← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 26351

التبصرة لابن الجوزي

ابن الجوزي

Полный текст (793 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أَجَلَّ مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿إِنَّ الأبرار لفي نعيم﴾ . نُعِّمُوا فِي الدُّنْيَا بِالإِخْلاصِ فِي الطَّاعَةِ , وَفَازُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالرِّبْحِ فِي الْبِضَاعَةِ , وَتَنَزَّهُوا عَنِ التَّقْصِيرِ وَالْغَفْلَةِ وَالإِضَاعَةِ , وَلَبِسُوا ثِيَابَ التُّقَى وَارْتَدَوْا بِالْقَنَاعَةِ , وَدَامُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى السَّهَرِ وَالْمَجَاعَةِ , فَيَا فَخْرَهُمْ إِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ , وَقَدْ قُرِّبَتْ إِلَيْهِمْ مَطَايَا التَّكْرِيمِ ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ . نُعِّمُوا فِي الدُّنْيَا بِالْوَحْدَةِ وَالْخَلْوَةِ , وَاعْتَذَرُوا فِي الأَسْحَارِ مِنْ زَلَّةٍ وَهَفْوَةٍ , وَحَذِرُوا مِنْ مُوجِبَاتِ الإبعاد والجفوة , فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُخْتَارُونَ الصَّفْوَةُ , الصِّدْقُ قَرِينُهُمْ وَالصَّبْرُ نديم ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ . حَرَسَهُمْ مَوْلاهُمْ مِنْ مُوجِبَاتِ الشَّيْنِ , وَحَفِظَهُمْ مِنْ جَهْلٍ وَعَيْبٍ وَمَيْنٍ , وَأَرَاهُمْ مَحَجَّةَ الْهُدَى رَأْيَ الْعَيْنِ , وَأَزَالَ فِي وِصَالِهِمْ قَاطِعَ الْجَفَاءِ وَعَارِضَ الْبَيْنِ , وَكَمَّلَ لَهُمْ جَمِيعَ الْمَآثِرِ كَمَالَ الزَّيْنِ , وَكَشَفَ عَنْ قُلُوبِهِمْ أَغْطِيَةَ الْهَوَى وَحُجُبَ الْغَيْنِ , فقاموا بالأوامر على غاية الوفا في قضاء الدين , واعتذروا بعد الأذى وقيل الغريم ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ . طَالَ مَا تَعِبَتْ أَجْسَامُهُمْ مِنَ الْجُوعِ وَالسَّهَرِ , وَكَفَّتْ جَوَارِحُهُمْ عَنِ اللَّهْوِ وَالأَشَرِ , وَحَبَسُوا أَعْرَاضَهُمْ عَنِ الْكَلامِ وَالنَّظَرِ , وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ وَامْتَثَلُوا مَا أَمَرَ , وَتَقَبَّلُوا مَفْرُوضَاتِهِ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ , وَتَغَنَّوْا بِكَلامِهِ وَالْقَلْبُ قَدْ حَضَرَ , وَاسْتَعَدُّوا مِنَ الزَّادِ مَا يَصْلُحُ لِلسَّفَرِ , فَالْخَوْفُ يُقْلِقُهُمْ فَيَمْنَعُهُمْ قَضَاءَ الْوَطَرِ , وَالْعِبْرَةُ تَجْرِي وَالْقَلْبُ قَدِ اعْتَبَرَ , فَيَا حُسْنَهُمْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَوَقْتِ السَّحَرِ , السِّرُّ صَافٍ وَالْحَالُ مُسْتَقِيمٌ ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ . جَنَّ الظَّلامُ فَزُمَّتْ مَطَايَاهُمْ , وَجَاءَ السَّحَرُ فَتَوَفَّرَتْ عَطَايَاهُمْ , وَكَثُرَ الاسْتِغْفَارُ فَحُطَّتْ خَطَايَاهُمْ , وَكُلَّمَا طَلَبُوا مِنْ فَضْلِ سَيِّدِهِمْ أَعْطَاهُمْ , فَسُبْحَانَ مَنِ اخْتَارَهُمْ مِنَ الْكُلِّ وَاصْطَفَاهُمْ , وَخَلَّصَهُمْ بِالإِخْلاصِ مِنْ شَوَائِبِ الكدر

стр. 212

وَصَفَّاهُمْ , فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْخَلْقِ بِالْمَحَبَّةِ سِوَاهُمْ , أَزْعَجَتْهُمْ عَوَاصِفُ الْمَخَافَةِ فَتَدَارَكَهُمْ مِنَ الرَّجَاءِ نَسِيمٌ ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ . قصورهم في الجنان عالية , وعيشهم فِي الْقُصُورِ صَافِيَةٌ , وَهُمْ فِي عَفْوٍ مَمْزُوجٍ بِعَافِيَةٍ , وَقُطُوفُ الأَشْجَارِ مِنَ الْقَوْمِ دَانِيَةٌ , وَأَقْدَامُهُمْ عَلَى أَرْضٍ مِنَ الْمِسْكِ سَاعِيَةٌ , وَأَبْدَانُهُمْ مِنَ السُّنْدُسِ وَالإِسْتَبْرَقِ كَاسِيَةٌ , وَالْعَيْشُ لَذِيذٌ وَالْمُلْكُ عَظِيمٌ ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ . رَضِيَ عَنْهُمْ جَبَّارُهُمْ , وَأَشْرَقَتْ بِرِضَاهُ دَارُهُمْ , وَصَفَتْ بِبُلُوغِ الْمُنَى أَسْرَارُهُمْ , فَارْتَفَعَتْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَكْدَارُهُمْ , وَوَرَّدَتْ فِي الْجِنَانِ أَشْجَارُهُمْ , وَاطَّرَدَتْ تَحْتَ الْقُصُورِ أَنْهَارُهُمْ , وَتَرَنَّمَتْ عَلَى الْوَرَقِ أَطْيَارُهُمْ , وَالْمَلائِكَةُ تَحُفُّهُمْ وَتَخُصُّهُمْ بِالتَّسْلِيمِ , وَالْعُيُونُ تَجْرِي مِنْ رَحِيقٍ وَتَسْنِيمٍ , وَالْمَلِكُ قَدْ وَصَفَهُمْ فِي الْكَلامِ الْقَدِيمِ ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ . قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يَقُولُ اللَّهُ : أَنَا رَبُّكُمُ الَّذِي صَدَقْتُكُمْ وَعْدِي وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي فَهَذَا مَحَلُّ كَرَامَتِي , فَاسْأَلُونِي مَا شِئْتُمْ. فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُكَ رِضْوَانَكَ. فَيَقُولُ: رِضْوَانِي أَحَلَّكُمْ دَارِي وَأَدْنَاكُمْ مِنْ جِوَارِي ". وَرُوِّينَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لأَوْلِيَائِهِ فِي الْقِيَامَةِ: " أوليائي طال ما لَمَحْتُكُمْ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ غَارَتْ أَعْيُنُكُمْ وَقَلَصَتْ شفاهكم عن الأشربة وخفقت بُطُونُكُمْ , فَتَعَاطَوُا الْكَأْسَ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ". وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿على الأرائك ينظرون﴾ الأَرَائِكُ: السُّرُرُ فِي الْحِجَالِ. قَالَ ثَعْلَبٌ: لا تَكُونُ الأَرِيكَةُ إِلا سَرِيرًا فِي قُبَّةٍ عَلَيْهِ شَوَارُهُ وَمَتَاعُهُ. وَالشَّوَارُ مَتَاعُ الْبَيْتِ.

стр. 213

وفي قوله: ﴿ينظرون﴾ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: يَنْظُرُونَ إِلَى مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ. وَالثَّانِي: إِلَى أَعْدَائِهِمْ حِينَ يُعَذَّبُونَ. سَجْعٌ كَانُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى الْمُجَاهَدَةِ يُصِرُّونَ , وَفِي دَيَاجِي اللَّيْلِ يَسْهَرُونَ , وَيَصُومُونَ وَهُمْ عَلَى الطَّعَامِ يَقْدِرُونَ , وَيُسَارِعُونَ إِلَى مَا يُرْضِي مَوْلاهُمْ وَيُبَادِرُونَ , فَشَكَرَ مَنْ رَاحَ مِنْهُمْ وغدا فهم غدا ﴿على الأرائك ينظرون﴾ . كانون يحملون أعباء الجهد والعنا , ويفرحون بِاللَّيْلِ إِذَا أَقْبَلَ وَدَنَا , وَيَرْفُضُونَ الدُّنْيَا لِعِلْمِهِمْ أَنَّهَا تَصِيرُ إِلَى الْفَنَا , وَيُخَلِّصُونَ الأَعْمَالَ مِنْ شَوَائِبِ الآفَاتِ لَنَا , وَيُحَارِبُونَ الشَّيْطَانَ بِسِلاحٍ مِنَ التُّقَى أَقْطَعَ مِنَ السَّيْفِ وَأَصْلَبَ مِنَ الْقَنَا , فَغَدًا يَتَّكِئُونَ عَلَى الأَرَائِكَ وَقُطُوفُهُمْ دَانِيَةُ الْمُجْتَنَى , وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا النَّعِيمِ أَنْ أَتَجَلَّى لَهُمْ أَنَا , كَفَى فَخْرًا أَنَّهُمْ عِنْدِي غَدًا يَحْضُرُونَ ﴿على الأرائك ينظرون﴾ . كَانَتْ جُنُوبُهُمْ تَتَجَافَى عَنْ مَضَاجِعِهَا , وَلا تَسْكُنُ لأَجْلِي إِلَى مَوَاضِعِهَا , وَتَطْلُبُ مِنِّي نُفُوسُهُمْ جَزِيلَ مَنَافِعِهَا , وَتَسْتَجِيرُنِي مِنْ مَوَانِعِهَا وَتَسْتَعِيذُ بِجَلالِي مِنْ قَوَاطِعِهَا , وَتَصُولُ بِعِزَّتِي عَلَى مَخَادِعِهَا , فَقَدْ أَبْدَلْتُهُمْ بِتَعَبِ تِلْكَ الْمُجَاهَدَةِ لَذَّةَ السُّكُونَ , فَهُمْ ﴿عَلَى الأرائك ينظرون﴾ . يَا حُسْنَهُمْ وَالْوِلْدَانُ بِهِمْ يَحُفُّونَ , وَالْمَلائِكَةُ لَهُمْ يَزُفُّونَ , وَالْخُدَّامُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يَقِفُونَ , وَقَدْ أَمِنُوا مَا كَانُوا يَخَافُونَ , وَبِالْحُورِ الْعِينِ الْحِسَانِ فِي خِيَامِ اللُّؤْلُؤِ يَتَنَعَّمُونَ , وَعَلَى أَسِرَّةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَتَزَاوَرُونَ , وَبِالْوُجُوهِ النَّضِرَةِ يَتَقَابَلُونَ , وَيَقُولُونَ بِفَضْلِي عَلَيْهِمْ وَنِعْمَتِي لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ . سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نضرة النعيم﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: بَرِيقَ النَّعِيمِ.

стр. 214

وُجُوهٌ طَالَ مَا غَسَلَتْهَا دُمُوعُ الأَحْزَانِ , وُجُوهٌ طَالَ مَا غَبَّرَتْهَا حُرُقَاتُ الأَشْجَانِ , وُجُوهٌ تُخْبِرُ عَنِ الْقُلُوبِ إِخْبَارَ الْعُنْوَانِ , حَرَسُوا الْوَقْتَ بِالْيَقَظَةِ وَحَفِظُوا الزَّمَانَ , وَشَغَلُوا الْعُيُونَ بِالْبُكَاءِ وَالأَلْسُنَ بِالْقُرْآنِ , فإذا رَأَيْتَهُمْ يَوْمَ الْجَزَاءِ رَأَيْتَ الْفَوْزَ الْعَظِيمَ ﴿تَعْرِفُ في وجوههم نضرة النعيم﴾ . وُجُوهٌ مَا تَوَجَّهَتْ لِغَيْرِي وَلا اسْتَدَارَتْ , وَأَقْدَامٌ إِلَى غَيْرِ مَا يُرْضِينِي مَا سَارَتْ , وَعُزُومٌ لِغَيْرِ مَرْضَاتِي مَا ثَارَتْ , وَقُلُوبٌ بِغَيْرِي قَطُّ مَا اسْتَجَارَتْ , وَأَفْئِدَةٌ بِغَيْرِ ذِكْرِي مَا اسْتَنَارَتْ , وَلَوْ رَأَتْ عُيُونُ الْغَافِلِينَ مَا أَعْدَدْتُ لَهُمْ لَحَارَتْ مِنْ فَضْلٍ عَظِيمٍ وَمُلْكٍ جَسِيمٍ ﴿تَعْرِفُ في وجوههم نضرة النعيم﴾ . أَشْرَقَتْ وُجُوهُهُمْ فِي الدُّنْيَا بِحُسْنِ الْمُجَاهَدَةِ , وَتُشْرِقُ وُجُوهُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْقُرْبِ وَالْمُشَاهَدَةِ , أَشْرَقَتْ وُجُوهُهُمْ فِي اللَّيْلِ بِنُورِ السَّهَرِ , وَتُشْرِقُ غَدًا بِمُشَاهَدَةِ الْحَقِّ إِذَا ظَهَرَ , أَشْرَقَتْ وُجُوهُهُمْ فِي الدُّنْيَا بِجَرَيَانِ الدُّمُوعِ عَلَى الْخُدُودِ , وَتُشْرِقُ غَدًا فِي جنان الخلود , فإذا رَأَيْتَهُمْ فِي سُرُورٍ مَا فِيهِ مَا يُضِيمُ ﴿تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾ . قوله تعالى: ﴿يسقون من رحيق مختوم﴾ فِي الرَّحِيقِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ , أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْخَمْرُ. قاله ابن عباس. وفي صفة الْخَمْرِ الْمُسَمَّاةِ بِالرَّحِيقِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا أَجْوَدُ الْخَمْرِ. قَالَهُ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ. وَالثَّانِي: الْخَالِصَةُ مِنَ الْغِشِّ. قَالَهُ الأَخْفَشُ. وَالثَّالِثُ: الْخَمْرُ الْبَيْضَاءُ. قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَالرَّابِعُ: الْخَمْرُ الْعَتِيقَةُ. قَالَهُ ابن قتيبة.

стр. 215

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ عَيْنٌ فِي الْجَنَّةِ مَشُوبَةٌ بالمسك. قاله الحسن. والثالث: الشَّرَابِ الَّذِي لا غِشَّ فِيهِ. قَالَهُ ابْنُ قتيبة والزجاج. وفي قوله ﴿مختوم﴾ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ , أَحَدُهَا: مَمْزُوجٌ. قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثاني: مختوم على إنائه وهو مذهب. قاله مجاهد. وَالثَّالِثُ: لَهُ خِتَامٌ أَيْ عَاقِبَتُهُ رِبْحٌ. سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ يَا لَهُ مِنْ كَأْسٍ مَصُونٍ تَقَرُّ بِهِ الْعُيُونُ , يَقُولُ لَهُ الْمَلِكُ كُنْ فَيَكُونُ , يُوجِدُهُ بين الكاف والنوم , إِذَا شَرِبُوهُ لا يَحْزَنُونَ , إِذَا اسْتَوْعَبُوهُ لا يَسْكَرُونَ , نَعِيمُهُمْ لا كَدَرٌ فِيهِ وَلا هُمُومٌ ﴿يسقون من رحيق مختوم﴾ . شَرَابٌ قَدْ حَلا وَطَابَ , كَأْسٌ يَصْلُحُ لِلأَحْبَابِ , نَعِيمٌ مِنْ فَضْلِ الْوَهَّابِ , لَذَّتْ لَذَّةُ الدَّارِ وَدَارَ الشَّرَابُ , كَمُلَ الصَّفَا وَزَالَ الْعِتَابُ , طَابَ الْوَقْتُ وَرُفِعَ الْحِجَابُ , صَفَتِ الْحَالُ وَفُتِّحَتِ الأَبْوَابُ , زَارَ الْمُحِبُّ وَسَمِعَ الْخِطَابَ , ثُمَّ فَرِحَ الْقَوْمُ بقرب القيوم ﴿يسقون من رحيق مختوم﴾ . زَالَ الْعَنَا عَنْهُمْ وَأَقْبَلَ الرَّوْحُ وَالْفَرَحُ , وَارْتَفَعَتِ الْهُمُومُ عَنِ الصُّدُورِ فَانْفَسَحَ الصَّدْرُ وَانْشَرَحَ , وَرَضِيَ الرَّبُّ فَأَعْطَى الْمُنَى وَأَوْلَى وَمَدَحَ , وَطَافَ عَلَيْهِمُ الْوِلْدَانُ بِالأَكْوَابِ فَيَا لَذَّةَ الشَّرَابِ وَيَا حُسْنَ الْقَدَحِ , وَاسْتَرَاحَ مِنَ التَّعَبِ مَنْ كَانَ يَسْهَرُ ويصوم ﴿يسقون من رحيق مختوم﴾ . قوله تعالى: ﴿ختامه مسك﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: خَلْطَةُ مِسْكٍ. قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ طَعْمُ الإِنَاءِ مِسْكٌ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. قَوْلُهُ تعالى: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ أَيْ فَلْيَجِدُّوا فِي طَلَبِهِ وَلْيَحْرِصُوا عَلَيْهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى , وَالتَّنَافُسُ كَالتَّشَاحِ عَلَى الشَّيْءِ وَالتَّنَازُعِ فِيهِ. سَجْعٌ أَيُّهَا الْغَافِلُ رَبِحَ الْقَوْمُ وَخَسِرْتَ , وَسَارُوا إِلَى الْحَبِيبِ وَمَا سِرْتَ , وَقَامُوا

стр. 216

بِالأَوَامِرِ وَضَيَّعْتَ مَا بِهِ أُمِرْتَ , وَسَلِمُوا مِنْ رِقِّ الْهَوَى وَاغْتَرَرْتَ فَأُسِرْتَ , فَالدُّنْيَا تَخْدِمُهُمْ وَالسَّعَادَةُ تَقْدُمُهُمْ حِينَ يُحْشَرُونَ ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ . لَقَدْ شُوِّقْتُمْ إِلَى الْفَضَائِلِ فَمَا اشْتَقْتُمْ , وَزُجِرْتُمْ عَنِ الرَّذَائِلِ وَأَنْتُمْ فِي سُكْرِ الْهَوَى مَا أَفَقْتُمْ , فَلَوْ حَاسَبْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَحَقَّقْتُمْ , عَلِمْتُمْ أَنَّكُمْ بِغَيْرِ وَثِيقٍ تَوَثَّقْتُمْ , فَاطْلُبُوا الْخَلاصَ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى فَقَدْ جَدَّ الطَّالِبُونَ ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون﴾ . أَيْقَظَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ لِمَصَالِحِنَا , وَعَصَمَنَا مِنْ ذُنُوبِنَا وَقَبَائِحِنَا , وَاسْتَعْمَلَ فِي طَاعَتِهِ جَمِيعَ جَوَارِحِنَا , وَلا جَعَلَنَا مِمَّنْ يَرْضَى بِدُونٍ ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون﴾ .

стр. 217

المجلس السادس عشر فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ ﵉ الْحَمْدُ للَّهِ جَعَلَ الْعِلْمَ لِلْعُلَمَاءِ نَسَبًا , وَأَغْنَاهُمْ بِهِ وَإِنْ عَدِمُوا مالاًَ وَنَشَبًا , وَلأَجْلِهِ سَجَدَتِ الْمَلائِكَةُ إِلا إِبْلِيسَ أَبَى , وَبِحِيلَةِ الْعِلْمِ اتَّكَأَ إِدْرِيسُ فِي الْجَنَّةِ وَاحْتَبَى , وَلِطَلَبِهِ قَامَ الْكَلِيمُ وَيُوشَعُ وَانْتَصَبَا , فَسَارَا إِلَى أَنْ لَقِيَا مِنْ سَفَرِهِمَا نَصَبًا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ . أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَدُومُ مَا هَبَّتْ جَنُوبٌ وَصَبَا , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ الْخَلائِقِ عَجَمًا وَعَرَبًا , وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الَّذِي أَنْفَقَ الْمَالَ وَمَا قَلَّلَ حَتَّى تَخَلَّلَ بَالْعَبَا , وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي مِنْ هَيْبَتِهِ وَلَّى الشَّيْطَانُ وَهَرَبَا , وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي حَيَّتْهُ الشَّهَادَةُ فَقَالَ مَرْحَبًا , وَعَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي مَا فُلَّ سَيْفُ شَجَاعَتِهِ قَطُّ [وَلا] نَبَا , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الْعَالِي نَسَبُهُ عَلَى جِبَالِ الشَّرَفِ وَالرُّبَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أمضي حقبا﴾ . معنى الكلام: اذكر يا محمد ﴿إذا قال موسى﴾ وهو موسى بن عمران , ﴿لفتاه﴾ وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ , وَإِنَّمَا سُمِّيَ فَتَاهُ لأَنَّهُ كَانَ يُلازِمُهُ وَيَأْخُذُ عَنْهُ الْعِلْمَ وَيَخْدِمُهُ: ﴿لا أبرح﴾ أَيْ لا أَزَالُ , أَيْ لا أَنْفَكُّ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ لا أَزُولُ لأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَزَلْ لَمْ يَقْطَعْ أَرْضًا. قَالَ الشَّاعِرُ: (إِذَا أَنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أَمَانَةً ... وَتَحْمِلُ أُخْرَى أفرحتك الودائع)

стр. 218

أَيْ أَثْقَلَتْكَ. وَمَعْنَى الآيَةِ لا أَزَالُ أَسِيرُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَيْ مُلْتَقَاهُمَا , وَهُوَ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِلِقَاءِ الْخَضِرِ فِيهِ. قَالَ قَتَادَةُ: بَحْرَ فَارِسَ وَبَحْرَ الرُّومِ فَبَحْرُ الروم نحو الغرب وبحر فارس نحو الشرق. وَفِي اسْمِ الْبَلَدِ الَّذِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: إِفْرِيقِيَّةُ. قَالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وَالثَّانِي: طَنْجَةُ. قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ. قَوْلُهُ تعالى: ﴿أو أمضي حقبا﴾ وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ ﴿حُقْبًا﴾ بِإِسْكَانِ الْقَافِ وَهُمَا لُغَتَانِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْحُقُبُ: الدَّهْرُ. يُقَالُ حُقُبٌ وَحُقْبٌ , كَمَا يُقَالُ قُفْلٌ وَقُفُلٌ , وَأُكُلٌ وَأُكْلٌ , وَعُمُرٌ وَعُمْرٌ. وَمَعْنَى الآيَةِ: لا أَزَالُ أَسِيرُ وَلَوِ احْتَجْتُ أَنْ أَسِيرَ حُقُبًا. ﴿فَلَمَّا بلغا﴾ يَعْنِي مُوسَى وَفَتَاهُ ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ وَكَانَا قَدْ تَزَوَّدَا حُوتًا مَالِحًا فِي مِكْتَلٍ , فَكَانَا يُصِيبَانِ مِنْهُ عِنْدَ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ , فَلَمَّا بَلَغَا هُنَاكَ وَضَعَ يُوشَعُ الْمِكْتَلَ فَأَصَابَ الْحُوتَ بَلَلُ الْبَحَرِ فَعَاشَ وَاسْتَرَبَ فِي الْبَحْرِ , وَقَدْ كَانَ قِيلَ لِمُوسَى تَزَوَّدْ حُوتًا مَالِحًا فَإِذَا فَقَدْتَهُ وَجَدْتَ الرَّجُلَ. وَكَانَ مُوسَى حِينَ ذَهَبَ الْحُوتُ قَدْ مَضَى لِحَاجَةٍ , فَعَزَمَ يُوشَعُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِمَا جَرَى فَنَسِيَ , وَإِنَّمَا قِيلَ ﴿نَسِيَا﴾ تَوَسَّعَا فِي الْكَلامِ , لأَنَّهُمَا جَمِيعًا تَزَوَّدَاهُ. وَمِثْلُهُ: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَالِحِ لا مِنَ الْعَذْبِ. ﴿فاتخذ سبيله في البحر سربا﴾ أَيْ مَسْلَكًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلَ الْحُوتُ لا يَمَسُّ شَيْئًا مِنَ الْبَحْرِ إِلا يَبِسَ حَتَّى يَكُونَ صَخْرَةً. وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ الْمَاءَ صَارَ مِثْلَ الطَّاقِ عَلَى الحوت. ﴿فلما جاوزا﴾ ذَلِكَ الْمَكَانَ أَدْرَكَهُمَا النَّصَبُ فَدَعَا مُوسَى بِالطَّعَامِ فَقَالَ يُوشَعُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فإني نسيت الحوت﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: نَسِيتُ أَنْ أُخْبِرَكَ خَبَرَ الْحُوتِ. وَالثَّانِي: نَسِيتُ حَمْلَ الْحُوتِ.

стр. 219

﴿واتخذ سبيله﴾ فِي هَاءِ الْكِنَايَةِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْحُوتِ. وَالثَّانِي: إِلَى مُوسَى , اتَّخَذَ سَبِيلَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ , أَيْ دَخَلَ فِي مَدْخَلِهِ فَرَأَى الْخَضِرَ. فَعَلَى الأَوَّلِ: الْمُخْبِرُ يُوشَعُ وَعَلَى الثَّانِي الْمُخْبِرُ اللَّهُ . قَالَ مُوسَى: " ﴿ذلك ما كنا نبغ﴾ " أَيِ الَّذِي كُنَّا نَطْلُبُ مِنَ الْعَلامَةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَطْلُوبِنَا , لأَنَّهُ كَانَ قَدْ قِيلَ لَهُ: حيث تفقد الحوت تجد الرجل. ﴿فارتدا﴾ أي رجعا في الطريق التي سلكاها يقصان الأثر. ﴿فوجدا عبدا من عبادنا﴾ وهو الخضر. قال وهب: اسمه اليسع. وقال ابْنُ الْمُنَادِي: أَرْمِيَا. وَفِي تَسْمِيَتِهِ بِالْخَضِرِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَاهْتَزَّ مَا تَحْتَهُ خَضِرًا. رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالْفَرْوَةُ: الأَرْضُ الْيَابِسَةُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَلَسَ اخْضَرَّ مَا حَوْلَهُ. قَالَهُ عِكْرِمَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ إِذَا صَلَّى اخْضَرَّ مَا حَوْلَهُ. وَهَلْ كَانَ نَبِيًّا؟ فِيهِ قَوْلانِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آتَيْنَاهُ رحمة من عندنا﴾ أي نعمة ﴿وعلمناه من لدنا﴾ أي من عندنا ﴿علما﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُعْطِيَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ. ﴿قال له موسى هل أتبعك﴾ وَهَذَا تَحْرِيضٌ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَحَثٌّ عَلَى الأدب والتواضع المصحوب , وَإِنَّمَا قَالَ الْخَضِرُ: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صبرا﴾ لأَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِعِلْمِ الْغَيْبِ. وَالْخَبَرُ: الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ. وَالْمَعْنَى: أَنْتَ تُنْكِرُ ظَاهِرَ مَا تَرَى وَلا تَعْلَمُ بَاطِنَهُ. فَلَمَّا رَكِبَا السَّفِينَةَ قَلَعَ الْخَضِرُ مِنْهَا لَوْحًا فَحَشَاهَا مُوسَى بِثَوْبِهِ وَأَنْكَرَ عليه بقوله: ﴿أخرقتها﴾ وَالإِمْرُ: الْعَجَبُ. ثُمَّ اعْتَذَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بما نسيت﴾ وَفِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ نَسِيَ حَقِيقَةً.

стр. 220

وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلامِ , تَقْدِيرُهُ: لا تُؤَاخِذْنِي بِنِسْيَانِي الَّذِي نَسِيتُ فِي عُمْرِي , فَأَوْهَمَهُ بِنِسْيَانِ هَذَا الأَمْرِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ بِمَعْنَى التَّرْكِ. وَالْمَعْنَى: لا تُؤَاخِذْنِي بِتَرْكِي مَا عَاهَدْتُكَ عَلَيْهِ. وترهقني بِمَعْنَى تُعْجِلُنِي. وَالْمَعْنَى: عَامِلْنِي بِالْيُسْرِ. فَلَمَّا لَقِيَا الْغُلامَ قَتَلَهُ الْخَضِرُ , وَهَلْ كَانَ بَالِغًا أَمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ. وَفِي صِفَةِ قَتْلِهِ إِيَّاهُ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ اقْتَلَعَ رَأْسَهُ , وَهُوَ فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالثَّانِي: كَسَرَ عُنُقَهُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَضْجَعَهُ وَذَبَحَهُ بِسِكِّينٍ. قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً﴾ وقرأ ابن عامر: زكية. قَالَ الْكِسَائِيُّ: فِيهَا وَجْهَانِ كَالْقَاسِيَةِ وَالْقَسِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلاءِ: الزَّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ. وَالزَّكِيَّةُ الَّتِي أَذْنَبَتْ ثُمَّ تَابَتْ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الزَّاكِيَةُ فِي الْبَدَنِ وَالزَّكِيَّةُ فِي الدين. قوله تعالى: ﴿بغير نفس﴾ أي بغير قتل نَفْسٍ , وَالنُّكْرُ: الْمُنْكَرُ. ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ إن قيل: لم ذكر لفظة ﴿لك﴾ ها هنا وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي الأُولَى؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ذَكَرَهَا لِلتَّوْكِيدِ وَتَرَكَهَا لِوُضُوحِ الْمَعْنَى , وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ قُلْتُ لَكَ اتَّقِ اللَّهَ. وَقَدْ قُلْتُ لَكَ يَا فُلانُ اتَّقِ اللَّهَ. يَا هَذَا أَطِعْنِي وَانْطَلِقْ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُوَاجَهَةَ بِكَافِ الْخِطَابِ نَوْعٌ حَطَّ مِنْ قَدْرِ التَّعْظِيمِ , فَلَمَّا كَانَتِ الأُولَى مِنْهُ نِسْيَانًا فَخَّمَ خِطَابَهُ بِتَرْكِ كَافِ الْخِطَابِ [وَلَمَّا كَانَتِ الثَّانِيَةُ عَمْدًا جَازَاهُ] بِالْمُوَاجَهَةِ بِكَافِ الْخِطَابِ.

стр. 221

قوله تعالى: ﴿فلا تصاحبني﴾ وَقَرَأَ أَبُو الْمُتَوَكِّلِ: فَلا تُصَاحِبَنِّي بِتَشْدِيدِ النُّونِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبْلَةَ: ﴿تَصْحَبْنِي﴾ بِفَتْحِ التَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلَفٍ , وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ؛ إِلا أَنَّهُ شَدَّدَ النُّونَ. وَقَرَأَ النَّخَعِيُّ وَالْجَحْدَرِيُّ ﴿تُصْحِبْنِي﴾ بضم التاء وكسر الحاء وسكون الصادر وَالْبَاءِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لا تتابعني في شيء ألتمسه منك , يقال أصبحت المهر إذا إنقاذ. وَالثَّانِي: لا تَصْحَبْنِي عِلْمًا مِنْ عِلْمِكَ ﴿قَدْ بلغت من لدني﴾ قَرَأَ نَافِعٌ: ﴿مِنْ لُدْنِي﴾ بِضَمِّ الدَّالِ مَعَ تَخْفِيفِ النُّونِ. فَلَمَّا انْطَلَقَا إِلَى الْقَرْيَةِ وَفِيهَا ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا أَنْطَاكِيَةُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: الأُبُلَّةُ. قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ. وَالثَّالِثُ: باجروان. قاله مقاتل. ﴿استطعما أهلها﴾ أي سألوهما الضيافة ﴿فأبوا أن يضيفوهما﴾ وكانوا بخلاء ﴿فوجدا فيها جدارا﴾ أي حائطاً ﴿يريد أن ينقض﴾ وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ﴿يَنْقَاضَّ﴾ بِأَلِفٍ مَمْدُودَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ بِالصَّادِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ. قَالَ الزَّجَّاجُ: يَنْقَضُّ: يَسْقُطُ بِسُرْعَةٍ , وَيَنْقَاصُّ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ: يَنْشَقُّ طُولا , يُقَالُ انْقَاصَتْ سُنَّهٌ إِذَا انْشَقَّتْ. وَنِسْبَةُ الإِرَادَةِ إِلَى الْحَائِطِ تَجُوزُ. وَأَنْشَدَ: (ضَحِكُوا وَالدَّهْرُ عَنْهُمْ سَاكِتٌ ... ثُمَّ أَبْكَاهُمْ دَمًا حِينَ نَطَقَ) وَفِي قَوْلِهِ ﴿فَأَقَامَهُ﴾ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ دَفَعَهُ بِيَدِهِ فَقَامَ. وَالثَّانِي: هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ. وَالْقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَلَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بيني وبينك﴾ أي إنكارك هُوَ الْمُفَارِقُ بَيْنَنَا.

стр. 222

ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ أَنَّ خَرْقَهُ السَّفِينَةِ لِتَسْلَمَ مِنَ الْمَلِكِ الْغَاصِبِ , وَقَتْلَهُ الْغُلامِ لِيَسْلَمَ دِينُ أَبَوَيْهِ قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ : إِنَّ الْغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا , وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا. وَالزَّكَاةُ: الدِّينُ. وَقِيلَ الْعَمَلُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. قَوْلُهُ تعالى: ﴿خيرا منه﴾ وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ. وَإِقَامَتُهُ لِلْجِدَارِ لأَنَّهُ كَانَ لِيَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ. وَفِي الْكَنْزِ الَّذِي كَانَ تَحْتَهُ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ ذَهَبًا وَفِضَّةً. رَوَاهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ لَوْحًا مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ مَكْتُوبٌ: عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ , عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ ثُمَّ هُوَ يَنْصَبُ , عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ ثُمَّ يَضْحَكُ , عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالرِّزْقِ كَيْفَ يَتْعَبُ , عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ كَيْفَ يَغْفَلُ , عَجَبًا لِمَنْ رَأَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا. أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا , مُحَمَّدٌ عَبْدِي وَرَسُولِي. وَفِي الشِّقِّ الثَّانِي: أَنَا الله لا له إِلا أَنَا وَحْدِي لا شَرِيكَ لِي , خَلَقْتُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ , فَطُوبَى لِمَنْ خَلَقْتُهُ لِلْخَيْرِ وَأَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْهِ , وَالْوَيْلُ لِمَنْ خَلَقْتُهُ لِلشَّرِّ وَأَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْهِ. رَوَاهُ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ كَنْزُ عِلْمٍ. رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صُحُفٌ فِيهَا عِلْمٌ. ثُمَّ أَخْبَرَهُ أَنِّي مَأْمُورٌ فِيمَا فَعَلْتُ. وَالسَّبَبُ فِي أَمْرِ اللَّهِ مُوسَى بِهَذَا السَّفَرِ أَنَّهُ قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ , فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ , قَالَ: فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا مَالِحًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهُوَ ثتم. فَانْطَلَقَ حَتَّى لَقِيَهُ.

стр. 223

الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ (مَنْ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ قاما ... أو صفا ملبس عليه فداما) (عد بِنَا نَنْدُبُ الَّذِينَ تَوَلَّوْا ... بِاقْتِيَادِ الْمَنُونِ عَامًا فَعَامَا) (فَارَقُوا كَهْلا وَشَيْخًا وَهِمًّا ... وَوَلِيدًا مُؤَمِّلا وَغُلامَا) (وَشَحِيحًا جَعْدَ الْيَدَيْنِ بَخِيلا ... وَجَوَادًا مُخَوَّلا مِطْعَامَا) (سَكَنُوا كُلَّ ذِرْوَةٍ مِنْ أَشَمٍّ ... يَحْسِرُ الطرف ثم حلوا الرغاما) (يالحا الله مهلاً حسب الدهر لؤوم الْجُفُونِ عَنْهُ فَنَامَا ... ) (عَلَّقَا فِي يَدِ الْمُنَى كُلَّمَا نَالَ ... هَوَى يَبْتَغِيهِ رَامَ مِنْهُ مَرَامَا) (هَلْ لَنَا , بَالِغِينَ كُلَّ مُرَادٍ ... غَيْرَ مَا يَمْلأُ الضُّلُوعَ طَعَامَا) (فَإِذَا أَعْوَزَ الْحَلالَ فَشَلَّ اللَّهُ كَفًّا جَرَتْ إِلَيْهَا الْحَرَامَا ... ) (وَمَا لِسِغَابِ الْبُطُونِ أَحْظَى لِذِي الْمَجْدِ مِنَ الْقَوْمِ يَأْكُلُونَ الخطاما ... ) (دَعْ عَلَى أَرْبُعِ الرَّخَاءِ رِجَالا ... سَكَنُوا فِي رُبَى الرَّخَاءِ خِيَامَا) (كُلَّمَا أُقْحِطُوا اسْتَمَارُوا مِنَ الْعَارِ ... وَإِمَّا صَدَوْا تَرَوَّوْا أَثَامَا) (وَقُمِ اللَّيْلَ نَاجِيًا خِدَعَ الدَّهْرِ وَإِنْ لَمْ تَجِدْ رِجَالا قِيَامَا ... ) (وَاخْشَ مَا قِيلَ فِيهِ قَدْ تَمَّ ... فَالْجِلْدُ الَّذِي لا يَخَافُ إِلا الْتِمَامَا) (أَيُّهَا الْمَوْتُ كَمْ حَطَطْتَ عَلَيَّا ... سَامِيَ الطَّرْفِ أَوْ جَذَذْتَ سَنَامَا) (وَإِذَا مَا حُذِّرْتَ خَلْفًا وَظَنُّوا ... نجاة من يديك كنت أماماً) إخواني: كأن القلوب لَيْسَتْ مِنَّا , وَكَأَنَّ الْحَدِيثَ يُعْنَى بِهِ غَيْرُنَا. (كَمْ مِنْ وَعِيدٍ يَخْرِقُ الآذَانَا ... كَأَنَّمَا يُعْنَى بِهِ سِوَانَا) (أَصَمَّنَا الإِهْمَالُ بَلْ أَعْمَانَا ... ) إِخْوَانِي: غَابَ الْهُدْهُدُ عَنْ سُلَيْمَانَ فَتَوَعَّدَهُ بِلَفْظِ ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ﴾ فَيَا مَنْ يَغِيبُ طُولَ عُمْرِهِ عَنْ طَاعَتِنَا , أَمَا تَخَافُ مِنْ غَضَبِنَا؟! خَالَفَ مُوسَى الْخَضِرَ فِي طَرِيقِ الصُّحْبَةِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَحَلَّ عُقْدَةَ الوصال بكف: " ﴿هذا فراق بيني وبينك﴾ "

стр. 224

أَمَا تَخَافُ يَا مَنْ لَمْ يَفِ لِمَوْلاهُ أَبَدًا أَنْ يَقُولَ فِي بَعْضِ خَطَايَاكَ: هَذَا فراق بيني وبينك. كَانَ الْحَسَنُ شَدِيدَ الْخَوْفِ وَالْبُكَاءِ فَعُوتِبَ عَلَى ذلك فقال: وما يؤمنني أن يَكُونُ اطَّلَعَ عَلَيَّ فِي بَعْضِ زَلاتِي فَقَالَ: اذْهَبْ فَلا غَفَرْتُ لَكَ! (لَعَلَّكَ غَضْبَانٌ وَقَلْبِي غَافِلٌ ... سَلامٌ عَلَى الدَّارَيْنِ إِنْ كُنْتَ رَاضِيَا) أخبرنا ابن حَبِيبٍ , أَنْبَأَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي صَادِقٍ , أَنْبَأَنَا ابْنُ بَاكَوِيَةَ , حَدَّثَنَا أَبُو الْفَرَجِ الشُّرَيْحِيُّ , سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيَّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى , حَدَّثَنَا ابْنُ مُوسَى الزَّاهِدُ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْجَبَّانِ إِذْ سَمِعْتُ حَزِينًا يُنَاجِي مَوْلاهُ وَيَشْكُو إِلَيْهِ مَا يَلْقَاهُ يَقُولُ: سَيِّدِي! قَصَدَكَ عَبْدٌ رُوحُهُ لَدَيْكَ , وَقِيَادُهُ بِيَدَيْكَ , وَاشْتِيَاقُهُ إِلَيْكَ , وَحَسَرَاتُهُ عَلَيْكَ , لَيْلُهُ أَرَقٌ , وَنَهَارُهُ قَلَقٌ , وَأَحْشَاؤُهُ تَحْتَرِقُ , وَدُمُوعُهُ تَسْتَبِقُ شَوْقًا إِلَى رُؤْيَتِكَ , وَحَنِينًا إِلَى لِقَائِكَ , لَيْسَ لَهُ رَاحَةٌ دُونَكَ , وَلا أَمَلٌ غَيْرَكَ. ثُمَّ بَكَى وَرَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: سَيِّدِي؟ عَظُمَ الْبَلاءُ وَقَلَّ الْعَزَاءُ , فَإِنْ أَكُ صَادِقًا فَأَمِتْنِي. وَشَهَقَ شَهْقَةً فَحَرَّكْتُهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ , فَبَيْنَا أَنَا أُرَاعِيهِ وَإِذَا بِجَمَاعَةٍ قَدْ قَصَدُوهُ فَغَسَلُّوهُ وَحَنَّطُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ وَدَفَنُوهُ وَارْتَفَعُوا نَحْوَ السَّمَاءِ فَأَخَذَنِي فِكْرٌ وَغَشِيَتْنِي غَشْيَةٌ فَلَمْ أُفِقْ إِلا بَعْدَ حِينٍ. يَا سَالِكًا طَرِيقَ الْجَاهِلِينَ , رَاضِيًا بِلَعِبِ الْغَافِلِينَ , مَتَى نَرَى هَذَا الْقَلْبَ الْقَاسِيَ يَلِينُ , مَتَى تَبِيعُ الدُّنْيَا وَتَشْتَرِي الدِّينَ , واعجباً لِمَنْ آثَرَ الْفَانِيَ عَلَى مَا يَدُومُ , وَتَعَجَّلَ الْهَوَى وَاخْتَارَ الْمَذْمُومَ , وَدَنَتْ هِمَّتُهُ فَهُوَ حَوْلَ الْوَسَخِ يَحُومُ , وَأَقْبَلَ عَلَى الْقَبِيحِ نَاسِيًا يَوْمَ الْقُدُومِ , فَأَصْبَحَ شَرَّ خَاسِرٍ وَأَبْعَدَ مَلُومٍ. (أَتَغُرُّنِي آمَالِيَهْ ... بَعْدَ الْقُرُونِ الْخَالِيَهْ) (أَهْلُ الْمَرَاتِبِ وَالْمَنَاصِبِ ... وَالْقُصُورِ الْعَالِيَهْ) (عَادَتْ لَهُمْ دُنْيَاهُمُ ... بَعْدَ الْمَوَدَّةِ قاليه)

стр. 225

(نَادَتْ مَنَازِلُهُمْ قِفُوا ... وَتَأَمَّلُوا أَطْلالِيَهْ) (فَغُمُوضُ بَاطِنِ حَالِهِمْ ... يُبْدِيهِ ظَاهِرُ حَالِيَهْ) (كَانُوا عُقُودًا عُطِّلَتْ ... مِنْهَا النُّحُورُ الْحَالِيَهْ) (إِنِّي لأَذْكُرُ مَعْشَرًا ... مَا النفس عنهم ساليه) (فأقول والهفي عَلَى ... تِلْكَ الْوُجُوهِ الْبَالِيَهْ) أَفِقْ مِنْ سَكْرَتِكَ أَيُّهَا الْغَافِلُ , وَتَحَقَّقْ أَنَّكَ عَنْ قَرِيبٍ رَاحِلٌ , فَإِنَّمَا هِيَ أَيَّامٌ قَلائِلُ , فَخُذْ نَصِيبَكَ مِنْ ظِلٍّ زَائِلٍ , وَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ وَافْعَلْ مَا أَنْتَ فَاعِلٌ. (أَنَسِيتَ يَا مَغْرُورُ أَنَّكَ مَيِّتٌ ... أَيْقِنْ بِأَنَّكَ فِي الْمَقَابِرِ نَازِلُ) (تَفْنَى وَتَبْلَى وَالْخَلائِقُ لِلْبِلَى ... أَبِمِثْلِ هَذَا الْعَيْشِ يَفْرَحُ عَاقِلُ) يَا لاحِقًا بِآبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ , لا بُدَّ أَنْ يَصِيرَ الطَّلا إِلَى مَهَاتِهِ , يَا مَنْ جُلُّ هِمَّتِهِ جُلُّ خِيَاطِهِ وَطِهَاتِهِ , يُقَلِّبُهُ الْهَوَى وَهُوَ غَالِبُ دَهَاتِهِ , إِنْ كَانَ لَكَ فِي تَفْرِيطِكَ عُذْرٌ فَهَاتِهِ , يَا مُتَيَّمًا بِالدُّنْيَا فِي ثِيَابِ صُبٍّ , يَا مَنْ أَتَى الْمَعَاصِيَ وَنَسِيَ الرب يا مدنقاً بِالَخْطَايَا وَمَا اسْتَطَبَّ , يَا أَسِيرَ فَخِّ الأَمَانِي وَمَا نَالَ الْحُبَّ. إِخْوَانِي: ذَهَبَتِ الشَّبِيبَةُ الْحَبِيبَةُ , وَنِبَالُ الْمُصِيبَةِ بِهَا مُصِيبَةٌ , كَانَتْ أَوْقَاتُ الشَّبَابِ كَفَصْلِ الرَّبِيعِ , وَسَاعَاتُهُ كَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ , وَالْعَيْشُ فِيهَا كنوز الرياض , فأقبل الشيب يعد بالفناء ويوعد بصغر الإِنَاءِ , فَحَلَّ الْمُرَّةَ وَأَحَلَّ الْمَرِيرَةَ. (لأَمْوَاهُ الشَّبِيبَةِ كَيْفَ غِضْنَهْ ... وَرَوْضَاتُ الصِّبَا فِي الْيُبِسْ إِضْنَهْ) (وَآمَالُ النُّفُوسِ مُعَلَّلاتٌ ... وَلَكِنَّ الْحَوَادِثَ يَعْتَرِضْنَهْ) (فَلا الأَيَّامُ تَرْضَى مِنْ أَذَاةٍ ... وَلا الْمُهْجَاتُ مِنْ عَيْشٍ عَرَضْنَهْ) (هِيَ الأَشْبَاحُ كَالأَسْمَاءِ يَجْرِي الْقَضَاءُ ... فيرتفعن ويختفضنه)

стр. 226

الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مخلدون﴾ الولدان: الغلمان. وفي المراد بقوله ﴿مخلدون﴾ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنَ الْخُلْدِ , وَالْمَعْنَى. أَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ لِلْبَقَاءِ لا يَتَغَيَّرُونَ , وَهُمْ عَلَى سِنٍّ وَاحِدٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ الْمُقَرَّطُونَ وَيُقَالُ الْمُسَوَّرُونَ. سَجْعٌ هَذِهِ صِفَاتُ أَقْوَامٍ كَانُوا فِي مَرَاضِينَا يَجْتَهِدُونَ , ولأعدائنا بصدق ولائنا يجاهدون , وفي جادة الجد وَالاجْتِهَادِ يَجِدُّونَ , وَبَيْنَ الْخَوْفِ مِنَّا وَالطَّمَعِ فِينَا يترددون , فهم عند شقاء العصاة بالخلاف يَسْعَدُونَ , وَفِي جِنَانِ الْخُلُودِ عَلَى حِيَاضِ السُّعُودِ يردون ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون﴾ . وَضَحَتْ لَهُمْ مَحَجَّةُ النَّجَاةِ فَسَارُوا , وَلاحَتْ لَهُمْ أَنْوَارُ الْهُدَى فَاسْتَنَارُوا , وَعَرَفُوا دَارَ الْكَرِيمِ فَطَافُوا حَوْلَهَا وَدَارُوا , وَصَانُوا مَطْلُوبَهُمْ عَنِ الأَغْيَارِ وَغَارُوا , وَلَمْ يَرْضَوْا فِي حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ بِالدُّونِ ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون﴾ . أَعْدَدْنَا لَهُمُ الْقُصُورَ وَالأَرَائِكَ , وَأَخْدَمْنَاهُمُ الْوِلْدَانَ وَالْمَلائِكَ وأبحناهم الجنان والممالك , وسلم عليهم في قصور الْمَالِكُ , وَإِنَّمَا وَهَبْنَا لَهُمْ جَمِيعَ ذَلِكَ لأَنَّهُمْ كَانُوا فِي خِدْمَتِنَا يَجْتَهِدُونَ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مخلدون﴾ . اسْتَنَارَتْ بِالتَّحْقِيقِ طَرِيقُهُمْ , وَتَمَّ إِسْعَادُهُمْ وَتَوْفِيقُهُمْ , وَتَحَقَّقَ بِالْجِدِّ وَالاجْتِهَادِ تَحْقِيقُهُمْ , وَسَارُوا صَادِقِينَ فَوَضَحَتْ طَرِيقُهُمْ , وَشَرُفَ بِهِمْ مُصَاحِبُهُمْ وَرَفِيقُهُمْ , لأَنَّهُمْ أَخْلَصُوا فِي طَلَبِ مَا يَقْصِدُونَ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ . يَا مَنْ سَبَقُوهُ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَتَخَلَّفَ , وَأَذْهَبَ عُمْرَهُ فِي الْبَطَالَةِ وَتَسَوَّفَ ,

стр. 227

وَعَرَفَ الْمَصِيرَ فَمَا عَرَفَ النَّجَاةَ وَلا تَعَرَّفَ , وَكُلِّفَ بِالدُّنْيَا فَإِذَا طَلَبَ الأُخْرَى تَكَلَّفَ , يَا مَنْ مَرَضُهُ قَدْ تَمَكَّنَ مِنْ جُمْلَتِهِ وَتَصَرَّفَ , اطْلُبِ الشِّفَاءَ يَا مَنْ عَلَى شَفَا هَلَكَةٍ قَدْ أَشْرَفَ , وَابْكِ عَلَى ضَلالِكَ فِي الْهَوَى فالقوم مهتدون ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون﴾ . قوله تعالى: ﴿بأكواب وأباريق﴾ الْكُوبُ إِنَاءٌ لا عُرْوَةٌ لَهُ وَلا خُرْطُومٌ. وَالأَبَارِيقُ: آنِيَةٌ لَهَا عُرًى وَخَرَاطِيمُ. سَجْعٌ تَرَكُوا لأَجْلِنَا لَذِيذَ الطَّعَامِ , وَسَارُوا يَطْلُبُونَ جَزِيلَ الإِنْعَامِ , وَقَامُوا فِي الْمُجَاهَدَةِ عَلَى الأَقْدَامِ , وَتَدَرَّعُوا مَلابِسَ الأَتْقِيَاءِ الْكِرَامِ , نُشِرَتْ لَهُمْ بِصِدْقِهِمُ الأَعْلامُ , وَحُلُّوا حِلْيَةَ الرِّضَا وَأَحَلُّوا مَحَلَّ التَّوْفِيقِ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولدان مخلدون بأكواب وأباريق﴾ . طَالَ مَا عَطِشُوا فِي دُنْيَاهُمْ وَجَاعُوا , وَذَلُّوا لِسَيِّدِهِمْ صَادِقِينَ وَأَطَاعُوا , وَخَافُوا مِنْ عَظَمَتِهِ وَارْتَاعُوا , وَبِأُخْرَاهُمْ مَا يَفْنَى مِنْ دُنْيَاهُمْ بَاعُوا , وَحَرَسُوا بَضَائِعَ التُّقَى فَمَا فَرَّطُوا وَلا أَضَاعُوا , وَجَانَبُوا مَا يَشِينُ وَصَاحَبُوا مَا يَلِيقُ , فَطَافَ الْوِلْدَانُ عَلَى شِفَاهٍ يَبِسَتْ بِالصِّيَامِ وَأَتَى الرِّيقُ ﴿يَطُوفُ عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق﴾ . تَحَمَّلُوا أَثْقَالَ التَّكْلِيفِ , وَرَفَضُوا التَّمَادِيَ وَالتَّسْوِيفَ , وَقَطَعُوا طريق الفوز للتشريف , وجانبوا موجب العتاب وَالتَّعْنِيفِ , فَتَوَلاهُمْ مَوْلاهُمْ وَحَمَاهُمْ فِي الطَّرِيقِ , وَأَقَامُوا الولدان تسقيهم من الرحيق ﴿بأكواب وأباريق﴾ . قوله تعالى: ﴿وكأس من معين﴾ الْكَأْسُ: الإِنَاءُ بِمَا فِيهِ وَالْمَعِينُ: الْمَاءُ الطَّاهِرُ الجاري. قال الزجاج: المعين ها هنا: الْخَمْرُ يَجْرِي كَمَا يَجْرِي الْمَاءُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنَ الْعُيُونِ.

стр. 228

سَجْعٌ طَالَ مَا ظَمِئَتْ لأَجْلِنَا هَوَاجِرُهُمْ , طَالَ مَا يَبِسَتْ بِالصِّيَامِ لَنَا حَنَاجِرُهُمْ , طَالَ مَا غَرِقَتْ بِالدُّمُوعِ مَحَاجِرُهُمْ , طَالَ مَا أَزْعَجَتْهُمْ مَوَاعِظُهُمْ وَزَوَاجِرُهُمْ , طَالَ مَا صَدَقَتْ مُعَامَلَتُهُمْ وَمَتَاجِرُهُمْ , فَغَدًا يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْوِلْدَانُ وَالْحُورُ الْعِينُ ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وكأس من معين﴾ . نَظَرَ إِلَيْهِمْ مَوْلاهُمْ فَارْتَضَاهُمْ , وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَارَهُمْ وَاصْطَفَاهُمْ وَأَعْطَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ مُنَاهُمْ , وَمَنَحَهُمْ مالا يُحْصَى مِنَ الْخَيْرِ وَحَبَاهُمْ , فَإِذَا قَدِمُوا عَلَيْهِ أَطْعَمَهُمْ وَسَقَاهُمْ وَأَجْلَسَهُمْ عَلَى مَوَائِدِ الْفَوَائِدِ مِنْ زَوَائِدِ التَّمْكِينِ ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ . لَقَدْ لَذَّ نَعِيمُهُمْ وَطَابَ , وَصِينَ حَرِيمُهُمْ يَوْمَ الثَّوَابِ , وَدَامَ تَكْرِيمُهُمْ وَزَالَ الْعِتَابُ , وَتَوَفَّرَ تَعْظِيمُهُمْ بَيْنَ الأَحْبَابِ , وَنَجَا غَرِيمُهُمْ مِنْ وَرَطَاتِ الْحِسَابِ , فأشرقت ديارهم وفتحت بالأبواب , وَطَافَ عَلَيْهِمُ الْوِلْدَانُ فِي الْمَقَامِ الأَمِينِ ﴿بِأَكْوَابٍ وأباريق وكأس من معين﴾ . قوله تعالى: ﴿لا يصدعون عنها﴾ أَيْ لا يَلْحَقُهُمُ الصُّدَاعُ الَّذِي يَلْحَقُ شَارِبِي خَمْرِ الدُّنْيَا. وَعَنْهَا: كِنَايَةٌ عَنِ الْكَأْسِ الْمَذْكُورَةِ , والمراد بها الخمر ﴿ولا ينزفون﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ الزَّايِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِكَسْرِهَا. قَالَ الْفَرَّاءُ: فَمَنْ فَتَحَ فَالْمَعْنَى: لا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ بِشُرْبِهَا: يُقَالُ لِلسَّكْرَانِ نَزيِفٌ وَمَنْزُوفٌ. وَمَنْ كَسَرَ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لا يُنْفَدُونَ شَرَابَهُمْ أَيْ هُوَ دَائِمٌ أَبَدًا. وَالثَّانِي: لا يَسْكَرُونَ. قَالَ الشَّاعِرُ: (لَعَمْرِي لَئِنْ أُنْزِفْتُمْ أَوْ صَحَوْتُمْ ... لَبِئْسَ النَّدَامَى كُنْتُمْ آلَ أَبْجَرَا) فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الْمَقْصُودُ مِنَ الْخَمْرِ السُّكْرُ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ السُّكْرَ إِنَّمَا يُرَادُ لِيُزِيلَ الْهَمَّ , وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ هَمٌّ , فَلا فَائِدَةَ فِي إِزَالَةِ الْعَقْلِ , أَلا تَرَى أَنَّ النَّوْمَ لَمَّا أُرِيدَ لِلرَّاحَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ تَعَبٌ لَمْ يَكُنْ نوم.

стр. 229

سَجْعٌ دَارٌ لَيْسَ فِيهَا مَا يَشِينُهَا , دَارٌ لا يَفْنَى مِنْهَا مَا يَزِينُهَا , دَارٌ لا يَزُولُ عِزُّهَا وَتَمْكِينُهَا , دَارٌ لا تَهْرَمُ فِيهَا عينها , لذة خمرهم تفوق ما كنوا يعرفون ﴿لا يصدعون عنها ولا ينزفون﴾ . دَارٌ أَشْرَقَتْ حَلاهَا , دَارٌ عَزَّتْ عُلاهَا , دَارٌ جل من بناها , دار طاب للأبرار سُكْنَاهَا , دَارٌ تَبْلُغُ النُّفُوسُ فِيهَا مُنَاهَا , أَيْنَ خَاطِبُوهَا فَقَدْ وَصَفْنَاهَا , سُكَّانُهَا قَدْ أَمِنُوا مَا كَانُوا يَخَافُونَ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ . مَا أَتَمَّ نَعِيمَهُمْ , مَا أَعَزَّ تَكْرِيمَهُمْ , مَا أَظْرَفَ حَديِثَهُمْ وَقَدِيمَهُمْ , مَا أَصْوَنَ حَرِيمَهُمْ , مَا أَكْرَمَ كَرِيمَهُمْ , قَدْ مُنِحُوا الْخُلُودَ فَمَا يَبْرَحُونَ ﴿لا يصدعون عنها ولا ينزفون﴾ . قوله تعالى: ﴿وفاكهة مما يتخيرون﴾ أَيْ يَخْتَارُونَ تَقُولُ: تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَخَذْتُ خَيْرَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِ أَحَدِهِمُ الطَّيْرُ فَيَصِيرُ مُتَمَثِّلا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى مَا اشتهى. وقال مغيث ابن سُمَيٍّ: يَقَعُ عَلَى أَغْصَانِ شَجَرَةِ طُوبَى طَيْرٌ كَأْمَثَالِ الْبُخْتِ فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ طَيْرًا دَعَاهُ فَيَجِيءُ فَيَقَعُ عَلَى خِوَانِهِ فَيَأْكُلُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ قَدِيدًا وَمِنَ الآخَرِ شِوَاءً , ثُمَّ يَعُودُ طَيْرًا فَيَطِيرُ , فَيَذْهَبُ. سَجْعٌ ثِمَارُهُمْ فِي أَشْجَارِهِمْ وَافِرَةٌ , وَفَوَاكِهُهُمْ مِنَ الْعُيُوبِ طَاهِرَةٌ , وَوُجُوهُهُمْ بِأَنْوَارِ الْقَبُولِ نَاضِرَةٌ , وَعُيُونُهُمْ إِلَى مَوْلاهُمْ نَاظِرَةٌ , وَقَدْ حَازُوا شَرَفَ الدُّنْيَا وَفَوْزَ الآخِرَةِ , وَأَجَلُ النَّعِيمِ أنهم لا يتغيرون ﴿وفاكهة مما يتخيرون﴾ .

стр. 230

كَانُوا فِي أَوْقَاتِ الأَسْحَارِ يَنْتَبِهُونَ , وَبِالأُسَارَى فِي الاعتذار يتشبهون , وقد تركوا النفاق فما يُمَوِّهُونَ , وَالْتَزَمُوا الصِّدْقَ فِيمَا بِهِ يَتَفَوَّهُونَ , وَإِذَا أَمُّوا فَضِيلَةً فَمَا يَنْتَهُونَ عَنْهَا حَتَّى يَنْتَهُونَ , فَقَدْ فَازُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا كَانُوا يَطْلُبُونَ ﴿وفاكهة مما يتخيرون﴾ . قوله تعالى: ﴿وحور عين﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عامر وعاصم: ﴿وحور عين﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْخَفْضِ فِيهِمَا. وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَعَائِشَةُ: " وَحُورًا عِينًا " بِالنَّصْبِ فِيهِمَا. قَالَ الزَّجَّاجُ: الَّذِينَ رَفَعُوا كَرِهُوا الْخَفْضَ لأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ قَالُوا: وَالْحُورُ لَيْسَ مِمَّا يُطَافُ بِهِ. وَلَكِنَّهُ مَحْفُوظٌ عَلَى غَيْرِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلاءِ , لأَنَّ الْمَعْنَى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ بِأَكْوَابٍ يُنَعَّمُونَ بِهَا , وَكَذَلِكَ يُنَعَّمُونَ بِحُورٍ عِينٍ وَالرَّفْعُ أَحْسَنُ. وَالْمَعْنَى: وَلَهُمْ حُورٌ عِينٌ وَمَنْ نَصَبَ حَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى , لأَنَّ الْمَعْنَى يُعْطَوْنَ هَذِهِ الأَشْيَاءَ وَيُعْطَوْنَ حُورًا عِينًا. وَيُقَالُ: عِينٌ حَوْرَاءُ إِذَا اشْتَدَّ بَيَاضُهَا وَخَلَصَ وَاشْتَدَّ سَوَادُهَا , وَلا يُقَالُ: امْرَأَةٌ حَوْرَاءُ إِلا أَنْ تَكُونَ مَعَ حَوَرِ عَيْنِهَا بَيْضَاءَ. وَالْعِينُ: كِبَارُ الْعُيُونِ حِسَانُهَا. قَالَ: ومعنى كأمثال اللؤلؤ: أي صفاؤهن وتلألؤهن كصفاء اللؤلؤ وتلألئه. والمكنون: الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ صَدَفِهِ فَلَمْ يُغَيِّرْهُ الزَّمَانُ واختلاف أحوال الاستعمال. " جزاء " مَنْصُوبٌ مَفْعُولٌ لَهُ , وَالْمَعْنَى: يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ جَزَاءً بِأَعْمَالِهِمْ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ , لأَنَّ الْمَعْنَى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ يُجَازَوْنَ جَزَاءً بِأَعْمَالِهِمْ مُخَلَّدُونَ. سَجْعٌ عَلَى قوله تعالى: ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ مَنَحَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ مَا لَيْسَ بِمَمْنُونٍ , وَأَمَّنَهُمْ فِي الْجَنَّةِ حَوَادِثَ الْمَنُونِ ,

стр. 231

وَجَعَلَهُمْ عَلَى حِفْظِ سِرِّهِ يُؤْتَمَنُونَ , إِذْ كَانُوا بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ يُؤْمِنُونَ , فَلَهُمْ [مِنْ] فَضْلِهِ فَوْقَ مَا يَشَاءُونَ ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ . خلقهم لخدمته وأرادهم , وأربحهم فِي مُعَامَلَتِهِ وَأَفَادَهُمْ , وَجَعَلَ الرِّضَا بِقَضَائِهِ زَادَهُمْ , وَأَعْطَاهُمْ مِنْ جَزِيلِ رِفْدِهِ وَزَادَهُمْ؛ وَأَثَابَهُمْ مَا لَمْ يَخْطِرْ عَلَى الظُّنُونِ ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يعملون﴾ . كَانُوا يُصَدِّقُونَ فِي الأَقْوَالِ وَيُخْلِصُونَ فِي الأَعْمَالِ , ولا يرضون بالدنىء مِنَ الْحَالِ , وَلا يَأْنَسُونَ بِمَا يَنْتَهِي إِلَى زَوَالٍ , فَجَزَاهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ ذُو الْجَلالِ , إِذْ أَسْكَنَهُمْ فِي جَنَّتِهِ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ متكئون ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ . قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تأثيما﴾ اللَّغْوُ [مَا] لا يُفِيدُ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ خَمْرَ الْجَنَّةِ لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْغُوا وَيَأْثَمُوا كَمَا يَكُونُ فِي خَمْرِ الدُّنْيَا. فَإِنْ قَالَ: التَّأْثِيمُ لا يُسْمَعُ فَكَيْفَ ذُكِرَ مَعَ الْمَسْمُوعِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْعَرَبَ تُتْبِعُ آخِرَ الْكَلامِ أَوَّلَهُ وَإِنْ لَمْ يَحْسُنْ فِي أَحَدِهِمَا مَا يَحْسُنُ فِي الآخَرِ , فَيَقُولُونَ أَكَلْتُ خُبْزًا وَلَبَنًا. قَالَ الشَّاعِرُ: (إِذَا مَا الْغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ... وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ والعيون) وَالْعَيْنُ لا تُزَجَّجُ , فَرَدَّهَا عَلَى الْحَاجِبِ. وَقَالَ آخَرُ: (وَلَقَدْ لَقِيتُكَ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا) وَقَالَ آخَرُ: (عَلَّفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدَا ... )

стр. 232

سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لغوا ولا تأثيما﴾ أَعْرَضُوا فِي الدُّنْيَا عَنِ اللَّغْوِ , وَتَرَكُوا رَائِقَ الشَّهَوَاتِ وَاللَّهْوِ , وَآثَرُوا الذُّلَّ عَلَى الْغِنَى وَالزَّهْوِ , وَتَيَقَّظُوا لِلأَوَامِرِ مُعْرِضِينَ عَنِ السَّهْوِ , فَأَسْكَنَهُمْ فِي جَنَّتِهِ يَوْمَ زِيَارَتِهِ حَرِيمًا ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لغوا ولا تأثيما﴾ . أَجْزَلْنَا لَهُمُ الثَّوَابَ , وَسَمَّيْنَاهُمْ بِالأَحْبَابِ , وَأَمَّنَاهُمْ مِنَ الْعَذَابِ , وَاصْطَفَيْنَاهُمْ لِلْمُخَاطَبَةِ وَالْجَوَابِ , وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ من كل باب , بِبِشَارَاتٍ تُوجِبُ تَقْدِيمًا ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ولا تأثيما﴾ . تَبْدَؤُهُمْ بِالسَّلامِ , وَتَخُصُّهُمْ بِالتَّحَايَا وَالإِعْظَامِ , وَتَأْتِيهِمْ بِأَنْوَاعِ التُّحَفِ وَالإِكْرَامِ , وَتُبَشِّرُهُمْ بِالْخُلُودِ فِي دَارِ السَّلامِ , وَقَدْ أَمِنُوا أَنْ يَسْمَعُوا مِنَ اللَّغْوِ كَلامًا إلا قليلاً سلاماً سلاما. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ فِي أَصْحَابِ الْيَمِينِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى يَمِينِ آدَمَ حِينَ خَرَجَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِنْ صُلْبِهِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ. قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَالْقُرَظِيُّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ كَانُوا مَيَامِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مُبَارَكِينَ. قَالَهُ الْحَسَنُ وَالرَّبِيعُ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الأَيْمَنِ. قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. وَالْخَامِسُ: أَنَّهُمُ الَّذِينَ مَنْزِلَتُهُمْ عَنِ اليمين. قاله ميمون ابن مِهْرَانَ. وَالسَّادِسُ: أَنَّهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ. قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَالسَّابِعُ: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ. قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وقوله: ﴿ما أصحاب اليمين﴾ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِمْ. تَقُولُ: زِيدَ مَا زِيدَ.

стр. 233

سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أصحاب اليمين﴾ أَصْحَابُ فَهْمٍ وَيَقِينٍ , أَصْحَابُ جِدٍّ وَتَمْكِينٍ , أَصْحَابُ عِزٍّ مَكِينٍ , أَصْحَابُ خَوْفٍ وَدِينٍ , يَتَنَزَّهُونَ عَنْ مَنْ يَمِينُ ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ . أَصْحَابُ مُلْكٍ لا يَزُولُ , أَصْحَابُ فَخْرٍ لا يَحُولُ , أَصْحَابُ تَقْدِيمٍ وَوُصُولٍ , أَصْحَابُ شَرَفٍ بِالْقَبُولِ , أَصْحَابُ تَمَكُّنٍ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ﴿مَا أَصْحَابُ اليمين﴾ . أَصْحَابُ قُرْبٍ وَحُضُورٍ , أَصْحَابُ عِزٍّ وَنُورٍ , أَصْحَابُ جِنَانٍ وَقُصُورٍ , فِيهَا حِسَانٌ مِنَ الْحُورِ , أَصْحَابُ مُكْنَةٍ لَيْسَ فِيهَا قُصُورٌ , أَصْحَابُ مُثَمَّنٍ ثَمِينٍ ﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين﴾ . قوله تعالى: ﴿في سدر مخضود﴾ السدر: شجرة النَّبْقِ. وَالْمَخْضُودُ الَّذِي لا شَوْكَ فِيهِ. وَالطَّلْحُ: الْمَوْزُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ. فَإِنْ قِيلَ: غَيْرُ الطَّلْحِ أَحْسَنُ مِنْهُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ مَرُّوا بِوَجٍّ وَهُوَ وَادٍ بِالطَّائِفِ فَأَعْجَبَهُمْ سِدْرُهُ فَقَالُوا: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلُ هَذَا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وَوَعَدَهُمْ مَا يَعْرِفُونَ وَيَمِيلُونَ إِلَيْهِ. وَالْمَنْضُودُ: قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُوَ الَّذِي قَدْ نُضِّدَ بِالْحِمْلِ أَوْ بِالْوَرْقِ وَالْحِمْلُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ , فليس له ساق بارزة. سجع عباد طاعوا الْمَعْبُودَ , وَأَوْصَلُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ , وَسَأَلُوا مَنْ يَتَفَضَّلُ وَيَجُودُ , فَوَفَرَ نَصِيبُهُمْ مِنَ الرِّفْدِ الْمَرْفُودِ ﴿فِي سدر مخضود﴾ .

стр. 234

وَرَدُوا إِلَيْهِ أَكْرَمَ وُرُودٍ , وَأَمِنُوا فِي وِصَالِهِمْ عَائِقُ الصُّدُودِ , وَأَتْعَبُوا الأَعْضَاءَ فِي خِدْمَتِهِ وَالْجُلُودَ , فَمَنَحَهُمْ طِيبَ الْعَيْشِ فِي جَنَّاتِ الْخُلُودِ ﴿فِي سدر مخضود﴾ . تَصَافَوْا فَاصْطَفُّوا فِي خِدْمَتِهِ كَالْجُنُودِ , وَاسْتَلُّوا سُيُوفَ الْجِهَادِ مِنَ الْغُمُودِ , وَقَمَعُوا بِالصِّدْقِ الْعَدُوَّ الْكَنُودَ , وأرغموا بِسَبْقِهِمْ أَنْفَ الْحَسُودِ , فَخَصَّهُمْ مَوْلاهُمْ بِالْفَضْلِ وَالسُّعُودِ ﴿في سدر مخضود﴾ . طَلَبُوا بِالصِّدْقِ الصَّادِقَ الْوَدُودَ , وَسَعَوْا إِلَيْهِ يَسْأَلُونَ إِنْجَازَ الْوُعُودِ , وَطَمِعُوا فِي كَرَمِهِ أَنْ يَتَفَضَّلَ وَيَعُودَ , وَأَسْبَلُوا دُمُوعَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ عَلَى الْخُدُودِ , فَيَا لَنَعِيمِهِمْ وَأَطْيَبُ مِنْهُ الْخُلُودُ ﴿فِي سِدْرٍ مخضود﴾ . شَكَرُوا مَنْ أَخْرَجَهُمْ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ , وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ خَيْرٍ وَجُودٍ , وَعَلِمُوا أَنَّ الإخلاص هو المقصود , فاستعدوا وأوعدوا لليوم المشهود ﴿في سدر مخضود﴾ . تَمَكَّنُوا بِالْكِتَابِ الْقَديِمِ , وَطَلَبُوا مِنَ الْمُنْعِمِ الْكَرِيمِ أَنْ يَعُمَّهُمْ بِالْفَضْلِ وَالتَّكْرِيمِ , فَمَنَّ عَلَيْهِمْ بِالْخَيْرِ الْعَمِيمِ , فَهُمْ فِي الْجِنَانِ فِي أَحْلَى نَعِيمٍ , عِنْدَ مَلِكٍ كَبِيرٍ عَظِيمٍ , لَيْسَ بِوَالِدٍ وَلا مولود ﴿في سدر مخضود وطلح منضود﴾ . أَعَدَّ لَهُمْ أَوْفَى الذَّخَائِرِ , وَهَذَّبَ مِنْهُمُ الْبَوَاطِنَ والظواهر , وَجَعَلَهُمْ بَيْنَ عِبَادِهِ كَالنُّجُومِ الزَّوَاهِرِ , وَبَنَى لَهُمُ الْغُرَفَ بِاللُّؤْلُؤِ وَالْجَوَاهِرِ , فَهُمْ فِي مَجْدٍ كَرِيمٍ وَسَعْدٍ غَيْرِ مَحْدُودٍ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ منضود﴾ . اسْتَزَارَهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ , وَخَصَّهُمْ بِكَرَامَتِهِ , وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِرُؤْيَتِهِ وَجَعَلَهُمْ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ مِنْ رِعَايَتِهِ , فِي ظِلِّ نَعِيمٍ دَائِمٍ مَمْدُودٍ ﴿فِي سِدْرٍ مخضود وطلح منضود﴾ . طَالَ مَا حَمَلُوا تَكْلِيفَهُ وَاسْتَقَلُّوا , وَسَعَوْا إِلَى مراضيه فما ضلوا , وتفيأوا

стр. 235

ظِلالَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَاسْتَظَلُّوا , وَرَضُوا بِقَضَائِهِ صَابِرِينَ فَمَا مَلُّوا , وَائْتَمَنَهُمْ عَلَى الإِيمَانِ فَمَا خَانُوا ولا غلوا , وكفوا أكفهم في غير ثِقَةً بِهِ وَغَلُّوا , فَعَزُّوا بِخِدْمَتِهِ إِذْ لِخِدْمَتِهِ ذَلُّوا , فَأَثَابَهْمُ نَعِيمًا لَيْسَ بِمَجْدُودٍ وَلا مَحْدُودٍ ﴿في سدر مخضود وطلح منضود﴾ . مَالُوا إِلَيْهِ وَتَرَكُوا الْمَالَ , وَعَلَّقُوا بِالطَّمَعِ فِي فَضْلِهِ الآمَالَ , وَأَعْرَضُوا عَنِ الدُّنْيَا شُغُلا بِالْمَآلِ , وَأَلِفُوا خِدْمَتَهُ وَهَجَرُوا الْمَلالَ , وَرَاضُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْفَقْرِ وَرَضُوا بِالإِقْلالِ , وَأَنِسُوا بِمُنَاجَاتِهِ وَنَسُوا الآلَ , فَإِذَا تَلَقَّاهُمْ مَوْلاهُمْ قَالَ مَرْحَبًا بِالْوُفُودِ ﴿فِي سِدْرٍ مخضود وطلح منضود﴾ . اللَّهُمَّ فَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُتَّقِينَ الأَبْرَارِ , وَأَسْكِنَّا مَعَهُمْ فِي دَارِ الْقَرَارِ , وَلا تَجْعَلْنَا مِنَ الْمُخَالِفِينَ الفجار , وآتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ , يَا مَنْ لَمْ يَزَلْ يُنْعِمُ وَيَجُودُ. بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَالْحَمْدُ للَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ.

стр. 236

المجلس السابع عشر فِي قِصَّةِ قَارُونَ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي يَمْحُو الزلل ويصفح , ويغفر الخطأ وَيَمْسَحُ , كُلُّ مَنْ لاذَ بِهِ أَنْجَحَ , وَكُلُّ مَنْ عَامَلَهُ يَرْبَحُ , تَشْبِيهُهُ بِخَلْقِهِ قَبِيحٌ وَجَحْدُهُ أَقْبَحُ , رَفَعَ السَّمَاءَ بِغَيْرِ عَمَدٍ فَتَأَمَّلْ وَالْمَحْ , وَأَنْزَلَ الْقَطْرَ فَإِذَا الزَّرْعُ فِي الْمَاءِ يَسْبَحُ , وَالْمَوَاشِي بَعْدَ الْجَدْبِ فِي الْخِصْبِ تَسْرَحُ , وَأَقَامَ الْوُرْقَ عَلَى الْوَرَقِ تَشْكُرُ وَتَمْدَحُ , وَيَنْدُبُ هَدِيلُهَا وَلا نَدْبَ ابْنِ الْمُلَوَّحِ , أَغْنَى وَأَفْقَرَ وَالْفَقْرُ فِي الأَغْلَبِ أَصْلَحُ , كَمْ مِنْ غَنِيٍّ طَرَحَهُ الْبَطَرُ وَالأَشَرُ أَقْبَحَ مَطْرَحٍ , هَذَا قَارُونُ مَلَكَ الْكَثِيرَ وَبِالْقَلِيلِ لَمْ يَسْمَحْ , يَتَجَشَّأُ شَبَعًا وَيَنْسَى الطَّلَنْفَحَ , نُبِّهَ فَلَمْ يَزَلْ نَوْمُهُ وَلِيمَ فَلَمْ يَنْفَعْ لَوْمُهُ ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تفرح﴾ . أَحْمَدُهُ مَا أَمْسَى الْمَسَاءُ وَمَا أَصْبَحَ , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ , وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ صَاحِبِهِ فِي الدَّارِ وَالْغَارِ لَمْ يَبْرَحْ , وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي لَمْ يزل في إعزار الدِّينِ يَكْدَحُ , وَعَلَى عُثْمَانَ وَلا أَذْكُرُ مَا جَرَى وَلا أَشْرَحُ , وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي كَانَ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ فِي الْوُضُوءِ وَلا يَمْسَحُ , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ أَقْرَبِ الْكُلِّ نَسَبًا وَأَرْجَحَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ موسى﴾ قَارُونُ بْنُ يصهرَ بْنِ قَاهِثَ. وَفِي نَسَبِهِ إِلَى مُوسَى ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمِّهِ. رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ.

стр. 237

وَالثَّانِي: ابْنَ خَالَتِهِ. رَوَاهُ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالثَّالِثُ: كَانَ عَمَّ مُوسَى. قَالَهُ ابْنُ إسحاق. قوله تعالى: ﴿فبغى عليهم﴾ وَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ جَعَلَ لِبَغِيَّةٍ جُعْلا عَلَى أَنْ تَقْذِفَ مُوسَى بِنَفْسِهَا , فَفَعَلَتْ فَاسْتَحْلَفَهَا مُوسَى عَلَى مَا قَالَتْ فَأَخْبَرَتْهُ بِقِصَّتِهَا. فَهَذَا بُغْيُهُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ بَغَى بِالْكُفْرِ. قَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَالثَّالِثُ: بِالْكِبْرِ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ زَادَ فِي طُولِ ثِيَابِهِ شِبْرًا. قَالَهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ. وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ كَانَ يَخْدِمُ فِرْعَوْنَ وَيَتَعَدَّى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَظْلِمُهُمْ. حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَفِي الْمُرَادِ بمفاتحه قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَفَاتِيحُ الْخَزَائِنِ الَّتِي تُفْتَحُ بِهَا الأَبْوَابُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. قَالَ خَيْثَمَةُ: كَانَتِ الْمَفَاتِيحُ الَّتِي تُفْتَحُ بِهَا الأَبْوَابُ وَقْرَ سِتِّينَ بَغْلا , وَكَانَتْ مِنْ جُلُودٍ , كُلُّ مِفْتَاحٍ مِثْلُ الإِصْبَعِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَفَاتِيحِ الْخَزَائِنُ , قَالَهُ السُّدِّيُّ وَأَبُو صَالِحٍ وَالضَّحَّاكُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا الأَشْبَهُ وَإِلَى نَحْوِ هَذَا ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: كَانَتْ خَزَائِنُهُ تُحْمَلُ عَلَى أَرْبَعِينَ بَغْلا. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أَيْ تُثْقِلُهُمْ وَتُميِلُهُمْ. وَالْعُصْبَةُ: الْجَمَاعَةُ. وَفِي الْمُرَادِ بها ها هنا سِتَّةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَرْبَعُونَ رَجُلا. رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: مَا بَيْنَ الثَّلاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: خَمْسَةَ عَشَرَ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ.

стр. 238

وَالرَّابِعُ: فَوْقَ الْعَشَرَةِ إِلَى الأَرْبَعِينَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَالْخَامِسُ: سَبْعُونَ رَجُلا. قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ. وَالسَّادِسُ: مَا بَيْنَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ إِلَى الأَرْبَعِينَ. حَكَاهُ الزَّجَّاجُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ يعني المؤمنين ﴿لا تفرح﴾ أَيْ لا تَبْطَرْ ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدار الآخرة﴾ يَعْنِي الْجَنَّةَ بِإِنْفَاقِهِ فِي طَاعَتِهِ. ﴿وَلا تَنْسَ نصيبك من الدنيا﴾ وهو أن تعمل فيها للآخرة ﴿وأحسن﴾ بِإِعْطَاءِ فَضْلِ مَالِكَ ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ بِأَنْ زَادَكَ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِكَ ﴿وَلا تَبْغِ الفساد﴾ بِأَنْ تَعْمَلَ بِالْمَعَاصِي. ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى علم عندي﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي بِصَنْعَةِ الذَّهَبِ. رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا لا أَصْلَ لَهُ , لأن الكيمياء باطل لا حقيقة له. وَالثَّانِي: رِضَا اللَّهِ عَنِّي. قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَالثَّالِثُ: عَلَى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ مِنِّي. قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَالرَّابِعُ: إِنَّمَا أُعْطِيتُهُ بِفَضْلِ عِلْمِي. قَالَهُ الفراء. والخامس: على علم عندي بوجوده الْمَكَاسِبِ. ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يُسْأَلُ عن ذنوبهم المجرمون﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَدْخُلُونَ النَّارَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ﴿فَخَرَجَ على قومه في زينته﴾ فِي ثِيَابٍ حُمْرٍ وَصُفْرٍ. قَالَ عِكْرِمَةُ: فِي ثِيَابٍ مُعَصْفَرَةٍ. قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: خَرَجَ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ عَلَيْهَا سَرْجٌ أَحْمَرُ مِنْ أرجوان , ومعه أربعة آلاف مقاتل وثلاثمائة وَصِيفَةٍ عَلَيْهِنَّ الْحُلِيُّ وَالزِّينَةُ. عَلَى بِغَالٍ بِيضٍ. قَالَ الزَّجَّاجُ: الأُرْجُوَانُ: صِبْغٌ أَحْمَرُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ولا يلقاها﴾ يعني الكلمة التي قالها المؤمنون وهي: " ﴿ثواب

стр. 239

الله خير﴾ ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتِ الزَّكَاةُ أَتَى مُوسَى وَهَارُونُ قَارُونَ فَصَالَحَهُ عَلَى كُلِّ أَلْفِ دِينَارٍ دِينَارًا , وَعَلَى كُلِّ أَلْفِ دِرْهَمٍ دِرْهَمًا , وَعَلَى كُلِّ أَلْفِ شَاةٍ شَاةً. فَوَجَدَ ذَلِكَ مَالا كَثِيرًا فَجَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَالَ: إِنَّ موسى يريد أموالكم. قالوا: فَمَاذَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: نَجْعَلُ لِفُلانَةٍ الْبَغِيَّةِ جَعْلا فَتَقْذِفُهُ بِنَفْسِهَا. فَفَعَلُوا. ثُمَّ أَتَاهُ قَارُونُ فَقَالَ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لِتَأْمُرَهُمْ وَتَنْهَاهُمْ. فَخَرَجَ فَقَالَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ سَرَقَ قَطَعْنَا يَدَهُ , وَمَنِ افْتَرَى جَلَدْنَاهُ ثَمَانِينَ , وَمَنْ زَنَى وَلَيْسَتْ لَهُ امْرَأَةٌ جَلَدْنَاهُ مِائَةً فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ جَلَدْنَاهُ حَتَّى يَمُوتَ. فَقَالَ لَهُ قَارُونُ: وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ؟ قَالَ: وَإِنْ كُنْتُ أَنَا. قَالَ: فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ فَجَرْتَ بِفُلانَةٍ. قَالَ: ادْعُوهَا: فَلَمَّا جَاءَتْ قَالَ مُوسَى: يَا فُلانَةُ أَنَا فَعَلْتُ مَا يَقُولُ هَؤُلاءِ؟ قَالَتْ: لا كَذَبُوا , وَإِنَّمَا جَعَلُوا لِي جَعْلا عَلَى أَنْ أَقْذِفَكَ. فَسَجَدَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: مُر الأَرْضَ بِمَا شِئْتَ. فَقَالَ: يَا أَرْضُ خُذِيهِ. فَأَخَذَتْهُ حَتَّى غَيَّبَتْ سَرِيرَهُ , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَاشَدَهُ بِالرَّحِمِ فَقَالَ: خُذِيهِ فَأَخَذَتْهُ حَتَّى غَيَّبَتْ قَدَمَيْهِ , فَمَا زَالَ يَقُولُ: خُذِيهِ. حَتَّى غَيَّبَتْهُ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: يَا مُوسَى مَا أَفَظَّكَ! وَعِزَّتِي وَجَلالِي لَوِ اسْتَغَاثَ بِي لأَغَثْتُهُ! قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ قَامَةٌ , فَيَبْلُغُ بِهِ إِلَى الأَرْضِ السُّفْلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَلَمَّا هَلَكَ قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ: إِنَّمَا أَهْلَكَهُ مُوسَى لِيَأْخُذَ مَالَهُ وَدَارَهُ. فَخَسَفَ اللَّهُ بِدَارِهِ وَبِمَالِهِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ. ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فئة ينصرونه من دون الله﴾ أَيْ يَمْنَعُونَهُ مِنَ اللَّهِ. فَأَصْبَحَ الْمُتَمَنُّونَ مَكَانَهُ قَدْ نَدِمُوا عَلَى تَمَنِّيهِمْ , فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ﴾ قَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيُّ: إِنْ شِئْتَ قُلْتَ: " وَيْكَ " حَرْفٌ " وَأَنَّهُ " حَرْفٌ. وَالْمَعْنَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُ قال الشاعر:

стр. 240

(تسألاني الطلاق أن ترياني ... قل مالي قد جئتما بِهَجْرِ) (وَيْكَ أَنَّ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ ... يُحَبَّبْ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ) وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ " وَيْ " حَرْفًا وَيَكُونُ مَعْنَى " وَيْ " التَّعَجُّبَ كَمَا تَقُولُ: وَيْ! لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَيَكُونُ مَعْنَى " كَأَنَّهُ " أَظُنُّهُ وَأَعْلَمُهُ , كَمَا تَقُولُ: كَأَنَّكَ بِالْفَرَجِ قَدْ أَقْبَلَ. وَالْمَعْنَى أَظُنُّهُ مُقْبِلا. وَإِنَّمَا وَصَلُوا الْيَاءَ بِالْكَافِ لأَنَّ الْكَلامَ بِهِمَا كَثُرَ. وَذَكَرَ الزَّجَّاجُ عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: " وَيْ " مَفْصُولَةٌ مِنْ " كَأَنَّ " وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ نَدِمُوا فَقَالُوا: وَيْ. مُتَنَدِّمِينَ عَلَى مَا سَلَفَ منهم. ﴿تلك الدار الآخرة﴾ يَعْنِي الْجَنَّةَ ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرض﴾ وهو البغي ﴿ولا فسادا﴾ وهو العمل بالمعاصي ﴿والعاقبة﴾ المحمودة ﴿للمتقين﴾ . الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ (أَيَا وَالِيَ الْمِصْرِ لا تَظْلِمَنَّ ... فَكَمْ جَاءَ مِثْلُكَ ثُمَّ انْصَرَفْ) (وَقَدْ أَبَّرَ النَّخْلَ مُلاكُهُ ... فَنَقَصَ عِزُّهُمْ وَاحْتَرَفْ) (فَلا تُرْسِلَنَّ حِبَالَ الْمُنَى ... وَأَمْسِكْ بِكَفِّكَ مِنْهَا طَرَفْ) (تُقَارِفُ مُسْتَكْثَرَاتِ الذُّنُوبِ ... وَتَغْفَلْ عَنْ ذَنْبِكَ الْمُقْتَرَفْ) أَيْنَ مَنْ جَمَعَ الأَمْوَالَ وَتَمَوَّلَهَا , وَطَافَ الْبِلادَ وَجَوَّلَهَا , وَشَقَّ أَنْهَارَ الأَرْضِ وَجَدْوَلَهَا , رَأَتْ وَاللَّهِ كُلُّ عَامِلَةٍ عَمَلَهَا , وَنَزَلَتْ بَعْدَ سَفَرِهَا مَنْزِلَهَا , عَنَتِ الْوُجُوهُ عَلَى جُسُورِ الْمَنَايَا الْحَوَابِسِ , وَأَذَلَّ قَبْرُ الْمَوْتِ الشَّوَامِسَ , وَصَيَّرَ الْفُصَحَاءَ فِي مَقَامِ الْهَوَامِسِ , يَا لِلَّيَالِي الْمَرَضِ إِنَّهَا لَيَالٍ دَوَامِسُ , يا لساعة اللحد حين تحثو الروامس , كم لَقِيتَ وُجُوهَ نَوَاعِمَ مِنْ أَكُفٍّ طَوَامِسَ , كَمْ تَرَحَّلَتْ مِنْ دَارِ السَّلامَةِ إِلَى عَسْكَرِ الْبِلَى فَوَارِسُ. (سَتَقْفُرُ الأَمْصَارُ مِنْ أَهْلِهَا ... بِحَادِثَاتٍ تَعْمُرُ السبسبا)

стр. 241

(يُؤَشَّبُ الْحَافِظُ أَقْفَالُهُ ... وَتَفْتَحُ الآفَاتُ مَا أَشَّبَا) لقد هلكت في الزمان جديسه وطسمه , وَلَقَدْ ذَهَبَ مَنْ كَانَ وَكَانَ اسْمُهُ , فَلا عَيْنُهُ تَرَى وَلا رَسْمُهُ , ولا جَوْهَرُهُ يُحِسُّ وَلا جِسْمُهُ , تَبَدَّدَ وَاللَّهِ بِالْمَمَاتِ نَظْمُهُ , وَلَحِقَ بالرفات عظمه. كم طوفوا بالبلاد وَجَوَّلُوا , كَمْ أَوْعَدُوا أَعْدَاءَهُمْ وَهَوَّلُوا , كَمْ جَمَعُوا وكم تخولوا , كم اقتنوا وكم تمولوا , كم طالوا وما تطولوا , والمحنة أنهم على الأمل عَوَّلُوا , فَمَا كَانَ إِلا الْقَلِيلُ وَتَغَوَّلُوا , وَجُمْلَةُ الأَمْرِ أَنَّهُمْ تَحَوَّلُوا , وَاسْتَطَالَتْ عَلَى الْوَرَى عُصَبُ مَا تَطَوَّلُوا , ظَهَرُوا فِي الْبِلادِ عَصْرًا وَطَافُوا وَجَوَّلُوا , خُوِّلُوا نِعْمَةً فَلَمْ يَشْكُرُوا مَا تُخُوِّلُوا , فانظر الآن فيهم أي غول تَغَوَّلُوا , وَأَقَامُوا فَمَا قِيلَ فَازُوا وَلَكِنْ تَحَوَّلُوا. كم ملأوا سَهْلا وَجَبَلا شَاءً وَإِبِلا , فَلَمَّا سَلَكُوا إِلَى الموت سبلا , وعاينوه يوم الرحيل قبلا , وتهيأوا لِلنُّزُولِ فِي دَارِ الْبِلَى عَلِمُوا أَنْ مَا كانوا فيه عين البلا. (أطاعوا ذا الخداع وَصَدَّقُوهُ ... وَكَمْ نَصَحَ النَّصِيحُ فَكَذَّبُوهُ) (وَلَمْ يَرَضَوْا بما سكنوا مشيد ... إِلَى أَنْ فَضَّضُوهُ وَذَهَّبُوهُ) (أَظَلُّوا بِالْقَبِيحِ فَتَابَعُوهُ ... وَلَوْ أُمِرُوا بِهِ لَتَجَنَّبُوهُ) (نَهَاهُمْ عَنْ طِلابِ الْمَالِ زُهْدٌ ... فَنَادَى الْحِرْصُ وَيْلَكُمُ اطْلُبُوهُ) (فَأَلْقَاهَا إِلَى أَسْمَاعِ غُثْرٍ ... إِذَا عَرَفُوا الطَّرِيقَ تَنَكَّبُوهُ) (وَحَبْلُ الْعِيسِ مُنْتَكَثٌ ضَعِيفٌ ... وَنِعْمَ الرَّأْيُ أَنْ لا يَجْذِبُوهُ) (حَسِبْتُمْ يَا بَنِي حَوَّا شَقَاءً ... نجاؤكم الذي لم تحسبوه) (أَدِينُ الشَّرِّ مِنْكُمْ فَاحْذَرُوهُ ... وَمَاتَ الْخَيْرُ فِيكُمْ فَانْدُبُوهُ) كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: أَسْمَعُ أَصْوَاتًا وَلا أَرَى أَنِيسًا , إِنَّمَا دِينُ أَحَدِهِمْ لَعْقَةٌ عَلَى لِسَانِهِ , وَلَوْ سَأَلْتَهُ: أَتَعْرِفُ يَوْمَ الْحِسَابِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَكَذَبَ وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.

стр. 242

يَا مَنْ كِتَابُهُ يَحْوِي حَتَّى حَبَّةَ خَرْدَلَةٍ , وعليه شاهدان كلامهما معدل , وسيلتحف التُّرَابَ وَيَتَوَسَّدُ الْجَنْدَلَ , وَهُوَ يَمْشِي مُعْجَبًا بِنَفْسِهِ مِشْيَةَ الشَّمَرْدَلِ. (لَعَمْرُكَ مَا الدُّنْيَا بِدَارِ إِقَامَةٍ ... وَلا الْحَيُّ فِي دَارِ السَّلامَةِ آمِنُ) (تُحَارِبُنَا أَيَّامُنَا وَلَنَا رِضًى ... بِذَلِكَ لَوْ أَنَّ الْمَنَايَا تُهَادِنُ) (أَرَى الْحِيرَةَ الْبَيْضَاءَ عَادَتْ قُصُورُهَا ... خَلاءً وَلَمْ تَثْبُتْ لِكِسْرَى الْمَدَائِنُ) (رَكِبْنَا مِنَ الآمَالِ فِي الدَّهْرِ لُجَّةً ... فَمَا صَبَرَتْ لِلْمَوْجِ تِلْكَ السَّفَائِنُ) (تَجِيءُ الرَّزَايَا بِالْمَنَايَا كَأَنَّمَا ... نُفُوسُ الْبَرَايَا لِلْحِمَامِ رَهَائِنُ) الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَرْهُمْ يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل﴾ إِخْوَانِي: اعْتَبِرُوا بِمَنْ مَضَى مِنَ الأَقْرَانِ , وَتَفَكَّرُوا فِي مَنْ بَنَى كَيْفَ بَانَ , تَقَلَّبَتْ وَاللَّهِ بِهِمُ الأَحْوَالُ وَلَعِبَتْ بِهِمْ أَيْدِي الْبَلْبَالِ , وَنَسِيَهُمْ أحبابهم بَعْدَ لَيَالٍ , وَعَانَقُوا التُّرَابَ وَفَارَقُوا الْمَالَ , فَلَوْ أَذِنَ لِصَامِتِهِمْ لَقَالَ: (مَنْ رَآنَا فَلْيُحَدِّثْ نَفْسَهُ ... أَنَّهُ مُوفٍ عَلَى قُرْبِ زَوَالِ) (وَصُرُوفُ الدَّهْرِ لا يَبْقَى لَهَا ... وَلِمَا تَأْتِي بِهِ صُمُّ الْجِبَالِ) (رُبَّ رَكْبٍ قَدْ أَنَاخُوا حَوْلَنَا ... يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ بِالْمَاءِ الزُّلالِ) (وَالأَبَارِيقُ عَلَيْهَا قُدُمٌ ... وَعِتَاقُ الخيل تردى فِي الْجِلالِ) (عَمَّرُوا دَهْرًا بِعَيْشٍ حَسَنٍ ... آمِنِي دَهْرَهُمْ غَيْرَ عِجَالِ) (ثُمَّ أَضْحَوْا لَعِبَ الدَّهْرُ بهم ... وكذلك الدَّهْرُ حَالٌ بَعْدَ حَالِ) يَا مَشْغُولا بِالأَمَلِ وَالْمُنَى , تَأَهَّبْ لِمَصْرَعٍ قَدْ قَارَبَ وَدَنَا , وَتَزَوَّدْ لِلْقَبْرِ مِنَ الصَّبْرِ كَفَنًا , وَتَهَيَّأْ لِحَرْبِ الْهَوَى فَإِذَا عَزَمْتَ فَأَلْقِ الْقَنَا , فَاللُّحُودُ الْمَقِيلُ وَبَيْتُ الْمَوْتَى لا يُبْتَنَى , وَحَاكِمُ الْعَدْلِ يُجَازِي كُلا بما جنى.

стр. 243

(لا بُدَّ لِلإِنْسَانِ مِنْ ضَجْعَةٍ ... لا تَقْلِبُ الْمُضْجَعَ عَنْ جَنْبِهِ) (يَنْسَى بِهَا مَا كَانَ مِنْ عُجْبِهِ ... بِمَا أَذَاقَ الْمَوْتُ مِنْ كَرْبِهِ) (نَحْنُ بَنُو الْمَوْتَى فَمَا بَالُنَا ... نَعَافُ مَا لا بُدَّ مِنْ شُرْبِهِ) (يَمُوتُ رَاعِي الضَّأْنِ فِي جَهْلِهِ ... مَوْتَةَ جَالِينُوسَ فِي طِبِّهِ) (وَرُبَّمَا زَادَ عَلَى عُمْرِهِ ... وَزَادَ فِي الأَمْنِ عَلَى سِرْبِهِ) (وَغَايَةُ الْمُفَرِّطِ فِي سَلْمِهِ ... كَغَايَةِ الْمُفَرِّطِ فِي حَرْبِهِ) كَأَنَّكَ بِكَ وَقَدْ مَدَّ كَفَّهُ إِلَيْكَ الْمُخَالِسُ , وَافْتَرَسَكَ أَجَلٌ كَمْ قَدْ فَرَى فِي الْفَرَائِسِ , وَحَلَلْتَ بِقَاعِ الْبِلَى فَخَلَتْ مِنْكَ الْمَجَالِسُ , وَنَفَرَ وَبَعُدَ عَنْكَ الصَّدِيقُ الصَّدُوقُ وَالْوَدُودُ الْمُجَانِسُ , وَتَرَكَ زِيَارَتَكَ مَنْ كَانَ لَكَ فِي الْوَحْدَةِ يُؤَانِسُ , وَحُبِسْتَ فِي ضَنْكٍ ضَيِّقٍ مِنَ الْمَحَابِسِ , وَأَصْبَحَ رَبْعُكَ بَعْدَ بُعْدِكَ وَهُوَ خَالٍ دَارِسُ , وَنَزَلْتَ لَحْدَكَ وَحْدَكَ فِي ظُلْمِ الْحَنَادِسِ , وبكى الأهل ساعة والرؤوس لِلنَّوَى نَوَاكِسُ , ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْحِلَّةِ وَكُلٌّ فِي حِلِّهِ آيِسٌ , وَانْطَلَقُوا فَأَطْلَقُوا أَمْوَالَكَ الْحَبَائِسَ , وَأَنْتَ تَتَمَنَّى الْعَوْدَ كَلا وَالْعُودُ يَابِسٌ , وَلَقِيتَ قَرْنًا مِنَ الرَّدَى فَيَا شِدَّةَ الْمُتَشَاوِسِ , وَتَعَوَّضْتَ الرَّغَامَ عَلَى الرَّغَمِ وَالثَّرَى بِالثَّرَى بَعْدَ الْمَلابِسِ , فَيَا بُؤْسَ هَذَا الْمَلْبُوسِ وَيَا ذُلَّ هَذَا اللابِسِ , فَلَوِ اطُّلِعَ عَلَيْكَ بَعْدَ يَوْمٍ خَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ لَرُئِيَ أَثَرٌ بَعْدَ عَيْنٍ قَدْ غَيَّرَتْهُ الطَّوَامِسُ , وَجَاءَكَ مُنْكَرُ وَنَكِيرُ فَخَبِّرْ عَنْ حَرْبِ الْبَسُوسِ وَدَاحِسَ , وَبَقِيتَ حَدِيثًا يَجْرِي عَلَى مَرِّ الْمَدَى فِي الْمَدَارِسِ , فَاغْتَنِمْ حَيَاتَكَ قَبْلَ الْمَمَاتِ فَأَنْفَاسُ النُّفُوسِ نَفَائِسُ , يَا ذَا الأَمَلِ الطَّوِيلِ كَمْ آذَى حَدِيثُ الْوَسَاوِسِ , يَا مُنَاغِيَ الْمُنَى وَدِّعْ هَذِهِ الْهَوَاجِسَ , أَيْنَ أَرْبَابَ الْقُصُورِ , هَذِهِ طِوَلُهَا تَمَنْطَقَ بِالْخَرَابِ سُورُهَا فَنَطَقَ مُحِيلُهَا , سُحِبَتْ عَلَى جُيُوبِهَا مِنْ جُنُوبِها ذُيُولُهَا , قُلْ لَهَا أَيْنَ عَامِرُهَا أَمْ أَيْنَ نَزِيلُهَا , يَا كَثِيرَ الأَسْئِلَةِ لَهَا كَمْ تُطِيلُهَا , كَانَتْ فِيهَا جيرة ثم أتى رحيلها , فاليوم تندب أطلالهم وَالْغِرْبَانُ رَسِيلُهَا , مَا رَدَّتْ شَوَاجِرُ الرِّمَاحِ وَلا دَفَعَ صَقِيلُهَا , وَلا مَنَعَتْ تِلْكَ الظِّبَا كَالرَّعْدِ ضليلها , أَمْرٌ لا مَرَدَّ لَهُ مَرَّتْ بِهِ مُرْدُهَا وَكُهُولُهَا , وَتَتَابَعَتْ بِهِ آسَادُهَا فِي بَحْرِ الْهَلاكِ وَشُبُولُهَا , وَعُقِرَتْ فِي جَوَادِ النَّوَى بِسَيْفِ الثَّوَاءِ خيولها ,

стр. 244

وَتَسَاوَى فِي جَرِيرِ الآفَاتِ صَعْبُهَا وَذَلُولُهَا , أَمَا يَكْفِي الْقُلُوبَ الْغَافِلَةَ وَعْظًا دَلِيلُهَا , يَا لِنُفوسٍ أمرَضها الْهَوَى مَا يَشْفَى عَلِيلُهَا , أَمَا هَذِهِ طَرِيقُهَا أَمَا هَذِهِ سَبِيلُهَا , يَا لَهَا مِنْ مَوْعِظَةٍ كَمْ تَسْمَعُهَا وَكَمْ تَقُولُهَا. خَلَجَ وَاللَّهِ الْبَيْنُ مِنَ الْقَوْمِ مَنْ خَلَجَ , وَأَمَّ الْمَوْتُ آمِلَهُمْ فَلا تَسْأَلْ كَيْفَ انْزَعَجَ، وَاسْتَنْزَلَ عَالِيَهُمْ في أَعَالِي الدَّرَجِ فَدَرَجَ، وَسَارُوا فِي عَسْكَرِ الْبِلَى فَأَتْلَفَهُمُ الْوَهَجُ , وَزَفَرَتْ أَبْدَانُهُمْ بَعْدَ طِيبِ الأَرَجِ , وَنَسَجَ لَهُمُ الْبِلَى ثَوْبًا فَيَا بِئْسَ مَا نَسَجَ , وَعَامُوا فِي بَحْرِ الأَسَى فَلَجَّجَ بِهِمْ فِي اللُّجَجِ , وَلَقِيَهُمْ مِنَ الْبَلايَا مَا ضُوعِفَ وَازْدَوَجَ , وَاسْتَغَاثُوا وَلَكِنْ فِي غَيْرِ أَوَانِ الْفَرَجِ , وَطَلَبُوا رَاحَةً وَلَكِنَّهُ زَمَانُ الْحَرَجِ , وَسُئِلُوا فَعَدِمُوا تَصْحِيحَ الْجَوَابِ وَتَحْقِيقَ الْحُجَجِ , فَيَا أَسَفَا لِمَسْئُولِهِمْ لا فاز ولا فلج: (إن قومي صد عنهم توبة ... شقق البرد اليماني يعط) (قل لأحداث رَمَى الدَّهْرُ بِهِمْ ... فَهُمْ فِي رُقَعِ الدَّهْرِ نُقَطْ) (ذَاقَهُمْ مُسْتَحْلِيًا أَرْوَاحَهُمْ ... وَرَأَى الْمَضْغَ طَوِيلا فاشترط) (وتواق غَيْرُ بَاقِينَ وَكَمْ ... يَلْبَثُ الْقَارِبُ مِنْ بَعْدِ الْفَرَطْ) (وَإِذَا كَشَّفْتُ مَا يُرْمِضُنِي ... مِنْ مَضِيضِ الدَّاءِ قَالَ الْحِلْمُ غَطّ) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ , أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَادِقٍ , أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَاكَوِيَةَ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بَكْرٍ الرُّويَانِيُّ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَارَسْتَانِيُّ , حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الرَّبَعِيُّ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْفِهْرِيِّ , عَنْ أَبِيهِ أَنَّ فَتًى كَانَ عَلَى عَهْدِ الْحَسَنِ , وَكَانَ مُفَرِّطًا فِي حَقِّ اللَّهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ فِي تَفْرِيطِهِ أَخَذَهُ اللَّهُ بِالْمَرَضِ أَخْذَةً شَدِيدَةً , فَلَمَّا آلَمَهُ الْوَجَعُ نَادَى بِصَوْتٍ مُنْكَسِرٍ مَحْزُونٍ: إِلَهِي وَسَيِّدِي أَقِلْ عَثْرَتِي وَأَقِمْنِي مِنْ صَرْعَتِي , فَإِنِّي لا أَعُودُ. فَأَقَامَهُ اللَّهُ مِنْ صَرْعَتِهِ فَرَجَعَ إِلَى أَشَدَّ مِمَّا كَانَ فيه , فأخذه الله أخذة ثالثة فَقَالَ إِلَهِي أَقِلْنِي عَثْرَتِي وَأَقِمْنِي مِنْ صَرْعَتِي فَإِنِّي لا أَعُودُ أَبَدًا , فَأَقَامَهُ اللَّهُ مِنْ

стр. 245

صرعته فرجع إلى أشد مما كان , فبينما هُوَ مَارٌّ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ إِذْ نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ يَضْرِبُ بِأَرْدَانِهِ وَيَنْظُرُ فِي أَعْطَافِهِ فَقَالَ: يَا فَتَى خَفِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا أَبَا سَعِيدٍ فَإِنَّا أَحْدَاثٌ نُرِيدُ أَنْ نَذُوقَ الدُّنْيَا. فَقَالَ الْحَسَنُ: كَأَنَّكُمْ بِالْمَوْتِ قَدْ نَزَلَ بِسَاحَةِ هَذَا الشَّابِّ فَرَضَّهُ رَضًّا. فَبَيْنَمَا الْحَسَنُ فِي مَجْلِسِهِ إِذْ أَقْبَلَ أَخُو الْفَتَى إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّ الْفَتَى الَّذِي كُنْتَ تَعِظُهُ هُوَ أَخِي , وَقَدْ وَقَعَ فِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَغُصَصِهِ. فَقَالَ الْحَسَنُ لأَصْحَابِهِ: قُومُوا نَنْظُرُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِ. فَلَمَّا أَقْبَلَ الْحَسَنُ قَرَعَ الْبَابَ فَقَالَتْ أُمُّهُ مَنْ بِالْبَابِ؟ فَقَالَ: الْحَسَنُ. فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَعِيدٍ مِثْلُكَ يَأْتِي إِلَى مِثْلِ وَلَدِي! أَيَّ شَيْءٍ تَعْمَلُ عَلَى بَابِ وَلَدِي وَوَلَدِي لَمْ يَتْرُكْ ذَنْبًا إِلا رَكِبَهُ وَلا مُحَرَّمًا إِلا انْتَهَكَهُ. فَقَالَ: اسْتَأْذِنِي لَنَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ربنا سبحانه يقيل العثرات. فقالت: يَا بُنَيَّ هَذَا الْحَسَنُ بِالْبَابِ , فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ أَتُرَى جَاءَنِي الْحَسَنُ عَائِدًا أَوْ مُوَبِّخًا؟ افْتَحِي لَهُ الْبَابَ. فَفَتَحَتْ لَهُ فَدَخَلَ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ قَالَ لَهُ: يَا فَتَى اسْتَقِلِ اللَّهَ يُقِلْكَ. فَقَالَ: يَا أبا سعيد إنه لا يفعل. قال: أو تصف اللَّهَ بِالْبُخْلِ وَهُوَ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ! فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنِّي عَصَيْتُهُ فَاسْتَقَلْتُهُ فَأَقَالَنِي , فَعَصَيْتُهُ فَأَمْرَضَنِي , فَاسْتَقَلْتُهُ فَأَقَالَنِي , وَهَذِهِ الْخَامِسَةُ , فَلَمَّا اسْتَقَلْتُهُ نَادَى مُنَادٍ مِنْ زَاوِيَةِ الْبَيْتِ , أَسْمَعُ الصَّوْتَ وَلا أَرَى الشَّخْصَ: لا لَبَّيْكَ وَلا سَعْدَيْكَ قَدْ جَرَّبْنَاكَ مِرَارًا فَوَجَدْنَاكَ غَدَّارًا. فَقَالَ الْحَسَنُ لأَصْحَابِهِ: قُومُوا بِنَا. فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ الْحَسَنُ قَالَ لأُمِّهِ: هَذَا الْحَسَنُ قَدْ آيَسَنِي مِنْ سيدي وسيدي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ , يَا أُمَّاهُ إِذَا رَأَيْتِينِي وَقَدْ تَحَوَّلَ السَّوَادُ بَيَاضًا وَرَشَحَ لِلْمَوْتِ جَبِينِي وَغَارَتِ الْعَيْنَانِ وَاصْفَرَّ الْبَنَانُ وَانْقَطَعَ اللِّسَانُ , فَخُذِي الْمِدْرَعَةَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي وَضَعِي خَدِّي عَلَى الثَّرَى وَاسْتَوْهِبِينِي مِنْ سَيِّدِي , فَإِنَّ سَيِّدِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ. فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ أَخَذَتِ الْمِدْرَعَةَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ وَوَضَعَتْ خَدَّهُ عَلَى التُّرَابِ وَشَدَّتْ وَسَطَهَا بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ وَنَشَرَتْ شَعْرَهَا وَرَفَعَتْ رَأْسَهَا نَحْوَ السَّمَاءِ ثُمَّ نَادَتْ: إِلَهِي وَسَيِّدِي أَسْأَلُكَ بِالرَّحْمَةِ الَّتِي رَحِمْتَ بِهَا يَعْقُوبَ فَجَمَعْتَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَلَدِهِ , وَأَسْأَلُكَ بِالرَّحْمَةِ الَّتِي رَحِمْتَ بها أيوب

стр. 246

فَكَشَفْتَ عَنْهُ الْبَلاءَ إِلا مَا رَحِمْتَ وَلَدِي وَوَهَبْتَ لِي ذَنْبَهُ. وَسَمِعَ الْحَسَنُ هَاتِفًا يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ رَحِمَ الْفَتَى وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَحَضَرَ الْحَسَنُ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ جِنَازَتَهُ. يَا أَهْلَ الذُّنُوبِ لا يَغُرَّنَّكُمُ الإِمْهَالُ فَإِنَّمَا هِيَ أَيَّامٌ وَلَيَالٍ , رُبَّ مَشْغُولٍ بِلَذَّاتِهِ عَنْ ذِكْرِ تَخْرِيبِ ذَاتِهِ , يَلْهُو بِأَمَلِهِ عَنْ تَجْوِيدِ عَمَلِهِ , يَتَقَلَّبُ فِي أَغْرَاضِهِ نَاسِيًا قُرْبَ إمراضه , بغته الفاجع بباسه فأخذ عَنْ أَهْلِهِ وَجُلاسِهِ. سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل﴾ كَمْ مَأْخُوذٍ عَلَى الزَّلَلِ خُتِمَ لَهُ بِسُوءِ الْعَمَلِ , نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ , فَيَا هَوْلَ مَا نَزَلَ , فَأَسْكَنَهُ الْقَبْرَ فَكَأَنْ لَمْ يَزَلْ , وَهَذَا مَصِيرُ الْغَافِلِ لَوْ غَفَلَ ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ويلههم الأمل﴾ . كَمْ نَائِمٍ عَلَى فِرَاشِ التَّقْصِيرِ , مُغْتَرٌّ بِعُمْرٍ قَصِيرٍ , صَاحَ بِهِ فَلَمْ يُبَالِ النَّذِيرَ , فَاسْتَلَبَهُ الْخَطَأُ وَالتَّبْذِيرُ , فَلَمَّا أَحَسَّ الْبَاسَ ثَارَتْ مِنْ نِيرَانِ النَّدَمِ شُعَلٌ ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمل﴾ . كَمْ مُسْتَحِلٍّ شَرَابَ الْهَوَى شَرِبَ مِنْ كَأْسِهِ حَتَّى ارْتَوَى , بَيْنَا هُوَ عَلَى جَادَّةِ إِعْرَاضِهِ هَوَى , فَمَا نَفَعَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مَا حَوَى , وَلا مَا شَرِبَ وَلا مَا أَكَلَ ﴿ذَرْهُمْ يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل﴾ . لا تَغْتَرِرْ بِنَعِيمِ الْقَوْمِ , فَإِنَّ غَدًا بَعْدَ الْيَوْمِ , دَعْهُمْ فَمَا يُؤْثَرُ فِيهِمُ اللَّوْمُ , وَهَلْ ينفع التحريك مَيِّتًا وَهَلْ ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾ . يَجْمَعُونَ الْحُطَامَ بِكَسْبِ الْحَرَامِ , وَيَتَفَكَّرُونَ فِي نَصْبِ شَرَكِ الآثَامِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ , يَرْقُدُونَ فِي اللَّيْلِ وَفِكْرُهُمْ فِي الْوَيْلِ طَوِيلٌ لا يَنَامُ , وَالأَقْدَامُ فِيمَا لا يَحِلُّ إِقْدَامٌ تَسْعَى فِي هَوَاهَا سَعْيَ الرَّمَلِ ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾ . مَا عِنْدَهُمْ خَبَرٌ مِنَ السَّاعَةِ , وَالْعُمْرُ يَمْضِي سَاعَةً فَسَاعَةً , خَسِرُوا فِي أَشْرَفِ

стр. 247

تِجَارَةٍ وَأَغْلَى بِضَاعَةٍ , يَتَثَاقَلُونَ تَثَاقُلَ عُطَارِدَ فِي الطَّاعَةِ , فَإِذَا لاحَ الذَّنْبُ فَزُحَلَ ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ويتمتعوا ويلههم الأمل﴾ . كَيْفَ بِكَفٍّ يَعْيَا وَيَعِيثُ , كَيْفَ نُحَذِّرُهَا شَرَّ الْخَطَايَا وَكُلُّ فِعْلِهَا خَبِيثٌ. كَيْفَ نُخَوِّفُهَا قَلِيلَ الذَّنْبِ وَلِسَانُ الْحَالِ يَسْتَغِيثُ. أَنَا الْغَرِيقُ فَمَا خوفي من البلل ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل﴾ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

стр. 248

المجلس الثامن عشر فِي قِصَّةِ بَلْعَامَ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي إِذَا لَطَفَ أَعَانَ , وَإِذَا عَطَفَ صَانَ , أَكَرْمَ مَنْ شَاءَ كَمَا شَاءَ وَأَهَانَ , أَخْرَجَ الْخَلِيلَ مِنْ آزَرَ وَمِنْ نُوحٍ كَنْعَانَ , يُمِيتُ وَيُحْيِي وَيُغْنِي وَيُشْقِي كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ , يَزِينُ بِمَوْهِبَةِ الْعِلْمِ فَإِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ شَانَ , خلع خلعة العلم على بلعم فَلَمْ يَصُنْهَا وَمَالَ بِهَوَاهُ إِلَى مَا عَنْهُ يُنْهَى ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان﴾ أَحْمَدُهُ فِي السِّرِّ وَالإِعْلانِ , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي انْشَقَّ لَيْلَةَ وِلادَتِهِ الإِيوَانُ , وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ أَوَّلِ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ , وَعَلَى الْفَارُوقِ الْمَوْصُوفِ بِالْعَدْلِ وَكَذَلِكَ كَانَ , وَعَلَى التَّقِيِّ الْحَيِيِّ عُثْمَانَ , وَعَلَى عَلِيٍّ سَيِّدِ الْعُلَمَاءِ وَالشُّجْعَانِ , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الْمُسْتَسْقَى بِهِ فَسَالَ التَّهْتَانُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ . فِي الْمُشَارِ إِلَيْهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ. قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بن عمرو ابن الْعَاصِ , وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ , وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَكَانَ قَدْ قَرَأَ الْكُتُبَ وَعَلِمَ أَنَّهُ سَيَأْتِي رَسُولٌ , وَرَجَا أَنْ يَكُونَ هُوَ , فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَسَدَهُ وَكَفَرَ. وَالثَّانِي: أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الأَنْصَارُ تَقُولُ: إِنَّهُ أَبُو عَامِرٍ. وَالثَّالِثُ: أنه كان رجل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ , أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ , وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ دَمِيمَةٌ , فَقَالَتْ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي أَجْمَلَ امْرَأَةٍ فَدَعَا لَهَا

стр. 249

فَرَغِبَتْ عَنْ زَوْجِهَا , فَدَعَا عَلَيْهَا أَنْ يَجْعَلَهَا كَلْبَةً نَبَّاحَةً , فَجَاءَ بَنُوهَا وَقَالُوا: لا صَبْرَ لَنَا عَلَى تَعْيِيرِ النَّاسِ لَنَا بِأُمِّنَا , فَدَعَا أَنْ تَكُونَ كَمَا كَانَتْ، فَذَهَبَتِ الثَّلاثُ دَعَوَاتٍ. رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ كُلُّ مَنِ انْسَلَخَ مِنَ الْحَقِّ بَعْدَ أَنْ أُعْطِيَهُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْحُنَفَاءِ , قَالَهُ عِكْرِمَةُ. وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ الْمُنَافِقُ. قَالَهُ الْحَسَنُ. وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ بَلْعَامُ , قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالأَثْبَتُ. وَفِي الآيَاتِ الَّتِي أُوتِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَبِهِ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا كِتَابٌ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا حُجَجُ التَّوْحِيدِ وَفَهْمُ أَدِلَّتِهِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا الْعِلْمُ بِكُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَانَ مِنْ خَبَرِ بَلْعَامَ: أَنَّ مُوسَى ﵇ غَزَا الْبَلَدَ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَكَانُوا كُفَّارًا , وَكَانَ هُوَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ , فَأَتَاهُ قَوْمُهُ فَقَالُوا: هَذَا مُوسَى قَدْ جَاءَ يُخْرِجُنَا مِنْ بِلادِنَا وَيَقْتُلُنَا وَيُحِلُّهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ , وَنَحْنُ قَوْمُكَ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ: وَيْلَكُمْ نَبِيُّ اللَّهِ وَمَعَهُ الْمَلائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ , فَكَيْفَ أَدْعُو عَلَيْهِمْ؟ فَقَالُوا: مَا لَنَا مِنْ مَتْرَكٍ. فَلَمْ يَزَالُوا يُرَقِّقُونَهُ وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ حَتَّى افْتَتَنَ , فَرَكِبَ حِمَارَةً لَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى عَسْكَرِ مُوسَى , فَمَا سَارَ إِلا الْقَلِيلَ حتى ربضت دَابَّتُهُ بِهِ فَنَزَلَ عَنْهَا فَقَرَّبَهَا , فَقَالَتْ: وَيْحَكَ يَا بَلْعَامُ أَيْنَ تَذْهَبُ! أَلا تَرَى الْمَلائِكَةَ أَمَامِي تَرُدَّنِي عَنْ وَجْهِي هَذَا , أَتَذْهَبُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ تَدْعُو عَلَيْهِمْ؟ فَلَمْ يَنْزِعْ عَنْهَا وَضَرَبَهَا , فَانْطَلَقَتْ بِهِ حَتَّى إِذَا أَشْرَفَ على عسكر موسى جعل لا يدعو عليهم بِشَيْءٍ إِلا صَرَفَ اللَّهُ بِهِ لِسَانَهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ , فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: إِنَّمَا تَدْعُو عَلَيْنَا. فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ لا أَمْلِكُهُ. إِلا أَنَّهُ دَعَا أَلا يَدْخُلَ مُوسَى الْمَدِينَةَ فَوَقَعُوا فِي التِّيهِ , فَقَالَ

стр. 250

مُوسَى: اللَّهُمَّ كَمَا سَمِعْتَ دُعَاءَهُ عَلَيَّ فَاسْمَعْ دُعَائِيَ عَلَيْهِ فَدَعَا، اللَّهَ أَنْ يَنْزِعَ مِنْهُ الاسْمَ الأَعْظَمَ , فَنُزِعَ مِنْهُ وَانْدَلَعَ لِسَانُهُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ. فَقَالَ لِقَوْمِهِ: قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الآنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ , فَلَمْ يَبْقَ إِلا الْمَكْرُ وَالْحِيلَةُ , جَمِّلُوا النِّسَاءَ وَأَعْطُوهُنَّ السِّلَعَ وَأَرْسِلُوهُنَّ فِي الْعَسْكَرِ يَبِعْنَهَا , وَمُرُوهُنَّ أَنْ لا تَمْنَعَ امْرَأَةً نَفْسَهَا مِمَّنْ أَرَادَهَا , فَإِنَّهُ إِنْ زَنَى رَجُلٌ مِنْهُمْ كُفِيتُمُوهُمْ! فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَوَقَعَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَلَى امْرَأَةٍ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّاعُونَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَئِذٍ , فَهَلَكَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ! وَرَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ أَنَّ بَلْعَامَ قَالَ لِقَوْمِهِ: لا تَرْهَبُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنَّكُمْ إِذَا خَرَجْتُمْ لِقِتَالِهِمْ دَعَوْتُ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ رَغَّبَهُ فِيمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: خَوَّفَهُ مَلِكُهُمْ فَنَحَتَ لَهُ خَشَبَةً لِيَصْلِبَهُ عليها , فدعا عليهم. وقوله: ﴿فانسلخ منها﴾ أَيْ خَرَجَ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي أدركه ﴿فكان من الغاوين﴾ يَعْنِي الضَّالِّينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بها﴾ فِي هَاءِ الْكِنَايَةِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا تَعُودُ إِلَى الإِنْسَانِ الْمَذْكُورِ. قَالَهُ الْجُمْهُورُ. وَالثَّانِي: إِلَى الْكُفْرِ بِالآيَاتِ , فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَا عَنْهُ الْكُفْرَ بِآيَاتِنَا. رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ. ﴿وَلَكِنَّهُ أخلد إلى الأرض﴾ أَيْ رَكِنَ إِلَى الدُّنْيَا وَسَكَنَ ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أَيِ انْقَادَ إِلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ الْهَوَى. وَهَذِهِ الآيَةُ مِنْ أَشَدِّ الآيَاتِ عَلَى الْعُلَمَاءِ إِذَا مَالُوا عَنِ الْعِلْمِ إِلَى الْهَوَى. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تتركه يلهث﴾ الْمَعْنَى: أَنَّ الْكَافِرَ إِنْ زَجَرْتَهُ لَمْ يَنْزَجِرْ , وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَهْتَدِ , كَالْكَلْبِ إِنْ طُرِدَ كَانَ لاهِثًا وَإِنْ تُرِكَ كَانَ لاهِثًا. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كُلُّ لاهِثٍ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ إِعْيَاءٍ أَوْ عَطَشٍ إِلا الْكَلْبَ , فَإِنَّهُ يَلْهَثُ فِي حَالِ رَاحَتِهِ وَحَالِ كَلالِهِ؛ وَفِي حَالِ الرِّيِّ وَحَالِ الْعَطَشِ.
следующие страницы →