Полный текст (1 044 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
إنَّ يلقم نون الحوادث مطلبي ... فأمده له يقطين جودك ملبسا
أنت الرواء إذا تعذر مورد ... والماء إنَّ كدر الرجاء فأيأسا
والعجز أنَّ يرجى سواك وإنّما ... أخشى نبات الروضة المتخلسا
فلأنت أنفس عقدة مذخورةٍ ... لم لا أصون عن ابتذالي الأنفسا
انتهى.
قال صاحب الإشادة العزفي المذكور: القاضي أبو حفص من مفاخر المغرب، لم يذكره أحد من لقيه وتعرض لذكره، إلاّ أطنب في الثناء عليه، ووصفه بالعلم والفضل، والعدل في القضاء، مع براعة النظم والنثر؛ ويكفي من ذلك ثناء المحدث أبي عبد الله محمّد أبن عبد الرحمن التجيبي، نزيل تلمسان عليه، وقد ذكره في شيوخه فقال: ونقلته من خط الشيخ الفقيه الأجل، الكاتب المجيد، الحسيب الأديب، الأرفع الأكمل، القاضي المسدد، الموفق الأعدل، أبي حفص. ثم قال: لقيته بتلمسان حرسها الله، قدمها علينا قاضيا، فشمل أهل البلد كلهم أجمعين بفضله وأدبه وعدله، وإجلاله وإكباره وحسن خلقه، لا سيما مع طائفة الطلب، وأهل الأدب والحسب، فجزاه الله عن نفسه وعنهم افضل الجزاء، فلا يعرف الفضل إلاّ فاضل، ولا يكرم الناس إلاّ الكريم، وكل يميل إلى جنسه، وما هو من طبعه، كما قال بعض الأدباء، وأجاد في مقالته، وأحسن
стр. 702
القول: " ما عبر الإنسان عن فضله، بمثيل إلى أهله ".
وذلك منظوم في قول الشاعر:
وما عبر الإنسان عن فضل نفسه ... بمثل اعتقاد الفضل في كل فاضل
وإنَّ أخس النقص إنَّ بنفي الفتى ... قذى النقص عنه بانتقاص الأفاضل
وامتثال رضى الله عنه قول الآخر: " أصحبوا الناس صحبة إنَّ عشتم معها حنوا عليكم، وإنَّ متم بكوا عليكم ". واستعمل ما قاله الشاعر في كلماته، ونظمه في قافيته:
وإنّما المرء حديث بعده ... فكن حديثا حسنا لمن وعى
ففعل والله ذلك أيام كونه بتلمسان، واستعمله بطبعه وطبيعته، وخلقه وخليقته، إلى أنَّ نقله الخليفة إلى قضاء فاس، فلا تسأل عما أصاب الناس والإخوان من فقده، وفقد أدبه وعلمه، فذكر الطيب، والثناء الجميل، باقيان عليه إلى الآن بتلمسان، وهو مستقر في غيرها من الأوطان.
وكان أبو حفص ﵀ حسن الخَلقِ والخُلقِ، مليح الخط، فصيح الخطابة والكتابة، وكنت إذا رايته تمثلت عند رؤيته والنظر إليه، باب الرجل أنشدنا شيخنا الحافظ أبو طاهر السلفي الأصبهاني، ﵁، في مدح هادي بن إسماعيل:
لهادي بن إسماعيل خلات أربع ... بهن غدا مستوجبا للإمامة
خاطب أبن عبادة، وخط أبن مقلة ... وخلق أبن يعقوب، وخلق أبن مامة
стр. 703
وأنشدته ﵁ البيتين، فاستحسنهما وشكر لي ذلك، وكان لي من بره وتأنيسه وبشره حظ جزيل، وقسم كبير، ورغب إلى أنَّ كتب له بخطي بعض ما عندي من أخبار الصالحين، وأئمة المتقين، وأولياء الله المطيعين، فكتبت له من الأحاديث الوعظية العلمية، والأشعار الحكمية، ما أمكنني، فسر بذلك، وشكر عليه؛ ولمّا أتى مدينة فاس، صار يرى ذلك أوداءه وأحبابه، ويشكر عليه، ويثني خيراً، وبارك الله تعالى فيه. ثم قدر الله تعالى بوصولي بعد انفصاله عن مدينة فاس، وتوليته لقضاء أغمات، إلى حضرة مراكش، حرسها الله تعالى، وكان بالحضرة المذكورة، فسمع بذلك، وكنت نزلت بفندق من فنادقها، يقال له فندق السكر، فوصل إليه، واجتمع بي، فدعوت له وشكرت، ثم أولاني من بره وتأنيسه ما عهدت قبل منه، وزاد عليه، ورغب في الوصول إليه إلى أغمات، فوصل إليه بعد ذلك، فرحب وسهل وانزل، وأثنى على عند الأصحاب والإخوان خيرا، وقال ما يصدر عن مثله، فالعنصر الطيب لا يخرج منه إلاّ الطيب، وكنت معه في داؤه في خصب وسعة، وطلاقة وجه، وحسن خلق، وطيب حديث، وكريم مشاهدة ومناشدة، لنفسه ولغيره.
انتهى ما قدصت جلبه من كلام صاحب الإشادة، المنقول عن التحيبي نزيل التلمسان، رحم الله الجميع.
لنجعل آخر نظم القاضي أبي حفص رخ قوله:
العلم يكسو الحلل الفاخرة ... والعلم يحيي الأعظم الناخرة
كم ذنب أصبح رأسا به ... ومذنب أبحره زاخرة
стр. 704
ما شرف النسبة إلاّ التقي ... أين تهيم الأنفس الفاخرة
من يطلب العز بغير التقي ... ترع عنه نفسه داخرة
أعرض عن الدنيا تكن سيدا ... بل ملكا فيها وفي الآخرة
وبين العزفين، الذين منهم صاحب الشهادة بسبتة أعادها الله مشهور، وكانت لهم الرياسة بها مدة، ثم أعقب الدهر جدتها بالبلى، ثم كل شيء فأن ولا يبقى إلاّ الواحد الذي ليس معه ملكه ثان.
وأبو القاسم منهم هو الذي تأمر ورأس سبتة هو أبو القاسم محمّد بن القاضي المحدث أبي العباس أحمد بن محمّد بن الحسين، بن الفقيه الإمام على المعاصر لابن أبي زيد، بن محمّد بن سليمان بن محمّد، الشهير بابن عزفة اللخمي. ينتهي نسبهم إلى قابوس بن النعمان بن المنذر، وكان قيامه بسبتة ليلة سبع وعشرين من رمضان، من عام سبعة وأربعين وست مائة، في دولة المرتضى الخليفة بمراكش، وقتل والي سبتة أبا عثمان بن خالد تلك الليلة، وملك طنجة، ودخل أصيلا، وهدم سورها، وتوفي بسبتة يوم الخميس الثالث عشر من ذي الحجة من عام سبعة وسبعين وسن مائة وله سبعون سنة، وكانت دولته ثلاثين وشهرين وسنة عشر يوماً، من شهدة بين كتفيه، مرض بها واحد وعشرين يوما، وكان مولده بسبتة في منتصف شوال عام سبعة وست مائة.
стр. 705
وهو الذي اكمل " الدر المنظم، في مولد النبي المعظم ". من تأليف أبيه أبي العباس ﵀.
ورأيت على نسخة كتبت في حياته أول الكتاب المذكور ما نصه: قال سالك سنن السنة، القائم من أعمال البر بما يضيق عنه وسع المنة المعتصم بجبل الله القوي المتين، المعتمد على لطفه الشامل وفضله العميم المبين، الشيخ الفقيه الأجل، العلم الأكمل، أبو القاسم بن الشيخ الفقيه الإمام، العارف العالم، علم العلماء العاملين المتقنين، ونخبة الفضلاء الصالحين المتقنين، أبي العباس أحمد بن الشيخ الفقيه القاضي العالم المحدث، أبي عبد الله اللخمي، ثم العزفي، من أهل سبتة حرسها الله وأجزل قسمه من عفوه ورضاه، وأنجح عمله وقوله وقصده، وجعل في ذاته وسبيل مرضاته صدوره ووروده. انتهى.
وفي موضع آخر من هذه النسخة ما نصه: السفر الأول من كتاب " الدر المنظم في مولد النبي المعظم، ﷺ ، وشرف وكرم ".
لمّا شرع في تأليفهن ومات ولم يكمله الشيخ الفقيه الصالح، علم العلماء، ونخبة الصالحين الفضلاء، أبو العباس أحمد، بن الشيخ الإمام الفقيه، الصالح القاضي، العالم المحدث، المقدس المرحوم، أبي عبد الله اللخمي، ثم العزفي السبتي، ﵀، ورضي عنه، ونضر وجهه، وأجزل ثوابه، وأكمل بعده، وأوضح فيه قصده، أبنه الشيخ الفقيه الأفضل، العلم الأوحد، السني السبتي، المبارك الأكمل، أبو القاسم، أدام الله عافيته ووفقه، وشرح صدره، وختم بالكتاب والسنة ديوان علمه الصالح وعمره، يذكر فيه بعض ما خص الله تعالى به نبيه)
стр. 706
وفضله على كل من تأخر من خلقه أو تقدم، وما امتن به عليه وعلى أمته، في أنَّ جعله أفضل الأنبياء، وجعلهم أفضل الأمم، من بين ولد آدم، ليتخذوا مولده الكريم موسماً، يتركون به ما كانوا يقيمونه من أعياد النصارى وعوائدهم، التي يجب لمغانيها أنَّ تعطل، ولمبانيها أنَّ تهدم. انتهى.
وكان الرئيس أبو القاسم المذكور كتب خطه بالإجازة في هذا الكتاب للخطيب أبي على، بن الخطيب أبي فارس بن غالب الجمحي، مع جماعة من أهل سبتة وأعيانها، حين قرءوه عليه بالجامع الأعظم من سبتة، في شهر ربيع الثاني، من عام سبعة وخمسين وست مائة، قائلا: أجزت له بحق روايتي لمّا فيه عن أبي، ومشاركتي له في تأليفه، على حكم الإجازة وشرطها، وصحة الرواية، عاشر الربيع المذكور. انتهى. وبعضه بالمعنى. ونسبهم إلى لخم لا مدفع فيها عند الثقات، وبذلك وصفهم الأكابر، غير أنَّ أبن الخطيب في الإحاطة، نقل عن " الكتاب المؤتمن، في أنباء أبناء الزمن " ما نصه: وتزعم بعض أهل سبتة أنَّ أصلهم من مجكسة من البربر، فيقولون: ما للخم ومجكسة؟ وهذا موكول إلى قائلة، إذ لا نعلم حقيقة الأمر فيه. نعم، الإنصاف في المسألة أنَّ كل من عرف بالأصالة في المغرب الأقصى، ولم يعلم لآبائه قدوم من المشرق، حيث جراثيم العرب، ولا قدوم من الأندلس، حيث أبناء العرب، وانتسب مع ذلك إلى قبيلة، فلا بد له من الاستظهار على ذلك، وإلاّ كان ما أتى به مظنة لأحد أمرين: أما لكون سلفه من الموالي، فانتسبوا إلى ساداتهم، إذ يجوز لمن كان مولى عربي أنَّ ينتسب إلى قبيلة سيده؛ وأما للكذب. وهذا أعدل ما يقال. انتهى.
стр. 707
ونقله في الإحاطة في ترجمة الفقيه المشارك في الطلب والأدب أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن أبي عزفة اللخمي. وإلى ترجع الأمور.
وكان الرئيس الفقيه أبو القاسم العزفي المذكور فقيها أصوليا نحويا لغويا محدثا عارفا بالرواية شاعرا مجيدا.
فمن نظمه في آل بيت المصطفى ﷺ :
ذرية المصطفى إني احبكم ... وحبكم واجب في الدين مفترض
فليس يبغضكم لا كان باغضكم ... إلاّ امرؤ مارق في قلبه مرض
وحسبكم شرفا في الدهر أنكم ... خير البرية هذا ليس يعترض
ولست أظالب في حبي لكم ثمنا ... إلاّ الشفاعة فهي السؤل والغرض
ولمّا توفي رحمه الله تعالى قام بعده بالأمر ابنه أبو الحاتم أحمد ثم خلع وتولى أخوه أبو طالب عبد الله في سنة ثمان وسبعين وست مائة وخلع ليلة الأربعاء السابع والعشرين من شوال سنة خمس وسبع مائة فكانت دولته سبعا وعشرين سنة وتوفي بفاس مخلوعا عام ثلاثة عشر وسبع مائة وله خمس وسبعون سنة. والذي خلعه الأمير فرج بن إسماعيل بن يوسف بن الأحمر دخل عليه سبتة عنوة في الليلة المذكورة وقبض عليه.
ثم تولاه الأمير يحيى بن الأمير أبي طالب أبن أبي القاسم ويكنى أبا عمر وبويع سبتة عام عشرة وسبع مائة وخلع في سنة إحدى عشرة وسبع مائة وكانت دولته الأولى هذه سنة وستّة أشهر. وبويع ثانيا بسبتة في سنة أربع
стр. 708
عشرة وسبع مائة وتوفي بها في ظهر يوم السبت السادس لشعبان سنة تسع عشرة وسبع مائة وكانت ولادته بها في رمضان سنة سبع وسبعين وست مائة. وكان فقيها فاضلا جميل الوجه شجاعا بطلا عافا بالأصول والفقه والمنطق والعربية واللغة والحديث وقيل أنه أول من ركب بالرمح والسيف من بني العزفي وجند الجنود.
ثم تولى بعده ابنه أبو القاسم محمّد بن يحيى وبويع بعد أبيه في شعبان من عام تسعة عشر وسبع مائة وخلع في صفر سنة عشرين وسبع مائة فكانت دولته ستّة أشهر وتوفي بفاس وهو كاتب الحضرة المرينية ليلة السبت حادي عشر صفر عام ثمانية وستين وسبع مائة وله ثمان وستون سنة وولد بسبتة في شوال عام تسعة وتسعين وست مائة. وكان فقيها شاعرا مكثرا مليح الفكاهات وشاحا وقد بز أهل زمانه في الموشحات وقد حكي عنه أنّه أراق الدواة في في محفل جليل فقال بديهية:
ألا يا كرام الناس غضوا ... فإني من الفعل القبيح مريب
هرقت دواة وهي كالكأس بينكم ... وللأرض من كأس الكرام نصيب
وكان مولعا بنظمه بالتورية.
وعزم السلطان أبو عنان لمّا أخذ قسطنطينية على استعماله بها فبكى لبعد الشقة عن ولده وبلده فتركه. وهو آخر المذكورين من هذا البيت رحم الله الجميع. وصاحب الإشادة المتذدم الذكر هو عم أبي القاسم محمّد بن يحيى هذا لأنَّ صاحب الإشادة كما أسلفنا هو عبد الرحمن بن أبي طالب عبد الله بن محمّد بن أحمد أبن محمّد بن أحمد وهذا محمّد بن يحيى بن أبي طالب عبد الله بن محمّد بن أحمد. وقد عرف في إشادته بابن خبارة ورأيت أن أذكر بعض ذلك فنقول:
стр. 709
هو أبو عمرو ميمون بن علي بن عبد الخالق الخطابي نسبة إلى قبيل من صنهاجة الذي بقطر فاس ويعرف بابن خبارة نسبة إلى خاله الشاعر المشهور بابن خبارة. عرف به أبو عبد الملك المراكشي فقال: كان بارع الخط وكان من أكبر أعاجيب الدهر في سرعة البديهة ناظما أو ناثرا مع الإجادة التي لا تجاري والتفنن في أساليب الكلام معربه وهزله على اختلاف اللغات. تطور كثيرا وتصوف ونسك ووعظ وكان في أخر عمره جانحا إلى امتداح ملوك عصره فكان يأتي في ذلك بما لم يسمع بمثله ولا يطمع في لحاقه بسرعة ارتجاله وحسن افتنان وسرعة امتثال وله في ذلك أخبار غريبة عريقة. وولى بأخرة حسبة الطعام بمراكش.
وذكر أبو عبد الله بن الأبار في التحفة فيمن لم يجد له غير الهجاء وظلمه كما أثبت أبو بكر بن رفاعة الشريشي وقد شهد فيه في كتاب التكملة له بما يخالف ذلك وكناه أبا سعيد وذكر أنه لقيه بإشبيلية وسمع منه بعض كلام في غير ذلك بمالقة وتوفي برباط الفتح في أول سنة سبع وثلاثين وست مائة.
وأنشد له من قصيدة:
وجد النبوة حلة مطوية ... لا يستطيع الخلق نسج مثالها
فأسر حسوا في ارتغاؤ يبتغي ... بمحاله نسجا على منوالها
وذكر أنّه قالها بمراكش. انتهى.
стр. 710
قال صاحب الإشادة: قال هذه القصيدة في المأمون بن المنصور حين تبرأ من إمامهم المهدي وأبدى مساوية. وأسقط اسمه من الخطبة وهو المعنى بقوله: وجد النبوة حلة مطوية.
وقد كتب عن أبي عمرو هذا كثيرا من شعره أبو عمرو بن سالم بن صالح النهرواني المالقي الأديب المقيد الضابط وتاريخ إجازته إياه سنة أربع وست مائة. ومات ابن سالم فبله بست عشرة سنة.
ومن شعره أي أبي همرو المذكور يرثي أبا محمّد عبد الله أحمد بن محمّد أبن عبد الملك بن الحافظ أبي بكر بن الجد ويعزي أباه عنه وهو يومئذ وزير إشبيلية وعظيمها وكانت حينئذ حاضرة الأندلس:
أرجة الصعق يوم النفخ في الصور ... أم دكة الطود يوم الصعق في الطور
أم هدت الأرض إظهارا لمّا زجرت ... به الخليفة من إيقاع مخدوع
أم الكواكب في آفاقها انتثرت ... وباتت الشمس في طي وتكوير
ما للنهار تعرى من ثياب سنى ... وأشبه الليل في أثواب ديجور
قد كان للصبح طرف زان بلق ... فقسم الخلق بين الدجن والنور
فما الملم الذي غشى بدهمته ... أديمه عنبر من بع كافور
أصح لتسمع من أبائها نبأ ... يطوي من الإنس فيها كل منشور
وانظر فإن بني عدنان ما حشروا ... إلاّ لرزء عظيم القدر مشعور
وافى مع العيد لا عادت مضاضته ... فشاب سلساله الأصفي بتكدير
واعتا دارا لها في السبق جمهرة ... من المفاخر أزرت بالجماهير
стр. 711
رمى قريشا فأصمى سهم حادثه ... أبناء فهر بتفريق المقادير
فحانه الجد في أبن الجد حين قضى ... وأثر الخطب فيها أي تأثير
لله المجد ما أبقاه من أثر ... أخرى الليالي بطيب الذكر مأثور
نوارة عندما راقتبدوحتها ... أهوت إلى الترب من بين النواوير
جار الذبول عليها بعدما ملأت ... معاطس الدهر من طيب وتعطير
وسيف بأس الخطب أغمده ... صرف الحوادث فيها بعد تكسير
ثضى فوافق شهر الصيام مرتجلا ... ووافق الشهر في فضل وتطهير
واختاره خاطب الخطب الملم به ... للصهر كفئأ فأمضى العقد للحور
فسار للحين مسرورا وخلفا ... للحزن فاعجب لمجزون بمسرور
نادته أنجشة الأحزان يوم حدا ... أظعان فلبي رفقا بالقوارير
فالوجد والدمع من الحزن قد اقتسما ... قلبي وجفني بمنظوم ومنثور
فالقلب بالغيظ في تصعيد مستعر ... والجفن بالفيض في تصويب ممطور
وساق الخطاب يشدو الحاملين به ... يسوقهم سوق حادي العير للعير
وللملائك في آفاقها زجل ... قد شيعته بتهليل وتكبير
أثنى المصاب على شيخ الجزيرة في ... عقد وحل وتقديم وتأخير
ز خي طويلة جدا منها:
مقدمات الليالي طالما فضحت ... نتائج الغدر منها كل مغرور
جمع السلامة معدوم الوجود بها ... وكم بها للردى من جمع تكسير
وعامل الموت فيد أحصى مهنديه ... منازل العمر عدا دون تكسير
والأرض طرس وهذا الخلق أحرفه ... والحرف ما بين ننحو ومبتور
стр. 712
والدهر بالأفعال يظهراها ... طورا ويعجم منها كل مسطور
وإنما الخلق أسماء تعاورها ... إعرابه بين مرفوع ومجرور
وكلهم في مدى الأعمار تحسبهم ... كحالها بين ممدود ومقصور
والموت مثل عروضي يقطع من ... أبياتهم كل موزون ومكسور
يا من يؤمل أن يبقى وقد نفضت ... أيدي المقادير من إبرام تقدير
هذي الحقيقة لا ما حدثتك به ... آمال نفسك عن دنياك من زور
لا تخدعنك الليالي إن فتنتها ... كادت فكادت ترينا كل محذور
كم بادرت بعبوس الخطب من ملك ... قد بات بالبشر وضاح الأسارير
سائل كسرى مليك الفرس هل تركت ... له المنايا جناحا غير مكسور
وانزلا بصنعاء في قصر ذي يزن ... تلمم بقصر على الأغيار مقصور
اعبر على حيرة النعمان معتبر ... تعبر بأطلال نعمى ذات تغيير
وأين من كان سجن الجن في يده ... والإس والجن في قهر وتسخير
وأين مخترق الدنيا بعزمته ... يطوى البلاد بها طي الطوامير
بادروا فليس باب الرجل باد يحس به ... منهم وأفناهم ريب الدهارير
هو القضاء أبا بكر أصبت به ... فاصبر وسلم تسليم مأجور
والله يحرس دنياكم ويدفع عن ... سامي معاليك أنواع المحاذير
وحكي أنَّ المتصم يحيى بن الناصر بن المنصور الموحدي ضرب بظاهر مراكش قبة حمراء فبادر إليها العرب والنصارى من عسكر عمه المأمون فقطعوا أطنابها فسقطت فقال في ذلك أبو عمرو هذا من قصيدة:
стр. 713
انظر إلى القبة الحمراء ساقطة ... لمّا رأت مضر الحمراء عن كثب
من كان أولى بها إن كنت ذا بصر ... لعجم أو معدن العليا من العرب
ونما سجدت لمّا سمت وغدت ... فوق الضلال وكانت أعجب العجب
ومن رائق نظم أبي عمرو قوله:
هب النسيم ضحى ففاح المندل ... وتأرجت منه الصبا والشمال
أسرى عليلا فاستحث إلى الصبا ... صبا بأنفاس الصبا بتعلل
يهوى العذير وساكنيه ومن له ... لو كان يدنو منه ذاك المبزل
ما شام برقا بالفضا إلاّ انبرى ... شوقا على جمر الغضى بتمليل
والبرق في نقع السحائب سيفه ... سيف الكمى إذا يكر ويحمل
فكأن ذاك البرق واش قد مشى ... بنميمة والرعد لاح يعذل
وأنا الفداء لجيرة نزلوا الحمى ... وحمى القلوب هو الحمى والمنزل
وتحلوا يوم الفراق وإنما ... بقلوبنا يوم الفراق تحملوا
قبسوا ومن قلب المعذب موقد ... وردوا ومن جفن المعنى منهل
ما ضرهم إذ أعرضوا لو عرضوا ... للوصل أو ذكروا العهود فأقبلوا
حملوا الجمال على الجمال كأنما ... أفلاكها منها الأهلة تكمل
أبدت لنا حلي الطلى وتبسمت ... زهرا فراق مقلد ومقبل
ومن العجائب أن أهيم بجنة ... حلت بقلبي هو نار تشعل
ويهان مرسل ناظري في حبها ... ومن التناصف أن يعز المرسل
ومن شعره رحمه الله تعالى هذه القصيدة الفريدة التي ندح بها المصطفى ﷺ وأشار إلى جملة من مناقبه الربانية ومآثره العرفانية وآياته
стр. 714
الباهرة ومعجزات الظاهرة ﷺ وشرف وكرم ومجد عظم وبارك انعم وتحنن وترحم وهي قوله:
حقيق علينا أن نجيب المعاليا ... لنفني في مدح الحبيب المعانيا
ونجمع أشتات الأعاريض حسبة ... ونحشد في ذات الإله القوافيا
ونقتاد للأشعار كل كتيبة ... لنصر الهدى والدين تردى الأعاديا
فألسن أرباب البيان صوارم ... مضاربها تنسي السيوف المواضيا
لنطلع من أمداح أحمد أنجما ... تلوح فتجلو من سناه الدياجيا
كواكب إيمان تنير فيهتدي ... بأضوائها من بات للحق ساريا
سهوت بمدح الخلق دهري فهذه ... لجبري كل ما قلت ساهيا
فلا مدح إلاّ للذي بمديحه ... تطيع إذا ما كنت بالمدح عاصيا
رسول براه الله من صفو نوره ... وألبسه برادا من النور ضافيا
وما زال ذاك النور من عهد آدم ... ينير به الله العصور الخواليا
ثوى في ظهور الطيبين يصونه ... وديعه سر صار بالبعث فاشيا
وخص بطون الطيبات بحمله ... ليحمل فرعا بالسيادة زاكيا
به وزن الله الخلائق كلهم ... فألقاه فيهم راجح الوزن وافيا
وأنقذنا من ناره بظهوره ... ولولاه كان الكل بالشرك صاليا
وآدم لمّا خاف يجزى بذنبه ... توسل بالمختار لله داعيا
فتاب عليه الله لمّا دعا به ... وأدنا منه بعد ما كان نائيا
وقد يهجر المحبوب في حالة الرضا ... ويأبى إلاّ يصدق واشيا
стр. 715
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
وأدرك نوحا في السفينة رعية ... فخلصه الله كان في الموج داعيا
وما زال سام وهو ثاو بظهره ... على أخويه بالفضائل ساميا
فخصص حتى بالمكان كرامة ... وأسكن في أعلى البلاد مراقيا
وأنزل حام بالجنوب مجانيا ... ويافث في أقصى الشمال مؤازيا
وأنزل سام للفضيلة وحده ... بأوسط معمور البلاد الأعاليا
وبادر جبريل الخليل لأجله ... ليحميه إذ أبصر الجمر حاميا
ويخبر في وقت البلاء يقينه ... فصادف ورد الخلة العذب صافيا
فقال له: هل تسألني كفاية ... فجاوبه حسبي بربي كافيا
فكانت عيه النار بردا كما أتى ... به وسلاما وهي نار كما هيا
وجازاه في الإسراء عنها نبينا ... وألهمنا فوق السموات ساريا
فلما انتهى جبريل عند مقامه ... بحيث تلقى الأمر ألا تماديا
أشار على المختار أن سر فإنه ... مقامي لا أعدوه ما دمت باقيا
فناداه يا جبريل: هل لك حاجة ... إلى الله فأسألها لتعطي الأمانيا
فقال له: سله لأبسط رغبة ... على النار منى للعصاة جناحيا
فدلي في أفق المهامه رفرف ... وزج براق العز في النور راقيا
ومن أجله خص الذبيح فداؤه ... وفد ظهره المختار أصبح ثاويا
فداه بذبح عظيم الله شأنه ... لأن كان دهرا في الفيراديس راعيا
стр. 716
وثنى بعد الله حامل فضله ... فكان بذاك الفرع للأصل راقيا
لذلك ما قال الرسول منبها: ... أنا أبن ذبيحيها بعد المعاليا
وعف أبوه إذا دعته لنفسها ... فتاة رأت نور النبوة غاديا
مضى ولذلك النور بين جبيته ... شعاع السنى يعشى العيون الروانيا
فأعرض عنه ثم سار لشأنه ... وكان له الرحمن بالحفظ واقيا
وعاد وقد أدى أمانة ربه ... لأمته وعدا من الله ماضيا
ومر على حي الفتاة فنوديت ... هلمي تصادف لذعة الحب راقيا
فقالت لهم قد كان ذلك مرة ... لأمر عصينا في هواه النواهيا
أردت بأن أعطي سناه وقد قضى ... لغيري به من كان بالحق قاضيا
وكم طالب ما لا ينال وقاعد ... سعادته تبدي له السؤل دانيا
وكم شاهدت من آية أمة به ... يصيربها جيد الديانة حاليا
رأت في معاليه مرأئي جمة ... فصدقت الآثار منه المرائيا
وقيل لها بشاك فزت بخير من ... يرى فوق أكناف البسيطة ماشيا
وحفت به الأملاك في حين وضعه ... بليلة إفضال تزين اللياليا
وبشر رضوان الجنان بخلقه ... ففتح جنات النعيم الثمانيا
ونادى منادي العز طوفوا بأحمد ... جهات الدنا طرا وعموا النواحيا
بدا واضعا كفيه بالأرض رافعا ... بعينيه نحو الأفق بالطرف ساميا
وأعول إبليس اللعين وقال قد ... يئست وقدما كنت للكفر راجيا
وصار إلى صنعاء شيبة جده ... فحل محلا للوفادة قاضيا
стр. 717
وحيا بغمدان أبن ذي يزن بها ... وهنأه بالملك إذ عاد واليا
فقربه دون الوفود وخصه ... ليسمع قولا في الرسالة شافيا
وقال له أنا وجدنا بكتبنا ... نبيا يرى من نحو أرضك آتيا
يموت أبوه ثم تهلك أمه ... ويكفل بعض العمومة حانيا
وقال له والبيت ذو الحجب زاره ... وفود الورى جابوا إليه الفيافيا
لأنت على ما يقتضيه الوعد جده ... فشيد به للمجد ما كنت بانيا
وقال له احفظ ما أقول فإنه ... سيملك أرضي إذ رأى الملك واهيا
وقول هرقل إذ أظل زمانه ... فقال أرى ملك الختان مدانيا
وطالع فيه مصحف الأفق ناظرا ... كما زعمو يستشير الدراريا
فلم تنقض الأيام حتى أتى له ... كتاب رسول الله للحق داعيا
فباحث عن أهل مكة ائلا ... وكان بأوصاف النبيين داريا
ولبى الهدى لمّا دعاه اله ... وهام قليلا ثم ألفى ساليا
وورد الرضا لا يتدي لسبيله ... فيروي به من كان في الله صاديا
وإيوان كسرى ارتج يوم وضعه ... وبات عليه قصره متداعيا
وزاد برؤيا الموبذان ارتياعه ... فأذهله أن يستبين المساعيا
وفسرها شق وشق غباره ... سطيح بسجع قصَّ ما كان رائيا
فنصا على إرسال أحمد مثبتا ... لدين الهدى بالرغم للكفر ماحيا
وأخمدت النيران نيران فارس ... وكانت تلظى ألف عام تواليا
وحمل ذاك الحلم حجر حليمة ... لترضعه در الفضائل صافيا
стр. 718
أبى حملة النسوان لليتيم وانبرت ... له فرأت من حينا الرزق ناميا
فحاز به السبق الأتان كرامة ... وأخصب مرعاها ففاق المراعيا
وشارفها إذ لا تبض بقطرة ... فصارت به ثجا تروى الصواديا
وفي حياه وافاه جبريل قاصدا ... وأقبل ميكائيل بالأمر تاليا
فشقا به صدر النبي لشرحه ... فكان لمّا يلقى له الله واعيا
ورداه في الحين التئاما فما ترى ... سوى أثر ما زال للشرح باقيا
وجاءا بمنديل وطست ليغسلا ... بماء الرضا قلبا عن الله راضيا
وعاد أخوه جازعا مخبرا بما ... جرى من مخوف كان للأمر جاريا
فسارت به من حينه نحو أمه ... تخاف عليه إن أقام العواديا
وما زال محروسا أمينا مؤمنا ... سبوقا صدوقا سامي القدر عاليا
حبيبا وفيا خاشعا متواضعا ... كريما حليما يستفز الرواسيا
وفي سيره للشام شام بقربه ... بروق الهدى من لم يكن قط رائيا
أكب عليه في طريق مسيره ... إليها بحيرا للهدى متراميا
ولمّا رأى تلك العلامة لم يزل ... لمّا وافق الكتب القديمة باكيا
وكانت به من غلة الشوق علة ... فساق له الله الطبيب المداويا
وقصدته في ذي المجاز وعمه ... به ظمأ قد صير الصبر فانيا
فأهوى ولا ماء إلى الأرض راكضا ... ففجر ينبوعا من الماء جاريا
وكم بان من يسر لميسرة به ... يرد أخا سكر الغواية صاحيا
فكان إذا اشتد الهجير أظله ... غمام عليه لا يزال مماشيا
стр. 719
وأخبره نسطور بصري ببعثه ... فأظهر من غيب الرسالة خافيا
وبغضت الأصنام للمصطفى فلم ... يزل هاجرا فعل الضلالة قاليا
وكان يرى ضوءا يلوح لعينه ... ويسمع تسليما عليه محاذيا
ويأتي حراء للتعبد قاصدا ... حبا لأسباب الوصال مراعيا
ويخرج من بيت البيوت لعله ... يحدث عن نفسه في السر خاليا
وكان رآه الله أكرم خلقه ... فأرسله الحق للخلق هاديا
وأسرى به ليلا إلى حضرة العلا ... فما زال فيها للحبيب مناجيا
وسار على ظهر البراق كرامة ... له راكبا إذ سار جبريل ماشيا
ولمّا أتاه الوحي وارتاع قلبه ... لشدة ما قد كان منه ملاقيا
فسارت به عمدا خديجة زوجه ... لتسأل حبرا بالزمانة فانيا
وكان امرأ قد مارس الكتب قارئا ... وبات لضيفان المعارف قاريا
فبشره أن سوف يطلع صبحه ... فيكشف من ليل الغواية داجيا
وقال له يا ليتني كنت حاضرا ... بها جذعا أوليك نفسي وماليا
ووقتك أن يدرك زماني يومه ... ومن لي به أنصرك نصرا مواليا
وآيته في الغار إذ نزلا به ... وكان له الصديق بالصدق ثانيا
وقد أرسل الله الحمام لبابه ... وقارنه بالعنكبوت مضاهيا
فباض على الفور الحمام وشيدا ... من النسيج أيدب العنكبوت مبانيا
فدافع عن صديقه ورسوله ... بأضعف أسباب الوجود مقاويا
وكم آية خصت سراقة إذ مشى ... على أثر المختار للغار قافيا
стр. 720
فشاهد آثارا من الخسف كاد أن ... يكون لقارون السفاه مؤاخيا
ولمّا دعا بالهاشمي أجاره ... فأبصر في الحين من ذاك ناجيا
وأصبحه منه ظهيرا مكرما ... بخط أبي بكر يخيف الدواهيا
وأخبره أن سوف يفتح أمره ... مدائن كسرى والبلاد الأقاصيا
ويجعل في كفيه من بعد فتحها ... سواراه مما يحز الدين ساميا
فأنجرها الفاروق في حين فتحها ... له عدة بالصدق فيها مباهيا
وآيته في خيمتي أم معبد ... وفي الشاة إذ لم تبق تصحب راعيا
وفي الذئب إذ أقعى وأخبر مفصحا ... عن المصطفى والذئب ما زال عاويا
وفي الضب لمّا أن دعاه أجابه ... وقال لبيك داعيا
وآيته إذ فارق الجذع فضله ... فحن إليه الجذع في الحال شاكيا
وإنَّ انشقاق البدر أعظم آية ... ترد على من كان للدين زاريا
وفي الجمل الآتي بحضرة صحبه ... ليشكو تكليف المشقة راغيا
وقصته في المحل لمّا دعا لهم ... فأبصرت سحبا كالجبال هواميا
وسال به وادي قناة لأجله ... ثلاثين يوما لم يزل متواليا
وفي قصة الزوراء للخلق آية ... وذكرى لعبد كان للذكر ناسيا
دعا بإناء ليس ينقع مائه ... لقتلته بالرى من كان صاديا
ففاض نمير الماء من بين بنانه ... وكان ضوءا للكتيبة كافيا
وكونه يوم الحديبية التي ... أفاض بها الله البنان سواقيا
стр. 721
وإشباعهم الجم الغفير بقبضة ... من التمر حتى شاهدوا التمر باقيا
وإخباره بالشيء من قبل كونه ... فيأتي على النص الذي قال حاكيا
فأخبره ذا النورين أن ستصيبه ... على الأمر بلوى تعقب الأجر وافيا
وأخبر عمارا بأن حياته ... سيقطعها بالبغي من كان باغيا
وقال لذي السبطين أشقى الورى الذي ... سيخضبها من هامة الرأس عاصيا
يصادف نور الشيب أبيض ناصعا ... فيسقسه صوب الحتف أحمر قانيا
ونص على السبط الشهيد بكر بلا ... فقام له الدين الحنيفي ناعيا
وفي الحسن الزاكي أبان بأنه ... سيصلح بين الناس للأجر ناويا
وقال لقوم إن آخركم بها ... مماتا سيصلى جاحم الجمر حاميا
وقال إذا ما مات كسرى فما ترى ... سميا له أخرى الليالي مساميا
وأخبر عن موت النجاشي حينه ... وبينهما بحر من الموج طاميا
وقال على قرب الحمام لبنته ... تموتين بعدي فافرحي بلقائيا
وآياته جلت من العد كثرة ... فما تبلغ الأقوال منها تناهيا
وأعظمها الوحي الذي خصه به ... فبلغ عنه آمرا فيه ناهيا
تحدى به أهل البين بأسرهم ... فكلهم ألفاه بالعجز وانيا
وجاء به وحيا صريحا يزيده ... مرور الليالي جدة وتعاليا
تضم أحكام الوجود بأسرها ... وحكم القضاء مثبتا فيه نافيا
وأخبر عما كان أو هو كائن ... يرى ماضيا أو ما يرى بعد آتيا
ووافق أخبار النبيين كلهم ... وتمم بالغابات منها المباديا
стр. 722
وما كتبت يمناه قط صحيفة ... ولا رئ يوما للصحائف تاليا
﵇ الله زال رائحا ... عليه مدى الأيام منا وغاديا
ولتكن هذه القصيدة الفريدة النبوية آخر ما أوردناه في روضة الورد فقد طال الكلام واتسع وكثر السرد على أنَّ ما تركناه أكثر مما جلبناه وقد انثالت علينا أشغال شاغلة من خطوب الدهر والله يبلغنا من رضوانه ما طلبناه.
ونسأل الله تعالى حسن الختام وأن يدفع عن قلوبنا القتام بجاه سيدنا ومولانا محمّد المصطفى خير الأنام ﷺ الذي جعلنا مديحه مسك الختام.
стр. 723
روضة الأقحوان في ذكر حاله في المنشأ والعنفوان
أقول ومن الله أسأل التأييد والعون والوقاية والصون: عقدنا هذه الترجمة الثانية لبيان حاله في حله وترحاله.
فاعلم أرشدنا الله وإياك إلى طريق الرضوان وجنب جميعنا مسالك الذل والهوان أن حال هذا الإمام لا تفي بها عبارتي القاصرة ولا تحيط إشارتي بمن عقد الفضل عليه خناصره. وما أجد لبعض ذلك مثلاً إلاّ بعض قول الرئيس القاضي الكاتب أبي يحيى بن عاصم عند ما عرف بأبيه صاحب التحفة وقال فيه ما نصه: مولاي الوالد يكنى أبا بكر إن بسطت القول وعددت الطول وأحكمت الأوصاف وتوخيت الإنصاف أنفدت الطروس وكنت كما
стр. 724
يقول الناس في المثل: " من مدح العروس ". وإن أضربت عن ذلك صفحا وآثرت غضا من البنوة وسفحا فلبئسما صنعت ولشد ما أمسكت المعروف ومنعت ولكم من حقوق الأبوة أضعت ومن ثدي المعقة رضعت ومن شيطان لغمصة الحق أطعت ولم أرد إلاّ الإصلاح ما استطعت وإن توسطت واقتصرت وأوجزت واختصرت فلا الحق نصرت ولا أفنان البلاغة هصرت ولا سبيل الرشد أبصرت ولا عن هوى الحسدة أقصرت. هذا ولو أني أجهدت ألسنة البلاغة فجهدت وأيقظت عيون الإجادة فسدت واستعرت مواقف عكاظ على ما عهدت لمّا قررت من الفضل إلاّ ما به الأعداء قد شهدت ولا استقصيت من المجد إلاّ ما ما أوصت به الفئة الشانئة لخلفها الأبتر وعهدت فقد كان ﵀ علم الكمال ورجل الحقيقة وقارا لا يخف راسية ولا يعرى كاسيه وسكونا لا يطرق جانبه ولا يرهب غالبه وحلما لا تزل حصاته ولا تهمل وصاته وانقباضا لا يتعدى رسمه ولا يتجاوز حكمه ونزاهة لا ترخص قيمتها ولا تلين عزيمتها وديانة لا تحسر أذيالها ولا يشف سربالها وإدراكا لا يفل نصه ولا يدرك خصله وذهنا لا يخبو نوره ولا ينبو مطوره وفهما لا يخفى فلقه ولا يلحق طلقه وصدقا لا يخلف موعده ويأسن مورده وحفظا لا يسبر غوره ولا يذبل نوره بل لا يطرق بحره ولا يعطل فخره
стр. 725
وتحصيلا لا يفلت قنيصه ولا يسأم حريصه بل لا يحل عقاله ولا يصدأ صقاله وطلبا لا تتحد فنونه ولا تتعين عيونه بل لا تحصر معارفه ولا تقصر مصارفه.
انتهى المقصود منه وبعض كلامه أردت لا كله إذ هو اللائق بوصفه القاضي أبي الفضل عياض إمام الملة.
قال الملاحي: كان القاضي عياض رحمه الله تعالى بحر علم وهضبة دين وحلم أحكم قراءة كتاب الله تعالى بالسبع وبلغ من معرفته الطول والعرض وبرز في علم الحديث وحمل راية الرأي ورأس في الأصول وحفظ أسماء الرجال وثقب في علم النحو وقيد اللغة وأشرف على مذاهب الفقهاء وأنحاء العلماء وأغراض الأدباء.
انتهى كلام الملاحي.
وقال ابنه القاضي أبو عبد الله بن عياض ﵀: نشأ أبي علي عفة وصيانة مرضى الحال محمود الأقوال والأفعال موصوفا بالنبل والفهم والحذق طالبا للعلم حريصا عليه مجتهدا فيه معظما عند الأشياخ من أهل العلم كثير المجالسة لهم والاختلاف إليهم إلى أن برع أهل زمانه وساد جملة أقرانه فكان من حفاظ كتاب الله تعالى مع القراءة الحسنة والنغمة العذبة والصوت الجهير والحظ الوافر من تفسيره وجميع علومه وكان من أئمة الحديث في وقته أصوليا متكلما فقيها حافظا للمسائل عاقدا للشروط بصيرا بالأحكام نحويا ريان من الأدب شاعرا مجيدا كاتبا خطيبا حافظا للغة والأخبار والتواريخ حسن المجلس
стр. 726
نبيل النادرة حلو الدعابة صبورا حليما جميل العشرة جوادا سمحا كثير الصداقة دءوبا على العمل صليبا في الحق وبلغ في التفنن في العلوم ما هو مشهور وفي العالم معلوم.
قال ابنه وابن خاتمة في مزية المرية:
وأخذ عن أشياخ بلدته سبتة كالقاضي أبي عبد الله بن عيسى والخطيب أبي القاسم والفقيه أبي إسحاق بن الفاسي وغيرهم. ثم رحل إلى الأندلس وكان خروجه من سبتة يوم الثلاثاء منتصف جمادى الأولى سنة سبع وخمس مائة فوصل إلى قرطبة يوم الثلاثاء مستهل جمادى الآخرة فأخذ بها عن ابن عتاب وابن حمدين وابن الحاج وابن رشد وأبي الحسين بن سراج وأبي الحسن بن مغيث وأبي القاسم بن النحاس وأبي بحر الأسدي وأبي القاسم بن بقي وأبي الوليد هشام بن أحمد بن العواد وغيرهم من أعلام قرطبة. ثم خرج منها إلى مرسية يوم الاثنين لخمس بقين من المحرم سنة ثمان من التاريخ فوصل مرسية يوم الثلاثاء الثالث من صفر بعده.
كذا قال ولده وهو أعرف.
وقال ابن خاتمة في مزية المرية: إنه وصل مرسية في غرة صفر فوجد الحافظ أبا هلي الصدفي مختفيا قال ابن خاتمة: وكان اختفى قبل ذلك بأيام لنبذة خطة القضاء من غير أن يعفى ووجد الرحالين إليه قد نفذت نفقات بعضهم ومنهم من ابتدأ كتابا لم يتمه فأخذ أكثرهم في الرجوع إلى مواطنهم وتربص بعضهم فمكث هو بقية صفر وشهر ربيع الأول لا يقع له على خبر سوى الظن بكونه هنالك وقابل أثناء ذلك بأصوله وكتب منها
стр. 727
ما أمكن على يد خاصته من أهله ولا يشك أنَّ تصرفه في ذلك لم يكن إلاّ بأمره إلى أن وصل كتاب قاضي الجماعة أبي محمّد بن منصور بحل القاضي أبي علي عن القضاء.
قال ابنه: ووصل كتابه إلى أبي معلما له بذلك إذ كان يكرم عليه وعلم برحلته إليه فخرج أبو علي من اختفائه وجلس للتسميع فسمع عليه كثيرا وزمه وكان له به اختصاص فحصل له سماع كثير في أمد يسير.
قال ابن خاتمة: سمع عليه الصحيحين والمؤتلف والمختلف ومشتبه النسبة لعبد الغني والشهاب للقضاعي وغير ذلك وكتب عنه فوائد كثيرة عارض بأصوله وأجاز له جميع رواياته.
قال ابنه ﵀: حكى أبو الفضل عياض ﵀ أنَّ القاضي أبا علي الصدفي ﵀ قال له: لولا يسر خروجي بلطفه لكنت عزمت أن أشعرك بموضع يقع عليه الاختيار من بلاد الأندلس لا يؤبه لكوني فيه فتدخل إليه وأخرج مختفيا إليه بأصولي فتجد ما ترغب لمّا كان في نفسي من تعطيل رحلتك وإخفاق رغبتك.
ولقي في رحلته هذا قولهم: جماعة من أعلام الأندلس وأجاز أبو علي الجياني
стр. 728
وشريح وابن شبرين وغيرهم من أعلام غرب الأندلس وأجاز أيضاً أبو جعفر بن بشتغير وابن الأدقر وأبو زيد بن منتال وغيره من أعلام شرق الأندلس.
قال ابن خاتمة: وفي رحلته هذه دخل المرية وبها لقيه القاضي أبو جعفر بن مضاء.
قال ابنه: ووصل بلده بعد هذه الرحلة ليلة السبت سابع جمادى الآخرة سنة ثمان وخمس مائة وأجلسه أهل بلده للمناظرة عليه في المدونة وهو ابن اثنين وثلاثين عاما وبعد ذلك بيسير أجلس للشورى ثم ولى القضاء عام خمس عشر وخمس مائة لقلاق بقين من صفر فسار فيها أحسن سيرة محمود الطريق مشكور الحالة أقام جميع الحدود على ضروبها واختلاف أنواعها وبنى الزيادة الغربية في جامع سبتة التي كمل بها جماله وبنى في جبل المينا الرابطة المشهورة إلى غير ذلك من الآثار المحمودة والمساعي المرضية فعظم جاهه وبعد صيته.
ثم نقل إلى غرناطة ووصل إليه الكتاب بذلك في أوّل يوم من صفر عام أحد وثلاثين وخمس مائة فنهض إليها وتقلد خطة قضائها على المعتاد من شيمته السنية وأخلاقه المرضية مشكور عند جميع الناس لكن تاشفين ضاق به ذرعه وغص بمراقبته وصد أصحابه عن الباطل وخدمته عن الظلم وتشريدهم عن الأعمال فسعى في صرفه عن قضاء غرناطة فصرف بعد انفصاله عنها زائرا أهله وترك ابن أخيه الزاهد أبا عبد الله ﵀ على الأحكام
стр. 729
وذلك في رمضان المعظم عام اثنين وثلاثين وخمس مائة.
ثم ولى قضاء سبتة ثانية في آخر عام تسعة وثلاثين وخمس مائة قدمه إبراهيم بن تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين فابتهج أهل بلده بذلك فسار فيهم السيرة التي عهدوا منه ثم بادر بالمسابقة إلى الدخول في نظام الموحدين والاعتصام بحبلهم المتين فأقره أمير المؤمنين أدام الله أمره على ما كان عليه وصوف أمور بلده إليه وخاطبه بالتنوية وحظى عنده وشكر بداره وسبقه. ثم رحل إليه فاجتمع به بمدينة سلا عند توجهه إلى محاصرة مراكش فأوسع له وأجزل صلته ولقي منه برا تاما وإكراما عاما وانصرف إلى أحسن حال إلى أن ثارت الفتنة.
انتهى كلام ولده وسنذكر بقيته في محله إن شاء الله تعالى.
وقال الشيخ العلامة أبو زيد عبد الله الرحمن الغرناطي المعروف بابن القصير ﵀ لمّا ورد علينا القاضي عياض غرناطة خرج الناس للقائه وبرزوا تبريزا ما رأيت لأمير مثله وحزرت أعياد البلد الذين خرجوا إليه ركابا نيفا على مائتي راكب ومن سواد العامة ما لا يحصى كثرة وخرجت مع أبي رحمه الله تعالى في جملة من خرج فلقيناه شخصا بادي السيادة منبئا عن اكساب المعالي والإفادة. قال: وكان وروده علينا يوم الخميس لخمس بقين من ربيع الآخرة سنة ثلاثين وخمس مائة. انتهى.
وانظر قوله سنة ثلاثين مع ما تقدم لولده من أن ولايته قضاء غرناطة سنة إحدى وثلاثين فلا أدرى أيهما أصوب إلاّ أنَّ يقال أحدهما تحريف من الناسخ. والله اعلم.
стр. 730
ثم إني رأيت في الاحاطة أنه تولى قضاء غرناطة عام أحد وثلاثين فتبين أنَّ ذلك هو الصواب. ورأيت مثله غير موضع فبان أنّه لا تحريف فيه. ويبقى النظر في الآخر المنقول عن عبد الرحمن بن القصير وقد نقله ابن جابر الوادي آشي عن عبد الرحمن المذكور كما حكيته سنة ثلاثين فالله اعلم.
ثم قال عبد الرحمن المذكور: ولمّا استقر عندنا كان مثل التمرة كلما ليكت زاد حلاوة ولفظة عذب في كل ما صرف من الكلام للنفس إليه تتوق وله طلاوة وكان برا بلسانه جوادا ببنانه كثير التخشع في صلاته مواصلا لصلاته وقد جمعنا من سيره جملا في الكتاب الذي جمعنا فيه مناقب من أدركنا من أعيان عصرنا ونبهائه وذكرنا له ما يفاخر برونقه وبهائه وكان مع براعته في علوم الشريعة خطيبا في تحبير للخطب وفي لفظه ظاهر الخشوع عند التلاوة وفي لحظه سريع العبرة مديما للتفكير والعبرة كاتبا إذا نثر ناظما إذا شعر.
انتهى. نقله ابن جابر وغير واحد كابن رشيد.
وقال في أوله ما نصه: قال أبو القاسم عبد الرحمن بن أحمد بن أحمد الأزدي: ولي عندنا ببلدنا غرناطة حرسها الله تعالى الفقيه الأجل الحافظ الأحفل القاضي الأكرم الأفضل الإمام الخطيب المصقع الأديب الأبرع أبو الفضل أبو الفضل عياض. انتهى.
ونقلت من خط بعض تلامذة ابن رشيد وهو محمّد بن البردعي ما نصه: وعبد الرحمن هذا قد سألت عنه شيخنا المذكور يعني ابن رشيد فقال
стр. 731
لي: لم يعرف به أحد من أهل الصلات. قلت: ولا المللاحي أيضاً.
انتهى ببعض اختصار.
وكان الإمام القاضي أبو الفضل عياض ﵀ كثير الإنصاف ومما يدل على إنصافه الحق وتواضعه ما حكاه عبد الرحمن المذكور آنفا إذ قال: دخلت مجلس القاضي أبي الفضل عياض رحمه الله تعالى إذ كان قاضيا عندنا بغرناطة وبه جماعة من الطلبة الأعيان يسمعون تأليفه المسمى بالشفا فلما وصل القارئ إلى هذه الكلمات: " ومن قسم به أقسط " قرأه ثلاثين وكذلك كان في الأم التي كان يقرأ فيها فقلت للقاضي وصل الله توفيقه: هذا لا يجوز في هذا الموضع. فقال: ما تقول؟ فقلت: إنما هو أقسط لأن المراد في هذا الموضع " عدل " فالفعل منه رباعي كما قال الله تعالى:
) واقسطوا إنَّ الله يحب المقسطين (. وأما قسط فإنما هو " جار " كما قال تعالى:) وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (. فتعجب وقال لمن حضر: إنَّ هذا الكتاب قد قرأه على من العالم ما لا يحصى كثرة ولا أقف على منتهى أعدادهم وما تنبه لهذه اللفظة. وفاه بلسان الإنصاف وشكر بفضله وأبلغ ببراعة علمه في تحسين المناقب والأوصاف وأورثني ذلك عنده كرامة كبيرة ومبرة ولم تزل مستمرة وصنع من المكارم أجزل صنيع وأبره ﵀ من طود علم وهضبة فضل وحلم وتغمده إيانا برحمته ونفعه كما نفع في الدنيا والآخرة بعلمه. انتهى.
стр. 732
قلت: وقد رأيت نسخة من الشفا بخط هذا الشيخ عبد الرحمن المذكور وحكى هذه المسألة في الطرة بخطه كما نقلته حرفا حرفا إلاّ قوله: " المسمى بالشفا " فانه لم يقله. وألفيت في آخر هذه النسخة بخط الفقيه محمّد بن البردعي المتقدم الذكر، تلميذ ابن رشيد الفهري عندما ذكر هذه الحكاية، ما نصه:
وعبد الرحمن هذا هو كاتب هذه النسخة وقد عاناها أحسن معاناة إلاّ الكراسة الأخيرة فإنها ليست بخطه وقد ذكر هذه الحكاية في بعض طرره المتياسرة حيث وقعت اللفظة المذكورة منه وأثبتها هنالك بخطه كما أثبت غيرها مما يدل على علمه وتفننه في المعارف. وقد سألت عنه شيخنا أبا عبد الله المذكور يعني ابن رشيد فقال لي: لم يعرف به أحد من أهل الصلات. قلت: ولا الملاحي أيضاً.
انتهى ما ألفيته بخط ابن البردعي، وقد نقلت بعضه قبل هذا بأسطر، وأعدته هنا لارتباط بعضه ببعض، والله الموفق.
قلت: ما ذكره ابن رشيد وتلميذه ابن البردعي، من أنَّ عبد الرحمن المذكور لم يعرف به أحد من أهل الصلات، قصور واضح وكذا قول ابن البردعي إنَّ الملاحي لم يذكره، فقد ذكره الملاحي وأبو جعفر بن الزبير في صلة الصلة وكناه أبا جعفر، لا أبا القاسم، ولا أبا زيد، كما كناه ابن جابر وغيره مما ذكرناه.
стр. 733
ونص ما في صلة ابن الزبير: عبد الرحمن بن أحمد بن أحمد بن محمّد الأزدي، من أهل غرناطة، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن القصير، من بيت شورى وجلالة، روى عن أبيه القاضي أبي الحسن أحمد بن أحمد، وعن عمه أبي مروان عبد الملك بن أحمد، وعن أبوي الحسن بن دري وابن الباذش، وأبي الوليد بن رشد، وأبي إسحاق إبراهيم بن رشيق الطليطلي، نزيل وادي آش، وأبي بكر بن العربي، وأبي الحسن بن موهب، وأبي محمّد عبد الحق بن غالب بن عطية، وأبي عبد الله بن أبي الخصال، وأبي الحسن يونس بن مغيث، وأبي القاسم بن ورد، وأبي بكر بن مسعود الخشني، وأبي القاسم بن بقي، وأبي الفضل عياض بن موسى وغيرهم، وكان فقيها مشاورا، رفيع القدر، جليلا بارع الأدب، عارفا بالوثيقة، ناقدا لها، صاحب رواية ودراية، تقلب ببلاد الأندلس، وأخذ الناس عنه بمرسيو وغيرها، ورحل الة مدينة فاس، فأخذ الناس عنه بها، ثم رحل إلى أفريقية وولى قضاء تقيوس، ببلاد الجريد، بمقربة من توزر، ثم ركب البحر قاصدا الحج، فتوفى شهيدا في البحر، قتلته الروم بمرسى تونس، مع جماعة من المسلمين، صبح يوم الأحد، في العشر الوسط من شهر ربيع الآخر، سنة ست وسبعين وخمس مائة.
وله تواليف وخطب ورسائل ومقامات، وجمع مناقب من أدركه من أهل عصره، واختصر كتاب الحيل لابن خاقان الأصبهاني، وغير ذلك، وألف برنامج يضم رواياته. ذكر أبو القاسم بن الملجوم في برنامجه، وروى عنه، واستوفى خبره، وذكره الملاحي، وذكره الشيخ في الذيل، فيمن أسمه أحمد،
стр. 734
وغلطه في ذلك الكنية، ثم ذكره فيمن اسمه عبد الرحمن، وظن أنمها رجلان. انتهى كلام صاحب الصلة.
قلت: ولعل الحامل لابن رشيد وتلميذه على هذا القصور، اعتمادها على الكنية، التي هي أبو زيد وأبو القاسم، وقد عرفت أنَّ صاحب الصلة قد كناه بأبي جعفر فقط، فلما فلعلهم لم يقفا على ما ذكرناه من التعريف به أصلا، أو وقفا على أوله، حين رأيا صاحب الصلة كناه أبا جعفر، ظنا أنه غيره، ولم يمعنا النظر في الترجمة إلى آخرها. وإلى الله مرجع العلم.
ثم إنَّ الغلط في أمره وقع قبلهما لصاحب الذيل، كما قاله ابن الزبير. والله سبحانه اعلم بالصواب.
قلت: وقد ذكرت في هذا الموضوع بعض فوائد عبد الرحمن المذكور، المكتوبة بهامش الشفا، الذي بخطه، فراجعه في ترجمة تآليف عياض، عند ذكر كتاب الشفا.
وقال الفقيه الأجل، الراوي العدل، الزاهد الصالح، أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكول ﵀، في ذكر القاضيابي الفضل عياض في صلته، ما نصه:
عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، من أهل سبتة، يكنى أبا الفضل، قدم الأندلس طالبا للعلم، وأخذ بقرطبة عن القاضي أبي عبد الله مج بن علي، وغيرهم، وأجاز له أبو علي الغساني ما رواه، وأخذ بالمشرق عن القاضي علي حسين بن محمّد الصدفر كثيرا، وعن غيره، وعني بلقاء الشيوخ، والأخذ
стр. 735
عنهم، وجمع من الحديث كثيرا، وله عناية كبيرة بهم، واهتم بجمعه وتقييده، وهو من أهل التفنن في العلم، والذكاء واليقظة الفهم، واستقضى ببلده مدة طويلة، فحمدت سيرته فيها، ثم نقل عنها إلى قضاء غرناطة، فلم يطل أمده بها، وقدم علينا قرطبة في ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة، وأخذنا عنه بعض ما عنده. وسمعته يقول: سمعت القاضي أبا علي بن محمّد الصدفي يقول: سمعت الإمام أبا محمّد التميمي ببغداد يقول: ما لكم تأخذون العلم عنا، وتستفيدونه منه منا، ثم لا تترحمون علينا، فرحم الله جميع من أخذنا عنه، من شيوخنا وغيرهم.
ثم كتب إلى القاضي أبو الفضل بخطه، فذكر أنّه ولد في منتصف شعبان من سنة ست وسبعين وأربع مائة، وتوفي ﵀ بمراكش، مغربا عن وطنه، وسط سنة أربع وأربعين وخمس مائة. انتهى كلام ابن بشكول في الصلة، وذكرته كله وإن كان بعضه قد تقدم ما يغني عنه، وبعضه يأتي، لأنه كلام أرتبط ببعضه.
ورأيت في كتاب " المرقبة العليا، في الأقضية والفتيا " للقاضي الخطيب أبي الحسن علي بن عبد الله بن الحسن النباهي الغرناطي، ﵀، بعد أن ذكر كلام صاحب الصلة السابق، ما نصه: قلت: وسكن القاضي أبو الفضل هذا بمالقة مدة، وتمول بها أملاكا، وأصله من مدينة بسطة، ذكر ذلك حفيده، في الجزء الذي صنفه في التعريف به وبتواليفه، وبعض أخباره وخطبه، تغمده الله وإيانا برحمته، انتهى.
стр. 736
وقال صاحب المطمح والقلائد في وصف القاضي عياض ما نصه: " جاء على القدر، وسبق إلى نيل المعالي وابتدر، فاستيقظ لها والناس نيام، وورد ماءها وهم حيام، وجلى من المعارف ما أشكل، وأقدم على ما أحجم عنه سواه ونكل، فتحلت به للعلوم نحور، وتجلت له منها حور، " كأنهن الياقوت والمرجان "، " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان " قد ألحفته الأصالة رادءها، وسقته أنداءها، وألقت إليه الرياسة مقاليدها، وملكته طريفها وتليدها، فبذ على فتائه الكهول، سكونا وحلما، وسبقهم معرفة وعلما، وأزرت محاسنه بالبدر اللياح، وسرت بفضائله مسرى الرياح، فتشوقت لعلاه الأقطار، ووكفت تحكي نداه الأمطار، وهو على اعتناء بعلوم الشريعة، واختصاصه بهذه الرتبة الرفيعة، يعني بإقامة أود الأدب، وينسل إليه أربابه من كل حدب ".
قال ابن جابر: هكذا وصفه صاحب المطمح. انتهى.
وهذا يدل على أنَّ بعض ألفاظ المطمح كألفاظ القلائد لأن هذا الذي نقله ابن جابر عن المطمح، هو بعينه في قلائد العقيان، وزاد بعد قوله: " من كل حدب " ما نصه: إلى سكون ووقار كما رسا الطود، وجمال مجلس كما حليت الخود، وعفاف وصون، ما علما فساد بعد الكون، وبهاء، لو رأته الشمس ما باهت بأضواء، وخفر، لو كان للصبح ما لاح وأسفر. انتهى.
وقد رأيت بعض أوراق من المطمح، بخزانة الكتب من الجامع الأعظم بتلمستان، حرسها الله، أعني الخزانة الوسطى، التي فوق محراب الصحن، وهي التي يجلس بها الأشراف، أحفاد الشيخ الإمام، علم الأعلام
стр. 737
سيدي أبي عبد الله الشريف التلمستاني، رحمه الله تعالى، شارح جمل الخونجي، وصاحب التآليف المشهورة، المبرز على العلماء المعقول المنقول، وعادة هؤلاء الأشراف أن يجلسوا بها يوم الجمعة، بعد الصلاة وقبلها، فوجدت ألفاظ - أعني المطمح - كألفاظ القلائد، من غير فرق، غير أنّه في المطمح ذكر رجلاً لم يذكرهم في القلائد، فظهر من مقتضى ذلك أنَّ المطمح إنما زاد على القلائد في الرجال، وأما ما اتففنا عليه فلفظهما فيه واحد.
وذكر غير واحد من الأئمة أنَّ المطمح ثلاث نسخ: كبرى، ووسطى، وصغرى. وأصل تسميته: " مطمح الأنفس، ومسرح التأنس، في ذكر أعيان الأندلس ".
ولعلنا نذكر فيما يأتي من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، التعريف بصاحب المطمح والقلائد المذكور، وهو الفتح بن عبد الله، الكاتب المعروف بابن خاقان، في موضع أنسب من هذا، والله سبحانه المستعان، نسأله سبحانه أن ييسر علينا كرم الله وجهه مرام، ويغتمد بالعفو ما ارتكبناه من إصرار وإجرام، بجاه أشرف الخلق، ووسيلتهم إلى الحق، سيدنا محمّد بن عبد الله بن عبد الطلب ابن هاشم، عليه من الله أفضل صلوات وأزكى سلامة، وعلى جميع إخواننا المرسلين والنبيين، وعلى آله، وأصحابه، وأشياعه، وأنصاره، وأزواجه، وذريته، وأهل بيته الطاهرين.
وكان القاضي أبو الفضل عياض ﵀ حسن الإلقاء للمسائل،
стр. 738
كثير التحرير للنقول، وقد انتفع به من العلماء ما لا يحصى، كأبي زيد عبد الرحمن بن القصير، المتقدم الذكر.
وممن أخذ عنه القاضي الشهير أبو جعفر أحمد بن عبد الله الرحمن بن مضاء اللخمي ﵀، وقد قدمنا أنّه لقيه بالمرية.
وكان القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى وقورا، ذا سمت حسن، وهدي مستحسن، وربما تقع منه دعابة، كما تصدر من الفضلاء أمثاله.
ومن دعابته ما حكاه ولده، قال: قال بعض أصحابنا: صنعت أبياتا تغزلت فيها، والتفت إلى أبيك ﵁، ثم اجتمع بي، فاستشهدني إياها، فوجمت، فعزم علي، فأنشدته:
أيا مكثرا صدى ولم آت جفوة ... وما أنا عن فعل الجفاء براضي
سأشكو الذي توليه من سوء عشرة ... إلى حكم الدنيا وأعدل قاضي
ولا حكم بيني وبينك أرتضي ... قضايا في الدنايا سوى ابن عياض
قال: فلما فرغت حسن وقال: ومتى عرفتني قوادا يا فلان، على طريق المداعبة، رحمه الله تعالى، ورضي عنه وأرضاه.
وكان القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى كثير الاعتناء بالتقييد والتحصيل.
قال ابن خاتمة: كان لا يبلغ شأوه، ويدرك مداه، في العناية بصناعة الحديث، وتقييد الآثار، وخدمة العلم، مع حسن التفنن فيه، والتصرف الكامل في فهم معانيه، إلى اضطلاعه بالآداب، وتحققه بالنظم والنثر، ومهارته في الفقه، ومشاركته في اللغة العربية.
стр. 739
وبالجملة فكان جمال العصر، مفخر الأفق، وينبوع المعرفة، ومعدن الإفادة، وإذا عدت رجالات المغرب، فضلا عن الأندلس، حسب فيهم صدرا. انتهى. وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذووه أهل الفضل.
وكان رحمه الله تعالى معظما للسنة، عالما عاملا، خاشعا قانتا، قوالا للحق، لا يخاف في الله تعالى لومة لائم. وكان رحمة الله معتنيا بضبط الألفاظ النبوية على اختلاف طرقها، وكتابه " المشارق " أزكى شاهد على ذلك، ولقد كان بعض من لقيته من صلحاء عصرنا وعلمائه يقول: لا أحتاج في كتب الحديث إلاّ للمشارق، فإذا كان عندي، أبالى بما فقدت منها، أو كلاهم هذا معناه. وسنذكر إن شاء الله تعالى بعض ما قيل في كتاب المشارق في محله من هذا الموضوع.
وكان ﵀ حاضر الجواب حاد الذهن، متوقد الذكاء جامعا للفنون آخذا منها بالحظ الأوفر.
وكان القاضي أبو الفضل عياض ﵀ بارع الخط المغربي، وقد وقفت على خطه ﵀، فرأيت خطأ رائقا، وكان سريع الوضع، ويدل على ذلك كثرة أوضاعه، وكتب مع ذلك كتب كثيرة بيده.
وكان رحمه الله تعالى حسن العبارة لطيف الإشارة، وتآليفه شاهدة بذلك، وله في الفقه المالكي اليد الطولي، وعليه المعول في حل ألفاظ المدونة وضبط مشكلاته، وتحرير رواياتها، وتسمية رواتها. وتحقيق ذلك أنه جمع بين شرح المعاني وإيضاحها، وضبط الألفاظ، وذكر من رواها من الحفاظ.
صناعة التأليف بالمغرب
ولقد وقف في بعض التعاليق لأحد المتأخرين على كلام في صناعة
стр. 740
التأليف، رأيت أنَّ أجلبه جميعه، لمّا فيه من ذكر بلاغة القاضي عياض ونصه:
وقد كان للقدماء، ﵃، في تدريس المدونة اصطلاحان: اصطلاح عراقي، واصطلاح قروي. فأهل العراق جعلوا من مصطلحهم مسائل مدونة كالأساس، وبنو عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات، ومناقشة الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل، وتحرير الدلائل، ورسم الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين. وأما الاصطلاح القروي فهو البحث على ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات وبيان وجوه الاحتمالات والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب، واختلاف المقالات، مع ما أنضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، وترتيب أساليب الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع من السماع، وافق ذلك عوامل الأعراب أو خالفها.
فهذه كانت سرة القوم رضوان الله عليهم، إلى أن عم التكاسل، وصار رسم العلم كالماحل. ويحقق ما قلناه تصرف التونسي في تعاليقه اللطيفة المنزع، واللخمي في تبصرته البارعة الختام والمطلع إلى غير ذلك من تآليف القرويين وتعاليق المحققين، من شيوخ الأفريقيين.
وقد سلك القاضي عياض في تنبيهاته مسلك جمع فيه بين الطريقتين
следующие страницы →