Полный текст (1 044 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
وصبت فواصل الحنين إلى الذي ... ما زال بالي منه في بلبال
أذكرتني قدما لها قدم العلا ... والجود والمعروف والإفضال
أذكرتني من لم يزل ذكري له ... يعتاد في الأبكار والآصال
لو أنْ خدي يحتذي لمثالها ... لبلغت من نيل المنى آمالي
ولها المفاخر والمآثر في الدنا ... والدين في الأقوال والأفعال
أو أنَّ أجفاني لوطء نعالها ... أرض سمت عزا بذا الإذلال
وما أحسن قصيدة نسبها الشيخ أبو إسحاق بن الحاج للأديب العلامة أبي الحكم مالك بن المرحل رحمه الله تعالى وهي قوله:
بوصف حبيبي طرز الشعر ناظمه ... ونمنم خد الطرس بالنقش راقمه
رؤوف عطوف أوسع الناس رحمة ... وجادت عليهم بالنوال غمائمة
له الحسن والإحسان في كل مذهب ... فآثاره محبوبة ومعالمه
بخ ختم الله النبيين كلهم ... وكل فعال صالح فهو خاتمه
أحب رسول الله حبا لو أنه ... تقاسمه قومي كفتهم مقاسمه
كأن فؤادي كلما مر ذكره ... من الورق خفاق أصيبت قوادمه
أهيم إذا هبت نواسم أرضه ... ومن لفؤادي أنْ تهب نواسمه
فأنشق مسكا طيبا فكأنما ... نوافجه جاءت به ولطائمه
ومما دناني والدواعي كثيرة ... إلى الشوق أنَّ الشوق مما أكاتمه
مثال لنعلي من أحب حديثه ... فها أنا في يومي وليلي لاثمه
أجر على رأسي ووجهي أديمه ... وألثمه طورا وطورا ألازمه
стр. 982
أمثله في رجل أكرم من مشي ... فتبصره عيني وما أنا حالمه
أحرك من خدي أحسب رفعه ... على وجنتي خطوا هناك يداومه
ومن لي بوقع النعل في حر وجنتي ... لماش فوق النجوم براجمه
سأجعل فوق الترائب عودة ... لقلبي لعل القلب يبرد جامحه
وأربطه فوق الشئون تميمة ... لجفني لعل الجفن يرقا ساجمه
إلاّ بأبي تمثال نعل محمّد ... لطاب محاذي وقدس خادمه
يود هلال الأفق لو أنه هوى ... يزاحمنا في لثمة ونزاحمه
وما ذاك إلاّ أنْ حب نبيينا ... يقوم بأجسام الخليفة لازمه
سلام عليه كلما هبت الصبا ... وغنت بأغصان الأراك حمائمه
وللشيخ أبي بكر أحمد بن الإمام أبي محمّد عبد الله القرطبي في ذلك:
ونعل خضعنا هيبة لهائها ... وأنا متى نخضع لها أبدا نعل
فضعنا على أعلى المفارق إنها ... حقيقتها تاج وصورتها نعل
بأخمص خير الخلق حازت مرية ... على التاج حتى باهت المفرق الرجل
معاني الهدى عنها استنارت لمبصر ... وإنَّ بحار الجود من فيضها تحلو
سلونا ولكن عن سواها وإنما ... يهيم بمغناها الغريب وما يسلو
فما شاقنا مذ راقنا رسم عزها ... حميم ولا مال كريم ولا أهل
شفاء لذي سقم رجاء لبائس ... أمان لذي خوف كذا يحسب الفضل
стр. 983
ورأيت في بعض تماثيل النعل الكريمة مكتوبا بطرفها الشريف ما نصه:
مثال نعل الرسول ... خذه بحن القبول
ففضله ليس يحصى ... لدفع كل مهول
وفي وسطها ما نصه:
أمرغ في المثال بياض وجهي ... فقد عقد النبي لها قبولا
وما حب المثال شغفن قلبي ... ولكن حب من لبس المثالا
ورأيت مكتوبا بدائرتها ما نصه: ما كان هذا المثال الكريم في دار فسرقت ولا في سفينة فغرقت وفيه خواص عجيبة. انتهى.
وقد حكى غير واحد أنَّ سراج الدين سيدي عمر الفاكهاني شارح العمدة والرسالة لمّا أبصر تمثال النعال المطهرة أغمي عليه ساعة ثم أنشد حين أفاق متمثلا:
ولو قيل لمجنون ليلى ووصلها ... تريد أم الدنيا وما في زواياها
لقال غبار من تراب نعالها ... أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها
وقد ذكر أنَّ السراج الفاكهاني أما أحتضر أغمي عليه ساعة فلقنه بعض من حضره ففتح عينيه وأنشد:
وغدا يذكرني عهودا بالحمى ... ومتى نسيت العهد حتى أذكره
стр. 984
ثم أدخل عليه تمثال النعل الطيبة فحين شاهدها أغمي عليه ساعة ثم أنشد البيتين المذكورين حين أفاق.
وقال الشيخ الرحال أبو عبد الله بن رشيد الفهري: لمّا دخلت دار الحديث الأشرفية برسم رؤية النعل الكريمة للمصطفى ﷺ ولثمتها حضرتني هذه الأبيات فقلت:
هنيئا لعيني أنْ رأت نعل أحمد ... فيا سعد جدي قد ظفرت بمقصدي
وقبلتها أشفي الغليل فزادني ... فيا عجبا زاد الظما عند موردي
فلله ذاك اللثم لهو ألذ من ... لمى شفة لميا وخد مورد
ولله ذاك اليوم عيدا ومعلما ... بتاريخه أرخت مولدا أسعد
عليه صلاة نشرها طيب كما يحب ويرضى ربنا لمحمد
ولا بد أنْ نرسم تمثال النعل الكريمة تبركا بصاحبها ﵊:
стр. 985
رسم النعل ص٢٦٧ تمثال النعل النبوية في دار الحديث الأشرفية بدمشق كما رسمته النسخة التيمورية.
стр. 986
ما كتب في المثال الأيمن
وكتبت في داخله ما نصه من نظم المؤلف رحمه الله تعالى:
يا ناظرا تمثال نع ... لْ المصطفى سر الوجود
عظم علاه ففضله ... ملأ التهائم والنجود
واجعله خير وسيلة ... فالله ذو كرم وجود
صلى عليه الله ما ... أحيا الحيا الروض المجود
ولغيره:
يا مبصرا تمثال نعل نبيه ... قبل مثال نعاله متذللا
واذكر به قدما علت في ليلة الْ ... إسراء به فوق السموات العلا
واخضع له وامسح جبينك ولتكن ... متبركا أبدا به متوسلا
وللمؤلف رحمه الله تعالى:
يا مبصرا تمثال نعل قد علا ... طالع محاسنه وكن متوسلا
واخضع له وامسح جبينك ولتكن ... متبركا أبدا به متوسلا
واسأل به متضرعا مستمطرا ... ألطاف رب لم يزل متفضلا
فهو الوسيلة والملاذ إذا عرا ... خطب وأضحى الكرب أمرا مذهلا
فلكم أغاث بجاهه ... أناله أقصى المرام مسهلا
стр. 987
يا خير خلق الله دعوة حائر ... لم يتخذ إلاّ جنابك موئلا
صلى عليك الله يا نور الهدى ... والآل والصحب الكرام ومن تلا
ما حن مشتاق لذكرك أو غدا ... لمثال نعلك لازما ومقبلا
وللشامي الفقيه منن أهل العصر:
أيا ناظرا متع جفونك ساعة ... بأزهار هذا الروض من حيث ما تخطو
وقف الإذلال لله واطلبن ... بها نعمة الرضوان إنْ راعك السخط
فلو لم تكن مقبولة عند ربنا ... لمّا كان من هذا النعال بها وخط
وللمؤلف:
يا ناظرا تمثال نع ... لْ المصطفى قبله ألفا
واجعله خير وسيلة ... تدني إلى الحمن زلفى
واحفظه فهو ذخيرة ... ما مثلها في الدهر يلفى
وللشامي أيضاً:
أيا نعل الرسول سموت قدرا ... وفخري غير خفي للبيب
أقول لمن بحبي ذات شوقا ... وأعيا داؤه طب الطبيب
تنشق مسك أنفاسي لتشفي ... بهذا الطيب من عرف الحبيب
وللمؤلف أيضاً:
بشرف المختار قد شرفت ... نعاله حتى سما ذا المثال
فاسأل له الرحمن جل أسمه ... فما به يسأل إلاّ أنال
وكيف لا يدرك مستمسك ... بالعروة الوثقى المنى بالسؤال
стр. 988
وجاه خير الخلق أعظم به ... ملاذنا في حالنا والمآل
صلى عليه الله مع صحبه ... وآله أجل صحب وآل
انتهى ما كتب في المثال الأيمن.
ما كتب في المثال الأيسر
وفي الآخر ما نصه: وللمؤلف:
يا ناظرا تمثال نع ... لْ المصطفى في ذا الكتاب
قبله ألف ثم زد ... ما شئت لا تخش العتاب
واسأل به رب الورى ... سبحانه حسن المآب
وله أيضاً مما قاله بديهة:
حاز هذا المثال كل المزايا ... إذا حكى نعل رجل خير البرايا
أحمد المصطفى الملاذ إذا ما ... طرق الدهر أهله بالبلايا
فلجإ العالمين طرا إذا ما ... جمع الناس يوم تخشى الرزايا
خيرة الله مجتباه ومن حا ... ز خلالا حميدة وعطايا
فعليه الصلاة ما قبل النعل ... مشوق يروم محو الخطايا
وللكاتب المكلاتي من أهل العصر يشير إلى هذا المثال الكريم:
انظر إلى البدر وتكليفه ... بين شراك يا لها من قبال
ما صار كالعرجون من تمة ... إلاّ محاكاة لهذا المثال
стр. 989
وللمؤلف أيضاً في ذلك:
يا ناظرا في مثال ... أضحى هنا ذا ارتسام
يحكى نعال تناهت ... في الحسن دون مسامي
قبله تقبيل صب ... موله مستهام
وضعه من فوق راس ... تاجا لمفرق هام
وابسط له حر وجه ... ولا تخف من ملام
ففضله ليس يحصى ... بنثر أو بنظم
واحفظ علاه وصنه ... وكن له ذا احترام
أمان حرف وخوف ... تيسير كل مرام
لا يطرق الدهر دارا ... غدت به في اتسام
والفلك إنْ كان فيها ... لم يخش من هول طامي
فيا لها بركات ... شهيرة في الأنام
وكيف لا وهو ينمي ... للهاشمي التهامي
خير البرية طرا ... إمام كل إمام
أسخى الخليفة كفا ... أرعاهم لذمام
إنسان عين النعالي ... وذو السجايا الجسام
عليه صلاة ... بطيبة وسلام
والصحب والآل طرا ... والتابعين الكرام
ما استنشقت نسمات ... من عرف مسك الختام
انتهى ما في النعل الكريمة واتصل به ما نصه:
стр. 990
ومما قيل في النعل الكريمة قول الإمام المحدث الرحال أبي عبد الله محمّد بن جابر الوادي آش ونظمها بدار الحديث الأشرقية من دمشق وقد رأى فيها تمثال نعل النبي ﷺ فقبله وقال:
دار الحديث الأشرفية للشفا ... فيها رأت عيناي نعل المصطفى
ولثمته قنعت وقلت يا ... نفس أنعمي أكفاك قال لي: كفى
لله أوقات وصلت بها المنى ... من بعد طيبة ما أجل وأشرفا
لك يا دمشق على البلاد فضيلة ... أيامك الأعياد لازمها الصفا
ولكم بجيرون جررت ولم أخف ... ذيلا وبرح هواى فيها ما اختفى
قلت ومما أنشدني الفقيه الأريب العلامة الأديب الحاج الرحال أبو الحسن صاحبنا سيدي عليّ بن أحمد الشامي الخزرجي لنفسه في تمثال النعل الكريمة قوله نفعه الله بقصده وكتبه لي بخطه وكنت طلبت منه ذلك لأثبته في هذا الموضوع:
دعوا شفة المشتاق من سقمها تشفي ... وترشف من آثار ترب الهدى رشفا
وتلثم تمثلا لنعل كريمة ... بها الدهر يستسقي الغمام ويستشفى
ولا تصرفوها عن هواها وسؤالها ... بعدلكم فالعدل يمنعها الصرفا
ولا تعتبوها فالعتاب يزيدها ... هياما ويسقيها مدام الهوى صرفا
جفتها بكتم الدمع بخلا جفونها ... فمن لامها في اللثم فهم لها أجفى
стр. 991
لئن حجبت بالبعد عنهم فهذه ... مكارمهم لم يبق ستراً ولا سجفا
وإنْ كان ذاك الخيف موعد وصلهم ... فها نفحة الإفضال قربت الخيفا
واغنت بفضل عن مشقة شقةٍ ... نكابد مسراها شتاء يلي صيفا
فحركت الأشواق منا لروضةٍ ... أباح لنا الإسعاد من زهرها قطفا
تولى كمثل الطيف إذ زار في الكرى ... وإلاّ كمثل البرق إذ سارع الخطفا
تقضي وما قضى بلبنى لبانةً ... لقيس الهوى والحب منا وما استوفى
فزلنا وما زلنا نعلل باللقا ... نفوساً وما تجدي لعل ولا سوفا
كأنا وما كنا نجوب منازلاً ... يود بها المشتاق لو راهق الحتفا
ولم تبصر الأبصار منها محاسناً ... ولم تسمع الآذان من ذكرها هتفا
كذاك الليالي لم تحل عن طباعها ... متى واصلت يوماً تصل قطعها ألفا
فلا عسش لي أرجوه من بعد بعدهم ... وهيهات يرجى العيش من فارق الإلفا
ويا حبذا قتل إذ العيش لم تزل ... سيوف الهوى تفري به القلب والجوفا
ومن لي بقتل في سبيل الهوى التي ... وعنا عليها بالجنان ومن أوفى
أيا من نأت عنه ديار أحبةٍ ... فمن بعدهم مثلي على الهلك قد أشفى
لئن فاتنا وصل بخيف مناهم ... فها نفحة من عرفهم للحشا أشفى
وهاتيك أزهار الرياض تنفست ... بأنفاسهم فاستشفين بها تشفى
وقل للألي هاموا اشتياقاً لبانهم ... هلموا لعرق ألبان نستنشق العرفا
فصفخة هذا الطرس أبدت نعالهم ... وصارت لها ظرفا فيا حسنه ظرفا
تعالوا تغالوا في مديح علائها ... فرب غلوٍلم يعب ربه عرفا
ولله قوم في هواها تنافسوا ... وقد غرفوا من بحر أمدادها غرفا
стр. 992
وإنا وإنْ كنا على الكل لم نطق ... نحاول بعض البعض من بعض ما يلفي
لئن قبلوا ألفا نزد نحن بعدهم ... على الألف ما يستغرق العد والألفا
وإنَّ وصفوا واستغرقوا الوصف حسبنا ... نجيل بروض الحسن من وصفهم طرفا
ونقبس من أنوارهم وسعنا ... ونركض في مضمار آثارهم طرفا
فمن قال بدر ألتم أو طلعة الضحى ... أو الروض يحكيها فما انصف الوصفا
فما الشمس إلاّ من محاسن ضوئها استنارت ولولاها للازمت الكسفا
وما البدر إلاّ من مشارق نورها استمد ولولاها لمّا فارق الخسفا
وما طاب نشر الروض إلاّ لأنه ... يمد مدى الأيام من نشرها عرفا
وما أخضر ترب الأرض إلاّ لأنها ... تخطته فاختط النبات به حرفا
فحلوا بها أعلى المفارق واكحلوا ... بها مقلة العينين أو عطروا الأنفا
فآثارها تبرى الجوى وترابها ... لسقم الحشا انفع أو أنفى
لها الفخر أنَّ سارت بها رجل من سرى ... إلى حضرة التقديس والقرب والزلفى
وودي لا تخلع نعالك واقربن ... وألفي بها من نفحة الحب ما ألفي
وأدناه قرباً قاب قوسين ربه ... وناداه قل تسمع وسل تعط عد تكفي
نبي به نلنا المنى وتوا كفت ... علينا من الرحمن سحب الرضا وكفا
تعلى على العلياء حتى أنار من ... علاه العلا والغور والنجد والخيفا
وقاتل في إظهار أنوار دينه ... جميع العدى حتى زوى الضيم والحيفا
وكان إلى الهيجاء أوّل سابق ... وما فارق الغضب المنهد والسيفا
هواه هدى الهادين منه إلى الهدى ... وحبه أهدى الوارد المورد الأصفي
وآياته كالزهر والزهر نفحة ... وعدا فمن ذا يستطيع لها وصفا
كفت كفه الجيش اللهام عن الحيا ... وكفت جيوش الكفر عن غيها كفا
стр. 993
وردت له الشمس المنير شعاعها ... كذا البدر بعد التم صار له نصفا
وجوده أجدى من رياح عواصف ... ومن ذا يباري الريح إنَّ رامت العصفا
أمولاي يا مولاي يا خير سيد ... تسامى على الأشباه طرا مع الأكفا
نأت بي عنكم موبقات جنيتها ... وعفوكم من كل كلف بها أكفى
وهأنا عند الباب راج وخائف ... دموعي لا ترقا وشجوى لا يطفا
أناديك يا خير البرية كلها ... نداء عبيد يرتجى العفو والعطفا
وإني محق في هوى حبك الذي ... يفل جيوش الهم إنَّ أقبلت زحفا
وما أنا فيه كالذي قال هازلاً ... " أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا "
فآها لنفسي ثم آها إذا أنا ... طردت ويا لهفا ارددها لهفا
وواحسرتا يا حسرتا ثم حسرتا ... إذا لم تكن في موقف الحشر لي كهفا
ولعلكن لي ظنا جميلا بنسبتي ... لأنصاركم يا خير من راقب الحلفا
كما أنَّ لي أيضاً متاتاً بمدحي ... نعالا بها نيل العلى والمنى يلفي
أبي النظم يستوفي حلاها وهل يفي ... روى بآثارها الهدى ألف أوفا
عليك صلاة ما بدا بدر تمكم ... وما اشتاق مشتاق إليَّ وعدك الأوفى
ومما أنشدنيه أيضاً لنفسه في ذلك قوله:
مثال النعل في القرطاس خطا ... بسمر الشوق في الأحشاء خطا
ولمّا أنَّ لثمت ندى ثراه ... وغشي نوره جفني وغطى
شممت الورد من رياه يندى ... وشمت البدر من علياه حطا
ففجر لي من العينين بحرا ... ونثر من لآلي الدمع سمطا
стр. 994
وروى من جماد الجفن جسمي ... وأروى من زناد الشوق سقطا
وهز من أهوى غطف ارتياحي ... لأرض لم تزل تزداد شخطا
وذكراني معاهد لست انسى المزار بها ولو بالبعد شطا
معاهد خير من ركب المطايا ... واكرم من خطا نعلا وأوطا
بأخمص رجله الحسناء حازت ... مفاخر لم يطقها الوصف ضبطا
سمت فسعت لها زهر الدراري ... لتلثم وتطوف شوطا
فكلت دونها وسط عليها ... ولا بدعا بذاك الفخر يسطى
فمن قال الهلال لها مثال ... لعمر الله في التمثيل أخطا
ولكن البدور لها نعال ... تود بها تدارس علا وتخطى
وما طلعت عيون الشمس إلاّ ... لطلعتها تروم بها محطا
وما رقصت غصون النبت إلاّ ... لعلياء تحط الراس حطا
وما غنت طيور الأيك إلاّ ... عليها تعتلى الأغصان حوطا
وما حنت حداة العيس إلاّ ... إليها تبتغي أثلا وخمطا
وما هبت نسيم المسك إلاّ ... لريها تنال بذاك خلطا
ولو يوما تخطت أرض جدب ... لمّا ألفت بها في الدهر قحطا
يحق لنا نعظمها جلالا ... ونربط طرسها بالقلب ربطا
وننتعل الوجوه بها جمالا ... ونجعلها على الآذان قرطا
وتعتصب المفارق من ثراها ... وتكتحل العيون بذاك شرطا
نعفر وجنة فيها وخدا ... ونخضب من سواد الرأس شمطا
وننشد من يعاتب في هواها ... " إليك خبط من عشواء خبطا "
ودعنا والهوى أنا أناس ... يزيد غرامنا بالعتب فرطا
стр. 995
وأنا معشر العشاق ممن يرى جور النوى والبعد قسطا
ونقنع بالجيال مدى الليالي ... وإنَّ طال التباعد أو تشطا
ولا سيما المثال وقد تبدى ... يجر على علا الجوزاء مرطا
وما نعلا نريد ولا مثالا ... ولكن من بها العلياء تخطى
نبي إنَّ أتيت إلى حماه ... وجدت سماحة في الخلق بسطا
أتى والدين أصبح في انقباضٍ ... فعاناه إلى أنَّ نال بسطا
وقاتل في سبيل الله حتى ... أزال عن الورى قنطا وضغطا
وعمت دعوة منه وغمت ... بآبيات الهدى فرسا وقبطا
فطوبى للذي لبى سريعا ... ويا ويل الذي عن ذاك أبطا
سما لسما العلاء فنال قربا ... وهم بنعله نزعا وكشطا
ونودى طأ ولا تخلع نعالا ... وأبدل من مقام الروع بسطا
وأيده الإله بروح قدسٍ ... ومد له من التقديس بسطا
وعظمه على الأرسال طرا ... ونظمه بذاك العقد وسطى
هناك حباه فرضا من صلاة ... بها عنا الذنوب تصيب حبطا
وسدده إلى إنَّ جاء موسى ... وردده إليه يروم حطا
إلى أنَّ يصير الخمسين خمسا ... وأبقى أجرها والإضر حطا
وأعطاه الشفاعة يوم حشر ... يقول أنا لها والناس قنطى
وتعجز دونها الأرسال طرا ... وتأتى الناس سبطا ثم سبطا
إذ الجبار يبرز بانتقام ... ويبدي للورى غضبا وسخطا
فيدنيه ويلهمه بفضل ... محامد مثلها ما قط أعطى
ومهما رام يشرع في سجود ويضرع بالدعا ويخر هبطا
стр. 996
يناد ارفع تطلع وأشفع تشفع ... وقل يسمع وسل ما شئت تعطى
فيحظى بالمراد قرير عينٍ ... بما أولاه تكرمة وغبطا
ويصدر شافعا في كل عاصٍ ... مصر دنس الأعمال وخطا
ويخرج من له أدنى نواةٍ ... من الأيمان والنيران فرطا
جزاه الله عنا كل خير ... وحاط به ديار الدين حوطا
ولا زالت صلاة الله تترى ... عليه ما بدا بدر وغطى
تفوح وختمها مسك عبيق ... يعم عبيره آلا ورهطا
وأنشدني أيضاً لنفسه في ذلك، مكملا ما سقط من الحروف من كلام ابن فرج السبتي المتقدم الذكر قوله جاريا على طريقته:
قافية الواو
وقفت على تمثال نعل كريمةٍ ... فأحييت برسم الشوق مني ما أقوى
وأيقنت إني إذ ظفرت بلثمها ... تمسكت في أخرى بالسبب الأقوى
وناديتها يا نعل عذراً فإنني ... على مدح بعض من معاليك لا أقوى
وطئت ربوعا للهدى ومغنيا ... علاها على الرضوان أسس والتقوى
ولامست وجلا لو يطاوع تربها ... ثريا السما شدت لتقبيله حقوا
قافية لام الألف
لآلي نعال المجد أهلا بها أهلا ... وشكرا لأن كنا لتقبيلها أهلا
لآلى رسول مسها جلد رجله ... بها ورد فخر مذب العل والنهلا
لآدم هذا الفخر أيضاً لأننا ... بذي النعل أنقذنا الغواية والجهلا
стр. 997
لأقسم يا من لآم فيها عليك لا ... تعذب بتعاذلي ومهلا به مهلا
لأني غريق في هوى حبها وكم ... محب يرى التعذيب في حبها سهلا
قافيه الياء
يود لساني أنَّ يؤدي مدحها ... نعالا فيعينني علاها وحرف اليا
يؤدي ولكن لا يطيق كمالها ... ولو أنَّه يفعل بيان الورى فليا
يمينا وإني في يميني صادق ... لحليتها صيغت من الجنة العليا
يواقيت سر الكون والجود رصت ... بها وطأة التقديس فانتظمت حليا
يواري علا رجل على من مشى بها ... سلام مدى ما ازداد من ربه وليا
وأنشدني أيضاً لنفسه في ذلك قوله:
هذى نعال أحمد ... مولى المقام الأحمد
فاشكر أخي إذ شمت من ... برق سناها وأحمد
واكتحلن بتبرها ... فهو شفاء الأرمد
وارشف ثراها أنَّه ... يجلى صدا القلب الصدي
وألمس بها طرسها ... تنل كمال المقصد
واقبس سنى من نورها ... فهي سراج المهتدي
وضمها لصدره ... ضمة ذي تودد
من لم تزل في بيته ... يحظى بعيش رغد
стр. 998
يضحى ويمسي آمنا ... في كل يوم أو غد
لا يمترى في فضلها ... سوى غبيٍ أو غد
أو جاهلٍ بقدرها ... أو جاحد أو ملحد
كم أبرأت من علة ... من كل داء مجهد
وكم أبانت من هدى ... بنورها المؤيد
وكم أبادت من عدي ... بسيفها المهند
وكم أجارت من حمى ... بركانها المشيد
فهي أمان خائف ... وهي رجاء القاصد
وهي عماد الملتجي ... وهي مراد الرود
بالغ أخي في مدحها ... واشدد بأزري وأعضد
وانسب لها ما شئت من ... فخر ولا تفند
وقف هنا هنيهة ... وقفة صبٍ مسعد
وانهض إلى نقبيلها ... نهضة خلٍ منجد
وقل إذا قبلتها ... مقالة المستنجد
يا أكرم الخلق الذي ... قد حاز كل سودد
يا مصطفى آثاره ... بها الأنام تهتدي
ويا مجير خائفٍ ... من كل سوء يعتدي
ويا محب سائل ... إذا أتاه يجتدي
عبيدكم ببابكم ... حيران ذا تردد
وافي علاك تائبا ... من ذنبه المعدد
стр. 999
يرفع من مديحه ... إلى علاك الأمجد
عقائلا تنسق من ... در ومن زبرجد
تحكي عقود جوهر ... أقسامها من عسجد
فامنن له بعطفه ... من فضلك الممجد
ونهلة من حوضظ الْ ... عذب اللذيذ المورد
ووقفة بروضك ... الغض الندى المورد
وزورة لقبرك ... المرضي الزكي الملحد
وأوبة له عسى ... يكون ثم مرقدى
صلى عليك الله ما ... بدا ضياء الفرقد
والآل والصحب الألى ... فازوا بكل الأسعد
ومن أتى من بعدهم ... من كل حبر أوحد
ومن تلا جميعهم ... ما زم ركب أو حدى
ورددت من منشد ... هذي نعال أحمد
وأنشد أيضاً لنفسه في ذلك الغرض:
نعال بها يشفى العليل من الجوى ... وتجلي بها عنه المصائب والبلوى
هي البرء إلاّ أنَّ شرب دوائها ... لذائقه أحلى من المن والسلوى
هلموا نقبل تربها فعسى به ... نخمد جمرا من لظاها الحشي تكوى
فرب عليل جاءه من طبيبه ... بشير فخفت عنه من حينه الشكوى
стр. 1000
وأنشد أيضاً لنفسه في ذلك الغرض:
أتت شمس السماء تحط راسا ... لهذي النعل من دون النعال
وتلثم تربها ذلا لتحظى ... بما رامته من رتب المعالي
فقال لها الهلال وقد رآها ... أنخضع لا محالة للنعال؟
فنادته أبتدرها لا تؤخر ... فيفتضح المعالي بالمعالي
وخاطبني في هذا الغرض مشيرا إلى إثبات هذه المنظومات التي سمحت بها ريحته في هذا الموضوع:
أمفتي فاس زند شوقي قد ورى ... بخير الورى فانقاد طوع عنان
وهبت صبا نجد فهاجت صبابتي ... وساعد بلبالي بيان بناني
وصالت على أوصال فكري فأقلعت ... عرائس غرس من جنان جناني
وقد ذوت الأغصان وانتثرت بها ... أزهارها تحكي نثير جمان
وهذا أوان الغرس جودوا بنقلها ... لروضكم تحظى بنيل أمان
ولنرجع بعد هذا المقدار إلى ما كنا بصدده فإن مثل هذا الغرض لا سبيل لحصر عدده فنقول:
بين القاضي عياض والزمخشري
وممن استجاره القاضي أبو الفضل عياض ﵀ ولم يجزه الزمخشري صاحب الكشاف سامحه الله.
стр. 1001
وسمعت غير واحد ممن لقيته يخبر أنَّ القاضي عياض لمّا بلغه امتناع الزمخشري من إجازته قال: الحمد لله الذي لم يجعل علي يدا لمبتدع أو فاسق أو نحو هذا من العبارات والله اعلم.
وإمامة الزمخشري في العلوم معروفة ولكن أعنة القلوب إلى من بيده التوفيق وضده مصروفة. ولا بد من الإلمام ببعض أحوال هذا الرجل الذي اختلفت في أمره الآراء وآنس من جانب البيان والنحو نارا وأنكر الحق وقد وضح النهار وذكر يعضهم أنه تاب ويأبى ذلك تصريحه في كشافه بما خالف السنة جهارا فإنه لو صح ذلك لمحاه أو أشهد على نفسه بالرجوع عما قصده فيه وانتحاه وكثير من الأئمة أغضى عن اعتزاله وانتفع بكشافه مع قطر النظر عن موضع التهمة واختزاله.
بين الحافظ السلفي والزمخشري
وممن استجاره فأجازه الإمام الحافظ أبو الطاره السلفي الأصبهاني المتقدم الذكر ﵀ فإنه خاطبه في ذلك بما نصه بعد البسملة: إنَّ رأي الشيخ الأجل العالم العلامة أدام الله توفيقه أنْ يجبز جميع سماعاته ورواياته وما ألفه في فنون العلم وأنشأه من المقامات والرسائل والشعر لأحمد بن محمّد بن أحمد السلفي الأصبهاني يذكر مولده ونسبه إلى أعلى أب يعرف ويثبت كل ذلك بخطه تحت هذا الاستدعاء مضافا إليه ذكر ما صنفه وذكر شيوخه الذين أخذ عنهم وما سمع عليهم من أمهات المهمات حديثا كان أو لغة فعل مثاب وإنْ تمم إنعامه بإثبات أبيات قصار ومقطوعات في الحكم والأمثال والزهد وغير ذلك
стр. 1002
من نظمه ومما أنشده شيوخه من قلبهم أو من قبل شيوخهم بعد تسمية كل منهم وإضافة شعره إليه والشرط في كل هذا أنْ يكون بالإسناد المتصل إلى قائله كان له الفضل وكذلك إنْ صحبه أصحبه بشيء من رواياته أنعم بكتب أحاديث عاليه والله تعالى يوفقه ويحسن جزاءه ويطيل لنشر العلم والإفادة بقاءه.
ويعلم وقه الله أنَّه قد وقع إلينا كتاب من يعقوب بن شرين الجندي ﵀ وفيه قصيدة يرثي بها البرهان البخاري والحاجة داعية إلى معرفة اسمه ونسبه وضبطه هل هو ابن شرين بالسين المهملة أو المعجمة وكذلك الجندي بفتح الجيم والنون أو ضم الجيم وإسكان النون بعدها.
والحمد لله حق حمده وصلواته على سيدنا محمّد نبيه وعبده وعلى آله وصحبه أجمعين من بعده.
فكتب إليه الزمخشري ما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم. أسأل الله أنْ يطيل بقاء الشيخ العالم ويديمه لعلم يغوص على جواهره ويفتق الأصداف عن ذخائره ويوفقه للعمل الصالح الذي هو مرى أغراض أولى العقل ومطمح أبصار المرتكضين إلى غاية الفضل ولقد عثرت من مقاطر قلمه على جملة تنادي على غزارة بحره وتطبي القلوب إليَّ التزين بسموط دره. وأما ما طلب عندي وخطب إلي من العلوم والدرايات والسماعات والروايات فبنات خلعت على تربيتهن الشباب ثن دفنهن وحثوت عليهن التراب وذلك حين آثرت الطريقة الأويسية على بنيات الطرائق وأخذت الحجب والعوائق ونقلت كتبي كلها
стр. 1003
إلى مشهد أبي حنيفة ﵀ وأصفرت منها يدي إلاّ دفترا واحدا قد تركته تميمة في عضدي وهو كتاب الله المبين والحبل المتين والصراط المستقيم لأهب لمّا قعدت بصدده كلي وألقى عليه وده كلي لا يشغلني عنه بعض مثال يجعل الرأي مشتركا ويرد القلب مقتسما ولذت بحرم الله المعظم وبيته المحرم وطلقت ما وزرني بتا وكفت ذيلي عنه كفتا ما بي هم إلاّ خويصت وما يلهيني إلاّ النظر في قصتي أنتظر داعي الله صباح مساء وكأني به وقد امتطيت الآلة الحدباء قد وهنت العظام ووهنت القوى وقلت الصحة وكثر الجوى وما أنا ذماء يتردد في جسد هو هامة اليوم أو غد فما لمثلي وليس له من الآخرة شيء. ولقد أجزت له يروى.
محمود الخوارزمي ثم الزمخشري منسوب إلى قرية منها هي مسقط رأسي ولبعض أفاضل المشرق:
فلو وازن الدنيا تراب زمخشر ... لأنك منها زاده الله رجحانا
وللشريف الأجل الإمام عليّ بن عيسى ببن حمزة بن وهاس الحسني:
جميع قرى الدنيا سوى القرية التي ... تبوأها دارا فداء زمخشرا
وأحر بأن تزهي زمخشر بامرئ ... إذا عد في أسد الشرى زمخ الشرى
فلولا ما طن البلاد بذكرها ... ولا ظار فيها منجدا ومغمورا
فليس ثناها بالعراق وأهله ... بأعرف منه في الحجاز وأشهر
ومن المقطوعات التي اخترعتها من فبلي:
ومروعة بمشيب رأسي أقبلت ... تبكي فقلت لها ودمعي جاري
стр. 1004
هذا المشيب لهيب نار أوقدت ... في القلب موقدها حذار النار
أخرى:
إليك إلهي المشتكى نفس مشته ... إلى الشر تدعوني عن الخير تنهاني
وما يشتكي الشيطان إلاّ مغفل ... إلاّ إنْ نفس المشتهى ألف شيطان
أخرى:
شكوت إلى الأيام سوء صنيعها ... ومن عجب باك تشكي إلى المبكى
فما زادت الأيام إلاّ شكاية ... ومازالت الأيام تشكي ولا تشكى
أخرى:
مسرة أحقاب تلقيت بعدها ... مساءة يوم أريها شبة الصاب
وكيف بأن تلقي مسرة ساعة ... وراء تقضيها مساءة أحقائب
أخرى:
الخوض في دول الدنيا يلج بكم ... كأنها لجج خواضها لجج
كم خلصت لجج البحر الرجال وما ... أقل من خلصته هذه اللجج
أخرى:
مبالاة مثلى بالرزايا غضاضة ... أباها وثيق العقدين حصيف
إذا أقبلت يوما على صروفها ... لأنيابها في مسمعي صريف
عتاب لها حتى أشقى نحورها ... أسنة عزم حدهن رهيف
يمسحن أركاني وهن قوافل ... صفا صادرات النبل عنه مصيف
стр. 1005
والقاضي أديب الملوك أبو إسماعيل يعقوب بن شرين الجندي أفضل الفتيان في عصره وأعقلهم وأذكاهم وأدهاهم وكان كاتب سلطان خوارزم فاستعفى وهو يكتب باللسانين العربية والفارسية ويحسن وهو ممن رببت وخرجت وبلغت تلك الذروة وهو أوثق سهم من كنانتي.
والحمد لله أولا وآخرا والصلاة على نبينا محمّد وآله والطيبين.
ثم غن الشيخ السلفي عاوده الاستجازة في السنة الثانية من إسكندرية كأنه ما وصلته إجازته فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم. المسئول من كرم الشيخ الأجل العلامة أدام الله بهجته وحرس مهجته أنْ يجيز لأحمد بن محمّد السلفي الأصبهاني جميع مسموعاته ومجموعاته في جميع الفنون ويثبت بخطه أساميها تحت هذا الخط ويضيف إلى ذلك ذكر شيوخه الأعلام الذين أخذ عنهم الحديث واللغة ويذكر جملا مما سمعه عليهم ويتمم تفضيله بإثبات أحاديث قصار من رواياته عنهم وكتب شيء من شعر من رآه وأنشده من قبله بعد المبالغة في التعريف به ولا يذكر من الأبيات إلاّ القصار التي تصلح لأصاب الحديث ويتصور إخراجها في الأمالي وأواخر الفوائد ويذكر متفضلا مولده والسنة التي ولد فيها فالحاجة داعية إلى كل ذلك ويبين ذكر الموتلف والمختلف الذي ألفه في أي فن هو وعلى أي شيء يجوز؟ أعلى ذكر الفقهاء أو الأدباء
стр. 1006
أم أهل الحديث؟ ولا يحوج أدام الله توفيقه إلى المراجعة فالمسافة بعيدة وقد كتب في السنة الماضية ولم يجبه بما يشفي الغليل وله في ذلك الثواب الجزيل إنْ شاء الله تعالى وبه الثقة.
فأجاب فجر خوارزم بما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم ما مثلي مع أعلام العلماء إلاّ كمثل السها مع مصابيح السماء والجهام الصفر والرهام مع الغوادي الغامرة للقيان والإكام والسكيت المخلف مع خيل السباق والبغاث مع الطير العتاق وما التلقيب بالعلامة إلاّ شبه الرقم بالعلامة كما قال العرب وقيل له لم سميت نعامة: الأسماء علامة وليست بكرامة ولو كانت كرامة لاشتراك الناس في اسم واحد. والعلم مدينة أحد بابيها الرواية والثاني الدراية وأنا في كلا البابين ذو بضاعة مزجاه ظلي فيه أقلص من ظل حصاه وأما الرواية فحديثة الميلاد قريبة الإسناد لم تستند إلى علماء نحارير ولا إلى أعلام مشاهير وأما الدراية فثمد لا يبلغ أفواها وبرض لا يبل شفاها ولا يغرنكم قول الوزير مجير الدولة:
وجولت فكرى في البلاد فلم يقع ... على رجل في علمه غير راجل
إلى أنْ جرى الطير السنيح فدلني ... على فخر خوارزم ورأس الأفاضل
ولا قول المنتخب محمّد بن أرسلان:
وما ناصر الإسلام إلاّ ابن بجدة ... يحيط بعلم لا يحيط به الورى
стр. 1007
أبو القاسم المحمود محمود الذي ... به تفخر الدنيا وناهيك مفخرا
ولا قول الشريف الأجل ذي المناقب أبي الحسن عليّ بن حمزة بن وهاس الحسني المدني.
قال أحمد المقري وفقه الله: هو عليّ بضم أوله وفتح ثانيه ابن عيسى ابن حمزة بن وهاس الحسني العلوي وقيل إنَّ الكشاف برسمه صنعه الزمخشري رحم الله الجميع.
رجع إلى قول الزمخشري:
وكم للإمام الفرد عندي من يد ... وهانيك مما قد أطاب وأكثر
أخي العزمة البيضاء والهمة التي ... أنافت به علامة العصر والورى
جميع قرى الدنيا سوى القرية التي ... تبوأها دارا فداء زمخشرا
وأحر بأن تزهي زمخشر بامرئ ... إذا عد أسد الشر زمخ الشرى
فلولا ما ظن البلاد بذكرها ... ولا طار فيها منجدا ومغمورا
فليس ثناها بالعراق وأهله ... بأعرف من في الحجاز وأشهرا
إمام فلينا من فلينا وكلما ... طبعناه سبكا كان أنضر جوهرا
ومكة راووق الرجال فهاكه ... مصفى وخذ من شئت منهم مكدرا
رسا طود تقوى فاض بحر فضائل ... فكم أذل أطوادا وغيض أبحرا
وتحت علاق الصدق سر مطهر ... يمدان دينا كالمجرة نيرا
стр. 1008
فلولا سماء أشمست ثم أقمرت ... كفى بمعاليه شموسا وأقمرا
ولا قوله ﵀:
لقد شجى في أم رأسي عزمه ... فأصبحت من عزم الإمام أمما
تمنيت لو لم ألقه وجهلته ... ولم يخشى قلبي بالفراق كلوما
فديت أمرا يحشو الفؤاد فراقه ... كلوما ولقياه حشته علوما
وكائن رأينا من أولى العلم والتقى ... رجالا أناخوا بالحجاز قروما
فأخمد أستاذ الزمان ضياءهم ... وكان وكانوا شارقا ونجوما
ولا قوله ﵀:
أتى حرم الله العظيم مجاورا ... فلله ما أدنت جمال وأينق
فمن حوضه عنت ظماء ذوي النهى ... فآبت رواء وهو ملآن يفهق
ولا قول العميدي ﵀:
ولو وازن الدنيا تراب زمخشر ... لأنك منها زاده الله رجحانا
ولا قول بعض فتيانها المجيدين:
دعوك بحار الله والله عالم ... بأنك جار الله حقا كما وجب
لعمري لقد فاضت وأنت مفيضها ... على حرم الله الصنائع والقرب
رقبت ذمام الله من كل مؤمن ... وواسيتهم بالعلم طرا وبالنشب
وأنت الإمام الزاهد الورع الذي ... أبيت أغترارا باللجين وبالذهب
وإنك للعلامة الجامع الذي ... جمعت أفنين العلوم إلى الأدب
وما نصر الإسلام غيرك أهله ... وإنْ طار أعلى المنازل والرتب
ومن طالع التفسير أيقن أنه ... من الفلك الأعلى أتى اللقب
стр. 1009
وإنك أستاذ الزمان وكلهم ... تلامذة جاثون ضغرا على الركب
وسمتك إذ فرقت في كل بلدة ... جواهر علم شيخها العجم والعرب
فما لخوارزم التي أنت فخرها ... علتها الثريا إنَّ ذاك من العجب
ولا قول ابن القرطبي:
قسما بلغ تحياتي إلى ... شيخنا العلامة الحبر العلم
ليس قس عنده قسا ولا ... سيبويه الشهم يدري ما الكلم
أي آداب وعلم وتقى ... منه فارقت وحلم وحكم
قل إذا ما الدهر أمسى عابسا ... إنَّ محمودا لك ابن يبتسم
لو جعلت اليم حبرا والفيلا ... مهرقا كانت معاليه أطم
إنْ من جراه لولا المصطفى ... كنت فضلت على العرب العجم
كل موجود سواه حيث لم ... أر ذاك الفضل في عيني عدم
ولا قول الخطيب الموفق:
لسانك غواص ولفظك لؤلؤ ... وفكرك بحر للفضائل طامي
لسان يود الحاسدون لو أنه ... سنان قناة أو غرار حسام
ولا قوله أيضاً:
أفخر خوارزم مالي عنك منحرف ... ما دام يختلف الأنوار والسدف
ألست أنت الذي خولتني نعما ... تطوي وتنشر في تعدادها الصحف
ألست أنت الذي أوليتني رتبا ... بفضل رفعتها الإيوان يعترف
ألست أنت الذي من ورد نعمته ... وورد حكمته أجنى وأغترف
أعداؤك استنشر فوني من جهالتهم ... في وصفها وهي عندي فوق ما أصف
стр. 1010
ولا قول أديب الملوك يعقوب بن شرين الجندي:
فتى سار الآفاق ركبان ذكره ... مغربة طورا وطورا مشرقة
إذا حل في أرض أتاه فحولها ... تفيد علوما حوله متحلقة
وإنْ خاض في شرح العلوم رأيتها ... لفرط احتشام من معاليه مطرقة
فليس له في كل شرق ومغرب ... نظير بنو الدنيا على ذاك مطبقة
ولا قول البديع الخوارزمي:
أمكة هل تدرين ماذا تضمنت ... يمقدم جار الله منك الأباطح
به وإليه العلم ينمي وينتمي ... وفيه لأرباب العلوم المناجح
محاط رحال الفاضلين فلم يزل ... يحط إليه الرحال غاد ورائح
إذا انتابه الوطاب رأيته ... تحول عنه وهو ملآن طافح
بمته الكرام الغر من خير أسرة ... هم قدوة الدنيا الكهول الجحاجح
أدلاء ضلال البرايا جباههم ... مصابيح رهبان فدتها المصابح
فإن ذلك اغترار منهم بالظاهر المموه وجهل بالباطن المشوه.
ولعل الذي غرهم مني ما رأوا من النصح للمسلمين وبليغ الشفقة على المستفيد وقطع المطامع عنهم وإفادة المبار والصنائع عليهم وعزة النفس والرب بها عن الإسفاف للدنيات والإقبال على خويصتي والإعراض عمالا يعنيني فجللت في عيونهم وغلطوا فيّ ونسبوني إلى ما لست في قبيل ولا دبير.
стр. 1011
وما أنا فيما أقول بهاضم لنفسي كما قال الحسن ﵀ في أبي بكر الصديق ﵁ وقوله: " وليتكم ولست بخيركم " إنَّ المؤمن ليهضم نفسه وإنما صدقت الفاحص عني وعن كنه روايتي ودرايتي ومن لقيت وأخذت عنه وما مبلغ علمي وقصاري فضلي وأطلعته طلع أمري وأفضيت إليه بخبيئة وألقيت إليه عجزي وبجرئ وأعلمته نجمي وشجري.
وأما المولد فقرية مجهولة من قرى خوارزم تسمى زمخشر وسمعت أبي ﵀ يقول: اجتاز بها أعرابي فسأل عن أسمها واسم كبيرها فقيل له مخشر والرداد. فقال: لا خير في شر ورد ولم يلمم بها.
ووقت الميلاد شهر الله الأصم في عام سبع وستين وأربع مائة.
والحمد لله المحمود والمصلى عليه محمّد ﷺ . انتهى.
قلت: وإنما أوردت ذلك مع ما في بعضه من الغلو وعد التأدب مع الشرع في بعض الألفاظ كي تعلم فضل أهل السنة ﵃ حيث انتصروا على من هذه صفته على زعمه بالحجج البالغة وكسروا أم رأسه ورأس شيعته بالحجارة الدامغة ولم يغن عنه شيء من اعتقاد هؤلاء الغلاة فيه ولمتنفعه ألستنهم التي تأتي بالباطل في صور الحق وتستفضي مطلوبها وتستوفيه اللهم إلاّ أنْ يكونوا غير عالمين باعتقاده فلهم عذر عند اعتراض المعارض وانتقاده وأيا ما كان فقد هدم أهل السنة ﵃ له ولأحزابه أساسا وكلما حمى حوزته البدعية كليب من شيعته قيض الله له جساسا فظهر الحق وأهله وارتفع غي البتدع وجهله.
стр. 1012
ومن بديع نظم الزمخشري المذكور قوله:
هو النفس الصعاد عن كبد حرى ... إلى أنْ أرى أم القرى مرة أخرى
سريت بشخصي لا بنفسي وهمتي ... وهيهات ما للأخشبين وللمسرى
مقيمان عند البيت ما ذر شارق ... منيخان بالبطحاء ما ذكت الشعرى
وله من قصيدة:
مليح ولكن عند كل جفوة ... ولم أر في الدنيا صفاء بلا كدر
ولم أنس إذ غازلته قرب روضة ... إلى جنب حوض فيه للماء منحدر
فقلت له جئني بورد وإنما ... أردت به ورد الخدود وما شعر
فقال انتظر رجع طرف أجئ به ... فقلت له: هيهات ما لي منتظر
فقال ولا ورد سوى الخد حاضر ... قلت له إني قنعت بما حضر
وقوله:
إذا التصقت بالبحث في العلم ركبتي ... بركة نحري على الجد دأب
فإن دام لي عون الإله على الذي ... أعانيه من فضل وبر وأداب
وإنْ نظرت عيني على الد والصفا ... مع البر والتقوى نواظر أحباب
فقل لملوك الأرض يلهوا ويلعبوا ... فذلك أهوى ما حييت وتلعابي
وقوله أيضاً:
أربعة للدين أركان ... حبهم يمن وإيمان
أربعة أول أسمائهم ... عين وهم في الناس أعيان
عتيق والفاروق والجتبى ... منهم ذو النورين عثمان
стр. 1013
وقال السيوطي في لطبقات الصغرى ما نصه: محمود بن عمر بن محمّد بن أحمد الزمخشري أبو القاسم جار الله كان واسع العلم كثير الفضل غاية في الذكاء وجودة القريحة متفننا يقال كل علم معتزليا قويا في مذهبه مجاهرا به حنفيا.
ولد في رجب سنة سبع وستين وأرب مائة وور بغداد غير مرة وأخذ الأدب عن أبي الحسن عليّ بن المظفر النيسابوري وأبي مضر الأصبهاني وسمع من أبي سعد الشقاني وشيخ الإسلام أبي منصور الحارثي وجماعة وجاور بمكة وتلقب بجار الله وفخر خوارزم أيضاً. وكتب إليه الحافظ السلفي يستجيزه وأصابه خراج في رجله فقطعها وصنع عوضا عنها رجلاً من خشب وكان إذا مشى ألقى عليها ثيابا الطوال فيظن من يراه أنَّه أعرج.
وله من التصانيف: الكشاف في التفسير الفائقد في غري الحديث المفصل في النحو المقامات المستقضي في الأمثال ربيع الأبار أطواق الذهب صميم العربية شرح أبيات الكتاب الأنموذج في النجو الرائض في الفرائض شرح بعض مشكلات المفصل الكلم النوابغ القسطاس في العروض الأحاجي النحوية وغير ذلك.
مات يوم عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة.
أسندنا حديثه في الطبقات الكبرى وتكرر في جمع الجوامع.
стр. 1014
وله:
إنَّ التفاسير في الدنيا بلا عدد ... وليس فيها لعمري مثل كشافي
إنْ كنت تبغي الهدى فالزم قارءته ... فجهل كالداء والكشاف كالشافي
انتهى كلام السيوطي.
وقال ابن خلكان فيه ما نصه:
محمود بن عمر بن حتى الخوارزمي الزمخشري أبو القاسم الإمام له الكتب في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان. إمام عصره غير مدافع تشد إليه الرحال في فنونه وصنف التصانيف الشريفة منا الكشاف لم يصنف قبله مثله والمفضل في النحو وغير ذلك. وسافر إلى مكة وأقام مجاورا زمانا فصار يقال له جار الله لذلك وكان هذا الاسم علما عليه وكانت إحدى رجليه ساقطة وكان يمشي في جارن خشب وسبب سقوطها أنَّه أصابه في بعض أسفاره ببلاد خوارزم ثلج وبرد شديد فسقطت رجله وكان بيده محضر فيه شهادة خلق كثير ممن أطلعوا على حقيقة ذلك خوفا من أنْ يظن به أنها قطعت لريبة وقيل إنَّه سئل عن قطع سبب رجله فقال: دعاء الوالدة وذلك أني في صباي أمسكت عصفورا وربطت خيطا في رجله فأفلت من يدي فأركته وقد دخل في خرق فجذبته فانقطعت رجله في الخيط فتألمت والدتي لذلك وقالت قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله. فلما دخلت إلى بخارى لطلب العلم سقطت من الدابة وانكسرت الرجل وعملت على عملا أوجب قطعها. وكان الزمخشري معتزلي الاعتقاد متظاهرا به وكان إذا قصد صاحبا
стр. 1015
له واستأذن عليه في الدخول يقول له: أبو القاسم العتزلي بالباب.
وأول من صنف الكشاف كتب استفتاح الخطبة: " الحمد لله الذي خلق القرآن " فقيل له: متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس ولا يرغب أحد فيه فغيره وقال: " الحمد لله الذي جعل القرآن " وجعل عندهم: بمعنى خلق. ورئي في كثير من النسخ: " الحمد لله الذي أنزل القرآن " وهذا إصلاح الناس لا إصلاح المصنف.
ومن شعره يرثي شيخه أبا مضر محمودا:
وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقط من عينيك سمطين سمطين
فقلت لها الدر الذي كان قد حشا ... أبو مضر أذنى تساقط من عيني
وأنشد في كتابه الكشاف لبعضهم:
يا من يرى مدينة البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى عروق نياطها في نحرها ... والمخ في تلك العظام النحل
اغفر لعبد تاب من فرطته ... ما كان منه في الزمان الأول
ويروى أنَّ الزمخشري أوصى أنْ تكتب هذه الأبيات على لوح قبره.
وقال غير ابن خلكان في البيت الأخير:
أمنن على بتوبة أمحو بها ... ما كان مني في الزمان الأول
وهذا لا يناسب الكتب على لوح القبر وإنما يناسبه ما روي ابن خلكان فتأمله.
стр. 1016
ثم قال ابن خلكان: وحدث بعض الأصحاب أنه رأى بجزيرة سواكن تربة ملكها عزيز الدولة ريحان وعلى قبره مكتوب:
يا أيها الناس كان لي أمل ... قصر بي عن بلوغه الأجل
فليتق الله ربه رجل ... أكنه قبل موته العمل
ما أنا وحدي نقلت حيث ترى ... كل إلى ما نقلت ينتقل
توفي الزمخشري ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة.
انتهى كلام ابن خلكان.
وقد تقدم في التأليف الذي نقلناه عن الشيخ ابن غازي ﵀ بعض إلمام بحال الزمخشري سامحه الله.
ومن نظم الزمخشري قوله يمدح كتاب سيبويه ﵀:
ألا صلى الإله صلاة حق ... على عمرو بن عثمان بن قنبر
فإنَّ كتابه لم يغن عنه ... بنو قلم ولا ابناء منبر
بين الزمخشري وأهل السنة
وأنشد الزمخشري في كشافه لبعض العدلية يعرض بأهل السنة والجماعة المفلحين وينصر مذهبه الفاسد:
لجماعة سموا هواهم سنة ... وجماعة حمر لعمري موكفة
стр. 1017
قد شبهوه بخلقه وتخوفوا ... شنع الورى فتستروا بالبلكفة
ود تصدى للرد عليه من أهل السنة ﵃ جم وافر وأبدوا ما يؤيد مذهبهم الظافر وتركوا المبتدع يحك رأسه بغير أظافر.
ولنذكر الآن ما حضرنا من ذلك كقول صاحب الانتصاف من لكشاف وهو ناصر الدين بن المنير الإسكندراني رحمه الله تعالى:
وجماعة كفروا برؤية ربهم ... هذا ووعد الله ما أنْ يخلفه
وتلقبوا عدلية قلنا أجل ... عدلوا بربهم فحسبهم سفه
وتلقبوا الناجين كلا انهم ... إنْ لم يكونوا في لظى فعلى شفه
وكقوله أيضاً أعني أصحاب الانتصاف:
عجبا لقوم ظالمين تلقبوا ... بالعدل ما فيهم لعمري معرفة
قد جاءهم من حيث لا يدرونه ... تعطيل ذات الله مع نفي الصفة
وكقول الشيخ الإمام أبي عليّ عمر بن محمّد خليل السكوني الأصولي ﵀:
سميت جهلا صدر أمة أحمد ... وذوي البصائر بالحمير المؤكفة
ورميتهم عن نبعة سويتها ... رمي الوليد غدا يمزق مصحفة
وزعمت إنْ قد شيهوه بخلقه ... وتخوفوا فتستروا بالبلكفة
نطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى ... فهو الهوى بك في المهاوي المتلفة
وجب الجسار عليك فانظر منصفا ... في آية الأعراف فهي المنصفة
стр. 1018
أترى الكليم أتى بجهل ما أتى ... وأتى شيوخك ما أتوا عن معرفة
وقول القاضي أبي عمر بن عبد الرفيع:
جورية وتلقبت عدلية ... وعن الصواب عدولها للسفسفه
نفوا الصفات وعطلوا وتمجسوا ... ويكابرون وشأنهم جلب السفه
هكذا وجد بخط الإمام أبي عبد الله بن مرزوق ورأيته بخط بعض الأصحاب: وشأنهم حال السفه، والأمر في ذلك قريب.
وقول الإمام القاضي أبي عبد الله محمّد بن عليّ الأجمي التونسي قاضي الأنكحة رحمه الله تعالى:
لهواتف هتفوا وظنوا هتفهم ... عدلا لقد بلغوا النهاية في السفه
زعموا بأن الذات قام بغيرها ... صفة وفيها أوجبوا حكم الصفة
خرقوا سياجا شاده سلف الهدى ... وتمذهبوا بمذاهب مستنكفة
وأتى الأخير الغمر من أتباعهم ... يبغي الحجاج معرضا بالبلكفة
أعني الخوارزمي ذا الصلفال ... لم يتئد من جهله بالمعرفة
بل تاه في بيدا الجهالة معرضا ... كحمار وحش في مهامة متلفة
وقول الفقيه أبي زكريا يحيى بن منصور التونسي قال الشيخ ابن مرزوق ﵀: وفي جوابه تعريض بجواب الأجمي فوقه:
عجبا لحبر في البلاغو ذائق ... علم الفصاحة فرده ومؤلفه
جمع المعاني والبيان مكشفا ... أسرار قرآن بأكمل معرفة
وأضل الله العظيم فراغ عن ... سنن الصواب وحاد عنه وحرفه
فأحق قدرة حادث وأحال رؤ ... ية واجب أو أنْ تكون له صفة
ما ذاك إلاّ فعل قهار به ... قوم ذوو رشد وقوم في سفه
стр. 1019
والله أسأل رحمة لجميعنا ... ودخولنا فيمن حباه وشرفه
متوسلين بأحمد خير الورى ... صلى عليه الله ما نطقت شفة
وقوله الفقيه أبي محمّد عبد الواحد اليفرني:
قل للذي جمع النظام وخلفه ... من بعده لك موعد لن تخلفه
أثبت عدل جماعة في جورهم ... والجور أثبته لهم نفي الصفة
ستكون من تلك الجماعة يوم هم ... حمر لغي أو لكي موقفه
وقوله شيخ الإسلام أبي عبد الله بن عرفة ﵀:
لحثالة سموا هواهم معدلا ... وحثالة حمر لكي موقفه
قد شهوه بالمحال وعطلوا ... وتستروا باللذات عن نفي الصفة
قوله: " قد شبهوه بالمحال " أي لقولهم: " عالم لا بعلم " ونفي العلم يستلزم أنْ يكون محالا. هكذا ألفي في بعض المقيدات والله اعلم.
وقول خطيب الخطباء الرئيس الحاجب الفيه المحدث الرحال سيدي أبي عبد الله بن مرزوق التلمساني رحمه الله تعالى:
وجماعة عرفت لعمري بالسفه ... وتمسك بظلال أهل الفلسفة
عدلت عن النهج القويم فلقبت ... عدلية وعدولها عن معرفة
ضلت وقالت لن يرى ربي الورى ... يوم الجزاء فألزت نفي الصفة
هذا وكم من زلة زلت وكم ... من مذهب ذهبت به في متلفه
وكذاك أسلمت الأمور لنفسها ... هيهات تنقذ نفسها من متلفه
كيف السبيل لصرفها عن غيها ... والعدل يمنع صرفها والمعرفة
وقال سعد الدين الالتفتزاني ﵀ عند ذكر البيتين اللذين أنشدهما
стр. 1020
الزمخشري ما نصه: ولقد عورض ما أنشده وأنشأه من الهذيان. قال الإمام المحقق محي السنة قامع البديعة كامل الدين المظفر ردا عليهم:
لجماعة كفروا برؤية ربهم ... ولقائه حمر لعمري موكفة
هم عطلوه عن الصفات وعطلوا ... عنه الفعال فيها لها من منكفة
هم نازعوا الخلق حتى أشركوا ... بالله زمرة حاكة وأساكفه
هذا غلقوا أبواب رحمته التي ... هي لا تزال على العصاة موكفة
ولهم قواعد في العقائد رذلة ... ومذاهب مجهولة مستنكفة
يبكي كتاب الله من تأويلهم ... بدموعهم المنهلة المستوكفة
وكذا أحاديث النبي دموعها ... منهم على الخدين غير مكفكفه
فالله أمطر في سحاب عذابه ... وعقابه أبدا عليهم أوكفه
انتهى لكلام السعد ﵀.
وقال الطيبي ﵀: وأجابه بعض أهل السنة بقوله:
عبا لقوم ظالمين تستروا ... بالعدل ما فيهم لعمري معرفة
البيتين وقد تقدم أنهما لصاحب الانتصاف حسبما صرح بذلك الإمام ابن مرزوق فبان أنه المعنى بقول الطيبي: أجاب بعض أهل السنة والله اعلم.
قلت: وقد رأيت بتلمستان بخط الفقيه أبي عبد الله محمّد بن الحداد الوادي
آشي ثم الغرناطي نزيل تلمستان ﵀ جوابا بديعا جدا للشيخ الإمام ابن الجبير اليحصبي أحد أعلام المناخرين بالأندلس ونقلته ن خطه الحسن وهو:
وجماعة منشوءة بدعية ... مصروفة عن رشدها متعسفة
حاروا وسموا قومهم عدلية ... عدلوا ولكن عن طريق المعرفة
следующие страницы →