← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 26351

التبصرة لابن الجوزي

ابن الجوزي

Полный текст (793 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

﴿عليه﴾ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا فِي مَعْنَى تَثْنِيَةٍ , فَالتَّقْدِيرُ عَلَيْهِمَا كقوله: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ ذكره ابن الأنباري. ﴿وأيده﴾ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ يُرَدُّ إِلَى اللاحِقِ بِهِ , فَلَمَّا كَانَ الانْزِعَاجُ لأَبِي بَكْرٍ وَحْدَهُ حَسُنَ رَدُّ هَاءِ السَّكِينَةِ عَلَيْهِ , وَلَمَّا كَانَ التَّأْيِيدُ بِالْجُنُودِ لا يَصْلُحُ إِلا لِلرَّسُولِ ردت هاء ﴿أيده﴾ عَلَيْهِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وتعزروه وتوقروه وتسبحوه﴾ . قال العلماء: بعث الله ملائكة صرفت وجوه الْكُفَّارِ عَنْهُمَا. وَاعْلَمْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ مَعْرُوفُ الْفَضْلِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلامِ. وُلِدَ بِمِنًى. وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عمر بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مرة ابن كَعْبٍ , وَعِنْدَ مُرَّةَ يَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي النَّسَبِ. وَأُمُّهُ أُمُّ الْخَيْرِ سَلْمَى بِنْتُ صَخْرٍ , أَسْلَمَتْ. وَكَانَتْ إِلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الأَسْبَاقُ وَهِيَ الدِّيَاتُ , وَالْمَغْرَمُ وَكَانَ إِذَا احْتَمَلَ شَيْئًا فَسَأَلَ فِيهِ قُرَيْشًا صَدَقُوهُ وَأَمْضَوْا حَمَالَةَ مَنْ نَهَضَ مَعَهُ , وَإِنِ احْتَمَلَهَا غَيْرُهُ خَذَلُوهُ. وَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَسَلْمَ , وَلَقَّبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَتِيقًا لِحُسْنِ وَجْهِهِ , وَقَالَ: يَكُونُ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً , أَبُو بَكْرٍ لا يَلْبَثُ إِلا قَلِيلا. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ اسْمَ أَبِي بَكْرٍ من السماء " الصديق ". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ لِجِبْرِيلَ: إِنَّ قَوْمِي لا يُصَدِّقُونِي فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يُصَدِّقُكَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ الصِّدِّيقُ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَاصَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

стр. 387

رَوَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: أَتَى الصَّرِيخُ أَبَا بَكْرٍ فَقِيلَ لَهُ: أَدْرِكْ صَاحِبَكَ. فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا وَإِنَّ لَهُ غَدَائِرَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ يَقُولُ: وَيْلَكُمْ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ؟ فَلُهُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَقْبَلُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَرَجَعَ إِلَيْنَا فَجَعَلَ لا يَمَسُّ شَيْئًا مِنْ غَدَائِرِهِ إِلا جَاءَ مَعَهُ وَهُوَ يَقُولُ: تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ , وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلا غَيْرَ رَبِّي لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلا , وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلامِ وَمَوَدَّتُهُ , لا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلا سُدَّ إِلا بَابَ أَبِي بَكْرٍ ". وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَا لأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلا وَقَدْ كَافَأْنَاهُ مَا خَلا أبا بكر , فإنه لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَمَا نَفَعَنِي مَالٌ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ ". فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: فَهَلْ أَنَا وَمَالِي إِلا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي , أَنْبَأَنَا أَبُو طَالِبٍ الْعُشَارِيُّ , أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ , حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ , حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ الْوَاسِطِيُّ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاءٍ , عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ أَمْشِي أَمَامَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ أَتَمْشِي أَمَامَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ! مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَلا غَرَبَتْ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ , أَخْبَرَنَا الدَّاوُدِيُّ , أَخْبَرَنَا ابْنُ أعين، أخبرنا الفربري , حدثنا البخاري , حدثني هشام بن عمار , حدثنا صدقة بْنُ خَالِدٍ , حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ , عَنْ بشر ابن عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ عَابِدِ اللَّهِ أَبِي إِدْرِيسَ , عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ

стр. 388

غَامَرَ. فَسَلِمَ وَقَالَ: إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ , فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ. فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلاثًا. ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ﵁ نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ فَسَأَلَ: أَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ؟ فَقَالُوا: لا. فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ يَتَمَعَّرُ حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ: وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ مَرَّتَيْنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقْتَ وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ تاركوا لِي صَاحِبِي﴾ مَرَّتَيْنِ. فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا. وَقَدِ انْفَرَدَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِأَنْ أَفْتَى فِي حَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدَّمَهُ فِي الصَّلاةِ , وَنَصَّ عَلَيْهِ نَصًّا خَفِيًّا بِإِقَامَتِهِ مَكَانِهِ فِي الصَّلاةِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ , أَنْبَأَنَا الدَّاوُدِيُّ , أَنْبَأَنَا ابْنُ أَعْيَنَ , أَنْبَأَنَا الْفَرَبْرِيُّ حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ , حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ , حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ محمد ابن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ. فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ. كَأَنَّهَا تَقُولُ: الْمَوْتَ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ لِعَائِشَةَ ﵂: " ادْعِي لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ لأَبِي بَكْرٍ كِتَابًا , فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ وَيَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ , ويأتي اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلا أَبَا بَكْرٍ ". وَاعْلَمْ أَنَّ خِلالَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ مَعْلُومَةٌ , مِنَ الْوَرَعِ وَالْخَوْفِ وَالزُّهْدِ وَالْبُكَاءِ وَالتَّوَاضُعِ , وَأَنَّهُ لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَصْبَحَ غَادِيًا إِلَى السُّوقِ , وَكَانَ يَحْلِبُ لِلْحَيِّ أَغْنَامَهُمْ قَبْلَ الْخِلافَةِ , فَلَمَّا بُويِعَ قَالَتْ جَارِيَةٌ مِنَ الْحَيِّ: الآنَ لا يُحْلَبُ لَنَا. فَقَالَ: بَلَى لأَحْلِبَنَّهَا لَكُمْ , وَإِنِّي لأَرْجُو أَلا يُغَيِّرَنِي مَا دَخَلْتُ فِيهِ. وَجَمِيعُ الصَّحَابَةِ ﵃ اعْتَرَفُوا بِفَضْلِهِ.

стр. 389

أخبرنا ابن الحصين , أنبأنا أبو طالب ابن غيلان , أنبأنا أبو بكر محمد بن عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيِّ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا , أَنْبَأَنَا خَالِدُ بْنُ خِرَاشٍ , أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ , عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ , أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ أَرَى أَبَا بَكْرٍ. يا أيها الرَّافِضِيُّ لا تَسْمَعْ مَدْحَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ فِيهِ , اسْمَعْ , قَوْلَ، عَلِيٍّ ﵇ فِيهِ. أَنْبَأَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ , أَنْبَأَنَا الدَّاوُدِيُّ , أَنْبَأَنَا ابْنُ أَعْيَنَ , حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ , حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ , حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ , حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى , عَنْ مُحَمَّدِ بن الْحَنَفِيَّةِ , قَالَ: قُلْتُ لأَبِي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ. قَالَ: وَخَشِيتُ أَنْ أَقُولَ ثُمَّ مَنْ؟ فَيَقُولُ: عُثْمَانُ. فَقُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ. فَقَالَ مَا أَنَا إِلا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ , أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُهْتَدِي , أَنْبَأَنَا الْقَاسِمُ بْنُ حُبَابَةَ , حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْوَرَّاقُ , عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ زَاجٍ , حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُصْعَبٍ , حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الْقُرَشِيُّ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوَانَ , قَالَ: لَمَّا قُبِضَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ وَسُجِّيَ عَلَيْهِ ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ بِالْبُكَاءِ كَيَوْمِ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: فَجَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مُسْتَعْجِلا مُسْرِعًا مُسْتَرْجِعًا وَهُوَ يَقُولُ: الْيَوْمَ انْقَطَعَتِ النُّبُوَّةُ , حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا بَكْرٍ , كُنْتَ إِلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنِيسَهُ وَمُسْتَرَاحَهُ وَثِقَتَهُ وَمَوْضِعَ سِرِّهِ وَمُشَاوَرَتِهِ , وَكُنْتَ أَوَّلَ الْقَوْمِ إِسْلامًا وَأَخْلَصَهُمْ إِيمَانًا وَأَشَدَّهُمْ [للَّهِ] يَقِينًا , وَأَخْوَفَهُمْ للَّهِ وَأَعْظَمَهُمْ غِنَاءً فِي دِينِ اللَّهِ , وَأَحْوَطَهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأحد بهم عَلَى الإِسْلامِ , وَأَحْسَنَهُمْ صُحْبَةً ,

стр. 390

وَأَكْثَرَهُمْ مَنَاقِبَ وَأَفْضَلَهُمْ سَوَابِقَ وَأَرْفَعَهُمْ دَرَجَةً , وَأَقْرَبَهُمْ وَسِيلَةً , وَأَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَدْيًا وَسَمْتًا , وَأَشْرَفَهُمْ مَنْزِلَةً وَأَرْفَعَهُمْ عِنْدَهُ وَأَكْرَمَهُمْ عَلَيْهِ , فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنْ رَسُولِهِ وَعَنِ الإِسْلامِ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ. صَدَّقْتَ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ كَذَّبَهُ النَّاسُ وَكُنْتَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ , سَمَّاكَ اللَّهُ فِي تَنْزِيلِهِ صِدِّيقًا فَقَالَ: ﴿وَالَّذِي جاء بالصدق وصدق به﴾ وَآسَيْتَهُ حِينَ بَخِلُوا , وَقُمْتَ مَعَهُ عَلَى الْمَكَارِهِ حِينَ قَعَدُوا , وَصَحِبْتَهُ فِي الشِّدَّةِ أَكْرَمَ الصُّحْبَةِ , ثاني اثنين صاحبه في الغار , والمنزل عليه السَّكِينَةِ , وَرَفِيقُهُ فِي الْهِجْرَةِ , وَخَلَفْتَهُ فِي دِينِ اللَّهِ وَأُمَّتِهِ أَحْسَنَ الْخِلافَةِ حِينَ ارْتَدُّوا. فَقُمْتَ بِالأَمْرِ مَا لَمْ يَقُمْ بِهِ خَلِيفَةُ نَبِيٍّ , نَهَضْتَ حِينَ وَهَنَ أَصْحَابُهُ , وَبَرَزْتَ حِينَ اسَتْكَانُوا , وَقَوِيتَ حِينَ ضَعُفُوا , وَلَزِمْتَ مِنْهَاجَ رَسُولِهِ إِذْ وَهَنُوا , كُنْتَ خَلِيفَةَ حَقًّا لَنْ تُنَازَعَ وَلَنْ تُضَارَعَ , بِرَغْمِ الْمُنَافِقِينَ وَكَبْتِ الْحَاسِدِينَ , قُمْتَ بِالأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا فَاتَّبَعُوكَ فَهُدُوا , وَكُنْتَ أَخْفَضَهُمْ صَوْتًا وَأَعْلاهُمْ فَوْقًا , وَأَقَلَّهُمْ كَلامًا وَأَصْدَقَهُمْ مَنْطِقًا وَأَطْوَلَهُمْ صَمْتًا وَأَبْلَغَهُمْ قَوْلا وَأَكْرَمَهُمْ رَأْيًا , وَأَشْجَعَهُمْ نَفْسًا , وَأَشْرَفَهُمْ عَمَلا. كُنْتَ وَاللَّهِ لِلدِّينِ يَعْسُوبًا , أَوَّلا حِينَ نَفَرَ عَنْهُ النَّاسُ وَآخِرًا حِينَ أَقْبَلُوا. كُنْتَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَبًا رَحِيمًا , صَارُوا عَلَيْكَ عِيَالا , حَمَلْتَ أَثْقَالَ مَا عَنْهُ ضَعُفُوا , وَرَعَيْتَ مَا أَهْمَلُوا وَعَلِمْتَ مَا جَهِلُوا , وَشَمَّرْتَ إِذْ ظَلَعُوا , وَصَبَرْتَ إِذْ جَزِعُوا وَأَدْرَكْتَ أَوْتَارَ مَا طَلَبُوا , وَرَاجَعُوا بِرَأْيِكَ رُشْدَهُمْ فَظِفَرُوا , وَنَالُوا بِرَأْيِكَ مَا لَمْ يَحْتَسِبُوا. كُنْتَ عَلَى الْكَافِرِينَ عَذَابًا صَبًّا وَلَهَبًا , وَلِلْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةً وَأُنْسًا وَحِصْنًا , طِرْتَ وَاللَّهِ بِعَنَائِهَا وَفُزْتَ بِحِبَائِهَا , وَذَهَبْتَ بِفَضَائِلِهَا وَأَدْرَكْتَ سَوَابِقَهَا لم تقلل حُجَّتُكَ وَلَمْ تَضْعُفْ بَصِيرَتُكَ , وَلَمْ تَجْبُنْ نَفْسُكَ وَلَمْ يَزُغْ قَلْبُكَ , فَلِذَلِكَ كُنْتَ كَالْجِبَالِ لا تُحَرِّكُهَا الْعَوَاصِفُ وَلا تُزِيلُهَا الْقَوَاصِفُ , كُنْتَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 391

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَمِنَ النَّاسُ عَلَيْهِ فِي صُحْبَتِكَ وَذَاتِ يَدِكَ , وَكُنْتَ كَمَا قَالَ ضَعِيفًا فِي بَدَنِكَ قَوِيًّا فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى , مُتَوَاضِعًا فِي نَفْسِكَ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى , جَلِيلا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا فِي أَنْفُسِهِمْ , لَمْ يَكُنْ لأَحَدِهِمْ فِيكَ مَغْمَزٌ وَلا لِقَائِلٍ فِيكَ مَهْمَزٌ وَلا لِمَخْلُوقٍ عِنْدَكَ هَوَادَةٌ , الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ عِنْدَكَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ حَتَّى تَأْخُذَ بِحَقِّهِ , الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ , وَأَقْرَبُ النَّاسِ عِنْدَكَ أَطْوَعُهُمْ للَّهِ وَأَتْقَاهُمْ , شَأْنُكَ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ وَالرِّفْقُ , قَوْلُكَ حُكْمٌ وحتم , وأمدك حِلْمٌ وَحَزْمٌ وَرَأْيُكَ عِلْمٌ وَعَزْمٌ , اعْتَدَلَ بِكَ الدِّينُ وَقَوِيَ بِكَ الإِيمَانُ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ فَسَبَقْتَ وَاللَّهِ سَبْقًا بَعِيدًا وَأَتْعَبْتَ مَنْ بَعْدَكَ إِتْعَابًا شَدِيدًا , وَفُزْتَ بِالْخَيْرِ فَوْزًا مُبِينًا. فَجَلَلْتَ عَنِ الْبُكَاءِ وَعَظُمَتْ رَزِيَّتُكَ فِي السَّمَاءِ وَهَدَتْ مُصِيبَتُكَ الأَنَامَ , فَإِنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. رَضِينَا عَنِ اللَّهِ قَضَاءَهُ وَسَلَّمْنَا لَهُ أَمْرَهُ. وَاللَّهِ لَنْ يُصَابَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِكَ أَبَدًا , كُنْتَ لِلدِّينِ عِزًّا وَحِرْزًا وَكَهْفًا. فَأَلْحَقَكَ اللَّهُ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلا حَرَمَنَا أَجْرَكَ وَلا أَضَلَّنَا بَعْدَكَ. فَسَكَتَ النَّاسُ حَتَّى قَضَى كَلامَهُ ثُمَّ بَكَوْا حَتَّى عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ وَقَالُوا: صَدَقْتَ يَا خَتَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (أَنْفِقِ الْمَالَ قَبْلَ إِنْفَاقِكَ الْعُمْرَ ... فَفِي الدَّهْرِ رِيَبُهُ وَمَنُونُهُ) (قَلَّمَا يَنْفَعُ الثَّرَاءُ بَخِيلا ... غَلِقَتْ فِي الثَّرَى الْمَهِيلِ رُهُونُهُ) (لَوْ نَجَا مِنْ حِمَامِهِ جَاعِلُ الْمَالِ ... مَعَاذًا لَهُ نَجَا قَارُونُهُ) (خَازِنُو الْمَالِ سَاجِنُوهُ وَمَا كَانَ ... يَسْعَى لِسَاجِنٍ مَسْجُونُهُ) لَمَّا طُبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَشْرَفِ الأَخْلاقِ كَانَ مِنْهَا الْكَرَمُ , فَأُعْطِيَ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ , فَلَمَّا سَارَ فِي فَيَافِي الْجُودِ تَبِعَهُ صَدِيقُهُ فَجَاءَ بِكُلِّ ماله فَقَالَ: مَا أَبْقَيْتَ؟ قَالَ أَبْقَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.

стр. 392

(سَبَقَ النَّاسُ إِلَيْهَا صَفْقَةً ... لَمْ يَعُدْ رَائِدُهَا عَنْهَا بِغَبْنِ) (هِزَّةٌ لِلْجُودِ صَارَتْ نَشْوَةً ... لَمْ يكدر عندها العرف بمن) (طلبوا الشاء فوافى سابقا ... جرع غبر في وجه المشن) جَازَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى بِلالٍ وَهُوَ يُعَذَّبُ فَجَذَبَ مِغْنَاطِيسُ صَبْرِ بِلالٍ حَدِيدَ صِدْقِ الصِّدِّيقِ , وَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى اشْتَرَاهُ وَكَسَرَ قَفَصَ حَبْسِهِ , فَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ بِلالا سَيِّدَنَا. تَعِبَ فِي الْمَكَاسِبِ فَنَالَهَا حَلالا , ثُمَّ أَنْفَقَها حَتَّى جَعَلَ فِي الْكِسَاءِ خِلالا , قَالَ لَهُ الرَّسُولُ أَسْلِمْ فَكَانَ الْجَوَابُ نَعَمْ بِلا: لا , وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ فِي الإِسْلامِ إِلا أَنَّهُ أَعْتَقَ بِلالا. (أَبُو بَكْرٍ حَبَا فِي اللَّهِ مَالا ... وَأَعْتَقَ فِي مَحَبَّتِهِ بِلالا) (وَقَدْ وَاسَى النَّبِيَّ بِكُلِّ فَضْلٍ ... وَأَسْرَعَ فِي إجابته بلا: لا) (لو أن البحر يقصده ببعض ... لما ترك الإله به بلالا) كَانَتْ فَضَائِلُهُ الْبَاطِنَةُ مَسْتُورَةً بِنِقَابِ " مَا سَبَقَكُمْ أَبُو بَكْرٍ بِصَوْمٍ وَلا صَلاةٍ , وَلَكِنْ بِشَيْءٍ وَقَرَ فِي صَدْرِهِ " فَهِيَ مُجَانَسَةٌ لِمَنْقَبِهِ: ﴿فَأَوْحَى إلى عبده ما أوحى﴾ . (إِنْ كَانَ حُبُّ عَتيِقٍ عَقَدَ النَّوَاصِبِ ... فَإِنَّنِي نَاصِبِي مِنْ نَسْلِ نَاصِبِي) (مَنْ كَانَ خَيْرَ رَفِيقٍ لِخَيْرِ صَاحِبِ ... كَهْفًا لَهُ وَمُعِينًا عَلَى النَّوَائِبِ) (لَهُ الأَمَانَةُ بِالنَّصِّ غَيْرَ غَاصِبِ ... أَتُشَبِّهُ سِتْرًا بِنَسْجِ الْعَنَاكِبِ) (وَلِلسَّكِينَةِ فِيهِ أَعْلَى الْمَنَاقِبِ ... مَنَاقِبُ هُنَّ كَالأَنْجُمِ الثَّوَاقِبِ) جَمَعَ يَوْمَ الرِّدَّةِ شَمْلَ الإِسْلامِ بَعْدَ أَنْ نَعَقَ غُرَابُ الْبَيْنِ , وَجَهَّزَ عَسَاكِرَ الْعَزْمِ فَمَرَّتْ عَلَى أَحْسَنِ زَيْنٍ , وَصَاحَ لِسَانُ جِدِّهِ فَارْتَاعَ مِنْ بَيْنِ الصَّفَّيْنِ , فَقَالَ: أُقَاتِلُهُمْ وَلَوْ بِابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ.

стр. 393

(عَادَ بِهِ رَوْضُ الْعُلَى مُنَضَّرًا ... مِنْ بَعْدِ مَا كَانَ الْعُلَى قَدِ اضْمَحَلْ) (سَائِلْ بِهِ يَوْمَ بَنِي حَنِيفَةَ ... وَالْبِيضُ فِي بَيْضِ الرُّءُوسِ تَنْتَضِلْ) (وَلَيْسَ إِلا السَّيْفُ قَاضٍ فِي الْوَغَى ... وَلا رَسُولٌ غَيْرُ أَطْرَافِ الأَسَلْ) (كَمْ خَلَلٍ رَمَّ وَلَوْلا عَزْمُهُ ... مَا رُمَّ فِي الإِسْلامِ هَذَاكِ الْخَلَلْ) (وَكَمْ لَهُ مِنْ نَائِلٍ يَسِيرُ مَا ... بَيْنَ الأَنَامِ ذِكْرُهُ سَيْرَ مَثَلْ) (سَكِينَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أُنْزِلَتْ ... وَفَضْلُهُ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ نَزَلْ) (أَقْسَمَ بِاللَّهِ يَمِينًا صَادِقًا ... لَوْ فَاضَلَ الأَمْلاكَ بِالصِّدْقِ فَضَلْ) مَنْ نَهَضَ كَنَهْضَتِهِ يَوْمَ الرِّدَّةِ , وَمَنْ عَانَى مِنَ الْقَوْمِ تِلْكَ الشِّدَّةَ , وَأَيُّ إِقْدَامٍ يُشْبِهُ تِلْكَ الْحِدَّةَ , كَانَتْ آرَاؤُهُ مِنَ التَّوْفِيقِ مُسْتَمَدَّةً. (لَمْ يَسْمَحُوا بِزِمَامِ أَمْرِهِمْ لَهُ ... حَتَّى رَأَوْهُ لِكُلِّ خَيْرٍ جَامِعَا) (لَمْ يَرْهَبُوهُ وَلا اتَّقَوْهُ مَخَافَةً ... جَيْشًا أَطَلَّ وَلا حُسَامًا قَاطِعَا) (كَلا وَلا خَافُوا بَوَائِقَ بَأْسِهِ ... إِنْ خَالَفُوهُ وَلا رَأَوْهُ مُخَادِعَا) (لَكِنَّهُمْ عَلِمُوا شَرِيفَ مَحَلِّهِ ... عِنْدَ الرَّسُولِ تُقًى وَقَدْرًا بَارِعَا) (ورأوا نظام الدين عن آرائه ... مستحكماً وسنى الشَّرِيعَةِ طَالِعَا) (أَرْدَى حَنِيفَةَ وَالْيَمَامَةَ إِذْ طَغَتْ ... فَأَعَادَ مَأْنُوسَ الدِّيَارِ بَلاقِعَا) أَتَرَى تَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ لِكَسَلٍ , أَوْ مُدِحَ بِالْبُخْلِ , كَلا بَلْ هَانَتِ الدُّنْيَا لَدَيْهِ إِذْ عَزَّتْ نَفْسُهُ عَلَيْهِ. لَمَّا عَلِمَ الصِّدِّيقُ قُرْبَ الْمَمَاتِ فَرَّقَ الْمَالَ وَتَخَلَّلَ بِالْعَبَا , فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يُخرَج. (يَمَّمَتْ هِمَّتُهُ قَصْوَى الْوَرَى ... فَجَرَى جَرْيَ جَوَادٍ لِجَوَادِ) (يَجِدُ الْمُتْلَفَ مِنْ أَمْوَالِهِ ... وَاقِعًا مِنْهُ وُقُوعَ الْمُسْتَفَادِ) (فَهُوَ لا يَفْتُرُ مِنْ سَحِّ النَّدَى ... بِبَنَانٍ سَبِطَاتٍ لا جِعَادِ) (غَيْرَ لاهٍ بِاللَّهَا بَلْ عَالِمًا ... أَنَّ بَذْلَ الْعُرْفِ مِنْ خَيْرِ عَتَادِ) (مُسْتَزِيدًا مِنْ فِعَالٍ جَمَّةٍ ... لَيْسَ فِيهَا لامْرِئٍ مِنْ مُسْتَزَادِ) (كُلُّ ذُخْرٍ لِمَعَاشٍ عِنْدَهُ ... مُقْتَنَى مِنْ فَضْلِ زَادٍ لِمَعَادِ)

стр. 394

(سَالِكًا فِي كُلِّ فَجٍّ وَحْدَهُ ... حِينَ لا يُوحِشُهُ طُولُ انْفِرَادِ) (وَكَذَاكَ الْبَدْرُ يَسْرِي فِي الدُّجَى ... وَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ نُورٌ وَهَادِ) نَزَعَ أَبُو بَكْرٍ ثَوْبَ مِخْيَطِ الْهَوَى فَمَزَّقَهُ عَلِيٌّ , رَمَى الصِّدِّيقُ جَهَازَ الْمُطَلَّقَةِ فَوَافَقَهُ عَلِيٌّ فِي نَزْعِ الْخَاتِمِ. (حُبِّبَ الْفَقْرُ إِلَيْهِ أَنَّهُ ... سُؤْدَدٌ وَهُوَ بِذَاكَ الْفَقْرِ يَغْنَى) (وَشَرِيفُ الْقَوْمِ مَنْ يُبْقِي لَهُمْ ... شَرَفَ الذِّكْرِ وَخَلَّى الْمَالَ يَفْنَى) (مَا اطْمَأَنَّ الْوَفْرُ فِي بُحْبُوحَةٍ ... فَرَأَيْتَ الْمَجْدَ فِيهَا مُطْمَئِنَّا) (تُهْدَمُ الأَمْوَالُ مِنْ آسَاسِهَا ... أَبَدًا ما دامت العلياء تبنى) تَوَافَقَ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ عَلَى رَفْضِ الدُّنْيَا , فَاسْلُكْ سَبِيلَهُمَا وَجَانِبِ الرَّفْضَ. (وَخَيْرُ مَا يَذْخُرُ عَبْدٌ لِغَدٍ ... حُبُّ أَبِي بَكْرٍ الإِمَامِ الْمُرْتَضَى) (حُبُّ إِمَامٍ أَوْضَحَ اللَّهُ بِهِ ... مِنْ سُبُلِ الإِسْلامِ مَا كَانَ عَفَا) (لَمْ يَعْبُدِ اللاتَ وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ ... مُعْتَرِفًا بِاللَّهِ مِنْ حِينَ نَشَا) (لأَنَّهُ كَانَ زَمِيلَ الْمُصْطَفَى ... يَجْرِي عَلَى مِنْهَاجِهِ حِينَ جَرَى) (حَتَّى إِذَا اللَّهُ اصْطَفَاهُ مُرْسَلا ... أَجَابَ بِالتَّصْدِيقِ لَمَّا أَنْ دَعَا) (وَمَا ارْتَضَاهُ لِلصَّلاةِ دُونَهُمْ ... حَتَّى رَآهُ ذِرْوَةً لا تُرْتَقَى) (ثُمَّ دَعَوْهُ بَعْدَهُ خَلِيفَةً ... عَنْ مَلإٍ مِنْهُمْ وَأَعْطَوْهُ الرِّضَا) (قَالَ أَقِيلُونِي فَلَسْتُ خَيْرَكُمْ ... فَأَعْظَمُوهَا وَأَبَوْا كُلَّ الإِبَا) (وَاللَّهِ إِنِّي لَمُوَالٍ حَيْدَرًا ... مِثْلَ مُوَالاتِي عَتِيقًا ذَا السَّنَا) (هُمَا إِمَامَايَ وَأَمْنِي فِي غَدٍ ... مِمَّا أَخَافُ وَرَجَائِي واللجا) (وَإِنَّ دِينَ الرَّفْضِ كُفْرٌ مُوبَقٌ ... فَمَنْ صَحَا مِنْ سَكْرَةِ الرَّفْضِ نَجَا) لَقَدْ بَانَ الْهُدَى وَلاحَتِ الطَّرِيقُ , فَشَمِّرْ أَيُّهَا الْبَخِيلُ وَاخْرُجْ مِنَ الْمَضِيقِ , وَإِيَّاكَ وَالدُّنْيَا فَكَمْ قَتَلَتْ مِنْ صَدِيقٍ , افْعَلْ بِهَا فِعْلَ عَلِيٍّ أَوْ فِعْلَ الصِّدِّيقِ , يَا هَذَا مِنْ صِفَةِ الْمُؤْمِنِ الْكَرَمُ , وَالْكَرِيمُ مَنْ أَعْطَى مَا لا يَجِبُ وَأَنْتَ تَبْخَلُ بِالْوَاجِبِ , يَا هَذَا مُؤَدِّي الدِّينِ لا يُحْمَدُ , لا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ ,

стр. 395

يَا عَجَبًا مِمَّنْ لا يُخْرِجُ الْيَسِيرَ الْمَرْذُولَ كَيْفَ يَطْلُبُ مِنْهُ الْكَثِيرَ الْمَحْبُوبَ. (إِذَا مَا شَحَّ ذُو الْمَالِ ... شَحَّ الدَّهْرُ بِإِيهَابِهِ) (إِذَا لَمْ يُثْمِرِ الْعُودُ ... فَقَطْعُ الْعُودِ أَوْلَى بِهِ) الكلام على قوله تعالى ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عن ذكر الله﴾ مَعْنَى تُلْهِكُمْ: أَيْ تَشْغَلْكُمْ. وَفِي الْمُرَادِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: طَاعَتُهُ فِي الْجِهَادِ. رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: الصَّلاةُ الْمَكْتُوبَةُ. قَالَهُ عَطَاءٌ. وَالثَّالِثُ: الْفَرَائِضُ كُلُّهَا. قَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ عَلَى إِطْلاقِهِ فَحَضَّهُمْ عَلَى إِدَامَةِ الذِّكْرِ. قَالَهُ الزَّجَّاجُ. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كُلُّ شَيْءٍ يُشْغِلُكَ عَنِ اللَّهِ مِنْ مَالٍ وَوَلَدٍ فَهُوَ مَشْئُومٌ عليك. قوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناكم﴾ فِي هَذِهِ النَّفَقَةِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا الزَّكَاةُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: النَّفَقَةُ فِي الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ بِالْمَالِ. قَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَالثَّالِثُ: صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ. ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. فَيَكُونُ [عَلَى] هَذَا الْقَوْلِ نَدْبًا وَعَلَى مَا قَبْلَهُ وَاجِبًا. قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مِنْ قبل أن يأتي أحدكم الموت﴾ أَيْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُعَايِنَ مَا يَعْلَمُ معه أنه ميت " ﴿فيقول رب لولا﴾ " اي هلا " ﴿أخرتني إلى أجل قريب﴾ "

стр. 396

يُرِيدُ بِذَلِكَ الاسْتِزَادَةَ فِي أَجَلِهِ لِيَتَصَدَّقَ. قَوْلُهُ تعالى: ﴿وأكن من الصالحين﴾ وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: " وَأَكُونُ مِنَ الصَّالِحِينَ " قَالَ الزَّجَّاجُ: مَنْ قَرَأَ " وَأَكُونُ " بِالْوَاوِ فَهُوَ عَلَى لفظ فأصدق ومن جزم: " وأكن " فهو على موضع فأصدق , لأَنَّ الْمَعْنَى: إِنْ أَخَّرْتَنِي أَصَّدَّقُ وَأَكُنْ. قَالَ ابن عباس: " ﴿فأصدق﴾ " أزكى مالي. " ﴿وأكن من الصالحين﴾ " أَيْ أَحُجُّ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: وَمَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ قَدْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَمْ يُزَكِّهِ وَأَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ إِلا سَأَلَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالسَّلامَةِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ , أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ , أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ , عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ , عَنْ أَبِي زُرْعَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " أَنْ تَصَّدَّقَ وَأَنْتَ شَحِيحٌ صَحِيحٌ تَأْمُلُ الْبَقَاءَ وَتَخَافُ الْفَقْرَ , وَلا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذَا وَلِفُلانٍ كَذَا , أَلا وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْفَقِيهُ , أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُهْتَدِي , حدثنا عبد الله بن أحمد ابن الصَّبَّاحِ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ , حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ أَبِي حَبِيبَةَ الطَّائِيِّ , عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الَّذِي يَعْتِقُ عِنْدَ الْمَوْتِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدَى إِذَا شَبِعَ ". وَقِيلَ لِمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ: إِنَّ فُلانًا أَعْتَقَ كُلَّ مَمْلُوكٍ لَهُ يَعْنِي عِنْدَ الْمَوْتِ. فَقَالَ: يَعْصُونَ اللَّهَ مَرَّتَيْنِ: يَبْخَلُونَ بِهِ وَهُوَ فِي أَيْدِيهِمْ , حَتَّى إِذَا صَارَ لِغَيْرِهِمْ أَسْرَفُوا فِيهِ! وَلْيَعْلَمِ الْبَخِيلُ أَنَّ مَا أَخْرَجَهُ لَهُ وَمَا تَرَكَهُ لِغَيْرِهِ.

стр. 397

وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ الله ما منا أحد إلا ما له أَحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ: " فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ ". وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي. وَإِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى , مَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ ". أَخْبَرَنَا الْكَرُوخِيُّ , أَنْبَأَنَا الأَزْدِيُّ وَالْغُورَجِيُّ , قَالا: أَنْبَأَنَا الْجَرَّاحِيُّ , حَدَّثَنَا الْمَحْبُوبِيُّ , حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ , عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا بَقِيَ مِنْهَا؟ قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلا كَتِفُهَا. قَالَ: بَقِيَ كُلُّهَا إِلا كَتِفَهَا ". مَنْ عَلِمَ فَضْلَ الإِيثَارِ بِالصَّدَقَةِ حَمَلَ النَّفْسَ عَلَى الإِخْرَاجِ. بُعِثَ إِلَى عَائِشَةَ بِمَالٍ عَظِيمٍ فَفَرَّقَتْهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَقَالَتْ جَارِيَتُهَا: لَوْ خَبَّأْتِ دِرْهَمًا نَشْتَرِي بِهِ لَحْمًا نُفْطِرُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَتْ: لَوْ ذَكَّرْتِينِي لَفَعَلْتُ. بِالْجِدِّ فَازَ مَنْ فَازَ , وَبِالْعَزْمِ جَازَ مَنْ جَازَ , وَمَا حَازَ الثَّنَاءَ مَنْ لِلْمَالِ حَازَ. (وَسَائِلْ عَنْهُمْ مَاذَا تَقَدُّمُهُمْ ... فَقُلْتُ فَضْلٌ به عن غيرهم بانوا) (كما عَرَّضُوا لِلْمَنَايَا الْحُمْرِ أَنْفُسَهُمْ ... فَحَانَ قَوْمٌ تَوَقَّوْهَا وما حانوا) (وألهج الحمد بالأبطال بينهم ... أن ليس بينهم للمال إبطان) واعجبا لِغَنِيٍّ يَبْخَلُ بِمَا يَفْنَى , وَلِفَقِيرٍ لا يَصْبِرُ عَلَى مَا يَبْقَى. (أَعَاذِلَ إِنَّ الْمَالَ غَيْرُ مُخَلَّدٍ ... وَإِنَّ الْغِنَى عَارِيَةٌ فَتَزَوَّدِ) (فَكَمْ مِنْ جواد يفسد اليوم جوده ... وساوس قد خوفته الْفَقْرَ فِي غَدِ) كَمْ نَادَاكَ مَوْلاكَ وَمَا تَسْمَعُ , وَكَمْ أَعْطَاكَ وَلَكِنْ مَا تَقْنَعُ , لَقَدِ استقرضك

стр. 398

مالك فمالك تجمع , وضمن أن تنبت الحبة سبعمائة وَمَا تَزْرَعُ , لِيَكُنْ هَمُّكَ فِي طَلَبِ الْمَالِ الإِفْضَالَ بِهِ , فَإِنَّ الشَّرِيفَ الْهِمَّةُ لا يَطْلُبُ الْفَضْلَ إِلا لِلْفَضْلِ. قَالَ أَعْرَابِيٌّ لأَخِيهِ: إِنَّ مَالَكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ كُنْتَ لَهُ , فَكُلْهُ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَكَ. كَمْ مُخَلِّفٍ لِمُتَخَلِّفٍ , تَرَكَ لِمَنْ لا يَحْمَدُهُ وَقَدِمَ عَلَى مَنْ لا يَعْذِرُهُ , رَانَ عَلَى الْقُلُوبِ حُبُّ الدُّنْيَا فَجَمَعَتْهَا كَفُّ الشَّرَهِ , وَتَمَسَّكَتْ بِهَا أَيْدِي الْبُخْلِ , فَلَوْ تَلَمَّحْتَ مَعْنَى: " ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ﴾ " أو اشتقت إلى أرباح " ﴿فيضاعفه﴾ " لَرَأَيْتَ إِنْفَاقَ كُلِّ مَحْبُوبٍ حَقِيرًا فِي جَنْبِ مَا تَرْجُو. فَتَدَبَّرُوا إِخْوَانِي أَحْوَالَكُمْ , وَأَنْفِقُوا فِي الْخَيْرِ أَمْوَالَكُمْ , فَإِنَّ الْمَالَ إِذَا أَخَذْتُمْ فِي سَيْرِكُمْ لِغَيْرِكُمْ. (يَا مَالُ كُلِّ جَامِعٍ وَحَارِثٍ ... أَبْشِرْ بِرَيْبِ حَادِثٍ وَوَارِثِ) (إِنَّ الْغِنَى وَالْفَقْرَ غَيْرُ لابِثٍ ... وَلا يَهَابُ الْمَوْتُ نَفْثَ نَافِثِ) (قد يحصد الجنة غير الحارث ... ويدهق الدلو لغير النابث) (جَدَّ الزَّمَانُ وَهُوَ مِثْلُ الْعَابِثِ ... أَقْسَمَ أَنْ يُسِيءَ غَيْرَ حَانِثِ) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ , أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ , أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ , حَدَّثَنَا صَفْوَانُ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ , قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ مَضَى جَمَعَ مَالا فَأَوْعَى ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ فِي أَهْلِهِ فَقَالَ: انْعَمِي سِنِينَ. فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَرَعَ الْبَابَ فَخَرَجُوا إِلَيْهِ وَهُوَ مُتَمَثِّلٌ بِمِسْكِينٍ فَقَالَ لَهُمُ: ادْعُوا لِي صَاحِبَ الدَّارِ. فَقَالُوا: يَخْرُجُ سَيِّدُنَا إِلَى مِثْلِكَ! ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلا ثُمَّ عَادَ فَقَرَعَ بَابَ الدَّارِ وَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ: أَخْبِرُوهُ أَنِّي مَلَكُ الْمَوْتِ. فَلَمَّا سَمِعَ سَيِّدُهُمْ قَعَدَ فَزِعًا وَقَالَ: لَيِّنُوهُ بِالْكَلامِ. فَقَالُوا: مَا تُرِيدُ غَيْرَ سَيِّدِنَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ؟ قَالَ: لا. فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: قُمْ فَأَوْصِ مَا كُنْتَ مُوصِيًا فَإِنِّي قَابِضٌ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ. قَالَ: فَصَاحَ أَهْلُهُ وَبَكَوْا ثُمَّ قَالَ: افْتَحُوا الصَّنَادِيقَ وَالتَّوَابِيتَ وَافْتَحُوا أَوْعِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. فَفَتَحُوهَا

стр. 399

جَمِيعًا فَأَقْبَلَ عَلَى الْمَالِ يَلْعَنُهُ وَيَسُبُّهُ وَيَقُولُ: لُعِنْتَ مِنْ مَالٍ! أَنْتَ الَّذِي أَنْسَيْتَنِي رَبِّي ﵎ وَأَغْفَلْتَنِي عَنِ الْعَمَلِ وَأَخَّرَتْنِي حَتَّى بَلَغَنِي أَجَلِي. فَتَكَلَّمَ الْمَالُ وَقَالَ: لا تَسُبَّنِي , أَلَمْ تَكُنْ وَضِيعًا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ فَرَفَعْتُكَ؟ أَلَمْ يُر عَلَيْكَ مِنْ أَثَرِي؟ وَكُنْتَ تَحْضُرُ سُوقَ الْمُلُوكِ فَتَدْخُلُ وَيَحْضُرُ عِبَادُ اللَّهِ الصَّالِحُونَ فَلا يَدْخُلُونَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَخْطُبُ بَنَاتِ الْمُلُوكِ وَالسَّادَاتِ فَتُنْكَحُ , وَيَخْطُبُ عِبَادُ اللَّهِ الصَّالِحُونَ فَلا يُنْكَحُونَ أَلَمْ تَكُنْ تُنْفِقُنِي فِي سَبِيلِ الْخَبِيثِ فَلا أَتَعَاصَى وَلَوْ أَنْفَقْتَنِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ أَتَعَاصَ عَلَيْكَ؟ فَأَنْتَ الْيَوْمَ أَلْوَمُ مِنِّي , إِنَّمَا خُلِقْتُ أَنَا وَأَنْتُمْ يَا بَنِي آدَمَ مِنْ تُرَابٍ , فَمُنْطَلِقٌ بِبِرٍّ وَمُنْطَلِقٌ بِإِثْمٍ. فَهَكَذَا يَقُولُ الْمَالُ فَاحْذَرُوا. كَانَ مَلَكُ الْمَوْتِ يَأْتِي الناس فِي صُورَةِ الْبَشَرِ , فَرَكِبَ بَعْضُ الْجَبَّارِينَ فِي جُنْدِهِ يَوْمًا فَلَقِيَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ. فَقَالَ: دَعْنِي آتِي أَرْضِي الَّتِي خَرَجْتُ إِلَيْهَا ثُمَّ أَرْجِعُ من موكبي. فقال: لا والله لا تَرَى أَرْضَكَ أَبَدًا وَلا تَرْجِعُ مِنْ مَوْكِبِكَ أَبَدًا. قَالَ: فَدَعْنِي أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي. فَقَالَ: لا وَاللَّهِ لا تَرَى أَهْلَكَ أَبَدًا. فَقَبَضَ رُوحَهُ. وَبَيْنَا رَجُلٌ يَنْظُرُ فِي أَصْنَافِ مَالِهِ طَلَعَ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ: وَالَّذِي خَوَّلَكَ مَا تَرَى مَا أَنَا بِخَارِجٍ مِنْ مَنْزِلِكَ حَتَّى أُفَرِّقَ بَيْنَ رُوحِكَ وَبَدَنِكَ. قَالَ: فَالْمُهْلَةَ حَتَّى أُفَرِّقَهُ. قَالَ: هَيْهَاتَ! انْقَطَعَتْ عَنْكَ الْمُهْلَةُ. وَلاحَ ملك الموت لرجل فقال لأهله: ايتوني بِصَحِيفَةٍ. فَقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ: الأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ. فَقَبَضَ رُوحَهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْتَى بِالصَّحِيفَةِ. إِخْوَانِي: اسْتَدْرِكُوا قَبْلَ الْفَوْتِ وَانْتَهُوا قَبْلَ الْمَوْتِ , وَأَصِيخُوا فَقَدْ أُسْمِعَ الصَّوْتُ.

стр. 400

سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نفسا إذا جاء أجلها﴾ واعجباً لنفسٍ الموتُ مَوْئِلُهَا وَالْقَبْرُ مَنْزِلُهَا وَاللَّحْدُ مَدْخَلُهَا ثُمَّ يَسُوءُ عَمَلُهَا ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاء أجلها﴾ . كَمْ قَاطِعٍ زَمَانَهُ بِالتَّسْوِيفِ , بَائِعٍ دِينَهُ بِالْحَبَّةِ وَالرَّغِيفِ , مُشْتَرٍ لِلْوَيْلِ بِتَطْفِيفِ الطَّفِيفِ , يَتَمَنَّى الْعَوْدَ إِذَا رَأَتْ نَفْسُهُ مَا يُذْهِلُهَا ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ الله نفسا إذا جاء أجلها﴾ . كَمْ مَشْغُولٍ بِالْقُصُورِ يَعْمُرُهَا , لا يُفَكِّرُ فِي الْقُبُورِ وَلا يَذْكُرُهَا , يَبِيتَ اللَّيَالِيَ فِي فِكْرِ الدُّنْيَا وَيَسْهَرُهَا , يَجْمَعُ الأَمْوَالَ إِلَى الأَمْوَالِ يُثْمِرُهَا , وَقَعَ فِي أَشْرَاكِ الْمَنَايَا وَهُوَ لا يُبْصِرُهَا , أُفٍّ لِدُنْيَا هَذَا آخِرُهَا وَآهٍ لأُخْرَى هَذَا أَوَّلُهَا ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أجلها﴾ . إِذَا مَلَكَ شَمْسَ الْحَيَاةِ الْمَغِيبُ , قَامَ عَنِ الْمَرِيضِ الطَّبِيبُ فَأَخَذَ النَّفْسَ مِنْ بَاطِنِهَا التَّوْبِيخُ وَالتَّأْنِيبُ , فَلَوْ رَأَيْتَهَا تُسأل عَمَّا بِهَا وَلا تُجِيبُ مَنْ يَسْأَلُهَا ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاء أجلها﴾ . آهٍ لِسَاعَاتٍ شَدِيدَةِ الْكُرُبَاتِ , فِيهَا غَمَرَاتٌ لَيْسَتْ بِنَوْمٍ وَلا سُبَاتٍ , تَتَقَطَّعُ فِيهَا الأَفْئِدَةُ بِاللَّوْمِ عَلَى الْفَوَاتِ , وَتَبْكِي عَيْنُ الأَسَفِ لِمَا مَضَى مِنْ هَفوَاتٍ , وَالْمَرِيضُ مُلْقًى عَلَى فِرَاشِ الْحُرُقَاتِ , فَآهٍ ثُمَّ آهٍ مِنْ جِبَالِ حَسَرَاتِ يَحْمِلُهَا ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ . لَقَدْ صَاحَ بِكَ الصَّائِحُ بِأَخْذٍ غَادٍ وَسَلْبٍ رَائِحٍ , يَكْفِي مَا مَضَى مِنْ قَبَائِحَ , فَاقْبَلِ الْيَوْمَ هَذِهِ النَّصَائِحَ فَإِنَّ الْمِسْكِينَ مَنْ يُهْمِلُهَا ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ . والحمد لله وحده.

стр. 401

المجلس التاسع والعشرون فِي فَضْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْحَمْدُ للَّهِ خَالِقِ كُلِّ مَخْلُوقٍ , وَرَازِقِ كُلِّ مَرْزُوقٍ , سَابِقِ الأَشْيَاءِ , فَمَا دُونَهُ مَسْبُوقٌ , مُوجِدِ الْمَنْظُورِ وَالْمَلْبُوسِ والمذوق , أَنْشَأَ الآدَمِيَّ بِالْقُدْرَةِ مِنْ مَاءٍ مَدْفُوقٍ , وَرَكَّبَ فِيهِ الْعَقْلَ يَدْعُو إِلَى مُرَاعَاةِ الْحُقُوقِ , وَالْهَوَى يَحُثُّ عَلَى مَا يُوجِبُ الْعُقُوقَ , فَاحْذَرْ وِفَاقَ الْمُشْتَهَى فَإِنَّهُ يَرْمِي لا مِنْ فَوْقِ فَوْقٍ , فَسَّحَ دَاوُدُ لِنَفْسِهِ فِي نَظْرَةٍ فَاتَّسَعَتِ الْخُرُوقُ , وَغَفَلَ ابْنُهُ سُلَيْمَانُ عَنْ طَاعَتِهِ " ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بالسوق﴾ ". أَحْمَدُهُ عَلَى مَا يَقْضِي وَيَسُوقُ مِمَّا يَغُمُّ وَمَا يَشُوقُ , وَأُقِرُّ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ هَاجِرًا يَغُوثَ وَيَعُوقَ , وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , أَرْسَلَهُ وَقَدِ ازْدَحَمَتْ سُوقُ الْبَاطِلِ فِي أَرْوَجِ سُوقٍ , فَدَمَغَ بِحَقِّهِ أَهْلَ الزَّيْغِ وَأَرْبَابَ الْفُسُوقِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ مَا هَبَّ الْهَوَاءُ وَلَمَعَتِ الْبُرُوقُ , وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ , وَعَلَى عُمَرَ الْمُلَقَّبِ بِالْفَارُوقِ. وَعَلَى عُثْمَانَ الصَّابِرِ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى مَرِّ الْمُذُوقِ , وَعَلَى عَلِيٍّ مُطَلِّقِ الدُّنْيَا فَمَا غَرَّهُ الزُّخْرُفُ وَالرَّاوُوقُ , وَعَلَى الْعَبَّاسِ أَقْرَبِ الْكُلِّ نَسَبًا وَأَخَصِّ الْعُرُوقِ. اللَّهُمَّ يَا مَالِكَ الْمَسَاءِ وَالشُّرُوقِ , احْفَظْنَا مِنْ مَسَاءَةِ الْحَوَادِثِ وَالطُّرُوقِ , وَهَبْ لَنَا مِنْ فَضْلِكَ مَا يَصْفُو وَيَرُوقُ , وَزِدْ آمَالَنَا مِنْ إِحْسَانِكَ فَوْقَ مَا نَرْجُو وَنَتُوقُ , وَافْتَحْ لِي وَلِلْحَاضِرِينَ مُوقَ بَصَرِ الْبَصِيرَةِ لِحَبِيبِ الْمُوقِ.

стр. 402

أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ , أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ , أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا فَزَارَةُ بْنُ عُمَرَ , حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّهُ كَانَ فِيمَنْ مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ نَاسٌ مُحَدَّثُونَ وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَاعْلَمْ أَنَّ عُمَرَ ﵁ مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُ الْحُسْنَى , وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلامِ. أَمَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانَتْ لَهُ السِّفَارَةُ وَالْمُفَاخَرَةُ , فَإِنْ وَقَعَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ بَعَثُوهُ سَفِيرًا , وَإِنْ فَاخَرَهُمْ حَيٌّ بَعَثُوهُ مُفَاخِرًا وَرَضُوا بِهِ. وَأَمَّا فِي الإِسْلامِ فَفَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ. وَهُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رياح بن عبد الله بن قرط ابن رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعِنْدَ كَعْبٍ يَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي النَّسَبِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي , أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ , أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَعْرُوفٍ , أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ , حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ , قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ مُتَقَلِّدًا السَّيْفَ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ , قَالَ: أَيْنَ تَعْمِدُ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَ مُحَمَّدًا. قَالَ: وَكَيْفَ تَأْمَنُ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي زُهْرَةَ وَقَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَرَاكَ إِلا قَدْ صَبَأْتَ وَتَرَكْتَ دِينَكَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ. قَالَ: أَفَلا أَدُلُّكَ عَلَى الْعَجَبِ يَا عُمَرُ؟ إِنَّ ختنك وأختك قد صبآ وَتَرَكَا دِينَكَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ فَمَشَى عُمَرُ ذَامِرًا حَتَّى أَتَاهُمَا وَعِنْدَهُمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يُقَالُ لَهُ خَبَّابٌ فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ حِسَّ

стр. 403

عُمَرَ تَوَارَى فِي الْبَيْتِ فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ الَّتِي سَمِعْتُهَا عِنْدَكُمْ؟ قَالَ: وَكَانُوا يَقْرَءُونَ ﴿طَهَ﴾ فَقَالا: مَا عَدَا حَدِيثًا تَحَدَّثْنَاهُ بَيْنَنَا قَالَ: فَأَعْلَمُكُمَا قَدْ صَبَأْتُمَا. فَقَالَ لَهُ خَتَنُهُ: أَرَأَيْتَ يَا عُمَرُ إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ؟ فَوَثَبَ عُمَرُ عَلَى خَتَنِهِ فَوَطِئَهُ وَطْئًا شَدِيدًا , فَجَاءَتْ أُخْتُهُ فَدَفَعَتْهُ عَنْ زَوْجِهَا فَنَفَحَهَا نَفْحَةً بِيَدِهِ فَدَمَى وَجْهُهَا فَقَالَتْ وَهِي غَضْبَى: يَا عُمَرُ إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَلَمَّا يَئِسَ عُمَرُ قَالَ: أَعْطُونِي هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي عِنْدَكُمْ فَأَقْرَأَهُ. فَقَالَتْ: إِنَّكَ رِجْسٌ وَلا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ , فَقُمْ فَاغْتَسِلْ أَوْ تَوَضَّأْ. فَقَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَخَذَ الْكِتَابَ فَقَرَأَ ﴿طَهَ﴾ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وأقم الصلاة لذكري﴾ فَقَالَ عُمَرُ: دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ. فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ قَوْلَ عُمَرَ خَرَجَ مِنَ الْبَيْتِ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا عُمَرُ , فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ دَعْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ: اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَوْ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ. قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الدَّارِ الَّتِي فِي أَصْلِ الصَّفَا. فَانْطَلَقَ عُمَرُ حَتَّى أَتَى الدَّارَ قَالَ: وَعَلَى بَابِ الدَّارِ طَلْحَةُ وَحَمْزَةُ وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَلَمَّا رَأَى حَمْزَةُ وَجَلَ الْقَوْمِ مِنْ عُمَرَ قَالَ حَمْزَةُ: نَعَمْ فَهَذَا عُمَرُ فَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِعُمَرَ خَيْرًا يُسْلِمُ وَيَتَّبِعُ النَّبِيَّ ﷺ وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ يَكُنْ قَتْلُهُ عَلَيْنَا هَيِّنًا. قَالَ: وَالنَّبِيُّ ﷺ دَاخِلَ يُوحَى إِلَيْهِ , فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عُمَرَ فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ وَحَمَائِلِ السَّيْفِ فَقَالَ: مَا أَنْتَ منتهياً يَا عُمَرُ حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ بِكَ مَا أَنْزَلَ بِالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ! اللَّهُمَّ هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ , اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَأَسْلَمَ وَقَالَ: اخْرُجْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ قَالَ:

стр. 404

(الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي وَجَبَتْ لَهُ ... عَلَيْنَا أَيَادِي مَا لَهَا غِيَرُ) (وَقَدْ بَدَأْنَا فَكَذَّبْنَا وَقَالَ لَنَا ... صَدَقَ الْحَدِيثُ نَبِيٌّ عِنْدَهُ الْخَبَرُ) (وَقَدْ ظَلَمْتُ ابْنَةَ الْخَطَّابِ ثُمَّ هَدَى ... رَبِّي عَشِيَّةَ قَالُوا قَدْ هُدِي عُمَرُ) (وَقَدْ نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ زَلَلٍ ... بِلَطْمِهَا حِينَ تُتْلَى عِنْدَهَا السُّوَرُ) (لَمَّا دَعَتْ رَبَّهَا ذَا الْعَرْشِ جَاهِدَةً ... وَالدَّمْعُ مِنْ عَيْنِهَا عَجْلانُ يَبْتَدِرُ) (أَيْقَنْتُ أَنَّ الَّذِي تَدْعُوهُ خَالِقُهَا ... فَكَادَ يَسْبِقُنِي مِنْ عَبْرَةٍ دُرَرُ) (فَقُلْتُ أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُنَا ... وَأَنَّ أَحْمَدَ فِينَا الْيَوْمَ مُشْتَهِرُ) (نَبِيُّ صِدْقٍ أَتَى بِالْحَقِّ مِنْ ثِقَةٍ ... وَافِي الأَمَانَةِ مَا فِي عُودِهِ خُوَرُ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ كَبَّرَ أَهْلُ الدَّارِ تَكْبِيرَةً سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ. وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ إِنْ مِتْنَا وَإِنْ حَيِينَا؟ قَالَ: بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. قَالَ: فَفِيمَ الاخْتِفَاءُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَتَخْرُجَنَّ. قَالَ عُمَرُ: فَأَخْرَجْنَاهُ فِي صَفَّيْنِ , حَمْزَةُ فِي أَحَدِهِمَا وَأَنَا فِي الآخَرِ لَهُ كَدِيدٌ كَكَدِيدِ الطَّحِينِ , حَتَّى إِذَا دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ نَظَرَتْ قُرَيْشٌ إِلَى حَمْزَةَ وَعُمَرَ فَأَصَابَتْهُمْ كَآبَةٌ لَمْ يُصِبْهُمْ مِثْلُهَا. قَالَ: فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ الْفَارُوقَ , وَفَرَّقَ اللَّهُ بِي بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاثٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى؟ فَنَزَلَتْ ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نِسَاءَكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ , فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ أَنْ يَحْتَجِبْنَ. فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ. وَاجْتَمَعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِسَاؤُهُ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

стр. 405

" بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأٌ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا ". فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ: أَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ ". قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقِيَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ الشَّيْطَانَ فِي زُقَاقٍ مِنْ أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ فَدَعَاهُ الْجِنِّيُّ إِلَى الصِّرَاعِ فَصَرَعَهُ الإِنْسِيُّ , فَقَالَ: دَعْنِي. فَفَعَلَ: فَقَالَ: هَلْ لك فِي الْمُعَاوَدَةِ فَفَعَلَ فَصَرَعَهُ فَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ , فَقَالَ: مَا الَّذِي يُعِيذُنَا مِنْكُمْ؟ قَالَ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ. فَقَالَ رَجُلٌ لابْنِ مَسْعُودٍ؟ مَنْ ذَاكَ الرَّجُلُ أَعُمَرُ هُوَ؟ فَعَبَسَ وَبَسَرَ وَقَالَ: وَمَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ إِلا عُمَرَ! وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " عُمَرُ سِرَاجُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﵇ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ " وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: " أَشَدُّ أُمَّتِي فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ ". وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ ﵇ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ فقال أقرىء عُمَرَ السَّلامَ وَأَخْبِرْهُ أَنَّ رِضَاهُ عِزٌّ وَغَضَبَهُ حلم. وفي حديث علي ﵇ أَنَّهُ قَالَ: اتَّقُوا غَضَبَ عُمَرَ إِذَا غَضِبَ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ إِذَا غَضِبَ. وَفِي حَدِيثِ عقبة ابن عَامِرٍ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: " لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ ". كَانَ عُمَرُ ﵁ جدا كله وَكَانَ يَقْدُمُ عَلَى صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ وَيَنْبَسِطُ فَيَحْتَمِلُهُ , لِعِلْمِهِ بِصِحَّةِ قَصْدِهِ. فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ فَوَقَفَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: أتصلي عليه؟!

стр. 406

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا لأَبِي هُرَيْرَةَ: اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهِ قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ. فَذَهَبَ فَلَقِيَهُ عُمَرُ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَّ وَقَالَ: ارْجِعْ فَرَجَعَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَخْشَى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون. قال: فخلهم. وَفِي حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ فَضَائِلِ عُمَرَ؟ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ مَعَكَ مَا لَبِثَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا مَا نَفِدَتْ فَضَائِلُ عُمَرَ وَإِنَّ عُمَرَ حَسَنَةٌ مِنْ حَسَنَاتِ أَبِي بَكْرٍ " ﵄. (تَحَدَّثْ وَلا تَخْرُجْ بِكُلِّ عَجِيبَةٍ ... عَنِ الْبَحْرِ أَوْ تِلْكَ الْخِلالِ الزَّوَاهِرِ) (وَلا عَيْبَ فِي أَخْلاقِهِ غَيْرَ أَنَّهَا ... فَرَائِدُ دُرٍّ مَا لَهَا مِنْ نَظَائِرِ) (يُقِرُّ لَهَا بِالْفَضْلِ كُلُّ مُنَازِعٍ ... إِذَا قِيلَ يَوْمَ الْجَمْعِ هَلْ مِنْ مُفَاخِرِ) قَوِيَتْ شِدَّةُ عُمَرَ فِي الدِّينِ فَصَلُبَتْ عَزَائِمُهُ , فَلَمَّا حَانَتِ الْهِجْرَةُ تَسَلَّلُوا تَسَلُّلَ الْقَطَا وَاخْتَالَ عُمَرُ فِي مِشْيَةِ الأَسَدِ , فَقَالَ عِنْدَ خُرُوجِهِ: هَا أَنَا أَخْرُجُ إِلَى الْهِجْرَةِ , فَمَنْ أَرَادَ لِقَائِي فَلْيَلْقَنِي فِي بَطْنِ هَذَا الْوَادِي. لَمَا وَلِيَ الْخِلافَةَ شَمَّرَ عَنْ سَاقِ جِدِّهِ فَكَظَمَ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ , وَحَمَلَ فِي اللَّهِ فَوْقَ طَوْقِهِ. (مُتَيَقِّظُ الْعَزَمَاتِ مُذْ نَهَضَتْ بِهِ ... عَزَمَاتُهُ نَحْوَ الْعُلَى لَمْ يَقْعُدِ) (وَيَكَادُ مِنْ نُورِ الْبَصِيرَةِ أَنْ يَرَى ... فِي يَوْمِهِ فِعْلَ الْعَوَاقِبِ فِي غَدِ) نَبَذَ الدُّنْيَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ فَتَخَفَّفَ مِنَ الأَثْقَالِ لأَجْلِ السِّبَاقِ , كَانَ يَخْطُبُ وَفِي إزاره ثنتا عَشْرَةَ رُقْعَةً , كَفَّ كَفَّهُ عَنِ الْمَالِ زَاهِدًا فِيهِ حَتَّى أَمْلَقَ أَهْلَهُ. رَأَى يَوْمًا صَبِيَّةً تَمْشِي فِي السُّوقِ وَالرِّيحُ يُلْقِيهَا لِضَعْفِهَا , فَقَالَ مَنْ يَعْرِفُ هَذِهِ؟ فَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ إِحْدَى بَنَاتِكَ. قَالَ: أَيُّ بَنَاتِي؟ قَالَ: بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. قَالَ: فَمَا بَلَغَ بِهَا مَا أَرَى؟ قَالَ: إِمْسَاكُكَ مَا عِنْدَكَ. قَالَ: إِمْسَاكِي

стр. 407

مَا عِنْدِي يَمْنَعُكَ أَنْ تَطْلُبَ لِبَنَاتِكَ مَا يطلب الناس؟ أما والله مالك عِنْدِي إِلا سَهْمُكَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَسِعَكَ أَوْ عَجَزَ عَنْكَ , بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ! (عِفَّ عَنِ الدُّنْيَا وَقَدْ تَزَخْرَفَتْ ... مُمْكِنَةً وَعَافِهَا وَقَدْ قَدَرْ) (مُحَكَّمٌ فِي النَّاسِ يَقْضِي بَيْنَهُمْ ... بِمُحْكَمِ الآي ومنصوص السور) (حدثت عَنْهُ مِثْلَ مَا تَحَدَّثَتْ ... عَنْ كَرَمِ الأَغْصَانِ حَلْوَاءُ الثَّمَرْ) وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَسَّمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءِ الْمَدِينَةِ فَبَقِيَ مِنْهَا مِرْطٌ جَيِّدٌ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْطِ هَذَا الْمِرْطَ ابْنَةَ رَسُولِ الله ﷺ الذي عِنْدَكَ , يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ. قَالَ: أم سليط أحق بها فَإِنَّهَا مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ تُزْفِرُ لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ. وَرَآهُ طَلْحَةُ يَدْخُلُ بَيْتًا فَلَمَّا أَصْبَحَ دَخَلَ طَلْحَةُ ذَلِكَ الْبَيْتَ فَرَأَى عَجُوزًا عَمْيَاءَ مُقْعَدَةً فَقَالَ: مَا صَنَعَ عِنْدَكِ ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَتْ: إِنَّهُ يَتَعَاهَدُنِي مُنْذُ كَذَا وَيَأْتِينِي بِمَا يُصْلِحُنِي وَيُخْرِجُ عَنِّي الأَذَى. فَقَالَ طَلْحَةُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا طَلْحَةُ! أَعَثَرَاتِ عُمَرَ تَتَّبِعُ. وَرَوَى ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ يَعُسُّ بِالْمَدِينَةِ إِذْ مَرَّ بِرَحْبَةٍ مِنْ رِحَابِهَا فَإِذَا هُوَ بِبَيْتٍ مِنْ شَعَرٍ , فَدَنَا مِنْهُ , فَسَمِعَ أَنِينَ امْرَأَةٍ وَرَأَى رَجُلا قَاعِدًا , فَدَنَا مِنْهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ جِئْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أُصِيبُ مِنْ فَضْلِهِ. قَالَ: فَمَا هَذَا الصَّوْتُ فِي هَذَا الْبَيْتِ؟ قَالَ: امْرَأَةٌ تَمَخَّضُ. قَالَ: هَلْ عِنْدَهَا أَحَدٌ؟ قَالَ: لا. فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ فَقَالَ لامْرَأَتِهِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ: هَلْ لَكِ فِي أَجْرٍ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكِ؟ قَالَتْ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: امْرَأَةٌ غَرِيبَةٌ تَمَخَّضُ لَيْسَ عِنْدَهَا أَحَدٌ. قَالَتْ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ. قَالَ: فَخُذِي مَا يُصْلِحُ الْمَرْأَةَ لِوِلادَتِهَا مِنَ الْخِرَقِ وَالدُّهْنِ وَجِيئِينِي بِبُرْمَةٍ وَشَحْمٍ وَحُبُوبٍ. فَجَاءَتْ بِهِ فَقَالَ: انْطَلِقِي. وَحَمَلَ الْبُرْمَةَ وَمَشَتْ خَلْفَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَيْتِ فَقَالَ لَهَا: ادْخُلِي إِلَى الْمَرْأَةِ وَجَاءَ حَتَّى قَعَدَ إِلَى الرَّجُلِ فَقَالَ لَهُ: أَوْقِدْ لِي نَارًا. فَفَعَلَ فَأَوْقَدَ تَحْتَ الْبُرْمَةِ حَتَّى أَنْضَجَهَا وَوَلَدَتِ المرأة ,

стр. 408

فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَشِّرْ صَاحِبَكَ بِغُلامٍ. فَلَمَّا سَمِعَ الرَّجُلُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَابَهُ فَجَعَلَ يَتَنَحَّى عَنْهُ , فَقَالَ: مَكَانَكَ كَمَا أَنْتَ. فَحَمَلَ الْبُرْمَةَ عُمَرُ ﵁ فَوَضَعَهَا عَلَى الْبَابِ ثُمَّ قَالَ: أَشْبِعِيهَا. فَفَعَلَتْ. ثُمَّ أَخْرَجَتِ الْبُرْمَةُ فَوَضَعَتْهَا عَلَى الْبَابِ فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَهَا فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ فَقَالَ: كُلْ وَيْحَكَ فَإِنَّكَ قَدْ سَهِرْتَ مِنَ اللَّيْلِ. فَفَعَلَ ثُمَّ قَالَ لامْرَأَتِهِ اخْرُجِي. وَقَالَ لِلرَّجُلِ: إِذَا كَانَ غَدٌ فَائْتِنَا نَأْمُرُ لَكَ بِمَا يُصْلِحُكَ. فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَأَجَازَهُ وَأَعْطَاهُ. وَكَانَ يَقُولُ: لَوْ مات جدي بطف الْفُرَاتِ لَخَشِيتُ أَنْ يُحَاسِبَ اللَّهُ بِهِ عُمَرَ. وَكَانَ فِي وَجْهِهِ خَطَّانِ أَسْوَدَانِ مِثْلُ الشِّرَاكِ مِنَ الْبُكَاءِ. وَكَانَ يَمُرُّ بِالآيَةِ مِنْ وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ فَيَبْكِي حَتَّى يَسْقُطَ وَيَبْقَى فِي الْبَيْتِ حَتَّى يُعَادَ لِلْمَرَضِ. وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِذَا شِئْتُمْ أَنْ يَطِيبَ الْمَجْلِسُ فَعَلَيْكُمْ بِذِكْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁. (كُلَّ يَوْمٍ مَجْدٌ وَفَخْرٌ يُشَادُ ... وَطَرِيفٌ مِنَ الْمُنَى وَتِلادُ) (وَكِرَامٌ مِنَ الْمَسَاعِي حِسَانٌ ... عَجَزَتْ عَنْ طِلابِهَا الْحُسَّادُ) (هِمَمٌ دُونَهَا الْكَوَاكِبُ تَتْلُو ... عَزَمَاتٍ لِلنَّارِ فِيهَا اتِّقَادُ) (كُلَّمَا قِيلَ قَدْ دَجَى لَيْلُ خَطْبٍ ... فَلِرَأْيِ الْفَارُوقِ فِيهِ زِنَادُ) (مُغْرَمٌ بِالْمَكَارَمِ الْغِرُّ لَمَّا ... ضُمَّ أَبْكَارُهَا إِلَيْهِ الْوِلادُ) (سَاهِرُ الْعَيْنِ بِالْعَزَائِمِ يَقْظَانٌ ... وَقَدْ قَيَّدَ الْعُيُونَ الرُّقَادُ) (قَدْ كَفَتْهُ الْمَنَاقِبُ الْمَدْحَ إِلا ... مَدْحَنَا مِنْ صِفَاتِهِ يُسْتَفَادُ) مَا زَالَ الإِسْلامُ قَرِيرَ الْعَيْنِ مَا دَامَ مَفْتُوحَ الْعَيْنِ. كَانَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِي بِجَبَلِ صَنْعَاءَ حَظُّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَهُوَ يَرْعَى مَكَانَهُ. (وَقَبْضُ الْمَحَلِّ بِبَسْطِ رَاحِهِ ... أَعْدَى الْجَهَامُ جُودَهَا فَهَتَّنَا) (أَوْصَافُهُ تُمْلَى عَلَى مُدَّاحِهِ ... مَا سَطَّرَ الْمَجْدُ لَهُ وَدَوَّنَا)

стр. 409

(إِذَا رَوَاهَا الدَّهْرُ فِي أَبْيَاتِهِ ... طَرَّبَ إِعْجَابًا بِهَا وَلَحَّنَا) (وَإِنَّ بِهَا وَرْقَاءَ لَيْلٍ غَرَّدَتْ ... مُدَّ إِلَيْهَا كُلُّ غُصْنٍ فَنَّنَا) كَانَ عُمَرُ بَعْدَ أَعْمَالِهِ الْجَمِيلَةِ يَقُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ: الْوَيْلُ لِعُمَرَ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ! وَفِي الصحيحين أنه لما توفي قال علي ﵇: مَا خَلَّفْتُ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ يَا عُمَرُ. الْكَلامُ على قوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناعمة﴾ كَانَتْ أَقْدَامُهُمْ فِي الدُّجَى قَائِمَةً , وَعُيُونُهُمْ سَاهِرَةً لا نائمة , وقلوبهم على الطاعات عَازِمَةً , وَهَذِهِ أَفْعَالُ النُّفُوسِ الْحَازِمَةِ , فَوَجَبَتْ لَهُمْ نجاة قطعية جازمة ﴿وجوه يومئذ ناعمة﴾ . وُجُوهٌ طَالَ مَا غَسَلَتْهَا الدُّمُوعُ , وُجُوهٌ طَالَ مَا أَذَلَّهَا الْخُشُوعُ , وُجُوهٌ أُظْهِرَ عَلَيْهَا لِلاصْفِرَارِ الْجُوعُ , خَاطَرَتْ فِي الْمَهَالِكِ فَأَصْبَحَتْ سَالِمَةً ﴿وُجُوهٌ يومئذ ناعمة﴾ . وجوه أذعنت إذ عنت ولذت , وُجُوهٌ أَلِفَتِ السُّجُودَ فَمَا مَلَّتْ , وُجُوهٌ تَوَجَّهَتْ إلينا وعن غيرنا تولت , زالت عَنْهَا فَتْرَةُ الْهَجْرِ وَتَجَلَّتْ , فَحَلَّتْ غَانِمَةً. سَهَرُهُمْ إِلَى الصَّبَاحِ قَدْ أَثَّرَ فِي الْوُجُوهِ الصِّبَاحِ , وَاقْتِنَاعُهُمْ بِالْخُبْزِ الْقِفَارِ وَالْمَاءِ الْقَرَاحِ , قَدْ عَمِلَ فِي الأَجْسَامِ وَالأَشْبَاحِ , وَخَوْفُهُمْ مِنَ اجْتِرَاحِ الْجَنَاحِ قَدْ صَيَّرَهُمْ كَمَقْصُوصِ الْجَنَاحِ , وَعَلَى الْحَقِيقَةِ فَكُلُّ الأَرْوَاحِ مِنَ الْخَوْفِ هَائِمَةٌ. تَجْرِي دُمُوعُهُمْ فِي الْخُدُودِ كَالْمِيَاهِ فِي الأُخْدُودِ , وَتَعْمَلُ نَارُ الْحَذَرِ في الكبود

стр. 410

فَيَتَمَنَّوْنَ عَدَمَ الْوُجُودِ , فَهُمْ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَنَصْبِ الأَقْدَامِ الْقَائِمَةِ. يَتَفَكَّرُونَ فِي السَّابِقَةِ , وَيَحْذَرُونَ مِنَ اللاحِقَةِ وَكَأَنَّهُمْ يَتَّقُونَ صَاعِقَةً , أَوْ كَأَنَّ السُّيُوفَ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ بَارِقَةٌ , يَا شِدَّةَ قَلَقِهِمْ من الخاتمة ﴿وجوه يومئذ ناعمة﴾ . قال المفسرون: معنى قوله تعالى: ﴿ناعمة﴾ أَيْ فِي نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ لِسَعْيِهَا فِي الدُّنْيَا ﴿راضية﴾ الْمَعْنَى أَنَّهَا رَضِيَتْ ثَوَابَ عَمَلِهَا ﴿فِي جَنَّةٍ عالية﴾ المنازل ﴿لا تسمع فيها لاغية﴾ أَيْ كَلِمَةَ لَغْوٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جارية﴾ . طَالَمَا أَطَالُوا الْبُكَاءَ فِي اللَّيْلِ , تَجْرِي دُمُوعُهُمْ جَرْيَ السَّيْلِ , وَتَسْتَبِقُ فِي صَحْرَاءِ الْخُدُودِ كَالْخَيْلِ , وَإِنَّمَا يُكَالُ لِلْعَبْدِ عَلَى قَدْرِ الْكَيْلِ , فَإِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ فَلِكُلِّ عَيْنٍ جَارِيَةٌ ﴿فِيهَا عَيْنٌ جارية﴾ . جَنَّ اللَّيْلُ وَهُمْ قِيَامٌ , وَجَاءَ النَّهَارُ وَهُمْ صِيَامٌ , وَتَوَرَّعُوا قَبْلَ الْكَلامِ , وَسَلَّمُوا عَلَى الدُّنْيَا لِدَارِ السَّلامِ , فَالْبُطُونُ جَائِعَةٌ وَالأَجْسَادُ عَارِيَةٌ. ائْتَزِرُوا بِمِئْزَرِ الْقُنُوعِ , وَارْتَدُوا بِرِدَاءِ الْخُشُوعِ , وَاسْتَلِذُّوا بِشَرَابِ الدُّمُوعِ , وَلَوْلا صَحْوُ السَّهَرِ وَالْجُوعُ مَا بَانَ عِنْدَ الْجَبَلِ هِلالُ " يَا سَارِيَةُ ". قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فيها سرر مرفوعة﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلْوَاحُهَا مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَلَّةٌ بالزبرجد والياقوت , مرتفعة ما لم يجىء أَهْلُهَا , فَإِذَا أَرَادَ صَاحِبُهَا أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا تَوَاضَعَتْ لَهُ حَتَّى يَجْلِسَ عَلَيْهَا ثُمَّ تُرْفَعَ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قوله تعالى: ﴿وفرش مرفوعة﴾ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ ارْتِفَاعَهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ". قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ وَهِيَ الأَبَارِيقُ الَّتِي لا عُرَى لَهَا ,

стр. 411

مَوْضُوعَةٌ عِنْدَهُمْ وَإِنَّمَا كَانَتْ بِلا عُرَى لأَنَّ الْعُرْوَةَ تَرُدُّ الشَّارِبَ مِنْ جِهَتِهَا وَإِنَّمَا تُرَادُ الْعُرْوَةُ لِيُمْسَكَ بِهَا الإِنَاءُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَشْتَهِي الشَّرَابَ فَيَجِيءُ الإِنَاءُ فَيَقَعُ فِي يَدِهِ فَيَشْرَبُ ثُمَّ يَعُودُ مَكَانَهُ. ثُمَّ هُنَاكَ أَبَارِيقُ بِعُرًى فَقَدْ جُمِعَ الشَّيْئَانِ لهم. قوله تعالى: ﴿ونمارق مصفوفة﴾ وَهِيَ الْوَسَائِدُ وَاحِدُهَا نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ وَالرَّاءِ ونمرقة بكسرهما. ﴿مصفوفة﴾ بعضها إلى جنب بعض ﴿وزرابي﴾ وهي الطنافس لها خمل رقيق ﴿مبثوثة﴾ كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ. يَا غَافِلا عَنْ هَذِهِ الدَّارِ , يَا رَاضِيًا عَنِ الصَّفَا بِالأَكْدَارِ , الْبِدَارَ الْبِدَارَ , سَابِقْ وُقُوعَ الْمَوْتِ قَبْلَ فَوْتِ الاقْتِدَارِ , وَيْحَكَ أَمَا تَرَى سَلْبَ الْجَارِ , أَمَا يُشَوِّقُكَ مَدْحُ الأَبْرَارِ , أَمَا تَخَافُ الشَّيْنَ أَمَا تَحْذَرُ الْعَارَ , إِلَى كَمْ هَذَا الْجَهْلُ وَالنِّفَارُ , مَا هَذَا التَّقَاعُدُ وَالْمَحْقُ قَدْ سَارَ , إِنَّ طُوفَانَ الْهَلاكِ قَدْ دَارَ حَوْلَ الدَّارِ , وَإِنَّ خَيْرَاتِ الأَسْحَارِ إِذَا رَآهَا الطَّرْفُ حَارَ , يَا سَكْرَانَ الْهَوَى قد قتل الحمار , يَا بَصِيرًا هُوَ أَعْمَى ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبصار﴾ . رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَيْ سَنَةٍ , وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ لَمَنْ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ اللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ ". قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا نَعَتَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَمَا فِيهَا عَجِبَ الْكُفَّارُ مِنْ ذَلِكَ فَذَكَّرَهُمْ صَنْعَتَهُ وَقُدْرَتَهُ فَقَالَ: ﴿أَفَلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ ارْتِفَاعَ سُرُرِ الْجَنَّةِ وَفُرُشِهَا فَقَالُوا: كَيْفَ يُصْعَدُ إِلَيْهَا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا خَصَّ الإِبِلَ بِالذِّكْرِ لأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا , وَلَمْ يُشَاهِدِ الْفِيلَ مِنْهُمْ إِلا الشَّاذُّ , وَلأَنَّهَا كَانَتْ أَنْفَسَ أَمْوَالِهِمْ , وَأَكْثَرَهَا لا

стр. 412

تُفَارِقُهُمْ , فَيُلاحِظُونَ فِيهَا الْعِبَرُ الدَّالَّةُ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِهَا , وَهِيَ عَلَى عِظَمِهَا مذللة للحمل الثقيل , وتنقاد للصبي الصغير , وليس فِي ذَوَاتِ الأَرْبَعِ مَا يَحْمِلُ وَقْرَهُ وَهُوَ بَارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِوَاهَا. يَا مُقِيمًا " قَدْ حَانَ سَفَرُهُ , يَا مَنْ عَسَاكِرُ الْمَوْتَى تَنْتَظِرُهُ , سَيَعْزِلُ الصِّحَّةَ السَّقَمُ , وَسَيَغْلِبُ الْوُجُودَ الْعَدَمُ , السَّاعَاتُ مَرَاحِلُ وَالْمَوْتُ سَاحِلٌ , الْبِدَارَ قَبْلَ فَوَاتِهِ , اجْمَعِ الزَّادَ قَبْلَ شَتَاتِهِ: (إِذَا كُنْتُ أَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينًا ... بِأَنَّ جَمِيعَ حَيَاتِي كَسَاعَةْ) (فَلِمَ لا أَكُونُ ضَنِينًا بِهَا ... وَأَجْعَلُهَا فِي صَلاحٍ وَطَاعَةْ) كَمْ أَخْلَى الْمَوْتُ دَارًا , كَمْ تَرَكَ الْمَعْمُورَ قِفَارًا , كَمْ أَوْقَدَ مِنَ الأَسَفِ نَارًا , كَمْ أَذَاقَ الْغُصَصَ الْمُرَّةَ مِرَارًا , لَقَدْ جَالَ يَمِينًا وَيَسَارًا , فَمَا حَابَى فَقْرًا وَلا يَسَارًا. أَيْنَ الْجَيْشُ الْعَرَمْرَمُ , أَيْنَ الْكَبِيرُ الْمُعَظَّمُ. إِنَّ الزَّمَانَ يَقْدَحُ فِي يَلَمْلَمَ , أَلْحَقَ أَخِيرًا بِمَنْ تَقَدَّمَ وَبَنَى يَسِيرًا ثُمَّ هَدَّمَ , بَيْنَا يُرِي بحر الأمل لمن تيمم أتاه فرآه سراياً فَتَيَمَّمَ. (أَيْنَ الَّذِينَ عَلَى عَهْدِ الثَّرَى وَطِئُوا ... وَحُكِّمُوا فِي لَذِيذِ الْعَيْشِ فَاحْتَكَمُوا) (وَمَلَكُوا الأَرْضَ مِنْ سَهْلٍ إِلَى جَبَلٍ ... وَخَوَّلُوا نِعَمًا مَا مِثْلُهَا نِعَمُ) (لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ عَلَى ضَنِّ الْقُلُوبِ بِهِمْ ... إِلا رُسُومُ قُبُورٍ حَشْوُهَا رِمَمُ) سَارُوا إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ , رَحَلَ القوم فاسأل الأطلال , وإنما كانت ففنيت آجال , لا يُجِيبُونَ دَاعِيًا , الْقَوْمُ فِي اشْتِغَالٍ , غَالَهُمْ مِنَ الْبِلَى أَقْبَحَ مَا غَالَ , آلَتْ أَمْوَالُهُمْ إِلَى أَكُفِّ الآلِ , بَضَّعَ الأَهْلَ بَضَائِعَهُمْ وَقَفَّلَهَا إِلَى الأَقْفَالِ , وَتَلَذَّذُوا بِكَدِّ غَيْرِهِمْ فَسَلْ سَالِبًا عَنْ شَلْشَالٍ , هَذَا مَصِيرُكُمْ عَنْ قَرِيبٍ مَا يَمُرُّ عَلَى الْبَالِ ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بهم وضربنا لكم الأمثال﴾ . (وَمُسَنَّدُونَ تَعَاقَرُوا كَأْسَ الرَّدَى ... وَدَعَا بِشُرْبِهِمُ الْحِمَامُ فَأَسْرَعُوا) (بَرَكَ الزَّمَانُ عَلَيْهِمُ بِجِرَانِهِ ... وَهَفَتْ بِهِمْ رِيحُ الْخُطُوبِ الزَّعْزَعُ)

стр. 413

(خُرْسٌ إِذَا نَادَيْتَ إِلا أَنَّهُمْ ... وُعِظُوا بِمَا يَزَعُ اللَّبِيبَ فَأَسْمَعُوا) (وَالدَّهْرُ يَفْتِكُ بِالنُّفُوسِ حِمَامُهُ ... فَلِمَنْ تَعُدُّ كَرِيمَةً أَوْ تَجْمَعُ) (عَجَبًا لِمَنْ يُبْقِي ذَخَائِرَ مَالِهِ ... وَيَظَلُّ يَحْفَظُهُنَّ وَهُو مُضَيَّعُ) (وَلِغَافِلٍ وَيَرَى بِكُلِّ ثَنِيَّةٍ ... مُلْقًى لَهُ بَطْنُ الصَّفَائِحِ مَضْجَعُ) (أَتُرَاهُ يَحْسَبُ أَنَّهُمْ مَا أَسْأَرُوا ... مِنْ كَأْسِهِ أَضْعَافَ مَا يَتَجَرَّعُ) كَأَنَّكُمْ بِالأُمُورِ الْفَظِيعَةِ قَدْ حَلَّتْ , وَبِالدُّنْيَا الَّتِي تَوَلَّتْ قَدْ تَوَلَّتْ , وَبِالنَّفْسِ الْعَزِيزَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ قَدْ ذَلَّتْ , وَيْحًا كَمْ أَخْطَأَتْ وَكَمْ قَدْ زَلَّتْ , مَتَى يُقَالُ لِهَذِهِ الْغَمْرَةِ الَّتِي قَدْ جَلَّتْ قَدْ تَجَلَّتْ , عَجَبًا لِنَفْسٍ كُلَّمَا عَقَدْنَا نَفْعَهَا حَلَّتْ. (أَوْجَزَ الدَّهْرُ فِي الْعِظَاتِ إِلَى ... أَنْ جَعَلَ الصَّمْتَ غَايَةَ الإِيجَازِ) (مَنْطِقٌ لَيْسَ بِالنَّثِيرِ وَلا الشِّعْرِ ... وَلا فِي طَرَائِقِ الرُّجَّازِ) (وَعَدَتْنَا الأَيَّامُ كل عجيب ... وتكون الوعود بالإنجاز) (والليالي هوازي رَاجِعَاتٌ ... فِي أَبِي جَادِهَا وَفِي هَوَّازِ) (أَوْعَزَ الدَّهْرُ بِالْفَنَاءِ إِلَى النَّاسِ ... فَوَاهًا لِذَلِكَ الإِيعَازِ) (أعرضوا عن مدائح وتهان ... فالمرائي أَوْلَى بِكُمْ وَالتَّعَازِي) أَحْضِرُوا قُلُوبَكُمْ لِلنُّصْحِ وَالتَّوَاصِي , وَاحْذَرُوا يَوْمَ الأَخْذِ بِالنَّوَاصِي , تَذَكَّرُوا جَمْعَ الدَّانِي وَالْقَاصِي , أَسَمِعْتَ يَا مَنْ يَرُوحُ فِي الْمَعَاصِي ويبكر ﴿فذكر إنما أنت مذكر﴾ . واعجباً كَيْفَ نُحَدِّثُ السَّكْرَى وَقَدْ مَلأَتْهُمُ الْغَفْلَةَ , سَكْرَى ما يعقلون إلا بطارق النكراء , وَكَمْ تُلِيَ عَلَيْهِمُ الْوَعْظُ ذِكْرَى , هَيْهَاتَ , إِنَّمَا تَنْفَعُ الذِّكْرَى الْمُتَذَكِّرَ. أَيُّهَا النَّصِيحُ أَتَرَى الْمَنْصُوحَ أَصَمَّ , بُيِّنَ لَهُ قُبْحَ مَا قَدْ جَمَعَ وَضَمَّ , فَإِنَّ أَفْعَالَهُ جَمِيعَهَا تُوجِبُ الذَّمَّ , وَمَتَى رَأَيْتَ النِّسْيَانَ لِلْعَوَاقِبِ قَدْ عَمَّ , يَا مَنْ يرى هواه

стр. 414

الْحَاضِرَ وَيَنْسَى مَوْلاهُ النَّاظِرَ , وَلا نَاصِرَ لَهُ إِلا الأَخِيرُ نَاصِرٌ , عَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ تَثَبَّتْ وَفَكِّرْ , كَأَنَّكَ بِمُذِلِّ الْقَوِيِّ وَمُفْقِرِ الْغَنِيِّ وَمُوقِظِ الْغَبِيِّ وَقَاصِمِ الْفَتَى الْفَتِيِّ وَمَا يَأْتِي فِي زِيٍّ مُتَنَكِّرٍ. كَمْ أَجْرَى الْمَوْتُ دَمْعًا وَابِلا وَرَذَاذًا , كَمْ قَطَعَ الْبَلاءُ صَحِيحًا فَجَعَلَهُ جُذَاذًا , كَمْ مِنْ مُتَجَبِّرٍ أَذَلَّهُ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ مَعَاذًا , أَتَعْرِفُ صِحَّةَ هَذَا أَمْ تُنْكِرُ. كَمْ مَوْعُوظٍ زُجِرَ فَارْعَوَى , كَمْ فَاسِدٍ وُبِّخَ فَاسْتَوَى , كَمْ مُسْتَقِيمٍ بِالْوَعْظِ بَعْدَمَا الْتَوَى , عَادُوا إِلَى الزَّلَلِ بِمُوَافَقَةِ الْهَوَى , وَالْمِحْنَةُ أَنَّ الْهَوَى يُعَكِّرُ ﴿فذكر إنما أنت مذكر﴾ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصْحِبِهِ وسلم.

стр. 415

المجلس الثلاثون فِي فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَدِيمًا دَائِمًا , وَخَبِيرًا بِالأَسْرَارِ عَالِمًا , قَرَّبَ مَنْ شَاءَ فَجَعَلَهُ صَائِمًا قَائِمًا , وَطَرَدَ مَنْ شَاءَ فَصَارَ فِي بَيْدَاءِ الضَّلالِ هَائِمًا , يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ وَإِنْ يَأْبَى الْعَبْدُ رَاغِمًا , وَيَقْبَلُ تَوْبَةَ التَّائِبِ إِذَا أَمْسَى نَادِمًا , أَحْمَدُهُ حَمْدًا مِنَ التَّقْصِيرِ سَالِمًا , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي سَافَرَ إِلَى قَابِ قَوْسَيْنِ ثُمَّ عَادَ غَانِمًا , وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي لَمْ يَزَلْ رَفِيقًا مُلائِمًا , وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي يَعْبُدُ رَبَّهُ مُسِرًّا كَاتِمًا , وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي قُتِلَ مَظْلُومًا وَلَمْ يَكُنْ ظَالِمًا , وَفِيهِ أُنْزِلَ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وقائما﴾ وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي كَانَ فِي الْعُلُومِ بَحْرًا وَفِي الْحُرُوبِ صَارِمًا , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ حَوْلَ نُصْرَتِهِ حَائِمًا. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَاجْعَلْ ذِكْرَ الآخِرَةِ لِقُلُوبِنَا مُلازِمًا , وَوَفِّقْنَا لِلتَّوْبَةِ تَوْفِيقًا جَازِمًا , وَذَكِّرْنَا رَحِيلَنَا قَبْلَ أَنْ نَرَى الْمَوْتَ هَاجِمًا , وَاقْبَلْ صَالِحَنَا وَاغْفِرْ لِمَنْ كَانَ آثِمًا. أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْحَرِيرِيُّ , أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ الْعُشَارِيُّ , أَنْبَأَنَا ابْنُ سَمْعُونٍ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْمُطَرِّزُ , حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُكْتِبُ , حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُحَارِبِيُّ , حَدَّثَنَا مسعر بن كدام , عن عطية , عن ابن سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ , قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ عُثْمَانَ رَضِيتُ عَنْهُ فَارْضَ عَنْهُ. إِلَى أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ.

стр. 416

اعْلَمْ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ مِمَّنْ تَقَدَّمَ إِسْلامُهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارِ الأَرْقَمِ , فَلَمَّا أَسْلَمَ أَخَذَهُ عَمُّهُ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ فَأَوْثَقَهُ رِبَاطًا فَلَمَّا رَأَى صَلابَتَهُ فِي دِينِهِ تَرَكَهُ. وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ , وَمَعَهُ فِيهَا رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . حَدَّثَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ , أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ , أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ , أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ , حَدَّثَنَا لَيْثٌ , حَدَّثَنِي عَقِيلٌ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ , أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ وَعُثْمَانَ حَدَّثَاهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ لابِسَ مِرْطِ عَائِشَةَ , فَأَذِنَ لأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ , فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ. قَالَ: وَكَذَا عُمَرُ. قَالَ عُثْمَانُ: ثُمَّ اسْتَأَذنْتُ عَلَيْهِ فَجَلَسَ وَقَالَ لِعَائِشَةَ اجْمَعِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ. قَالَ: فَقَضَيْتُ إِلَيْهِ حَاجَتِي ثُمَّ انْصَرَفْتُ , فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي لا أَرَاكَ فَزِعْتَ لا لأَبِي بَكْرٍ وَلا لِعُمَرَ كَمَا فَزِعْتَ لِعُثْمَانَ؟ قَالَ: إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ وَإِنِّي خَشِيتُ إن أذنت له عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ أَنْ لا يُبْلِغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ. قَالَ اللَّيْثُ: وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَلا نَسْتَحِي مِمَّنْ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلائِكَةُ "؟. قَالَ أَحْمَدُ وَحَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ , حَدَّثَنَا يونس , يعني بن أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , قَالَ: أَشْرَفَ عُثْمَانُ مِنَ الْقَصْرِ وَهُوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ مَنْ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حِرَاءٍ إِذِ اهْتَزَّ الْجَبَلُ فَوَكَزَهُ بِرِجْلِهِ ثُمَّ قَالَ: اسْكُنْ حِرَاءُ لَيْسَ عَلَيْكَ إِلا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ وَأَنَا مَعَهُ؟ فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ. فَقَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ مَنْ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ إِذْ بَعَثَنِي إِلَى الْمُشْرِكِينَ أهل مكة قال: هذه يدي وهذه يَدُ عُثْمَانَ. فَبَايَعَ لِي؟ فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ. ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ مَنْ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ قَالَ: " مَنْ يُوَسِّعُ لَنَا بِهَذَا الْبَيْتِ فِي الْمَسْجِدِ بِبَيْتٍ لَهُ فِي الْجَنَّةِ "؟ فَابْتَعْتُهُ مِنْ

стр. 417

مَالِي فَوَسَّعْتُ بِهِ الْمَسْجِدَ؟ فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ. قَالَ: وَأَنْشُدُ بِاللَّهِ مَنْ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ جَيْشِ الْعُسْرَةِ قَالَ: مَنْ يُنْفِقُ الْيَوْمَ نَفَقَةً مُتَقَبَّلَةً؟ فَجَهَّزْتُ نِصْفَ الْجَيْشِ مِنْ مَالِي؟ قَالَ: فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ. قَالَ: وَأَنْشُدُ بِاللَّهِ مَنْ شَهِدَ بِئْرَ رُومَةَ يُبَاعُ مَاؤُهَا لابْنِ السَّبِيلِ فَابْتَعْتُهَا مِنْ مَالِي وَأَبَحْتُهَا ابْنَ السَّبِيلِ؟ فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ: جَاءَ عُثْمَانُ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي ثَوْبِهِ حِينَ جَهَّزَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَصَبَّهَا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ يُقَلِّبُهَا وَيَقُولُ مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ هَذَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَبَّابٍ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حدث عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلاسِهَا وَأَقْتَابِهَا في سبيل الله. ثم حدثنا عَلَى الْجَيْشِ فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سبيل الله. قال: ثم حث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْجَيْشِ فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: " مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ ". وَرَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ لَوْ كَانَ عِنْدَنَا مَنْ يُحَدِّثُنَا؟ فَقُلْتُ: أَلا أَبْعَثُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ؟ فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدَنَا مَنْ يُحَدِّثُنَا فَقُلْتُ: أَلا أَبْعَثُ إِلَى عُمَرَ؟ فَسَكَتَ ثُمَّ دَعَا وَصِيفًا بَيْنَ يَدَيْهِ فَسَارَّهُ فَذَهَبَ قَالَتْ: فَإِذَا عُثْمَانُ يَسْتَأْذِنُ فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ. فَنَاجَاهُ النَّبِيُّ ﷺ طَوِيلا ثُمَّ قَالَ: يَا عُثْمَانُ إِنَّ اللَّهَ مقمصك بقميص , فإن أراد الْمُنَافِقُونَ عَلَى أَنْ تَخْلَعَهُ فَلا تَخْلَعْهُ لَهُمْ وَلا كَرَامَةَ. يَقُولُهَا لَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. وَقَالَ مُطَرِّفٌ: لَقِيتُ عَلِيًّا فَقَالَ لِي: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا أَبْطَأَ بِكَ عَنَّا؟ أَحُبُّ عُثْمَانَ؟ أَمَا إِنْ قُلْتَ ذَلِكَ لَقَدْ كَانَ أَوْصَلَنَا لِلرَّحِمِ وَأَتْقَانَا لِلرَّبِّ تَعَالَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقِيلُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ وَيَقُومُ وَأَثَرُ الْحَصَى بِجَنْبِهِ فَنَقُولُ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا أَمِيرُ المؤمنين.

стр. 418

قَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ: كَانَ عُثْمَانُ يُطْعِمُ الناس طعام الإِمَارَةِ وَيَدْخُلُ بَيْتَهُ فَيَأْكُلُ الْخَلَّ وَالزَّيْتَ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ قَالَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ حِينَ أَطَافُوا بِهِ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ: إِنْ تَقْتُلُوهُ أَوْ تَتْرُكُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ فِي رَكْعَةٍ يَجْمَعُ فِيهَا الْقُرْآنَ! وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: جَاءَ عَلِيٌّ إِلَى عُثْمَانَ يَوْمَ الدَّارِ وَقَدْ أَغْلَقَ الْبَابَ وَمَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَلَيْهِ سِلاحُهُ فَقَالَ لِلْحَسَنِ: ادْخُلْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَقْرِئْهُ السَّلامَ وَقُلْ لَهُ: إِنَّمَا جِئْتُ لِنُصْرَتِكَ فَمُرْنِي بِأَمْرِكَ. فَدَخَلَ الْحَسَنُ ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لأَبِيهِ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ وَيَقُولُ لَكَ: لا حَاجَةَ لِي فِي قِتَالٍ وَإِهْرَاقِ الدِّمَاءِ. قَالَ: فَنَزَعَ عَلِيٌّ عِمَامَةً سَوْدَاءَ فَرَمَى بِهَا بَيْنَ يَدَيِ الْبَابِ وَجَعَلَ يُنَادِي: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كيد الخائنين﴾ . وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَقُولُ: إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَعُثْمَانُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ [فِيهِمْ] ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صدورهم من غل﴾ . رَأَى الرَّسُولَ فِي مَنَامِهِ لَيْلَةَ قَتْلِهِ وَهُو يَقُولُ: أَفْطِرْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ. فَأَصْبَحَ صَائِمًا , فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ ضَرَبَهُ رَجُلٌ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَ يَدَهُ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لأَوَّلُ كَفٍّ خَطَّتِ الْمُفَصَّلَ. (شَفَتِ الْعِبْرَةُ بِالنُّطْقِ شَفَتْ ... وَأَكُفُّ الزَّجْرِ بِالْوَعْظِ كَفَتْ) (قَدْ رَأَيْنَا فِي الدُّنَا مَنْ عَاهَدَتْ ... وَرَأَيْنَا غَدْرَهَا إِذْ مَا وَفَتْ) (إِنْ صَفَتْ عَادَتْ بِتَكْدِيرِ الَّذِي ... قَدْ صَفَا يَا وَيْحَهَا مَا أَنْصَفَتْ) (حَلَفَتْ أَنْ تَخْلُفَ الْمَاضِي وَمَا ... أَخْلَفَتْ إِلا بِأَنْ قَدْ أَخْلَفَتْ) (وَقَفَتْ لَهْوَ النُّفُوسِ سَاعَةً ... ثُمَّ غَالَتْ وَقَفَتْ فِيمَا قَفَتْ) (مَا عَجِبْنَا مِنْ مَكْرِ مَكْرِهَا ... بَلْ عَجِبْنَا مِنْ نُفُوسٍ عَرَفَتْ)

стр. 419

إِخْوَانِي: قَدْ أَعْذَرَتْ إِلَيْكُمُ الأَيَّامُ بِمَنْ سُلِبَ مِنَ الأَنَامِ , وَأَيْقَظَتِ الْخُطُوبُ مَنْ غَفَلٍ وَنَامَ , وَمَا عَلَى الْمُنْذِرِ قَبْلَ الأَخْذِ مَلامُ , أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا غَدَّارَةٌ , أَمَا بَرْدُ لَذَّتِهَا يَنْقَلِبُ حَرَارَةً , أَمَا رِبْحُهَا عَلَى التَّحْقِيقِ خَسَارَةٌ , أَمَا يَنْقُصُ الدِّينُ كُلَّمَا ازْدَادَتْ عِمَارَةً , لا تَغُرَّنَّكُمْ فَكَمْ قَدْ غَرَّتْ سَيَّارَةً , أَمَا قَتَلَتْ أَحْبَابَهَا وَإِلَيْكَ الإِشَارَةُ , إِذَا قَالَ حَبِيبُهَا: إِنَّهَا لِي وَمَعِي. قَتَلَتْهُ وَقَالَتْ اسْمَعِي يَا جَارَةُ , بَيْنَا نُورُهَا قَدْ لاحَ وَسَنَحَ وَمُحِبُّهَا فِي بَحْرِهَا قَدْ سَبَحَ , يَسْعَى فِي جَمْعِهَا عَلَى أَقْدَامِ الْمَرَحِ , كُلَّمَا جَاءَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا فَتَحَ , وَكُلَّمَا عَانَى أَمْرًا مِنْ أُمُورِهَا صَلَحَ , وَكُلَّمَا لاحَتْ لَهُ رِيَاضُ غِيَاضِهَا مَرَحَ , فَبَيْنَا هُوَ فِي لَذَّاتِهِ يُدِيرُ الْقَدَحَ , قَدَحَ زِنَادُ الْغَمِّ فِي حِرَاقِ الْفَرَحِ , فَمَنْ يَسْتَدْرِكُ مَا فَاتَ وَمَنْ يُدَاوِي مَا جَرَحَ , مَا نَفَعَهُ أَنْ نَزَحَ الْجَفْنُ دَمَعْهُ إِذَا نَزَحَ. لَوْ رَأَيْتَهُ وَقْتَ التَّلَفِ شَاخِصًا , وَفِي سَكَرَاتِ الأَسَفِ غَائِصًا , وَقَدْ عَادَ ظِلُّ الأَمَلِ قَالِصًا , وَلَوْنُ السُّرُورِ حَائِلا نَاقِصًا , وَلاحَ صَائِدُ الْمَنُونِ لِطَرِيدَتِهِ قَانِصًا , يَتَمَنَّى وَقَدْ فَاتَ الْوَقْتُ , وَيَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ بِعَيْنِ الْمَقْتِ , وَيَصِيحُ إِلَى نَصِيحِهِ: قَدْ صَدَقْتَ , أمَّل فَخَانَهُ الأَمَلُ , وَنَدِمَ عَلَى الزاد لما رحل , فلو حمل جبلا مَا حَمَلَ. (تَمَنَّتْ أَحَالِيبَ الرِّعَاءِ وَخَيْمَةً ... بِنَجْدٍ فَلَمْ يُقْدَرْ لَهَا مَا تَمَنَّتْ) (إِذَا ذَكَرَتْ نَجْدًا وَطِيبَ تُرَابِهِ ... وَبَرْدَ حَصَاهُ آخِرَ اللَّيْلِ حَنَّتْ) رُبَّ يَوْمٍ مَعْدُودٍ لَيْسَ فِي الْعَدَدِ , رَحَلَ الإِخْوَانُ وَمَرُّوا عَلَى جَدَدٍ , هَذِهِ دِيَارُهُمْ سلوها ما بقي أحد , مضت والله الخيل بِفُرْسَانِهَا , وَتَهَدَّمَتِ الْحُصُونُ عَلَى سُكَّانِهَا , وَخَلَتْ دِيَارُ الْقَوْمِ مِنْ قُطَّانِهَا فَجُزْ عَلَيْهَا وَاعْتَبِرْ بِشَانِهَا. (يَا خَلِيلَيَّ أَسْعِدَانِي عَلَى الْوَجْدِ ... فَقَدْ يُسْعِدُ الْحَمِيمَ الْحَمِيمُ) (وَقِفَا بِي عَلَى الدِّيَارِ فَعِنْدِي ... مَقْعَدٌ مِنْ سُؤَالِهَا وَمُقِيمُ) تَنَبَّهْ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا الْمَظْلُومُ , تَيَقَّظْ مِنْ رَقَدَاتِكَ فَإِلَى كَمْ نَوْمٌ , حَصِّلْ شَيْئًا تُرْضِي بِهِ الْخُصُومَ , قَتَلَكَ هَمُّ الدُّنْيَا فَبِئْسَ الْهُمُومُ , أَتَلْعَبُ بِالأَبْتَرِ وَلَمْ تَشْرَبْ

стр. 420

دِرْيَاقَ السُّمُومِ , قَدْ بَقِيَ الْقَلِيلُ فَبَادِرْ تَحْصِيلَ الْمَرُومِ , هَذَا هَاجِمُ الْمَوْتِ قَدْ تَهَيَّأَ لِلْهُجُومِ. (يَا فَتِيَّ الْهَمِّ مَعَ كِبَرِهِ ... وَقَلِيلَ الْحَظِّ مِنْ عُمُرِهِ) (كُنْ مَعَ الدُّنْيَا عَلَى حَذَرٍ ... فَأَمَانُ الْمَرْءِ فِي حَذَرِهِ) (وَاتَّخِذْ زَادًا لِمُنْتَظِرٍ شَأْنُهُ ... إِزْعَاجُ مُنْتَظِرِهِ) أَتَجْتَلِي مِنَ الْهَوَى كُلَّ يوم عروسا , وتدير في مجالس الغفلة كؤوسا , وَتَمْلأُ بِالأَمْوَالِ كِيسًا كَبِيسًا , وَتَنْسَى يَوْمًا شَدِيدًا عَبُوسًا , كَمْ تَلْقَى فِيهِ هَوْلا وَكَمْ تَرَى بُوسًا تَخْشَعُ فِيهِ الأَبْصَارُ وَقَدْ كَانَتْ شُوسًا , وَيَنْزَعِجُ لِزَلازِلِهِ إِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى , وَالْخَلائِقُ لِلْفَزَعِ قَدْ نكسوا رؤوسا , وَجَاءُوا عُرَاةً لا يَمْلِكُونَ مَلْبُوسًا , وَصَارَ كُلُّ لِسَانٍ مُنْطَلِقٌ مَحْبُوسًا , يَا مَنْ تَصِيرُ غَدًا فِي التُّرَابِ مَرْمُوسًا , يَا مَنْ لا يَجِدُ فِي لَحْدِهِ غَيْرَ عَمَلِهِ أَنِيسًا , يَا مَنْ سَيَعُودُ عَوْدَهُ بَعْدَ التَّثَنِّي يَبِيسًا , يَا مُؤْثِرًا رَذِيلا وَمُضَيِّعًا نَفِيسًا , مَنْ لَكَ إِذَا أَوْقَدَ الْمَوْتُ فِي الدَّارِ وَطِيسًا , وَأَخْلَى رَبْعًا قَدْ كَانَ يَجْمَعُكَ مَأْنُوسًا , فَالْبِدَارَ الْبِدَارَ لَقَدْ رَحَلَ لَكَ عِيسًا , وَتُبْ فَالتَّوْبَةُ تَطْرُدُ الشَّيْطَانَ وَمَا يَلْبَثُ الدَّجَّالُ مَعَ عِيسَى. (أَفِقْ وَابْكِ حَانَتْ كِبْرَةٌ وَمَشِيبُ ... أَمَا لِلتُّقَى وَالْحَقُّ فِيكَ نَصِيبُ) (أَيَا مَنْ لَهُ فِي بَاطِنِ الأَرْضِ مَنْزِلٌ ... أَتَأْنَسُ بِالدُّنْيَا وَأَنْتَ غَرِيبُ) (وَمَا الدَّهْرُ إِلا مَرُّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ... وَمَا الْمَوْتُ إِلا نَازِلٌ وَقَرِيبُ) الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إلى دار السلام﴾ دَارُ السَّلامِ هِيَ الْجَنَّةُ وَفِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ السَّلامَ هُوَ اللَّهُ , وَهِيَ دَارُهُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ

стр. 421

وَالثَّانِي: أَنَّهَا دَارُ السَّلامَةِ الَّتِي لا تَنْقَطِعُ. قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ تَحِيَّةَ أَهْلِهَا فِيهَا السَّلامُ. ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ جَمِيعَ حَالاتِهَا مَقْرُونَةٌ بِالسَّلامِ , فَفِي ابْتِدَاءِ دُخُولِهِمْ: ﴿ادخلوها بسلام﴾ وَحِينَ اسْتِقْرَارِهِمْ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ باب سلام﴾ وكذلك قوله. ﴿إلا قيلا سلاما سلاما﴾ . وَعِنْدَئِذٍ رُؤْيَةُ رَبِّهِمْ : ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يلقونه سلام﴾ . عَزَّتِ الدَّارُ وَجَلَّ الْمَرَامُ , وَنَالَ سَاكِنُهَا فَوْقَ الْمَرَامِ , فَيَا مَشْغُولا عَنْهَا بِأَضْغَاثِ أَحْلامٍ , وَصَلَ كِتَابُ الْمَلِكِ الْعَلامِ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السلام﴾ . دَارُ الإِعْزَازِ وَالإِكْرَامِ , بُنِيَتْ لِقَوْمٍ كِرَامٍ , لا غُرْمَ فِيهَا وَلا غَرَامَ , مَا يَسْكُنُهَا مَنْ يُضَامُ , ثَمَنُهَا يَا مُشْتَرِي بَيْنَ: صَلاةٍ وَصِيَامٍ , نَعِيمُهَا فِي دَوَامِ لَذَّاتِهَا فِي تَمَامٍ , وَالْحُورُ فِي الْقُصُورِ وَالْخِيَامِ , شَهَوَاتُهَا لَمْ تَخْطُرْ عَلَى الأَوْهَامِ , انْتَبِهُوا لِطَلَبِهَا يَا نِيَامُ , قَدْ جَمَعَتْ كُلَّ مُشْتَهًى وَزَادَتْ عَلَى كُلِّ الْغَرَضِ الْمُنْتَهَى , عَجَبًا لِمَنْ غَفَلَ عَنْهَا وَسَهَا , انْهَضْ لَهَا يَا غُلامُ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ . (أَمَا آنَ يَا صَاحِ أَنْ تَسْتَفِيقَا ... وَأَنْ تَأْتِيَنَّ الْحِمَى وَالْعَقِيقَا) (وَقَدْ ضَحِكَ الشَّيْبُ فَاحْزَنْ لَهُ ... وَصَارَ مَسَاؤُكَ فِيهِ شُرُوقَا) (وَرَكْبٌ أَتَاهُمْ وَقَدْ عَرَّسُوا ... عَلَى الْقَاعِ رَاعِي الْمَنَايَا طَرُوقَا) (يدير عليهم كؤوس الْمَنُونِ ... صَبُوحًا عَلَى كَرْهِهَا أَوْ غَبُوقَا) (وَمَا زَالَ فِيهِمْ غُرَابُ الْحِمَامِ ... يُسْمِعُهُمْ لِلْمَنَايَا نَعِيقَا) (وَيَحْجِلُ فِي عَرَصَاتِ الْقُصُورِ ... حَتَّى أَعَادَ الْفُسَيْحَاءَ ضيقا) (ألا فازجر النفس عن غِيِّهَا ... تَجُوزُ إِلَى الصِّرَاطِ الدَّقِيقَا) (وَدُونَ الصِّرَاطِ لَنَا مَوْقِفٌ ... بِهِ يَتَنَاسَى الصَّدِيقُ الصَّدِيقَا) (فَتُبْصِرُ ماشيت كَفًّا يَعَضُّ ... وَعَيْنًا تَسِحُّ وَقَلْبًا خَفُوقَا)

стр. 422

(إِذَا طُبِّقَتْ فَوْقَهُمْ لَمْ تَكُنْ ... لِتَسْمَعَ إِلا الْبُكَا وَالشَّهِيقَا) (شَرَابُهُمُ الْمُهْلُ فِي قَعْرِهَا ... يُقَطِّعُ أَوْصَالَهُمْ وَالْعُرُوقَا) (أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمِ الْقَاصِرَاتُ ... تَخَالُ مَبَاسِمَهُنَّ الْبُرُوقَا) (قُصِرْنَ عَلَى حُبِّ أَزْوَاجِهِنَّ ... مُشْتَاقَةٌ تَتَلَقَّى مَشُوقَا) (وَيَرْفُلْنَ فِي سُرُقَاتِ الْحَرِيرِ ... فَتُبْصِرُ عَيْنَاكَ أَمْرًا أَنِيقَا) (وَأَكْوَابُهُمْ ذَهَبٌ أَحْمَرُ ... يُطَافُ بِهَا مُتْرَعَاتٌ رَحِيقَا) (إِذَا جَرَتِ الرِّيحُ فَوْقَ الْكَثِيبِ ... أَثَارَتْ عَلَى الْقَوْمِ مِسْكًا سَحِيقَا) (وَيَوْمَ زِيَارَتِهِمْ يَرْكَبُونَ ... إِلَيْهِ مِنَ النُّورِ نُجُبًا وَنُوقَا) (كُلُوا وَاشْرَبُوا فَلَقَدْ طَالَمَا ... أَقَمْتُمْ بِدَارِ الْغُرُورِ الْحُقُوقَا) أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ , أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ , أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابن أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ , حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ , عَنْ سَعْدٍ [عَنْ] أَبِي الْمُدِلَّةِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنَا عَنِ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: " لَبِنَةٌ فِضَّةٌ وَلَبِنَةٌ ذَهَبٌ , وَمِلاطُهَا الْمِسْكُ الأَذْفَرُ , وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ وَتُرَابُهَا الزعفران , من يدخلها ينعم ولا يبأس وَيَخْلُدُ لا يَمُوتُ , لا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلا يَفْنَى شَبَابُهُ ". وَفِي حَديِثٍ آخَرَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: " أَلا مُتَشَمِّرٌ لَهَا؟ هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ رَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ وَنُورٌ يَتَلأْلأُ , وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ , وَزَوْجَةٌ لا تَمُوتُ فِي حُبُورٍ وَنَعِيمٍ مُقَامٍ أبداً ". قوله تعالى: ﴿ويهدي من يشاء﴾ عَمَّ بِالدَّعْوَةِ وَخَصَّ بِالْهِدَايَةِ إِذِ الْحُكْمُ لَهُ فِي خَلْقِهِ. وَفِي الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: كِتَابُ اللَّهِ. رَوَاهُ عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالثَّانِي: الإِسْلامُ. رَوَاهُ النَّوَّاسُ بْنُ سِمْعَانَ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالثَّالِثُ: الْحَقُّ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.

стр. 423

وَالرَّابِعُ: الْمَخْرَجُ مِنَ الضَّلالِ وَالشُّبْهَةِ. قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ أَحْسَنُوا: عَمِلُوا بِمَا أُمِرُوا بِهِ. يَا مَنْ لا يُحْسِنُ أَنْ يُحْسِنَ اسْمَعْ صِفَةَ الْمُحْسِنِ: أَقْلَقَهُمُ الْخَوْفُ وَالْفَرَقُ , أَحْرَقَهُمْ لِذِكْرِ الْمَوْتِ الأَرَقُ , طَعَامُهُمْ مَا حَضَرَ مِنْ حَلالٍ وَاتَّفَقَ , يَا نُورَهُمْ فِي الدُّجَى إِذَا دَجَى الْغَسَقُ , يَا حُسْنَهُمْ وَجُنْدُ الدَّمْعِ مُحَدِّقٌ بِسُورِ الْحِدَقِ , انْقَطَعَ سِلْكُ الْمَدَامِعِ فَسَالَتْ عَلَى نَسَقٍ , وَكَتَبَتْ عَلَى صحائف الخلود الْعُذْرَ لا فِي وَرَقٍ , فَإِنْ كَانَ الْمِدَادُ سَوَادًا فَذَا الْمِدَادُ يَقَقٌ , يَا لَذَّةَ تَضَرُّعِهِمْ وَيَا طِيبَ الْمَلَقِ , أَذَابَ الْخَوْفُ أَجْسَامَهُمْ فَمَا أَبْقَى إِلا الرَّمَقَ , رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَتَاعُ الْغَافِلِ مَا نَفَقَ. (وَمَا كُلُّ مَنْ أَوْمَى إِلَى الْعِزِّ نَالَهُ ... وَدُونَ الْعُلَى ضَرْبٌ يُدْمِي النَّوَاصِيَا) جَرَتْ دُمُوعُ حُزْنِهِمْ فِي سَوَاقِي أَسَفِهِمْ , إِلَى رِيَاضِ صَفَائِهِمْ فَأَوْرَقَتْ أَشْجَارُ وِصَالِهِمْ , وَدُمُوعُهُمْ تَجْرِي كَالدِّيمِ كُلَّمَا ذَكَرُوا زَلَّةَ قِدَمٍ , يَرْعَوْنَ الْعَهْدَ وَالذِّمَمَ , يَحْذَرُونَ نَارًا تُعِيدُ الْجِسْمَ كَالْحُمَمِ , يَخَافُونَ حَرَّهَا وَمَنْ لَهُ بِتَحِلَّةِ الْقَسَمِ , اللَّيْلُ قَدْ سَجَى وَالدَّمْعُ قَدْ سَجَمَ , يُرَاوِحُونَ بَيْنَ الْجَبْهَةِ وَالْقَدَمِ , كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ عِنْدَ النَّقْدِ تَبِينُ الْقِيَمُ , تَاللَّهِ مَا جُعِلَ مَنْ نَامَ مِثْلَ مَنْ لَمْ يَنَمْ , جَاعُوا مِنْ طَعَامِ الْهَوَى وآذاك التخم , يا قبيح العزائم يا سيىء الْهِمَمِ , يَا مَرْذُولَ الصِّفَاتِ يَا رَدِيءَ الشِّيَمِ , كَأَنَّكَ بِكَ تَتَمَنَّى إِذَا حُشِرْتَ الْعَدَمَ , نُثِرَتْ عَطَايَا الأَسْحَارِ فَبَسَطَ الْقَوْمُ حُجُورَ الآمَالِ كَاتَبُوا بِالدُّمُوعِ فَجَاءَهُمْ أَلْطَفُ جَوَابٍ , اجْتَمَعَتْ أَحْزَانُ السِّرِّ عَلَى الْقَلْبِ فَأُوقِدَ حَوْلَهُ الأَسَفُ , وَكَانَ الدَّمْعُ صَاحِبَ الْخَبَرِ فَنَمَّ. كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ كَثِيرَ الْبُكَاءِ , فَمَا زَالَ يَبْكِي حَتَّى بَكَى الدَّمَ. تَغْرِيبُ لَوْنِ المداد يعجب القارىء! (هذا كتابي إليكم فيه معذرتي ... ينيبكم الْيَوْمَ عَنْ سُقْمِي وَعَنْ أَلَمِي)

стр. 424

(أَجْلَلْتُ ذِكْرَكُمْ عَنْ أَنْ يُدَّنِسَهُ ... لَوْنُ الْمِدَادِ فَقَدْ سَطَّرْتُهُ بِدَمِي) (وَلَوْ قَدَرْتُ عَلَى جَفْنِي لأجعله ... طرسي وأبري عظامي موضع القلب) (لَكَانَ هَذَا قَلِيلا فِي مَحَبَّتِكُمْ ... وَمَا وَجَدْتُ لَهُ وَاللَّهِ مِنْ أَلَمِ) تَاللَّهِ مَا نَالَ الْكَرَامَةَ إِلا مَنْ قَالَ لِلْكَرَى: مَهْ. إِنْ أَرَدْتَ لِحَاقَهُمْ فَطَلِّقِ الْهَوَى طَلاقَ الْبَتَاتِ , اخْلُ بِنَفْسِكَ فِي بَيْتِ الْفِكْرِ وَخَاطِبْهَا بِلِسَانِ النُّصْحِ , وَاعْزُمْ عَلَى الْوِفَاقِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ , قِفْ عَلَى بَابِ الصَّبْرِ سَاعَةً وَقَدْ رَكِبَ عَلَى قفل العسر مفتاح النجاح. فأما الحسنى فهي الجنة. وَالزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى اللَّهِ . أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَرِيرِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو طَالِبٍ الْعُشَارِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ سَمْعُونٍ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ , حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ بَحْرٍ , حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ , حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عن ثابت , عن عبد الرحمن بن أبي ليلى , عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَي مُنَادٍ: " يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ. فَيَقُولُونَ: مَا هُو؟ أَلَمْ يُثْقِلْ مَوَازِينَنَا وَيُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَيُجِرْنَا مِنَ النَّارِ! فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ فَمَا شَيْءٌ أُعْطَوْهُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ. وَهِيَ الزِّيَادَةُ. انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ] لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ [هَذَا] الْقَمَرَ لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ. أَخْبَرَنَا الْكَرُوخِيُّ , أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الأَزْدِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْغُورَجِيُّ , قَالا: أَخْبَرَنَا الْجَرَّاحِيُّ , حَدَّثَنَا الْمَحْبُوبِيُّ , حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ , حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ , أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ , أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , عَنْ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ

стр. 425

يَسَارٍ , عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا لَنَا لا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: إِنِّي لأُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ: قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا ". (لِي إِلَى وَجْهِكَ شَوْقٌ ... وَإِلَى قُرْبِكَ فَاقَهْ) (لَيْسَ لِي وَاللَّهِ يَا سُؤْلِي ... بِهِجْرَانِكَ طَاقَهْ) (لا وَلا حَدَّثْتُ عَنْ ... حُبِّكَ قَلْبِي بِإِفَاقَهْ) سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ سُبْحَانَ مَنِ اخْتَارَ أَقْوَامًا لِلإِفَادَةِ , فَصَارَتْ نُهْمَتُهُمْ فِي تَحْصِيلِ اسْتِفَادَةٍ , وَمَا زَالَتْ بِهِمُ الرِّيَاضَةُ حَتَّى تَرَكُوا الْعَادَةَ , شَغَلَتْهُمْ مَخَاوِفُهُمْ عَنْ كُلِّ عَادَةٍ , وَأَنَالَهُمُ الْمَقَامَ الأَسْنَى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ . كُلُّ مِنْهُمْ قَدْ هَجَرَ مُرَادَهُ , وَشَمَّرَ لِتَصْحِيحِ الإِرَادَةِ , عَلَتْ هِمَمُهُمْ فَطَلَبُوا الزِّيَادَةَ , وَعَامَلُوا مَحْبُوبَهُمْ يَرْجُونَ وِدَادَهُ , وَرَفَعُوا مَكْتُوبَ الْحُزْنِ وَجَعَلُوا الدَّمْعَ مداده ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ . رَفَضُوا الدُّنْيَا شُغُلا بِالدِّينِ , وَسَلَكُوا مِنْهَاجَ الْمُهْتَدِينَ , وَسَابَقُوا سِبَاقَ الْعَابِدِينَ , فَصَارُوا أَئِمَّةً لِلْمُرِيدِينَ وَقَادَةً ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ . هَجَرُوا فِي مَحَبَّتِهِ كُلَّ غَرَضٍ , وَأَقْبَلُوا عَلَى أَدَاءِ الْمُفْتَرَضِ , وَالْتَفَتُوا إِلَى الْجَوْهَرِ مُعْرِضِينَ عَنِ الْعَرَضِ , فَأَنْحَلَهُمُ الْخَوْفُ فَصَارُوا كَالْحَرَضِ , يَا لَهُ مِنْ مَرَضٍ لا يَقْبَلُ عِيَادَةً ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحسنى وزيادة﴾ .
следующие страницы →