← Тараджим

Тараджим · id 26350

أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض

المقري التلمساني

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

للواتة، مخففة الواو، مفتوحتها، ومفتوحة اللام أيضاً، وتاء مثناة من فوق، قبيلة. الفاسي، نسبة لفاس الحضرة المشهورة، حاط الله أرجاءها، وبلغها من الأمن والعافية رجاءها. مات في الثامن من جمادي الآخرة، سنة ثلاث عشرة وخمس مائة. ومنهم: أحمد بن سعيد بن بشتغير، وأحمد بن محمّد بن مكحول، إلى غيرهم من جملة سبعة عشر رجلاً في هذا الحرف، أعني حرف الهمزة. ومنهم في حرف الحاء: الحسين بن محمّد الصدفي، والحسين بن محمّد الغساني، وقد تقدم الكلام عليهما، والحسين بن عبد الأعلى السفاقسي، والحسين بن عليّ بن طريف. ومنهم في حرف الخاء: خلف بن إبراهيم أبو القاسم الخطيب المقري. وهو خلف بن إبراهيم بن خلف بن سعيد المعروف بابن النخاس، بخاء معجمة، وبابن الحصار. ولد سنة سبع وعشرين وأربع مائة، وتوفي بقرطبة يوم الثلاثاء، سادس عشر صفر سنة إحدى عشرة وخمس مائة. وخلف بن خلف الأنصاري بن الأنقر. وخلف ابن يوسف بن فرتون. ومنهم في حرف الميم: القاضي أبو الوليد بن رشد، والقاضي عبد الله بن حمدين، والقاضي أبو عبد الله بن الحاج، والقاضي ابن العربي، والقاضي ابن شبرين، وقد تقدم ذكرهم.

стр. 877

وأبو عبد الله التميمي، وهو محمّد بن عيسى بن حسين، ولد سنة تسع وعشرين وأربع مائة، ومات بسبتة صبيحة يوم السبت لتسع بقين من جمادى الأولى سنة خمس وخمس مائة. وأبو عامر محمّد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن إسماعيل الطليطلي، بظم الطاءين. ولد سنة ست وخمسين وأربع مائة ومات بقرطبة، في ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة. وأبو عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد بمثناة من فوق مفتوحة، الشاطبي الرعيني، منسوب لذي رعين من حمير. ولد سنة أربع وأربعين وأربع مائة ومات في ربيع الآخر سنة سبع عشرة وخمس مائة. ومن شعره ﵀ ورضى عنه: الليالي تسوء ثم تسر ... وصروف الزمان ما تستقرُ بينما المرء في حلاوة عيشٍ ... إذ أتاه على الحلاوة مرُ فالكريم المصاب يفزع فيه ... لكريم وينفع الحر حرُ وأبو عبد الله محمّد بن عبد الرحمن بن سعيد الأشقري المقري النحوي، مات سنة خمس وخمس مائة. ومحمّد بن عليّ الشاطي ابن الصيقل، ومحمّد بن سليمان النفزي بن أخت غانم، ومحمّد بن عيسى التجيبي القاضي، إلى غيرهم من جملة أحد وثلاثين شيخاً في هذا الحرف، منهم المازري والطرطوشي، لكن بالإجازة له، إذ لم يلقهما كما سيأتي قريباً.

стр. 878

ومنهم في حرف العين: أبو محمّد عبد الله بن السيد البطليوسي، وقد تقدم ذكره. وأبو محمّد بن عتاب الجذامي، الإمام الشهير، فقيه قرطبة وإمامها، وشيخ زمانه في العلم الموروث كابر عن كابر، توفي سنة ثمان وخمس مائة. وأبو محمّد عبد الله بن أبي جعفر، وهو عبد الله بن محمّد بن عبد الله الخشني. وعبد الرحمن بن محمّد السبتي ابن العجوز، وعبد الله بن محمّد بن أيوب الفهري. وعبد الرحمن بن محمّد بن بقي. وعليّ بن أحمد الأنصاري بن الباذش. وأبو الحسن عليّ بن مشرف " اسم مفعول شرف بالتشديد " وهو ابن مسلم " مفعول، سلم مشدد " ابن أحمد بن عبد المنعم بن عبد الرحمن الأنماطي " بفتح الهمزة "، الإسكندراني. وأبو محمّد عبد الله بن أحمد العدل " بالفتح وسكون الدال " التميمي ومات بسبتة عام أحد وخمس مائة. وعلى بن عبد الرحمن التجيبي بن الأخضر؛ إلى غيرهم من جملة سبعة وعشرين في هذا الحرف. ومنهم في حرف الغين: غالب بن عطية المحاربي، وقد تقدم. ومنهم في حرف السين: سراج بن عبد الملك بن سراج أبو الحسن. وأبو بحر سيفان بن العاصي الأسدي، مات بقرطبة لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة عشرين وخمس مائة، وولد سنة تسع وثلاثين، وقيل لربعين وأربع مائة، وفي سنة وفاته المذكورة توفي القاضي أبو بكر الطرطوشي ﵀، وفيها أيضاً توفي الإمام المؤرخ الشيخ الراوية، أبو مروان حيان بن حيان ﵀. وشيوخ القاضي أبي الفضل في هذا الرف خمسة.

стр. 879

ومنهم في حرف الشين: شريح بن محمّد الرعيني الإشبيلي. ومنهم في حرف الهاء: أبو الوليد هشام بن أحمد بن العواد، الفقيه المشهور، ولد سنة اثنتين وخمسين وأربع مائة، وتوفي سنة تسع وخمس مائة. وهشام بن أحمد الهلالي الغرناطي، وقد تقدم ذكره. ومنهم في حرف الياء: يونس بن محمّد بن مغيث بن الصفار. ويوسف بن موسى الكلبي، سمع القاضي أبو الفضل منه أرجوزته. وهو الضرير الأديب النحوي المتكلم الزاهد. وأصله من سرقسطة، وسمن مراكش، وبها توفي سنة عشرين وخمس مائة. وهو من تلاميذ أبي بكر محمّد ابن الحسن المرادي الحضرمي. والمرادي هذا أوّل من أدخل علوم الاعتقاد إلى المغرب القصى، وسكن بأغمات؛ فلما توجه أبو بكر بن عمر إلى الصحراء حمله وولاه القضاء، فمات بأركر من صحراء المغرب سنة تسع وثمانين وأربع مائة؛ فخلفه أبو الحجاج يوسف في علوم الإعتقادات، وغلب عليه الزهد؛ وله أرجوزة صغرى في علم الاعتقاد، قرأها عليه القاضي أبو الفضل عياض، كما ذكرناه. قال عياض: وأجاز جميع تآليفه ورواياته وكتاب التحرير لشيخه المرادي أخذ أبي الحجاج، قال عياض ﵀ المرادي رحمه الله تعالى:

стр. 880

علمي بقبح المعاصي حين اركبها ... يقضي بأني محمول على القدر لو كنت أملك نفسي أو أصرفها ... ما كنت أطرحها في لجة العذر كلفت فعلا ولم أقدر عليه ولم ... أكن لأفعل أفعالا بلا قدر وكان في عدل ربي أنْ يعذبني ... فلم أشاركه في نفع ولا ضرر إن شاء نعمني وإنْ شاء عذبني ... أو شاء صورني في أقبح الصور يا رب عفوك عن ذنب قضيت به ... عدلا على فهب لي صفح مقتدر ومن شيوخ القاضي عياض رحمه الله تعالى في حرف الياء: يوسف بن عبد العزيز بن عديس الطليطلي رحم الله جميعهم. وممن أجاز القاضي أبا عياض ولم يلقه: الشيخ الأستاذ أبو بكر محمّد بن الوليد الطرطوشي الطائر الصيت الشهير الذكر وقد تقدم ذكر وفاته. وهو محمّد بن الوليد بن محمّد بن خلف بن سليمان بن أيوب القرشي الفهري الطرطوشي بضم الطاءين المهملتين وقد تفتح الطاء الأولى أصله من طرطوشة بلاد الأندلس ويعرف بابن أبي رندقة براء مهملة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم دال مهملة مفتوحة ثم قاف كنيته أبو بكر وهو المعنى بقول ابن الحاجب في مختصره الفقهي في باب العتق: " وقال الأستاذ: ومقتضاه إذا باعه قبل التقويم أنْ يقوم ". صحب القاضي أبا الوليد الباجي بسر قسطة وأخذ عنه مسائل الخلاف وسمع منه وأجازه وقرأ الفرائض والحساب بوطنة قرأ الأدب على أبي محمّد ابن حزم بمدينة إشبيلية.

стр. 881

ثم رحل إلى المشرق سنة ست وسبعين وأربع مائة وحج ودخل بغداد والبصرة فتفقه عند أبي بكر الشاشي وأبي أحمد الجرجاني وسمع في البصرة من أبي عليّ التستري وسكن الشام مدة ودرس بها وكان إماما عالما عاملا زاهدا متواضعا دينا ورعا متقشفا متقللا من الدنيا راضيا منها بالسير. ومن كلامه ﵁: إذا عرض لك أمران: أمر دنيا وأمر أخرى فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى. وله عدة تآليف منها مختصر تفسير الثعالبي والكتاب الكبير في مسائل الخلاف وكتاب في تحريم جبن الروم وكتاب سراج الملوك وهو من أنفع الكتب في بابه وأشهرها وكتاب بدع الأمور ومحدثاتها وكتاب شرح رسالة ابن أبي زيد. ولد سنة إحدى وخمسين وأربع مائة تقريبا وتوفي في ثلث الليل الأخير من ليلة السبت لأربع بقين من جماد الأولى وقال ابن بشكوال في الصلة: في شعبان سنة عشرين وخمس مائة كما تقدم بثغر الإسكندرية وصلى عليه ولده محمّد ودفن قبلي الباب الأخضر. ﵀ ورضي عنه. وقال ابن خلكان في حقه ما نصه: محمّد بن الوليد بن محمّد بن خلف ابن سليمان بن أيوب القريشي الفهري الأندلسي الطرطوشي المالكي المعروف بابن أبي رندقة بالراء المهملة المفتوحة وتسكين النون

стр. 882

إمام ورع وأديب متقلل. وكان يقول: إذا عرض لك أمران: أمر أخرى وأمر دنيا فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى. وله طريقة في الخلاف وله أشعار منها: إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بأنجازها مغرم فأرسل بأبلة خلابة ... به صمم أغطش أبكم ودع عنك كل رسول سلوى ... رسول يقال له الدرهم قال الطرطوشي: كنت ليلة نائما في البيت المقدس إذ سمعت في الليل صوتا حزينا ينشد: أخوف ونوم ذا لعجيب ... ثكلتك من قلب فأنت كذوب أما وجلال الله لو كنت صادقا ... لمّا كان للإغماض فيك نصيب قال: فأيقظ النوم وأبكى العيون. وكان الطرطوشي ينشد: إنَّ لله عبادا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا فكروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحي وطنا جعلوا لجة وأتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا ودخل الطرطوشي على الأفضل بن أمير الجيوش فوعظه وقال: إنَّ الأمر الذي أصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك وهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك فاتق الله فيما خولك من هذه الأمة فإنَّ

стр. 883

الله سائلك عن النقير والقطمير والفتيل وأعلم أنَّ الله آتي سليمان بن داود ملك الدنيا بحذافيرها فسخر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحش والبهائم وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ورفع عنه حساب ذلك أجمع فقال عز من قائل:) هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (فما عد ذلك نعمة كما عدد تموها ولا حسبها كرامة كما حسبتموها بل خاف أنْ يكون استدراجا من الله فقال:) هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر (فافتح الباب وسهل الحجاب وانصر المظلوم وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني فأنشده: يا ذا الذي طاعته قربة ... وحقه مفترض واجب إنَّ الذي شرفت من أجله ... يزعم هذا أنه كاذب وأشار إلى ذلك النصراني فأقام الأفضل من موضعه. وتوفي الطرطوشي سنة عشرين وخمس مائة بالإسكندرية. انتهى كلام ابن خلكان. وذكرته برمته وإنْ كان بعضه قد تقدم تكميلا للغرض وقد يقع لي مثل هذا في هذا الموضع كثيرا والقصد به التقوية لمّا تكرر معه أو غير ذلك كارتباط الكلام بعضه ببعض وعلى الله قصد السبيل. وممن أجاز القاضي عياض ولم يلقه: الشيخ الإمام المجتهد أبو عبد الله المازري محمّد بن عليّ بن عمر بم محمّد التميمي المازري بفتح الزاي عند الأكثر وجوز كسرها جماعة نسبة إلى مازر بليدة بجزيرة صقلية أعادها ا. أخذ عن الشيخين أبي الحسن

стр. 884

اللخمي وأبي محمّد بن عبد الحميد القروي المعروف بالصائغ وكان إماما محدثا وهو أحد الأئمة الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه عمدة النظار وتحفة الأمصار المشهور في الآفاق والأقطار حتى عد في المذهب إماما وملك من مسائله زماما. وله تآليف مفيدة عظيمة النفع منها كتاب المعلم بفوائد مسلم وكتاب التعليقة على المدونة وكتاب شرح التلقين وكتاب الرد على الإحياء للغزالي المسمى بكتاب الكشف والإنباء عن المترجم بالإحياء وكشف الغطا عن لمس الخطا وكتاب إيضاح المحصول من برهان الأصول وتعليقة على أحاديث الجوزقي وله أيضاً إملاء على شيء من رسائل إخوان الصفا سأله السلطان تميم عنه وكتاب النكت القطعية في الرد على الحشوية والذين بقدم الأصوات والحروف وفتاوى. توفي ثامن عشر ربيع الأول سنة ست وثلاثين وخمس مائة وقيل يوم الاثنين ثامن الشهر المذكور بالمهدية وعمره ثلاث وثمانون سنة ﵀ ورضي عنه. وحكى أنَّ بعض طلبة الأندلس ورد على المهدية وكان يحضر مجلس المازري ودخل شعاع الشمس من كوة فوقع على رجل الشيخ المازري فقال الشيخ: هذا شعاع منعكس فذيل الطالب المذكور حين رآه متزنا فقال: هذا شعاع منعكس ... لعلة لا تلتبس لمّا رآك عنصرا ... من كل علم ينبجس أتى يمد ساعدا ... من نور علم يقتبس وأظن أني رأيت هذه الحكاية في نظم الدر والعيقان للشيخ الحافظ

стр. 885

أبي عبد الله التلمساني فلتراجع ثم لأني نقلتها بالمعنى. وممن أجاز القاضي عياض ولم يلقه: الشيخ الحافظ إمام المحدثين أبو الطاهر السلفي أحمد بن محمّد بن أحمد بن محمّد بن إبراهيم سلفة الأصبهاني الملقب صدر الدين. قال ابن خلكان: هو أحمد الحفاظ المكثرين. رحل في طلب الحديث ولقي أعيان المشايخ وكان شافعي المذهب. ورد بغداد واشتغل بها على الكيا أبي الحسن على الهراسي في الفقه وعلى الخطيب أبي زكريا يحيى بن عليّ التبريزي اللغوي باللغة وروى عن أبي محمّد جعفر بن السراج وغيره من الأئمة الأماثل وجاب البلاد وطاف الآفاق ودخل الإسكندرية سنة إحدى عشرة وخمس مائة في ذي القعدة وكان قدومه إليها في البحر من مدينة صور وأقام بها وقصده الناس من الأماكن البعيدة وسمعوا عليه وانتفعوا به ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله. وبني له العادل أبو الحسن عليّ بن السلار وزير الظافر العبيدي صاحب مصر في سنة ست وأربعين وخمس مائة مدرسة بالثغر المذكور وفوضها إليه وهي معروفة به الآن. وأدركت جماعة من أصحابه بالشام والديار المصرية وسمعت عليهم وأجازوني وكان قد كتب الكثير ونفلت من خطة فوائد جمة ومن جملة ما نقلت من خطة لأبي عبد الله محمّد بن عبد الجبار الأندلسي في قصيدة:

стр. 886

لولا اشتغالي بالأمير ومدحه ... لأطلت في ذاك الغزال تغزلي لكن أوصاف الجلال عذبن لي ... فتركت أوصاف الجمال بمعزل ونقلت من خطه أيضاً لبثينة صاحبة جميل ترثيه: وإنَّ سلوى عن جميل لساعة ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها وكان كثيرا ما ينشد: قالوا نفوس الدار ساكنها ... وأنتم عندي نفوس النفوس وأماليه وتعاليقه كثيرة والاختصار بالمختصر أولى. وكانت ولادته اثنتين وسبعين وأربع مائة تقريبا بأصبهان وتوفي ضحوة نهار الجمعة وقيل ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمس مائة بثغر الإسكندرية. ودفن في وعلة وهي مقبرة داخل السور عند الباب الأخضر فيها جماعة من الصالحين كالطرطوشي وغيره وهي بفتح الواو وسكون العين المهملة وبعدها لام ثم هاء. ويقال إنَّ هذه المقبرة منسوبة إلى عبد الرحمن بن وعلة السبئي المصري صاحب ابن عباس ﵄. وقيل غير ذلك رحمه الله تعالى آمين. قلت: وجدت العلماء المحدثين بالديار المصرية من جملتهم الحافظ زكي الدين أبو محمّد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المحدث محدث مصر في زمانه يقولون في مولد الحافظ السفي هذه المقالة. ثم وجدت في كتاب: زهر الرياض المفصح عن المقاصد والأغراض تأليف الشيخ جمال الدين أبي القاسم عبد الرحمن ابن أبي الفضل عبد المجيد بن إسماعيل بن جفص الصفراوي الإسكندري وأنَّ

стр. 887

الحافظ السلفي المذكور وهو شيخه كان يقول: مولدي بالتخمين لا باليقين سنة ثمان وسبعين فيكون مبلغ عمره على مقتضى ذلك ثمانيا وتسعين سنة. هذا آخر كلام الصفراوي المذكور. ورأيت في تاريخ الحافظ محب الدين محمّد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي ما يدل على صحة ما قاله الصفراوي فإنه قال: قال عبد الغني المقدسي: سألت الحافظ السلفي عن مولده فقال: أنا أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين وأربع مائة وكان لي من العمر حدود عشر سنين. قلت: ولو كان مولده على ما يقوله أهل مصر إنَّه في سنة اثنتين وسبعين ما كان يقول أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين وأربع مائة فإنه على ما يقولونه قد كان عمره ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة ولم تجر العادة أنْ من يكون في هذا السنة يقول: أنا أذكر القضية الفلانية وإنما يقول ذلك من يكون عمره تقديرا أربع أو خمس أو ست سنين. فقد ظهر بهذا أنَّ قول الفراوي تلميذه أقرب إلى الصحة وقد سمع منه أنَّه قال: مولدي في سنة ثمان وسبعين وليس الصفراوي ممن يشك في قوله ولا يرتاب في صحته مع أننا ما علمنا أنَّ أحدا منذ ثلاث مائة سنة إلى الآن بلغ المائة فضلا عن أنَّه زاد عليها سوى القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري فإنه عاش مائة سنة وسنتين وكما سيأتي في ترجمته. ونسبة السلفي إلى جدة إبراهيم سلفة بكسر السين المهملة وفتح اللام والفاء وفي آخره الهاء وهو لفظ عجمي ومعناه بالعربي ثلاث شفاه لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة فصارت مثل شفتين غير الأخرى الأصلية

стр. 888

والأصل فيه سلبة بالباء فأبدلت بالفاء. انتهى كلام ابن خلكان. قلت: ولا يخلو ما ذكره من بحث لأن السلفي قال: أنا أذكر قتل نظام الملك وأنا في حدود العشر سنين وبحث ابن خلكان يقتضي أنَّه ابن ست سنين ونحوها بل قد يقال: إنَّ قول السلفي وكان في حدود عشر سنين لا ينافي قول الآخرين لمّا جرت العادة به من العلماء من إلغاء الكسر الزائد. سلمنا عدم ذلك فلا ذليل فيه لواحد منهما فتأمله منصفا والله سبحانه أعلم. وكأن ابن قنفذ اعتمد في وفاته على قول المصريين في مولد أبي الطاهر السلفي فلذا قال ما نصه: " وتوفي القاضي بغرناطة أبو عبد الله بن محمّد بن القاضي عياض سنة خمس وسبعين وخمس مائة وعرف في تاريخه بأبيه وفي التي تليها توفي الشيخ أبو الطاهر السلفي وعمره مائة وأربع سنين وكان أجاز لكل أدركه حياته. وسلفة بكسر السين المهملة: قرية في المشرق ". انتهى. وما قاله في سلفة مخالف لمّا سبق قريبا لابن خلكان ولعل قول ابن خلكان هو الصواب والله تعالى اعلم. ومن المشهور نظم السلفي ﵀ قوله: ليس على الأرض في زماني ... من شأن في الحديث شاني علما ونقدا ولا علوا ... فيه على رغم كل شاني ومن ذلك قوله ﵀: بالله يا معشر أصحابي ... اغتنموا علمي وآدابي

стр. 889

إنَّ نذير الموت جاء وقد ... حلف لا يرحل إلاّ بي ومن نظمه ﵀ ما أجاب به القاضي عياضا حين استجازه بقصيدة على روى القاف أولها: أبا طاهر خذها على البعد والنوى ... تحية مشتاق لذكراك شيق فأجابه أبو الطاهر بقوله: أتاني نظم الألمعي الموفق ... يميس اختيالا بين غرب ومشرق وسيأتيان معال عند تعرضنا لذكر نظم عياض رحم الله الجميع. أقول: ولم يزل الفضلاء من الأئمة والنبهاء من أعلام هذه الأمة يستجيزون الأشياخ الأخيار عند تعذر اللقاء وبعد الديار ولو تتبعنا ذكر من قعل ذلك لضاق عنه هذا الموضوع ولمّا احتمله هذا المجموع. وقد استجاز الإمام الشهير الأديب الكبير الشيخ العلامة أبو الحسن حازم صاحب المقصورة وجيه الدين منصور فكتب إليه الوجيه ﵀ بقوله: إني أجزت لحازم بن محمّد ... صدر الأفاضل والإمام السيد مجموع ما رويته فرويته ... عن ألف شيخ من رواة المسند في مصرها مع شامها وعراقها ... وحجازها من متهم أو منجد وجميع ما صنفته وجمعته ... في علم فقه الشافعي محمّد فليروا عني ما رويت رواية ... مشروطة بتوثيق وتشدد وليبق في روض العلوم منعما ... بسعادة وسيادة وتأيد وإذا جرى ذكر حازم فلا بد أنْ نورد بعض التعريف به فنقول:

стр. 890

قال السيوطي في الطبقات: حازم بن محمّد بن حسن بن محمّد بن خلف بن حازم الأنصاري القرطاجي النحوي أبو الحسن شيخ البلاغة والأدب. قال أبو حيان: كان أوحد زمانه في النظم والنثر والنحو واللغة والعروض وعلم البيان. روى عن جماعة يقاربون الألف وروى عنه أبو حيان وابن رشد وذكره في رحلته فقال: حبر البلغاء وبحر الأدباء ذو اختيارات فائقة واختراقات رائقة لا نعلم أحد ممن لقيناه جمع من علم اللسان ما جمع ولا أحكم من معاقد علم البيان ما أحكم من منقول ومبتدع وأما البلاغة فهو بحرها العذب والمتفرد بحمل راياتها أميرا في الشرق والغرب وأما حفظ لغات العرب وأشعارها وأخبارها فهو حماد روايتها أوقارها يجمع إلى ذلك جودة التصنيف وبراعة الخط ويضرب بسهم في العقليات والدراية أغلب عليه من الرواية. صنف سراج البلغاء في البلاغة وكتاب في القوافي وقصيدة في النحو على روى الميم ذكر منها ابن هشام في المغني أبياتا في المسألة الزنبورية وقد ذكرناها في الطبقات الكبرى مع أبيات أخر. مولده سنة ثمان وست مائة ومات ليلة السبت الرابع والعشرين من رمضان سنة أربع وثمانين وست مائة. ومن شعره: من قال حسبي من الورى بشر ... فحسبي الله حسبي الله كم آية للإله شاهدة ... بأنه لا إله إلاّ هو انتهى كلام السيوطي.

стр. 891

ولنرد نحن ما أمكننا، حيث لم يوف السيوطي بحقه في الطبقات الصغرى، لأنها مبنية على الاختصار، وليس نقف على الطبقات الكبرى التي أحال عليها؛ فنقول: قال بعض المؤرخين: هو حازم بن محمّد بن الحسن بن حازم الأنصاري، فجعل والد الحسن حازماً، وجعله السيوطي محمداً، فلا ندري هل هذا من النسبة إلى الجد، فيرجع مع ما عند السيوطي إلى وفاق، أو هما مختلفان؟ القرطاجني: منسوب إلى قرطاجنة من سواحل كورة تدمير، من شرقي الأندلس. وهو خاتمة شعراء الأندلس الفحول، مع تقدمه في معرفة لسان العرب وأخبارها، ونزل إفريقية بعد خروجه من بلده فطار بها صيت، وعمر إلى أنْ مات بتونس، حضره ملوكها، ليلة الرابع والعشرين من رمضان، من سنة أربع وثمانين وست مائة. وفي بعض المجاميع الأدبية من تأليف ابن المرابط نزل تونس، أنَّه كان في حضرة مراكش أيام الرشيد، انتهى. قلت: وله في الرشيد أمداح كثيرة، أنشدها في الإشادة، ومدح الأمير أبا زكريا صاحب إفريقية، وولده أبا عبد الله المتنصر، وله ألف المقصورة المشهورة، وقصر محاسنها على مدحه، ومدح أخاه أبا يحيى. ومطلعها: لله ما قد هجت يا يوم النوى ... على فؤادي من تباريح الجوى قلت: قد كنت ضمنت مطلعها باكتفاء وتورية فقات: لم أنس يمواً للنوى عيوبه ... في نهر فارس شجن هاج الجوى

стр. 892

فقلت إذ ذكرني معاهاً ... " لله ما قد هجت يا يوم النوى " ومقصورته تدل على اطلاعه، وصدرها بخطبة بليغة جداً، وتولى شرح هذه المقصورة الشيخ أبو القاسم الشريف الحسني القاضي كان بغرناطة، وسمي شرحه هذا رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة، وملأه بكل غريبة، وقد طالعته غير مرة. وقد ألف الإمام المكودى شارح الألفية، مقصورة بديعة نبوية؛ وعاب على ابن دريد وحازم جعلهما مقصورتيهما مدحاً في بني الدنيا، فكان من جملة أبياتها: فحازم قد عد غير حازمٍ ... وابن دريد لم يفده ما درى وقد تولى شرح مقصورة المكودي بعض أصحابه وهو الكاتب الأديب أبو عبد الله المكلاني أعانه الله تعالى. ومن بديع نظمه ﵀ قصيدة جيمية، غريبة المنزع، لها صيت عظيم عند الحذاق من أهل الأدب، والنجارين من الفضلاء، عارض بها في المعنى رائية ابن عمار الوزير؛ للمعتمد بن عباد. وفضل غير واحد هذه الجيمية الحازمية، على تلك الرائة العمارية: أدر المدامة فالنسيم مؤرج ... والروض مرقوم البرود مدبجُ والأرض قد لبست برود جمالها ... فكأنما هي كاعب تتبرجُ والنهر مما ارتاح معطفه الللى ... لقيا النسيم عبابه متموجُ يمسي الأصيل بعسجدي شعاعه ... ابداً يوشي صفحه ويدبجُ وتروم أيدي الريح تسلب ما اكتسى ... فتزيده حسناً بما هي تنسجُ

стр. 893

فارتح لشرب كؤس راح نورها ... بل نارها في مائها تتوهجُ واسكر بنشوة لحظ من أحببته ... أو كأس خمر من لماه تمزجُ وايمع إلى نغمات عود تطبى ... قلب الخلي إلى الهوى وتهيجُ بم وزير يسعدان مثانياً ... ومثالثاً طبقاتها تتدرجُ من لم يهيج قلبه هذا فما ... للقلب منه محرك ومهيجُ فأجب فقد نادى بألس حاله ... للأنس دهر للهموم مفرجُ طربت جمادات وأفصح أعجم ... فرحاً وأصبح من سرور يهزجُ أفيفضل الحي الجماد مسرة ... والحي للسراء منه أحوجُ ما العيش إلاّ نعمت به وما ... عاطاك فيه الكأس ظبي أدعجُ ممن يروقك منه ردف مردف ... عبل وخصر ذو اختصار مدمجُ فإذا نظرت لطرة ولغرة ... ولصفحة منه بدت تتأججُ أبقيت أنْ ثلاثهن وما غدا ... من تحتها ينآد أو يتموجُ ليل على صبح على بدر على ... غضن تحمله مثيب رجرجُ كأس ومحبوب يظل بلحظه ... قلب الخلي إلى الهوى يستدرجُ يا صاح ما قلبي بصاح عن هوى ... شيئين بينهما المنى تستنتجُ وبمهجتي الظبي الذي في أضلعي ... قد حل وهو يشبها ويؤججُ ناديت حادي عيسه يوم النوى ... والعيس تحدي والمطايا تحدجُ قف أيها لاحادي أودع مهجة ... قد حازها دون الجوانح هودجُ لمّا تواقفنا وفي أحداجها ... قمر منير بالهلال متوجُ ناديتهم قولوا لبدركم الذي ... بضيائه تسري الركاب وتدلجُ يحيا العليل بلفظةٍ أو لحظةٍ ... تطفي غليلاً في الحشا يتأججُ

стр. 894

قالوا نخاف يزيد قلبك لاعجاً ... فأجبتهم خلوا اللواعج تلعجُ وبكيت واستبكيت حتى ظل من ... عبراتنا بحر ببحر يمزجُ وبقيت أفتح بعدهم باب المنى ... ما بيننا طورا وطورا يرتجُ وأقول يا نفس اصبري فعسى النوى ... بصباح قرب ليلها يتبلجُ فترقب السراء من دهر شجا ... والدهر من ضد لضد يخرجُ وترج فرجة كل هم طارقٍ ... فلكل هم في الزمان تفرجُ وتذكرت بهذه الجيمية قصيدة ابن قلاقس الإسكندري رحمه الله تعالى: عرضت لمعترض الصباح الأبلج ... حوراء في طرف الظلام الأدلجِ فتمزقت شية الدجا عن غرتي ... شمسين في أفق وكلة هودجِ ووراء أستار الحمول لواحظ ... غزلان معتدل الوشيج الأعوجِ من كل مبتسم السنان إذا جرى ... دمع النجيع من الكمى الأهوجِ ولقد صحبت الليل قلص برده ... لعباب بحر صاحبه المتموجِ وكأن منتثر النجوم الآلي ... نظمت على صرح من الفيروزجِ وسهرت أرقب من سهيل خافقاً ... متفرداً وكأنه قلب الشجي واستعبرت مقل السحاب فأضحكت ... منها ثعور مفوف ومدبجِ وابن قلاقس هذا له في النظم البارع المديد؛ ومن محاسنه قوله رحمه الله تعالى: سددها من القلوب رمحا ... وانتضوها من الجفون صفاحا

стр. 895

يا لها حالة من السلم حالت ... فاستحالت ولا كفاح كفاحا صح إذ أذرت العيون دماءً ... انهم أثحنوا القلوب جراحا يا فؤادي وقد أخذت أسيراً ... أتفطرت أم وضعت سلاحا قل لأعتادك التي أقسموها ... ضربوا فيك بالعيون قداحا عجبا للجفون وهي مراض ... كيف تستأسر القلوب الصحاحا آه من موقف يود به المغرم ... لو مات قبله فاستراحا حيث يخشى أنَّ ينظم اللثم عقداً ... فيه أو يعقد العناق وشاحا رجع إلى قول حازم رحمه الله تعالى: فمن قوله من قصيدة: فتق النسيم لطائم الظلماء ... عن مسكةٍ قطرت مع الأنداء وغدا الصباح يفض خاتم عنبر ... بالشرق عن كافورةٍ بيضاء والكوكب الدري يزهو سابحا ... في مائه كالدرة الزهراء وكأنما ابن ذكاء مجمراً ... منه يفيد الريح طيب ذكاء وقال سامحه الله من قصيدة في المستنصر: أمن بارق أورى بجنح الدجى سقطا ... تذكرت من حل الأبارق فالسقطا وبان ولكن لم يبن عنك ذكره ... وشط ولكن طيفه عنك ما شطا حبيب لو أنَّ البدر جاراه في مدى ... من الحسن لأستدني من البدر واستبطا سقى الله عيشا قد سقانا من الهوى ... كئوسا بمعسول اللمى خلطت خلطا

стр. 896

وله مطلع قصيدة: سلطان حسن عليه للصبا علم ... إذا رأته جيوش الصبر تنهزم وقال ﵀ يصف وردة بيضاء: ومبيضة الأثواب بوردةٍ ... تقل لها الأشباه عند التماسها أنافت على ساق لتشرب عندما ... أشارت لها كف البروق بكاسها كجاريةٍ قامت ببيض غلائلٍ ... مرفعةٍ أذيالها حول رأسها ومن بديع نظمه رحمه الله تعالى تضمينه قصيدة امرئ القيس، وصرف معناها إلى مدح المصطفى) ، وهي من غر القصائد: لعينيك قل إنَّ زرت أفضل مرسل ... " قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل " وفي طيبة فانزل ولا تغش منزلا ... " بسقط اللوى بين الدخول فحومل " وزر قد طالما طاب نشرها ... " لمّا نسجتها من جنوب وشمأل " وأثوابك أخلع محرما ومصدقا ... " لدى الستر إلاّ لبسة المتفضل " لدى كعبة قد فاض دمعي لبعدها ... " على النحر حتى بل دمعي محملي " فحيا حادي الآبال سربي ولا تقل ... " عقرت بعيري يامرأ القيس فانزل " فقد حلفت نفسي بذاك وأقسمت ... " على وآلت حلفة لم تحلل " فقلت لها لا شك أني طائع ... " وأنك مهما تأمري القلب يفعل " وكم حملت في أظهر العزم وحلها ... " فيا عجبا من كورها المتحتل " وعاتبت العجز الذي عاق عزمها ... " فقالت لك الويلات إنك مرجلي "

стр. 897

نبي هدى قد قال للكفر نوره ... " إلاّ أيّها الليل الطويل ألا انجل " تلا سوراً ما قولها بمعارضٍ ... " إذا هي نصته ولا بعطل " لقد نزلت في الأرض ملة هديه ... " نزول اليماني ذي العياب المحمل " أتت مغربا من مشرق وتعرضت ... " تعرضت أثناء الوشاح المفضل " ففازت بلاد الشرق من زينة بها ... " بشيق وشق عندنا لم يحول " فصلى عليه الله ما لاح بارق ... " كلمع اليدين في حبي مكلل " نبي غزا الأعداء بين تلائح ... " وبين إكام بعد ما نتأمل " فكم ملك وفاه في منجدٍ ... " بمنجرد قيد الأوابد هياكل " وكم من يمان واضح جاءه اكتسى ... " بضاف فويق الأرض ليس بأعزل " ومن أبطحي نيط منه نجاده ... " بجيد معم في العشيرة مخول " ومن أبطاحي نيط منه نجاده ... " بجيد معمم في العشيرة مخول " أوالوا ببدر عن سروجهم العدا ... " كما زالت الصفواء بالمتنزل " ونادوا ظباهم لا يفتك فتى ولا ... " كبير أناس في بجادٍ مزمل وفض جموعا قد غدا جامعاً بها ... " لنا بطن ذي قفاف عفنقل " وأحموا وطيساً في حنين كأنه ... " إذا جاش فيه حمية غلي مرجل " ونادوا بنات النبع بالنصر أثمري ... " ولا تبعدينا من جناك المعلل " وممن له سددت سهمين فاضربي ... " بسهميك في أعشار قلبٍ مقتل " فما أغنت الأبدان بها أكتست ... " ترائبها مصقولة كالسجنجل " وأضحت لواليها ومالكها العدا ... " ويقولون لا تهتك أسى وتجمل " وقد فر منصاع كما فر خاضب ... " لدى سمرات الحي ناقف حنظل " وكم قال يا ليل الوغى طلت فانبلج ... " بصبح وما الإصباح منك بأمثل " فليت جوادي لم يسر بي إلى الوغى ... " وبات بعيني قائما غير مرسل "

стр. 898

وكم مرتق أوطاس منهم بمسرجٍ ... " متى ما ترق فيه تسهل وقرطه خرصا كمصباح مسرج ... " أهان السليط في الذبال المفتل " فيزهو لهاد فوق هاديه طرفه ... " بناظرة من وحش وجرة مطفل " ويسمع من كافورتين بجانبي ... " أثنيت كقنو النخلة المتعثكل " ترفع أنَّ يعزى له شد شدان ... " وإرزاخه سرحان وتقريب تتفل " ولكنه يمضي كما مر مزبد ... " يكب على الأذقان دوح الكنهبل " ويغشى العدا كالسهم أو كالشهاب أو ... " كجلمود صخرٍ حطه السيل من عل جياد أعادت رسم رستم دارسا ... " وهل عند رسم دارس من معول " وريعت بها خيل القياصر فاختفت ... " جواهر في صرة لم تزيل " سبت عربا من نسوة العرب تستبي ... " إذا ما اسبكرت بين درع ومجول " وكم من سجايا الفرس والصفر أسهرت ... " نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل " والحزن بدوراً من ليالي شعورها ... " تضل المداري في مثنى ومرسل " وأبقت بأرض الشام هاما كأنها ... " بأرجائها القصوى أنابيش عنصل " لخضراء ما دبت ولا نبتت بها ... " أساريع ظبي أو مساويك إسحل شدا طيرها في مثمري ذي أرومة ... " وساق مغار الفتل شد بيذبل " وكم هجرت في القيظ تحكى دوارعاً ... " عذاري دوار في الملاء المذيل "

стр. 899

وكم أدلجت والقطر يهفو هزيرة ... " ويلوى بأثواب العنيف المثقل " وخضن سيولا فضن بالبيد بعد ما ... " أثرن غباراً بالكديد المركل " وكم ركزوا ومحا بدعص كأنه ... " من السيل والغثاء فلكة مغزل " فلم تبن حصنا خوف حصنهم العدا ... " ولا أطماً إلاّ مشيد بجندل " فهدت بغضب شد بعد صقاله ... " بأمراس كتان إلى صم جندل " وجيش بأقصى الأرض ألقى جرانه ... " وأردف أعجازا وناء بكلكل " يداك الصفا دكا ولو مر بعضه ... " وأيسره على الستار فيذبل " دعا النصر والتأبيد راياته اسحبي ... " على أثرينا ذيل مرطٍ مرحل " لواء منير النصل طاوٍ كأنه ... " منارة ممسي راهب متبتل " كأن دما الأعداء في عذباته ... " عصارة حناء بشيب مرجل " صحاب بروا هام العداة وكم قروا ... " صفيف شواة قدير معجل " وكم أكثروا ما طاب من لحم جفرةٍ ... " وشحم كهذاب الدمقس المفتل " وكم جبن من غبراء لم يسق نبتها ... " دراكا ولم ينضح بماء فيغسل " حكى طيب ذكراهم ومر كفاحهم ... " مداك عروس أو صلابة حنظل " لأمداح خير الخلق قلبي قد صبا ... " وليس صباي عن هواها بمنسل " فدع من لأيام صلحن له صبا ... " ولا سيما يوم بدارة جلجل " وأصبح عن أم الحويرث ما سلا ... " وجارتها أم الرباب بمأسل " وكن في مديح المصطفى كمديح ... " يقلب كفيه بخيط موصل " وأمل به الأخرى ودنياك دع فقد ... " تمتعت من لهو بها غير معجل "

стр. 900

وكم لنبيث للفؤاد منابثٍ ... " نصيح على تعذاله غير مؤتل " ينادي إلهي إنَّ ذنبي قد عدا ... " على بأنواع الهموم ليبتلى " فكن لي مجيرا من شياطين شهوةٍ ... " على حراص لو يشرون مقتلي " وينشد دنياه إذا ما تدللت ... " أفاطم مهلا بعض هذا التدلل " فإنَّ تصلي حبلى بخير وصلته ... " وإنَّ كنت قد أزمعت صرمي فأجملي " وأحسن بقطع الحبل منك وبته ... " فسلى ثيابي من ثيابك تنسل " أيا سامعي مدح الرسول تنشقوا ... " نسيم الصبا بريا القرنفل " وروضة حمد للنبي محمّد ... " غذاها نمير الماء غير المحلل " ويا من أبي الإصغاء ما أنت مهتدٍ ... " وما إنَّ أرى عنك العماية تنجلي " فلو مطفلا انشدتها لفظها أرعوت ... " فألهيتها عن ذي تمائم محول " ولو سمعته عصم طود أمالها ... " فأنزل منها العصم من كل منزل " وقال ﵀ في مثل هذا الغرض، مؤديا من مدح رسول الله) المفترض، مضمناً قصيدة أخرى لامرئ القيس: أقول لعزمي أو لصالح أعمالي ... " ألا عم صباحا أيّها الطال البالي " أما وأعظى شيب سما فوق لمتي ... " سمو حباب الماء حالا على حال " انار به ليل الشباب كأنه ... " مصابيح رهبان تشب لقفال " نهاني عن غي وقال منها ... " ألست ترى السمار والناس أحوالي " يقولون غيره لتنعم برهة ... " وهل يمعن من كان في العصر الخالي "

стр. 901

أغالط دهري وهو يعلم إنني ... " كبرت وإلاّ يحسن اللهو أمثالي " ومؤنس نار الشيب يقبح لهوه ... " بآنسة كأنها خط تمثال " أشيخا وتأتى فعل من كان عمره ... " ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال " وتشغفك الدنيا وما إنَّ شغفتها ... " كما شغف المهنوءة الرجل الطالي " ألا إنها الدنيا ما أعتبرتها ... " ديار لسلمى عافيات بذي خال " فأين الذين استأثروا قبلنا بها ... " لناموا فما إنَّ من حديث ولا صال " ذهلت بها غيا فكيف الخلاص من ... " لعوب تنسيني إذا قمت سربالي " وقد علمت مني مواعيد توبتي ... " بأن الفتى يهذي وليس بفعال " ومذ وثقت نفسي بحب محمّد ... " هصرت بغصن ذي شماريخ ميال " وأصبح شيطان الغواية خاسئا ... " عليه القتام سيئ الطن والبال " ألا ليت شعري هل تقول عزائمي ... " لخيلي كرى كرة بعد إجفال فأنزل داراً للرسول نزيلها ... " قليل الهموم ما يبيت بأوجال " فطوبى لنفس جاورت خير مرسلٍ ... " بيثرب أدنى دارها نظر عالي " ومن ذكره عند القبول تعطرت ... " صبا وشمائل في منازل قفال " جوار رسول الله مجد مؤثل ... " وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي " ومن ذا الذي يثني عنان السرى وقد ... " كفاني ولم أطلب قليل من المال " ألم تر أنَّ الظبية استشفعت به ... " تميل عليه هونة غير مجفال " وقال لها عودي فقالت له نعم ... " ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي " فعادت إليه والهوى قائل لها ... " وكان عدائي الوحش مني عليّ بالي " ويا لبعير قال أزمع مالكي ... " ليقتلني والمرء ليس يقتال " وثور ذبيح بالرسالة شاهدٍ ... " طويل القوا والروق أخنس ذيال "

стр. 902

وحن إليه الجذع حنة عاطش ... " لغيث من الوسمى رائدة خال " وأصلين من نخل قد التأما له ... " بما احتسبا من لين وتسهال " وقبضة ترب منه ذلت لها الظبا ... " ومسنونة زرق كأنياب أغوال " وأضحى ابن جحش بالعسيب مقاتلا ... " وليس بذي رمح وليس بنبال " وبذت به العجفاء كل مطهم ... " له حجبات مشرفات على الفال " ويا خسف أرض تحت باغيه علا ... " على يكل نهد الجزارة جوال " وقد أخمدت نار لفارس طالما ... " أصابت غضى جز لا وكف بأجزال " أبان سبيل الرشد إذ سبل الهدى ... " يقلن لأهل الحلم ضلا بتضلال " لأحمد خير المرسلين انتقيتها ... " ورضت فذلت صعبة أي إذلال " وإنَّ رجائي أنَّ ألاقيه غداً ... " ولست بمقلي الخلال ولا قالي " فأدرك آمالي وما كل آمل ... " بمقدرك أطراف الخطوب ولا آلي " قلت: هكذا وجدت بخط بعض أعلام مراكش نسبة هذه القصيدة لأبي الحسن حازم المذكور، واعتمدت على هذه النسبة، ثم بان لي خطؤها، وإنّما هذه القصيدة من نظم العلامة أبي بكر بن جزي الكلبي الغرناطي، حسبما نص على ذلك غير واحد. ولنورد كلام بعض الأئمة في حقه، لأن فيه المطلوب وزيادة، ونصه: محمّد بن أحمد عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف بن جزي الكلبي،

стр. 903

يكنا أبا القاسم، من أهل غرناطة، وذوي الأصالة والنباهة فيها، وأصل سلفه من ولبه، من حصن البراجلة، نزل بها أولهم عند الفتح، صحبة قريبهم أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي، وعند خلع دعوة المرابطين كان لجدهم يحيى بجيان، رياسة وانفراد بالتدبير. وكان ﵀ على طريقة مثلى، من العكوف على العلم، والاقتيات من حر النشب، والاشتغال بالنظر والتقييد والتدوين، فقيها حافظا، قائما على التدريس، مشاركاً في فنون من العربية والفقه والأصول والقراءات والحديث والأدب، حافظا للتفسير للأقوال جماعة للكتب، موكلي الخزانة، حسن المجلس، ممتع المحاضرة، قريب الغور، صحيح الباطن؛ تقدم خطيباً بالمسجد الأعظم من بلده، على حداثة سنه، فاتفق على فضله، وجرى على سنن أصالته. ومن شيوخه الأستاذ أبو جعفر بن الزبير وابن الكماد وابن رشيد والحضرمي وابن أبي الأحوص وابن برطال، وأبو عامر بن ربيع الأشعري والوالي أبو عبد الله الطنجالي، وابن الشاط. تواليفه: كتاب " وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم "؛ و " الأنوار السنية في الكلمات السنية "؛ وكتاب " الدعوات والأذكار "؛ وكتاب " القوانين الفقهية "؛ وكتاب " تقريب الوصول إلى علو الأصول "؛ وكتاب " النور المبين في قواعد عقائد الدين "؛ إلى غير ذلك مما قيده في التفسير والقراءات. شعره: قال في الأبيات الغنية، ذاهبا مذهب الجماعة، كأبي العلاء المعري والرئيس ابن المظفر، وأبي الطاهر السلفي، وأبي الحجاج بن الشيخ، وأبي الربيع

стр. 904

ابن سالم، وأبي عليّ بن أبي الأحوص، وغيرهم: لكل بني الدنيا مراد ومقصد ... وإنَّ مرادي صحة وفراغ لأبلغ في علم الشريعة مبلغا ... يكون به لي للجنان بلاغ ففي مثل هذا فلينافس ذوو النهى ... وحسبي من دار الغرور بلاغ فما الفوز إلاّ في النعيم مؤبد ... به رغد والشرب يساغ وقال في مذهب الفخر: وكم من صفحة كالشمس تبدو ... فيسلى حسنها قلب الحزين غضضت الطرف عن نظري إليها ... محافظة على عرضي وديني انتهى. ومن مشهور نظمه ﵀: أروم امتداح المصطفى فيردني ... قصوري عن إدراك تلك المناقب ومن لي بحضر البحر والبحر زاخر ... ومن لي بإحصاء الحصى والكواكب ولو أنَّ أعضائي غدت وهي ألسن ... لمّا بلغت في القول بعض مآربي ولو أنَّ كل العالمين تألفوا ... على مدحه لم يبلغوا بعض واجب فأقصرت عنه كان فيه بلاغة ... ورب كلام فيه عبي لعائب ورأيت بخط الإمام ابن داود أنَّ قوله وكم من صفحة البيتين، ليس

стр. 905

من كلامه، بل من كلام ابنه أبي بكر وهو خطأ لابن ابن الخطيب ذكر في الكتيبة أنَّ البيتين للشيخ أبي القاسم لا لابنه أبي بكر والله الموفق. ثم قال هذا المعرف بابن جزي: مولده: يوم الخميس التاسع لربيع الثاني من عام ثلاثة وتسعين وست مائة. وفاته: فقد وهو يحرض الناس ويشحذ بصائرهم ويثبتهم يوم الكائنة بطريف ضحوة يوم الاثنين السابع لجمادى الأولى عام واحد وأربعين وسبع مائة. تقبل الله شهادته. انتهى. ولنختم ترجمته بقوله رحمه الله تعالى وعفا عنا وعنه بمنه: يا رب إنَّ ذنوبي اليوم قد عظمت ... فما أطيق لها حصرا ولا عددا وليس لي بعذاب النار من قبل ... ولا أطيق لها صبرا ولا جلدا فانظر إلهي إلى ضعفي ومسكنتي ... ولا تذيقنني حر الجحيم غدا ثم قال في التعريف بولده أبي بكر المقصود ذكره هنا وهو الذي ألف له أبوه الأنوار السنية ما نصه: هو أحمد بن محمّد بن أحمد بن جزي الكلبي يكنى أبا بكر من أهل الفضل والنزاهة والهمة وحسن السمت واستقامة الطريق غرب في الوقار ومال إلى الانقباض وله مشاركة حسنة في فنون من فقه وعربية وخط ورواية وأدب وشعر وتسمو بعظمة الإجادة إلى غاية بعيدة وقرأ على والده ولازمه واستظهر ببعض تأليفه وتفقه وتأدب به وقرأ على بعض معاصري أبيه ثم ارتسم في

стр. 906

الكتابة السلطانية لأول دولة السلطان أبي الحجاج بن نصر وولى القضاء ببرجة وبأندرش ثم بوادي آش مشكور السيرة معروف النزاهة. ومن شعره: أرى الناس يولون الغنى كرامة ... وإنْ لم يكن أهلا لرفعة مقدار ويلوون عن وجه الفقير وجوههم ... وإنْ كان أهلا أنْ يلاقي بإكبار بنو الدهر جاءتهم أحاديث جمة ... فما صححوا إلاّ حديث ابن دينار ومن بديع ما صدر عنه تصدير أعجاز قصيدة امرئ القيس بقوله: أقول لعزمي أو لصالح أعمالي ... " ألا عم صباحا أيّها الطلل البالي " ثم سرد منها أحد عشر بيتا إلى قوله: فأين الذين استأثروا قبلنا بها ... " لناموا فما إنْ من حديث ولا صال " ثم قال ما نصه: وهي ثمانية وأربعون بيتا ولا خفاء ببراعة هذا النظم وإحكام هذا النسيج وشدة هذه المعارضة. وله تقييد على كتاب والده المسمى بالقوانين الفقهية ورجز في الفرائض وإحسان كثير. وتقدم قاضيا للجماعة بحضرة غرناطة ثامن شوال عام ستين وسبع مائة ثم صرف عنها. ثم لمّا توفي الأستاذ الخطيب العالم الشهير أبو سعيد فرج بن لب رحمه الله تعالى وكان خطيب الجامع الأعظم بغرناطة ولي عوضا منه أستاذا وخطيبا عام اثنين وثمانين وسبع مائة فبقي في الخطابة ثلاثة أعوام ثم توفي. وأظن أنَّ وفاته إنما كانت في أواخر عام خمسة وثمانين وسبع مائة رحمه الله تعالى. انتهى.

стр. 907

ولا شك أنَّ ما ذكره هذا الإمام في حق والده إنما هو من كلام ابن الخطيب في الإحاطة والله أعلم. ولأبي بكر بن جزي هذا أخ كتاب مجيد من عجائب الزمن وهو الفقيه الكاتب محمّد بن محمّد بن أحمد بن عبد الله بن يحيى بن الأمير أبي بكر عبد الرحمن الثائر بجيان ابن يوسف بن سعيد الغرناطي المتوفى بفاس في عام ثمانية وخمسين وسبع مائة ﵀ وقيل بل توفي آخر شوال من السنة قبلها مبطونا ﵀. قلت: وهذا هو الصواب في وفاته فإني رأيت بخط من يوثق به من الأعلام الذين عرفوا حاله أنه بداره من البيضاء قرب المغرب من يوم الثلاثاء التاسع والعشرين لشوال من عام سبعة وخمسين وسبع مائة وكان دفنه يوم الأربعاء بعد صلاة العصر وراء الحائط الشرقي الذي بالجامع الأعظم من المدينة البيضاء وكان مولده في شوال من عام واحد وعشرين وسبع مائة. انتهى. يكنى أبا عبد الله. قال ابن الأحمر في نثير الجمان: أدركته ورأيته وهو من أهل بلدنا غرناطة وكان أبوه أبو القاسم محمّد أحد المفتين بها عالم الأندلس الطائرة فتياه منها إلى طرابلس وقتل شهيدا في المعترك في الوقيعة التي كانت للنصارى دمرهم الله بطريف على المسلمين في سنة إحدى وأربعين وسبع مائة بعد أنْ أبى بلاء حسنا. وأبو عبد الله محمّد هذا كتب بالأندلس في حضرة ابن عم أبينا أمير المسلمين أبي الحجاج يوسف وله فيه أمداح عجيبة ولم يزل كاتبا في الحضرة الأحمرية

стр. 908

النصرية إلى أنْ امتحنه أمير المسلمين أبو الحجاج ابن عم أبينا. قلت: كان هذا الامتحان الذي ذكره ابن الأحمر هو أنَّه ضربه بالسياط من غير ذنب اقترفه بل ظلمه ظلما بينا. هكذا ألفيته في بعض المقيدات والله أعلم. ثم قال ابن الأحمر: فقوض الرحال عن الأندلس، واستقر بالعدوة، فكتب بالحضرة المرينية، لأمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان، إلى أنْ توفي بها ﵀. حاله ﵀: طلع في السماء العلوم بدراً مشرقاً وسارت براعته غرباً ومشرقاً، وسما بشعره فوق الفرقدين، كما أربى بنثره على الشعري والبطين، له باع مديد في التاريخ، واللخة، والحساب، والفقه والنحو والبيان والآداب بصيراً بالأصول والفروع والحديث عارفاً بالماضي من الشعر والحديث؛ إنْ نظم أنساك أبا ذؤيب برقته، ونصيباً بمنصبه ونخوته؛ وإنْ كتب أربى على ابن مقلة بخطه، وإنْ أنشأ رسالة أنساك العماد بحسن مساقها وضبطه؛ وهو رب هذا الشان، وفارس هذا الميدان؛ ومع تفقه في العلوم فهو في الشعر قد نبغ، وما بلغ أحد من الشعر عصره منه ما بلغ؛ بل سلموا التقدم فيه إليه، وألقوا زمام الاعتراف بذلك في يديه؛ ودخلوا تحت راية الأدب التي حمل، إذ ظهر ساطع براعته ظهور الشمس بالحمل. أنشدني لنفسه يمدح أمير المسلمين أبا الحجاج يوسف بن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل عم أبينا ابن جدنا الرئيس الأمير سعيد فرح، ابن جدنا

стр. 909

الأمير أبي الوليد إسماعيل ابن جدنا الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر، ابن جدنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر، محمّد بن أحمد بن محمّد بن خميس بن نصر الخزرجي، هذه القصيدة البارعة، وحذف منها الراء المهملة: قسماً بوضاح السنى وهاج ... من تحت مسبول الذوائب داجِ وبأبلج بالمسلك خطت نوره ... من فوق وسنان اللواحظ ساجِ وبحسن خد دبجت صفحاته ... فغدت تحاكي مذهب الديباجِ وبمبسم كالعقد نظم سلكه ... ولمى حكى الصهباء دون مزاجِ وبمنطق نصبو القلوب لحسنه ... أنسى المسامع نغمة الأهزاجِ وبمائس الأعطاف تثنيه الصبا ... فيميس كالخطى يوم هياجِ ومنعم مثل الثيب يقله ... متضعف يشكو من الإدماجِ وبموعد للوصول أنجز فجأة ... من بعد طول تمنع ولجاجِ ويا كؤوس أطلعن في جنح الدجى ... شمس السلافة في سماء زجاجِ وحدائق سحب السحاب ذيوله ... فيما وبات لها النسيم يناجي وجداول سلت سيوفاً عند ما ... فجئت بجيش للصبا عجاجِ وبأقحوان قد تضاحك إذ بكت ... عين الغمام بمدمع ثجاحِ وقدود أغصان يملن كأنها ... تخفي حديثها بينها وتناجي وحمائم يهتفن شجواً بالضحى ... فهديلهن لذي الصبابة شاجي إنَّ المعالي والعوالي والندى ... والبأس طوع يدي أبي الحجاجِ ملك تتوج بالمهابة عندما ... لم يستجر في الدين لبس التاجِ وأفاض حكم العدل في أيامه ... فالحق أبلج وأوضح المنهاجِ هو منقذ العاني ومغنى المعتفي ... ومذلل العاتي وغوث اللاجي

стр. 910

ماضي العزيمة والسيوف كليلة ... طلق المحيا والخطوب دواجي علم الهدى والناس في عمياء قد ... ضلوا لوقع الحادث المهتاجِ غيث الندى والسحب تبخل بالحيا ... والمحل يبدي فاقة المحتاجِ ليث الوغى والخيل تزججى بالقنا ... والبيض تنهل في دم الأوداجِ يتقشع الإظلام إذ يبدو له ... وجه كمثل الكوكب الوهاجِ من آل قيلة من ذؤابة سعدها ... أعلى بني قحطان دون خلاجِ حيث العلا ممدوحة الأطناب لم ... تخلق معالمها يد الإنهاجِ والأعوجيات السوابق تمتطي ... فتظلل الآفاق سحب عجاجِ والبيض والأسل العوامل تقضي ... مهج الكماة بأبلغ الإزعاجِ مجد ليوسف جمعت أشتاته ... أعيا سواه بعد طول علاجِ مولاي هاك عقيلة تزهو على ... أخواتها كالغادة المغناجِ إنشاء عبد خالص لك حبه ... ومن العبيد مداهن ومداجي أوى إلى أكناف نعماك التي ... ليست إليه صلاتها بخداجِ سباق ميدان البلاغة والوغى ... لشعاب كل منها ولاجِ جانبت أخت الزاي فيها عامداً ... فأتت من الإحسان في أفواجِ فافتح لها باب القبول وأوّل من ... أهداكما ما ينبغي من حاجِ قال ابن الأحمر: وأنشدني أيضاً لنفسه، يمدح أمير المؤمنين المتوكل على الله أبا عنان فارساً ملك المغرب، ﵀: إنَّ قلبي لعهدة الصبر ناكث ... عن غزال في عقدة السحر نافث أضرم النار في فؤادي وولى ... قلائد لا تخف فإني عابث

стр. 911

ورماني من مقلته بسهمٍ ... ثم قال اصطبر لثان وثالث كم عذول أتى يناظر فيه ... كان تعذاله على الحب باعث ويمين آليتها بالتسلي ... فقضى حسنه بأني حانث جبر الله صدع قلب عميد ... صدعت شمله صروف الحوادث فهو يهفو إلى البروق ويروى ... عن نسيم الصبا ضعاف الأحادث سلبته الأشجان إلاّ بقايا ... من أمان حبالهن رثائث وبكاء على عهود مواض ... ملأت صدره هموما حدائث لست وحدي أشكو بليه وجدي ... إنَّ داء الغرام ليس بحادث يا مضيع العهود والله يعفو ... عنك إني ارتضيت خطة ناكث غرني منك الجمال غرور ... وظبا اللحظ في القلوب عوابث مقل يقتسمن أعشار قلبي ... بالرضا مني اقتسام الموارث كيف غيرت بانتزاحك حالي ... وتغيرت لي وليس بحارث فرط حبي وفرط حبك إلاّ ... أنَّ عينيك بالفتور نوافث وندى فارس وحسنك ردا ... قول من قال سد باب البواعث ملك البأس والندى فهو بالسي ... فِ وبالسيب عابث أو غائث محرز المجد والثناء فهذا ... سائر في الورى وذلك لابث أوطأ الشهب رجله وترقى ... صاعدا في سموه غير ماكث فدرار تسري وما لحقه ... ونجوم خلف القصور لوابث وله المقربات لا بل هي العق ... بان من فوقها الليوث الدلاهث مطلعات من كل نعل هلالا ... فلهذا تجلو دجى كل حادث إنْ توافقن فالجبال الرواسي ... أو تسابقن فالغيوث الحثائث

стр. 912

والمواضي كأنها قد أعيرت ... حدة الذهن منه عند المباحث هي نار محرقات الأعادي ... وهي ماء مطهرات الخبائث فبردن بالوغى ذكورا عطاشا ... ثم يصدرن ناهلات طوامث من معاليه قد رأينا عيانا ... كل فضل ينصه من يحادث خلق كالنسيم مر سحيرا ... بالأزاهير في البطاح الدمائث في سبيل الإله يقضى ويدنى ... ويوالي في ذاته ويناكث شرف الملك منه سام وحام ... فقدته سام وحام ويافث حاكها من بنات كسرى بكرا ... ليس يسموها من الناس طامث ذات لفظ لا يعتريه اختلال ... ومعان لا تنتحيها المباحث ذوو فريض أبقوا بقايا ... كنت دون الورى لهن الوارث من تقتادها فهي هذي ... عرضة البحث فليكن جد باحث إنْ السلطان أبا عنان أطل من برج يشاهد الحرب على ما جرت به عادة الملوك فقال ابن جزي هذا في وصف

стр. 913

الحال ما يكاد تعد معارضته من قبيل المحال وهو: لله يوم بدار الملك مر به ... من العجائب ما لم يجر في خلد لاح الخليفة في برج العلا قمرا ... يشاهد الحرب بين الثور والأسد ومن بارع نظمه رحمه الله تعالى: أبا حسن إنْ شتت الدهر شملنا ... فليس لود بالفؤاد شتات وإنْ حلت عن عهد الإخاء فلم أزل ... لقلبي على حفظ العهود ثبات وهبني سرت مني إليك إساءة ... ألم تتقدم قبلها حسنات وهو الذي ألف رحلة ابن بطوطة حسبما هو معلوم. قال ابن الأحمر: ومن بارع نظمه رحمه الله تعالى قوله وهو بحال مرض: إنْ يأخذ السقم من جسمي مآخذه ... وأصبح القوم من أمري على خطر فإنَّ قلبي بحمد الله مرتبط ... بالصبر والشكر والتسليم للقدر فالمرء في قبضة الأقدار مصرفه ... للبرء والسقم أو للنفع والضرر وحكى لي غير واحد أنَّ الفقيه الكاتب القاضي الحاج الرحال إسحاق ابن الحاج النميري بقي في خلوته جميع شهر رمضان المعظم من عام سبعة وخمسين وسبع مائة فلما خرج يوم عيد الفطر أنشده سيدي أبو عبد الله بن جزي المذكور لنفسه يخاطبه: ما سرار البدور إلاّ ثلاث ... فلماذا أرى سرارك شهرا أتعجلته سرورا لعام ... ثم تبقي في سائر العام بدرا

стр. 914

وحكى أنَّه كتب ﵀ للرئيس الكاتب أبي القاسم بن رضوان يطلب منه شراب سكنجبين وقصد التصحيف بقوله: أحسن زان بيتك نجيب تسر به برء مرضى. تصحيفه: أحب شراب سكنجبين شربه برء مرضى. قال فجاوبه ابن رضوان بقوله: إنَّ برء نفيس تصحيفه مقلوبا: يشفيك ربنا. وتذكرت بهذا ما وقع للرئيس ابن الجياب فإنه أهدى له الفقيه ابن قطبة رمانا ثم دخل عليه عائدا فلما رآه قال له: يا فقيه نعم بالهدنة زمانك أراد: نعمت الهدية رمانك. وكان هذا قبل موته من مرضه بيسير وهو مما يدل على ثقوب ذهنه حتى قرب الموت سامحه الله وغفر له. ومن نظم أبي عبد الله بن جزي المذكور قوله: رعي الله عهدا بالمرية لا أرى ... له أبدا ما عشت في الناس بالناسي وكيف ترى بالله صحبة معشر ... مجاهد بعض منهم وابن عباس ومن ذلك قوله ﵀ في الزاوية التي أنشأها أبو عنان وهو مكتوب عليها إلى قرب هذا التاريخ: هذا محل الفضل والإيثار ... والرفق بالسكان والزوار دار على الإحسان شيدت والتقى ... فجزاؤها الحسنى وعقبى الدار

стр. 915

هي ملجأ للواردين ومورد ... لابن السبيل وكل ركب ساري آثار مولانا الخليفة فارس ... أكرم بها في المجد من آثار لا زال منصورا اللواء مظفرا ... ماضي العزائم سامي المقدار بنيت على يد عبدهم وخديم باَ ... بهم العلي محمّد بن جدار في عام أربعة وخمسين انقضت ... من بعد سبع مئين في الأعصار ومن بديع نظمه ﵀ قوله: وما أنسى الأحبة حين بانوا ... تخوض مطيهم بحر الدموع وقالوا اليوم منزلنا الحنايا ... فقلت نعم ولكن من ضلوعي وقوله ﵀: ورب يهودي أتى متطببا ... ليأخذ ثارات اليهود من الناس إذا جس نبض المرء أودي بنفسه ... سريعا ألم تسمع بفتكة جساس وقوله ﵀: من أي أشجان التي جنت الهوى ... أشكو العذاب وهن في تنويع؟ من وصلي الموقوف أومن هجري ال ... موصول أو من نومي المقطوع؟
следующие страницы →