Полный текст (1 044 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
وقال صاحب المطمح والقلائد في وصف القاضي عياض ما نصه: " جاء على القدر، وسبق إلى نيل المعالي وابتدر، فاستيقظ لها والناس نيام، وورد ماءها وهم حيام، وجلى من المعارف ما أشكل، وأقدم على ما أحجم عنه سواه ونكل، فتحلت به للعلوم نحور، وتجلت له منها حور، " كأنهن الياقوت والمرجان "، " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان " قد ألحفته الأصالة رادءها، وسقته أنداءها، وألقت إليه الرياسة مقاليدها، وملكته طريفها وتليدها، فبذ على فتائه الكهول، سكونا وحلما، وسبقهم معرفة وعلما، وأزرت محاسنه بالبدر اللياح، وسرت بفضائله مسرى الرياح، فتشوقت لعلاه الأقطار، ووكفت تحكي نداه الأمطار، وهو على اعتناء بعلوم الشريعة، واختصاصه بهذه الرتبة الرفيعة، يعني بإقامة أود الأدب، وينسل إليه أربابه من كل حدب ".
قال ابن جابر: هكذا وصفه صاحب المطمح. انتهى.
وهذا يدل على أنَّ بعض ألفاظ المطمح كألفاظ القلائد لأن هذا الذي نقله ابن جابر عن المطمح، هو بعينه في قلائد العقيان، وزاد بعد قوله: " من كل حدب " ما نصه: إلى سكون ووقار كما رسا الطود، وجمال مجلس كما حليت الخود، وعفاف وصون، ما علما فساد بعد الكون، وبهاء، لو رأته الشمس ما باهت بأضواء، وخفر، لو كان للصبح ما لاح وأسفر. انتهى.
وقد رأيت بعض أوراق من المطمح، بخزانة الكتب من الجامع الأعظم بتلمستان، حرسها الله، أعني الخزانة الوسطى، التي فوق محراب الصحن، وهي التي يجلس بها الأشراف، أحفاد الشيخ الإمام، علم الأعلام
стр. 737
سيدي أبي عبد الله الشريف التلمستاني، رحمه الله تعالى، شارح جمل الخونجي، وصاحب التآليف المشهورة، المبرز على العلماء المعقول المنقول، وعادة هؤلاء الأشراف أن يجلسوا بها يوم الجمعة، بعد الصلاة وقبلها، فوجدت ألفاظ - أعني المطمح - كألفاظ القلائد، من غير فرق، غير أنّه في المطمح ذكر رجلاً لم يذكرهم في القلائد، فظهر من مقتضى ذلك أنَّ المطمح إنما زاد على القلائد في الرجال، وأما ما اتففنا عليه فلفظهما فيه واحد.
وذكر غير واحد من الأئمة أنَّ المطمح ثلاث نسخ: كبرى، ووسطى، وصغرى. وأصل تسميته: " مطمح الأنفس، ومسرح التأنس، في ذكر أعيان الأندلس ".
ولعلنا نذكر فيما يأتي من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، التعريف بصاحب المطمح والقلائد المذكور، وهو الفتح بن عبد الله، الكاتب المعروف بابن خاقان، في موضع أنسب من هذا، والله سبحانه المستعان، نسأله سبحانه أن ييسر علينا كرم الله وجهه مرام، ويغتمد بالعفو ما ارتكبناه من إصرار وإجرام، بجاه أشرف الخلق، ووسيلتهم إلى الحق، سيدنا محمّد بن عبد الله بن عبد الطلب ابن هاشم، عليه من الله أفضل صلوات وأزكى سلامة، وعلى جميع إخواننا المرسلين والنبيين، وعلى آله، وأصحابه، وأشياعه، وأنصاره، وأزواجه، وذريته، وأهل بيته الطاهرين.
وكان القاضي أبو الفضل عياض ﵀ حسن الإلقاء للمسائل،
стр. 738
كثير التحرير للنقول، وقد انتفع به من العلماء ما لا يحصى، كأبي زيد عبد الرحمن بن القصير، المتقدم الذكر.
وممن أخذ عنه القاضي الشهير أبو جعفر أحمد بن عبد الله الرحمن بن مضاء اللخمي ﵀، وقد قدمنا أنّه لقيه بالمرية.
وكان القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى وقورا، ذا سمت حسن، وهدي مستحسن، وربما تقع منه دعابة، كما تصدر من الفضلاء أمثاله.
ومن دعابته ما حكاه ولده، قال: قال بعض أصحابنا: صنعت أبياتا تغزلت فيها، والتفت إلى أبيك ﵁، ثم اجتمع بي، فاستشهدني إياها، فوجمت، فعزم علي، فأنشدته:
أيا مكثرا صدى ولم آت جفوة ... وما أنا عن فعل الجفاء براضي
سأشكو الذي توليه من سوء عشرة ... إلى حكم الدنيا وأعدل قاضي
ولا حكم بيني وبينك أرتضي ... قضايا في الدنايا سوى ابن عياض
قال: فلما فرغت حسن وقال: ومتى عرفتني قوادا يا فلان، على طريق المداعبة، رحمه الله تعالى، ورضي عنه وأرضاه.
وكان القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى كثير الاعتناء بالتقييد والتحصيل.
قال ابن خاتمة: كان لا يبلغ شأوه، ويدرك مداه، في العناية بصناعة الحديث، وتقييد الآثار، وخدمة العلم، مع حسن التفنن فيه، والتصرف الكامل في فهم معانيه، إلى اضطلاعه بالآداب، وتحققه بالنظم والنثر، ومهارته في الفقه، ومشاركته في اللغة العربية.
стр. 739
وبالجملة فكان جمال العصر، مفخر الأفق، وينبوع المعرفة، ومعدن الإفادة، وإذا عدت رجالات المغرب، فضلا عن الأندلس، حسب فيهم صدرا. انتهى. وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذووه أهل الفضل.
وكان رحمه الله تعالى معظما للسنة، عالما عاملا، خاشعا قانتا، قوالا للحق، لا يخاف في الله تعالى لومة لائم. وكان رحمة الله معتنيا بضبط الألفاظ النبوية على اختلاف طرقها، وكتابه " المشارق " أزكى شاهد على ذلك، ولقد كان بعض من لقيته من صلحاء عصرنا وعلمائه يقول: لا أحتاج في كتب الحديث إلاّ للمشارق، فإذا كان عندي، أبالى بما فقدت منها، أو كلاهم هذا معناه. وسنذكر إن شاء الله تعالى بعض ما قيل في كتاب المشارق في محله من هذا الموضوع.
وكان ﵀ حاضر الجواب حاد الذهن، متوقد الذكاء جامعا للفنون آخذا منها بالحظ الأوفر.
وكان القاضي أبو الفضل عياض ﵀ بارع الخط المغربي، وقد وقفت على خطه ﵀، فرأيت خطأ رائقا، وكان سريع الوضع، ويدل على ذلك كثرة أوضاعه، وكتب مع ذلك كتب كثيرة بيده.
وكان رحمه الله تعالى حسن العبارة لطيف الإشارة، وتآليفه شاهدة بذلك، وله في الفقه المالكي اليد الطولي، وعليه المعول في حل ألفاظ المدونة وضبط مشكلاته، وتحرير رواياتها، وتسمية رواتها. وتحقيق ذلك أنه جمع بين شرح المعاني وإيضاحها، وضبط الألفاظ، وذكر من رواها من الحفاظ.
صناعة التأليف بالمغرب
ولقد وقف في بعض التعاليق لأحد المتأخرين على كلام في صناعة
стр. 740
التأليف، رأيت أنَّ أجلبه جميعه، لمّا فيه من ذكر بلاغة القاضي عياض ونصه:
وقد كان للقدماء، ﵃، في تدريس المدونة اصطلاحان: اصطلاح عراقي، واصطلاح قروي. فأهل العراق جعلوا من مصطلحهم مسائل مدونة كالأساس، وبنو عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات، ومناقشة الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل، وتحرير الدلائل، ورسم الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين. وأما الاصطلاح القروي فهو البحث على ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات وبيان وجوه الاحتمالات والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب، واختلاف المقالات، مع ما أنضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، وترتيب أساليب الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع من السماع، وافق ذلك عوامل الأعراب أو خالفها.
فهذه كانت سرة القوم رضوان الله عليهم، إلى أن عم التكاسل، وصار رسم العلم كالماحل. ويحقق ما قلناه تصرف التونسي في تعاليقه اللطيفة المنزع، واللخمي في تبصرته البارعة الختام والمطلع إلى غير ذلك من تآليف القرويين وتعاليق المحققين، من شيوخ الأفريقيين.
وقد سلك القاضي عياض في تنبيهاته مسلك جمع فيه بين الطريقتين
стр. 741
والمذهبين وذلك لقوة عارضته، نفعه الله بذلك، وأعاد إلينا من بركاته. انتهى.
وقال في هذا التعليق في موضوع آخر ما نصه: وأغلب تآليف المشارقة الإيجاز، لتمكن ملكتهم من التصرف، مثل كتاب ابن الحاجب، في فروعه وفي أصوله، والخونجي في المنطق، وغيرهما، وإن كان الغالب على جل أئمة المشارقة الإطناب، مثل الغزالي والإمام الفخر وغيرهما.
وأما أهل الأندلس فالغالب عليهم فيهقة البلاغة، في حسن رصف الكلام وانتقائه، مثل عبارة القاضي عياض في تآليفه، التي لا تسمح القرائح بالإتيان بمثلها والنسج على منوالها.
وانتهت صناعة التأليف في علماء المغرب، على صناعة أهل المشرق، لشيخ شيوخ العلماء في وقته، ابن البناء الازدء المراكشي، في جميع تصانيفه، أوجب ذلك براءة نسبة من البداوة، وملكنه في التصرف، التي هي نتيجة تحصيله.
ولم يظهر من علماء فاس شيء من التآليف المرتجلة ولا الملخصة، إلاّ ما كان سبيله النسيج بها على ما هي عليه فقط، كما في تأليف المدونة المنسوبة للشيخ أبي اللحسن وهي التي اعتنى بها طلبته، وبنوها على ما قيدوه عنه من فوائد المجلس، وذلك كله في العشرة الرابعة من المائة الثامنة. ثم تلاهم طلبة
стр. 742
الشيخ الجزولي على الرسالة، وتعددت تلك التقاييد أيضاً، ونسبة إلى الشيخ وإنما له فيها ما قيد عنه في المجلس. واختلف نظر الشيخين بحسب تعدد السلكات، فقيد كل طالب ما سمع. فلا يقال في هذه تآليف، لكونها منسوخة من أماكن معزوة.
والعلة في ذلك كون صناعة التعليم، وملكة التلقي، لم تبلغ فاسا، كما هي بمدينة تونس، اتصلت إليهم من الإمام المازري، كما تلقاه عن الشيخ الخمي، وتلقاها اللخمي عن حذاق القرويين، وانتقلت ملكة هذا التعليم إلى الشيخ ابن عبد سلام، مفتي البلاد الإفريقية وأصقاعها، المشهود له برتب التبريز والامامة، واستقرت تلذ الملكة في تلميذه ابن عرفة ﵀، وفي الشيخ ابن الإمام التلمساني. ونجب من طلبة ابن الإمام تلميذه الإمام أبو عبد الله الشريف، شارح الجمل وانتهت طريقته لولده أبي يحيى
стр. 743
المفسر العالم. واستقرت أيضاً طريقة ابن الإمام، في تلميذه سعيد بن محمّد العقباني، وانتهى ذلك إلى ولده شيخنا أبي الفضل قاسم العقباني، ﵏ جميعا. قال ابن خلدون، ولمن ذكرنا من أهل المائة الثامنة انتهت طريقة التعليم، وملكة التلقي. يعني بذلك الشريف والعقباني رحمهما الله تعالى، قال: لكونهما ألفا التصانيف البعيدة، وزاحما رتبة الاجتهاد من غير منازع.
قلت: وكذلك بلغ رتبة التبريز في تحصيل العلم، كل واحد من ولديهما، الفقيه السيد أبو القاسم بن سعيد، والفقيه الأوحد السيد أبو يحيى الشريف، إذ بلغ درجة الإمامة والفتيا. وأما الإمامة ابن عرفة، فانتفع به جماعة، فكان أصحابه كأصحاب سحنون: أئمة في كل بلد، فمنهم أيضاً من بلغ درجة التأليف ووقع الاتفاق على إمامته، وتقدمه وسمو رتبته، كشيخنا الإمام الحافظ المحصل أبي القاسم بن أحمد البرزلي، مفتي ابلاد الإفريقية، ومؤلف كتاب الأسلة الحاوية للنوازل والفتاوي. ومنهم شيخنا الإمام الحافظ المجتهد، صاحب التصانيف المفيدة، أبو عبد الله محمّد بن مرزوق، وله " المنزع النبيل، في شرح مختصر خليل "، و " شرح التهذيب "، وغير ذلك من المسائل العلمية.
стр. 744
قلت: إنما اقتصرت على ذكر هذين الشيخين الإمامين، لمّا لهما علي من المشيخة، ولشهرتهما بالتأليف، التي تقوم مقام الشاهدة لمّا قلته، حتى نبد عن شبه التعصب.
وأما من نجب من تلاميذة شيخ شيوخنا ابن عرفة، وتمكن من ملكة التعليم، فخلق يطول عددهم، فمنهم من أدركناه، وأخذنا عنه، وأجزنا مروياته، ومنهم من لم ندركه، نفع الله بجميعهم، وأعاد علينا من بركاتهم.
قلت: هنا انتهت ملكة الفقه من علماء القيروان عن المازري، إلى من ذكرنا، ثم إلى من لقينا.
وأما ملكة العلوم النظرية، فهي قاصرة على البلاد المشرقية، ولا عناية لحذاق القرويين والإفريقيين إلاّ بتحقيق الفقه فقط. ولم يزل الحال كذلك إلى أن رحل الفقيه ابن زيتون إلى الشرق، فلقي تلاميذ الفخر بن خطيب، ولازمهم زمانا، حتى تمكن من ملكة التعليم، وقدم إلى تونس، فانتفع به أهلها، وانتهت طريقته النظرية إلى تلميذه ابن عبد السلام المذكور، واستقل تلميذه بن عرفة بعده بتلك الطريقة، وكذلك أبو عيسى موسى ابن الإمام التلمساني المذكور ولهذا تجد أثر العلوم النظرية بتلمستان.
قال الإمام ابن خلدون وغيره من أئمة التاريخ: لم نشاهد في المائة الثامنة من سلك طريق النظار بفاس، بل في جميع هذه الأقطار، لأجل انقطاع ملكة التعليم عنهم، ولم يكن منهم من له عناية بالرحلة،
стр. 745
بل قصرت هممهم على طريق تحصيل القرآن، ودرس التهذيب فقط. نعم أخذوا شيئاً من مبادئ العربية من أهل الأندلس، القادمين عليهم من يبتة وغيرها، باستدعاء ملوك بني مرين. قال: ولهذا لم يتصدر من الفاسيين من يقرئ " الكتاب " كما هو متناول بين أهل الأندلس، مثل ابن أبي الربيع والشلوبين وغيرهما، لوجود ملكة النحو في قطر الأندلس، بسبب رحلة علمائها إلى تلقيه من أربابها بالمشرق، كما ارتحل أعلامهم إلى بغداد في تحصيل الفقه من الابهري، وكذا يحيى بن يحيى عن مالك، وغير واحد وكذلك علوم الحديث وغيره، كرحلة الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي.
ولمّا كمل غرض أبي عنان، كبير ملوك بني مرين، من بناء مدرسته بالمتوكلية بفاس، وكل بعيد الصيت في علو الهمة، قال انظروا من يقري بها الفقه، فوقع الاختيار على الشيخ الصرصري الحافظ، ولمّا جلس بها واتسع صيته، وجه إليه أبو عنان المذكور من يسأله في مسائل التهذيب، التي انفرد باتقانها وحفظها، وطالبه بتحقيق ذلك وإتقانه، وحسن تلقيه، ولا أدري المنتخب له: هل هو أبو عيسى موسى ابن أبي الإمام المذكور آنفا، أم السيد الشريف أبو عبد الله شارح " الجمل "، المتقدم الذكر، أو هما معا، فطالباه بتحقيق ما أورده من المسائل عن ظهر قلب، على المشهور من حفظه، فانقطع انقطاعا فاحشا، ولمّا أضجره ذلك نزل عن كرسيه، وانصرف كئيبا، في
стр. 746
غاية القبض، ولمّا اشتهر ذلك عنه وجه إليه أبو عنان الملك المتقدم الذكر، فلما مثل بين يديه آنسة وسكنه، ثم قال له: أنا أمرت بذلك، كي تعلم ما عندك من العلم، وما عند الناس، وتعلم أنَّ دار الغرب في كعبة كل قاصد، فلا يجب أن تتكل على حفظك، وتقتصر على ما حصل عندك، ولا يمنعك ما أنت فيه من التصدي، عن ملاقاة من يرد من العلماء، والتنزل للأخذ عنهم، ولا يقدح ذلك في رتبتك عندنا، إن شاء الله تعالى.
لخصت هذه الحكاية من تاريخ القيسي، فأنظرها.
قلت: وعكس هذا وقع لفقهاء فاس في أواسط المائة الثامنة، لمّا شرق السلطان أبو الحسن ﵀، وانتهت به درجة الاستبداد والاستقلال ببلاد إفريقية، فظهر فقهاء المغرب ممن صحبه، على فقهاء تونس، لحفظهم كتاب التهذيب عن ظهر قلب، وزعيم فقهاء المغرب يومئذ الرجل الصالح، أبو عبد الله السطي ﵀ ونفع به، إلى أن جاءت نوبة الشيخ ابن عبد السلام، وعقد مجلسه بمحضر السلطان المذكور، ومن معه من الفقهاء والنحاة والكتاب والرؤساء، وتوجهت مطالبة فقهاء المغرب له، فكان ﵀ على ما وصفه به من أرخ الواقع، كأنه بحر تلاطمت أمواجه، فكان يقطعهم واحد بعد آخر، وتلميذه ابن عرفة كذلك، إلى أن قال ولي الله المنصف، أبو عبد الله السطي للسلطان: يا علي، كذا يكون التحصيل، وكذا يقرأ الفقه، ولو لم يكن بتونس إلاّ هذا الإمام لكان بها كل خير! فلا بد من ملازمة هذا لهذا المجلس، حتى ينتفع به أصحابنا، وينتع بطريقه. وذلك هو السبب في التنويه بالشيخ ابن السلام ﵀، على أنه كانت رغبته فيما عند الله أن مات.
стр. 747
قلت: وإنما ذكرت هذه القضايا تنشيطا للناظر، وتحميضا للذاكر، ولم نزل نسمع من أئمتنا ومن ذكرنا، في مجالي دروسهم، ما يشبه ما ذكرناه من آثار السلف لمّا في ذلك من تقوية باعث الطالب على كيفية التحصيل والدرك، والجد في إدراك أسبابه، وأخذ العلم من أربابه، والولوج إليه من بابه.
وكان الإمام المازري ﵀ كثير الحكايات في المجلس، ويقول: هي جند من جنود الله، حتى كان لا يخلي مجالسه منها.
تنبيه: إياك أن تظن القصور بمن تصدى للتقييد على " التهذيب "، من طلبة الشيخ أبي الحسن، وكذا من تلاهم من طلبة الشيخ أبي زيد عبد الرحمن الجزولي، ويقرع سمعك ما أفتى به الشيوخ، ومن له في العلم الرسوخ، أنَّ تقاييد " التهذيب " و " الرسالة " لا يعول عليها في الإقراء، ولا يوثق بشيء منها في الفتيا، وأنَّ من عول عليها في الإقراء يرد المراتب.
فاعلم شرح الله صدرك، إنَّ القوم كانوا أهل صلاح وورع، وجد في طلب الفقه، وإفراط حرص ومثابرة على درس " التهذيب "، وحفظ ما يتعلق به من النصوص فقط، فبنى كل واحد في تقييده على ما سمعه من الشيخ، وما ناسب اجتهاده ونظره ومن تقايد الفقهاء، مثل ابن يونس، واللخمي، والتنبيهات، وابن رشيد واختلف رأيهم في ذلك، فمنهم الموجز، ومنهم المطنب، وباب الفتيا باب احتياط، فلا بد للمفتي من مباشرة الكتب المروية، والأمهات الأصلية، ولا ينبغي له الاقتصار على الواسطة، إذ لا يؤمن من خلل أو تصحيف، لفقد
стр. 748
ملكة التأليف، وإنما الغالب على طباعهم تغفل البداوة، فقدح ذلك في صناعة التصنيف، وكيفية التأليف، والقوم أهل دين متين كما وصفنا، فلا يقدح ذلك في مراتبهم، ولا يثلم مناصبهم.
ووجه ثان: ذكر أهل الاصول في باب الاجتهاد أنَّ مجهول الحال لا تقبل فتياه كالراوي، وإن أضاب كل واحد، ولا يخفى عليك وقوع مثل هذا لأصحاب تلك التقاييد.
ووجه ثالث: مبنى ما أفتى به العلماء من عدم التعويل على شيء منها في الإقراء والفتايا، هو الله اعلم، لمّا اشتملت عليه من ذكر الشيء وضده، على أسلوب واحد، وقد وقفت على ذلك في جل تلك التقاييد، وهو أن المقيد يجمع للخلاف المذهبي ما ليس فيه، بل هو خارج المذهب، وقد وقع ذلك في موضع غير واحد من تلك القاييد، كما نقل بعضهم الخلاف في التنقل في الصحراء قبل صلاة العيد وليس كذلك، بل الخلافة قيما إذا صليت في المسجد، وأما في الصحراء فلم يقل به إلاّ الشافعي. ومثل ذلك ما وقفت عليه في حكم السواك، قال المقيدع كلام الشيخ في باب جمل من الفرائض: واختلف في حكم السواك على قولين: فقيل إنه واجب، وقيل سنة، فأنت ترى هذا لخلاف، ولم يل بوجوبه إلاّ أهل الظاهر، وعملا بصيغة ظاهر الحديث الوارد في ذلك. وكذلك وقفت على الخلاف في غسل الجمعة، فقال المقيد: اختلف فيه: فقيل فرض، وقيل سنة. وقد علمت أيضاً قول أهل الظاهر بوجوبه، عملا بظاهر الحديث. وكذا الغسل: هل هو للجمعة أو لليوم؟ فقال المقيد: اختلف في ذلك على قولين: وقد علمت قول اهخل الظاهر، وأنه لليوم، حتى لو اغتسل بعد الصلاة لأجزأه.
стр. 749
وكذا وقفت على القول ببطلان صلاته، على القول بفريضته، ولم يقل بذلك أهل التصوف. وكذا القول بموجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وقد علمت نصوص أهل المذهب في هذه المسائل. ومن في تلك التقاليد ما لا يحصى كثرة لمن تأملها؛ وفيما ذكرنا كفاية، فلعل هذا هو سبب نقد العلماء في مجموع تلك التقاليد. والله اعلم.
تنبيه: أحذر أيّها الناظر، شرح الله صدري وصدرك، أنَّ يقع في نفسك أنَّ عجز هؤلاء السادات عن صناعة التأليف، والحذق في التصنيف، وعدم الاقتدار، على الترجيح والاختيار، وعدم القيام بمواد مدارك المحققين والنظار، يوجب قدحا في مناصبهم، أو وصما في مراتبهم، فتكون ممن أساء الظن بالسالف، وعرض نفسه إلى الهوى في مهاوي التلف، بل أوجب ذلك ما أصلناه وقدمناه، من أنَّ القوم كانوا أهل عمل ودين متين، وجرى على سنن السلف الأقدمين الصالحين العاملين، فشغلهم ما أخذوا فيه من مدينة العمل، وإثقال التقلل والمجاهدة، وتحري الحلال، والزهد والإقلال، عن تتبع مواد التحقيق، إلى فقد الملكة النظرية من هذا القطر، وانقراضها منه منذ زمان إلى عصرنا هذا: وما حكوه من عدم الترتيب، وقلة العزو للأقوال، حال من صرف عنايته لتقييد العلم من حيث هو، ولم يتكلف ذكر مشهور، ولا ما عليه الجمهور، أو يكون اعتمد في تقييد ما قيد على ما سمع من الشيخ في السلكات، فيعذر على هذا ولا يفند. والتقييد المعزو للشيخ أبي الحسن اقل تكلفا لا محالة، إلاّ أنّه لا يخفى ما فيه من ضعف الاختيار، عند التحقيق والاستبصار.
أعاد الله علينا من بركاتهم، ونفعنا بهم.
стр. 750
وما ذكرته في هذا الاستطراد مست الحاجة إليه، كما مست حاجة أئمة الحديث، على جلالتهم وورعهم، إلى تبيين الضعيف والمجرح، وتدوين أخبار الضعفاء، ومن نسب إليهم وهم أو تدليس أو وهن، وهذا لولا مسيس الحاجة، لم ينبغ أنَّ يلتفت إليه، والله الموفق بفضله.
ثم قال هذا العالم في موضع آخر: تنبيه: ولا يعترض على ما وقع للشيخ، من الحكاية التي حدثنا بها شيخنا الإمام البرزلي ﵀، قال: لمّا قدم الفقيه القباب، حافظ مدينة فاس، وزعيم فقهائها في عصره، يريد أداء فريضة الحج، فاجتاز بحضرة تونس، فحضرة مجلس شيخنا ابن عرفة، هو ومن كان معه من الفقهاء، فاستطرد الشيخ ﵀ الكلام إلى إنَّ قال: وكثيرا ما نجد في تقييد الشيخ أبي الحسن: " يؤخذ من هذه المسألة "، فلا أدري صورة ذلك الأخذ ما هو؟ هل هو من طريق الاستقراء، أو الاستنباط، أو القياس، أو المفهوم؛ وكل قسم من هذه الأقسام يفتقر إلى شرط، ولا شيء من ذلك؟ فقال القباب لأصحابه بعد انصرافهم: علمتم ما تحصل بأيدينا من الفقه، وصح عندكم أنَّ الملكة التامة في التحصيل والتصرف، إنّما هذا في قوى أهل تونس ومن يليهم من أهل المشرق، وإنَّ قصارى ما عندنا وعند مشايخنا إنّما هو حفظ المنصوص، وإبقاؤها على ما هي عليه، وأنَّ ملكة القروبين انتقلت إلى الأفريقيين.
فهذا الواقع من الشيخ، ليس هو بالمعارض لمّا وقع في جوابه، من اعتبار المفهوم، إنّما هو بحث في شرط المفهوم، وكيفية الاستنباط خاصة، فأعلم ذلك.
تنبيه: لا يقع في ذهنك قصور الشيخ في قوله: " يؤخذ من هذه المسألة "، وأنّه خفي عليه كيفية الأخذ. فاعلم، أرشدك الله، أنَّ الشيخ أبا الحسن، كان إمام
стр. 751
وقته في فقه المدونة، وهو المستقل برياستها بعد شيخه الفقيه راشد، ما أخذ عنه حتى ظهرت على يديه الكرامات الخارقة، في شفاء أصحاب العلل المزمنة وغير ذلك، ولم ينظر في الفقه حتى أتقن علم الفرائض، وفنون البلاغة، وتلقى ذلك من أربابه، وارتحل، وانتقل إلى تازا، فلازم أهل اللسان، وفرسان المعارف وقتا طويلا، ثم اعتكف على قراءة " التهذيب "، ولازم الفقيه راشدا، واقتصر عليه، وكان الفقيه راشد لا ينفذ بمدينة فاس حكما، ولا جواباً في نازلة، حتى يحضره، ويعتني به، فلم تخط فراسته فيه؛ وكان لا يحجر عليه في القراءة، بل يقرأ من " التهذيب " من أي مكان شاء، وقد صدقت فراسته فيه، فكان في ميزان حسناته يوم القيامة.
واستيفاء التعريف بالشيخ، وذكر محنته بالقضاء، وسبب عزله، وذكر وفاته، يخرجنا عن الاختصار.
انتهى ما مست الحاجة إليه من كلام هذا المتأخر، ونقلت أكثره بلفظه، تبركا بعبارته، التي تلوح عليها إمارات الصالحين، وبالله التوفيق.
ولنذكر كلامنا من هذا المعنى، فنقول: قال الإمام أبو عبد الله الأبي رحمه الله تعالى في شرح مسلم، عند كلامه على قوله) : " أو علم ينتفع به بعده ": كان شيخنا أبو عبد الله ابن عرفة يقول: إنّما تدخل التواليف في ذلك ذا اشتملت على فائدة زائدة، وإلاّ فذلك تخسير للكاغد. ونعني بالفائدة الزائدة على ما في الكتب السابقة عليه، وأما إذا لم يشتمل التأليف إلاّ على نقل ما في الكتب المتقدمة، فهو الذي قال فيه: أنّه تخسير للكاغد، وهكذا كان يقول في مجالس التدريس، وأنّه إذا لم يكون في مجلس التدريس التقاط
стр. 752
زائدة من الشيخ، فلا فائدة في حضور مجلسه، بل الأولى لمن حصلت له معرفة بالإصلاح، والقدرة على فهم ما في الكتب، أنَّ ينقطع لنفسه، ويلازم النظر؛ انتهى.
ونظم في ذلك أبياتا، وهي:
إذا لم يكن في مجلس الدرس نكتة ... بتقرير إيضاح لمشكل صورة
وعوز غريب انقل أو حل مقفل ... أو أشكال أبدته نتيجة فكرة
فدع سعيه وانظر لنفسك واجتهد ... ولا تتركن فالترك أقبح خلة
وكنت قلت في جواب أبياته هذه:
يمينا يمن أولاك أرفع رتبة ... وزان بك الدنيا بأحسن زينة
لمجلسك الأحظى الكفيل بكل ما ... على حسن ما عنه المحاسن جلت
فأبقاك من رقاك للناس رحمه ... وللدين سيفا قاطعا كل بدعة
وإني في قسمي هذا لبار، فلقد كنت أقيد من زوائد إلقائه، وفوائد إقرائه، على الدول الخمس، التي كانت تقرأ بمجلسه، وهي: التفسير، والحديث، والدول الثلاث التي بالتهذيب، نحو الورقتين كل يوم، مما ليس في كتاب، فالله المسئول أنَّ يقدس روحه، فلقد كان الغاية، وشهادة ذلك ما اشتملت على تواليفه من ذلك، وناهيك بمختصره في الفقه، الذي ما وضع في الإسلام مثله، لضبطه فيه المذهب: مسائل وأقوالا، مع الزيادة المكتملة، والتنبيه على المواضع المشكلة، وتعريف الحقائق الشرعية. انتهى كلام الأبي ورأيت بخط بعض الأكابر ما نصه: المقصود بالتأليف سبعة: شيء لم يسبق إليه فيؤلف، أو شيء ألف ناقصا فيكمل، أو خطأ فيصحح، أو
стр. 753
مشكل فيشرح، أو مطول فيختصر، أو مفترق فيجتمع، أو منثور فيرتب. وقد نظمها بعضهم فقال:
ألا فاعلمن أنَّ التأليف سبعة ... لكل لبيب في النصيحة خالص
فشرح لإغلاق وتصحيح مخطئ ... وإبداع حبر مقدم غير ناكص
وترتيب منثور وجمع مفرق ... وتقصير تطويل وتتميم ناقص
وألفيت بخط شيخ شيخنا، الإمام القاضي سيدي عبد الواحد الونشريشي، ﵀، ما نصه: ألفيت بخط والدي، ﵀، على طرة من هذا المحل، وأعني كلام الأبي السابق، ما نصه:
قلت: من هنا يعلم أنَّ انطلاق اسم المدرس على المقتصر على نقل تقاييد الرسالة والمدونة، من غير فتش ولا تنزيل، ولا كشف واستظهار بغيرها: مجاز، لا حقيقة؛ وهذا الوصف كاد أنَّ يعم أهل الوقت أو عمهم، فنسأل الله العظيم المغفرة من التطفل، وتعاطي ما ليس في المقدور.
وقال أيضاً: تأمل هاهنا الثناء على شيخ الإسلام، الإمام أبي عبد الله بن عرفة، أسكنه الله دار السلام، وعلى تآليفه، لا سيما مختصره الفقهي، الذي أعجز معقوله ومنقوله الفحول، خلافا لبعض القاصرين من طلبة فاس، فأنهم يقولون: ما يقول شيئاً، يطفئون نور الله، ويحتقرون ما عظم الله، ومستندهم في ذلك بزعمهم حكاية تؤثر عن شيخ المحقق أبي العباس القباب، لا رأس لها ولا ذنب، وحاشاه من ذلك، وما أراهم في هذا إلاّ كما قال الأول:
وكم من غائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقم
стр. 754
ولقد حبس ملوك المغرب، رضوان الله عليهم، بخزانتي القرويين والأندلس، من هذا الديوان المبارك نسخا عديدة، ثم لا يعرج عليها للمطالعة في هذا الوقت أحد من الطلبة الحضرة، شتاء ولا صيفا، فأنا لله وأنا إليه راجعون، بخلاف ما قيد عن الشيخ الجزولي، وأبي الحسن الصغير، فإنك تجدهم يزدحمون عليها في كل زمان، وخصوصا فصل الشتاء، لا يلحق الآخر منها ورقة واحدة، مع كثرة عددها بحيث ذكر، بل تجدهم يتنافسون في اقتنائها، بالأثمان العظيمة المجحفة، ومن ملك منهم المسبع من الجزولي، وتقييد اليحمدي، وحائر مذهب إمام دار الهجرة على التمام، والقائم بأمره. ولقد كان الحسن المغيلي عندهم في أعلى طبقة من الفقه والتفقه، لقيامه على مسبع الجزولي نقلا، ولقد شاهدتهم يتساقطون كالفراش، على نسخة من الجزولي بجزالة القروين، وزعموا أنها بخط أبي الحسن المذكور، وهي مشحونة بالتصحيف، تعمى البصر والبصائر، نور الله قلوبنا بذكره، وعمر ألسنتنا بشكره، ووفقنا لمّا فيه رضاه عنا.
انتهى ما ألفي بخط الشيخ سيدي أحمد الونشرينس، ﵁. أقول: ولقد احسن بعض الأكابر من طلبة ابن عرفة، رحمه الله تعالى إذ يقول في مدح مختصره المذكور:
إذا ما شئت أنَّ تدعى إماما ... فخذ في درس مختصر الإمام
تنال به السعادة والمعالي ... وتضحى ظاهرا بين الأنام
стр. 755
كتاب قد حوى من كل علمٍ ... كبستان سقي غيث الغمام
فدع عنك السآمة وادرسنه ... وعن عينيك دع طيب المنام
وحل بدره جيد المعالي ... تفز بالخلد على أعلي مقام
وما أشار إليه الشيخ الونشريشي من قوله: " ومستندهم في ذلك بزعمهم حكاية تؤثر عن القباب، لا رأس لها ولا ذنب "، أشار به إلى ما يزعمون عن الشيخ القباب، وقد نقلها شيخنا الإمام سيدي أحمد بابا، أبقاه الله في تكميله لديباج ابن فرحون، ونصه: ويقال أنّه لمّا حج اجتمع في تونس بابن عرفة، فأوقفه على ما كتب من مختصره الفرعي، وقد كان شرح في تأليفه، فقال له القباب: ما صنعت شيئاً. فقال له ابن عرفة: ولمه؟ قال: لأنه لا يفهمه المبتدئ، ولا يحتاج إليه المنتهي. فتغير وجه ابن عرفة، ثم ألقى عليه مسائل أجابه عنها القباب.
ويقال إنَّ كلامه هو الحامل لابن عرفة على أنَّ بسط العبارة في أواخر المختصر، وبين الاختصار، والله اعلم. انتهى كلام شيخنا أبقاه الله. قلت: رأيت بخط ابن داود الأندلسي ثم التلمساني، ما نصه: وجدت بخط الرملي ما نصه: حدثنا الشيخ ابن عرفة ﵁ الله عنه، عن الشيخ القباب الفاسي، عن الآبلي، قال: أورد السلطان أبو عثمان على فقهائه الحلة، في قول عائشة ﵁ عنها، في حديث مسلم: " فتوفي رسول الله) ، وكان مما يقرأ: " خمس رضعاتٍ يحرمن ". أنظره في مسلم. قال: يلزم على هذا الخلف في خبرها، رضي الله تعالى عنها، أو عدم حفظ القرآن،
стр. 756
وكلاهما محال. قال: فسكت الحاضرون بأجمعهم. قال: فقلت: القرآن على قسمين متحدين به، وهو المعجز، وغير متحدى به، والأول هو المحفوظ، بخلاف الثاني بدليل هذا الحديث، قال: فقبله الحاضرون كلهم.
ولنورد هنا تمام الحكاية: وهذا يحتاج إلى دليل. وشنعه الأستاذ أبو سعيد ابن لب غاية التشنيع، وقال: كون القرآن على قسمين قسم معجزة متحدى به محفوظ يصلى به، وقسم بخلاف ذلك يحتاج إلى دليل ولا يوجد. انتهى.
ولو قيل: أنّه لم يبلغها النسخ، كما أجابوا به حديث ابن مسعود في حديث سورة:) والليل إذا يغشى (، لكان ابين وأحسن. وذكر ابن الخطيب القسنطيني أنها في أسئلة مجموعة، منسوبة إلى السلطان أبي عنان رحم الله تعالى الجميع. انتهت الوجادة. ونقلها بطولها لمّا فيها من الفائدة. والمسألة اعتاد الكلام عليها في " مرتقى الوصول إلى بناء الفروع على الأصول " للسيد أبي عبد الله الشريف، فراججعها منه. انتهى كلام ابن داود ﵀.
قلت: وبالجملة قإمامة الشيخ ابن عرفة لا تنكر ولا تجحد ومعرفته بالفنون وتبريزه على أهل عصره، مما يعترف به كل منصف لوزعي أوحد، ولله در صاحب " الشقائق النعمانية، في علماء الدولة العثمانية " حيث صرح بأن ابن عرفة فاق أقرانه في فقه المالكية بالمغرب، آخر الثامن. ونص كلامه، عند ترجم لصاحب القاموس:
ترجمة الفيروزأبادي
عن الشقائق النعمانية
هو المولى الفاضل مجد الدين أبو الطاهر، محمّد بن يعقوب بن محمّد الشيرازي الفيروزابادي.
كان رحمه الله تعالى ينتسب إلى الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، صاحب
стр. 757
التنبيه، وربما يرفع نسبه إلى أبي بكر الصديق، ﵁، وكان يكتب بخطه: " الصديقي ".
دخل بلاد الروم، واتصل بخدمة السلطان بايزيد بن السلطان مراد، ونال عنده رتبة وجاهاً، وأعطاه السلطان مالاً جزيلاً، وأعطاه الأمير تيمور خمسة آلاف دينار، ثم جال البلاد شرقاً وغرباً، وأخذ عن علمائها، حتى برع في العلوم كلها، لا سيما الحديث والتفسير والفقه. وله تصانيف كثيرة، تنيف على أربعين مصنفاً، وأجل مصنفاته " اللامع المعلم العجاب، الجامع بين المحكم والعباب "، وكان تمامه في ستين مجلد، ثم لخصها في مجلدين، وسمى ذلك الملخص ب " القاموس المحيط " وله تفسير القرآن العظيم، وشرح البخاري والمشارق، وكان لا يدخل بلدة إلاّ وأكرمه واليها، وكان سريع الحفظ، وكان يقول: لا أنام حتى أحفظ مائتي سطر، وكان كثير العلم والاطلاع على المعارف العجيبة؛ وبالجملة كان آية في الحفظ والاطلاع والتصنيف.
ولد رحمه الله تعالى سنة تسع وعسرين وسبع مائة بكارزين، من أعمال شيراز، وتوفى قاضيا بزبيد، في بلاد اليمن، ليلة العشرين من شوال، سنة ست أو سبع عشرة وثمان مائة، ودفن بتربة الشيخ إسماعيل الجبتي.
وهو آخر من مات من الرؤساء، الذين أنفرد كل منهم بفن فاق فيه أقرانه، على رأس القرن الثامن، وهم الشيخ سراج الدين البقيني، في الفقه على مذهب الشافعي؛ والشيخ زين الدين العراقي في الحديث؛ والشيخ سراج الدين ابن الملقن، في كثرة التصانيف وفن الفقه والحديث؛ والشيخ شمس الدين الفناري، في الاطلاع على كل العلوم العقلية والنقلية والعربية؛ والشيخ أبو عبد الله بن
стр. 758
عرفة، في فقه المالكية بالمغرب، والشيخ مجد الدين الشيرازي، في اللغة. رحمهم الله تعالى أجمعين رحمة واسعة.
انتهى ما قصدته من كلام صاحب " الشقائق النعمانية، في علماء الدولة العثمانية ".
قيل: ولو زاد ولي الدين بن خلدون في التاريخ وطبائع العالم، لحسن، والله تعالى أعلم.
قلت: وإذ جرى ذكر صاحب القاموس، فلا بأس أن نورد ترجمته، على أتم مما ذكره صاحب " الشقائق النعمانية " وربما وقع التخالف، فنقول:
ترجمة ثانية للفيروزابادي، عن الضوء اللامع للسنحاري
قال بعض حفاظ المشارق، وهو الإمام السخاوي في كتابه " الضوء اللامع ": هو محمّد بن يعقوب بن ابراهيم، بن عمر، بن أبي بكر، بن احمد، ابن محمود، بن إدريس، بن فضل الله، بن الشيخ أبي إسحاق إبراهيم الكارزيني، المشهور بمولانا الشيخ مجد الدين، الفيروزابادي، اللغوي الشافعي. ولد في ربيع الآخر سنة عشرين وسبع مائة بكارزين، فنشأ بها، وحفظ القرآن وهو ابن سبع، وانتقل إلى شيراز وهو ابن ثمان، فأخذ الأدب واللغة عن والده، ثم عن القوام عبد الله بن محمود بن النجم،
стр. 759
وغيرهم من علماء شيراز، وانتقل إلى العراق، فدخل واسط وبغداد، وأخذ عن الشرف عبد الله بن بكتاش، وهو قاضي بغداد، ومدرس النظامية بها، وولى به تداريس وتصادير، وظهرت فضائله، وكثر الأخذ عنه، فكان ممن أخذ عنه الصفدي. ثم دخل القاهرة ولقي بها البهاء بن عقيل، والجمال الأسنوي، وابن هشام. وأخذ عن علمائها، وجال في البلاد المشرقية والشمالية، ودخل الروم والهند، ولقي جمعاً من الفضلاء، وحمل عنهم شيئاً كثيراً تجمعهم مشيخته، تخريج الجمال بن مسى المراكشي، وفيه أنَّ من مروياته الكتب الستة، وسنن البيهقي، ومسند أحمد وصحيح ابن حبان، ومصنف ابن أبي شيبة، وغير ذلك، غير مشايخ عديدة، وجم غفير.
стр. 760
ثم دخل زبيد في رمضان سنة ست وتسعين، بعد وفاة قاضي الأقضية باليمن كله، الجمال الريمي شارح التنبيه فتلقاه الأشرف إسماعيل بالقبول وبالغ في إكرامه وصرف له ألف دينار سوى ألف أخرى أمر ناظر عدن أن يجهزه بها واستمر مقيما في كنفه على نشر العلم وكثر الانتفاع به وأضيف إليه قضاء اليمن كله في ذي الحجة سنة سبع وتسعين بعد ابن عجيل فأرتفع بالمقام في تهامة وقصده الطلبة وقرأ السلطان فمن دونه عليه فاستمر بزبيد مدة عشرين سنة وهي بقية أيام الأشراف ثم ولد الناصر أحمد. وكان الأشراف قد تزوج ابنته لمزيد جمالها ونال منه برا ورفعة بحيث أنّه صنف كتابا وأهاداه له على أطباق فملأها له دراهم وفي أثناء هذه المدة قد مكة مرارا وجاور المدينة والطائف وعمل بها مآثر حسنة وكان يحب الانتساب إلى مكة ويكتب بخطه: " الملتجئ إلى حرم الله تعالى " ولم يدخل بلدا إلاّ وأكرمه متوليها وبالغ في تعظيمه مثل شاه منصور بن شجاع صاحب تبريز والأشرف صاحب مصر والسلطان بايزيد خان بن عثمان متولى الروم وابن أويس صاحب بغداد وتمرلنك وغيرهم.
واقتنى كتبا كثيرة حتى نقل عنه أنَّه قال: اشتريت بخمسين ألف مثقال ذهبا كتبا. ولا يسافر إلاّ وفي صحبته منها أحمال ويخرجها من كان منزل وينظر فيها. وصنف كتبا كثيرة منها: " بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز " مجلدان و " تنوير المقباس في تفسير ابن عباس "
стр. 761
أربع مجلدات و " تيسير فائحة الإهاب في تفسير فاتحة الكتاب " مجلد كبير و " الدر النظيم المرشد إلى مقاصد القرآن العظيم " و " حاصل كور الخلاص في فضائل سروة الإخلاص " و " شرح خطبة الكشاف " و " شوارق الأسرار العلمية في شرح مشارق الأنوار النبوية " أبرع مجلدات و " منح الباري بالسيل العفسيح الجاري في شرح صحيح البخاري " كمل ربع العبادات منه في عشرين مجلدا و " الإسعاد بالإصعاد إلى درجة الاجتهاد " ثلاث مجلدات و " النفحة العنبرية في مولد خير البرية " و " الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر " و " الوصل والمنى في فضل منى " و " المغانم المطالبة في معالم طالبه " و " مهيج الغرام إلى البلد الحرام " و " إثارة الحجون لزيارة الحجون " عمله في ليلة و " أحسن اللطائف في محاسن الطائف " و " فصل الدرة من الخرزة في فضل السلامة على الخبزة " قريتان بالطائف و " روضة الناظر في ترجمة الشيخ عبد الله الادر " و " المرقاة الوفية في طبقات الحنفية " و " البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة " و " الفضل الوفي في العدل الأرفي " و " نزهة الأذهان في تاريخ أصبهان " و " تعيين الغرفات للمعين في عين عرفات " و " منية السول في دعوات الرسول " و " التجاريح في فوائد متعلقة بأحاديث المصابيح " و " تسهيل طريق الوصول إلى الأحاديث الزائدة في جامع الأصول " و " الأحاديث الضعيفة " و " الدر الغالي في الأحاديث العوالي " و " سفر السعادة " و " المتفق وضعا المختلف صنعا " و " الامع المعلم العجاب الجامع بين المحكم والعباب وزيادات امتلأ بها
стр. 762
الوطاب " قدر تمامه في مائة مجلد يقرب كل مجلد منه من صحاح الجوهري اكمل منه خمس مجلدات و " القاموس المحيط والقابوس الوسيط " و " مقصود ذوي الألباب في علم الإعراب " مجلد و " تخبير الموشين فيما يقال بالسين والشين " تتبع في أوهام المجمل لابن فارس في ألف موضع و " المثلث الكبير " في خمس مجلدات و " الروض المسلوف فيما له اسمان إلى الألوف " و " تحفة القماعيل فيمن يسمى من الملائكة والناس إسماعيل " و " أسماء السراح في أسماء النكاح " و " الجليس الأنيس في أسماء الخندريس " مجلد و " أنوار الغيث في أسماء الليث " و " ترقيل الأسل في تصفيق العسل " في كراسين و " زاد المعاد في وزن بانت سعاد " وشرحه في مجلد و " التحف الظرائف في النكت الشرائف " وغير ذلك من مختصر ومطول.
وقال التقي الكرماني: كان عديم النظير في زمانه نظما ونثرا بالفارسي والعربي جال البلاد واجتمع بمشايخ كثيرة وأقام بدهلك مدة عظمة سلطانها وجاور بمكة عشرين سنة وصنف بها القاموس في مجلدات فأمره والدي باختصاره فاختصره في مجلد ضخم وفيه فوائد عظيمة واعتراضات على الجوهري وسافر إلى الهند والروم وعظمة سلاطينها واجتمع بتمرلنك فعظمه وأنعم عليه بمائة ألف درهم.
وقال الخزرجي في تاريخ اليمن: إنه لم يزل في ازدياد من علو الجاه والمكانة ونفوذ الشفاعات والأوامر على القضاة في الأمصار.
стр. 763
ورام عام تسعة وتسعين الوصول إلى مكة شرفها الله فكتب إلى السلطان ما مثاله:
" ومما ننهيه إلى العلوم الشريفة ضعف العبد ورقدة جسمه ودقة بنيته وعلو سنه وقد آل إلى أن صار كالمسافر الذي تحزم وانتعل إذ وهن العظم والرأس اشتعال وتضعضع السن وتقعقع الشن فما هو إلاّ عظام في جراب وبنيان قد أشرف على الخراب ود ناهز العشرة التي تسميها العرب دقائق الرقاب وقد مر على المسامع الشريفة غير مرة في صحيح البخاري قولهم: رسول الله ﷺ : إذا بلغ المرء ستين سنة فقد أعذر الله إليه فكيف من ينيف على السبعين وأشرف على الثمانين؟ ولا يجمل بالمؤمن أن يمضي علليه أربع سنين ولا يتجدد له سوق وعزم إلى بيت رب العالمين وزيارة سيد المرسلين. وقد ثبت في الحديث النبوي ذلك والعبد له ست سنين عن تلك المسالك وقد غلب عليه الشوق حتى جل عمره عن الطوق ومن أقضى أمنيته أن يجدد العهد بتلك المعاهد ويفوز مرة أخرى بتلك المشاهد وسؤاله من المراحم العلية الصدقة عليه بتجهيزه في هذا العام قبل اشتداد الحر وغلبة الأوام فإن الفصل أطيب والريح أزيب وأيضاً كان من عادة الخلفاء سلفا وخلفا أنهم كانوا يبردون البريد لتبليغ سلامهم لحضرة سيد المرسلين ﷺ فاجعلني
стр. 764
جعلني الله فداك ذاك البريد فلا أتمنى شيئاً سواه ولا أريد.
شوقا إلى الكعبة الغراء قد زادا ... فاستحمل القلص الوخادة الزادا
واستأذن الملك المنعام زيد علا ... واستودع الله أصحابا وأولادا
فلما وصل كتابه إلى السلطان كتب على طرته ما مثاله: " إنَّ هذا الشيء ما ينطق به لساني ولا يجري به قلمي فقد كانت اليمن عمياء فاستنارت فكيف يمكن أنْ نتقدم وأنت تعلم أنَّ الله قد أحيا بك ما كان ميتا من العلم؟ فبالله عليك إلاّ ما وهبت لنا بقية هذا العمر. والله يا مجد الدين يمينا بارة أرى فراق الدنيا ونعيمها ولا فراقك أنت اليمن وأهله.
قال الفاسي: له شعر كثير ونثره أعلى وكان الاستحضار لمحسنات الشعر والحكايات وله خط جيد مع السرعة وكان كثير الحفظ حتى يقال إنه قال: ما كنت أنام حتى أحفظ مائتي سطر وكانت له دار بمكة على الصفا عملها مدرسة للأشرف صاحب اليمن وقرر بها مدرسين وطلبة وفعل بالمدينة كذلك وله بمنى دور وبالطائف بستان وقد سارت الركبان بتصانيفه لا سيما القاموس فإنه أعطى قبولا كثيرا.
قال الاديب المفلق نور الدين بن محمّد العفيف المكي الشافعي لمّا قرأ عليه القاموس:
مذ مدينة مجد الدين في أيامه ... من فيض أبحر علمه القاموسا
ذهبت صحاح الجوهري كأنها ... سحر المدائن حين ألقى موسى
стр. 765
ومن شعره مما كتبه عنه الصلاح الصفدي ﵀:
أحبتنا الأماجد إنْ رحلتم ... ولم ترعوا لنا عهدا وإلاّ
نودعكم ونودعكم قلوبا ... لعل الله يجمعنا وإلاّ
وكان يرجو وفاته بمكة المشرفة فما قدر الله له ذلك بل توفي بزبيد وقد ناهز التسعين وهو ممتع بحواسه وذلك ليلة العشرين من شوال سنة سبع عشر وثمان مائة تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه فسيح جنته. انتهى ملخصا من الضوء للسخاوي ﵀.
ولأبي عبد الله الفيومي يمدح القاموس المذكور:
لله قاموس يطيب وروده ... أغنى الورى عن كل معنى أزهر
لفظ الصحاح بلفظه والبحر من ... عاداته يلقى صحاح الجوهري
وقال عبد الرحمن بن معمر الواسطي في رموزة:
وما فيه من رمز بحرف فخمسة ... فميم لمعروف وعين لموضع
وجيم لجمع ثم هاء لقرية ... وللبلد الدال التي أهملت فعِ
وأنشدنا فيه لغيره سيدنا ومولانا شيخ الشيوخ وخاتمة أهل التثبت والرسوخ ملحق الأحفاد بالأجداد المبرز على النظراء والأنداد مفتي تلمسان وأصقاعها ومعتمد أهل أقطارها وبقاعها عمنا سيدي سيد بن أحمد المقري صب الله عليه شآبيب رضوانه آمين:
стр. 766
ألا ما لهذا في اللغات متشابه ... فما هو إلاّ كاسمه زاخر بحر
أحاط بما يحوي سواه وفاقه ... بمبدع لفظ مع لغات بها كثر
جزى الله خيرا من تصدى لجمعه ... وآتاه فضلا زاد ما اتصل الدهر
قلت: هذه الأبيات لتقي الدين الواسطينظمها تجاه الكعبة المشرفة. وأنشدني أيضاً رحمه الله تعالى وكتبها بخطه:
وما جاء القاموس رمزا فستة ... لموضعهم عين ومعروف الميم
وجج لجمع الجمع دال لبلدة ... وقريتهم هاء وجمع له الجيم
انتهى.
قلك: ومن غرب ما منح الله تعالى المجد مؤلف القاموس المذكور أنّه بدمشق بين باب النصر والفرج تجاه بغل النبي ﷺ على ناصر الدين أبا عبد الله محمّد بن جهبل صحيح مسلم في ثلاثة أيام وتبجح فقال:
قرأت بحمد الله جامع مسلم ... بجوف دمشق الشام جوفا لإسلام
على ناصر الدين الإمام بن جهبل ... بحضرة حفاظ مشاهير أعلام
وتم بتوفيق الإله بفضله ... قراءة ضبط في ثلاثة أيام
فسبحان المانح الذي يؤتي فضله من يشاء.
ترجمة ثالثة للفيروز ابادي عن انباء الغمر لابن حجر
وبعد أنْ كتبت هذه الترجمة وقفت على كلام تلميذه الإمام ابن حجر " إنباء الغمر بأنباء العمر " فأوردته هنا وإنْ كان مخالفا في بعض المواقع قدمها إذ لا يخلو من فائدة ونصه: محمّد بن يعقوب بن إبراهيم بن عمر الشيرازي الشيخ العلامة
стр. 767
مجد الدين أبو الطاهر الفيروزابادي كان يرفع نسبه إلى الشيخ أبي إسحاق الشيرازي صاحب التنبيه ويذكر أنَّ بعد عمر أبا بكر بن أحمد بن أحمد بن فضل الله بن الشيخ أبي إسحاق. ولم أزل اسمع مشاهير مشيخنا يطعنون في ذلك مستندين إلى أنَّ الشيخ أبا إسحاق لم يعقب.
ثم ارتقى الشيخ مجد الدين درجة فادعى بعد أنْ ولي قضاء اليمن بمدة طويلة أنّه من ذرية أبا بكر الصديق ﵁. وزاد إلى أنْ رأيت بخطه لبعض نوابه في بعض كتبه: " محمّد الصديق " ولم يكن مدفوعا عن معرفة إلاّ أنَّ النفس تأبى قبول ذلك.
ولد الشيخ مجد الدين سنة تسع وعشرين وسبع مائة بكارزين وتفقه ببلاده وسمع بها من محمّد بن يوسف الزرندي المدني صحيح البخاري وعلى بعض أصحاب الرشيد بن أبي القاسم ونظر في اللغة فكانت جل قصده في التحصيل فمهر فيها إلى أنْ تميز وفلق أقرانه ودخل الديار الشامية بعد الخمسين فسمع بها وظهرت فضائله وكثر الآخذون عنه ثم دخل القاهرة ثم جال في البلاد الشمالية والمشرقية ودخل الهند وعاد منها على طريق اليمن قاصدا مكة المشرفة ودخل زبيد فتلقاه الملك الأشرف إسماعيل بالقبول وكان ذلك بعد وفاة جمال الدين الريمي قاضي الأقضية باليمن كله فقرره الأشرف مكانه وبالغ في إكرامه فاستقرت قدمه بزبيد واستمر في ذلك إلى أنْ مات. وقدم هذه المدة مكة مرارا وأقام بها وبالطائف ثم رجع وصنف القاموس المحيط في اللغة لا مزيد عليه في حسن الاختصار وميز فيه
стр. 768
زياداته في الصحاح بحيث لو أفردت لكانت قدر الصحاح وأكثر في عدد الكلمات وقرئ غليه. وكان أولا أبتدا بكتاب كبير في اللغة سماه: " اللامع المعلم العجاب الجامع بين المحكم والعباب " وكان يقول: لو كمل لكان مائة مجلد. وذكر عنه الشيخ برهان الدين الحلبي أنّه تتبع أوهام المجمل لابن فارس في ألف موضع وكان مع ذلك يعظم ابن فارس ويثني عليه.
وقد أكثر المجاورة بالحرمين الشرفين وحصل دنيا طائلة وكتبا نفيسة لكنه كان كثير التبذير وكان لا يسافر إلاّ وصحبته عدة أحمال من الكتب ويخرج أكثرها من كل منزل فينظر فيها ويعيدها إذا رحل وكان إذا أملق باعها. وكان الأشرف كثير الإكرام له حتى إنَّه صنف له كتابا وأهداه له على أطباق فملأها له دراهم وصنف للناصر كتابا سماه: " تسهيل الوصول إلى الأحاديث الزائدة على جامع الأصول " و " الإصعاد إلى رتبة الاجتهاد " في أربعة أسفار وشرع في شرح مطول على البخاري ملأه بغرائب المنقولات وذكر أنَّه بلغ عشرين سفرا. إلاّ أنَّه لمّا اشتهرت باليمن مقالة ابن عربي ودعا إليها الشيخ إسماعيل الجبرتي وغلب على علماء تلك البلاد صار الشيخ مجد الدين يدخل في شرح البخاري من كلام ابن عربي في الفتوحات ما كان سببا لشين الكتاب المذكور.
ولم أكن أتهم الشيخ بالمقالة المذكورة إلاّ أنَّه كان يحب المداراة. وكان الناشري فاضل الفقهاء بزبيد يبالغ في الإنكار على إسماعيل وشرح ذلك يطول. ولمّا اجتمعت بالشيخ مجد الدين أظهر لي إنكار مقالة ابن عربي وغض
стр. 769
منها ورأيته يصدق بوجود رتن الهندي وينكر على الذهبي قوله في الميزان إنَّه لا وجود ليس. قال الشيخ مجد الدين: إنَّه دخل قريته ورأى ذريته وهم مطبقون على تصديقه وقد أوضحت ذلك في ترجمة " رتن " من كتاب الإصابة.
ومن تصانيفه: " شوارق الأسرار في شرح مشارق الأنوار " و " الروض المسلوف قيما له اسمان إلى الألوف " و " تحبير الموشحين فيما يقال بالسين والشين ". وكان يقول: ما كنت أنام حتى أحفظ مائتي سطر ولم يقدر له قط أنَّه دخل بلدة إلاّ وأكرمه متوليها وبالغ في إكرامه مثل شاه شجاع صاحب تبريز والأشرف صاحب اليمن وابن عثمان صاحب التركية وأحمد بن أويس صاحب بغداد وغيرهم ومتعه الله بسمعه وبصره إلى أنْ مات.
سمع الشيخ مجد الدين من ابن الجبار وابن القيم وابن الحموي وأحمد ابن عبد الرحمن المرداوي وأحمد بن مطر النابلسي والشيخ تقي الدين السبكي ويحيى بن علي بن مجلى بن الحداد وغيرهم بدمشق في سنة نيف وخمسين وبالقدس من العلائي والبياني وبمصر من القلانسي ومظفر الدين
стр. 770
وناصر الدين التونسي وابن نباتة والفارقي والعرضي والعز بن جماعة وبمكة من خليل مالكي والتقى الحرازي ولقي بغريها من البلاد جمعا جما من الفضلاء وحمل عنهم شيئاً كثيرا وخرج له الجمال المراكشي مشيخة واعتنى بالحديث.
اجتمعت به بزبيد وفي وادي الخصيب وناولني جل القاموس وأذن لي مع المناولة أنْ أرويه عن وقرأت عليه من حديثه عدة أجزاء وسمعت منه المسلسل بالأولية لسماعه من السبكي وكتب لي قريظا على بعض تخريجاتي أبلغ فيه وأنشدني لنفسه في سنة ثمان مائة بيتين كتبهما عنه الصلاح الصفدي في سنة سبع وخمسين بدمشق وبين كتاباته عنه ووفاته ستون سنة ﵀:
أخلانا الأماجد إنْ رحلتم ... ولم ترعوا لنا عهدا وإلاّ
نودعكم ونودعكم قلوبا ... لعل الله يجمعنا وإلاّ
مات رحمه الله تعالى في ليلة العشرين من شوال وهو ممتع بحواسه وقد ناهز التسعين.
انتهى كلام ابن حجر في ترجمته سنة سبع عشرة وثمان مائة من " إنباء الغمر بأنباء العمر ".
ووجدت في بعض المقيدات بخط بعض الفضلاء ممن يوثق بدينه وعلمه من أهل عصرنا ما نصه: سئل شيخ الإسلام الشيخ مجد الدين الفيروزبادي ﵁ صاحب كتاب القاموس في اللغة بما نصه:
стр. 771
ما يقول سيدنا ومولانا شيخ الإسلام في الكتب المنسوبة إلى الشيخ محي الدين بن عربي كالفتوحات والفحوص هل تحل قراءتها وإقراؤها ومطالعتها؟ وهل هي من الكتب المسموعة المقروءة أم لا؟ فقال ﵁: الذي أقول وأتحققه وأدين الله به: أنَّ الشيخ محي الدين كان شيخ الطريقة حالا وعملا وإمام التحقيق حقيقة ورسما ومحيي رسوم العارفين فعلا واسما:
إذا تغلغل فكر المرء في طرف ... من بحره غرقت فيه خواطره
فهو بحر لا تدركه الدلاء وسحاب لا تتقاصر عنه الأنواء كانت دعواته تخترق السبع الطباق وتفترق بركتها فتملأ الآفاق وإني أصفه وهو يقينا فوق ما وصفته وناطق بما كتبته وغالب ظني أني ما أنصفته:
وما علي إذا ما قلت معتقدي ... دع الجهول يعد العدل عدوانا
والله والله والله العظيم ومن ... أقامه حجة للدين برهانا
إنَّ الذي قلت بعض مناقبه ... ما زدت إلاّ لعلي زدت نقصانا
وأما كتبه ومصنفاته فهي البحار الزواخر ما وضع الواضعون مثلها. انتهى. وباقي الجواب سقط سهل الله كماله.
стр. 772
قلت: ولمّا جرى ذكر الشيخ بن عربي الحاتمي فلا بأس من أنْ نلم ببعض حاله فنقول: قال ابن خاتمة: محمّد بن علي الطائي بن عربي الصوفي من أهل إشبيلية وأصله من سبتة يكنى أبا بكر ويعرف بابن عربي وبالحاتمي أيضاً.
أخذ عنه مشيخة بلده ومال إلى الأدب وكتب لبعض الولاة بالأندلس ثم رحل إلى المشرق حاجاً فأدى الفريضة ولم يعد بعدها إلى الأندلس وسمع الحديث من أبي القاسم الخرستاني وغيره وسمع صحيح مسلم من الشيخ أبي الحسن ابن أبي نصر في شوال سنة ست وست مائة وكان يحدث بالإجازة العامة عن أبي طاهر السفلفي ويقول بها وبرع في علم التصويف وله في ذلك تواليف كثيرة منها: " ملاك التأويل وحقائق التنزيل " و " الجذوة المقتبسة والحظوة المختلسة " و " كتاب المعارف الإلهية " و " كتاب الإسرا إلى المقام الأسرى " و " كتاب مواقع النجوم ومطالع أهلة أسرار العلوم " و " كتاب عنقاء مغرب في صفة ختم الأولياء وشمس المغرب " وكتاب في فضائل شيخه عبد العزيز بن أبي بكر القرشي المهدوي والرسالة الملقبة " بمشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية " في كتب أخر عديدة.
وقدم على المرية من مرسية مستهل شهر رمضان سنة خمس وتسعين وخمس مائة وبها ألف كتابه الموسوم بمواقع النجوم.
قال الأستاذ أبو جعفر: ولا نسلم له جميع مقالاته وموضوعاته وإنْ كان لعلو في الإعراب قد تكلم من وراء حجاب وتحصن من الرمز بسند
стр. 773
منيع الحرز ففي الإشارة الراجحة الدليل ما يقوم مقام العبارة الواضحة السبيل.
ولقد حكى لي بعض تقات أصحابنا عمن لقي من كبار شيوخ أهل العلم أنَّه كان يطعن عليهم ويرميه بوهن يقال دينه ويناسبه إليه والله اعلم بحقيقة ذلك إذ كل كلام يغلب المجاز والاستعارة عليه من غير قرينة فهو مستشعب المسالك. وعلى الجملة فهو الذي جرأ على نفسه لمآخذه المظلمة المدارك المشوشة على السالك.
قال ابن الأبار: وقد لقيته جماعة من العلماء والمتعبدين وأخذوا عنه وتوفي بعد الأربعين وست مائة.
ذكر ابن الأبار وقال: أفادني بعض أصحابنا أنَّه أجاز إجازة عامة لمن أحب الرواية عنه. انتهى كلام ابن خاتمة.
والذي عند كثير من الأخيار من أهل هذه الطريقة التسليم لهم ففيه السلامة وهو أحوط من إرسال العنان وقول يعود على صاحبه بالملامة.
وما وقع لأبي حيان وابن حجر في تفسيره من إطلاق اللسان في هذا الصديق وأنظاره فذلك من فلس الشيطان. والذي أعتقده ولا يصح غيره أنَّ الإمام أبي عربي ولي صالح وعلام ناصح وإنما فوق إليه سهام الملامة من لم يفهم كلامه.
على أنَّه دست في كتبه مقالات يجل قدرها عنها وقد عرض من المتأخرين ولي الله الرباني سيدي عبد الوهاب الشعراني نفعنا الله تعالى ببركاته
стр. 774
لتفسير كلام الشيخ على وجه يليق وذكر من البراهين على ولايته ما شرح صدره أهل التحقيق فليطالع ذلك ما أراده والله ولي التوفيق.
التجديد والمجدود
قلت: وإذ قد تقدم أمر التجديد أواخر القرن الثامن فيما جلبناه في التعريف المنقول آنفا ناسب أنْ نذكر نظم إمام الدنيا جلال الدين السيوطي المسمى " بتحفة المهتدين بأسماء المجددين " ونصه:
الحمد لله العظيم المنة ... المانح الفضل لأهل السنة
ثم الصلاة والسلام نلتمس ... على نبي دينه ولا يندرس
لقد أتى في خبر مشتهر ... رواه كل حافظ معتبر
بأنه في رأس كل مائة ... يبعث ربنا لهذي الأمة
منا عليها عالم يجدد ... دين الهدى لأنه مجتهد
اختلف الناس في المراد بالمجدد فقيل من العلماء وقيل من الأولياء وقيل من الملوك ولكل حجة مذكورة في محلها. وسمعت شيخنا الإمام بقية الناس سيدي أحمد بابا السوداني التنبكتي أبقى الله جلاله وأدام عزته وحفظ جلاله يقول غن ذلك يكون في كل قطر بحسبه وليس من شرطه أنْ يعم الدنيا أو غالبا والله أعلم.
ولأجل ذلك قال أبقاه الله في رجزه في هذا المعنى حيث ذكر المجددين. قال في العاشر ما نصه:
стр. 775
وعاشر القرون فيه قد أتى ... محمّد إمامنا وهو الفتى
يعني به الشيخ العلامة سيدي محمّد بغيع ﵀. ولا خفاء أنَّ هذا منه أبقاه الله بناء على اعتبار كل قطر على حدة إذ هذا الشيخ الذي جزم بتجديده إنما هو في صقع تنبكت جاغو. وأما بلاد المغرب وغيرها فلا وهو مخالف لمّا عند السيوطي في هذا النظم كما تراه قريبا والله تعالى أعلم بالصواب.
ولنرجع إلى كلام الاما الجلال السيوطي رحمه الله تعالى قال:
فكان عند المائة الأولى عمر ... خليفة العدل بإجماع وقر
والشافعي كان عند الثانية ... لمّا له من العلوم السارية
وابن الشريح ثالث الأئمة ... والأشعري عدة من أمة
والباقلاني رابع أو سهل أو ... الاسفرايني خلافا قد حكموا
والخامس الحبر وهو الغزالي ... عدة ما فيه من جدال
والسادس الفخر الإمام الرازي ... والراغعي منثله يوازي
والسابع الراقي إلى المراقي ... ابن دقيق العيد باتفاق
والثامن الحبر وهو البلقيني ... أو حافظ الأنام زين الدين
следующие страницы →