Полный текст (1 044 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
ورماني من مقلته بسهمٍ ... ثم قال اصطبر لثان وثالث
كم عذول أتى يناظر فيه ... كان تعذاله على الحب باعث
ويمين آليتها بالتسلي ... فقضى حسنه بأني حانث
جبر الله صدع قلب عميد ... صدعت شمله صروف الحوادث
فهو يهفو إلى البروق ويروى ... عن نسيم الصبا ضعاف الأحادث
سلبته الأشجان إلاّ بقايا ... من أمان حبالهن رثائث
وبكاء على عهود مواض ... ملأت صدره هموما حدائث
لست وحدي أشكو بليه وجدي ... إنَّ داء الغرام ليس بحادث
يا مضيع العهود والله يعفو ... عنك إني ارتضيت خطة ناكث
غرني منك الجمال غرور ... وظبا اللحظ في القلوب عوابث
مقل يقتسمن أعشار قلبي ... بالرضا مني اقتسام الموارث
كيف غيرت بانتزاحك حالي ... وتغيرت لي وليس بحارث
فرط حبي وفرط حبك إلاّ ... أنَّ عينيك بالفتور نوافث
وندى فارس وحسنك ردا ... قول من قال سد باب البواعث
ملك البأس والندى فهو بالسي ... فِ وبالسيب عابث أو غائث
محرز المجد والثناء فهذا ... سائر في الورى وذلك لابث
أوطأ الشهب رجله وترقى ... صاعدا في سموه غير ماكث
فدرار تسري وما لحقه ... ونجوم خلف القصور لوابث
وله المقربات لا بل هي العق ... بان من فوقها الليوث الدلاهث
مطلعات من كل نعل هلالا ... فلهذا تجلو دجى كل حادث
إنْ توافقن فالجبال الرواسي ... أو تسابقن فالغيوث الحثائث
стр. 912
والمواضي كأنها قد أعيرت ... حدة الذهن منه عند المباحث
هي نار محرقات الأعادي ... وهي ماء مطهرات الخبائث
فبردن بالوغى ذكورا عطاشا ... ثم يصدرن ناهلات طوامث
من معاليه قد رأينا عيانا ... كل فضل ينصه من يحادث
خلق كالنسيم مر سحيرا ... بالأزاهير في البطاح الدمائث
في سبيل الإله يقضى ويدنى ... ويوالي في ذاته ويناكث
شرف الملك منه سام وحام ... فقدته سام وحام ويافث
حاكها من بنات كسرى بكرا ... ليس يسموها من الناس طامث
ذات لفظ لا يعتريه اختلال ... ومعان لا تنتحيها المباحث
ذوو فريض أبقوا بقايا ... كنت دون الورى لهن الوارث
من تقتادها فهي هذي ... عرضة البحث فليكن جد باحث
إنْ السلطان أبا عنان أطل من برج يشاهد الحرب على ما جرت به عادة الملوك فقال ابن جزي هذا في وصف
стр. 913
الحال ما يكاد تعد معارضته من قبيل المحال وهو:
لله يوم بدار الملك مر به ... من العجائب ما لم يجر في خلد
لاح الخليفة في برج العلا قمرا ... يشاهد الحرب بين الثور والأسد
ومن بارع نظمه رحمه الله تعالى:
أبا حسن إنْ شتت الدهر شملنا ... فليس لود بالفؤاد شتات
وإنْ حلت عن عهد الإخاء فلم أزل ... لقلبي على حفظ العهود ثبات
وهبني سرت مني إليك إساءة ... ألم تتقدم قبلها حسنات
وهو الذي ألف رحلة ابن بطوطة حسبما هو معلوم.
قال ابن الأحمر: ومن بارع نظمه رحمه الله تعالى قوله وهو بحال مرض:
إنْ يأخذ السقم من جسمي مآخذه ... وأصبح القوم من أمري على خطر
فإنَّ قلبي بحمد الله مرتبط ... بالصبر والشكر والتسليم للقدر
فالمرء في قبضة الأقدار مصرفه ... للبرء والسقم أو للنفع والضرر
وحكى لي غير واحد أنَّ الفقيه الكاتب القاضي الحاج الرحال إسحاق ابن الحاج النميري بقي في خلوته جميع شهر رمضان المعظم من عام سبعة وخمسين وسبع مائة فلما خرج يوم عيد الفطر أنشده سيدي أبو عبد الله بن جزي المذكور لنفسه يخاطبه:
ما سرار البدور إلاّ ثلاث ... فلماذا أرى سرارك شهرا
أتعجلته سرورا لعام ... ثم تبقي في سائر العام بدرا
стр. 914
وحكى أنَّه كتب ﵀ للرئيس الكاتب أبي القاسم بن رضوان يطلب منه شراب سكنجبين وقصد التصحيف بقوله: أحسن زان بيتك نجيب تسر به برء مرضى.
تصحيفه: أحب شراب سكنجبين شربه برء مرضى.
قال فجاوبه ابن رضوان بقوله: إنَّ برء نفيس تصحيفه مقلوبا: يشفيك ربنا.
وتذكرت بهذا ما وقع للرئيس ابن الجياب فإنه أهدى له الفقيه ابن قطبة رمانا ثم دخل عليه عائدا فلما رآه قال له: يا فقيه نعم بالهدنة زمانك أراد: نعمت الهدية رمانك. وكان هذا قبل موته من مرضه بيسير وهو مما يدل على ثقوب ذهنه حتى قرب الموت سامحه الله وغفر له.
ومن نظم أبي عبد الله بن جزي المذكور قوله:
رعي الله عهدا بالمرية لا أرى ... له أبدا ما عشت في الناس بالناسي
وكيف ترى بالله صحبة معشر ... مجاهد بعض منهم وابن عباس
ومن ذلك قوله ﵀ في الزاوية التي أنشأها أبو عنان وهو مكتوب عليها إلى قرب هذا التاريخ:
هذا محل الفضل والإيثار ... والرفق بالسكان والزوار
دار على الإحسان شيدت والتقى ... فجزاؤها الحسنى وعقبى الدار
стр. 915
هي ملجأ للواردين ومورد ... لابن السبيل وكل ركب ساري
آثار مولانا الخليفة فارس ... أكرم بها في المجد من آثار
لا زال منصورا اللواء مظفرا ... ماضي العزائم سامي المقدار
بنيت على يد عبدهم وخديم باَ ... بهم العلي محمّد بن جدار
في عام أربعة وخمسين انقضت ... من بعد سبع مئين في الأعصار
ومن بديع نظمه ﵀ قوله:
وما أنسى الأحبة حين بانوا ... تخوض مطيهم بحر الدموع
وقالوا اليوم منزلنا الحنايا ... فقلت نعم ولكن من ضلوعي
وقوله ﵀:
ورب يهودي أتى متطببا ... ليأخذ ثارات اليهود من الناس
إذا جس نبض المرء أودي بنفسه ... سريعا ألم تسمع بفتكة جساس
وقوله ﵀:
من أي أشجان التي جنت الهوى ... أشكو العذاب وهن في تنويع؟
من وصلي الموقوف أومن هجري ال ... موصول أو من نومي المقطوع؟
стр. 916
وقوله ﵀:
فخدي وجسمي والفؤاد وأدمعي ... شهود بهم دعوى الغرام تصحح
ومن عجب أنْ رجع الناس نقلهم ... وكلهم ذو جرحة فيه تقدح
جسمي ضعيف والفؤاد مخلط ... ودمعي مطروح وخدي مجرح
وقوله ﵀:
يا محيا كتب الحسن به ... أحرفا أبدع فيها وبرع
ميم ثغر ثم نون حاجب ... ثم عين هي تتميم البدع
أنا لا أطمع في وصلك لي ... وعلى وجهك مكتوب منع
قال ابن الأحمر: ومن إنشاء البارع موريا بالكتب ورفعها لأمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان فارس ﵀ يهنئه بإبلال ولده وولي عهده الأمير أبي زيان محمّد بن مرض:
ماذا عسى أدب الكتاب يوضح من ... خصال مجدك وهو الزاهر الزاهي
وما الفصيح بكليات موعبا ... كاف فيأتي بإنباء وإنباه
أبقى الله مولانا الخليفة ولسعادته القدح المعلى ولزاهر كماله التاج المحلى تجلى من حلاه نزهة الناظر ويسير بعلاه المثل السائر ويتسق من ثناه العقد المنظم ويتضح بهداه القصد الأمم ولا زالت مقدمات النصر له مبسوطة
стр. 917
ومعونة السعد بإرشاته منوطة وهدايته متكفلة بإحياء علوم الدين وإيضاح منهاج العابدين وإرشاده يتولى تنبيه الغافلين ويأتي من شفاء الصدور بالنور المبين وميقات الخدمة ببابه مطمح الأنفس وملخص الجود من كفة بغية المتلمس قد حكم أدب الدين والدنيا بأنك سراج الملوك لمّا أتته عوارفك بالمشرع السلسل ومعارفك بنظم السلوك ووضحت معالم مجدك وضوح أنوار الفجر وزهت بعدلك المسالك والممالك زهو خريدة القصر فلك في جمهرة الشرف النسب الوسيط ومن جمل المآثر الخلاصة والبسيط وسبل الخيرات لها برعايتك تيسير ومحاسن الشريعة لها بتحصيلك تحبير وأنت حجة العلماء الذي تقصر عن قصي مآثره فطن الأذكياء إنْ أنبههم التفسير ففي يديك ملاك التأويل أو اعتاص تفريع الفقه فعندك فضل البيان له والتحصيل وإنْ تشعب التاريخ فلديك استيعابه أو تطاول الأدب ففي إيجاز بيانك اقتضابه وإنْ ذكر الكلام ففي انتقائك من برهانه المحصول أو المنطق ففي موجز أماليك لبابه المنخول وليس أساس البلاغة إلاّ ما تأتي به من فصل المقال ولا جامع الخير إلاّ ما حزته في تهذيب الكمال ولذلك صارت خدمتك غاية المطلوب وحبك قوت القلوب وغزو أنْ كنت من العلياء درتها المكنونة فأسلافك الكرام هم جواهرها الثمينة بحمامتهم أصيب مقاتل الفرسان وبجود جودهم تسني ري الظمآن وبتسهيل عدلهم وضحت شعب الإيمان وأنت المنتقى من سمط جمانها والواسطة في قلائد عقيانها عنك تؤثر سيرة الاكتفاء وعن فروعك السعداء تروى أخبار نجباء الأنباء فهم لمملكتك العلية بهجة مجالسها وانس مجالسها وقطب سرورها ومطالع نورها وولي عهدك درتهم الخطيرة وذخيرتهم الأثيرة
стр. 918
لا زال كمال سعادته بطول مقامك محكما وحرز أمانيه بالجمع بين الصحيحين: حبك ورضاك معلما وقد وجبت التهنئة بما كان في حيلة برئه من التيسير وما تهيأ في استقامه قانون صحته من نجح التدبير ولم يكن إلاّ أنْ بعدت به عنك المسالك وأعوز نور طرفه تقريب المدارك وتذكر ما عهده من الإيناس الموطأ جناية عند فضل مالك فوري من شوقه سقط الزند والتهب في جوانح القبس الوجد فأمددته من دعائك الصالح بحلية الأولياء فظفر لمّا شارف مشارق الأنوار من حضرتك بالشفاء وقد حاز إكمال الأجر بذلك العارض الوجيز وكان كتشبيب الإبريز وهاهو قادم بالطالع السعيد آئب بالمقصد الأسنى من الفتح والتمهيد يطلع بين يديك طلوع الشهاب ويبسم عن مفصل الثناء في الهناء بذلك زهر الآداب فأعد له تخفة القادم من إحسانك الكامل واخصصه بالتكملة من إيناسك الشامل فهو الكواكب الدرى المستمد من أنوارك السنية وفي تهذيب شمائله أيضاح للخلق الكريمة الفارسية لا زالت تزدان بصحاح مآثرك عيون الأخبار وتتعطر بنفحة الزهر من ثنائك روضة الأزهار وتتلى من محامدك الآيات البينات وتتولى عليك الألطاف الإلهيات بمن الله وفضله.
والسلام عليكم يعتمد المقام العلي ورحمة الله وبركاته. انتهى.
وقد قال أبو عبد الله بن جزي المذكور ﵀ عدة قطع يوري فيها بأسماء الكتب منها قوله:
стр. 919
ظبي وهو الكامل في حسنه ... وثغره أبهى من العقد
جماله المشرق لكنها ... أخلاقه تحكي صبا نجد
وقوله ﵀:
لك الله من خل حباني برقعة ... حبتني من آياتها بالنوادر
رسالة رمز في الجمال نهاية ... ذخيرة نظم أتحفت بالجواهر
وقوله ﵀:
قصتي في الهوى المدونة الكب ... رى وأخبار عشقي المبسوطة
حجتي في الغرام واضحة إذ ... لم تزل مهجتي بوجد منوطة
أقول: ما أبدع هذا الفصل الذي حبره هذا الحبر في فن التورية وشاهده على استحقاق مبرز عدل لا يحتاج إلى تركية.
وتذكرت بهذه التورية بأسماء الكتب قول بعض الأكابر وأظنه الشيخ الكاتب أبا محمّد عبد المهيمن الحضرمي لأن الكاتب أبا إسحاق بن الحاج النميري ﵀ قال حسبما وجدت بخطه ما نصه: أنشدني شيخنا الإمام أبو محمّد لنفسه:
من أغتدي موطأ أكنافه ... صح له التمهيد في أحواله
وقابل استذكاره بالمنتقي ... من رأيه المختار من أعماله
وأضحت المسالك الحسنى له ... تدني تقصيا قصي آماله
وسار من مشارق الأنوار في ... أدنى المدارك أو إلى إكماله
стр. 920
ثم قال أبو إسحاق بن الحاج المذكور: ولمّا وقف على ذلك صاحبنا الفاضل العالم أبو عليّ حُسَين بن صالح بن أبي دلامة أنشدني له هذه الأبيات وزاد ذكر القبس والمعلم:
قل للموطأ للورى أكنافه ... بشرى بالتمهيد في الأحوال
وإذا اكتفى بالمنتقي استذكاره ... وفي له المختار في الأعمال
ومسالك الحسنى تؤديه إلى ... أقصى التقصي من قصي الآمال
ويلوح من قبس الهداية رشده ... من معلم التفصيل والإجمال
انتهى كلام ابن الحاج.
ومن هذا المعنى قول الوزير أبي عبد الله بن الخطيب:
وظبي لأوضاع الجمال مدرس ... عليم بأسرار المحاسن ماهر
أرى جيده نص المحلى وقررت ... ثناياه ما ضمت صحاح الجواهر
وقول ابن خاتمة:
ومعطر الأنفاس يبسم دائما ... عن در ثغر زانه ترتيب
من لم يشاهد منه عقد جواهر ... لم يعر ما التنقيح والتهذيب
ومن قول ابن خاتمة أيضاً:
سفهني عاذلي عليه ... وقال لي وده عليل
فقلت معتل أو صحيح ... يودعه عينه الخليل
стр. 921
وقال بعضهم:
حاز الجمال بصورة قمرية ... تجلو عليك مشارق الأنوار
وحوى الكمال بسيرة عمرية ... تتلو عليك مناقب الأبرار
ولنرجع إلى نظم ابن جزي فنقول: وانشد في الإحاطة لأبي عبد الله بن جزي المذكور:
تلك الذؤابة ذبت من شوقي لها ... واللحظ يحميها بأي سلاح
يا قلب فانج يوما إخالك ناجيا ... من فتنة الجعدي والسفاح
وقوله رحمه الله تعالى:
وعاشق صلى ومحرابه ... وجه غزال ظل يهواه
قالوا تعبدت فقلت نعم ... تعبدا يفهم معناه
وقوله ﵀:
نصب الحبائل للورى بالحسن إذ ... رفع اللثام وذيله مجرور
وأماله عني العواذل ضلة ... فهو المحال وقلبي المكسور
وقوله ﵀:
لا تعد صنفك إنْ ذهبت لصاحب ... تعتده لكن تخير وانتق
أوما ترى الأشجار مهما ركبت ... إنْ خوالفت أصنافها لم تعلق
انتهى.
стр. 922
ولنختم ما أوردنا من نظمه بقوله:
أيتها النفس قفي عندما ... ألزمت فعلا كان أو قولا
فمن يكن يرضى بما ساءه ... أو سره فهو له الأولى
لا يترك العبد وما شاءه ... إلاّ إذا أهمله المولى
وقوله ﵀:
لولا ثلاث قد شغفت بحبها ... ما عفت في حوض المنية موردي
وهي الرواية للحديث وكتبه ... والفقه فيه وذاك حسب المهتدي
ولنعد إلى ذكر حازم فنقول: كان أبو حسن حازم والكاتب الفقيه المحدث أبو عبد الله بن الأبار فرسا رهان في ميدان الآداب وقد جمعها الزمان وتعلقهما من الدولة الحفصية بأهداب.
وإذ قدمنا نبذة من أخبار أبي الحسن حازم فلا بأس أنْ نتبعها بمثلها من أخبار الإمام ابن الأبار.
وهو الفقيه الأجل الكاتب الحافل الراوية المحدث الفاضل الناقد البارع الحافظ الكامل أبو عبد الله محمّد بن عبد الله القضاعي البلنهسي المعروف بابن الآبار.
قال قاضي القضاة ولي الدين بن خلدون في تاريخه الكبير الموسوم بديوان العبر وكتاب المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي لسلطان الأكبر ما نصه:
стр. 923
الخبر عن مقتل ابن الأبار
وسياقته الأولية:
كان هذا الحافظ أبو عبد الله بن الأبار من مشيخة أهل بلنسية وكان علامة في الحديث ولسان العرب وبليغا في الترسيل والشعر وكتب عن السيد أبي عبد الله بن حفص بن عبد المؤمن ببلنسية ثم عن ابنه ثم دخل معه دار الحرب حين نزع به ثم كتب عن ابن مردنيش. ولما زحف الطاغية إلى بلنسية ونازلها، بعث زيان بوفد بلنسية وبيعتهم، إلى الأمير أبي زكريا، وكان فيهم ابن الأبار هذا الحافظ، فحضر مجلس السلطان، وأنشد قصيدته على روى السين يستصرخه، فبادر السلطان بإغاثتهم، وشحن الأساطيل بالمدد إليهم، من المال والأقوات والكسا، فوجدهم في عسرة الحصار، إلى أن تغلب الطاغية على بلنسية، ورجع ابن الأبار بأهله إلى تونس، غبطة بإقبال السلطان عليه، فنزل منه بخير مكان، ورشحه لكتب علامته في صدور رسائله ومكتوباته، فكتبها مدة، ثم إن السلطان أراد صرفها لأبى العباس الغسانى، لما كان يحسن كتابتها بالخط المشرقي، وكان آثر عنده من الخط المغربي، فسخط بن الأبار، أنفة من إيثار غيره عليه، وافتات على السلطان في وضعها في كتاب أمر بإنشائه، لقصور الترسيل يومئذ في الحضرة عليه، وأن يبقى مكان العلامة منه لواضعها. فجاهز بالرد، ووضعها استبدادا وأنفة؛ وعوتب على ذلك، فاستشاط غضبا، ورمى بالقلم، وأنشد متمثلا:
اطلب العز في لظى وذر الذل ولو كان في جنان الخلود
стр. 924
فنمى ذلك إلى السلطان فأمر بلزومه بيته ثم استعتب السلطان بتأليف رفعه إليه عد فيه من عوتب من الكتاب وأنّب وسماه إعتاب الكتاب واستشفع المستنسر بالله فغفر السلطان له وأقل عثرته وأعاده إلى الكتابة ولمّا الأمير أبو زكريا رفعه المستنصر إلى حضور مجلسه مع الطبقة الذين كانوا الأندلس وأهل تونس. وكان في ابن الأبار أنفة وبأو وضيق خلق وكان يزرى على المستنصر في مباحثه ويستقصر مداركه فخشن له صدره مع ما كان يسخط به السلطان من تفضيل الأندلس وولاتها عليه.
وكانت لابن أبى الحسين فيها سعاية لحقد قديم سببه أن ابن الأبار لما قدم في الأسطول من بلنسية نزل ببنزرت وخاطب ابن أبى الحسين بغرض رسالته ووصف أباه في عنوان مكتوبة بالمرحوم ونبه على ذلك فاستضحك وقال إن أبًا لا تعرف حياته من موته لأب خامل ونميت إلى ابن أبى الحسين فأسرها في نفسه ونصب له إلى أن حمل السلطان على إشخاصه إلى بجاية ثم رضى عنه واستقدمه ورجعه إلى مكانه من المجلس وعاد هو إلى مساءة السلطان بنزعاته إلى أن جرى في بعض الأيام ذكر مولد الواثق وساءل عنه السلطان بعض من حضره فاستبهم فغدا عليه ابن الأبار بتاريخ الولادة وطالعها فاتهم بتوقع المكروه للدولة والتربص بها كما كان أعداؤه يشيعون عنه بما كان ينظر في النجوم فتقبض عليه وبعث السلطان إلى داره فرفعت إليه كتبه أجمع وألفى في أثنائها -فيما زعموا- رقعة بأبيات أولها:
طغا بتونس خلف ... سموه ظلما خليفه
فاستشاط لها السلطان وأمر بامتحانه ثم بقتله فقتل قعصا بالرماح وسط محرم
стр. 925
من سنة ثمان وخمسون، يعني وست مائة. ثم أحرق شاوه، وسيقت مجلدات كتبه، وأوراق سماية ودواوينه، فأحرقت معه.
انتهى كلام ابن خلدون.
والقصيدة السينية التي أشار إليها ابن خلدون، كنت عزمت على ذكرها أوّل تراجم هذا الكتاب، حين ذكرت أمر الجزيرة، وأتيت بقصيدة صالح ابن شريف، فنسيت ذلك، حتى قضى الله به الآن؛ وهي من غرر القصائد الطنانة، وهذا نصها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إنَّ السبيل إلى منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست ... فلم يزل منك عز النصر ملتمسا
وحاش مما نعانيه حشاشتها ... فطالما ذاقت البلوى صباح مسا
يا للجزيرة أضحى أهلها جزاراً ... للحوادث وأمسى جدها تعسا
في كل شارقة إلمام بائقة ... يعود مأتمها عند العدا عرسا
وكل غاربةٍ إجحاف نائبة ... تثنى الأمان حذار والسرور أسا
تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم ... ولا عقائلها المحجوبة الأنسا
وفي بلنسة منها وقرطبة ... ما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا
مدائن حلها الإشراك مبتسما ... جذلان وارتحل الإيمان مبتئسا
وصيرتها العوادي العابثات بها ... يستوحش الطرف منها ضعف
فمن دساكر كانت دونها حرما ... ومن كنائس كانت
يا للمساجد عادت للعدا بيعا ... وللنداء غدا
لهفي عليها إلى استرجاع فائتها ... مدارساً للمثاني
стр. 926
وأربعا نمنمت أيدي الربيع لها ... ما شئت من ... موشيةٍ وكسا
كانت حدائق للأحداق مونقةً ... فصوح النضر من أدواحها وكسا
وحال ما حولها من منظر عجب ... يستجلس الركب أو يستركب الجُلسا
سرعان ما عاث جيش الكفر واحربا ... عيث البا في مغانيها التي كبسا
وابتز بزتها مما تحيفها ... تحيف الأسد الضاري لمّا افترسا
فأين عيش جنيناه بها خضراً ... وأين غصن جنيناه بها سلسا
حمى محاسنها طاغٍ أتيح لها ... ما نام عن هضمها حينا ولا نعسا
ورج أرجاءها لمّا أجاط بها ... فغادر الشم من أعلامها خنسا
خلا له الجو فامتدت يداه إلى ... إدراك ما لم تطأ رجلاه مختلسا
وأكثر الزعم بالتثليث منفردا ... ولو رأى راية التوحيد ما نبسا
صل حبلها أيها الملى الرحيم فما ... أبقى المراس لها حبلا ولا مرسا
وأحي ما طمست منها العداة كما ... أحييت من دعوة المهدي ما طمسا
أيام سرت لنصر الحق مستبقا ... وبت من نور ذاك الهدى مقتبسا
وقمت فيها بأمر الله منتصرا ... كالصارم اهتز أو كالعارض انبجسا
تمحو الذي كتب التجسيم من ظلم ... والصبح ماحية أنواره الغلسا
وتقضي الملك الجبار مهجته ... يوم الوغى جهرة لا ترقب الخلسا
هذي رسائلها تدعوك من كثبٍ ... وأنت أفضل مرجو لمن يئسا
فتك جارية بالنجح راجيةً ... منك الأمير الرضا والسيد الندسا
..سبحت والريح عاتية ... كما طلبت بأقصى شدة الفرسا
... عبد الله الواحد بن أبي ... حفص مقبلة من تربة القدسا
стр. 927
ملك تقلدت الأملاك طاعته ... ديناً ودنيا فغشها الرضا لبسا
من كل غادٍ على يمناه متسلما ... وكل صادٍ إلى نعماه ماتمسا
مؤيد لو رمى نجمها لأثبته ... ولو دعا أفقا لبى وما احتبسا
تالله إنَّ الذي ترجى السعود له ... ما جال في خلد يوما ولا هجسا
إمارة يحمل المقدار رايتها ... ودوللة عزها يستصحب القعسا
يبدي النهار بها من ضوئه شنباً ... ويطلع الليل من ظلماته لعسا
ماضي العزيمة والأيام قد نكلت ... طلق المحيا ووجه الدهر قد عبسا
كأنه البدر والعلياء هالته ... تحف من حوله شهب القنا حرسا
تدبيره وضع الدنيا وما وسعت ... وعرف معروفه واسى الورى وأسا
قامت على العدل والإحسان دولته ... وأنشرت من وجود الجود ما رمسا
مبارك هديته بادٍ سكينته ... ما قام إلاّ إلى حسنى ولا جلسا
قد نور الله بالتقوى بصيرته ... فما يبالي طروق الخطب ملتبسا
برى العصاة وراش الطائعين فقل ... في الليث مفترسا والغيث مرتجسا
ولم يغادر على سهل ولا جبل ... حيا لقاحاً إذا وفيته بخسا
... أصيد لا تلقي به صيداً ... ورب أشوس لا تلقي له شوسا
..... والملوك معاً ... في نبعة أثمرت للمجد ما غرسا
........ وصان صيغته أنْ......
стр. 928
فظل يوطن من أرجائها حرما ... وبات يوقد من أضوائها قبسا
بشرى لعبد إلى الباب الكريم حدا ... آماله ومن العذب المعين حسا
كأنما يمتطي واليمين يصحبه ... من البحار طريقا نحوه يبسا
فاستقبل السعد وضاحا اسرته ... من صفحة فاض منها النور وانعكسا
وقبل الجود طفاحا غواربه ... من راحة غاص فيها البحر وانغمسا
يا أيها الملك المنصور أنت لها ... علياء توسع أعداء الهدى تعسا
وقد تواترت الأنباء أنك من ... يحيى بقتل ملوك الصفر أندلسا
طهر بلادك منهم إنهم نجس ... ولا طهارة ما لم نغسل النجسا
تنبيه: " نغسل النجسا " هكذا ثبت بالنون كما رأيته في بعض النسخ العتيقة وهو أصوب مما وقع بخط بعضهم بالتاء لأن مثله لا يصلح للمخاطبات السلطانية ولم يشتهر عند أكثر الناس إلاّ بالتاء والصواب ما قدمته من أنه بالنون والله اعلم.
وأوطئ الفليق الجرار أرضهم ... حتى يطأطئ رأسا كل من رأسا
وانصر عبيد بأقصى شرقها شرقت ... عيونهم أدمعا تهمي
هم شيعة الأمر وهي الدار قد نهكت ... داء
стр. 929
وذكر غير واحد أنَّه دخل مرة على المستنصر بالله الحفصي فلما مثل بين يديه آنسه بإقباله أو سؤاله فأنشده الحافظ ﵀:
بشرى باشرت الهدى والنورا ... بلقاني المستنصر المنصورا
فإذا أمير المؤمنين لقيته ... لم ألق إلاّ نضرة وسرورا
ومن بديع نثره ﵀ رسالته الحافلة التي كتب بها للمستنصرو هي الرسالة الغريبة مساقا المتلألئة نظما واتساقا التي لم ينسج على منوالها ولم يأت أحد بمثالها يصف وصول الماء إلى تونس ويشير في ذلك إلى إشارات عجيبة تدل على أنَّ قريحته الوقادة لداعي الإجابة مجيبه وهي: الحمد لله حمدا لا نقلله. هذا الزمان الذي كنا نؤمله " بلدة طيبة ورب غفور " ودولة مباركة لمحاسنها سفور.
إلى أبي حفص آلوا فهل جالت النجوم حيث جالوا أو نالت الملوك بعض ما نالوا ملك يشتمل الإقبال وعز يقلقل الأجيال وكرم صريح الانتماء في النماء وشرف سمت ذوائبه على السماء إلى عدل وإحسان هما قوام نوع الإنسان مع رفق واسجاح ضمنا كل فوز ونجاح فقد آضت الظلماء أنوارا وفاضت البركات أنجادا وأغوارا أليس العام ربيعا والعالم جميعا والسعود طالعة والعصور طائلة مصالح الأعمال تحليها وعلى منصات الكمال تجليها فمن ذا أيّها المولى يجاريك إلى مدى أو يباريك في إقدام صادق وندى وآياتك للأبصار هدى وحياتك للكفر ردى بسيرتك عدل الدهر وما جار ولولا نور غرتك ما أنار لقد حسنت بك الأوقات حتى كأنك في فم الزمن ابتسام أعرقت في المجد والعليا وعنيت بالدين فعنت لك الدنيا
стр. 930
أي عنيد أو عميد ما ألقى باليد واتقى في اليوم عاقبة الغد إصفاقا على التعوض بصفحك واسعادك وإشفاقا من التعرض لصفاحك وصعادك تعمر بالحسنات آناءك وتتبع في القربات آباءك بانيا كما بنوا بل زائدا على ما أتوا وباديا من حيث انتهوا:
أناس من التوحيد صيغت نفوسهم ... فزرهم تر التوحيد شخصا مركبا
ومن ساكبات المزن فيض أكفهم ... فردهم ترى ماء الغمام وأعذبا
أمجاد أجواد في الحباء بحار وفي الحبا أطواد تقيل أبو زكريا نهج أبي محمّد وأيدا جميعا بأبي حفص المؤيد:
نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورا ومن فلق الصباح عمودا
أولئك صفوة الأئمة وحفظة الأذمة والقائمون دون الأمة في الحوادث الدلهمة وهذه الدولة المحمدية الخالدية بمكانها الدعوة المهدية إليها انتهت المراشد وعليها التفت المحامد وبها اعتزت حين اعتزت العناصر والمحاتد ومن خصائصها انفعال الوجود ومن مراسمها الإيثار بالموجود والبدار إلى إغاثة الملهوف وإعانة المنجود ما برحت للخيرات إيضاعها وخبها وبالصالحات غرامها وحبها حتى لقد فهمت أسرارها وأودعت أنوارها وكلفت أو كفلت إفشاءها وإظهارها يمينا أنْ يمين الحق به طولي وللآخرة خير لها من الأولى بمولانا أيده الله عز مكانها وخلدت سديدة آثارها شديدة أركانها لا جرم أنَّه الطاهر كالماء الذي جلبه للطهارة والظاهر ولاء ولواء في مصعد الخلافة ومقعد الإمارة بالسعادة الأبدية وجدة وكلفة وما همة إلاّ تجاوز ما أسلفه سلفه فجر من الأرض ينبوعا وجدد للجدوى رسوما عافية وربوعا ساحتها الحرم وهو زمزم قصاده وحجاجه وراحته البحر الخضم غير
стр. 931
طعمه وارتجاجه ما أظهره خلالا وأبهره جلالا " هكذا هكذا وإلاّ فلا لا " غابت كماة المعارك وشهد ونامت ولاة الممالك وسهد فمتى قسطوا أقسط وإذا غورا أنبط ولذلك ما أبطل عمله أعمالهم غلبهم على صفتي الندى والباس وسلبهم منقبتي حمزة والعباس.
قال جامع هذا المصنف: أشار الإمام ابن الأبار بقوله: " منقبتي حمزة والعباس " إلى شجالعة حمزة الشهير الذكر وثباته الذي يجعل عن الفكر وإلى استسقاء عمر بالعباس ﵄ فأتى من الحيا ما عم بالحيا وهمر من الماء ما شفي بعميم الإرواء نفوس الظماء الله اعلم.
رجع إلى كلام ابن الآبار
فلا غزو أنَّ من أمن ووقي ثم لمّا كسا وأطعم سقي آية نعمتي وفت بالميعاد وحسني مثلها يعود للمعاد وأتت بماء معين قد أصبح غورا وملأت ما بين لابتيها جنانا ترف ظلا وترق نورا فيا بشرى لتونس أخصب جديبها وأحسن وصف الروض والغدير أديبها وطالما أطلعت صحراء بل بغضاء فكم للإمارة قبلها من يد بيضاء غشيت حبر الحبور والسرور وعوضت برد الظل من وهج الحرور خمائل وجداول تزاول منها العين ما تزاول تلك يضل من أحصاها وهذه يصل بها حصاها ويا لقصرها السعيد نعمت أدواحه وهبت على خضر الأغصان وزرق الغدران أرواحها هذا وإنْ بات السماح المفاض يسقيه والجود الفضفاض ينقع فؤاده ويشفيه وهنيئا للمسجد الجامع أنْ رويت جوانحه الصاديه وجمعت في شرعته السارية والغادية
стр. 932
فها هو فجره بادي الغرر والأوضاح وصخره منبجس بالزلال القراح وللجمهور بصفوه المنساب لهج الغياب بالإياب وطرد الشيب لذكر الشباب أمسوا قد سوغوا مآربهم وأضحوا قد علم كل أناس مشربهم فهم يردون على العذب النمير ويجدون بركة رأي الأمير مكرمة ذخرها لسلطانه الزمانو كرامة هنأها به الإيمان وقضية إنْ حجبت عن داود فما حجب عنها سليمان:
جمعت للناس بين الري والشبع ... فهم بأخصب مصطاف ومرتبع
ولم تدع كرما إلاّ أتيت به ... تضيف مبتدعا لمبتدع
لمّا وليت خلعت الخير أجمعه ... عليهم فبدوا في أجمل الخلع
لله أيامك استوفت محاسنها ... فلا فضيلة للأعياد والجمع
ذامت مساعيك والأقدار تسعدها ... تولي المساجد إنصافا من البيع
اللهم إنَّ الإيالة الحفصية قد أعليت مظاهرها نصرت معاشرها وقصرت على المصالح الدينية والدنيوية مواردها ومصادرها ثم اصطفيت من شرف بيتها الصراح ومعدن سوددها الوضاح مولانا الأمير الأجل المؤيد البارك أبا عبد الله فانتضيته حساما في يدك قائمه وارتضيته إماما لا تلين في ذاتك صرائمه ولا يلحق شأوه في النيل من عداتك رائمه يمضي بأساحين لامضاء للحسام العضب ويهمي جودا والسماء في أزر من نجيع الجدب ينتدب سعيا لكل حسنى أعيت على القريع الندب.
فاقض اللهم لسلطانه بتأييد وأدم بأيامه المباركة نعمة التمهيد وضاعف عزة جانبه بأعزازه كملة التوحيد. واجزه اللهم أفضل الجزاء عن
стр. 933
إفاضة النعماء وإنارة الظلماء وكافئه عن نقل الغلل والأظماء بما فجر من ينابيع الماء وكما شرفته فعله في الأفعال واسمه في الأسماء فاجعله في الدنيا داعيا إلى سبيلك وفي الأخرة هاديا إلى حوض رسولك ﷺ الذي آتيته بعدد نجوم السماء.
آمينَ آمين والسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
ومن بديع ما كتب به مخاطبا رئيس منورقة سعيد بن حكم القرشي رحمه الله تعالى:
إنَّ سعيد بن حكم ... صنو العلا نجل الكرام
رآسة بمثلها ... يفاخر السيف القلم
وسودد مجموعة ... فيه محاسن الشيم
معتمد من شأنه ... رعي العهود والذمم
فاتحني ممهدا ... إلى جوابه القلم
عادة ندب أروع ... خص ببره وعم
فشكره في كل حا ... لٍ ومنال ملتزم
حيا الحيا حضرته ... وجادها ثر الديم
اقتضيتها أيّها السيد الأعظم والسند الأعصم أبقاه الله وجنابه محفود ومنابه محمود وجزبه مودود وشربه مورود ورواق السعادة والنضرة المفادة فوقه ممدود من دانيه كلأها الله تعالى والوقت مضايق والرعب ملازم لا يفارق وأنا بسيادته الأصيلة دائم الاعتداد وعلى عنايته الجميلة قاصر الاعتماد والله
стр. 934
يبقيه كاسمه سعيدا ويسميه مبدئا في المعلوات ومعيدا بمنه.
ووصلني وصل الله حراسته وكلا من الغير والغيل رياسته مخاطبته الكريمة الخطيرة مشرفة بالسؤال عن خاص الأحوال ومنفيه بما تضمنت من الاعتناء والبر المتوافر الأجزاء على الأماني البعيدة والآمال فلثمت سطورها قياما بحقه الأكبر ولزمت من شكره ما لا أقصر عنه بمشيئة الله تعالى ولا أقصر وكان الظن بناديه الأشرف جميلا فقد عاد يقينا والأمل فيه متينا فعاد مبينا ويعلم الله سبحانه أني أعطر بذكره الأمكنة وأزكي بشكره الأزمنة وبودي لو ركبت ثبج هذا البحر حتى أوفيه بعض واجبه وأشافهه بما أجنح إليه وأنطوى عليه من اعتماد جانبه واحماد مقاصده الرياسية ومذاهبه وقد حملت فلانا عصمه الله ويسر مرامه وأدام حفظه وإكرامه من جمل الإعظام ما يؤديه مفسرا وأفهمته أني كاتبت معتقدا خالصا ومضمرا وإنْ تفضل سيدي الأعلى حرسه الله بتكليف بعض أعراضه الكريمة شفع يده البيضاء بمثلها واستزاد معلوة لم يزل من أهلها وما يصدر عن الجانب الرياسي أسماه الله من الألتفات إليه والاعتماد عليه فإنه معدود بره الجسيم ويد من أياديه التي أعيت على التعديد والتقسيم والله يعلى محله ويسعد عقده وحله ويسوغه من مورد الإسعاد في حالتي الإصدار والإيراد أعلاه وأجله ويصل حراسته ويؤيد رياسته بمنه وكرمه.
والسلام الكريم المبارك العميم يخص به مقامه الأظهر ملتزم إكباره وإجلاله المعتد بتمامه في السيادة وكماله محمّد بن عبد الله بن أبي بكر من الأبار ورحمة الله تعالى وبركاته.
стр. 935
وكتب له أيضاً شافعا ومعتنيا.
تعتمد رياستكم المؤملة وسيادتكم المؤثلة تحية الشاكر لاعتنائها المباهي بسناها الوضاح وسنائها المستديم للأحرار والممتطين إليها أثباج البحار شرف عنائها وكرم غنائها محمّد بن الآبار ولا مزيد على ما عنده من إعظام يؤدي وظائفه واعتداد يشفع بتالده طارفه وثناء يعاطيه أولياء جلالكم ومعارفه والله يصعد مكانكم ويسعد زمانكم بمنه وكرمه.
وتتأدى إلى رياستكم حفظها الله في جانب أبي فلان أعزه الله وبلغه أبعد أمله وأقصاه وهو من علمتم مكان بيته النبيه من حيه وسبب نزوحه عن وطنه المحبب ونأيه واستحقاقه بالمزايا المعلومة والسجايا الكريمة لإجزال حفظه ورعيه وما زال لكمالكم واصفا وعلى تعظيم جانبكم والإفصاح بواجبكم عاكفا إمضاء لمّا أكد بينكم وبينه سالف الأيام وتمييزا بحفظ الود الذي يحفظه غير الكرام.
ومن مطالبي به حمله من التكرمة والتقدمة على النهج الأقوم وإنزاله من جلالكم هنا وهنالكم منزلة المحب المكرم وتوصيته المخصوص بالفارة في أشغالكم المباركة بأن يستصحبه عند الإياب ويورده محفوظ الجانب على ذلكم الجانب واختصاصه مع ذلكم بمخاطبة كريمة ترفعه مكانا عليا ويكون لمّا يرد عليه ويخلص بمشيئة الله إليه عنوانا جليا ومجدكم حرسه الله يغتفر جناية الإذلال ويبلغ نهاية الآمال والله يبقى رياستكم تجبر الكسير وتيسر المرام والعسير وهو سبحانه يؤيد مقامكم ويكافئ إنعامكم بمنه.
стр. 936
والسلام الكريم المبارك العميم يعتمد محلكم الرياسي بدءا وعودا ورحمة الله تعالى وبركاته.
وكتب يهنئ الفقيه الأجل القاضي أبا المطرف بن عمير بولايته قضاء شاطبة:
بأي بنان أم بأي بيان ... تخط وتملى شكرها الملوان
لولاية عقد لواءها الوجوب وأسفر وجه محاسنها المحجوب فأشرق لألاء محيها وتعاطى الأولياء حميها فما شئت من جذلان يحبر شكرا ونشوان يجهر سكرا يترنم كالشادي الباغم ويترنح كالغصن الناعم وكلا أصلح الله قاضينا الأعلى لا نكر على من يصف حالة السكر وإنْ تناهى طربا وقضى من رفض الأناء أربا فالمرتاح لا يتماسك ولا يتمالك والارتياح لا يهلك أحدا على راحه يتهاك لا جرم أنه تسمو به الجدود وتدرأ عنه بالشبهات الحدود ويا أيها المولى أشرف الخطط الضيق من عادي جلاله وخالدي جلاله أرحب الخطط.
قال جامع هذا الموضوع أحمد بن محمّد المقري وفقه الله: أشار ابن الآبار بقوله: " وخالدي خلاله " إلى إنَّ أبا المطرف من ولد خالد بن الوليد ﵁ فاعلم ذلك.
رجع إلى كلام ابن الآبار
ما نبأ تهاداه النجد الغور واقتسم الحياة والموت به العدل والجور سوغ المجد المنيف نطافه وهز له الدين الحنيف أعطافه حين قر الحكم الشرعي في نصابه وشفي من آلامه وأوصابه وأرغم المناصب لذلك بنصبه
стр. 937
وانتصابه وسر معلم العلم فأساريره متهلله وسل حسام الحق فأبطال الباطل متسللة سنان الشرع فكل معتد بالجهالة معتدل وهب نسيم المهابة فكل معتز للسفاهة معتزل أما وخطة خطبت منك أكفى أكفائها وأقرت عين الهدى بتعيينها لك وهدائها لقد عصبت بقاض يسعى للقوم ويسعد ونيطت بماض ينهض في ذات الله وينهد ولا عجب أنْ آثرت جلاله واعتمدت خلاله فلم تك تصلح إلاّ له فهنيئا لها ما ألبست من شرف خالد وأنْ حرست بأقلام ابن سيف الله الخالد ويقال لبلدة وطئ تربتها وبوئ رتبتها ما أخصب عيشتها وأرغدها وأسعد يومها وغدها وماذا بها من دين ودنيا ومجد وعليا إذ جمعت المهاجرين إلى الأنصار وأطلعت محامدها ومحاسنها ملء الأسماع والأبصار لا زالت حوزتها تحوز الأكابر وإمرتها تعز عزتها المكابر ودام عمادنا المفضل وعهادنا المخضل بين ولي شاكر حامد وعدو كاشر حاقد ينزل الرتب المنيفة ويطول به مالك أبا حنيفة والله ينهضه بما تقلد ويخلد مجده الأولى بأن يخلد.
والسلام الأتم الأكمل يخصه كثيرا ورحمة الله تعالى وبركاته.
وكتب رحمه الله تعالى إلى رئيس شاطبة أبي الحسين بن عيسى شافعا في فكان أسير وتيسير عسير:
كتبته إلى سيدي حرس الله شرفه العبادي وكلأ كنفه السيادي ولا مزيد على ما عندي من الإعظام لرفيع جانبه والقيام بكبير واجبه والله يحفظ شرف بيته العتيق وحديث قديمه الفائت بطيبه المسك الفتيت الفتيق ومؤديه فلان أدام الله حفظه وعصمته وأتم عليه إحسانه ونعمته والمذكور
стр. 938
يمت إليكم بقديم الإخلاص، ويرغب أنْ ينظم لديكم في أهل الإخلاص؛ وقد بلغكم ما نابه من غير الدهر وبوبه، وكيف نشب في حبالة الأشرار الذي أتى على نشبه؛ وعلمكم بنباهة بيته أغنى عن التنبيه عليه، وفضلكم كفيل بتسيب الإحسان إليه؛ وقد وثق بسعيكم الكريم في جبر كسره، وأمل سيادتكم للتهممبأمره، والتصرف فيما يصرف عليه بعض ما بذل في خلاصه من أسره؛ ومثلكم اصطنع أمثاله، وآثر فيما يليق بنباهته استعماله؛ والله يعلي شأنكم، ويحرس مكانكم والسلام.
وكتب أيضاً شافعا بما نصه: تلك السجايا العذاب، والكرم اللباب، والساحة التي ألبسها جدته الشباب؛ مخصوصة بتحية التوقير والتكبير المعبرة أنفاسها العبقة عن العبير. ومنهيها من زان قومه الأمر والنهي وحسم قضاؤهم وعطاؤهم الوهن والوهي؛ فلان، جمع الله له بين الأوطار والأوطان، وأعاده إلى عادته من عزة الجوانب وشدة الأركان؛ وهو كريمة كرام، آلت بعدهم الأيام، وشكا فقدهم الأنام، والبست الحداد عليهن الأسياف الحداد والأقلام؛ وما بانوا إلاّ وأياديهم أطواق في الرقاب، وتشريفهم باق في الأعقاب، على مر الأحقاب.
وهذا فلان عرفه الله إسعاد الأقدار، وأعفى مشاربه ومشاعره من الأكدار؛ يروق وقاره ويكرم سباره وعينه فراره؛ وأدنى حلاه الطلب، وبعض خصائصه الأدب؛ ثم شأنه الأخطر شانه ومكانه من حيه الذي يتقدم الأحياء مكانه؛ ورأى عند أخذه في النقلة، وعزمه على الرحلة؛ أنْ يستصحب إلى
стр. 939
مجدكم هذه الحروف، ويستدفع بمعلوم جدكم الصروف؛ وإنْ تأملتم ماله من سمت وسيما، أقبلتموه وجه الإقبال وسيما؛ وأوليتموه من رعي الحق الواجب، ما يراه ضرباؤكم ضربة لازب؛ والله يبقيكم للمكارم تشيدون رسومها الدائرة، وتنظمون عقودها المتناثرة؛ وهو تعالي يكلأ محلكم الرحيب، ولا يعدمكم من الزمان وأهله الترجيب والترحيب، والسلام.
ومن نظمه رح قوله في المجبنات:
بنفسي مثلجات للصدور ... لها سمتان من نار ونورِ
حوامل وهي أبكار عذارى ... تزف على الأكف مع البكورِ
كبرد الطل حين تذلق طعماً ... وفي أحشائها وهج الحرورِ
لها حالان بين قم وكفٍ ... إذا وافتك رائعة السفورِ
فتغرب كالأهلة في لهاة ... وتطلع في يمين كالبدورِ
وقوله يشكو الزمان:
تحيف حالتي حيف الزمان ... وصدق اليأس من كذب الأماني
وبرت في أليتها الليالي ... بترويعي فإني بالأمانِ
أما قنعت وقد كلفت بهضمي ... وضيمي دون ابناء البيانِ
أحاول أنْ أقوم لمّا يواتي ... فتقعدني الخطوب بلا تواني
وأطباق الثرى بالحر أحرى ... إذا ألفى الثراء من الهوانِ
فهل من آخذ بيدي أخيذٍ ... بعين الله شدة ما يعاني
стр. 940
أيا يا أشتكيه من أيامي ... عوار في يد البلوى عواني
وما أبلغي على تلفي دليلا ... كفاني إنني حي كفاني
وقوله أيضاً:
يعيرني قومي بجفوة سلطاني ... ويشفيهم شكوى بنبوة أوطاني
يرون خمولا عطلتي لتوقفي ... وتلك محض النباهة برهاني
وقالوا خفوف قلت لا بل رجاحة ... كفتني إلقاء بكفي لإذعان
إذا عهدوني للنزاهة راكبا ... فصعب الأسى وإنَّ هدأركاني
وقوله أيضاً ﵀:
علت سني وقدري في انخفاض ... وحكم الرب في المربوب ماض
إلى كم اسخط الأقدار حتى ... كأني لم أكن يوما براضي
وقال أيضاً في معنى التسليم للمقدور:
أما إنَّه قد خط في اللوح ما خطا ... فلا تعتقد للدهر جوراً ولا قسطا
ولا تسخط المقدور وأرض بما جرى ... عليك به إنَّ الرضا يفضل السخطا
وقال أيضاً ﵀ في معناه:
إلام في حل وفي ربط ... تخبط جهلا أيما خبط!
دع الورى وارج إله الورى ... فأنه ذو القبض والبسط
ليس لمّا يعطيه من مانع ... ولا لمّا بمنع من معطي
стр. 941
وقال ﵀ معارضا للرصافي في أبياته التي أولها: " ومهذب الشطين تحسب أنَّه " بقوله:
ونهر كما ذابت سبائك فضة ... حكى بمحانيه انعطاف الأراقم
إذا الشفق استولى عليه احمراره ... تبدى خضيبا مثل دامي الصوارم
وتحسبه سنت عليه مفاضة ... لإرهاب هبت الرياح النواسم
وتطلعه في دكنة بعد زرقه ... ظلال لأدواح عليه نواعم
كما انفجرت المطل على الدجى ... ومن دونه في الأفق سحم الغمائم
وقال أيضاً في معناه:
سقيا لروض ردته رأد الضحا ... وحمامه طربا يناغي البلبلا
شتى محاسنه فمن زهر على ... نهر يسيل كالحباب تسلسلا
وكأنما حمى الربيع لقطفه ... واستل منه يذود عنه منصلا
غربت به شمس الظهيرة لا تني ... إحراق صفحته لهيبا مشعلا
حتى كساه الدوح من أفيائه ... بردا تمزق بالأصائل هلهلا
وكأنما لمع الظلال بمتنه ... قطع الدماء جمدن حين تخللا
وقال في معناه أيضاً:
لله نهر كالحباب ... ترقيشه سامي الحباب
يصف السماء صفاؤه ... فحصاه بذي احتجاب
وكأنما هو رقة ... من خالص الورق المذاب
стр. 942
غازلت في شطيه أبكار المنى عصر الشباب
والظل يبدو فوقه ... كالخال في خد الكعاب
لا بل أدار عليه خو ... ف الشمس منه كالنقاب
مثل المجرة جر فيها ... ذيله جر السحاب
وقال في تمثال نعل النبي ﷺ من قصيدة:
سجام لعمري أدمع وسجال ... لأن عز من نعل الرسول مثال
وهل يملك العينين في مثلها سوى ... خلى عداه عن هداه ضلال
ومنها:
مثال إلى نعل المطهر يعتزى ... فإعزازه للحسنين منال
أقبله شوقا تملكي لمّا ... حكي وشهيدي لو يفوه قبال
وإلى اشتراك مما عقدت به الهوة فلا صح عزمي إنَّ صحا لي بال
مرادي من تمويغ شيبي عليه أنَّ ... تسح من الرحمى على سجال
ومن وضعه بحظى من جوار محمّد ... وهل بعد تنويل الجوار نوال
وله في ذلك المعنى أيضاً ﵀:
لمثال نعل المصطفى أصفي الهوى ... وأرى السلو خطيئة لن تغفرا
وإذا أصافحه وأمسح لائما ... أركانه فمعززا وموقرا
سرى أعتزازي في جهاز تذللي ... لجلاله أثراً بقلبي أثرا
стр. 943
إنَّ شاقني ذاك المثال فطالما ... شاق المحب الطيف يطرق في الكرى
لي أسوة في العاشقين وقصدهم ... لثم الطلول لأهلهن تذكرا
وبكائهم تلك المعاهد ضلة ... تحت الظلام على الغرام توفرا
أفلا أمرغ فيه شيبي راشدا ... وأريق دمعي وسطه مستبصرا
ثقة بإثرائي من الخيرات في ... شغفي بنعلي خير من وطي الثرى
وقال في التشوق إلى الضريح الشريف على الدفين به صلوات الله وسلامه:
وحللت أطيب طينة من طيبة ... جارا لمن أوصي بحفظ الجار
حيث استبان الحق للأبصار ... لمّا استثار حفائظ الأنصار
يا زائرين القبر قبر محمّد ... بشرى لكم بالسبق في الزوار
أوضعتم لنجاتكم فوضعتم ... ما آدكم من فادح من فادح الأوزار
فوزوا بسبقكم وفوهوا بالذي حملتكم شوقا إلى المختار
أودا السلام سلمتم وبرده ... أرجو الإجارة من ورود النار
استطراد لمّا قيل في نعل النبي ﷺ : قلت: وإذ جرى ذكر النعل النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فلا بد أنَّ نورد جملة مما قيل في مثالها على جهة التبرك، والتوصل بصاحبها إلى الله سبحانه، أنَّ يفرج عنا بجاهه كرب الدنيا والآخرة، وأنَّ يجعلنا من الذين حازوا الرتب الفاخرة، وظفروا بالمقام الأسني، وفازوا بالزيادة والحسنى.
стр. 944
فمن ذلك قول الشيخ أبي عبد الله محمّد بن فرج، مخمسا لأبيات الإمام الشهير أبي الربيع بن سالم الكلاعي، ﵀، التي على رويها وقافيتها سلك ابن الآبار، ﵀، في الأبيات المذكورة آنفاً:
خبال عرا ما إنَّ جناه سوى النوى
نوى من نوى من كشف بلوى ما نوى
فيا منكر ما قد عراني في الهوى
خواطر ذي البلوى عوامر بالجوى ... ففي كل يوم يعتريه خبال
سمعت اسمه الأعلى الشريف المشرفا
فحيلتنني يعقوب ذكر يوسفا
ومن شيم الصب المتيم ذي الوفا
متى يدع داعٍ باسم محبوبه هفا ... فيهتاج بلبال ويكسف بال
رعى الله صبا بالهوى نفسه سمت
له آية في الحب بالكتم أحكمت
فما لم ير من آثاره أثراً همت ... له من غروب المقتلين سحال
فيا نفسي الجالي دجاها هلالها
أما أنَّه نور البدور كمالها
ألا فاعذري نفسا تحن فحالها
كحاكي وقد أبصرت نعلا مثالها ... لنعل الرسول الهاشمي مثال
ويا أيها الراني إلى مفندا
وقد كدت لولا نهى حبي لأسجدا
стр. 945
هوى وجدي إنْ يبل دهر تجددا
" عراني ما يعرو المحب إذا بدا ... لعينيه من مغنى الأحبة آل "
ذكرت به عصراً مضى ومعاهدا
فنوديت من نفس نداءً مساعدا
وحدت فعاود لثمه تدع واجدا
" فقبلت في ذاك المثال معاودا ... أرى أنَّ ذلي في هواه جلال "
وشبهته صفحا ونفحا حديقةً
مفتحة الأزهار غنا أنيقة
شقتها غوادٍ قد غدون غديقة
" ومثلته نعل الرسول حقيقة ... وإني لأدري أنَّ ذاك محال "
فيا جاهلا داء المحبين والدوا
غويت ولا تدري فلا كان من غوى
أتنكر لثم المثل في حالة النوى
" ومن سنة العشاق أنْ يبعث الهوى ... مثال ويقتاد الغرام خيال "
تساوت معاني الحب في كل مقصد
فمن مقلة عبرى وجفن مسهد
وبرح وتهيام وشوق مجدد
" فلا فرق إلاّ أنَّ حب محمّد ... هدى والهوى فبمن عداه ضلال "
انتهى.
стр. 946
ولمحمد بن فرج المذكور عفا الله عنه، وتقبل بكرمه ورحمته منه؛ قطع على حروف المعجم، في لزوم؛ وسماها بالقطع المخمسة، في مدح النعال المقدسة.
قال ﵀ حسبما نقلت من خطه: وآثرت التخميس على التعشير، ليكون أسرع لحفظها، وأبرع للفظها؛ وأيضاً فوجود خمس من القوافي في نظم لزومي أو نثر، أهون على الفكر من وجود عشر. هذا وإنْ كان اللسان العربي فصيحاً فسيحاً لا يضيق، ولا يكاد يخرج عنه لسان كل فريق؛ ليس من شرط المطالعة، أنْ يحفظ الغريب من الكلام كل من طالعه؛ والله سبحانه أسأل أنْ يجعلها من القربات التي تنفع، والوسائل التي تشفع، والتمائم التي تذود كل سوء في الدارين وتدفع، وصلى الله على الشفيع المشفع؛ وسلم تسليماً، من آفة الانفصال سليما.
قافية الهمزة
أتمثال نعل كان يلبسها الذي ... إذا عدت الأرسال ليس له كفء
أبو القاسم الأسمى الذي وطى السما ... بأخمصه ليلا فشرفها الوطء
أقبل في طرسٍ حواك كأنني ... عليل وفي تقبيل شكلك لي البرء
أنا المرء بالآثار ممن هويته ... قنعت وقد يخطي إذا قنع المرء
أأحمد لا يهوى الفؤاد سواك ما ... تقدم عود الشيء في الرتبة البدء
قافية الباء
بنفسي مثال النعل محمدٍ ... نبي الهدى المخصوص بالقرب والحب
стр. 947
بدا لي فكان البدر جاي بنوره ... غياهب أشجان تاكمن في قلبي
بكت مقلتي شوقاً للابسها وهل ... بمطمئنةٍ نار الأسى دمعه الصبِ
بعثت به شخصاً من الأنس ميتاً ... فبشرني بالقرب منه على قربِ
بموطئها قد شرف الله تربة ... عليها مشت فالتبر يحسد للتربِ
قافية التاء
تلوت وقد أبصر مثلاً لنعل من ... تميز بالوصف الشريف وبالنعتِ
ترفعت من نعلٍ بأخمص مرسلٍ ... قد انقذ من شر الطواغيت والجبتِ
تقدست الأرض التي قد مشى بها ... عليها فصار الفوق يغبط للتحتِ
تمنيت لو إني ظفرت بتربها ... فمرغت فيه الخد للحين والوقتِ
تمنى صبٍ عاشق دنفٍ جوٍ ... معنى كئيبٍ حفظ ذى الستِ
قافية الثاء
ثمار الأماني قد جنى الطرف إذا رأى ... مثال نعال المصطفى من أولى البعثِ
ثراها ومن أعلاه طاب نسيمه ... وما أنا في هذي اليمين بذي حنثِ
ثريا السما ودت لتنقل بالثرى ... إليك فلم تنقل فهاهن في بثِ
ثويت به يا طيب فهو كمسكةٍ يفرق ... شذاها المسك في الطيب والمكثِ
ثوابي يا من شرفت بلباسه ... على مدحها تأمين خوفي في البعثِ
قافية الجيم
جللت أيا نعلاً بأخمص سيدٍ ... إلى حضرة لاقدس العلية عاجِ
стр. 948
جبلت على حبٍ له فمتى بدا ... من آثاره شيء تنور لواعجي
جنى الأنف منهت زهر روض إذا انبرى ... نسيم شذاه بذلك عرف النوافجِ
جبرت به صدعاً جناه الهوى وما ... شفيت بغنج الخود ذات الدمالجِ
جزى الله عني القلب خيراً فانه ... تعلق بالهادي لأهدى المناهجِ
قافية الحاء
حظيت أيا نعلاً بأخمص مرسلٍ ... قد انزل رب العرش فيه ألم نشرحْ
حللت بساط القدس حين عروجه ... ليوضح في المسرى له الله ما أوضحْ
حلفت: لأرض قد وطئت ترابها ... لكالمسك مفضوضاً أما أنَّه أفوحْ
حللت نطاق الكتم لمّا رايتها ... فصرح من حبي اللسان بما صرحْ
حبيبي الرسول المصطفى ومن اجله ... مدحت لنعليه وحق بأن أمدحْ
قافية الخاء
خذيها أيا نفسي المشوقة كلما ... سرى نفس ممن هواي به بذخْ
خميلة شِعرٍ أودعت مدح نعل من ... بشرعته كل الشرائع قد نسخْ
خضبت نصال الشيب لمّا رأيتها ... بدمع محب عقد كتمانه فسخْ
خطاها أفاد الأرض زهوا فأنفها ... على قمم الشهب المنيفة قد شمخْ
خصصت أيا نعلاً بأجلى مزية ... تبين لمن في العلم أخمصه رسخْ
قافية الدال
دع الطرف يسرح في رياضٍ تزينت ... بمدح نعاليْ المصطفى الرسول أحمدا
دعي فمشى فوق السماء فلم يطأ ... بها موضعاٍ إلاّ وأصبح مسجدا
стр. 949
دنا فتدلى قاب قوسين إذ دنا ... فأوحى الذي أوحى إليه من الهدى
دنوَّ حبيب من حبيبٍ لأجله ... لآدم أملاك السموات أسجدا
درى فضله من في السماء فكلهم ... يرون وجيه المرسلين محمدا
قافية الذال
ذر الأنف يستنشق خمائل روضةٍ ... تبذُّ نسيم المسك أنفاسها بذا
ذكرت به نعلاً لأكرم مرسلٍ ... براه الذي أعلاه في رسله فذا
ذرور ثراها المسك فاق فإن تسل ... عن أذكى من المسك الفتيق شذاً فذا
ذكاء تمنت أنْ تكون سحاءةً ... تعي مدحها أو جلدة مثلها تحذى
ذوو حبه التذوا برؤيتها كما ... بثوب ابن يعقوب أبوه قد التذا
قافية الراء
رأيت مثال النعل الذي به ... إلى حضرة القدس العلية قد أسري
رعى الله منها نعل أي كريمة ... برجلٍ علت فخراً على قمة النسرِ
روى أنه نوى وقد رام خلعها ... وماء الحيا في وجنتيه معاً يجري
رسولي لا تخلع تشرف بوطئها ... بساطي يا معنى وجودي يا سري
رفعت لواء المكرمات جميعها ... بيمنى العلا والناس في قبضة الذر
قافية الزاي وهي متجانسة
زفير اشتياقي إذ بدا معتقي ... مخاطبتي كتمي وعزمي قد عزا
стр. 950
زكت شفة قد قبلت نعل سيدٍ ... به عالم الإنسان أجمعه عزا
زعيم به هنا السرور لنا وفي ... مصائبنا العظمى المصاب به عزى
زهو سناه ظلمة الشرك قد جلا ... ولولاه كنا نعبد اللات والعزى
زماني لا أنفك لاثمها أرى ... هوان هونا يا أخلاءنا عزا
قافية الطاء
طوت بعض ما من وحشةٍ نشر النوى ... نعال خطاها في المكارم لا تخطا
طفقت أنادي حين لاحت لناظري ... وزند الهوى بالسقط قد وصل السقطا
طب انعم تنزه يا فؤادي فهذه ... نعال الذي جاوزت في حبه الفرطا
طبعنا على حبٍ له فمتى يلح ... لنا أثر ننثر من ادمعنا سمطا
طلعنا نجوماً في هواه فأفقنا ... قد اخلد عنه النجم للارض وانحطا
قافية الظاء
ظللت أنادي إذ رأيت نعال من قد أنقذني والحمد لله لظى
ظهرت لنا في شكل بدرٍ فلم نكن ... لبدر الدجى من بعد ذاك لنلحظا
ظمئنا فكنت الماء مقلوب همزةٍ ... نقعت وميم جيء في إثرها بظا
ظهيري رسول الله أنت لحظتني ... بهذي وفي الأخرى ترى لمن الحظا
ظلالكم من كل سوء حفظنني ... وما كنت لولا الفضل منكم لأحفظا
قافية الكاف
كرمت أيا نعلا لأكرم مرسلٍ ... به وهو وسطى السلك قد ختم السلكُ
كأنك في عيني نافحة خلت ... وأبقى بها للأنف من نفحه المسكُ
следующие страницы →