكذب، وطبع جمهور الخلق إلا من
стр. 86
عصمة الله إليه منجذب؛ ولقد قذفنا من الأباطيل بأحجار، ورمينا بما لا يرمى به الكفار، فضلا عن الفجار؛ وجرى من الأمر المنقول عن لسان زيد وعمرو، مالكم منه حفظ الجبار؛ وإذا عظم الإنكاء، فعلى تكأة التجلد الاتكاء؛ أكثر المكثرون، وجهد في تعثيرنا المتعثرون؛ ورومنا عن قوس واحده، ونظمونا في سلك الملاحده؛ أكفر أيضاً كفرا! غفراً اللهم غفرا، أعد نظراً يا عبد قيس، فليس الأمر على ما خيل لك ليس، وهل زدنا على طلبنا حقنا، ممن رام محقه ومحقنا؟ فطاردنا في سبيله عداة كانوا لنا غائظين؛ فأنفتق علينا فتق، لم يمكنا له رتق: وما كنا للغيب حافظين.
وبعد، فاسأل أهل الحل والعقد، والتميز والنقد؛ فعند جهينتهم تلق الخبر يقينا، وقد رضينا بحكمهم يوثمنا قيوبقنا، أو يبرئنا فيقينا. إيه يا من أشرب إلى ملامنا، وقدح حتى في إسلامنا؛ رويداً رويداً، فقد وجدت قوة وأيداً؛ ويحك، لنما طال لسانك علينا، وامتد بالسوء إلينا، لأن الزمن لنا مصغر، ولك مكبر، والأمر عليك مقبل، وعنا مدبر، كما قاله كاتب الحجاج المدبر.
стр. 87
وعلى الجملة، فهبنا صرنا إلى التسليم مقالك جدلا، وذهبنا فأقررنا بالخطأ في كل وردٍ وصدر، فالله در القائل: إنَّ كنت أخطأت فما أخطأ القدر وكأنا بمعتسف إذا وصل إلى هنا، وعدم إنصافه يعلمه الهنا؛ قد أزور متجانفا، ثم افتر متافنا، وجعل يتمثل بقولهم: " إذا عيروا قالوا مقادير قدرت "
وبقولهم: " المرء يعجز لا محالة "؛ فيعارض الحق بالباطل، والحالي بالعاطل، وينزع بقول القائل: " رُبَّ مسمع هائل، وليس تحته من طائل ". وقد فرغنا أوّل أمس من جوابه، وتركنا الضغن يلصق حرارة
стр. 88
الجوى به؛ وسنلم الآن بما يوسعه تسكينا، ويقطعه تبكيتا. فنقول له: ناشدك الله تعالى، هل اتفق لك قط وعرض، خروج أمر ما على القصد منك فيه والغرض؛ مع اجتهادك أثناءه في إصدارك وإيرادك، في وقعه على وفق اقتراحك ومرادك؟ أو جميع ما تزاوله بإرادتك، لا يقع إلا مطابقا لإرادتك؟ أو كل ما تقصده وتنويه، تحرزه كما تشاء وتحويه؟ فلابد أن يقر اضطراراً. بان مطلوبه يشذ عنه مراراً، بل كثيرا ما يفلت صيده من أشراكه، ويطلبه فيعجز عن إدراكه؛ فنقول: ومسألتنا من هذا القبيل: أيها النبيه النبيل؛ ثم نسرد له من الأحاديث النبوية ماشينا، مما يسايرنا في غرضنا منه ويماشينا، كقوله) : " كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس ". وقوله أيضاً: " لو اجتمع أهل السماوات وأهل الأرض على أن ينفعوك بشيء، لم يقض الله لك، ولم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يقض الله عليك، لم يقدروا عليه ". أو كما قال) . فأخلق به أن يلوذ بأكناف الإحجام، يزم على نفثة فيه كأنما ألجم بألجام؛ حينئذ نقول له، والحق قد أبان وجهه وجلاه، وقهره بحجته وعلاه: ليس لك من الأمر شيء قل إن الأمر كله لله. وفي محاجة آدم موسى ما يقطع لسان الخصم، ويرحض عن أثوب أعراضنا ما عسى أنَّ يعلق بها من درن الوصم؛ وكيفما كانت الحال، وإن أساء الرأي والانتحال، ووقعنا في أوجال وأوحال؛ فثل عرشنا، وطويت فرشنا، ونكس لواؤنا، وملك مثوانا، فنحن من سوانا؛ وفي الشر خيار،
стр. 89
ويد اللطائف تكسر من صولة الأغيار؛ فحتى الآن لم نفقد من اللطيف تعالى لطفاً، ولا عمدنا أدوات أدعية تعطف بلا مهلة على جملتنا المقطوعة جمل النعم الموصولة عطفا؛ وإلا فتلك بغداد دار السلام، ومتبوأ الإسلام، المحفوف بفرسان السيوف والأقلام؛ مثابة الخلافة العباسية، ومقر العلماء والفضلاء أولى السير الأويسية، والعقول الإياسية؛ وقد نوزلت بالجيوش ونزلت، وزوولت بالخزوف وزلزلت، وتحيف جوانبها وداخلها كفار التتار عنوة بالسيف، ولا تسل إذ ذاك عن كيف؛ أيام تجلت عروس المنيه، كاشفة عن ساقها مبدية، وجرت الدماء في الشوارع والطرق كالأنهار والأودية، وقيد الأئمة والقضاة تحت ظلال السيوف منتصاة عمائمهم في رقابهم والأردية؛ وللنجيع سيول، تخوضها الخيول؛ فتخضبها إلى أرساغها، وتهم ظماؤها، فتنكل عن تجرعها ومساغها؛ فطاح عاصمها ومستعصمها، وراح ولم يغد ظالمها ومتظلمها؛ وخربت مساجدها وديارها، وأصطلم بالحسام أشرارها وخيارها؛ فلم يبق من جمهور أهلها عين تطرف، حسما عرفت أو حسما تعرف؛ فلا تكن متشكشكا متوقفا؛ فحديث تلك الواقعة الشنعاء أشهر عند
стр. 90
المؤرخين من قفا؛ فأين تلك الجحافل، والآراء المدارة في المحافل؛ حين أراد الله تعالى بإدالة الكفر، ولم تجد ولا قلامة ظفر؛ إذن فمن سلمت له نفسه التي هي رأس ماله، وعياله وأطفاله، واللذان هما من أعظم آماله؛ وكل أو جل أو أقل رياشه، وأسباب معاشه، الكفيلة بإنتهاضه، وانتعاشه؛ ثم وجد مع ذلك سبيلا إلى الخلاص، في حال مياسرة ومساهلة، دون تصب وأعتياض، بعد ما ظن كل الظن أن لا محيد ولا مناص؛ فما أحقه حينئذ وأولاه، أن يحمد خالقه ورازقه ومولاه؛ على ما أسداه إليه من رفد وخيره، ومعافاته مما أبتلي به كثير من غيره؛ ويرضى بكل إيراد وإصدار، وتتصرف فيهما الأحكام الإلهية والأقدار، فالدهر غدار، والدنيا دار مشحونه بالأكدار؛ والقضاء لا يرد، ولا يصد؛ ولا يغلب، ولا يطلب؛ والدائرات تدور، ولا بد من نقص وكمال للبدور؛ والعبد مطيع لا مطاع، وليس يطاع إلا بالمستطاع، والخالق القدير جلت قدرته في خليقته علم غيب، للأذهان عن مداه انقطاع؛ ومالي والتكلف لمّا لا احتاج إليه من هذا القول، بين يدي ذي الجلالة والمجادة والفضل والطول: فله من العقل الأرجح من الخلق والأسجح، ما لا تلتاط معه تمتي بصفره، ولا تنفق عنده وشاية الواشي، لا عد من نفره، ولا فاز قدحه بظفره؛ والموالي يعلم الدنيا تلعب باللاعب، وتجر براحتها إلى المتاعب؛ وقديماً للأكياس من الناس خدعت، وانحرفت عن وصالهم ما كانوا وقطعت،
стр. 91
وفعلت بهم ما فعلت، بيسار الكواعب التي جببت وجدعت، ولئن رهصت وهصرت
فقد نبهت وبصرت، ولئن قرعت ومعضت، لقد أرشدت ووعظت؛ ويا ويلنا من تنكرها لنا بمرة، ورمينا لنا في غمرة أي غمرة؛ أيام قبلت لنا ظهر المجن، وغيم أفقها المصحى وأدجن، فسرعان ما عاينا حبالها منها ما لم نحسب كما تقوم الساعة بغتة؛ فمن استعاذ من شيء، فليستعذ مما صرنا إليه، من الحور بعد الكور، والانحطاط من النجد إلى الغور:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف
فأف لدينا لا يدوم نعيمها ... تقلب تاراتٍ بنا وتصرف
وأبيها لقد أرهقتنا إرهاقاً، وجرعتنا ن صاب الأوصاب كأساً دهقا؛ ولم نفزع إلى غير بابكم المنيع الجناب، والمنفتح حين سدت الأبواب، ولم نلبس غير لباس نعماكم حين خلعنا ما ألبسنا الملك من الأثواب؛ وإلى أمه يلجأ الطفل لجأ اللهفان، وعند الشدائد تمتاز السيوف من الأجفان. ووجه الله تعالى
стр. 92
يبقى، وكل من عليها فإنَّ، وإلى هنا ينتهي القائل ثم يقول: حسبي هذا وكفان، ولا ريب من اشتمال العلم الكريم، على ما تعارفته الملوك بينها في الحديث والقديم، من الأخذ باليد عند زلة القدم، وقرع الأسنان وعض البنان من الندم، دينا به تدنيت حتى مع اختلاف الأديان، وعادة أطرد فيهم على تعاقب الأزمان والأحيان.
ولقد عرض علينا صاحب قشتالة مواضع معتبرة، خير فيها وأعطى من أمانه، المؤكد فيه بأيمانه، ما يقنع النفوس ويكفيها. فلم نر ونحن من سلالة الأحمر، مجاورة الصفرة، ولاسوغ لنا الإيمان الإقامة بين ظهراني الكفر؛ ما وجدنا على ذلك مندوحة ولو شاسعة، وأمنا المطالب المشاغب حمة شرٍ لنا لا سعة؛ وأدكرنا أي إدكار، قول الله تعالى المنكر لذلك غاية الإنكار: " ألم تكن أرض الله واسعة "؛ وقول الرسول ﵊، المبالغ في ذلك بأبلغ الكلام: " أنا برئ من مؤمن مع كافر لا تتراءى نارهما "؛ وقول الشاعر الحاث على حث المطية، المتثاقلة عن السير في طريق منحاتها البطيه:
وما أنا والتلدد نحو نجد ... وقد غضت تهامة بالرجال
стр. 93
ووصلت أيضاً إلينا، من الشرق كتب كريمة المقاصد لدينا؛ تستدعي الانحياز إلى تلك الجنبات، وتتضمن ما لا مزيد عليه من الرغبات؛ فلم نختر إلاّ دارنا، التي كانت دار آبائنا من قبلنا، ولم نرتض الانضواء إلاّ لمن بحبله وصل حبلنا، وبريش نبله ريش نبلنا؛ إدلالاً على محل إخاء متوارث عن كلالة، وامتثالاً لوصاة أجداد لأنظارهم وأقدارهم أصالة وجلاله؛ إذ قد روينا عمن سلف من أسلافنا، في الإيصاء لمن يخلف بعدهم من أخلافنا؛ ألا يبتغوا إذا دهمهم داهم بالحضرة المرينية بدلا، ولا يجدوا الفجاج، وركبنا إلى بحر الفرات ظهر بحر الأجاج؛ فلا غرو أن نرد منه على ما يقر العين، ويشفي النفس الشاكية من ألم البين، ومن توصل هذا التوصل، وتوسل بمثل ذلك التوسل؛ تطارحاً على سدة أمير المؤمنين المحارب للمحاربين، والمؤمن للمستأمنين؛ غير حليق الحقيق، بأن يسوغ أصفى مشاربه، ويبلغ أوفى مآربه؛ على توالي الأيام والشهور والسنين، ويخلص من الثبور إلى الحبور، ويخرج من الظلمات إلى النور خروج الجنين؛ ولعل شاع سعادته يفيض علينا، ونفحة قبول إقباله تسرى إلينا؛ فتخامرنا أريحية تحمنا على أن نبادر، لإنشاد قول الشريف الرضي في الخليفة القادر:
عطفا أمير المؤمنين فأننا ... في دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبداً كلانا في المعالي معرق
стр. 94
إلاّ الخلافة ميزتك فأنني ... أنا عاطل منها وأنت مطوق
لا، بل الأحرى بنا والأحجى، والإنجاح لسعينا والارجى؛ أنَّ نعدل عن هذا المنهاج، ويقوم وافدنا بين يدي علاه مقام الخاضع المتواضع الضعيف المحتاج، وينشد ما قال في الشيرازي أبن الحجاج:
الناس يفدونك اضطراراً ... منهم وأفديتك باختياري
وبعضهم في جوار بعض ... وأنت حتى أموت جاري
فعش لخبزي وعش لمائي ... وعش لداري وأهل داري
ونستوهب من المنان الوهاب تعالى وجلت أسماؤه، وتعاظمت نعماؤه؛ رحمة تجعل في يد الهداية أعنتنا، وعصمة تكون في مواقف المخاوف جنتنا؛ وقبولا يعطف علينا نوافر القلوب، وصنعاً يسني لنا كل مرغوب ومطلوب، ونسأله، وطالما بلغ السائل سؤلاً ومأمولا، متابا صادقا على موضوع الندم ممولا، ثم عزاء حسناً وصبراً جميلا، عن أرض أورثها من شاء من عباده لهم ومديلا، وسادلا عليهم من ستور الإملاء الطويلة سدولا، " سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ". فلينظر الطائر الوسواس المرفرف مطيراً، كان ذلك في الكتاب مسطوراً، ولم نستطع عن مورده صدوراً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.
стр. 95
ألا، وإنَّ لله سبحانه في مقامكم العلى الذي أيده وأعانه، سراً من النصر، يترجم عنه لسان من النصل، وترجع فروع البشائر الصادقة، بالفتوحات المتلاحقة، من قاعدته المتأصلة إلى أصل، فبمثله يجب اللياذ والعياذ؛ ولشبهه يحق الالتجاء والارتجاء. ولأمر ما آثرنا واخترناه، بعد أنَّ استرشدنا الله تعالى واستخرناه، ومنه ﷻ نرغب أنَّ يخير لنا ولجميع المسلمين، ويؤوينا من حمايته ووقايته إلى معقل، وجانب رفيع، آمين، آمين، آمين.
نرجو أنَّ يكون ربنا، الذي هو في جميع الأمور حسبنا؛ قد خار لنا حيث أرشدنا وهدانا، وساقنا توفيقه وحدانا؛ إلى الاستجارة بملك حفي، كريم وفي؛ أعز جارا من أبي داود، وأحمى أنفا من الحارث بن عباد. يشهد بذلك الداني والقاصي والحاضر والبائد، إنَّ أغاث ملهوفا فما الأسود أبن قنان يذكر، وإنَّ أتعش حشاشة هالك فما كعب بن مامة على فعله وحده يشكر
стр. 96
جليسه كجليس القعقاع بن شور، ومذكراه كمذكر سفيان المنتسب من الرباب إلى ثور، إلى التحلى بأمهات الفضائل، التي أضدادها أمهات الرذائل؛ وهي الثلاث: الحكمة والعدل والعفة، التي تشملها الثلاث: الأقوال، والأفعال، والشمائل؛ وينشأ منها ما شئت من عزم وحزم، وعلم وحلم، وتيقظ وتحفظ، واتقاء وارتقاء، وصول وطول، وسماح ونائل؛ فبور حلاه المشرق، يفتخر المغرب على المشرق؛ وبمحتده السامي خطره في الأخطار، وبيته الذي ذكره في النباهة والنجابة قد طار، يباهي جميع ملوك الجهات والأقطار، وكيف لا وهو الرفيع المنتهى والنجار، الراضع من الطهارة صفو ألبان، الناشئ من السراوة وسط أحجار، في ضثضئ المجد، وبحبوح الكرم، وسراوة أسرة المملكة التي أكنافها حرم، وذؤابة الشرف التي مجاذبها لم ترم؛ من معشر أي معشر، بخلو إن وهبوا ما دون أعمارهم، وجنوا إن لم يحملوا سوى ذمارهم، وبنو مرين، وما أدراك ما بنو مرين:
стр. 97
سم العداة وآفة الجزر
النازلون بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر
لهم من الهفوات أنتفاء، وعندهم من السير النبوية أكتفاء؛ وانتسبوا إلى برين قيس، فخرجوا في البر عن القيس؛ ما لهم القديم المعروف، وقد نفد في سبيل المعروف، وحديثهم الذي ناقلته رجال الزحوف، من طرق القنا والسيوف، على الحسن من المقاصد موقوف؛ تحمد من صغيرهم وكبيرهم، ذابلهم ولدنهم، فلله آباء أنجبوهم، وأمهات ولدنهم: شم الأنوف من الطراز الأول إليهم في الشدائد الاستناد، وعليهم في الأزمات المعول، ولهم في الوفاء والصفاء والاحتفاء، والعناية والحماية والرعاية، الخطو الواسع، والباع الأطول، كأنما عناهم بقوله جرول:
أولئك قوم إنَّ بنوا أحسنوا البنى ... وإنَّ عاهدوا وفوا وإنَّ عقدوا شدوا
стр. 98
وإنَّ كانت النعماء فيهم جزوابها ... وإنَّ أنعموا لا كدروها ولا كدوا
وتعذلني أبناء سعد عليهم ... وما قلت إلاّ بالتي علمت سعد
وبقوله الوثيق مبناه، البليغ معناه:
قوم إذا عقودا عقداً لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
يزيحون عن النزيل كل نازح قاصم، وليس له منهم عائب ولا واصم، فهم أحق بما قاله في منقر قيس بن عاصم:
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن
حلاهم هذه الغريزة التي ليست باستكراه ولا جعل، أمير المؤمنين، دام نصره، قسيمهم فيها حذو النعل بالنعل، ثم هو عليهم وعلى من سواهم بالأوصاف الملوكية مستعل؛ ارفض مونهم منه عن غيث ملث يمحوا أثار اللزبه، وانشق غيلهم منه عن ليث ضار منقبض على براثنه للوثبة، فقل
стр. 99
لسكان الفلا: لا تغرنكم أعدادكم وأمدادكم، فلا يبالي السرحان المواشي، سواء مشى إليها النقلاى أو الجفلى؛ بل يصدمهم صدمة تحطم منهم كل عرنين، ثم يبتلع بعد أشلائهم المعفره ابتلاء التنين: فهو هو كما عرفوه، وعهدوه وألفوه؛ أخو المنايا، وأبن جلا وطلاع الثنايا، مجتمع أشده؛ قد أحتنكت سنه وبان رشده جاد مجد محتزم بحزام من الحزم، مشمر عن ساهد الجد:
لا يشرب الماء إلاّ من قليب دمٍ ... ولا يبيت له جار على وجل
أسدى القلب أدمى الرواء، لابس جلد النمر لذوي العناد والنواء:
وليس بشاوي عليه دمامة ... إذا ما سعى يسعى بقوس واسهم
ولكنه يسعى عليه مفاضة ... دلاص كأعيان الجراد المنظم
стр. 100
فالنجاء النجاء سامعين له طائعين، والوحاء الوحاء، لا حقين به خاضعين قبل أنَّ تساقوا إليه مقرنين في الأصفاد، ويعيا الفداء بنفائس النفوس والأموال على الفاد؛ حينئذ يعض ذو الجهل والفدامه، على يديه حسرة وندامة، إذا رأى أبطال الجنود، تحت خوافق الرايات والبنود، قد لفحتم نار ليست يذات خمود، وأخذتم صاعقة الذين من قبلهم: عاد وثمود، زعقات سبطات تؤز الكتائب أزاً، وهمزاً محققاً للخيل بعد المد المشبع للأعنة همزاً، وسلاُ للهندية سلا وهزا للخطية هزا، حتى يقول النسر: هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً. ثق الخليفة بذلك في كل من رام أذى رعيتك أو أذاك، فتلك عادة الله في ذوي الشقاق والنفاق، الذين يشقون عصا المسلمين، ويقطعون طريق الوفاق؛ وينصبون حبائل البغي والفساد في جميع النواحي والآفاق؛ فلن يجعلهم الله من الآمنين، أنى وكيف وقد أفسدوا وخانوا؟ وهو سبحانه لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين.
وها نحن قد وجهنا إلى كعبه مجدكم وجوه صلوات التقديس والتعظيم، بعد ما زينا معاطفها بأستعطافكم بدر ثناء أبهى من در العقد النظيم؛ منتظمين
стр. 101
في سلك أوليائكم؛ متشرفين بخدمة عليائكم؛ ولا فقد عزة ولا عدمها، من قصد مثابتكم العزيزة وخدمها؛ وإنَّ المترامي على سنائكم، لجدير بحرمتكم واعتنائكم؛ وكل ملهوف تبوأ من كنفكم حصنا حصينا، عاش بقية عمره محروسا من الضيم مصونا؛ وقد قيل في بعض الكلام: من قعدت به نكاية الأيام، أقامته إغاثة الكرام؛ ومولانا أيده الله تعالى ولي ما يزفه إلينا من مكرمة بكر، ويصنعه لنا من صنيع حافل يخلد في صحائف حسن الذكر، ويروى معنعن حديث حمده وشكره طرس عن قلم عن بنان عن لسان عن فكر؛ وغيره من نيام عن ذلك فيوقظ، ويسترسل مع الغفلة حتى يذكر ويوعظ؛ وما عهد منذ وجد إلا سريعا إلى داعي الندى والتكرم، بريئاً من الضجر بالمطالبة والتبرم؛ حافظ للجار الذي أوصى النبي) بحفظه، مستغفرا وسعه في رعيه المستمر ولحظه، آخذاً من حسن الثناء في جميع الأوقات والآناء بحظه:
فهو من دوحة السنا فرع عز ... ليس يحتاج مجتنيه لهز
كفه في الإمحال أغزر وبل ... وذراه في الخوف أمنع حرز
حلمه يسفر أسمه لك عنه ... فتفهم يا مدعي الفهم لغزى
لا تسله شيئاً ولا تستنله ... نظرة منه فيك تغنى وتجزى
فنداه هو الفرات الذي قد ... عام فيه الأنام عوم الإوز
وحماه هو المنيع الذي تر ... جع عنه الخطوب مرجع عجز
стр. 102
فدعوا ذهنه يزاول قولي ... فهو أدرك بما تضمن رمزي
دام يحيى بكل صنع ومن ... ويعافي من كل بؤس ورجز
وكأنا به قد عمل على شاكلة جلاله من ظلاله وتمهيد خلاله وتلقى ورودنا بحسن تهلله واستهلاله وتأنيسنا بجميل قبوله وإقباله وإيرادنا على حوض كوثره المترع بزلاله. والله سبحانه يسعد مقامه العلي ويسعدنا به حله وارتحاله ومآله وحاله ويؤيد جنده المظفر ويؤدنا بتأيدنا على نزال عدوه واستنزاله وهز الذوابل لإطفاء ذباله وهو المسئول أن يريه قرة العين في نفسه وأهله وخدامه وأمواله وأنظاره وأعماله وكافة شئونه وأحواله. وأحق ما نصل بالسلام وأولى على المقام الجليل مقام الخيفة المولى أزكى الصلاة والسلام على خاتمة أنبياء اله وأرسله سيدنا ومولانا محمّد) وعلى جميع أصحابه وآله صلاة وسلاما دائمين أبدا موصلين بدوام الأبد واتصاله ضامنين لمجدها ومرددهما صلاح فاسد أعماله وبلوغ غاية آماله وذلك بمشيئة الله تعالى وإذنه وفضله وإفضاله. انتهى الكتاب وأوردته بطوله لمّا فيه من ذكرى واعتبار بما فعلته الدنيا مع الملوك الأعاظم الكبار ولأنَّ الكلام جر إليه والله تعالى الكفيل بخلاص من توكل عليه.
стр. 103
وصاحب هذا الإنشاء وصفة الإمام أبن داود بقوله: " الفقيه الخطيب الفاضل خاتمة الأدباء بالأندلس أبو عبد الله محمّد بن الفقيه الصالح أبي محمّد عبد الله العقيلي المعروف بالعربي.
ومن بديع نظمه هذه الأبيات:
جز بالبستانين والرياض فما ... أبهج مرئيها وأجلاه
واعجب بها للبنات ولتلك في ... أسفلها ناظر وأعلاها
وقدس الله عند ذلك وقل ... سبحان لا اله إلاّ هو
ورأيت بخط أبن داود المذكور أنه وقع بينه أعني أبن داود وبين الفقيه المدرس أبي عبد الله محمّد بن أبي الفضل بن إبراهيم البسطي نزاع في مسألة نحوية قال: وطال فيها الكلام بن ما تقيد عني في غير هذا فقال: الفقيه الخطيب الأديب العلامة أبو عبد الله محمّد بن عبد الله العربي يروي بالقضية ويشير إلى قصة نبي الله سليمان بن داود ﵉:
ندد البسطي في مسألة ... لابن داود وقد أحكمها
وقديما وقعت معضلة ... وابنداود الذي فهمها
انتهى.
ومن نظم الشيخ الفقيه الأستاذ المقرئ الخطيب الفذ الأوحد سيدي
стр. 104
أبي العباس أحمد الدقون ﵀ قصيدة في ندب الجزيرة تذكر النفوس بشجوها فترسل العيون دموعها الغزيرة افتتحها نصه: الحمد لله على كل حال والصلاة والسلام على سيدنا محمّد وعلى آله خير آل أما بعد فيقول خديم أهل الله تعالى عبيد الله أحمد بن محمّد الأندلسي الشهير بالدقون لطف الله به بمنه وكرمه: إنه لمّا غابت شمس الجزيرة الخضراء بأخذ الحمراء قرعت باب الندبة لمّا تقدم من الصحبه فقلت أبيات صدرت من قلب كئيب مبكية كل لبيب أريب وسميتها بالموعضة الغراء بأخذ الحمراء مبيحا لمن رغب فيها ولم يرغب عنها أو استحسن شيئا منها أن يحدث بها عني وذلك بعد إتقان لفظها وحفظها وفهم وعظها ولحظها وإن كنت لا أحسن أن أقول وربما أعزى بها إلى الفضول لكني لا أعدم المثيل وفي مثل هذا قيل:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
والله حسبي وعدتي وهو مقيل عثرتي. وهذا مطلع صباحها ومنبع افتتاحها:
أمنت من عكس آمال وأحوال ... وعشت ما بين أعمام وأخوال
ولا ابتليت بما في القلب من نكد ... فالجسم مشتغل من غير أشغال
وكيف لا وبقاع الدين خالية ... من أرض أندلس من أجل أهوال
стр. 105
عمت فغمت قلوب المسلمين فيا ... للمسلمين من أعداء وأنكال
جاشت بها من جيوش الكفر ما درست ... بهم معالم أخيار وأقيال
أهل الشجاعة أهل العلم أهل تقى ... أهل النفاسة في قول وأفعال
عنهم وفيهم أحاديث النبي بدت ... وهم معاقل قول الله للتالي
رهبان ليل وفرسان نهار فمن ... يلمم بساحاتهم يظفر بآمال
لا عيب فيهم سوى أن المضاف لهم ... يسلو عن أهل وأوطان وأموال
فهل ترى بعد هذا النفس سائلة ... وكيف تسأل عن وصف وعن حال
تالله لا زال ما في القلب من أسف ... ولو أكن حليفة المنزل الخالي
أو يفتح الله في نصر يمن به ... فالله باق يقي من كل محتال
قد رام إطفاء نور الله مجتهدا ... وباذلا كل ما قد حاز من مال
سطى بجيش كموج البحر في عدد ... نعم وفي عدد من رهط أبطال
مؤيدا باجمالع المصر يتبعه ... شر الخلائق مسرور بإقبال
يسبي المسامع بالأنفاض مشبهة ... وقع الصواعق في هد وزلزال
يبني ليهدم ما للإسلام شيده ... والوصف يعجز من يدعي بقلقال
فهو المقاتل في الأبراج منتقل ... إلف النحوس وتغير وترحال
فاستوطن المرج لا ينوي الرحيل ولا ... يخشى المغيث بسهل أو بأجبال
والمسلمون من الأضغان قد ملئت ... قلوبهم وأبوا تسديد أخلال
стр. 106
والحق مختلف والحمق مؤتلف ... والكل منصرف عن نصر أبطال
وهم لديه كطير وهو ينتفه ... والطير يرجو البقا مع كيد قتال
إذا تجرد من ريش يطير به ... أضحى يدافع عن روح بأوصال
سدوا مسالك أرزاق ومنفعة ... كدودة القز في نسج لسربال
ثم استغاثوا: ألا فرسان عادية ... قال الصدى: لست ذا رمح ونبال
والصيف ضيعت ما أملت من لبن ... ففارق الجبح من تدخين نحال
وارحل بنحلك نحو الغرب في كرم ... من قبل وضعك في قيد وأغلال
فاستمكن الرعب في الأكباد واتفقت ... بعد اختلاف على تأمين أرذال
واتل غرناطة الغراء قد عدمت ... حب الحصيد ونصر الله والآل
كأنها الشمس في أفق العلى كسفت ... فهل على طلل ترمى بأبطال؟
وهل تعود ليال قد سلفن بها ... ونحن لا نشكي تنكيد ضلال؟
وهل يعود لها الدين الذي أنست ... به وقد أيست من فتح أبدال؟
فأصبحوا لا ترى إلاّ مساكنهم ... كمثل عاد وما عاد بأشكال
قد فرقوا كسبا في كل منزلة ... وقد سبا من أيد أو عال
стр. 107
فلا المساجد بالتوحيد عامرة ... إذ عمروها بناقوس وتمثال
ولا المنابر للواعظ بارزة ... للأمر والنهي أو تذكير آجال
ولا المكاتب بالصبيان آنسة ... تتلو القرآن بأسحار وأوصال
آه على الدين والدنيا وما نفعت ... آه إذا صدرت من قلب بطال
أنا إلى الله والرجعي له وبه ... تلق القلب في تصحيح إعلال
وكان ما كان والألطاف شاملة ... لاحت بنقة نسوان وأطفال
فلنكرم الآن من ينزل بمنزلنا ... فالدهر ذو دول فاسمع لأمثال
وإذ ولا قدرة تدني المنى فلهم ... حق الجوار ولا توصف بإهمال
نلقاهم ولنا بشر ومعذرة ... ورحمة يا حماة العم والخال
ولا نذد عن ورود الحوض وارده ... ولا ندع قول ذي نصح وإجمال
إخوانكم رفعوا أيدي الضراعة مع ... كسر القلوب فلا يلقوا بإخمال
وقل لوال تلطف في مغامرمهم ... يلطف بك الله إذ تدعى لأحمال
هذا النذير جهرا جاء ينذرنا ... والأذن في صمم عن قيل أو قال
ونحن في غفلة عما يراد بنا ... نمشي على مهلة من طول إمهال
يأهل فاس أما في الغير موعضة ... إن السعيد لموعوظ بأمثال
قل تعالوا إلى نصح وتذكرة ... فالأمر جد فلا تصحب لمكسال
كيف الحياة إذا الحيَّات قد نفحت ... على السواحل أو همت بإرسال
ولا سبيل إلى الترياق غير تقي ... والحزم في سعة من قبل إعجال
والأخذ في جمع القلوب على ... بذل النصيحة أو إبراء ادخال
стр. 108
والزهد في الدنيا وزخرفها ... والأمر بالعرف مع تحسين مقوال
ولا ترم أمان الروم منزلة ... خوفا على الدين أو بعدا من أنذال
فمن يبت في أمان الكب منتصبا ... لسخط مولى ولا عذر بأثقال
واربأ بنفسك عن أرض تهان بها ... فحيثما كنت لا تخشى من أقلال
فالموت عندي خير من حياة فتى ... قد اكتسى بعد عز ثوب إذلال
والهجرة الآن قد عادت كما سبقت ... فافهم تفاصيل أقوال وإجمال
واحتل بذهنك ولتسمع نصائح من ... قد طب من حب لم يوصف بمحتال
في صدر سبع على التسعين زائدة ... شمس الجزيرة غابت بعد إكمال
وبلغ الكلب ما قد شاء من أرب ... إذ لم يجد ذائدا عن ديننا العالي
ليقضي الله أمرا كان قدره ... والأمر لله في قول وأفعال
وقد عظمت ولو أسمعت لانتشرت ... سحاب الدمع لم تقلع عن انزال
فاليشتغل كل مسكين بمهجته ... والله يحفظنا من كل مهوال
ثم الصلاة على المختار سيدنا ... محمّد والرضا عن آل أو تالي
ومما كتبه بعض أهل الجزيرة بعد استيلاء الكفر على جميعها للسلطان أبي يزيد خان العثماني ﵀ ما نصه بعد سطر الافتتاح: الحضرة العلمية وصل الله سعادتها وأعلى كلمتها ومهد أقطارها وأعز أنصارها وأذل عداتها حضرة مولانا وعمدة ديننا ودنيانا السلطان الملك الناصر ناصر الدين والدنيا سلطان الإسلام والمسلمين قامع أعداء الله
стр. 109
الكافرين كهف الإسلام وناصر دين نبينا محمّد ﷺ محي العدل ومنصف المظلوم ممن ظلم ملك العرب والعجم والترك والديلم ظل الله في أرضه القائم بسنته وفرضه ملك البرين وسلطان البحرين حامي الذمار وقامع الكفار مولانا وعمدتنا وكهفنا وغياثنا مولانا أبو يزيد لا زال ملكه موفور الأنصار مخلد المآثر والآثار مشهور المعالي والفخار مستأثرا من الحسنات بما يضاعف الله الأجر الجزيل في الدار الآخرة والثناء الجميل والنصر في هذه الدار ولا برحة عزماته العلية مختصة بفضائل الجهاد مجردة من أعداء الدين من بأسها ما يروي صدور السمر والصفاح وألسنة السلاح باذلة نفائس الذخائر في المواط التي تألف فيها الأخيار مفارقة الأرواح للأجساد سالكة سبيل السابقين الفائزين برضا الله وطاعته يوم يقوم الأشهاد:
سلام كريم دائم متجدد ... أخص به مولي خير خليفة
سلام على مولاي ذي المجد والعلا ... ومن ألبس الكفار ثوب المذلة
سلام على من وسع الله ملكه ... وأيده بالنصر في كل وجهة
سلام على مولاي من دار ملكه ... قسنطينة أكرم بها من مدينة
سلام على من زين الله ملك ... بنجد وأترك من أهل الرعاية
سلام عليكم شرف الله قدركم ... وزادكم ملكا على كل ملة
стр. 110
سلام على القاضي ومن كان مثله ... من العلماء الأكرمين الأجلة
سلام على أهل الديانة والتقى ... ومن كان ذا رأي من أهل المشورة
سلام عليكم من عبيد تخالفوا ... بأندلس في أرض غربة
أحاط بهم بحر مثال الروم زاخر ... وبحر عميق ذو ظلام ولجة
سلام عليك من عبيد أصابهم ... مصاب عظيم يا لها من مصيبة
سلام عليكم من شيوخ تمزقت ... شيوبهم بالنتف من بعد عرة
سلام عليكم من وجوه تكشفت ... على جملة الأعلاج من بعد سترة
سلام عليكم من بنات عواتق ... يسقهم اللباط قهرا لخلوة
سلام عليكم من عجائز أكرهت ... على أكل خنزير ولحم لجيفة
نقبل نحن الكل أرض بساطكم ... وندعو لكم بالخير كل ساعة
أدام الإله ملككم وحياتكم ... وعافاكم من كل سوء ومحنة
وأيديكم بالنصر والظفر بالعدا ... وأكنكم دار الرضا والكرمة
شكونا لكم يا مولاي ما قد أصابنا ... من الضر والبلوى وعظم الرزية
غدرنا ونصرنا وبدل ديننا ... ظلما وعوملنا بكل قبيحة
وكلنا على دين النبي محمّد ... نقاتل عمال الصليب بنية
ونلقي أمورا في الجهاد عظيمة ... بقتل وأسر ثم جوع وقلة
فجاءت علينا الروم من كل جانب ... بسيل عظيم جملة بعد جملة
следующие страницы →