Полный текст (793 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فَكَشَفْتَ عَنْهُ الْبَلاءَ إِلا مَا رَحِمْتَ وَلَدِي وَوَهَبْتَ لِي ذَنْبَهُ. وَسَمِعَ الْحَسَنُ هَاتِفًا يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ رَحِمَ الْفَتَى وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَحَضَرَ الْحَسَنُ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ جِنَازَتَهُ.
يَا أَهْلَ الذُّنُوبِ لا يَغُرَّنَّكُمُ الإِمْهَالُ فَإِنَّمَا هِيَ أَيَّامٌ وَلَيَالٍ , رُبَّ مَشْغُولٍ بِلَذَّاتِهِ عَنْ ذِكْرِ تَخْرِيبِ ذَاتِهِ , يَلْهُو بِأَمَلِهِ عَنْ تَجْوِيدِ عَمَلِهِ , يَتَقَلَّبُ فِي أَغْرَاضِهِ نَاسِيًا قُرْبَ إمراضه , بغته الفاجع بباسه فأخذ عَنْ أَهْلِهِ وَجُلاسِهِ.
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل﴾ كَمْ مَأْخُوذٍ عَلَى الزَّلَلِ خُتِمَ لَهُ بِسُوءِ الْعَمَلِ , نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ , فَيَا هَوْلَ مَا نَزَلَ , فَأَسْكَنَهُ الْقَبْرَ فَكَأَنْ لَمْ يَزَلْ , وَهَذَا مَصِيرُ الْغَافِلِ لَوْ غَفَلَ ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ويلههم الأمل﴾ .
كَمْ نَائِمٍ عَلَى فِرَاشِ التَّقْصِيرِ , مُغْتَرٌّ بِعُمْرٍ قَصِيرٍ , صَاحَ بِهِ فَلَمْ يُبَالِ النَّذِيرَ , فَاسْتَلَبَهُ الْخَطَأُ وَالتَّبْذِيرُ , فَلَمَّا أَحَسَّ الْبَاسَ ثَارَتْ مِنْ نِيرَانِ النَّدَمِ شُعَلٌ ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمل﴾ .
كَمْ مُسْتَحِلٍّ شَرَابَ الْهَوَى شَرِبَ مِنْ كَأْسِهِ حَتَّى ارْتَوَى , بَيْنَا هُوَ عَلَى جَادَّةِ إِعْرَاضِهِ هَوَى , فَمَا نَفَعَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مَا حَوَى , وَلا مَا شَرِبَ وَلا مَا أَكَلَ ﴿ذَرْهُمْ يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل﴾ .
لا تَغْتَرِرْ بِنَعِيمِ الْقَوْمِ , فَإِنَّ غَدًا بَعْدَ الْيَوْمِ , دَعْهُمْ فَمَا يُؤْثَرُ فِيهِمُ اللَّوْمُ , وَهَلْ ينفع التحريك مَيِّتًا وَهَلْ ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾ .
يَجْمَعُونَ الْحُطَامَ بِكَسْبِ الْحَرَامِ , وَيَتَفَكَّرُونَ فِي نَصْبِ شَرَكِ الآثَامِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ , يَرْقُدُونَ فِي اللَّيْلِ وَفِكْرُهُمْ فِي الْوَيْلِ طَوِيلٌ لا يَنَامُ , وَالأَقْدَامُ فِيمَا لا يَحِلُّ إِقْدَامٌ تَسْعَى فِي هَوَاهَا سَعْيَ الرَّمَلِ ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾ .
مَا عِنْدَهُمْ خَبَرٌ مِنَ السَّاعَةِ , وَالْعُمْرُ يَمْضِي سَاعَةً فَسَاعَةً , خَسِرُوا فِي أَشْرَفِ
стр. 247
تِجَارَةٍ وَأَغْلَى بِضَاعَةٍ , يَتَثَاقَلُونَ تَثَاقُلَ عُطَارِدَ فِي الطَّاعَةِ , فَإِذَا لاحَ الذَّنْبُ فَزُحَلَ ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ويتمتعوا ويلههم الأمل﴾ .
كَيْفَ بِكَفٍّ يَعْيَا وَيَعِيثُ , كَيْفَ نُحَذِّرُهَا شَرَّ الْخَطَايَا وَكُلُّ فِعْلِهَا خَبِيثٌ.
كَيْفَ نُخَوِّفُهَا قَلِيلَ الذَّنْبِ وَلِسَانُ الْحَالِ يَسْتَغِيثُ. أَنَا الْغَرِيقُ فَمَا خوفي من البلل ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل﴾ .
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
стр. 248
المجلس الثامن عشر
فِي قِصَّةِ بَلْعَامَ
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي إِذَا لَطَفَ أَعَانَ , وَإِذَا عَطَفَ صَانَ , أَكَرْمَ مَنْ شَاءَ كَمَا شَاءَ وَأَهَانَ , أَخْرَجَ الْخَلِيلَ مِنْ آزَرَ وَمِنْ نُوحٍ كَنْعَانَ , يُمِيتُ وَيُحْيِي وَيُغْنِي وَيُشْقِي كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ , يَزِينُ بِمَوْهِبَةِ الْعِلْمِ فَإِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ شَانَ , خلع خلعة العلم على بلعم فَلَمْ يَصُنْهَا وَمَالَ بِهَوَاهُ إِلَى مَا عَنْهُ يُنْهَى ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان﴾
أَحْمَدُهُ فِي السِّرِّ وَالإِعْلانِ , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي انْشَقَّ لَيْلَةَ وِلادَتِهِ الإِيوَانُ , وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ أَوَّلِ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ , وَعَلَى الْفَارُوقِ الْمَوْصُوفِ بِالْعَدْلِ وَكَذَلِكَ كَانَ , وَعَلَى التَّقِيِّ الْحَيِيِّ عُثْمَانَ , وَعَلَى عَلِيٍّ سَيِّدِ الْعُلَمَاءِ وَالشُّجْعَانِ , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الْمُسْتَسْقَى بِهِ فَسَالَ التَّهْتَانُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ .
فِي الْمُشَارِ إِلَيْهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ. قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بن عمرو ابن الْعَاصِ , وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ , وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَكَانَ قَدْ قَرَأَ الْكُتُبَ وَعَلِمَ أَنَّهُ سَيَأْتِي رَسُولٌ , وَرَجَا أَنْ يَكُونَ هُوَ , فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَسَدَهُ وَكَفَرَ.
وَالثَّانِي: أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الأَنْصَارُ تَقُولُ: إِنَّهُ أَبُو عَامِرٍ.
وَالثَّالِثُ: أنه كان رجل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ , أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ , وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ دَمِيمَةٌ , فَقَالَتْ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي أَجْمَلَ امْرَأَةٍ فَدَعَا لَهَا
стр. 249
فَرَغِبَتْ عَنْ زَوْجِهَا , فَدَعَا عَلَيْهَا أَنْ يَجْعَلَهَا كَلْبَةً نَبَّاحَةً , فَجَاءَ بَنُوهَا وَقَالُوا: لا صَبْرَ لَنَا عَلَى تَعْيِيرِ النَّاسِ لَنَا بِأُمِّنَا , فَدَعَا أَنْ تَكُونَ كَمَا كَانَتْ، فَذَهَبَتِ الثَّلاثُ دَعَوَاتٍ. رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ كُلُّ مَنِ انْسَلَخَ مِنَ الْحَقِّ بَعْدَ أَنْ أُعْطِيَهُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْحُنَفَاءِ , قَالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ الْمُنَافِقُ. قَالَهُ الْحَسَنُ.
وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ بَلْعَامُ , قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالأَثْبَتُ.
وَفِي الآيَاتِ الَّتِي أُوتِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَبِهِ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا كِتَابٌ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا حُجَجُ التَّوْحِيدِ وَفَهْمُ أَدِلَّتِهِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا الْعِلْمُ بِكُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَكَانَ مِنْ خَبَرِ بَلْعَامَ: أَنَّ مُوسَى ﵇ غَزَا الْبَلَدَ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَكَانُوا كُفَّارًا , وَكَانَ هُوَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ , فَأَتَاهُ قَوْمُهُ فَقَالُوا: هَذَا مُوسَى قَدْ جَاءَ يُخْرِجُنَا مِنْ بِلادِنَا وَيَقْتُلُنَا وَيُحِلُّهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ , وَنَحْنُ قَوْمُكَ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ: وَيْلَكُمْ نَبِيُّ اللَّهِ وَمَعَهُ الْمَلائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ , فَكَيْفَ أَدْعُو عَلَيْهِمْ؟ فَقَالُوا: مَا لَنَا مِنْ مَتْرَكٍ. فَلَمْ يَزَالُوا يُرَقِّقُونَهُ وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ حَتَّى افْتَتَنَ , فَرَكِبَ حِمَارَةً لَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى عَسْكَرِ مُوسَى , فَمَا سَارَ إِلا الْقَلِيلَ حتى ربضت دَابَّتُهُ بِهِ فَنَزَلَ عَنْهَا فَقَرَّبَهَا , فَقَالَتْ: وَيْحَكَ يَا بَلْعَامُ أَيْنَ تَذْهَبُ! أَلا تَرَى الْمَلائِكَةَ أَمَامِي تَرُدَّنِي عَنْ وَجْهِي هَذَا , أَتَذْهَبُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ تَدْعُو عَلَيْهِمْ؟ فَلَمْ يَنْزِعْ عَنْهَا وَضَرَبَهَا , فَانْطَلَقَتْ بِهِ حَتَّى إِذَا أَشْرَفَ على عسكر موسى جعل لا يدعو عليهم بِشَيْءٍ إِلا صَرَفَ اللَّهُ بِهِ لِسَانَهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ , فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: إِنَّمَا تَدْعُو عَلَيْنَا. فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ لا أَمْلِكُهُ. إِلا أَنَّهُ دَعَا أَلا يَدْخُلَ مُوسَى الْمَدِينَةَ فَوَقَعُوا فِي التِّيهِ , فَقَالَ
стр. 250
مُوسَى: اللَّهُمَّ كَمَا سَمِعْتَ دُعَاءَهُ عَلَيَّ فَاسْمَعْ دُعَائِيَ عَلَيْهِ فَدَعَا، اللَّهَ أَنْ يَنْزِعَ مِنْهُ الاسْمَ الأَعْظَمَ , فَنُزِعَ مِنْهُ وَانْدَلَعَ لِسَانُهُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ. فَقَالَ لِقَوْمِهِ: قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الآنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ , فَلَمْ يَبْقَ إِلا الْمَكْرُ وَالْحِيلَةُ , جَمِّلُوا النِّسَاءَ وَأَعْطُوهُنَّ السِّلَعَ
وَأَرْسِلُوهُنَّ فِي الْعَسْكَرِ يَبِعْنَهَا , وَمُرُوهُنَّ أَنْ لا تَمْنَعَ امْرَأَةً نَفْسَهَا مِمَّنْ أَرَادَهَا , فَإِنَّهُ إِنْ زَنَى رَجُلٌ مِنْهُمْ كُفِيتُمُوهُمْ! فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَوَقَعَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَلَى امْرَأَةٍ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّاعُونَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَئِذٍ , فَهَلَكَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ!
وَرَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ أَنَّ بَلْعَامَ قَالَ لِقَوْمِهِ: لا تَرْهَبُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنَّكُمْ إِذَا خَرَجْتُمْ لِقِتَالِهِمْ دَعَوْتُ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ رَغَّبَهُ فِيمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: خَوَّفَهُ مَلِكُهُمْ فَنَحَتَ لَهُ خَشَبَةً لِيَصْلِبَهُ عليها , فدعا عليهم.
وقوله: ﴿فانسلخ منها﴾ أَيْ خَرَجَ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي أدركه ﴿فكان من الغاوين﴾ يَعْنِي الضَّالِّينَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بها﴾ فِي هَاءِ الْكِنَايَةِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا تَعُودُ إِلَى الإِنْسَانِ الْمَذْكُورِ. قَالَهُ الْجُمْهُورُ. وَالثَّانِي: إِلَى الْكُفْرِ بِالآيَاتِ , فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَا عَنْهُ الْكُفْرَ بِآيَاتِنَا. رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ. ﴿وَلَكِنَّهُ أخلد إلى الأرض﴾ أَيْ رَكِنَ إِلَى الدُّنْيَا وَسَكَنَ ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أَيِ انْقَادَ إِلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ الْهَوَى.
وَهَذِهِ الآيَةُ مِنْ أَشَدِّ الآيَاتِ عَلَى الْعُلَمَاءِ إِذَا مَالُوا عَنِ الْعِلْمِ إِلَى الْهَوَى.
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تتركه يلهث﴾ الْمَعْنَى: أَنَّ الْكَافِرَ إِنْ زَجَرْتَهُ لَمْ يَنْزَجِرْ , وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَهْتَدِ , كَالْكَلْبِ إِنْ طُرِدَ كَانَ لاهِثًا وَإِنْ تُرِكَ كَانَ لاهِثًا.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كُلُّ لاهِثٍ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ إِعْيَاءٍ أَوْ عَطَشٍ إِلا الْكَلْبَ , فَإِنَّهُ يَلْهَثُ فِي حَالِ رَاحَتِهِ وَحَالِ كَلالِهِ؛ وَفِي حَالِ الرِّيِّ وَحَالِ الْعَطَشِ.
стр. 251
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: زُجِرَ فِي مَنَامِهِ عَنِ الدُّعَاءِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يَنْزَجِرْ , وَخَاطَبَهُ أَتَانُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ.
وَهَذَا رَجُلٌ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ بَلْ ضَرَّهُ. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْعِلْمُ يَضُرُّكَ إِذَا لَمْ يَنْفَعْكَ. وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ: نُبِّئْتُ أَنَّ بَعْضَ مَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ يَتَأَذَّى أَهْلُ النَّارِ بِرِيحِهِ فَيُقَالُ لَهُ: وَيْحَكَ مَا كُنْتَ تَعْمَلُ؟ أَمَا يَكْفِينَا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الشَّرِّ حَتَّى ابْتُلِينَا بِكَ وبنتن رِيحِكَ! فَيَقُولُ: كُنْتُ عَالِمًا وَلَمْ أَنْتَفِعْ بِعِلْمِي.
وَكَتَبَ حَكِيمٌ إِلَى حَكِيمٍ: يَا أَخِي قَدْ أُوتِيتُ عِلْمًا فَلا تُدَنِّسْ عِلْمَكَ بِظُلْمَةِ الذُّنُوبِ فَتَبْقَى فِي الظُّلْمَةِ يَوْمَ يَسْعَى أَهْلُ الْعِلْمِ بنور علمهم!
وكان عيسى بن مَرْيَمَ يَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ الْعُلَمَاءِ مَثَلُكُمْ مَثَلُ الدِّفْلَى يُعْجِبُ وَرْدُهُ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ وَيَقْتُلُ طَعْمُهُ مَنْ أَكَلَهُ , كَلامُكُمْ دَوَاءٌ يُبْرِئُ الدَّاءَ وَأَعْمَالُكُمْ دَاءٌ لا يَقْبَلُ الدَّوَاءُ , وَالْحِكْمَةُ تَخْرُجُ من أفواهكم وليس بينها وبين آذَانِكُمْ إِلا أَرْبَعُ أَصَابِعَ ثُمَّ لا تَعِيهَا قُلُوبُكُمْ! مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ كَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَطْلُبُ الْكَلامَ لِيُخْبِرَ بِهِ وَلا يَطْلُبُهُ لِيَعْمَلَ بِهِ , الْعِلْمُ فَوْقَ رُءُوسِكُمْ وَالْعَمَلُ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ , فَلا أَحْرَارٌ كِرَامٌ وَلا عَبِيدٌ أَتْقِيَاءُ.
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(جِدُّوا فَإِنَّ الأَمْرَ جَدُّ ... وَلَهُ أَعِدُّوا وَاسْتَعِدُّوا)
(لا يُسْتَقَالُ الْيَوْمُ إِنْ ... وَلَّى وَلا لِلأَمْرِ رَدُّ)
(لا تَغْفَلَنَّ فَإِنَّمَا ... آجَالُكُمْ نَفَسٌ يُعَدُّ)
(وَحَوَادِثُ الدُّنْيَا تَرُوحُ ... عليكم طورا وتغدو)
(أين الأولى كنا نرى ... ماتوا ونحن نموت بعد)
(مالي كأن مناي يبسط ... لي وآمالي تمد)
(ما غَفْلَتِي عَنْ يَوْمِ يَجْمَعُ ... شِرَّتِي كَفَنٌ وَلَحْدُ)
(ضيعت ما لا بدلي ... منه بمالي منه بد)
(ما نحن فيه متاع أيام ... يعار ويسترد)
стр. 252
(إِنْ كَانَ لا يَعْنِيكَ مَا ... يَكْفِي فَمَا يَعْنِيكَ جَدُّ)
(هَوِّنْ عَلَيْكَ فَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يُعْطَى مَا يَوَدُّ ... )
(وَتَوِّقْ نَفْسَكَ فِي هَوَاكَ ... فَإِنَّهَا لَكَ فِيهِ ضِدُّ)
(مَنْ كَانَ مُتَّبِعًا هَوَاهُ ... فَإِنَّهُ لِهَوَاهُ عَبْدُ)
إِخْوَانِي: مَتَى أَصْبَحَ الْهَوَى أَمِيرًا أَمْسَى الْعَقْلُ أَسِيرًا , التَّقْوَى دِرْعٌ وَالدِّرْعُ مَجْمُوعٌ حِلَقٌ , فَغَضُّ الْبَصَرِ حَلْقَةٌ , وَحَبْسُ اللِّسَانِ حَلْقَةٌ , وَعَلَى هَذَا سَائِرُ مَا يُتَوَقَّى , فَإِيَّاكَ أَنْ تَتْرُكَ خَلَلا فِي دِرْعِكَ فَإِنَّ الرَّامِيَ يَقْصِدُ الْخَلَلَ , مَتَى فَسَّحْتَ لِنَفْسِكَ فِي تفريط وإن قل انخرق حرز احترازك!
كان بعض المتعبدين يمشي في وَسَطَ الْوَحْلِ وَيَتَّقِيهِ وَيُشَمِّرُ عَنْ سَاقَيْهِ , إِلَى أَنْ زَلِقَتْ رِجْلُهُ , فَجَعَلَ يَمْشِي فِي وَسَطِ الْوَحْلِ وَيَبْكِي , فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: هَذَا مِثْلُ الْعَبْدِ لا يَزَالُ يَتَوَقَّى الذُّنُوبَ حَتَّى يَقَعَ فِي ذَنْبٍ وَذَنْبَيْنِ فَعِنْدَهَا يَخُوضُ الذُّنُوبَ خَوْضًا.
قِيلَ لِعُبَيْدَةَ بِنْتِ أَبِي كِلابٍ: مَا تَشْتَهِينَ؟ فَقَالَتِ: الْمَوْتَ. فَقِيلَ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: لأَنِّي وَاللَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ أُصْبِحُ أَخْشَى أَنْ أَجْنِيَ عَلَى نَفْسِي جِنَايَةً يَكُونُ فِيهَا عَطَبِي أَيَّامَ الآخِرَةِ.
يَا مَسْتُورًا عَلَى الذَّنْبِ انْظُرْ فِي سِتْرِ مَنْ أَنْتَ , لَوْ عَرَفْتَنِي أَعْرَضْتَ عَنْ غَيْرِي , لَوْ أَحْبَبْتَنِي أَبْغَضْتَ مَا سِوَايَ , لَوْ لاحَظْتَ لُطْفِي لَتَوَكَّلْتَ ضَرُورَةً عَلَيَّ , خَاصَمْتُ عَنْكَ قَبْلَ وُجُودِكَ ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تعلمون﴾ وَاسْتَكْثَرْتُ قَلِيلَ عَمَلِكَ: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ واعتذرت لك في زللك: ﴿فدلاهما بغرور﴾ وغطيت قبيح فعلك ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله﴾ وَلَقَّنْتُكَ عُذْرَكَ عِنْدَ زَلَلِكَ: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم﴾ وأربحتك معاملتك: ﴿فله عشر أمثالها﴾ , مَنْ خَاصَمَ عَنْكَ وَأَنْتَ مَفْقُودٌ لا يُسَلِّمُكَ وأنت
стр. 253
مَوْجُودٌ , فَاعْرِفْ عَلَيْكَ حَقِّي وَلا تَكُنْ مِنْ شِرَارِ خَلْقِي، فَكَمْ أَرَى زَلَّةً فَأَحْلُمُ وَأُبْقِي.
يَا قَائِمًا فِي مَقَامِ الْجَهَالَةِ قَدْ رَسَخَ , يَا مُتَكَبِّرًا عَلَى إِخْوَانِهِ قَدْ عَلا وَشَمَخَ , يَا خَارِجًا عَنِ الْحَدِّ شُغُلا بِاللَّهْوِ وَالْمَطْبَخِ , يَا مَنْ فِي بَصَرِهِ كَمَهٌ وَفِي سَمْعِهِ صَمَخٌ , يَا طَامِعًا فِي السَّلامَةِ مَعَ تَرْكِ الاسْتِقَامَةِ , أَلْقَيْتَ الْبَذْرَ فِي السَّبَخِ , مَتَى يَنْقَى قَلْبُكَ مِنْ هَذَا الدَّرَنِ وَالْوَسَخِ , مَتَى تَتَصَوَّرُ نَفْخَةَ إِسْرَافِيلَ فِي الصُّورِ إِذَا نَفَخَ.
يَا ذَا الأَمَلِ الطَّوِيلِ الْعَرِيضِ , أَمَا أَنْذَرْتُكَ الشَّعَرَاتِ الْبِيضَ , أَمَا الْمَوْتُ بَرْقٌ وَالشَّيْبُ وَمِيضٌ , عَجَبًا لِتَأْمِيلِ الْكَسِيرِ الْمَهِيضِ , لَقَدْ فَاتَ الْفَوْزُ قَدَحَ الْمُغِيضِ , يَا دَائِمَ الْخَطَإِ وَكَمْ عُلِّمَ وَرِيضَ , يَا مُعْجَبًا بِالسَّلامَةِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مَرِيضٌ , لا اللِّسَانُ مَحْفُوظٌ وَلا الْجَفْنُ غَضِيضٌ , لا بِالنَّثْرِ تَرْجِعُ إِلَيْنَا وَلا بِالْقَرِيضِ , لَقَدْ نَزَلَتْ بِكَ الْمَعَاصِي إِلَى أَسْفَلِ حَضِيضٍ.
لَيْتَ شِعْرِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ , لَقَدْ تَعَمَّى وَاللَّهِ عَلَيْكَ الْمَذْهَبُ , لا بُدَّ مَرَّةً مِنْ كَأْسِ الْحِمَامِ تَشْرَبُ , وَلِهَذِهِ الأَجْسَادِ الْمَبْنِيَّةِ أَنْ تَخْرَبَ , وَلَوْلا فِرَاخُ الْحَيَاةِ مَا كَانَتْ فِخَاخُ الْمَوْتِ تُنْصَبُ.
(مَا لِي بِمَا بَعْدَ الرَّدَى مَخْبَرُهُ ... قَدْ أَدَمَتِ الأُنُفُ هَذِهِ الْبُرَهْ)
(اللَّيْلُ والإصباح واليقظ ... وَالإِبْرَادُ وَالْمَنْزِلُ وَالْمَقْبَرَةْ)
(عِشْنَا وَجِسْرُ الْمَوْتِ قُدَّامَنَا ... فَشَمِّرُوا الآنَ لِكَيْ نَعْبُرَهْ)
(عِيسٌ تَبَارَى بِالْفَلا خدلها ... فجدلها يا رب بالمغفرة)
(أفقر بِالْمَطْعَمِ رِكَابُهَا ... وَالْقَوْمُ بِالدَّوِيَّةِ الْمُقْفِرَةْ)
(كَمْ جَاوَزُوا مِنْ حِنْدِسٍ مُظْلِمٍ ... لِيَبْلُغُوا رَحْمَتَهُ الْمُسْفِرَهْ)
стр. 254
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبصار﴾ الاعْتِبَارُ: النَّظَرُ فِي الأُمُورِ لِيُعْرَفُ بِهَا شَيْءٌ آخر من غير جنسها. والأبصار: الْعُقُولُ. وَالْمَعْنَى: تَدَبَّرُوا.
إِخْوَانِي: الدُّنْيَا دَارُ عِبْرَةٍ , ما وقعت فيها حبره إلا ورد فتها عَبْرَةٌ , أَيْنَ مَنْ عَاشَرْنَاهُ كَثِيرًا وَأَلَفْنَا , أَيْنَ مَنْ مِلْنَا إِلَيْهِ [بِالْوِدَادِ] وَانْعَطَفْنَا , أَيْنَ مَنْ ذَكَرْنَاهُ بِالْمَحَاسِنِ وَوَصَفْنَا , مَا نَعْرِفُهُمْ لَوْ عَنْهُمْ كشفنا , ما ينطقون لو سألناهم وألحفنا , وستصير كَمَا صَارُوا فَلَيْتَنَا أَنْصَفْنَا , كَمْ أَغْمَضْنَا مِنْ أَحْبَابِنَا عَلَى كُرْهِهِمْ جَفْنًا , كَمْ ذَكَّرَتْنَا مَصَارِعُ مَنْ
فَنَى مَنْ يَفْنَى , كَمْ عَزِيزٍ أَحْبَبْنَا دَفَنَّاهُ وَانْصَرَفْنَا , كَمْ مُؤَانِسٍ أَضْجَعْنَاهُ فِي اللَّحْدِ وَما وَقَفْنَا , كَمْ كَرِيمٍ عَلَيْنَا إِذَا جُزْنَا عَلَيْهِ انْحَرَفْنَا , مَا لَنَا نَتَحَقَّقُ الْحَقَّ فَإِذَا أَيْقَنَّا صَدَفْنَا , أَمَا ضَرَّ أَهْلَهُ التَّسْوِيفُ وَهَا نَحْنُ قَدْ سَوَّفْنَا , أَمَا التُّرَابُ مَصِيرُنَا فَلِمَاذَا مِنْهُ أَنِفْنَا , إِلامَ تَغُرُّنَا السَّلامَةُ وَكَأَنْ قَدْ تَلِفْنَا.
أَيْنَ حَبِيبُنَا الَّذِي كَانَ وَانْتَقَلَ , أَمَا غَمَسَهُ التَّلَفُ فِي بَحْرِهِ وَمَقَلَ , أَيْنَ الْكَثِيرُ الْمَالِ الطَّوِيلُ الأَمَلِ , أَمَا خَلا فِي لَحْدِهِ وَحْدَهُ بِالْعَمَلِ , أَيْنَ مَنْ جَرَّ ذَيْلَ الْخُيَلاءِ غَافِلا وَرَفَلَ , أَمَا سَافَرَ عَنَّا وَإِلَى الآنَ مَا قَفَلَ أَيْنَ مَنْ تَنَعَّمَ فِي قَصْرِهِ وَفِي قَبْرِهِ قَدْ نَزَلَ , فَكَأَنَّهُ فِي الدَّارِ مَا كَانَ وَفِي اللَّحْدِ لَمْ يَزَلْ , أَيْنَ لجبابرة الأَكَاسِرَةُ الْعُتَاةُ الأُوَلُ , مَلَكَ أَمْوَالَهُمْ سِوَاهُمْ وَالدُّنْيَا دُوَلٌ.
خَلا وَاللَّهِ مِنْهُمُ النَّادِي الرَّحِيبُ , وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ طُولُ الْبُكَاءِ وَالنَّحِيبُ , وَعَايَنُوا مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ كُلَّ عَجِيبٍ , وَسُئِلَ عَاصِيهِمْ فَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُجيِبُ.
مَضَى وَاللَّهِ الْكُلُّ عَلَى مِنْهَاجٍ , وَسَارُوا بَيْنَ غَوَارِبَ وَأَحْدَاجٍ , وَرَحَلُوا إِلَى الْبِلَى أفواجاً بعد أفواج. ولقوا لَغَبَ الطَّرِيقُ عَلَى تَعَبِ الإِدْلاجِ , وَتَوَسَّطُوا بَحْرَ الْجَزَاءِ الْمُدْلَهِمَّ الْعَجَاجُ , وَظَنُّوا سَلامَتَهُمْ فَهَاجَتْ أَمْوَاجٌ بَعْدَ أَمْوَاجٍ , وَنُشِرَتْ
стр. 255
صحائفهم فإذا بها كالليل الداج , وباشر واخشن التُّرَابِ بَعْدَ لِينِ الدِّيبَاجِ , وَتَعَوَّضُوا لَحْدًا غَامِرًا عن عامر الأبراج , وحلوا إذ خَلَوْا فِيهِ حِلْيَةَ الْمَدَرِ بَعْدَ التَّاجِ , فَمَحَا مَحَاسِنَهُمْ بَعْدَ بَهَاءِ الإِبْهَاجِ , وَسُئِلُوا عَمَّا ثَمَّ فَتَمْتَمَ اللِّسَانُ اللَّجْلاجُ , وَعَادَتْ نِسَاؤُهُمْ أَيَامَى بَعْدَ الأزواج:
(إني سألت التراب مَا فَعَلَتْ ... بَعْدُ وُجُوهٌ فِيكَ مُنْعَفِرَهْ)
(فَأَجَابَنِي صَيَّرْتُ رِيحَهُمُ ... يُؤْذِيكَ بَعْدَ رَوَائِحٍ عَطِرَهْ)
(وَأَكَلْتُ أَجْسَادًا مُنَعَّمَةً ... كَانَ النَّعِيمُ يَهُزُّهَا نَضِرَهْ)
(لَمْ يَبْقَ غَيْرُ جَمَاجِمٍ عَرِيَتْ ... بِيضٍ تَلُوحُ وَأَعْظُمٌ نَخِرَهْ)
تَذَكَّرْ يَا مَنْ جَنَى رُكُوبَ الْجِنَازَةِ , وَتَصَوَّرْ يَا مَنْ مَا وَفَى طُولَ الْمَفَازَةِ , وَدَعِ الدُّنْيَا مَوْدِعًا لِلْحَلاوَةِ وَالْمَزَازَةِ , وَارْقُمْ مِنْ قَلْبِكَ ذِكْرَ الْمَوْتِ عَلَى جَزَازَةٍ , وَخَلِّصْ نَفْسَكَ مِنْ غُلِّ الْغِلِّ وَحَزِّ الْحَزَازَةِ , وَذَكِّرْهَا يَوْمَ تُمْسِي فِي التُّرَابِ مُنْحَازَةً.
(سَلْ بِغَمْدَانَ أَيْنَ سَاكِنُهُ ... سَيْفٌ وَقُلْ لِنُعْمَانَ أَيْنَ السَّدِيرُ)
(أَيُّهَا الظاعنون لا وال لِلْعِيسِ ... رَوَاحٌ عَلَيْكُمْ وَبُكُورُ)
(قَدْ رَأَيْنَا دِيَارَكُمْ وَعَلَيْهَا ... أَثَرٌ مِنْ عَفَائِكُمْ مَهْجُورُ)
(وَسَأَلْنَا أَطْلالَهَا فَأَجَابَتْ ... وَمِنَ الصَّمْتِ وَاعِظٌ وَنَذِيرُ)
(بَانَ ذُلُّ الأَسَى عَلَيْهَا فَلِلْغَيْثِ ... بُكَاءٌ وَلِلنَّسِيمِ زَفِيرُ)
(ذَكَّرَتْنَا عهودكم بعدما طَالَتْ ... لَيَالٍ مِنْ بُعْدِهَا وَشُهُورُ)
(عَجَبًا كَيْفَ لم نمت في معانيها ... أَسًى مَا الْقُلُوبُ إِلا صُخُورُ)
(يَا دِيَارَ الأحباب غيرك الدهر ... وكان بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ)
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَنَّاءِ , أَنْبَأَنَا عَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ , أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعَدَّلُ , أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْبَرْذَعِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ , حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ حَكِيمٍ , قال حدثني محبوب العابد , قال: مررت بدارمن دُورِ الْكُوفَةِ فَسَمِعْتُ جَارِيَةً تُغَنِّي مِنْ دَاخِلِ الدار:
стр. 256
(أَلا يَا دَارُ لا يَدْخُلْكِ حُزْنٌ ... وَلا يَغْدِرْ بِصَاحِبِكَ الزَّمَانُ)
قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِالدَّارِ فَإِذَا الْبَابُ مَسْدُودٌ وَقَدْ عَلَتْهُ وَحْشَةٌ , فَقُلْتُ مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالُوا: مَاتَ سَيِّدُهُمْ , مَاتَ رَبُّ الدَّارِ , فَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ مِنْ هَاهُنَا صَوْتَ جَارِيَةٍ تَقُولُ:
أَلا يَا دَارُ لا يَدْخُلْكِ حُزْنٌ. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الدَّارِ وَبَكَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُغَيِّرُ
وَلا يَتَغَيَّرُ وَالْمَوْتُ غَايَةُ كُلِّ مَخْلُوقٍ. فَرَجَعْتُ مِنْ عِنْدِهِمْ بَاكِيًا [حَزِينًا] .
قَالَ الْقُرَشِيُّ: وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمَدَائِنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيُّ , قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ قَيْسٍ , قَالَ: دخلت ابنة النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهَا: أَخْبِرِينِي عَنْ حَالِكُمْ كَيْفَ كَانَ؟ قَالَتْ: أُطِيلُ أَمْ أُقْصِرُ. قَالَ: لا بَلْ أَقْصِرِي. قَالَتْ: أَمْسَيْنَا مَسَاءً وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِ أَحَدٌ إِلا وَهُوَ يَرْغَبُ إِلَيْنَا وَيَرْهَبُ مِنَّا , فَأَصْبَحْنَا صَبَاحًا وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِ أَحَدٌ إِلا وَنَحْنُ نَرْغَبُ إِلَيْهِ وَنَرْهَبُ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَتْ:
(بَيْنَا نَسُوسُ الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة ليس ننصف)
(فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... نقلب تَارَاتٍ بِنَا وَتُصَرِّفُ)
قَالَ الْقُرَشِيُّ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ , قال حدثنا كثير ابن سَعِيدٍ السُّلَمِيُّ , عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْرَسَ رَجُلٌ مِنَ الْحَيِّ عَلَى ابْنَةِ عَمِّهِ فَاتَّخَذُوا لِذَلِكَ لهواً , وكانت منازلهم إلى جانب المقابر , فبيناهم فِي لَهْوِهِمْ ذَلِكَ لَيْلا إِذْ سَمِعُوا صَوْتًا أَفْزَعَهُمْ فَأَصْغَوْا إِلَيْهِ فَإِذَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ مِنْ بَيْنِ الْقُبُورِ:
(يَا أَهْلَ لَذَّةِ دُنْيَا لا تَدُومُ لَهُمْ ... إِنَّ الْمَنَايَا تُبِيدُ اللَّهْوَ وَاللَّعِبَا)
(كَمْ مَنْ رَأَيْنَاهُ مَسْرُورًا بِلَذَّتِهِ ... أَمْسَى فَرِيدًا مِنَ الأَهْلِينَ مُغْتَرِبَا)
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا لَبِثْنَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلا أَيَّامًا حَتَّى مَاتَ الْفَتَى المتزوج.
стр. 257
قَالَ الْقُرَشِيُّ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ. عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ , قَالَ: حَبَسَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عِيَاضَ بْنَ مُسْلِمٍ , وَكَانَ كَاتِبًا لِلْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ وَضَرَبَهُ وَأَلْبَسَهُ الْمُسُوحَ , فَلَمَّا ثَقُلَ هِشَامٌ أَرَسْلَ عِيَاضٌ إِلَى الْخُزَّانِ: احْفَظُوا مَا فِي أَيْدِيكُمْ. فَمَاتَ هِشَامٌ وَخَرَجَ عِيَاضٌ , فَخَتَمَ الأَبْوَابَ وَالْخَزَائِنَ وَمَنَعَ أَنْ يُكَفَّنَ هِشَامٌ مِنَ الْخَزَائِنِ وَاسْتَعَارُوا لَهُ قُمْقُمًا فَأَسْخَنُوا فِيهِ الْمَاءَ , فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ فِي هَذَا لَعِبْرَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ!
قَالَ الْقُرَشِيُّ: وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ: سَمِعْتُ الْوَلِيدَ يَقُولُ عَنْ عبد الرحمن بن يزيد
ابن جَابِرٍ , قَالَ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ خَلا لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ , فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَتَصَدَّعَ النَّاسُ عَنْ قَبْرِهِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ عَبْدُ الملك الذي كنت مدني فَأَرْجُوكَ , وَتُوعِدُنِي فَأَخَافُكَ , وَلَيْسَ مَعَكَ مِنْ مُلْكِكَ غير ثوبيك , وَلَيْسَ لَكَ مِنْهُ غَيْرُ أَرْبَعِ أَذْرُعٍ فِي عَرْضِ ذِرَاعَيْنِ!
ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى أَهْلِهِ وَاجْتَهَدَ فِي الْعِبَادَةِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ شَنٌّ , فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِهِ فَعَاتَبَهُ فِي نَفْسِهِ وَإِضْرَارِهِ بِهَا , فَقَالَ لِلْقَائِلِ: أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ تَصْدُقُنِي عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَالِكَ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا أَتَرْضَاهَا لِلْمَوْتِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لا. قَالَ: فَهَلْ عَزَمْتَ عَلَى انْتِقَالٍ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا؟ قَالَ: مَا أَنْصَحْتُ رَأْيِي فِي ذَلِكَ. قَالَ: أَفَتَأْمَنُ أَنْ يَأْتِيَكَ الْمَوْتُ عَلَى حَالِكَ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لا. قَالَ: حَالٌ مَا أَقَامَ عَلَيْهَا عَاقِلٌ. ثُمَّ انكفأ إلى مصلاه.
(ورد المهلك قَبْلَنَا أُمَمٌ ... فَلَنَتْبَعَنَّ مَعَاشِرًا وَرَدُوا)
(حَمَلَتْهُمُ جُرْدٌ مُقَرَّبَةٌ ... ثُمَّ انْطَوَوْا بِالْمَوْتِ وَانْجَرَدُوا)
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ , أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الجبار , أنبأنا أبو الحسين محمد ابن عَبْدِ الْوَاحِدِ , أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمَازِنِيُّ , حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الضَّرِيرُ , حَدَّثَنِي غَسَّانُ بْنُ عُمَرَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَاشِمِيِّ , قَالَ: دَخَلَتْ عَلَيَّ أُمِّي فِي يَوْمِ أَضْحَى وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ بَرْزَةٌ فِي أَثْوَابٍ رَثَّةٍ. فَقَالَتْ لِي: أَتَعْرِفُ هَذِهِ؟ قُلْتُ: لا. قَالَتْ: هَذِهِ
стр. 258
عَبَّادَةُ أُمُّ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهَا وَرَحَّبْتُ بِهَا , وَقُلْتُ: يَا خَالَةُ , حَدِّثِينِي بِبَعْضِ أَمْرِكُمْ. قَالَتْ: أَذْكُرُ جُمْلَةً فِيهَا اعْتِبَارٌ وَمَوْعِظَةٌ لِمَنْ فَكَّرَ , هَجَمَ عَلَيَّ مِثْلُ هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة وصيفة وأنا أزعم أن ابني جعفر عاق لي وقد دفع إلي خمسمائة دِينَارٍ , وَقَالَ أَنْفِقِي هَذِهِ فِي عِيدِكُمْ , وَأَنَا الآنَ قَدْ أَتَيْتُكُمْ وَالَّذِي يُقَنِّعُنِي جِلْدُ شَاتَيْنِ أَجْعَلُ أَحَدَهُمَا شِعَارًا وَالآخَرَ دِثَارًا.
أَيُّ مُطْمَئِنٍّ لَمْ يُزْعَجْ , أَيُّ قَاطِنٍ لَمْ يَخْرُجْ , إِخْوَانِي قَدْ عُرِفَ الْمَنْهَجُ , زَالَ الشَّكُّ وَالْحَقُّ أَبْلَجُ , إِخْوَانِي فَرَسُ الرَّحِيلِ مُسْرَجٌ , وَإِلَى بَوَادِي الْقُبُورِ الْمَخْرَجُ , وَالنَّعْشُ الْمَرْكُوبُ بَعْدَ الْهَوْدَجِ , وَالْعَرَقُ يَكُونُ صَرْفًا لا يُمْزَجُ , مَا هَتَفَ الْمَوْتُ بِمُقِيمٍ إِلا أَدْلَجَ , وَلا اسْتَدْعَى نُطْقَ فَصِيحٍ إِلا لَجْلَجَ. إِخْوَانِي: مَا جَرَى عَلَى الإِخْوَانِ أُنْمُوذَجٌ.
(ركنوا إلى الدنيا الدنية ... وتبوأوا الرُّتَبَ السَّنِيَّةْ)
(حَتَّى إِذَا اغْتَرُّوا بِهَا ... صَرَعَتْهُمْ أَيْدِي الْمَنِيَّةْ)
سَلُوا عَنِ الْجِيرَانِ الْمَنَازِلَ , وَقُولُوا لَهَا أَيْنَ النَّازِلُ , لا وَاللَّهِ مَا تُجِيبُ السَّائِلَ , بَلَى إِنَّ الْبِلَى يَنْطِقُ بِالْبَلابِلِ. إِخْوَانِي: الدُّنْيَا ظِلٌّ زَائِلٌ وَحَالٌ حَائِلٌ , وَرُكْنٌ مَائِلٌ وَرَفِيقٌ خَاذِلٌ , وَمَسْئُولٌ بَاخِلٌ , وَغُولٌ غَائِلٌ , وَسُمٌّ قاتل , كم تعد الدينا وَتُمَاطِلُ كُلُّ وُعُودِهَا غُرُورٌ بَاطِلٌ. وَاللَّهِ مَا فرح بها عاقل , مسكرها لا يَمُرُّ عَلَى لُقْمَانَ بَلْ عَلَى بَاقِلٍ.
(خليلي كم مَيِّتٍ قَدْ حَضَرْتُهُ ... وَلَكِنَّنِي لَمْ أَنْتَفِعْ بِحُضُورِي)
(وَكَمْ مِنْ خُطُوبٍ قَدْ طَوَتْنِي كَثِيرَةً ... وَكَمْ مِنْ أُمُورٍ قَدْ جَرَتْ وَأُمُورُ)
(وَمَنْ لَمْ يزده الدهر ما عَاشَ عِبْرَةً ... فَذَاكَ الَّذِي لا يَسْتَنِيرُ بِنُورِ)
стр. 259
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبصار﴾ كَمْ مِنْ ظَالِمٍ تَعَدَّى وَجَارَ , فَمَا رَاعَى الأَهْلَ وَلا الْجَارَ , بَيْنَا هُوَ يَعْقِدُ عُقَدَ الإِصْرَارِ حَلَّ بِهِ الْمَوْتُ فَحَلَّ مِنْ حُلَّتِهِ الأزرار ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ .
مَا صَحِبَهُ سِوَى الْكَفَنِ إِلَى بَيْتِ الْبِلَى وَالْعَفَنِ , لَوْ رَأَيْتَهُ وَقَدْ حَلَّتْ بِهِ الْمِحَنُ , وَشِينَ ذَلِكَ الْوَجْهُ الْحَسَنُ , فَلا تَسْأَلْ كَيْفَ صار ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ .
سَالَ فِي اللَّحْدِ صَدِيدُهُ , وَبَلِيَ فِي الْقَبْرِ جَدِيدُهُ , وَهَجَرَهُ نَسِيبُهُ وَوَدِيدُهُ , وَتَفَرَّقَ حَشَمُهُ وَعَبِيدُهُ والأنصار ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ .
أَيْنَ مُجَالَسَةُ الْعَالِيَةِ , أَيْنَ عِيشَتُهُ الصَّافِيَةُ , أَيْنَ لَذَّاتُهُ الْحَالِيَةُ , كَمْ كَمْ تَسْفِي عَلَى قَبْرِهِ سَافِيَةٌ , ذَهَبَتِ الْعَيْنُ وَأُخْفِيَتِ الآثَارُ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أولي الأبصار﴾ .
تَقَطَّعَتْ بِهِ جَمِيعُ الأَسْبَابِ , وَهَجَرَهُ الْقُرَنَاءُ وَالأَتْرَابُ , وَصَارَ فِرَاشُهُ الْجَنْدَلَ وَالتُّرَابَ , وَرُبَّمَا فُتِحَ لَهُ فِي اللَّحْدِ بَابُ النَّارِ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبصار﴾ .
خَلا وَاللَّهِ بِمَا كَانَ صَنَعَ , وَاحْتَوَشَهُ النَّدَمُ وَمَا نَفَعَ , وَتَمَنَّى الْخَلاصَ وَهَيْهَاتَ قَدْ وَقَعَ , وَخَلاهُ الْخَلِيلُ الْمُصَافِي وَانْقَطَعَ , وَاشْتَغَلَ الأَهْلُ بِمَا كَانَ جَمَعَ , وَتَمَلَّكَ الضِّدُّ الْمَالَ وَالدَّارَ ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أولي الأبصار﴾ .
نَادِمٌ بِلا شَكَّ وَلا خَفَا , بَاكٍ عَلَى مَا زَلَّ وَهَفَا , يَوَدُّ أَنَّ صَافِيَ اللَّذَّاتِ مَا صَفَا , وَعَلِمَ أَنَّهُ كَانَ يَبْنِي عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ .
قارنه عَمَلَهُ مِنْ سَاعَةِ الْحِينِ , فَهُوَ يَتَمَنَّى الْفِرَارَ وَهَيْهَاتَ أَيْنَ , وَيَقُولُ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بعد المشرقين , فَهُوَ عَلَى فِرَاشِ الْوَحْدَةِ وَحْدَهُ وَالْعَمَلُ ثَانِيَ اثْنَيْنِ , وَلَكِنْ لا فِي الْغَارِ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أولي الأبصار﴾ .
стр. 260
وهذه إن كَانَتْ حَالَةُ مَنْ غَدَا , فَلِكُلٍّ مِنْكُمْ مِثْلُهَا غداً , فَانْتَبِهُوا مِنْ رُقَادِكُمْ قَبْلَ الرَّدَى ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أن يترك سدى﴾ إِنَّمَا هِيَ جَنَّةٌ أَوْ نَارٌ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أولي الأبصار﴾ والحمد لله وحده.
стр. 261
المجلس التاسع عشر
فِي قِصَّةِ دَاوُدَ ﵇
الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الأَرْبَابِ وَمُسَبِّبِ الأَسْبَابِ وَمُنَزِّلِ الْكِتَابِ , حَفِظَ الأَرْضَ بِالْجِبَالِ مِنَ الاضْطِرَابِ , وَقَهَرَ الْجَبَّارِينَ وَأَذَلَّ الصِّعَابَ، وَسَمِعَ خَفِيَّ النُّطْقِ وَمَهْمُوسَ الْخِطَابِ، وَأَبْصَرَ فَلَمْ يَسْتُرْ نَظَرَهُ حِجَابٌ , أَنْزَلَ الْقُرْآنَ يَحُثُّ فِيهِ عَلَى اكْتِسَابِ الثَّوَابِ , وَزَجَرَ عَنْ أَسْبَابِ الْعِقَابِ ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وليتذكروا أولوا الألباب﴾ ابْتَلَى الْمُصْطَفِينَ بِالذُّنُوبِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ تَوَّابٌ , أَمَا سَمِعْتَ بِزَلَّةِ آدَمَ وَمَا جَرَى مِنْ عِتَابٍ ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ .
أَحْمَدُهُ عَلَى رَفْعِ الشَّكِّ وَالارْتِيَابِ , وَأَشْكُرُهُ عَلَى سَتْرِ الْخَطَايَا وَالْعَابِ , وَأُقِرُّ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ إِقْرَارًا نَافِعًا يَوْمَ الْحِسَابِ , وَأَعْتَرِفُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لباب اللباب , ﷺ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ خَيْرِ الأَصْحَابِ , وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي إِذَا ذُكِرَ فِي مَجْلِسٍ طَابَ , وَعَلَى عُثْمَانَ الْمَقْتُولِ ظُلْمًا وَمَا تَعَدَّى الصَّوَابَ , وَعَلَى عَلِيٍّ الْبَدْرِ يَوْمَ بَدْرٍ وَالصَّدْرِ يَوْمَ الأَحْزَابِ , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي نَسَبُهُ أَشْرَفُ الأَنْسَابِ.
اللَّهُمَّ يَا من ذلت جَمِيعُ الرِّقَابِ وَجَرَتْ بِأَمْرِهِ عَزَالِي السَّحَابِ , احْفَظْنَا فِي الْحَالِ وَالْمَآبِ , وَأَلْهِمْنَا التَّزَوُّدَ قَبْلَ حُلُولِ التُّرَابِ , وَارْزُقْنَا الاعْتِبَارَ بِسَالِفِي الأَتْرَابِ , وَأَرْشِدْنَا عِنْدَ السُّؤَالِ إِلَى صَحِيحِ الْجَوَابِ , وَهَبْ لِشَيْبِنَا مَعَاصِيَ الشباب , وارزقني والحارضين عِمَارَةَ الْقُلُوبِ الْخَرَابِ , بِرَحْمَتِكَ يَا كَرِيمُ يَا وهاب.
стр. 262
قَالَ اللَّهُ : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إذ تسوروا المحراب﴾ الْمَعْنَى: قَدْ أَتَاكَ فَاسْتَمِعْ لَهُ نَقْصُصْهُ عَلَيْكَ.
والخصم يصلح للواحد والاثنين والجماعة والذكر والأنثى ﴿تسوروا﴾ يدل
على علو والمحراب ها هنا كَالْغُرْفَةِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
(رَبَّةُ مِحْرَابٍ إِذَا جِئْتَهَا ... لَمْ أَلْقَهَا أَوْ أَرْتَقِي سُلَّمَا)
﴿إِذْ دَخَلُوا على داود﴾ وَهُوَ دَاوُدُ بْنُ إيشَا بْنِ عويدَ مِنْ نَسْلِ يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ.
وَكَانَ مَبْدَأُ أَمْرِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا بَعَثَ طَالُوتَ مَلِكًا خرج من بني إسرائل مَعَهُ ثَمَانُونَ أَلْفًا لِقِتَالِ جَالُوتَ , فَقَالُوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده , فلم يثبت معه غير ثلاثمائة وَثَلاثَةَ عَشَرَ , وَكَانَ فِيهِمْ أَبُو دَاوُدَ وَثَلاثَةَ عَشَرَ ابْنًا لَهُ , وَدَاوُدُ أَصْغَرُهُمْ , وَإِنَّهُ مَرَّ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ فَكَلَّمْنَهُ وَقُلْنَ: يَا دَاوُدُ خُذْنَا مَعَكَ تَقْتُلْ بِنَا جَالُوتَ. فَأَخَذَهُنَّ وَمَشَى إِلَى جَالُوتَ فَوَضَعَهُنَّ فِي قَذَّافَتِهِ فَصَارَتْ حَجَرًا وَاحِدًا ثم أرسله فصك به بَيْنَ عَيْنَيِ جَالُوتَ فَقَتَلَهُ , ثُمَّ هَلَكَ طَالُوتُ فَمَلَكَ دَاوُدُ وَجَعَلَهُ اللَّهُ نَبِيًّا , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الزَّبُورَ وَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ الْحَدِيدِ وَأَلانَهُ لَهُ , وَأَمَرَ الْجِبَالَ وَالطَّيْرَ أَنْ يُسَبِّحْنَ مَعَهُ , وَكَانَ إِذَا قَرَأَ الزَّبُورَ خَضَعَ لَهُ الْوَحْشُ حَتَّى تُؤْخَذَ بِأَعْنَاقِهَا.
وَكَانَ كَثِيرَ التَّعَبُّدِ , فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَوْمًا عِنْدَهُ: هَلْ يَأْتِي عَلَى الإِنْسَانِ يَوْمٌ لا يُصِيبُ فِيهِ ذَنْبًا؟ فَأَضْمَرَ أَنَّهُ يُطِيقُ ذَلِكَ , فَابْتُلِيَ يَوْمَ عِبَادَتِهِ بِالنَّظَرِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى طَائِرًا فِي مِحْرَابِهِ فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ فَتَنَحَّى فَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ فَإِذَا بِامْرَأَةٍ فَخَطَبَهَا , مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ أوريَا قَدْ خَطَبَهَا , فَتَزَوَّجَهَا , فَاغْتَمَّ أوريَا , فَعُوتِبَ إِذْ لَمْ يَتْرُكْهَا لِخَاطِبِهَا الأَوَّلِ.
هَذَا أَجْوَدُ مَا قِيلَ فِي فِتْنَتِهِ وَيَدُلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وعزني في
стр. 263
الخطاب﴾ .
فَأَمَّا مَا يُنْقَلُ أَنَّ زَوْجَهَا بُعِثَ فِي الْغَزَوَاتِ حَتَّى قُتِلَ , فَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا.
فَجَاءَهُ الْمَلَكَانُ فَتَسَوَّرَا عَلَيْهِ مِنْ سُورِ دَارِهِ فَفَزِعَ مِنْهُمْ لأَنَّهُمَا أَتَيَاهُ عَلَى غَيْرِ صِفَةِ مَجِيءِ الْخُصُومِ وَفِي غَيْرِ وَقْتِ الْحُكُومَةِ وتسوروا من غير إذن و ﴿خصمان﴾ مَرْفُوعٌ بِإِضْمَارِ نَحْنُ.
وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَاهُ لَهُ وَالتَّقْدِيرُ: مَا تَقُولُ إِنْ جَاءَكَ خَصْمَانِ؟ وَقَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: نَحْنُ كَخَصْمَيْنِ وَمَثَّلَ خَصْمَيْنِ فَسَقَطَتِ الْكَافُ وَقَامَ الْخَصْمَانِ مَقَامَهُمَا , تَقُولُ الْعَرَبُ: عَبْدُ اللَّهِ الْقَمَرُ حُسْنًا. أَيْ مِثْلُ الْقَمَرِ , قَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ:
(مَنْ حَسَّ لِي الأَخَوَيْنِ كَالْغُصْنَيْنِ ... أَوْ مَنْ رَاهُمَا)
(أَسَدَيْنِ فِي غَيْلٍ يَحِيدُ ... الْقَوْمُ عَنْ عُرْوَاهُمَا)
(صَقْرَيْنِ لا يَتَذَلَّلانِ ... وَلا يُبَاحُ حِمَاهُمَا)
(رُمْحَيْنِ خَطِّيَّيْنِ فِي ... كَبِدِ السَّمَاءِ تَرَاهُمَا)
أَرَادَتْ مِثْلُ أَسَدَيْنِ وَمِثْلُ صَقْرَيْنِ , ثُمَّ صَرَفَ اللَّهُ النُّونَ وَالأَلِفَ فِي ﴿بَعْضُنَا﴾ إِلَى نَحْنُ الْمُضْمَرِ , كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: نَحْنُ قَوْمُ شَرُفَ أَبُونَا , وَنَحْنُ قَوْمٌ شَرُفَ أَبُوهُمْ والمعنى واحد.
قوله تعالى: ﴿ولا تشطط﴾ , أي لا تجر يقال شط وأشط ذا جار ﴿واهدنا إلى سواء الصراط﴾ أَيْ إِلَى قَصْدِ الطَّرِيقِ. وَالْمَعْنَى: احْمِلْنَا إِلَى الْحَقِّ.
فَقَالَ دَاوُدُ: تَكَلَّمَا. فَقَالَ أَحَدُهُمَا: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نعجة واحدة﴾ قَالَ الزَّجَّاجُ: كَنَّى عَنِ الْمَرْأَةِ بِالنَّعْجَةِ. قَالَ المفسرون: إنما
стр. 264
ذَكَرَ هَذَا الْعَدَدَ لأَنَّهُ عَدَدُ نِسَاءِ دَاوُدَ ﴿فقال أكفلنيها﴾ أَيِ انْزِلْ أَنْتَ عَنْهَا وَاجْعَلْنِي أَنَا أَكْفُلُهَا ﴿وعزني في الخطاب﴾ أَيْ غَلَبَنِي فِي الْقَوْلِ. وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: ﴿وَعَازَنِي﴾ أَيْ غَالَبَنِي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ دَعَا وَدَعَوْتُ كَانَ أَكْثَرَ مِنِّي وَإِنْ بَطَشَ وَبَطَشْتُ كَانَ أَشَدَّ مِنِّي.
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بسؤال نعجتك إلى نعاجه﴾ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ حَكَمَ وَلَمْ يَسْمَعْ كَلامَ الآخَرِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الآخَرَ اعْتَرَفَ فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِاعْتِرَافِهِ , وَحَذَفَ ذِكْرَ ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِفَهْمِ السَّامِعِ , والعرب تقول: أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال. أي فتجرت فكسبت.
والخلطاء الشركاء وظن أي أيقن وعلم ﴿أنما فتناه﴾ أَيِ ابْتَلَيْنَاهُ بِمَا جَرَى لَهُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ.
وَفِي سَبَبِ تَنَبُّهِهِ لِذَلِكَ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَلَكَيْنِ أَفْصَحَا لَهُ بِذَلِكَ. قَالَ السُّدِّيُّ: قَالَ دَاوُدُ لِلْخَصْمِ الآخَرِ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: نَعَمْ أُرِيدُ أَنْ آخُذَهَا مِنْهُ وَأُكْمِلَ بِهَا نِعَاجِي وَهُوَ كَارِهٌ. قَالَ: إِذًا لا ندعك , وإن رمت هذا ضر بنا مِنْكَ هَذَا وَهَذَا. يُشِيرُ إِلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ. فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ يَا دَاوُدُ أَحَقُّ أَنْ يُضْرَبَ هَذَا مِنْكَ , حَيْثُ لَكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً وَلَمْ يَكُنْ لأوريَا إِلا وَاحِدَةٌ. فَنَظَرَ دَاوُدُ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا فَعَرَفَ مَا وَقَعَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا عَرَجَا وَهُمَا يَقُولانِ: قَضَى الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ , فَعَلِمَ أَنَّهُ عُنِيَ بِذَلِكَ قَالَهُ وَهْبٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا حَكَمَ بَيْنَهُمَا نَظَرَ أَحَدُهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ وَهُوَ يَضْحَكُ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ يَنْظُرُ , فَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ ابْتَلاهُ بِذَلِكَ. قَالَهُ مُقَاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخَرَّ راكعا﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ سَاجِدًا فَعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ , لأَنَّهُ بِمَعْنَى الانْحِنَاءِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: بَقِيَ فِي سُجُودِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلا لِوَقْتِ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ أَوْ حَاجَةٍ لا بُدَّ مِنْهَا , وَلا يَأْكُلُ
стр. 265
وَلا يَشْرَبُ , فَأَكَلَتِ الأَرْضُ مِنْ جَبْهَتِهِ وَنَبَتَ الْعُشْبُ مِنْ دُمُوعِهِ , وَهُوَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: رَبِّ زَلَّ دَاوُدُ زَلَّةً أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ , أَنْبَأَنَا ابْنُ النَّقُّورِ , أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنَانِيُّ , حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ , حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ. حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الأَبَّارُ , عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ كَانَتْ خَطِيئَتُهُ فِي كَفَّهٍ مَكْتُوبَةٍ , قَالَ فَسَجَدَ حَتَّى نَبَتَ مِنَ الْبَقْلِ مَا وَارَى أُذُنَيْهِ أَوْ قَالَ رَأْسَهُ , ثُمَّ نَادَى: أَيْ رَبِّ قَرَحَ الْجَبِينُ وَجَمَدَتِ الْعَيْنُ وَدَاوُدُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ مِنْ ذَنْبِهِ شَيْءٌ. قَالَ فَنُودِيَ: أَجَائِعٌ فَتُطْعَمَ أَمْ عَارٍ فَتُكْسَى , أَمْ مَظْلُومٌ فَيُنْتَصَرَ لَكَ؟ فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ
لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ فِي ذَنْبِهِ شَيْءٌ نَحَبَ نَحْبَةً فَهَاجَ مَا ثَمَّ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ , أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ , أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ , أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْعَلافُ , حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ صَفْوَانَ , حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ , حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ جَرِيرٍ , حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ يَسَافٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ , قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّهُ كان داود مكث قبيل ذَلِكَ سَبْعًا لا يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَلا يَشْرَبُ الشَّرَابَ وَلا يَقْرَبُ النِّسَاءَ فَإِذَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَخْرَجَ لَهُ مِنْبَرًا إِلَى الْبَرِّيَّةِ وأمر سليمان مناديا يستقرىء الْبِلادَ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْغِيَاضِ وَالآكَامِ وَالْجِبَالِ وَالْبَرَارِي وَالدِّيَارَاتِ وَالصَّوَامِعِ وَالْبِيَعِ فَيُنَادِي فِيهَا: أَلا مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ نَوْحَ دَاوُدَ فَلْيَأْتِ. فَتَأْتِي الْوُحُوشُ مِنَ الْبَرَارِي وَالآكَامِ وَتَأْتِي السِّبَاعُ مِنَ الْغِيَاضِ وَتَأْتِي الْهَوَامُّ مِنَ الْجِبَالِ , وَتَأْتِي الطَّيْرُ مِنَ الأَوْكَارِ , وَتَأْتِي الرُّهْبَانُ مِنَ الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ , وَتَأْتِي الْعَذَارَى مِنْ خُدُورِهَا , وَيَجْتَمِعُ النَّاسُ لِذَلِكَ الْيَوْمِ , وَيَأْتِي دَاوُدُ ﵇ حَتَّى يَرْقَى عَلَى الْمِنْبَرِ وَيُحِيطَ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ كُلُّ صَفٍّ عَلَى حِدَتِهِ. قَالَ: وَسُلَيْمَانُ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ. قَالَ: فَيَأْخُذُ فِي الثَّنَاءِ عَلَى رَبِّهِ فَيَضِجُّونَ بِالْبُكَاءِ وَالصُّرَاخِ , ثُمَّ يَأْخُذُ فِي ذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَمُوتُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ وَطَائِفَةٌ مِنَ السِّبَاعِ وَالْهَوَامِّ وَالْوُحُوشِ وَطَائِفَةٌ مِنَ الرُّهْبَانِ وَالْعَذَارَى الْمُتَعَبِّدَاتُ , ثُمَّ يَأْخُذُ فِي ذِكْرِ الْمَوْتِ وَأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ فِي النِّيَاحَةِ فَيَمُوتُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ
стр. 266
طَائِفَةٌ , فَإِذَا رَأَى سُلَيْمَانُ مَا قَدْ كَثُرَ مِنَ الْمَوْتِ نَادَاهُ: يَا أَبَتَاهُ قَدْ مَزَّقْتَ الْمُسْتَمِعِينَ كُلَّ مُمَزَّقٍ وَمَاتَتْ طَوَائِفُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنَ الرُّهْبَانِ وَمِنَ الْوُحُوشِ. فَيَقْطَعُ النِّيَاحَةَ وَيَأْخُذُ فِي الدُّعَاءِ وَيُغْشَى عَلَيْهِ , فَيُحْمَلُ عَلَى سَرِيرٍ فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ سُلَيْمَانُ: مَا فَعَلَ فُلانٌ وَفُلانٌ؟ فَيَقُولُ: مَاتُوا. فَيَقُومُ فَيَدْخُلُ بَيْتَ عِبَادَتِهِ وَيُغْلِقُ عَلَيْهِ بَابَهُ وَيُنَادِي: أَغَضْبَانٌ أَنْتَ عَلَى دَاوُدَ إِلَهَ دَاوُدَ؟ أَمْ كَيْفَ قَصَرْتَ بِهِ أَنْ يَمُوتَ خَوْفًا مِنْكَ!
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: كَانَ دَاوُدُ ﵇ قَدِ اتَّخَذَ سبع حشايا من شعر وحشاهن بالرماد , ثُمَّ بَكَى حَتَّى أَنْفَذَهَا دُمُوعًا , وَلَمْ يَشْرَبْ شَرَابًا إِلا مَمْزُوجًا بِدُمُوعِ عَيْنَيْهِ , وَكَانَ
لَهُ جَارِيتَانِ قَدْ أَعَدَّهُمَا فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الْخَوْفَ سَقَطَ وَاضْطَرَبَ فَقَعَدَتَا عَلَى صَدْرِهِ وَرِجْلَيْهِ مَخَافَةَ أَنْ تَتَفَرَّقَ أَعْضَاؤُهُ , وَكَانَ قَدْ نَقَشَ خَطِيئَتَهُ فِي كَفِّهِ لِئَلا يَنْسَاهَا , وَكَانَ إِذَا رَآهَا اضْطَرَبَتْ يَدَاهُ.
وَيُقَالُ: لَوْ وُزِنَتْ دُمُوعُهُ عَدَلَتْ دُمُوعَ الْخَلائِقِ , وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَاتَ حَيَاءً.
إِخْوَانِي: تَأَمَّلُوا عَوَاقِبَ الذُّنُوبِ , تَفْنَى اللَّذَّةُ وَتَبْقَى الْعُيُوبُ , احْذَرُوا الْمَعَاصِيَ فَبِئْسَ الْمَطْلُوبُ , مَا أَقْبَحَ آثَارَهَا فِي الْوُجُوهِ وَالْقُلُوبِ.
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(ابْكِ مِنْ جُرْمِكَ خَوْفًا ... فَحَقِيقٌ بِكَ تَبْكِي)
(كَمْ رَكِبْتَ الذَّنْبَ مَغْرُورًا ... وَكَمْ أَسْرَعْتَ فِي الْفَتْكِ)
(وَتَبَرَّجْتَ بِعِصْيَانِكَ قَدْ غَرَّكَ إِمْهَالِي وَتَرْكِي ... )
(مَنْ إِذَا أَلْبَسْتُكَ الذُّلَّ ... يُرَاعِيكَ وَيَشْكِي)
(مَنْ تَرَى يَسْتُرُكَ الْيَوْمَ ... إِذَا عَمَّكَ هَتْكِي)
(كَمْ تَجَرَّدْتَ لِعِصْيَانِي ... وَكَمْ خَالَفْتَ نُسْكِي)
(أَتُرَى تَجْهَلُ عِزِّي ... أَمْ تُرَى تُصْغِرُ ملكي)
стр. 267
يا ابن آدَمَ: فَرَحُ الْخَطِيئَةِ الْيَوْمَ قَلِيلٌ وَحُزْنُهَا فِي غَدٍ طَوِيلٌ , مَا دَامَ الْمُؤْمِنُ فِي نُورِ التَّقْوَى فَهُوَ يُبْصِرُ طَرِيقَ الْهُدَى , فَإِذَا طَبَقَ ظَلامُ الْهَوَى عُدِمَ النُّورُ.
كَانَ دَاوُدُ يَسْجُدُ وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: خَلَّيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَدُوِّي [إِبْلِيسَ] فَلَمْ أَقُمْ لِفِتْنَتِهِ إِذْ نَزَلَتْ بِي , سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ , إِلَهِي:
يُغْسَلُ الثَّوْبُ فَيَذْهَبُ دَرَنُهُ وَوَسَخُهُ , وَالْخَطِيئَةُ لازِمَةٌ لِي لا تَذْهَبُ عِنِّي , سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: تَبْكِي الثَّكْلَى عَلَى وَلَدِهَا إِذَا فَقَدَتْهُ وَدَاوُدُ يَبْكِي عَلَى خَطِيئَتِهِ! سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: الْوَيْلُ لِدَاوُدَ إِذَا كُشِفَ عَنْهُ الغطاء قيل هذا داود الخاطىء سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: بِأَيِّ عَيْنٍ أَنْظُرُ إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ الظَّالِمُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ , سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: بِأَيِّ قَدَمٍ أَقُومُ بِبَابِكَ يَوْمَ تَزِلُّ أَقْدَامُ الْخَاطِئِينَ , سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: مِنْ أَيْنَ يَطْلُبُ الْعَبْدُ الْمَغْفِرَةَ إِلا مِنْ عِنْدِ سَيِّدِهِ , سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: أَنَا الَّذِي لا أُطِيقُ صَوْتَ الرَّعْدِ فَكَيْفَ أُطِيقُ صَوْتَ جَهَنَّمَ! سُبْحَانَ خالق النور! إلهي: كيف يستقر الْخَاطِئُونَ بِخَطَايَاهُمْ دُونَكَ وَأَنْتَ شَاهِدُهُمْ حَيْثُ كَانُوا , سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي قَرَحَ الْجَبِينُ وَجَمَدَتِ الْعَيْنَانِ مِنْ مَخَافَةِ الْحَرِيقِ عَلَى جَسَدِي , سُبْحَانَ خالق النور! إلهي! أنت المغيث وأنا المستغيث , فمن يدعو المستغيث إلا المغيث؟ سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: فَرَرْتُ إِلَيْكَ بِذُنُوبِي فَاعْتَرَفْتُ بِخَطِيئَتِي فَلا تَجْعَلْنِي مِنَ الْقَانِطِينَ وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ الدِّينِ , سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي إِذَا ذَكَرْتُ ذُنُوبِي أَيِسْتُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ , وَإِذَا ذَكَرْتُ رَحْمَتَكَ رَجَوْتُهَا , سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي أَمْدِدْ عَيْنِي بِالدُّمُوعِ وَقَلْبِي بِالْخَشْيَةِ وَضَعْفِي بِالْقُوَّةِ حَتَّى أَبْلُغَ رِضَاكَ عَنِّي , سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ!
يَا سَكْرَانَ الْهَوَى مَتَى تَصْحُو , يَا كَثِيرَ الذُّنُوبِ مَتَى تَمْحُو إِلَى كَمْ تَهْفُو وَتَغْفُو , وَتَتَكَدَّرُ وَنِعَمُنَا تَصْفُو , ابْكِ لِمَا بِكَ , وَانْدُبْ فِي شَيْبَتِكَ عَلَى شَبَابِكَ , وَتَأَهَّبْ لِسَيْفِ الْمَنُونِ فَقَدْ عَلِقَ الشَّبَا بِكَ.
انْتَبَهَ الْحَسَنُ لَيْلَةً فَبَكَى , فَضَجَّ أَهْلُ الدَّارِ بِالْبُكَاءِ , فَسَأَلُوهُ عَنْ حَالِهِ , فَقَالَ:
стр. 268
ذَكَرْتُ ذَنْبًا لِي فَبَكَيْتُ!
يَا مَرِيضَ الذُّنُوبِ مالك دَوَاءٌ كَالْبُكَاءِ.
رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " عَيْنَانِ لا تَمَسَّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ
بَكَتْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ , وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ".
وَرَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ أَنَّهُ قَالَ: " لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَةِ دَمْعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَطْرَةِ دَمٍ تُهْرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ".
(لا تَحْبِسَنَّ مَاءَ الْجُفُونِ فَإِنَّهُ ... لَكَ يَا لَدِيغَ هَوَاهُمُ دِرْيَاقُ)
(شَنُّوا الإِغَارَةَ فِي الْقُلُوبِ بِأَسْهُمٍ ... لا يُرْتَجَى لأَسِيرِهَا إِطْلاقُ)
(وَاسْتَعْذَبُوا مَاءَ الْجُفُونِ فَعَذَّبُوا الأُسَرَاءَ ... حَتَّى دَرَّتِ الآمَاقُ)
قَالَ محمد بن علي الْحُسَيْنِ: مَا اغْرَوْرَقَتْ عَيْنٌ بِمَائِهَا إِلا حَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَ صَاحِبِهَا عَلَى النَّارِ , فَإِنْ سَالَتْ عَلَى الْخَدَّيْنِ لَمْ يُرْهِقْ وَجْهَهُ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
يَا مَنْ أَفْعَالُهُ حَتَّى الْخُطَى خَطَا , يَا حَامِلا عَلَى الأَزْرِ الْوِزْرَ أَتْعَبْتَ الْمَطَا , يَا مَنْ إِذَا قَدَرَ ظَلَمَ وَإِذَا خَاصَمَ شَطَا , يَا مُسْرِعًا فِي الشَّرِّ فإذا لاح الخير جا الْبَطَا.
(جُزْتَ الثَّلاثِينَ خُطَا ... فَاعْذِرْ مَشِيبًا وَخَطَا)
(وَابْكِ زَمَانًا لَمْ تَزَلْ ... للَّهِ فِيهِ مُسْخِطَا)
(وَانْدُبْ عَلَى آثَارِهِ ... مُسْتَدْرِكًا ذَا الْغَلَطَا)
(وَاعْدُدْ صَوَابَ الْعَيْشِ مَا ... فَارَقَهُ التَّقْوَى خَطَا)
يَا كَثِيرَ الذُّنُوبِ مَتَى تُفْضِي , يَا مُقِيمًا وَهُوَ فِي الْمَعْنَى يَمْضِي , أَفْنَيْتَ الزَّمَانَ فِي الْهَوَى ضِيَاعًا , وَسَاكَنْتَ غُرُورًا مِنَ الأَمَلِ وَأَطْمَاعًا , وَصِرْتَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا خَبِيرًا صَنَّاعًا , تُصْبِحُ جَامِعًا وَتُمْسِي مَنَّاعًا , فَتِّشْ عَلَى قَلْبِكَ وَلُبَّكَ فَقَدْ ضَاعَا , تَفَكَّرْ فِي عُمْرِكَ فَقَدْ ذَهَبَ نَهْبًا مشاعا , اترك الهوى محمودا قبل أن يتركك مَذْمُومًا , إِنْ فَاتَتْكَ قَصَبَاتُ السَّبْقِ فِي الزُّهْدِ فلا تفوتنك ساعات النَّدَمِ فِي التَّوْبَةِ.
стр. 269
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يترك سدى﴾ عِبَادَ اللَّهِ: مَنِ اسْتَحْضَرَ قَلْبَهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ مَسْئُولٌ عَنْ فِعْلِهِ , وَأَمَرَهُ بِالتَّزَوُّدِ لِيَوْمِ
رَحِيلِهِ وَمَنْ وَافَقَ الْهَوَى هَوَى إِلَى مَحَلِّ الإِضَاعَةِ وَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
قَالَ بَعْضُ الْمُعْتَبِرِينَ: لَمَّا خَلَوْتُ بِالْعَقْلِ فِي بَيْتِ الْفِكْرِ عَلِمْتُ أَنِّي مَخْلُوقٌ لِلتَّكْلِيفِ مُعَاقَبٌ عَلَى التَّحْرِيفِ , لَسْتُ بِمُهْمَلٍ فَأَسْهُو , وَلا بِمَتْرُوكٍ فَأَلْهُو , يُحْصَى عَلَيَّ قَلِيلُ الْعَمَلِ وَكَثِيرُهُ , وَيَكِرُّ عَلَيَّ الزَّمَانُ فَيَبِينُ لِي تَأْثِيرُهُ. وَرَأَيْتُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يَقُودَانِي إِلَى قَبْرِي وَيُفْنِيَانِ فِي سَيْرِهِمَا عُمْرِي , وَيُرِيَانِي مِنَ الْعِبَرِ مَا يَصْلُحُ بِهِ طَرِيقُ الْهُدَى , فَيَبِينُ سَلْبُ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ , وَالرَّفِيقِ وَالْقَرِينِ , فَعَلِمْتُ أَنَّ الْهَلاكَ آخِرُ السَّلامَةِ , وَأَنَّ عَاقِبَةَ التَّفْرِيطِ النَّدَامَةُ , وَأَنَّ وَهَنَ الْبَدَنِ أَبْيَنُ دَلِيلٍ عَلَى الْمَوْتِ وَأَقْوَى عَلامَةٍ , وَعَرَفْتُ بِدَلِيلِ السَّمْعِ الْجَزَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فَلَمَّا تَيَقَّنْتُ أَنِّي مُكَلَّفٌ مُحَاسَبٌ وَمَحْفُوظٌ عَلَيَّ عَمَلِي مُرَاقَبٌ , مُثَابٌ عَلَى الْفِعْلِ وَمُعَاقَبٌ , مَأْخُوذٌ بِالتَّفْرِيطِ وَمُطَالَبٌ , هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَضَ نَهْضَةَ عَازِمٍ صدوق إِلَى أَدَاءِ التَّكْلِيفِ وَقَضَاءِ الْحُقُوقِ , فَقَيَّدَتْنِي نَفْسِي بِقُيُودِ الْهَوَى وَأَفْسَدَتْ مِنْ حَالِي مَا اسْتَقَامَ وَاسْتَوَى.
فَبَقِيتُ أَتَفَكَّرُ فِيمَا جَرَى وَأَمْسَحُ عَيْنِي مِنْ سِنَةِ الْكَرَى وَأَقُولُ: مَاذَا مَنَعَنِي مِنْ مقصودي , وأي شغل شغلني عن معبودي؟ ومالي أَقْصُرُ فِي سَيْرِي وَكَيْفَ سَبَقَنِي إِلَى الْفَضَائِلِ غَيْرِي؟ فَتَعَجَّبْتُ مِمَّا نَابَنِي وَحَزِنْتُ لِمَا أَصَابَنِي , وَلَمْ أَزَلْ أَنْظُرُ فِي الْمَوَانِعِ حَتَّى فَهِمْتُهَا وَأَتَدَبَّرُ طَرِيقَ الْهُدَى حَتَّى عَلِمْتُهَا.
وَذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَبَلَ النَّفْسَ عَلَى حُبِّ الشَّهْوَةِ , وَجَعَلَهَا فِي حَبْسِ الْغَفْلَةِ , وَخَلَقَ لَهَا مِنْ رَائِقِ مَقْصُودِهَا مَا يَشْغَلُهَا وُجُودُهُ عَنْ وُجُودِهَا , فَهِيَ تَمِيلُ إِلَى مُشْتَهَاهَا وَإِنْ أَدَّى إِلَى الْمَهَالِكِ , لِمَا وُضِعَ فِي طَبْعِهَا مِنْ حُبِّ ذلك ,
стр. 270
وَتَنْهَمِكُ عَلَى تَحْصِيلِ غَرَضِهَا وَإِنْ أَعْقَبَهَا طُولُ مَرَضِهَا , فَيُنْسِيهَا عَاجِلُ مَا يُسِرُّ آجِلَ مَا يَضُرُّ.
فَلَمَّا وَضَعَهَا الْحَقُّ عَلَى هَذَا وَأَلَّفَهَا , خَاطَبَهَا بِمُخَالَفَةِ هَوَاهَا وَكَلَّفَهَا , وَبَيَّنَ لَهَا طَرِيقَ الْهُدَى وَعَرَّفَهَا , وَلَطَفَ بِهَا فِي أَحْوَالِهَا وَتَأَلَّفَهَا , وَذَكَّرَهَا مِنَ النِّعَمِ مَا سَلَّفَهَا , وَأَقَامَهَا عَلَى
مَحَجَّةِ التَّعْلِيمِ وَوَقَّفَهَا , وَحَذَّرَهَا مِنَ الزَّلَلِ وَخَوَّفَهَا , وَضَمِنَ لَهَا أَنَّهَا إِنْ جَاهَدَتْ أَسْعَفَهَا , وَإِنْ تَرَكَتْ أَغْرَاضَهَا أَخْلَفَهَا , وَمَا وَعَدَهَا وَعْدًا قَطُّ فَأَخْلَفَهَا وَأَوْضَحَ لَهَا عُيُوبَ الْعَاجِلَةِ وَكَشَفَهَا , وَرَغَّبَهَا في لذة جنة وصفها , فذكر لها منزلها وَغُرَفَهَا وَأَنْهَارَهَا وَطَرَفَهَا , وَحَذَّرَهَا جَهَنَّمَ وَأَسَفَهَا وَغَيْظَهَا عَلَى الْعُصَاةِ وَلَهَفَهَا , وَأَعْلَمَهَا أَنَّ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ , وَلَقَدْ أَنْصَفَهَا.
فَعَذَّلْتُهَا وَقَرَّعْتُهَا وَأَوْعَدْتُهَا وَأَسْمَعْتُهَا , فَلَمْ تَرْتَدِعْ عَنْ هَوَاهَا وَلَمْ تَنْزِعْ عَمَّا آذَاهَا , وَرَأَتْ مَصَارِعَ الْقُرَنَاءِ وَمَا كَفَاهَا , وَلَمْ تَأْنَفْ مِنْ ذُنُوبِهَا وَذُلُّ الْمَعَاصِي قَدْ عَلاهَا , وَكَأَنَّ الْخِطَابَ الَّذِي أَتَى مِمَّنْ سَوَّاهَا إِلَى سِوَاهَا.
فَعَلِمْتُ حِينَئِذٍ أَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُحَاسِبُهَا وَتَفْتَقِرُ إِلَى مَنْ يُطَالِبُهَا، وَلا تَسْتَغْنِي عَنْ مُوَبِّخٍ يُعَاتِبُهَا , وَلا بُدَّ مِنْ رَائِضٍ إِنْ وَنَتْ يُعَاقِبُهَا.
فَالْعَجَبُ مِمَّنْ عَرَفَ نَفْسَهُ كَيْفَ أَهْمَلَهَا , وَاللَّهِ لَقَدْ ضرها وقتلها.
أخبرنا محمد بن الملك , أنبأنا أحمد بن الحسين ابن خَيْرُونٍ , أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَحَامِلِيُّ , أنبأنا أبو بكر ابن عَبْدُوَيْهِ , حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ الْبَلْخِيُّ , حَدَّثَنَا شقيق ابن إِبْرَاهِيمَ , حَدَّثَنِي أَبُو هَاشِمٍ الأَيْلِيُّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا ابن آدَمَ لا تَزُولُ قَدَمَاكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ بَيْنِ يَدِي اللَّهِ حَتَّى تُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عُمْرِكَ فِيمَا أَفْنَيْتَهُ , وَجَسَدِكَ فِيمَا أَبْلَيْتَهُ , وَمَالِكَ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَهُ وَأَيْنَ أَنْفَقْتَهُ ".
أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ , أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلافُ , أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْحمَامِيُّ , أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَوَّاصُ , حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ نصر , قال
стр. 271
حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَسَارٍ , قَالَ حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ , قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ سَمُرَةَ السَّائِحُ: يَا أَخِي إِيَّاكَ وَتَأْمِيرَ
التَّسْوِيفِ عَلَى نَفْسِكَ وَإِمْكَانَهُ مِنْ قَلْبِكَ , فَإِنَّهُ مَحَلُّ الْكَلالِ وَمَوْئِلُ التَّلَفِ وَبِهِ تُقْطَعُ الآمَالُ , وَفِيهِ تَنْقَطِعُ الآجَالُ , فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ أَدَلْتَهُ مِنْ عَزْمِكَ فَاجْتَمَعَ وَهَوَاكَ عَلَيْكَ فَغَلَبَا وَاسْتَرْجَعَا مِنْ بَدَنِكَ مِنَ السَّلامَةِ مَا قَدْ وُلِّيَ عَلَيْكَ , فَعِنْدَ مُرَاجَعَتِهِ إِيَّاكَ لا تَنْتَفِعُ نَفْسُكَ مِنْ بَدَنِكَ بِنَافِعَةٍ , وَبَادِرْ يَا أَخِي فَإِنَّهُ مُبَادَرٌ بِكَ , وَأَسْرِعْ فَإِنَّهُ مُسْرَعٌ بِكَ وَجِدَّ فَإِنَّ الأَمْرَ جَدٌّ , وَتَيَقَّظْ مِنْ رَقْدَتِكَ , وَانْتَبِهْ مِنْ غَفْلَتِكَ , وَتَذَكَّرْ مَا أَسْلَفْتَ وَقَصَّرْتَ وَفَرَّطْتَ وَجَنَيْتَ , فَإِنَّهُ مُثْبَتٌ مُحْصًى , وَكَأَنَّكَ بِالأَمْرِ قَدْ بَغَتَكَ فَاغْتَبَطْتَ بِمَا قَدَّمْتَ وَنَدِمْتَ عَلَى مَا فَرَّطْتَ , فَعَلَيْكَ بِالْحَيَاءِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَالْعُزْلَةِ فَإِنَّ السَّلامَةَ فِي ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ. وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ لأَرْشَدِ الأُمُورِ , وَلا قُوَّةَ بِنَا وَبِكَ إِلا بِاللَّهِ.
(إن عمر الفتا مَرَارَةُ دَهْرٍ ... رَاشِفَاهَا الْغُدُوُّ وَالآصَالُ)
(فَتَذَكَّرْ كَمْ قَدْ صَحِبْتَ عَزِيزًا ... ثُمَّ أَمْسَى وَأَرْضُهُ صَلْصَالُ)
(غَفَلَ النَّاسُ وَالْقَرِيبُ بَعِيدٌ ... مِنْ رَدَى الْمَوْتِ وَالْيَقِينُ مُحَالُ)
(كَمْ لَبِيبٍ يَهْدِي سِوَاهُ لِرُشْدٍ ... وَهُوَ فِي عَيْشِ نَفْسِهِ لَيْسَ يَالُو)
(يَطْلُبُ الْمَرْءُ أَنْ يَنَالَ رِضَاهُ ... وَرِضَاهُ فِي غَايَةٍ لا تُنَالُ)
(كُلَّمَا زَادَهُ الزَّمَانُ ثَرَاءً ... أَحْرَمَتْهُ لَذَّةُ الآمَالِ)
إِخْوَانِي: الأَيَّامُ سَفَرٌ وَمَرَاحِلُ , وَمَا يُحِسُّ بِسَيْرِهَا الرَّاحِلُ حَتَّى يَبْلُغَ الْبَلَدَ أَوِ السَّاحِلَ , فَلْيُبَادِرِ الْمُسْتَدْرَكُ , وَمَا أَظُنُّهُ يُدْرِكُ , مَا هَذِهِ الْغَفْلَةُ وَالْفُتُورُ أَمَا الْمَآلُ إِلَى اللُّحُودِ وَالْقُبُورِ , أَمَا عَلِمْتُمْ مُنْتَهَى السُّرُورِ , أَمَا الأَجْدَاثُ الْمَنَازِلُ إِلَى النُّشُورِ , أَيُّهَا الشَّابُّ ضَيَّعْتَ الشَّبَابَ فِي جَهْلِكَ , أَيُّهَا الْكَهْلُ بَعْضُ فِعْلِكَ يُهْلِكُ , أَيُّهَا الشَّيْخُ آنَ الرَّحِيلُ عَنْ أَهْلِكَ , أَيُّهَا الْمُغْتَرُّ بِالأَمَلِ قَدْ نَقَضَتْ كَفُّ الأَجَلِ مَجْدُولَ حَبْلِكَ , أَيُّهَا الْغَافِلُ أَمَا أَنْذَرَكَ مَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِكَ.
(مَاتَ الأَبُ الأَعْلَى وَتَابَعَهُ ... أَبْنَاؤُهُ ففنوا ونحن نسق)
(في الترب مِنْ أَبْنَائِنَا رِمَمٌ ... كَانُوا لَنَا سَلَفًا وَنَحْنُ لحق)
стр. 272
لَقَدْ نَطَقَتِ الْعِبَرُ فَأَيْنَ سَامِعُهَا , وَاسْتَنَارَتْ طَرِيقُ الْهُدَى فَأَيْنَ تَابِعُهَا , وَتَجَلَّتِ الْحَقَائِقُ فَأَيْنَ مُطَالِعُهَا , أَمَا الْمَنِيَّةُ قَدْ دَنَتْ وَاقْتَرَبَتْ فَمَا بَالُ النُّفُوسِ قَدْ غَفَلَتْ وَلَعِبَتْ , أَمِنَ الْمُفَرِّطُ أَنْ يُؤْخَذَ بِكَظْمِهِ وَيُجَازَى مِنْ تَفْرِيطِهِ عَلَى أَعْظَمِهِ , وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ فَيُذْهِلُهُ بِعِظَمِهِ , وَيُفَاجِئُهُ بَغْتَةً بِشَتَاتِ مُنْتَظِمِهِ , يَا مَنْ عَلَى مَا يَضُرُّهُ قَدِ اسْتَمَرَّ , يَا مَنْ أَعْلَنَ الْمَعَاصِيَ وَأَسَرَّ , يَا مُؤْثِرًا مَا شَانَ وَمَا ضَرَّ , يَا مُحِبًّا ما قبل قَتَلَ غَيْرَهُ وَغَرَّ , يَا مَنْ إِذَا دُعِيَ إِلَى نَفْعِهِ تَوَلَّى وَفَرَّ , أَمَا تَعْتَبِرُ بِمَنْ رَحَلَ مِنَ الْقُرَنَاءِ وَمَرَّ , أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ مَنْ حَالَفَ الذُّنُوبَ اسْتَضَرَّ , أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ إِذَا أَتَى حَمَلَ وَكَرَّ , كَأَنِّي بِكَ إِذَا بَرَقَ الْبَصَرُ تَطْلُبُ الْمَفَرَّ , إِلَى مَتَى تُؤْثِرُ الْفَسَادَ عَلَى السَّدَادِ , وَتُسْرِعُ فِي جَوَادِ الْهَوَى أَسْرَعَ مِنَ الْجَوَادِ , مَتَى يَتَيَقَّظُ الْقَلْبُ وَيَصْحُو الْفُؤَادُ , كَيْفَ بِكَ إِذَا حُشِرْتَ فَخَسِرْتَ يَوْمَ الْمَعَادِ.
(يَسُرُّكَ أَنْ تَكُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ ... لَهُمْ زَادٌ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ)
أَسْمَعُ قَوْلا بِلا عَمَلٍ , وَأَرَى خِلالا خِلالُهَا الْخَلَلُ , إِذَا دُعِيتَ إِلَى الْخَيْرِ جَاءَ الْكَسَلُ وَقُلْتَ لَوْ شَاءَ أَنْ يُوَفِّقَنِي فَعَلَ , وَإِذَا لاحَتِ الْمَعَاصِي كَرَّ الْبَطَلُ , وَيَقُولُ: خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ. وَيْحَكَ هَذَا الشَّيْبُ قَدْ نَزَلَ يُخْبِرُكَ بِقُرْبِ الأَجَلِ , خَلَتِ الدِّيَارُ وَنَاحَ الطَّلَلُ , أَيَحْتَاجُ الْمُهِمُّ إِلَى اعْتَدِلْ , يَا قَبِيحَ الْخِصَالِ إِلَى كَمْ زَلَلَ , مَا لِكَبِيرٍ فِي الْعَذْلِ لا نَاقَةٌ وَلا جَمَلٌ.
(عَلَيْكَ بِمَا يُفِيدُكَ فِي الْمَعَادِ ... وما تنجو به يوم التناد)
(فمالك لَيْسَ يَنْفَعُ فِيكَ وَعْظٌ ... وَلا زَجْرٌ كَأَنَّكَ مِنْ جَمَادِ)
(سَتَنْدَمُ إِنْ رَحَلْتَ بِغَيْرِ زَادٍ ... وَتَشْقَى إِذْ يُنَادِيكَ الْمُنَادِي)
(فَلا تَفْرَحْ بِمَالٍ تَقْتَنِيهِ ... فَإِنَّكَ فِيهِ مَعْكُوسُ الْمُرَادِ)
(وَتُبْ مِمَّا جَنَيْتَ وَأَنْتَ حَيٌّ ... وَكُنْ مُتَنَبِّهًا مِنْ ذَا الرُّقَادِ)
سَجْعٌ
أَيُّهَا الضَّالُّ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى , أما تسمع صوت الحادي وَقَدْ حَدَا , مَنْ لَكَ إِذَا ظَهَرَ الْجَزَاءُ وبدا , وربما كَانَ فِيهِ أَنْ تَشْقَى أَبَدًا ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أن
стр. 273
يترك سدى﴾ .
يَا مَنْ تُكْتَبُ لَحَظَاتُهُ , وَتُجْمَعُ لَفَظَاتُهُ , وَتُعْلَمُ عَزَمَاتُهُ , وَتُحْسَبُ عَلَيْهِ حَرَكَاتُهُ إِنْ رَاحَ أَوْ غدا ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ .
وَيْحُكَ إِنَّ الرَّقِيبَ حَاضِرٌ , يَرْعَى عَلَيْكَ اللِّسَانَ وَالنَّاظِرَ , وَهُوَ إِلَى جَمِيعِ أَفْعَالِكَ نَاظِرٌ , إِنَّمَا الدُّنْيَا مَرَاحِلُ إِلَى الْمَقَابِرِ , وَسَيَنْقَضِي هَذَا الْمَدَى ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ .
مالي أَرَاكَ فِي الذُّنُوبِ تَعْجَلُ , وَإِذَا زُجِرْتَ عَنْهَا لا تَقْبَلُ , وَيْحَكَ انْتَبِهْ لِقُبْحِ مَا تَفْعَلُ , لأَنَّ الأَيَّامَ فِي الآجَالِ تَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِ المدى ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ .
سَتَرْحَلُ عَنْ دُنْيَاكَ فَقِيرًا , لا تَمْلِكُ مِمَّا جمعت نقيرا , بلى قَدْ صِرْتَ بِالذُّنُوبِ عَقِيرًا بَعْدَ أَنْ رَدَاكَ التَّلَفُ رِدَاءَ الرَّدَى ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سدى﴾ .
كَأَنَّكَ بِالْمَوْتِ قَدْ قَطَعَ وَبَتَّ , وَبَدَّدَ الشَّمْلَ الْمُجْتَمِعَ وَأَشَتَّ , وَأَثَّرَ فِيكَ النَّدَمُ حِينَئِذٍ وَفَتَّ , انْتَبِهْ لِنَفْسِكَ فَقَدْ أُشْمِتَ وَاللَّهِ الْعِدَا ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أن يترك سدى﴾ .
كَأَنَّكَ بِبِسَاطِ الْعُمْرِ قَدِ انْطَوَى , وَبِعُودِ الصِّحَّةِ قَدْ ذَوَى , وَبِسِلْكِ الإِمْهَالِ قَدْ قُطِعَ فَهَوَى , اسْمَعْ يَا مَنْ قَتَلَهُ الْهَوَى وَمَا وَدَى ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ .
تَاللَّهِ مَا تُقَالُ وَمَا تُعْذَرُ , فَإِنْ كُنْتَ عَاقِلا فَانْتَبِهْ وَاحْذَرْ , كَمْ وَعَظَكَ أَخْذُ غَيْرِكَ وَكَمْ أَعْذَرَ , وَمَنْ أُنْذِرَ قَبْلَ مَجِيئِهِ فَمَا اعتدى ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ .
فَبَادِرْ نَفْسَكَ وَاحْذَرْ قَبْلَ الْفَوْتِ , وَأَصِخَّ لِلزَّوَاجِرِ فَقَدْ رَفَعَتِ الصَّوْتَ , وَتَنَبَّهْ فَطَالَ مَا قَدْ سَهَوْتَ , وَاعْلَمْ قَطْعًا وَيَقِينًا أَنَّ الْمَوْتَ لا يقبل الفدا
стр. 274
﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ .
انْهَضْ إِلَى التَّقْوَى بِقَرِيحَةٍ , وَابْكِ الذُّنُوبَ بِعَيْنٍ قَرِيحَةٍ , وَأَزْعِجْ لِلْجِدِّ أَعْضَاءَكَ الْمُسْتَرِيحَةَ , تَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَقْبَلْ هَذِهِ النَّصِيحَةَ لَتَنْدَمَنَّ غَدًا ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أن يترك سدى﴾ .
стр. 275
المجلس العشرون
فِي قِصَّةِ سُلَيْمَانَ ﵇
الْحَمْدُ للَّهِ الْمُتَعَالِي عَنِ الأَنْدَادِ , الْمُقَدَّسِ عَنِ الأَضْدَادِ الْمُنَزَّهِ عَنِ الأَوْلادِ , الْبَاقِي عَلَى الآبَادِ , رَافِعِ السَّبْعِ الشِّدَادِ عَالِيَةً بِغَيْرِ عِمَادٍ , مُزَيَّنَةً بِكُلِّ كَوْكَبٍ مُنِيرٍ وَقَّادٍ , وَوَاضِعِ الأَرْضِ لِلْمِهَادِ مُثَبَّتَةً بِالرَّاسِيَاتِ الأَطْوَادِ , خَالِقِ الْمَائِعِ وَالْجَمَادِ , وَمُبْتَدِعِ الْمَطْلُوبِ الْمُرَادِ , الْمُطَّلِعِ عَلَى سِرِّ الْقِلْبِ وَضَمِيرِ الْفُؤَادِ , مُقَدِّرِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ مِنَ الضَّلالِ وَالرَّشَادِ , وَالصَّلاحِ وَالْفَسَادِ , وَالْغَيِّ وَالإِرْشَادِ , وَالْوِفَاقِ وَالْعِنَادِ , وَالْبُغْضِ وَالْوِدَادِ , فِي بِحَارِ لُطْفِهِ تَجْرِي مَرَاكِبُ الْعِبَادِ , وَعَلَى عَتَبَةِ بَابِهِ مَنَاخُ الْعُبَّادِ , وَفِيَ مَيْدَانِ حُبِّهِ تَجُولُ خَيْلُ الزُّهَّادِ , وَعِنْدَهُ مُبْتَغَى الطَّالِبِينَ وَآمَالُ الْقُصَّادِ , وَبِعَيْنِهِ مَا يَتَحَمَّلُونَ مِنْ ثِقَلِ الاجْتِهَادِ , رَأَى حَتَّى دَبِيبَ النَّمْلِ السُّودِ فِي السَّوَادِ , وَسَمِعَ صَوْتَ الْمُدْنَفِ الْمَجْهُودِ غَايَةَ الإِجْهَادِ , وَعَلِمَ مَا فِي سُوَيْدَاءِ السِّرِّ وَبَاطِنِ الاعْتِقَادِ , وَجَادَ عَلَى الآمِلِينَ فَزَادَهُمْ مِنَ الزَّادِ , وَأَعْطَى فَلَمْ يَخَفْ مِنَ الْعَوَزِ وَالنَّفَادِ , وَأَلَّفَ الأَجْسَادَ وَلَيْسَ يُشْبِهُ الأَجْسَادَ , وَخَلَقَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ زَوْجَيْنِ وَتَوَحَّدَ بِالانْفِرَادِ , وَعَادَ بِالإِتْلافِ عَلَى الْمَوْجُودَاتِ ثُمَّ أَعَادَ , يُبَاهِي بِهَاجِرِ الْوِسَادِ إِذَا نَامَ فِي السُّجُودِ أَوْ مَادَ , ابْتَلَى بِالْغَفْلَةِ أَهْلَ الْيَقَظَةِ وَالاجْتِهَادِ لِيَنْكَسِرُوا بِالزَّلَلِ وَانْكِسَارُ الْعَبْدِ هُوَ الْمُرَادُ , بَسَطَ لِسُلَيْمَانَ بِسَاطَ النَّيْلِ فَوَقَعَ الْمَيْلُ إِلَى الْخَيْلِ عَنْ بَعْضِ الأَوْرَادِ ﴿إِذْ عُرِضَ عليه بالعشي الصافنات الجياد﴾ .
أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَفُوتُ الأَعْدَادَ , وَأَشْهَدُ أَنَّهُ الْوَاحِدُ لا كَالآحَادِ , وَأُصَلِّي عَلَى
стр. 276
رَسُولِهِ الْمَبْعُوثِ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ فِي كُلِّ الْبِلادِ , وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَجَادَ , وَعَلَى الْفَارُوقِ الَّذِي بَالَغَ فِي نَصْرِ الإِسْلامِ وَأَجَادَ , وَعَلَى عُثْمَانَ الشَّهِيدِ فَيَا فَخْرَهُ يَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ , وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي يَفْنَى الْبَحْرُ وَمَا لِعُلُومِهِ الزَّوَاخِرِ نَفَادٌ , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ أَبِي الْخُلَفَاءِ الأَمْجَادِ.
قَالَ الله تعالى: ﴿ووهبنا لداود سليمان﴾ .
دَاوُدُ: اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ وَسُلَيْمَانُ اسْمٌ عَبْرَانِيٌّ , وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ مِنَ الْفِطْنَةِ مَا بَانَ بِهَا الصَّوَابُ فِي حُكْمِهِ دُونَ حُكْمِ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ الحرث وغيره. قال الله عز وجر: ﴿ففهمناها سليمان﴾ فَلَمَّا مَاتَ دَاوُدُ مَلَكَ سُلَيْمَانُ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً , فَزَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مُلْكِ دَاوُدَ , وَسَخَّرَ لَهُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ وَالطَّيْرَ وَكَانَ عَسْكَرُهُ مِائَةَ فَرْسَخٍ , خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ لِلإِنْسِ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ لِلْجِنِّ , وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ لِلْوَحْشِ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ لِلطَّيْرِ , وَكَانَ لَهُ أَلْفُ بَيْتٍ من قوارير فيها ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سَرِيَّةٍ , وَلا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ بِشَيْءٍ إِلا جَاءَتْ بِهِ الرِّيحُ إِلَى سَمْعِهِ , وَكَانَ إِذَا جَلَسَ عَلَى الْبِسَاطِ جَلَسَ أَشْرَافُ الإِنْسِ مِمَّا يَلِيهِ وَأَشْرَافُ الْجِنِّ وَرَاءَهُمْ , ثُمَّ يَدْعُو الطَّيْرَ فَتُظِلُّهُمْ , ثُمَّ يَدْعُو الرِّيحَ فَتَحْمِلُهُمْ، وَالطَّبَّاخُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ لا يَتَغَيَّرُ عَلَيْهِمْ عَمَلٌ فَيَسِيرُ فِي الْغَدَاةِ الْوَاحِدَةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ , وَكَانَ يُطْعِمُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ أَلْفٍ , فَإِنْ أَقَلَّ أَطْعَمَ سِتِّينَ أَلْفًا , وَكَانَ يَذْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ أَلْفِ شَاةٍ وَثَلاثِينَ أَلْفَ بَقَرَةٍ , وَيُطْعِمُ النَّاسَ النَّقِيَّ وَيُطْعِمُ أَهْلَهُ الْخُشْكَارَ وَيَأْكُلُ هُوَ الشَّعِيرَ.
وَرَوَى سَيَّارٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ وَالْجِنُّ والإنس على يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ , فَأَمَرَ الرِّيحَ فَحَمَلَتْهُمْ حَتَّى سَمِعُوا زَجْلَ الْمَلائِكَةِ فِي السَّمَوَاتِ بِالتَّقْدِيسِ , ثُمَّ أَمَرَهَا فَخَفَضَتْهُمْ حَتَّى مَسَّتْ أَقْدَامُهُمُ الْبَحْرَ , فَسَمِعُوا صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ: لَوْ كَانَ فِي قَلْبِ صَاحِبِكُمْ مِنَ الْكِبْرِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ لَخَسَفْتُ بِهِ أَبْعَدَ مِمَّا رَفَعْتُ!
стр. 277
قوله تعالى: ﴿نعم العبد إنه أواب﴾ هذا نهاية في المدح ﴿أواب﴾ : أَيْ رَجَّاعٌ بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ مِمَّا يَقَعُ من سهو وغفلة.
﴿إذ عرض عليه بالعشي﴾ وهو ما بعد الزوال ﴿الصافنات﴾ وَهِيَ الْخَيْلُ وَفِيهَا قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا الْقَائِمَةُ عَلَى ثَلاثَةِ قَوَائِمَ وَقَدْ أَقَامَتِ الأُخْرَى عَلَى طَرَفِ الْحَافِرِ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَابْنِ زَيْدٍ , وَاخْتَارَهُ الزَّجَّاجُ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ.
(أَلِفَ الصُّفُونَ فَمَا يَزَالُ كَأَنَّهُ ... مِمَّا يَقُومُ عَلَى الثَّلاثِ كَسِيرَا)
وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْقَائِمَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى ثَلاثٍ أَوْ غَيْرِ ثَلاثٍ. قَالَ الْفَرَّاءُ: عَلَى هَذَا رَأَيْتُ الْعَرْبَ , وَأَشْعَارُهُمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا الْقَائِمُ خَاصَّةً. وَاحْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِهَذَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقُومَ لَهُ الرِّجَالُ صُفُونًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
وَأَمَّا الْجِيَادُ فَهِيَ السِّرَاعُ فِي الْجَرْيِ. وَفِي سَبَبِ عَرْضِهَا عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ عَرَضَهَا لأَنَّهُ أَرَادَ جِهَادَ عَدُوٍّ. قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا أُخْرِجَتْ لَهُ مِنَ الْبَحْرِ. قَالَ الْحَسَنُ: خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ وَكَانَتْ لَهَا أَجْنِحَةٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا كَانَتْ لأَبِيهِ فَعُرِضَتْ عَلَيْهِ. قَالَهُ ابْنُ السَّائِبِ. وَفِي عَدَدِهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: ثَلاثَةَ عَشَرَ أَلْفًا. قَالَهُ وَهْبٌ. وَالثَّانِي: أَلْفُ فَرَسٍ. قَالَهُ ابْنُ السَّائِبِ. وَالثَّالِثُ: عِشْرُونَ أَلْفًا. قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَسْرُوقٌ. وَالرَّابِعُ: عِشْرُونَ. قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمْ تَزَلْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ غَابَتِ الشَّمْسُ فَفَاتَتْهُ صَلاةُ الْعَصْرِ , وَلَمْ يُذَكِّرُوهُ لأَنَّهُ كَانَ مَهِيبًا لا يَبْتَدِئُهُ أَحَدٌ بِشَيْءٍ , فَلَمَّا غَابَتْ ذكر فقال: " إني أحببت حب الخير " يَعْنِي الْخَيْلَ وَالْمَعْنَى آثَرْتُ ذَلِكَ عَلَى ذِكْرِ ربي.
стр. 278
قال الزجاج: عن: بمعنى على. ﴿حتى توارت﴾ يَعْنِي الشَّمْسَ. قَالَ: وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ لَمْ يَجْرِ لِلشَّمْسِ ذِكْرٌ , وَلا أَحْسَبُهُمْ أَعْطَوْا فِي هَذَا الْفِكْرِ حَقَّهُ , لأَنَّهُ فِي الآيَةِ دَلِيلٌ على الشمس وهو قوله: ﴿بالعشي﴾ وَالْمَعْنَى: عُرِضَ عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ , وَلا يجوز الإضمار إلا أَنْ يُجْرِيَ ذكر أو دليل ذكر.
قَوْلُهُ تعالى: ﴿ردوها علي﴾ أي أعيدوا الخيل ﴿فطفق﴾ أي أقبل ﴿مسحا بالسوق﴾ وَهِيَ جَمْعُ سَاقٍ. وَفِي الْمُرَادِ بِالْمَسْحِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ضَرَبَهَا بِالسَّيْفِ. رَوَاهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. مَسَحَ أَعْنَاقَهَا
وَسُوقَهَا بِالسَّيْفِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْجُمْهُورِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَوَى سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا وَحَبَسَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ , حَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَالْعُلَمَاءُ عَلَى الأَوَّلِ.
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ نَخْتَارُ القول الأول وهي عُقُوبَةٌ لِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ عَلَى وَجْهِ التَّشَفِّي , وَهَذَا بِفِعْلِ الْجَبَّارِينَ أَشْبَهُ مِنْهُ بِفِعْلِ الأَنْبِيَاءِ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ نَبِيٌّ مَعْصُومٌ , فَلَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ إِلا مَا قَدْ أُجِيزَ لَهُ فِعْلُهُ , وَجَائِزٌ أَنْ يُبَاحَ لَهُ مَا يُمْنَعُ مِنْهُ فِي شرعنا. على أنه إذا ذبحها كان قُرْبَانًا , وَأَكْلُ لَحْمِهَا جَائِزٌ , فَمَا وَقَعَ تَفْرِيطٌ.
قَالَ وَهْبٌ: لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ شَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِعْلَهُ , فَسَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ مَكَانَهَا.
قوله تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان﴾ أَيِ ابْتَلَيْنَاهُ بِسَلْبِ مُلْكِهِ ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ﴾ أي على سريره ﴿جسدا﴾ , وَهُوَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ صَخْرٌ وَلَمْ يَكُنْ ممن سخر له ﴿ثم أناب﴾ أَيْ رَجَعَ عَنْ ذَنْبِهِ , وَقِيلَ إِلَى مُلْكِهِ.
وَفِي سَبَبِ ابْتِلائِهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ , وَكَانَتْ بَيْنَ بَعْضِ أَهْلِهَا وَبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةٌ , فَقَضَى بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ , إِلا أَنَّهُ وَدَّ أَنْ لَوْ كَانَ الْحَقُّ لأَهْلِهَا. فَعُوقِبَ إِذْ لَمْ يَكُنْ هَوَاهُ فِيهِمْ وَاحِدًا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
стр. 279
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الزَّوْجَةَ كَانَتْ آثَرَ النِّسَاءِ عِنْدَهُ , فَقَالَتْ لَهُ يَوْمًا: إِنَّ بَيْنَ أَخِي وَبَيْنَ فُلانَةٍ خُصُومَةً , وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَقْضِيَ لَهُ. فَقَالَ: نَعَمْ. وَلَمْ يَفْعَلْ فَابْتُلِيَ لأَجْلِ مَا قَالَ [نَعَمْ] . قَالَهُ السُّدِّيُّ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذِهِ الزَّوْجَةَ كَانَتْ قَدْ سَبَاهَا فَأَسْلَمَتْ , وَكَانَتْ تَبْكِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَتَقُولُ: أَذْكُرُ أَبِي وَمَا كُنْتُ فِيهِ , فَلَوْ أَمَرْتَ الشَّيَاطِينَ أَنْ يُصَوِّرُوا صُورَتَهُ فِي دَارِي أَتَسَلَّى بِهَا. فَفَعَلَ. وَكَانَ إذا خَرَجَ تَسْجُدُ لَهُ هِيَ وَوَلائِدُهَا , فَلَمَّا عَلِمَ سُلَيْمَانُ كَسَرَ تِلْكَ
الصُّورَةَ وَعَاقَبَ الْمَرْأَةَ وَوَلائِدَهَا وَاسْتَغْفَرَ , فَسُلِّطَ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. هَذَا قَوْلُ وَهْبٍ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ ذَهَابُ الْخَاتَمِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَوَقَعَ مِنْهُ. قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَالثَّانِي: أَنَّ شَيْطَانًا أَخَذَهُ.
ثُمَّ فِي كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ لَهُ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَضَعَهُ تَحْتَ فِرَاشِهِ وَدَخَلَ الْحَمَّامَ فَأَخَذَهُ الشَّيْطَانُ فَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ. قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ. وَالثَّانِي: أَنَّ سُلَيْمَانَ قَالَ لِلشَّيْطَانِ: كَيْفَ تَفْتِنُونَ النَّاسَ؟ قَالَ: أَرِنِي خَاتَمَكَ أُخْبِرْكَ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَنَبَذَهُ فِي الْبَحْرِ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ وَضَعَهُ عِنْدَ أَوْثَقِ نِسَائِهِ فِي نَفْسِهِ , فَتَمَثَّلَ لَهَا الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فَأَخَذَهُ مِنْهَا. قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ سَلَّمَهُ إِلَى الشَّيْطَانِ فَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ. قَالَهُ قَتَادَةُ.
وَأَمَّا الشَّيْطَانُ فَإِنَّهُ أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ سُلَيْمَانَ فَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَحَكَمَ فِي سُلْطَانِهِ , إِلا أَنَّهُ كَانَ لا يَقْدِرُ عَلَى نِسَائِهِ , وَكَانَ يَحْكُمُ بِمَا لا يَجُوزُ , فَأَنْكَرَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ , فأحدقوا به ونشروا [له] التوراة فقرأوا فَطَارَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ حَتَّى ذَهَبَ إِلَى البحر.
وأما سليمان لَمَّا ذَهَبَ مُلْكُهُ انْطَلَقَ هَارِبًا فِي الأَرْضِ , فَكَانَ يَسْتَطْعِمُ فَلا يُطْعَمُ فَيَقُولُ: لَوْ عَرَفْتُمُونِي أَطْعَمْتُمُونِي. فَيَطْرُدُونَهُ , حَتَّى إِذَا أَعْطَتْهُ امْرَأَةٌ حُوتًا شَقَّهُ فَوَجَدَ الْخَاتَمَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً , فِي قَوْلِ الْحَسَنِ.
стр. 280
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَعْدَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فَلَمَّا لَبِسَهُ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مُلْكَهُ وَبَهَاءَهُ وَأَظَلَّهُ الطَّيْرُ , فَأَقْبَلَ لا يَسْتَقْبِلُهُ إِنْسِيٌّ وَلا جِنِّيٌّ وَلا طَائِرٌ وَلا حَجَرٌ وَلا شَجَرٌ إِلا سَجَدَ لَهُ , حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَنْزِلِهِ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى الشَّيْطَانِ فَجِيءَ بِهِ فَجَعَلَهُ فِي صُنْدُوقٍ مِنْ حَدِيدٍ وَأَقْفَلَ عَلَيْهِ وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ؛ ثُمَّ أَمَرَ
بِهِ فَأُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ فَهُوَ فِيهِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ إِنَّمَا طَلَبَ هَذَا الْمُلْكَ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ وَيَعْرِفُ مَنْزِلَتَهُ بِإِجَابَةِ دُعَائِهِ , وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ فِي مُلْكِهِ الرِّيحُ وَلا الشَّيَاطِينُ. ﴿وَالرُّخَاءُ﴾ اللَّيِّنَةُ , مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرَّخَاوَةِ وَ ﴿أَصَابَ﴾ . بِمَعْنَى قَصَدَ.
فَإِنْ قِيلَ قَدْ وُصِفَتْ فِي سُورَةِ الأَنْبِيَاءِ بِأَنَّهَا عَاصِفَةٌ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّهَا كَانَتْ تَشْتَدُّ إِذَا أَرَادَ وَتَلِينُ إِذَا أَرَادَ.
وَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَغُوصُ فِي الْبَحْرِ فَتَسْتَخْرِجُ لَهُ الدُّرَّ وَتَعْمَلُ لَهُ الصُّوَرَ.
وَالْجِفَانُ: الْقِصَعُ الْكِبَارُ , يَجْتَمِعُ عَلَى الْقَصْعَةِ الْوَاحِدَةِ أَلْفُ رَجُلٍ يَأْكُلُونَ مِنْهَا , وَيَأْكُلُ مِنْ كُلِّ قِدْرٍ أَلْفُ رَجُلٍ , وَكَانَتْ لا تَنْزِلُ مِنْ مَكَانِهَا.
فَتَأَمَّلُوا إِخْوَانِي هَذَا السُّلْطَانَ الْعَظِيمَ كَيْفَ تَزَلْزَلَ بِالزَّلَلِ , وَاخْتَلَّتْ أُمُورُهُ إذ دَخَلَ عَلَيْهِ الْخَلَلُ , فَخَطَؤُهُ أَوْجَبَ خُرُوجَهُ مِنَ الْمَمْلَكَةِ , وَلُقْمَةُ آدَمَ كَادَتْ تُوقِعُهُ فِي الْمَهْلَكَةِ , فَعَلَيْكُمْ بِالتَّقْوَى فَإِنَّهَا سَبِيلُ السَّلامَةِ , فَمَنْ أَخْطَأَهَا أَخْطَأَتْهُ الْكَرَامَةُ.
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(عُمْرٌ يَنْقَضِي وَذْنَبٌ يَزِيدُ ... وَرَقِيبٌ يُحْصِي عَلَيَّ شَهِيدُ)
(وَاقْتِرَابٌ مِنَ الْحِمَامِ وَتَأْمِيلٌ ... لِطُولِ الْبَقَاءِ عِنْدِي جَدِيدُ)
стр. 281
(أَنَا لاهٍ وَلِلْمَنِيَّةِ حَتْمٌ ... حَيْثُ يَمَّمْتُ مَنْهَلٌ مَوْرُودُ)
(كُلَّ يَوْمٍ يُمِيتُ مِنِّي جُزْءًا ... وَحَيَاتِي تَنَفُّسٌ مَعْدُودُ)
(كَمْ أَخٍ قَدْ رُزِئْتُهُ فَهُوَ وَإِنْ أَضْحَى ... قَرِيبَ الْمَحَلِّ مِنِّي بَعِيدُ)
(خَلَسَتْهُ الْمَنُونُ مِنِّي فَمَا لِي ... خَلَفٌ مِنْهُ فِي الْوَرَى مَوْجُودُ)
(هَلْ لِنَفْسِي بِوَاعِظَاتِ الْجَدِيدِينَ ... عَنْ مَنْزِلٍ سَيَبِيدُ)
أَلا مُتَيَقِّظٌ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ , أَلا مُتَأَهِّبٌ لِلْقَادِمِ عَلَيْهِ , أَلا عَامِرٌ لِلْقَبْرِ قَبْلَ الْوُصوُلِ إِلَيْهِ , يَا وَاقِفًا مَعَ هَوَاهُ وَأَغْرَاضِهِ , يَا مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ عَوَارِضِهِ إِلَى أَعْرَاضِهِ , يَا غَافِلا عَنْ حُكْمِ الْمَوْتِ وَقَدْ بَتَّ بِمِقْرَاضِهِ , سَيَعْرِفُ خَبَرَهُ إِذَا اشْتَدَّ أَشَدُّ أَمْرَاضِهِ , وَأَوْرَدَهُ حَوْضًا مَرِيرًا مِنْ أَصْعَبِ حِيَاضِهِ , وَنَزَلَ بِهِ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ اغْتِمَاضِهِ , وَاسْتَبْدَلَ بِانْبِسَاطِ كَفِّهِ كَفَّهُ عَنِ انْقِبَاضِهِ , وَأَخَذَتْ يَدُ التلف بعد إحكامه في انتقاضه , وَأُخْرِجَ عَنْ خَضِرِ الرُّبَى وَرَوْضِهِ وَغِيَاضِهِ , وَأُلْقِيَ فِي لَحْدٍ وَعْرٍ يَخْلُو بِرَضْرَاضِهِ , وَعَلِمَ أَنَّهُ باع عُمْرَهُ بِأَرْدَإِ أَعْوَاضِهِ.
يَا مَنِ الْهَوَى كَلامُهُ وَحَدِيثُهُ , يَا مَنْ فِي الْمَعَاصِي قَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ , يَا مَنْ عُمْرُهُ فِي الْمَعَاصِي خَفِيفُهُ وَأَثِيثُهُ , مَنْ لَهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ فِي كَرْبِهِ مَنْ يُغِيثُهُ , آهٍ مِنْ قَهْرٍ لا يَرْفُقُ بُطَّاشُهُ , وَمِنْ حَرِيقٍ لا يَرْحَمُ عُطَّاشَهُ , وَمِنْ نُزُولِ لَحْدٍ لا يُرْفَعُ خِشَاشُهُ , عَمَلُ الْمَقْبُولِ فِيهِ لِحَافُهُ وَفِرَاشُهُ , آهٍ مِنْ سَحَابِ عِقَابٍ رَذَاذُهُ يُرْدِي وَرَشَاشُهُ , مَنْ يُخَلِّصُهُ الْيَوْمَ مِنْ هوى قد أشربه مُشَاشُهُ.
كَأَنَّكُمْ بِالسَّمَاءِ قَدِ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ , وَبِأَقْدَامِ الصَّالِحِينَ قَدْ تَرَقَّتْ , وَبِأَيْمَانِهِمْ لِلصَّحَائِفِ قَدْ تَلَقَّتْ , صَبَرَ الْقَوْمُ عَلَى حَصْرِ الْحَبْسِ فَخَرَجُوا إِلَى رَوْحِ السَّعَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ [أَبِي] الْحَوَارِيِّ: قُلْتُ لِزَوْجَتِي رَابِعَةَ: أَصَائِمَةٌ أَنْتِ الْيَوْمَ؟ فَقَالَتْ: وَمِثْلِي مَنْ يُفْطِرُ فِي الدُّنْيَا!
وَكَانَتْ إِذَا طَبَخَتْ قِدْرًا قَالَتْ: كُلْهَا يَا سَيِّدِي فَمَا نَضِجَتْ إِلا بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ!
стр. 282
وَكَانَتْ تَقُولُ: مَا سَمِعْتُ الآذَانَ إِلا ذَكَرْتُ مُنَادِيَ الْقِيَامَةِ , وَلا رَأَيْتُ الثَّلْجَ إِلا تَذَكَّرْتُ تَطَايُرَ الصُّحُفِ , وَلا رَأَيْتُ جَرَادًا إِلا ذَكَرْتُ الحشر , وربما رأيت الجن يذهبون ويجيئون , وريما رَأَيْتُ الْحُورَ يَسْتَتِرْنَ مِنِّي بِأَكْمَامِهِنَّ
قَالَ: وَدَعَوْتُهَا مَرَّةً فَلَمْ تُجِبْنِي , فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَاعَةٍ أَجَابَتْنِي وَقَالَتْ: إِنَّ قَلْبِي كَانَ قَدِ امْتَلأَ فَرَحًا بِاللَّهِ فَلَمْ أَقْدِرْ أَنْ أُجِيبَكَ.
قَالَ: وَكَانَتْ لَهَا أَحْوَالٌ شَتَّى , فَمَرَّةً يَغْلِبُ عَلَيْهَا الْحُبُّ فَتَقُولُ:
(حَبِيبٌ لَيْسَ يَعْدِلُهُ حَبِيبٌ ... وَلا لِسِوَاهُ فِي قَلْبِي نَصِيبُ)
(حَبِيبٌ غَابَ عَنْ بَصَرِي وَسَمْعِي ... وَلَكِنْ عَنْ فُؤَادِي مَا يَغِيبُ)
وَتَارَةً يَغْلِبُ عَلَيْهَا الأُنْسُ فَتَقُولُ:
(وَلَقَدْ جَعَلْتُكَ فِي الْفُؤَادِ مُحَدِّثِي ... وَأَبَحْتُ جِسْمِي مَنْ أَرَادَ جُلُوسِي)
(فَالْجِسْمُ مِنِّي لِلْجَلِيسِ مُؤَانِسٌ ... وَحَبِيبُ قَلْبِي فِي الْفُؤَادِ أَنِيسِي)
وَتَارَةً يَغْلِبُ عَلَيْهَا الْخَوْفُ فَتَقُولُ:
(وَزَادِي قَلِيلٌ مَا أَرَاهُ مُبَلِّغِي ... أَلِلزَّادِ أَبْكِي أَمْ لِطُولِ مَسَافَتِي)
(أَتَحْرِقُنِي بِالنَّارِ يَا غَايَةَ الْمُنَى ... فَأَيْنَ رَجَائِي فِيكَ أَيْنَ مَحَبَّتِي)
وَيْحَ قَلْبِكَ! مَا هَذِهِ الْقَسْوَةُ , أَتَغْلِبُكَ وَأَنْتَ رَجُلُ نِسْوَةٍ!
كَانَتْ أُمُّ هَارُونَ مِنَ الْعَابِدَاتِ تَقُولُ: إِنِّي لأَغْتَمُّ بِالنَّهَارِ حَتَّى يَجِيءَ اللَّيْلُ , فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ قُمْتُ , فَإِذَا جَاءَ السَّحَرُ دَخَلَ الرَّوْحُ قَلْبِي.
وَخَرَجْتُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَعَارَضَهَا سَبُعٌ فَقَالَتْ: تَعَالَ إِنْ كَانَ لَكَ رِزْقٌ فَكُلْ. فَأَقْعَى السَّبُعُ ثُمَّ عَادَ.
وَكَانَتْ ثُوَيْبَةُ بِنْتُ بُهْلُولٍ تَقُولُ: قُرَّةَ عَيْنِي! مَا طَابَتِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ إِلا بِكَ , فَلا تَجْمَعْ عَلَيَّ فَقْدَكَ وَالْعَذَابَ!
قَالَ خُشَيْشٌ الْمَوْصِلِيُّ: جَاءَنِي كِتَابٌ مِنْ حَمَّادَةَ الْعَابِدَةِ فَإِذَا فِيهِ: أَبْلِغْ كل
стр. 283
مَحْزُونٍ بِالشَّامِ عَنِّي السَّلامَ.
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفْرٍ , أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ , أَنْبَأَنَا عَبْدُ العزيز بن علي , بن أنبأنا علي , ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَهْضَمٍ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الدِّينَوَرِيُّ , عَنْ أَبِي زَكَرِيَّا الشِّيرَازِيِّ , قَالَ: تهت في البادية بالعراق أياماً كثيرة ولم أَجِدْ شَيْئًا أَرْتَفِقُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثلاثة أَيَّامٍ رَأَيْتُ فِي الْفَلاةِ خِبَاءَ شَعَرٍ مَضْرُوبًا , فَقَصَدْتُهُ فَإِذَا فِيهِ بَيْتٌ وَعَلَيْهِ سِتْرٌ مُسْبَلٌ , فَسَلَّمْتُ فَرَدَّتْ عَلَيَّ عَجُوزٌ مِنْ دَاخِلِ الْخِبَاءِ وَقَالَتْ: يَا إِنْسَانُ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ مَكَّةَ. قَالَتْ: وَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: الشَّامَ. قَالَتْ: أَرَى شَبَحَكَ شَبَحَ إِنْسَانٍ بَطَّالٍ , هَلا لَزِمْتَ زَاوِيَةً تَجْلِسُ فِيهَا إِلَى أَنْ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ , ثُمَّ تَنْظُرُ هَذِهِ الْكِسْرَةَ مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُهَا؟!
ثُمَّ قَالَتْ: تَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَتِ: اقْرَأْ عَلَيَّ آخِرَ سُورَةِ الْفُرْقَانِ. فَقَرَأْتُهَا فَشَهِقَتْ وَأُغْمِيَ عَلَيْهَا. فَلَمَّا أَفَاقَتْ قَرَأَتْ هِيَ الآيَاتِ , فَأَخَذَتْ مِنِّي قِرَاءَتُهَا أَخْذًا شَدِيدًا , ثُمَّ قَالَتْ: يَا إِنْسَانُ اقْرَأْهَا ثَانِيَةً. فَقَرَأْتُهَا , فَلَحِقَهَا مِثْلُ مَا لَحِقَهَا فِي الأَوَّلِ فَصَبَرْتُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ تُفِقْ , فَقُلْتُ كَيْفَ أَسْتَكْشِفُ حَالَهَا هَلْ مَاتَتْ أَمْ لا؟ فَتَرَكْتُ الْبَيْتَ عَلَى حَالِهِ وَمَشَيْتُ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ مِيلٍ , فَأَشْرَفْتُ عَلَى وَادٍ فِيهِ أَعْرَابٌ , فَأَقْبَلَ إِلَيَّ غُلامَانِ مَعَهُمَا جَارِيَةٌ , فَقَالَ أَحَدُ الْغُلامَيْنِ: يَا إِنْسَانُ أَتَيْتَ الْبَيْتَ فِي الْفَلاةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: قَتَلْتَ الْعَجُوزَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ!
فَمَشَيْتُ مَعَ الْغُلامَيْنِ وَالْجَارِيَةِ حَتَّى أَتَيْنَا الْبَيْتَ , فَدَخَلَتِ الْجَارِيَةُ فَكَشَفَتْ عَنْ وَجْهِهَا فَإِذَا هِيَ مَيِّتَةٌ , فَأَعْجَبَنِي خَاطِرُ الْغُلامِ , فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: مَنْ هَذَانِ الْغُلامَانِ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ أُخْتُهُمْ , مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً لَمْ تَأْنَسْ بِكَلامِ النَّاسِ , وَإِذَا نَزَلْنَا بِوَادٍ تُوَارِي بَيْتَهَا بِالْفَلاةِ لِئَلا تَسْمَعَ كَلامَ أَحَدٍ , وَكَانَتْ تَأْكُلُ فِي كُلِّ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ أُكْلَةً وَتَشْرَبُ شَرْبَةً.
(ثَوْرُهَا الْحَادِي عَلَى فَرَطِ الرَّجَا ... تَأْمُلُ مَعَ ضَوْءِ الصَّبَاحِ الْفَرَجَا)
(تَقْطَعُ فِي الْبَيْدِ سَبِيلا حَرَجًا ... بَاسِطَةً عِقَالَهَا جُنْحَ الدُّجَا)
стр. 284
غيره:
(حدث عَلَيْهَا فِي السُّرَى حَادِيهَا ... فَلا تَقُلْ فَشَوْقُهَا يَكْفِيهَا)
غَيْرُهُ:
(يَا سَائِقَهَا عَلَى وِحَاهَا مَهْلا ... ارْتَدْ لِمَسِيرِهَا طَرِيقًا سَهْلا)
(وَانْشُدْ قَلْبِي إِنْ جُزْتَ بَابَ الْمُعَلَّى ... مَا بَيْنَ قُبُورِ الْعَاشِقِينَ الْقَتْلَى)
غَيْرُهُ:
(يَا سَاكِنِي بَطْنَ وَجْرَةَ مِنْ نَجْدِ ... هَلْ عِنْدَكُمْ لِسَائِلٍ مَا يُجْدِي)
(مَقْتُولٌ هَوَى بِهِ رَسِيسُ الْوَجْدِ ... مَا حَالَ عَنِ الْعَهْدِ لِطُولِ الْعَهْدِ)
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿القارعة ما القارعة﴾ الْقَارِعَةُ الْقِيَامَةُ , سُمِّيَتِ قَارِعَةً لأَنَّهَا تَقْرَعُ بالأهوال.
وقوله: ﴿ما القارعة﴾ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّفْخِيمُ لِشَأْنِهَا , كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ مَا زَيْدٌ.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ أَيْ لأَنَّكَ لَمْ تُعَايِنْهَا وَلَمْ تَرَ مَا فِيهَا لِشِدَّةِ الأَهْوَالِ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ المبثوث﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ الْفَرَاشُ: غَوْغَاءُ الْجَرَادِ , وَهُوَ صِغَارُهُ.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَا تَهَافَتَ فِي النَّارِ مِنَ الْبَعُوضِ. شَبَّهَ النَّاسَ بِذَلِكَ لأَنَّهُمْ إِذَا بُعِثُوا مَاجَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ. وَالْمَبْثُوثُ: الْمُنْتَشِرُ المتفرق.
﴿وتكون الجبال كالعهن﴾ أَيْ كَالصُّوفِ , شَبَّهَهَا فِي ضَعْفِهَا وَلِينِهَا بِالصُّوفِ.
وَقِيلَ شَبَّهَهَا فِي خِفَّتِهَا وَسَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ قتيبة: العهن: الصوف
стр. 285
المصبوغ. والمنفوش: الْمَنْدُوفُ. فَإِذَا رَأَيْتَ الْجَبَلَ قُلْتَ هَذَا جَبَلٌ. فَإِذَا مَسَسْتَهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا , وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْهَوْلِ.
يَا مَنْ عَمَلُهُ بِالنِّفَاقِ مَغْشُوشٌ , تَتَزَيَّنُ لِلنَّاسِ كَمَا يَزِينُ الْمَنْقُوشُ , إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى الْبَاطِنِ لا إِلَى النُّقُوشِ , إِذَا هَمَمْتَ بِالْمَعَاصِي فَاذْكُرْ يَوْمَ النُّعُوشِ , وَكَيْفَ تُحْمَلُ إِلَى قَبْرٍ بِالْجَنْدَلِ مَفْرُوشٍ , مَنْ لَكَ إِذَا جُمِعَ الإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْوُحُوشُ , وَقَامَ الْعَاصِي مِنْ قَبْرِهِ حيران مدهوش , وَجِيءَ بِالْجَبَّارِ الْعَظِيمِ وَهُوَ مَغْلُولٌ مَخْشُوشٌ , فَحِينَئِذٍ يَتَضَاءَلُ الْمُتَكَبِّرُ وَتُذَلُّ الرُّءُوسُ , وَيَوْمَئِذٍ يُبْصِرُ الأَكْمَهُ ويسمع الأطروش , وَيُنْصَبُ الصِّرَاطُ فَكَمْ وَاقِعٍ وَكَمْ مَخْدُوشٍ , لَيْسَ بِجَادَّةٍ يَقْطَعُهَا قَصْلٌ وَلا مَرْعُوشٌ , وَلا تُقْبَلُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِدْيَةٌ وَلا تُؤْخَذُ الأُرُوشُ , وَالْمَتْعُوسُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِمَنْعُوشٍ , وَيَنْقَلِبُ أَهْلُ النَّارِ فِي الأَقْذَارِ وَالرِّيحُ كَالْحُشُوشِ , لِحَافُهُمْ جَمْرٌ وَكَذَلِكَ الفروش , ﴿وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾ .
قوله تعالى: ﴿فأما من ثقلت موازينه﴾ أَيْ رَجَحَتْ بِالْحَسَنَاتِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَالْمُرَادُ بِمَوَازِينِهِ وَزْنُهُ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: هَلْ لَكَ فِي دِرْهَمٍ بِمِيزَانِ دِرْهَمِكَ وَوَزْنِ دِرْهَمِكَ. وَأَرَادَ بِالْمَوَازِينِ: الْوَزَنَاتِ ﴿فهو في عيشة راضية﴾ أَيْ مَرْضِيَّةٍ.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوية﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَهْوِي فِي النَّارِ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ هَاوِيَةً. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ هَاوٍ فِي النَّارِ عَلَى رَأْسِهِ. قَالَهُ عِكْرِمَةُ. وَالثَّانِي مَعْنَاهُ: فَمَسْكَنُهُ النَّارُ , فَالنَّارُ لَهُ كَالأُمِّ لأَنَّهُ يَأْوِي إِلَيْهَا. قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وَالْفَرَّاءُ وَابْنُ قُتَيْبَةَ.
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ خَيْرُونٍ , قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعَدَةَ , قَالَ أَنْبَأَنَا
عَمْرُو بْنُ يُوسُفَ , قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ , حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ يُوسُفَ , حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْرَائِيلَ , قَالَ حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى , قَالَ حَدَّثَنَا سَلامٌ التميمي , عن ثور ابن زَيْدٍ , عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ , عَنْ أَبِي
следующие страницы →