← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 26351

التبصرة لابن الجوزي

ابن الجوزي

Полный текст (793 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وَالثَّانِي: أَنَّهَا دَارُ السَّلامَةِ الَّتِي لا تَنْقَطِعُ. قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ تَحِيَّةَ أَهْلِهَا فِيهَا السَّلامُ. ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ جَمِيعَ حَالاتِهَا مَقْرُونَةٌ بِالسَّلامِ , فَفِي ابْتِدَاءِ دُخُولِهِمْ: ﴿ادخلوها بسلام﴾ وَحِينَ اسْتِقْرَارِهِمْ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ باب سلام﴾ وكذلك قوله. ﴿إلا قيلا سلاما سلاما﴾ . وَعِنْدَئِذٍ رُؤْيَةُ رَبِّهِمْ : ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يلقونه سلام﴾ . عَزَّتِ الدَّارُ وَجَلَّ الْمَرَامُ , وَنَالَ سَاكِنُهَا فَوْقَ الْمَرَامِ , فَيَا مَشْغُولا عَنْهَا بِأَضْغَاثِ أَحْلامٍ , وَصَلَ كِتَابُ الْمَلِكِ الْعَلامِ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السلام﴾ . دَارُ الإِعْزَازِ وَالإِكْرَامِ , بُنِيَتْ لِقَوْمٍ كِرَامٍ , لا غُرْمَ فِيهَا وَلا غَرَامَ , مَا يَسْكُنُهَا مَنْ يُضَامُ , ثَمَنُهَا يَا مُشْتَرِي بَيْنَ: صَلاةٍ وَصِيَامٍ , نَعِيمُهَا فِي دَوَامِ لَذَّاتِهَا فِي تَمَامٍ , وَالْحُورُ فِي الْقُصُورِ وَالْخِيَامِ , شَهَوَاتُهَا لَمْ تَخْطُرْ عَلَى الأَوْهَامِ , انْتَبِهُوا لِطَلَبِهَا يَا نِيَامُ , قَدْ جَمَعَتْ كُلَّ مُشْتَهًى وَزَادَتْ عَلَى كُلِّ الْغَرَضِ الْمُنْتَهَى , عَجَبًا لِمَنْ غَفَلَ عَنْهَا وَسَهَا , انْهَضْ لَهَا يَا غُلامُ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ . (أَمَا آنَ يَا صَاحِ أَنْ تَسْتَفِيقَا ... وَأَنْ تَأْتِيَنَّ الْحِمَى وَالْعَقِيقَا) (وَقَدْ ضَحِكَ الشَّيْبُ فَاحْزَنْ لَهُ ... وَصَارَ مَسَاؤُكَ فِيهِ شُرُوقَا) (وَرَكْبٌ أَتَاهُمْ وَقَدْ عَرَّسُوا ... عَلَى الْقَاعِ رَاعِي الْمَنَايَا طَرُوقَا) (يدير عليهم كؤوس الْمَنُونِ ... صَبُوحًا عَلَى كَرْهِهَا أَوْ غَبُوقَا) (وَمَا زَالَ فِيهِمْ غُرَابُ الْحِمَامِ ... يُسْمِعُهُمْ لِلْمَنَايَا نَعِيقَا) (وَيَحْجِلُ فِي عَرَصَاتِ الْقُصُورِ ... حَتَّى أَعَادَ الْفُسَيْحَاءَ ضيقا) (ألا فازجر النفس عن غِيِّهَا ... تَجُوزُ إِلَى الصِّرَاطِ الدَّقِيقَا) (وَدُونَ الصِّرَاطِ لَنَا مَوْقِفٌ ... بِهِ يَتَنَاسَى الصَّدِيقُ الصَّدِيقَا) (فَتُبْصِرُ ماشيت كَفًّا يَعَضُّ ... وَعَيْنًا تَسِحُّ وَقَلْبًا خَفُوقَا)

стр. 422

(إِذَا طُبِّقَتْ فَوْقَهُمْ لَمْ تَكُنْ ... لِتَسْمَعَ إِلا الْبُكَا وَالشَّهِيقَا) (شَرَابُهُمُ الْمُهْلُ فِي قَعْرِهَا ... يُقَطِّعُ أَوْصَالَهُمْ وَالْعُرُوقَا) (أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمِ الْقَاصِرَاتُ ... تَخَالُ مَبَاسِمَهُنَّ الْبُرُوقَا) (قُصِرْنَ عَلَى حُبِّ أَزْوَاجِهِنَّ ... مُشْتَاقَةٌ تَتَلَقَّى مَشُوقَا) (وَيَرْفُلْنَ فِي سُرُقَاتِ الْحَرِيرِ ... فَتُبْصِرُ عَيْنَاكَ أَمْرًا أَنِيقَا) (وَأَكْوَابُهُمْ ذَهَبٌ أَحْمَرُ ... يُطَافُ بِهَا مُتْرَعَاتٌ رَحِيقَا) (إِذَا جَرَتِ الرِّيحُ فَوْقَ الْكَثِيبِ ... أَثَارَتْ عَلَى الْقَوْمِ مِسْكًا سَحِيقَا) (وَيَوْمَ زِيَارَتِهِمْ يَرْكَبُونَ ... إِلَيْهِ مِنَ النُّورِ نُجُبًا وَنُوقَا) (كُلُوا وَاشْرَبُوا فَلَقَدْ طَالَمَا ... أَقَمْتُمْ بِدَارِ الْغُرُورِ الْحُقُوقَا) أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ , أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ , أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابن أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ , حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ , عَنْ سَعْدٍ [عَنْ] أَبِي الْمُدِلَّةِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنَا عَنِ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: " لَبِنَةٌ فِضَّةٌ وَلَبِنَةٌ ذَهَبٌ , وَمِلاطُهَا الْمِسْكُ الأَذْفَرُ , وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ وَتُرَابُهَا الزعفران , من يدخلها ينعم ولا يبأس وَيَخْلُدُ لا يَمُوتُ , لا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلا يَفْنَى شَبَابُهُ ". وَفِي حَديِثٍ آخَرَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: " أَلا مُتَشَمِّرٌ لَهَا؟ هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ رَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ وَنُورٌ يَتَلأْلأُ , وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ , وَزَوْجَةٌ لا تَمُوتُ فِي حُبُورٍ وَنَعِيمٍ مُقَامٍ أبداً ". قوله تعالى: ﴿ويهدي من يشاء﴾ عَمَّ بِالدَّعْوَةِ وَخَصَّ بِالْهِدَايَةِ إِذِ الْحُكْمُ لَهُ فِي خَلْقِهِ. وَفِي الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: كِتَابُ اللَّهِ. رَوَاهُ عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالثَّانِي: الإِسْلامُ. رَوَاهُ النَّوَّاسُ بْنُ سِمْعَانَ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالثَّالِثُ: الْحَقُّ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.

стр. 423

وَالرَّابِعُ: الْمَخْرَجُ مِنَ الضَّلالِ وَالشُّبْهَةِ. قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ أَحْسَنُوا: عَمِلُوا بِمَا أُمِرُوا بِهِ. يَا مَنْ لا يُحْسِنُ أَنْ يُحْسِنَ اسْمَعْ صِفَةَ الْمُحْسِنِ: أَقْلَقَهُمُ الْخَوْفُ وَالْفَرَقُ , أَحْرَقَهُمْ لِذِكْرِ الْمَوْتِ الأَرَقُ , طَعَامُهُمْ مَا حَضَرَ مِنْ حَلالٍ وَاتَّفَقَ , يَا نُورَهُمْ فِي الدُّجَى إِذَا دَجَى الْغَسَقُ , يَا حُسْنَهُمْ وَجُنْدُ الدَّمْعِ مُحَدِّقٌ بِسُورِ الْحِدَقِ , انْقَطَعَ سِلْكُ الْمَدَامِعِ فَسَالَتْ عَلَى نَسَقٍ , وَكَتَبَتْ عَلَى صحائف الخلود الْعُذْرَ لا فِي وَرَقٍ , فَإِنْ كَانَ الْمِدَادُ سَوَادًا فَذَا الْمِدَادُ يَقَقٌ , يَا لَذَّةَ تَضَرُّعِهِمْ وَيَا طِيبَ الْمَلَقِ , أَذَابَ الْخَوْفُ أَجْسَامَهُمْ فَمَا أَبْقَى إِلا الرَّمَقَ , رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَتَاعُ الْغَافِلِ مَا نَفَقَ. (وَمَا كُلُّ مَنْ أَوْمَى إِلَى الْعِزِّ نَالَهُ ... وَدُونَ الْعُلَى ضَرْبٌ يُدْمِي النَّوَاصِيَا) جَرَتْ دُمُوعُ حُزْنِهِمْ فِي سَوَاقِي أَسَفِهِمْ , إِلَى رِيَاضِ صَفَائِهِمْ فَأَوْرَقَتْ أَشْجَارُ وِصَالِهِمْ , وَدُمُوعُهُمْ تَجْرِي كَالدِّيمِ كُلَّمَا ذَكَرُوا زَلَّةَ قِدَمٍ , يَرْعَوْنَ الْعَهْدَ وَالذِّمَمَ , يَحْذَرُونَ نَارًا تُعِيدُ الْجِسْمَ كَالْحُمَمِ , يَخَافُونَ حَرَّهَا وَمَنْ لَهُ بِتَحِلَّةِ الْقَسَمِ , اللَّيْلُ قَدْ سَجَى وَالدَّمْعُ قَدْ سَجَمَ , يُرَاوِحُونَ بَيْنَ الْجَبْهَةِ وَالْقَدَمِ , كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ عِنْدَ النَّقْدِ تَبِينُ الْقِيَمُ , تَاللَّهِ مَا جُعِلَ مَنْ نَامَ مِثْلَ مَنْ لَمْ يَنَمْ , جَاعُوا مِنْ طَعَامِ الْهَوَى وآذاك التخم , يا قبيح العزائم يا سيىء الْهِمَمِ , يَا مَرْذُولَ الصِّفَاتِ يَا رَدِيءَ الشِّيَمِ , كَأَنَّكَ بِكَ تَتَمَنَّى إِذَا حُشِرْتَ الْعَدَمَ , نُثِرَتْ عَطَايَا الأَسْحَارِ فَبَسَطَ الْقَوْمُ حُجُورَ الآمَالِ كَاتَبُوا بِالدُّمُوعِ فَجَاءَهُمْ أَلْطَفُ جَوَابٍ , اجْتَمَعَتْ أَحْزَانُ السِّرِّ عَلَى الْقَلْبِ فَأُوقِدَ حَوْلَهُ الأَسَفُ , وَكَانَ الدَّمْعُ صَاحِبَ الْخَبَرِ فَنَمَّ. كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ كَثِيرَ الْبُكَاءِ , فَمَا زَالَ يَبْكِي حَتَّى بَكَى الدَّمَ. تَغْرِيبُ لَوْنِ المداد يعجب القارىء! (هذا كتابي إليكم فيه معذرتي ... ينيبكم الْيَوْمَ عَنْ سُقْمِي وَعَنْ أَلَمِي)

стр. 424

(أَجْلَلْتُ ذِكْرَكُمْ عَنْ أَنْ يُدَّنِسَهُ ... لَوْنُ الْمِدَادِ فَقَدْ سَطَّرْتُهُ بِدَمِي) (وَلَوْ قَدَرْتُ عَلَى جَفْنِي لأجعله ... طرسي وأبري عظامي موضع القلب) (لَكَانَ هَذَا قَلِيلا فِي مَحَبَّتِكُمْ ... وَمَا وَجَدْتُ لَهُ وَاللَّهِ مِنْ أَلَمِ) تَاللَّهِ مَا نَالَ الْكَرَامَةَ إِلا مَنْ قَالَ لِلْكَرَى: مَهْ. إِنْ أَرَدْتَ لِحَاقَهُمْ فَطَلِّقِ الْهَوَى طَلاقَ الْبَتَاتِ , اخْلُ بِنَفْسِكَ فِي بَيْتِ الْفِكْرِ وَخَاطِبْهَا بِلِسَانِ النُّصْحِ , وَاعْزُمْ عَلَى الْوِفَاقِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ , قِفْ عَلَى بَابِ الصَّبْرِ سَاعَةً وَقَدْ رَكِبَ عَلَى قفل العسر مفتاح النجاح. فأما الحسنى فهي الجنة. وَالزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى اللَّهِ . أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَرِيرِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو طَالِبٍ الْعُشَارِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ سَمْعُونٍ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ , حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ بَحْرٍ , حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ , حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عن ثابت , عن عبد الرحمن بن أبي ليلى , عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَي مُنَادٍ: " يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ. فَيَقُولُونَ: مَا هُو؟ أَلَمْ يُثْقِلْ مَوَازِينَنَا وَيُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَيُجِرْنَا مِنَ النَّارِ! فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ فَمَا شَيْءٌ أُعْطَوْهُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ. وَهِيَ الزِّيَادَةُ. انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ] لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ [هَذَا] الْقَمَرَ لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ. أَخْبَرَنَا الْكَرُوخِيُّ , أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الأَزْدِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْغُورَجِيُّ , قَالا: أَخْبَرَنَا الْجَرَّاحِيُّ , حَدَّثَنَا الْمَحْبُوبِيُّ , حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ , حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ , أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ , أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , عَنْ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ

стр. 425

يَسَارٍ , عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا لَنَا لا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: إِنِّي لأُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ: قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا ". (لِي إِلَى وَجْهِكَ شَوْقٌ ... وَإِلَى قُرْبِكَ فَاقَهْ) (لَيْسَ لِي وَاللَّهِ يَا سُؤْلِي ... بِهِجْرَانِكَ طَاقَهْ) (لا وَلا حَدَّثْتُ عَنْ ... حُبِّكَ قَلْبِي بِإِفَاقَهْ) سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ سُبْحَانَ مَنِ اخْتَارَ أَقْوَامًا لِلإِفَادَةِ , فَصَارَتْ نُهْمَتُهُمْ فِي تَحْصِيلِ اسْتِفَادَةٍ , وَمَا زَالَتْ بِهِمُ الرِّيَاضَةُ حَتَّى تَرَكُوا الْعَادَةَ , شَغَلَتْهُمْ مَخَاوِفُهُمْ عَنْ كُلِّ عَادَةٍ , وَأَنَالَهُمُ الْمَقَامَ الأَسْنَى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ . كُلُّ مِنْهُمْ قَدْ هَجَرَ مُرَادَهُ , وَشَمَّرَ لِتَصْحِيحِ الإِرَادَةِ , عَلَتْ هِمَمُهُمْ فَطَلَبُوا الزِّيَادَةَ , وَعَامَلُوا مَحْبُوبَهُمْ يَرْجُونَ وِدَادَهُ , وَرَفَعُوا مَكْتُوبَ الْحُزْنِ وَجَعَلُوا الدَّمْعَ مداده ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ . رَفَضُوا الدُّنْيَا شُغُلا بِالدِّينِ , وَسَلَكُوا مِنْهَاجَ الْمُهْتَدِينَ , وَسَابَقُوا سِبَاقَ الْعَابِدِينَ , فَصَارُوا أَئِمَّةً لِلْمُرِيدِينَ وَقَادَةً ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ . هَجَرُوا فِي مَحَبَّتِهِ كُلَّ غَرَضٍ , وَأَقْبَلُوا عَلَى أَدَاءِ الْمُفْتَرَضِ , وَالْتَفَتُوا إِلَى الْجَوْهَرِ مُعْرِضِينَ عَنِ الْعَرَضِ , فَأَنْحَلَهُمُ الْخَوْفُ فَصَارُوا كَالْحَرَضِ , يَا لَهُ مِنْ مَرَضٍ لا يَقْبَلُ عِيَادَةً ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحسنى وزيادة﴾ .

стр. 426

لَوْ رَأَيْتَهُمْ وَاللَّيْلُ قَدْ سَجَى , وَقَدْ أَقْبَلُوا إِلَى بَابِ الْمُرْتَجَى , فَلَمْ يَجِدُوا دُونَ ذَلِكَ الْبَابِ مَرْتَجًا , حَلَفُوا فِي ظَلامِ الدُّجَى عَلَى هجر الوسادة ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ . سُبْحَانَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ وَأَفَادَهُمْ , وَأَعْطَاهُمْ مُنَاهُمْ وَزَادَهُمْ , مَا ذَاكَ بِقُوَّتِهِمْ بَلْ هُوَ أَرَادَهُمْ , سَبَقَتْ إِرَادَتَهُمْ تِلْكَ الإِرَادَةُ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ . لَطَفَ بِهِمْ وَهَدَاهُمْ , وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَرَاعَاهُمْ , وَعَطِشُوا مِنْ مِيَاهِ الْهَوَى فَسَقَاهُمْ , وَذَلَّلُوا لَهُ النُّفُوسَ فَرَقَّاهُمْ إِلَى مَقَامِ السَّادَةِ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ . أَجْرَى لَهُمْ أَجْرًا لا يُوَازَى , وَوَهَبَ لَهُمْ فِي مَفَازَةِ الْخَطَرِ مَفَازًا , وَأَنْجَزَ مَوْعِدَهُمْ يَوْمَ اللِّقَاءِ إِنْجَازًا , وَجَازَى عِبَادَهُ عَلَى سَابِقِ الْعِبَادَةِ ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ .

стр. 427

المجلس الحادي والثلاثون فِي فَضْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَصْبَحَتْ لَهُ الْوُجُوهُ ذَلِيلَةً عَانِيَةً , وَحَذِرَتْهُ النُّفُوسُ مُجِدَّةً وَمُتَوَانِيَةً , وَعَظَ فَذَمَّ الدُّنْيَا الْحَقِيرَةَ الْفَانِيَةَ , وَشَوَّقَ إِلَى جَنَّةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ , وَخَوَّفَ عُطَّاشَ الْهَوَى أَنْ يُسْقُوا مِنْ عَيْنِ آنِيَةٍ , أَحْمَدُهُ عَلَى تَقْوِيمِ شأنيه , وأستعينه من شر شانىء وَشَانِيَةٍ. وَأُحَصِّلُ بِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ إِيمَانِيَهْ , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلاةً مُمَهَّدَةً لِعِزَّةٍ بَانِيَةٍ , وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ السَّابِقِ فِي الْوِفَاقِ وَالاتِّفَاقِ وَفِي الدَّارِ وَالْغُرْبَةِ فِي الْغَارِ , أَرْبَعٌ لِلْفَخْرِ بَانِيَةٌ , وَلَهُ فَضِيلَةُ التَّخَلُّلِ وَالتَّقَلُّلِ وَالرَّأْفَةِ وَالْخِلافَةِ , صَارَتْ ثَمَانِيَةً , وَعَلَى عُمَرَ مُقِيمِ السِّيَاسَةِ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ جَانِيَةٍ , وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي اخْتَارَهُ الرَّسُولُ بَعْدَ ابْنَتِهِ لِلثَّانِيَةِ , وَعَلَى عَلِيٍّ الْمُنَزَّلِ فِيهِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سرا وعلانية﴾ وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الْمُسْتَسْقَى بِشَيْبَتِهِ فَإِذَا أَسْبَابُ الْغَيْثِ وَالْغَوْثِ دَانِيَةٌ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْكَاتِبُ , أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ مَالِكٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا شُعْبَةُ , عَنِ الْحَكَمِ , عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ , قَالَ: خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ قَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ أَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي؟! ". قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ , حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ ,

стр. 428

عن سهل بن سعد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: " لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا , فَقَالَ: أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقِيلَ: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ. قَالَ فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ. فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ , فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: " انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ , ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ , فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ". قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُضَيْرٍ , حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ , عن عدي بن ثابت , عن زر ابن حُبَيْشٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَّا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ لا يَبْغَضُنِي إِلا مُنَافِقٌ وَلا يُحِبُّنِي إِلا مُؤْمِنٌ. انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِ هَذَا الْحَدِيثِ وَاتَّفَقَا عَلَى الْحَدِيثَيْنِ قَبْلَهُ. اعْلَمْ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ لا يُزاحَمُ فِي قُرْبِ نَسَبِهِ وَقَدْ أَقَرَّ الْكُلُّ بِعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ. وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ فَتَبِعَهُ , وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ يَكْشِفُ الْكُرُوبَ عَنْ وَجْهِهِ. وَصَعِدَ عَلَى مَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَمَى صَنَمًا. أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ , أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ , أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ , حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَكِيمٍ , عَنْ أَبِي مَرْيَمَ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَتَيْنَا الْكَعْبَةَ فَقَالَ لِي: اجْلِسْ. وَصَعِدَ عَلَى مَنْكِبِي فَذَهَبْتُ لأَنْهَضَ فَلَمْ أَقْدِرْ , فَرَأَى مِنِّي ضَعْفًا فَنَزَلَ وَجَلَسَ إِلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وقَالَ: اصْعَدْ عَلَى مَنْكِبِي. فَصَعِدْتُ عَلَى مَنْكِبِهِ. قَالَ: فَنَهَضَ بِي قَالَ: فَإِنَّهُ يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنِّي لَوْ شِئْتُ لَنِلْتُ أُفُقَ السَّمَاءِ , حَتَّى صَعِدْتُ عَلَى الْبَيْتِ وَعَلَيْهِ تِمْثَالُ صُفْرٍ أَوْ نُحَاسٍ , فَجَعَلْتُ أُزَاوِلُهُ عَنْ يَمِينِهِ

стр. 429

وَشِمَالِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ , حَتَّى إِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْذِفْ بِهِ. فَقَذَفْتُ بِهِ فَكُسِرَ كَمَا تَنْكَسِرُ الْقَوَارِيرُ ثُمَّ نَزَلْتُ , فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَسْتَبِقُ حَتَّى تَوَارَيْنَا بِالْبُيُوتِ خَشْيَةَ أَنْ يَلْقَانَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. وَكَانَ الْخَلْقُ يَحْتَاجُونَ إِلَى عِلْمِ عَلِيٍّ حَتَّى قَالَ عُمَرُ ﵁ آهٍ مِنْ مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو حَسَنٍ. فَلَمَّا وَلِيَ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا مَا زَانَتْهُ الْخِلافَةُ وَلَكِنْ هُوَ زانها. (مازانه الْمُلْكُ إِذْ حَوَاهُ ... بَلْ كُلُّ شَيْءٍ بِهِ يُزَانُ) (جَرَى فَفَاتَ الْمُلُوكَ سَبْقًا ... فَلَيْسَ قُدَّامَهُ عِنَانُ) (نَالَتْ يَدَاهُ ذُرَى مَعَالٍ ... يَعْجِزُ عَنْ مِثْلِهَا الْعِيَانُ) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ , أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ , أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ جَاءَهُ ابْنُ النَّبَّاحِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ امْتَلأَ بَيْتُ الْمَالِ مِنْ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ: فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى ابْنِ النَّبَّاحِ حَتَّى قَامَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَقَالَ: (هَذَا جَنَايَ وَخِيَارُهُ فِيهِ ... وَكُلُّ جَانٍ يَدُهُ إِلَى فِيهِ) فَأَعْطَى جَمِيعَ مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَقُولُ: يَا صَفْرَاءُ يَا بَيْضَاءُ غُرِّي غَيْرِي. حَتَّى مَا بَقِيَ فِيهِ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ ثُمَّ أَمَرَ بِنَضْحِهِ وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي , أَنْبَأَنَا الْجَوْهِرَيُّ , أَنْبَأَنَا ابْنُ حيوية , حدثنا أحمد ابن مَعْرُوفٍ , حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ , حَدَّثَنَا الْحُرُّ بْنُ جُرْمُوزٍ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: رَأَيْتُ علياً وعليه

стр. 430

قِطْرِيَّتَانِ إِزَارٌ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ وَرِدَاءٌ مُشَمَّرٌ , وَمَعَهُ دِرَّةٌ لَهُ يَمْشِي بِهَا فِي الأَسْوَاقِ يأمرهم بتقوى الله وحسن البيع ويقول: أوفوا الكيل والميزان. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ الصُّوفِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي صَادِقٍ الْحَبِيرِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَاكَوِيَةَ الشِّيرَازِيُّ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَهْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّاجِيُّ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا , حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو الأسيدِيُّ , عَنِ الْكَلْبِيِّ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لِضِرَارِ بْنِ حمزة: صف لي علياً فقال: أو تعفني. قال: بل تصفه. فقال: أو تعفني. قَالَ: لا أُعْفِيكَ. فَقَالَ: أَمَا أَنْ لا بُدَّ فَإِنَّهُ كَانَ بَعِيدَ الْمَدَى شَدِيدَ الْقُوَى , يَقُولُ فَصْلا وَيَحْكُمُ عَدْلا , يَتَفَجَّرُ الْعِلْمُ مِنْ جَوَانِبِهِ وَتَنْطِقُ الْحِكْمَةُ مِنْ نَوَاحِيهِ , يَسْتَوْحِشُ مِنَ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا , وَيَسْتَأْنِسُ بِاللَّيْلِ وَظُلْمَتِهِ , كَانَ وَاللَّهِ غَزِيرَ الدَّمْعَةِ طَوِيلَ الْفِكْرَةِ , يَقْلِبُ كَفَّهُ وَيُخَاطِبُ نَفْسَهُ , يُعْجِبُهُ مِنَ اللِّبَاسِ مَا خَشُنَ وَمِنَ الطَّعَامِ مَا جَشَبَ , كَانَ وَاللَّهِ كَأَحَدِنَا يُجِيبُنَا إِذَا سَأَلْنَاهُ وَيَبْتَدِئُنَا إِذَا أَتَيْنَاهُ , وَيَأْتِينَا إِذَا دَعَوْنَاهُ , وَنَحْنُ وَاللَّهِ مَعَ تَقْرِيبِهِ لَنَا وَقُرْبِهِ مِنَّا لا نُكَلِّمُهُ هَيْبَةً [لَهُ] وَلا نَبْتَدِيهِ تَعْظِمَةً , فَإِنْ تَبَسَّمَ فَعَنْ مِثْلِ اللُّؤْلُؤِ الْمَنْظُومِ , يُعَظِّمُ أَهْلَ الدِّينِ وَيُحِبُّ الْمَسَاكِينَ , لا يَطْمَعُ القوي في باطله ولا ييأس الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِهِ , فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ لَرَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ وَقَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سُجُوفَهُ وَغَارَتْ نُجُومُهُ , وَقَدْ مَثُلَ فِي مِحْرَابِهِ قَابِضًا عَلَى لِحْيَتِهِ يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ وَيَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ وَكَأَنِّي أَسْمَعُهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا أَبِي تَعَرَضْتِ أَمْ بِي تَشَوَّفْتِ؟ هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي , قَدْ بَتَتْكِ ثَلاثًا لا رَجْعَةَ لِي فِيكِ , فَعُمْرُكِ قَصِيرٌ وَعَيْشُكِ حَقِيرٌ وَخَطَرُكِ كَبِيرٌ , آهٍ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَبُعْدِ السَّفَرِ وَوَحْشَةِ الطَّرِيقِ. قَالَ: فَذَرَفَتْ دُمُوعُ مُعَاوِيَةَ فَمَا يَمْلِكُهَا وَهُوَ يُنَشِّفُهَا بِكُمِّهِ , وَقَدِ اخْتَنَقَ الْقَوْمُ بِالْبُكَاءِ , ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا الْحَسَنِ! كَانَ وَاللَّهِ كَذَلِكَ , فَكَيْفَ حُزْنُكَ عَلَيْهَ يَا ضِرَارُ؟ قَالَ: حُزْنُ مَنْ ذُبِحَ وَلَدُهَا فِي حِجْرِهَا فَلا تَرْقَأُ عَبْرَتُهَا وَلا يَسْكُنُ حزنها.

стр. 431

الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ (أَهْوَى عَلِيًّا وَإِيمَانٌ مُحَبَّتُهُ ... كَمْ مُشْرِكٍ دَمُهُ مِنْ سَيْفِهِ وَكَفَا) (إِنْ كُنْتَ وَيْحَكَ لَمْ تَسْمَعْ مَنَاقِبَهُ ... فَاسْمَعْ مَنَاقِبَهُ من " هل أتى " وكفى) كان ﵇ خَلِيقًا بِالسِّيَادَةِ , إِنْ نَظَرْتَ فِي عِلْمِهِ فَقَدِ احْتَاجَ إِلَيْهِ السَّادَةُ , وَإِنْ نَظَرْتَ فِي زُهْدِهِ فَلا فِرَاشٌ وَلا وِسَادَةٌ. (وَحَنَّ إِلَيْهِ الْمُلْكُ عِنْدَ وِلادِهِ ... وَصَافَحَ كَفَّاهُ النَّدَى وَهُوَ فِي الْمَهْدِ) (وَأَحْكَمَهُ التَّجْرِيبُ كَهْلا وَيَافِعًا ... يَنْقُلُهُ مِنْ شَأْوِ مَجْدٍ إِلَى مَجْدِ) (تَنَقَّلَ مِنْهُ رُتْبَةً بَعْدَ رُتْبَةٍ ... كَمَا ازْدَادَ طُولُ الرُّمْحِ عَقْدا عَلَى عَقْدِ) (وَلَمْ يَرَ إِلا الْكَدَّ رَاحَةَ نَفْسِهِ ... وَنَيْلُ الْمُنَى يُنْسِي الْفَتَى تَعَبَ الْكَدِّ) (إِذَا لاحَظَ الْغَايَاتِ عَادَتْ فَرِيسَةً ... مُقَيَّدَةً مِنْ نَاظِرِ الأَسَدِ الْوَرْدِ) كَانَ يُشْبِهُ الْقَمَرَ الزَّاهِرَ وَالْبَحْرَ الزَّاخِرَ وَالأَسَدَ الْحَادِرَ وَالرَّبِيعَ الْبَاكِرَ , أَشْبَهَ مِنَ الْقَمَرِ ضَوْءَهُ وَبَهَاءَهُ , وَمِنَ الْغُرَابِ حَذَرَهُ وَمِنَ الدِّيكِ سَخَاءَهُ , وَمِنَ الأَسَدِ شَجَاعَتَهُ وَمَضَاءَهُ , وَمِنَ الرَّبِيعِ خِصْبَهُ وَمَاءَهُ. (لالاؤُهُ وَمَضَاؤُهُ ... وَغِنَاؤُهُ فِي كُلِّ مَشْهَدْ) (فَمَتَى رَأَى زَلَلا أَقَالَ ... وَإِنْ رَأَى خَلَلا تَغَمَّدْ) (وَيَخَافُهُ الْقَوْمُ الْبَرَاءُ ... وَلا أَخَافَ وَلا تَهَدَّدْ) (لَكِنَّهُ لَبِسَ الْمَهَابَةَ ... فَالْفَرَائِصُ مِنْهُ تَرْعَدْ) (وَإِذَا ارْتَأَى فَكَمَنْ رَأَى ... وَإِذَا سَهَا فَكَمَنْ تَفَقَّدْ) (وَإِذَا تَأَمَّلْ أَمْرَهُ ... فَهُوَ الشِّهَابُ إِذَا تَوَقَّدْ) (هَذَا لَعَمْرُكَ سُؤْدَدٌ ... لَكِنَّهُ أيضاًَ مُؤَكَّدْ) كَانَ يُظَنُّ فِي الْكَرَمِ بَحْرًا وَيُحْسَبُ لَفْظُهُ لِلْحُسْنِ سِحْرًا إِذَا أَنْشَأَ فَصْلا رَأَيْتَهُ يَقُولُ فَصْلا , وَإِذَا أَصَلَّ أَصْلَى , لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِثْلُهُ أَصْلا , كَانَ يَقُولُ فِي صِفَةِ نَفْسِهِ:

стр. 432

(إِذَا الْمُشْكِلاتُ تَصَدَّيْنَ لِي ... كَشَفْتُ حَقَائِقَهَا بِالنَّظَرْ) (وَإِنْ رَقِيَتْ فِي مَحَلِّ الصَّوَابِ ... عَمْيَاءُ لا يجليها الْبَصَرْ) (مُقَنَّعَةٌ بِغُيُوبِ الأُمُورِ ... وَضَعْتُ عَلَيْهَا صَحِيحَ الْفِكَرْ) (لِسَانٌ كَشِقْشِقَةِ الأَرْحَبِيِّ ... أَوْ كَلِسَانِ الْحُسَامِ الذَّكَرْ) بَادَرَ الْفَضَائِلَ فَكَانَ فِي الأَوَائِلِ , وَخَاضَ بحر الشجاعة فلم يرض بساحل , وحاز لعلوم فَحَارَ لِجَوَابِهِ السَّائِلُ , وَلازَمَ السَّهَرَ لِيَسْمَعَ: ﴿هَلْ مِنْ سَائِلٍ﴾ وَزَهِدَ فِي الدُّنْيَا لأَنَّهَا أَيَّامٌ قلائل. (القائد الخيل ترغيها شَكَائِعَهَا ... وَالْمُطْعِمُ الْبُزْلَ بِالدَّيْمُومَةِ الْقَاعِ) (مَا بَاتَ إلا على هم ولا اغتمضت ... عَيْنَاهُ إِلا عَلَى عَزْمٍ وَإِزْمَاعِ) (خَطِيبُ مَجْمَعَةٍ تَغْلِي شَقَاشِقُهُ ... إِذَا رَمَوْهَ بِأَبْصَارٍ وَأَسْمَاعِ) (يُذَوِّقُ بِالْعَيْنِ طَعْمَ النَّوْمِ مَضْمَضَةً ... إِذَا الْجَبَانُ مَلا عَيْنًا بِتِهْجَاعِ) سُبْحَانَ مَنْ جُمِعَ لَهُ الْمَنَاقِبُ والفضائل , بَحْرٌ مِنَ الْبَرَاعَةِ وَنَجْمٌ مِنَ الشَّجَاعَةِ ثَاقِبٌ (مجلى الكروب وليث الحروب ... في الرهج الأسطع الأَصْهَبِ) (وَبَحْرُ الْعُلُومِ وَغَيْظُ الْخُصُومِ ... مَتَى يَصْطَرِعُ وَهُمُ يَغْلَبِ) (يُقَلِّبُ فِي فَمِّهِ مِقْوَلا ... كَشِقْشِقَةِ الْجَمَلِ الْمُصْعَبِ) (وَكَانَ أَخًا لِنَبِيِّ الْهُدَى ... وَخُصَّ بِذَاكَ فَلا يَكْذِبِ) (وَفِي لَيْلَةِ الْغَارِ وَافَى النَّبِيَّ ... عِشَاءً إِلَى الْفَلَقِ الأَشْهَبِ) (وَبَاتَ دُوَيْنَهُ فِي الْفِرَاشِ ... مُوَطِّنَ نَفْسٍ عَلَى الأَصْعَبِ) (وَعَمْرُو بْنُ وُدٍّ وَأَحْزَابُهُ ... سَقَاهُمْ حِسَا الْمَوْتِ فِي يَثْرِبِ) (وَسَلْ عَنْهُ خَيْبَرَ ذَاتَ الْحُصُونِ ... تُخَبِّرْكَ عَنْهُ وَعَنْ مَرْحَبِ) (وَسِبْطَاهُ جَدُّهُمَا أَحْمَدُ ... فَبِخٍ فبخ بِجَدِّهِمَا وَالأَبِ) كَانَ بَعِيرُ خَوْفِهِ إِذَا جَنَّ اللَّيْلُ أَطَّ , وَمُوسَى وِلايَتِهِ إِذَا رَأَى خَرَاجَ ظُلْمٍ بَطَّ , يَرْمِي إِلَى جَوْفِهِ لُقَمَ الشَّعِيرِ لا الدَّجَاجَ وَلا الْبَطَّ , تَزَيَّنَتِ الدُّنْيَا لِبَاسَهَا

стр. 433

فَمَزَّقَ لِبَاسَهَا وَعَطَّ , كَانَ إِذَا عَلا كَرْبُ الْكَرْبِ عَلا عَلَيْهِ وَحَطَّ , مَا بُرِيَ قَلَمُ رَأْسٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الْكُفْرِ قَطُّ إِلا قَطَّ , رَقَمَ الْجِهَادَ فِي وَجْهِهِ الْكَرِيمِ ضَرَبَهُ فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ وَخَطَّ , فَيَا حُسْنَهُ مِنْ مَكْتُوبٍ وَيَا شَرَفَهُ مِنْ خَطٍّ , كَانَ يَفْتَخِرُ بِأُخُوَّةِ الرَّسُولِ وَيَحِقُّ لَهُ مَا اشْتَطَّ. (كَرِيمُ النِّجَارِ عفيف الإزار ... حوى المكرمات وشادا الْفِخَارَا) (أَعَادَ وَأَبْدَى وَلِلْفَضْلِ أَسْدَى ... وَلِلْقَرْنِ أَرْدَى وَلِلرِّيحِ بَارَى) (كَرِيمُ الصَّنِيعَةِ ضَخْمُ الدَّسِيعَةِ ... سَهْلُ الشَّرِيعَةِ لَمْ يَأْتِ عَارَا) (غِنًى لِلْفَقِيرِ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ... إِذَا الْمُسْتَجِيرُ إِلَيْهِ اسْتَجَارَا) (يَخُوضُ الْغِمَارَ وَيَحْمِي الذِّمَارَ ... وَيَبْنِي الْفِخَارَ وَيَرْعَى الْجِوَارَا) طَالَتْ عليه أيام الحياة وكان يستبطىء الْقَاتِلَ حُبًّا لِلِقَاءِ رَبِّهِ , فَيَقُولُ: مَتَى يُبْعَثُ أَشْقَاهَا , وَجِيءَ إِلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: خُذْ حَذَرَكَ فَإِنَّ النَّاسَ يُرِيدُونَ قَتْلَكَ. فَقَالَ: إِنَّ الأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ. فَلَمَّا خَرَجَ لِصَلاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ قُتِلَ أُلْهِمَ أَنْ تَرَنَّمَ: (اشْدُدْ حَيَازِيمَكَ لِلْمَوْتِ ... فَإِنَّ الْمَوْتَ لاقِيكَ) (وَلا تَجْزَعْ مِنَ الْمَوْتِ ... إِذَا حَلَّ بِوَادِيكَ) أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ , أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ , أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا عبد الله ابن أحمد , حدثني أبي , حدثنا وَكِيعٌ , عَنْ شَرِيكٍ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ هُبَيْرَةَ قَالَ خَطَبَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَالَ: لَقَدْ فَارَقَكُمْ رَجُلٌ بِالأَمْسِ لَمْ يَسْبِقْهُ الأَوَّلُونَ بِعِلْمٍ وَلَمْ يُدْرِكْهُ الآخَرُونَ , كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُهُ بِالرَّايَةِ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عَنْ شِمَالِهِ , فَلا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُفْتَحَ لَهُ. الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كافورا﴾ الأَبْرَارُ وَاحِدُهُمْ بَرٌّ وَبَارٌّ. وَهُو الصَّادِقُ الْمُطِيعُ ﴿يشربون من كأس﴾ أي

стр. 434

مِنْ إِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ كَانَ مِزَاجُ الْكَأْسِ كَافُورًا. وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْكَافُورِ بَرْدَهُ وَرِيحَهُ. قَوْلُهُ تعالى: ﴿عينا﴾ قَالَ الأَخْفَشُ: الْمَعْنَى. أَعْنِي عَيْنًا. وقَالَ الزَّجَّاجُ: الأَجْوَدُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مِنْ عَيْنٍ. قَوْلُهُ تعالى: ﴿يشرب بها﴾ أي منها ﴿عباد الله﴾ أي أولياؤه ﴿يفجرونها﴾ قال مُجَاهِدٌ: يَقُودُونَهَا إِلَى حَيْثُ شَاءُوا مِنَ الْجَنَّةِ. قوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾ فِيهِ إِضْمَارٌ [أَيْ] كَانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ إِذَا نَذَرُوا فِي طَاعَةِ اللَّهِ ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شره مستطيرا﴾ أي فاشيا منتشرا فانشقت السماوات وَتَنَاثَرَتِ الْكَوَاكِبُ وَكُوِّرَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَنُسِفَتِ الْجِبَالُ وَغَارَتِ الْمِيَاهُ وَتَكَسَّرَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ جَبَلٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه﴾ رَوَى عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَجَّرَ نَفْسَهُ يَسْقِي نَخْلا بِشَيْءٍ مِنْ شَعِيرٍ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ , فَلَمَّا قَبَضَ الشَّعِيرَ طَحَنُوا ثُلُثَهُ وَأَصْلَحُوا مِنْهُ مَا يَأْكُلُونَهُ فَلَمَّا اسْتَوَى أَتَى مِسْكِينٌ فَأَخْرَجُوهُ إِلَيْهِ , ثُمَّ عَمِلُوا الثُّلُثَ الثَّانِيَ فَلَمَّا تَمَّ أَتَى يَتِيمٌ فَأَطْعَمُوهُ , ثُمَّ عَمِلُوا الْبَاقِيَ , فَلَمَّا تَمَّ أَتَى أَسِيرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَطْعَمُوهُ وَطَوَوْا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَاتُ. قوله تعالى: ﴿على حبه﴾ أَيْ عَلَى حُبِّ الطَّعَامِ. الْمَعْنَى: وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: عَلَى حُبِّ اللَّهِ . ﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَا تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ إِنَّمَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قُلُوبِهِمْ فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ. وَالْيَوْمُ الْعَبُوسُ , الَّذِي تَعْبُسُ فِيهِ الْوُجُوهُ , فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْيَوْمِ. وَالْقَمْطَرِيرُ: الشَّدِيدُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْعَبُوسُ الْقَمْطَرِيرُ وَالْقَمَاطِرُ وَالْعَصِيبُ والعصبصب: أَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنَ الأَيَّامِ وَأَطْوَلُهُ فِي البلاء.

стр. 435

﴿فوقاهم الله شر ذلك اليوم﴾ بطاعته في الدنيا ﴿ولقاهم نضرة﴾ أي حسنا وبياضا في الوجوه ﴿وسرورا﴾ في القلوب ﴿وجزاهم بما صبروا﴾ على طاعته ﴿جنة وحريرا﴾ وَهُوَ لِبَاسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالأَرَائِكُ: السُّرُرُ فِي الحجال. والزمهرير: البرد الشديد ﴿ودانية﴾ وجزاهم دانية ﴿عليهم ظلالها﴾ أَيْ قَرِيبَةٌ مِنْهُمْ ظِلالُ أَشْجَارِهَا ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾ يَتَنَاوَلُونَ مِنْهَا قِيَامًا وَقُعُودًا وَمُضْطَجِعِينَ. وَالأَكْوَابُ: الأَبَارِيقُ التي لا عرى لها ﴿كانت قوارير﴾ أَيْ تِلْكَ الأَكْوَابُ قَوَارِيرُ وَلَكِنَّهَا مِنْ فِضَّةٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ ضَرَبْتَ فِضَّةَ الدُّنْيَا حَتَّى جَعَلْتَهَا مِثْلَ جَنَاحِ الذُّبَابِ لَمْ يُرَ الْمَاءُ مِنْ وَرَائِهَا , وَقَوَارِيرُ الْجَنَّةِ مِنْ فِضَّةٍ في صفاء القارورة. وقال الفراء: هذا على التشبيه , المعنى كأنها من فضة أي لها بياض الفضة وصفاء كصفاء القوارير. وفي قوله تعالى: ﴿قدروها تقديرا﴾ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: قَدَّرُوهَا فِي أَنْفُسِهِمْ فَجَاءَتْ عَلَى مَا قَدَّرُوا. قَالَهُ الْحَسَنُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: جَعَلَ الإِنَاءَ عَلَى قَدْرِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. وَالثَّانِي: قَدَّرَهَا السُّقَاةُ وَالْخَدَمُ عَلَى قَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ السَّادَةُ , فَلا يَزِيدُ عَلَى رِيِّهِمْ فَيُثْقِلُ الْكَفَّ وَلا يُنْقِصُ مِنْهُ فَيَطْلُبُ الزِّيَادَةَ ﴿وَيُسْقَوْنَ فيها﴾ أَيْ فِي الْجَنَّةِ ﴿كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا﴾ وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي الدُّنْيَا , وَهُوَ عُرُوقٌ تَسْرِي فِي الأَرْضِ يُؤْكَلُ رَطْبًا , وَالْعَرَبُ تَضْرِبُ الْمَثَلَ بِالزَّنْجَبِيلِ وَالْخَمْرِ مَمْزُوجَيْنِ. (وَكَأَنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ بِهِ ... إِذْ ذُقْتَهُ وَسُلافَةَ الْخَمْرِ) فَشَرَابُ الْجَنَّةِ عَلَى بَرْدِ الْكَافُورِ وَطَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ وَرِيحِ الْمِسْكِ. ﴿عَيْنًا فيها﴾ أَيْ يُسْقَوْنَ عَيْنًا. وَسَلْسَبِيلُ: اسْمُ الْعَيْنِ وَهُوَ صِفَةٌ لِمَاءٍ كَانَ

стр. 436

عَلَى غَايَةِ السَّلامَةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: سَلْسَبِيلا: حَدِيدَةُ الْجِرِّيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: السَّلْسَبِيلُ: صِفَةٌ لِلْمَاءِ لِسَلِسِهِ وَسُهُولَةِ مَدْخَلِهِ فِي الْحَلْقِ , يُقَالُ شَرَابٌ سَلْسَلٌ وَسَلْسَالٌ وَسَلْسَبِيلٌ. حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ: مَعْنَى الْكَلامِ سَلَّ سبيلاً إِلَيْهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ مِنَ الْخُلْدِ وَمِنْهُ الْخُلْدَةُ وَهِيَ القرط ﴿إِذَا رأيتهم﴾ مُنْتَشِرِينَ فِي الْخَدَمِ ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا وَإِذَا رأيت ثم﴾ يعني في الجنة ﴿رأيت نعيما﴾ لا يوصف ﴿وملكا كبيرا﴾ وَاسِعًا لا يُرِيدُونَ شَيْئًا إِلا قَدَرُوا عَلَيْهِ وَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مَلَكٌ إِلا بِاسْتِئْذَانٍ. قَوْلُهُ تعالى: ﴿عاليهم ثياب﴾ يَعْنِي أَهْلَ الْجَنَّةِ. وَالسُّنْدُسُ: رَقِيقُ الدِّيبَاجِ. وَالإِسْتَبْرَقِ: غَلِيظُهُ. وَالْخُضْرَةُ: لَوْنٌ بَيْنَ الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ فَهِيَ أَصْلَحُ لِلْعَيْنِ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الأَلْوَانِ وَقَدْ أُلْبِسَ الْقَوْمُ الأَسَاوِرَ ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ لا يُحْدِثُونَ مِنْهُ وَلا يَبُولُونَ ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الَّذِي وَصَفَ مِنَ النَّعِيمِ ﴿كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ بأعمالكم ﴿وكان سعيكم﴾ في الدنيا بطاعة الله ﴿مشكورا﴾ قَالَ عَطَاءٌ: شَكَرْتُكُمْ عَلَيْهِ وَأَثَبْتُكُمْ أَفْضَلَ الثَّوَابِ. وقد ذكرنا أن هذا نزل فِي حَقِّ عَلِيٍّ ﵁ وَأَهْلِ بَيْتِهِ لإِيثَارِهِمْ بِالطَّعَامِ. كَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ قَدْ خَطَبَ فَاطِمَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: انْتَظِرْ بِهَا الْقَضَاءَ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَقَالَ: رَدَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ. فَخَطَبَهَا عُمَرُ. فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لأَبِي بَكْرٍ. فَقَالَ أَهْلُ عَلِيٍّ لِعَلِيٍّ: اخْطُبْ فَاطِمَةَ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ: ذَكَرْتُ فَاطِمَةَ. فَقَالَ: مَرْحَبًا وأهلا. فخرج فَأَخْبَرَ النَّاسَ بِمَا قَالَ. فَقَالُوا: قَدْ أَعْطَاكَ الأَهْلَ وَالْمَرْحَبَ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا تُصْدِقُهَا؟ قَالَ: مَا عِنْدِي مَا أُصْدِقُهَا. قَالَ: " فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ ". قَالَ: عِنْدِي. قَالَ: أُصْدِقْهَا إِيَّاهَا. فَتَزَوَّجَهَا فَأُهْدِيَتْ إِلَيْهِ وَمَعَهَا خَمِيلَةٌ وَمِرْفَقَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ وَقِرْبَةٌ وَمُنْخُلٌ وَقَدَحٌ وَرَحًى وجرابان.

стр. 437

وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ وَمَا لَهَا فِرَاشٌ غَيْرُ جِلْدِ كَبْشٍ يَنَامَانِ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ وَتَعْلِفُ عَلَيْهِ النَّاضِحَ بِالنَّهَارِ , وَكَانَتْ هِيَ خَادِمَةَ نَفْسِهَا. تَاللَّهِ مَا ضَرَّهَا ذَلِكَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا: " أَلَا تَرْضِينَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ". أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ , أَخْبَرَنَا الدَّاوُدِيُّ , حَدَّثَنَا ابْنُ أَعْيَنَ , حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ , حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ , حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ , عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " فَاطِمَةٌ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. لَمَّا تبختر جمال فاطمة في جلباب كمالها , حين شُرُوعُ الشَّرْعِ فِي وَصْفِ جَلالِهَا , أُنْهِضَ الصِّدِّيقُ خَاطِبًا لَهَا فِي خِطَابِهِ فَسَكَتَ الرَّسُولُ عَنْ جَوَابِهِ , فَنَهَضَ عُمَرُ نُهُوضَ اللَّيْثِ فِي غَابِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ فَاشْتَدَّ الْجَوَى بِهِ , فَلَمَّا نَقَلَ عَلِيٌّ أَقْدَامَهُ لِخِطْبَتِهَا وَجَدَ الْوَحْيَ قَدْ سَبَقَهُ قُدَّامَهُ: " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ " فَتَزَوَّجَهَا فِي صَفَرٍ وَبَنَى بِهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ , فَوَلَدَتْ لَهُ الْحَسَنَ فِي نِصْفِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ , وَوَلَدَتِ الْحُسَيْنَ لِثَلاثٍ خَلَوْنَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاضِعًا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ وَهُوَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ ". وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ الْتَزَمَ الْحَسَنَ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ ". وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَقِّ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ: " هُمَا رَيْحَانَتَايَ ".

стр. 438

وَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: الْحَسَنُ أَشْبَهُ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ , وَالْحُسَيْنُ أَشْبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جلل على الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَعَلِيًّا وَفَاطِمَةَ كِسَاءً ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَخَاصَّتِي أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ؟ قَالَ: إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ. وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْ عَلِيٍّ [وَأَهْلِ بَيْتِهِ] . قَالَ: أَهْلُ بَيْتٍ لا يُقَاسُ بِهِمْ أَحَدٌ. (يَا بَنِي بِنْتِ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى ... حُبُّكُمْ يَنْفِي عَنِ الْمَرْءِ الظِّنَنْ) (إِنَّ للَّهِ عَلَيْنَا مننا ... حبكم شكر لهاتيك الْمِنَنْ) (أَنْتُمْ مَنْ لَمْ يُرْدِ مُعْطِي الْهُدَى ... غَيْرَ وُدِّ النَّاسِ إِيَّاكُمْ ثَمَنْ) (أَنَا عَبْدُ الْحَقِّ لا عَبْدُ الْهَوَى ... لَعَنَ اللَّهُ الْهَوَى فِيمَنْ لَعَنْ) لَمَّا وَقَفَ الْمِسْكِينُ بِبَابِهِمْ آثَرَ عَلِيٌّ فَوَافَقَتْ فَاطِمَةُ. (مَلِكٌ حَازَ الْعُلا وَأَذَلَّ الْعِدَى ... وَاسْتَعْبَدَ الزَّمَنَا) (طَبْعُهُ بِالْجُودِ مُمْتَزِجٌ ... هَلْ رَأَيْتَ الْمَاءَ وَاللَّبَنَا) (كَفُّهُ تَهْوَى السَّمَاحَ وَلَوْ ... أَنْفَقَتْ مِنْ غَيْرِ ظَهْرِ غِنَى) (خُلِقَتْ لِلْجُودِ رَاحَتُهُ ... فَأَرْتَكَ الْعَارِضَ الْهَتَنَا) (مَا يُرِيدُ الْوَاصِفُونَ لَهُ ... حَيَّرَتْ أَوْصَافُهُ الْفَطِنَا) (أَنْطَقَتْ صُمَّ الصُّخُورِ فَلا ... عَجَبَ أَنْ تَخْرَسَ اللُّسُنَا) لَمَّا جَاءَتِ الْمَدِيحَةُ عَلَى الإِيثَارِ وَوُصِفَ نَعِيمُ الْجَنَّةِ لَمْ يُذْكَرْ فِي ذَلِكَ الْحُورُ حِفْظًا لِقَلْبِ فَاطِمَةَ , وَكَيْفَ يَذْكُرُ الْحُورَ وَهُنَّ مَمَالِيكُ مَعَ الْحُرَّةِ. سُبْحَانَ مَنْ كَسَا أَهْلَ الْبَيْتِ نُورًا وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ خَنْدَقًا يَقِي الرِّجْسَ وَسُورًا ,

стр. 439

فَإِذَا تَلَقَّوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَلَقَّوْا حُبُورًا ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ . ادَّخَرْنَا لَكُمْ نَعِيمًا مُقِيمًا , وَمَنَحْنَا لَكُمْ فَضْلا جَزِيلا عَمِيمًا , وَجَزَيْنَا مَنْ كَانَ لِلْفُقَرَاءِ رَحِيمًا , أَوَلَسْتُمْ قَدْ أَطْعَمْتُمْ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَرَحِمْتُمْ مَأْسُورًا ﴿وكان سعيكم مشكورا﴾ . مَنْ مِثْلُ عَلِيٍّ مَنْ مِثْلُ فَاطِمَةَ , كَمْ صَبَرَا عَلَى أَمْوَاجِ بَلايَا مُتَلاطِمَةٍ , وَآثَرُوا الْفَقْرَ وَنَارُ الْجُوعِ حَاطِمَةٌ , فَلَهُمْ نَضَارَةُ الْوُجُوهِ وَالأَهْوَالُ لِلْوُجُوهِ خَاطِمَةٌ , يَا سُرْعَانَ مَا انْقَلَبَ حُزْنُهُمْ سرورا ﴿وكان سعيكم مشكورا﴾ . كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْهِ , وَكَانَ عَلِيٌّ أَعَزَّ الْخَلْقِ عَلَيْهِ , وَجَعَلَ اللَّهُ رَيْحَانَتَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَلَدَيْهِ , فَإِذَا أَحْضَرَهُمُ الْحَقُّ غَدًا عِنْدَهُ وَلَدَيْهِ أَكْرَمَهُمْ إِكْرَامًا عَظِيمًا مَوْفُورًا , ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ . واعجبا! ذُكِرَ فِي هَذِهِ الآيَاتِ نَعِيمُ الْجَنَّاتِ مِنَ الْمَلْبُوسِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَالْمَطْعُومَاتِ , وَالأَرَائِكِ وَالْقُصُورِ وَالْعُيُونِ الْجَارِيَاتِ , وَلَمْ يَذْكُرِ النِّسَاءَ وَهُنَّ غَايَةُ اللَّذَّاتِ , احْتِرَامًا لِفَاطِمَةَ أَشْرَفِ الْبَنَاتِ , وَمَنْ يَصِفُ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ لا يَذْكُرُ حُورًا ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جزاء وكان سعيكم مشكورا﴾ .

стр. 440

المجلس الثاني والثلاثون فِي فَضْلِ عَائِشَةَ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ الْحَمْدُ للَّهِ الْوَاحِدِ الْقَدِيمِ , الْمَاجِدِ الْعَظِيمِ , الْمَنَّانِ الْكَرِيمِ , الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , أَنْعَمَ بِالْعَطَايَا فَإِنْعَامُهُ عَمِيمٌ , وَسَتَرَ الْخَطَايَا فَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ , ابْتَلَى بِمَا شَاءَ وَهُو بِمَا يَكُونُ عَلِيمٌ , فَالْوَاجِبُ فِي بَلائِهِ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمُ , سَافَرَتْ عَائِشَةُ مع الرَّسُولِ وَكَانَ يَخُصُّهَا بِالتَّقْدِيمِ فَانْتَزَحَتْ لِشُغُلِهَا وَانْشَغَلَ بِهَا عَظِيمٌ , فَحَمَلُوا هَوْدَجَهَا ظَنًّا أَنَّ فِي الْكِنَاسِ الرِّيمَ , فَصَادَفَهَا صَفْوَانُ فَصَدْرُ الرَّجُلِ سَلِيمٌ , فَبَلَغَهَا قَوْلُ مَنْ بَاتَ يَأْفِكُ وَيَهْتِكُ الْحَرِيمَ , فَمَا زَالَ السَّلِيمُ يَبْكِي بُكَاءَ السَّلِيمِ , حَتَّى بَدَا هِلالُ الْهُدَى فِي لَيْلِ الْبَلاءِ الْبَهِيمِ ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عظيم﴾ . أَحْمَدُهُ كُلَّمَا عَمَّتِ الْغَافِلِينَ غَفَلاتُهُمْ , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي هَلَكَتْ بِهِ عزاهم وُلاتُهُمْ , وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي سُلِّمَتْ إِلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ صَلاتُهُمْ , وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي تَقَوَّمَتْ بِعَدْلِهِ حَالاتُهُمْ , وَعَلَى عُثْمَانَ مَقْبُولِ الْمَالِ إِذْ مَالَتْ بِالْبُخَلاءِ آفَاتُهُمْ , وَعَلَى عَلِيٍّ الزَّاهِدِ فِي الدُّنْيَا إِذْ مَنَعَتْ أَرْبَابَهَا شَهَوَاتُهُمْ , وَعَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ الطَّاهِرَاتِ اللاتِي نُزِّهَتْ جِهَاتُهُمْ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ آخِذِ الْبَيْعَةِ لَهُ عَلَى الأَنْصَارِ إِذْ حُمِدَتْ مَسْعَاتُهُمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم﴾ أجمع

стр. 441

الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا بَعْدَهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ. وَالإِفْكُ: الْكَذِبُ. وَالْعُصْبَةُ: الْجَمَاعَةُ. وَفِي الْمُخَاطَبِ بِقَوْلِهِ ﴿لا تحسبوه شرا لكم﴾ قولان: أحدهما: عائشة وصفوان ابن الْمُعَطَّلِ. وَالثَّانِي: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعَائِشَةُ. وَالْمَعْنَى: أَنَّكُمْ تُؤْجَرُونَ فِيهِ , وَالأَجْرُ يُغَطِّي الْمَكْرُوهَ. وَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ لِلإِنْسَانِ لِمَا يُصيِبُهُ مِنَ الْمَكَارِهِ , وَلِيَعْلَمَ أَنَّهُ مَا سَلِمَ أَحَدٌ مِنْ شَرِّ النَّاسِ. ﴿لِكُلِّ امرئ منهم﴾ يَعْنِي مِنَ الْمَعْصِيَةِ الْكَاذِبَةِ ﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثم﴾ أَيْ جَزَاءُ مَا اجْتَرَحَ مِنَ الذَّنْبِ عَلَى قَدْرِ خَوْضِهِ فِيهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُقَدِّمُ عَائِشَةَ على جميع أزواجه. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَأَيْتُكَ فِي الْمَنَامِ وَرَجُلٌ يَحْمِلُكَ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ. فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ ". وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ أَوَّلَ مَنْ تَزَوَّجَ فَوَلَدَتْ لَهُ الْقَاسِمَ وَعَبْدَ اللَّهِ وَهُوَ الطَّيِّبُ وَالطَّاهِرُ وُلِدَ فِي الإِسْلامِ فَلُقِّبَ بِاللَّقَبَيْنِ. وَمِنَ الإِنَاثِ: زَيْنَبُ وَرُقَيَّةُ وَأُمُّ كُلْثُومٍ وَفَاطِمَةُ , وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ فَتَزَوَّجَ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ ثُمَّ عَائِشَةَ. وَلَمَّا كَبِرَتْ سَوْدَةُ أَرَادَ طَلاقَهَا فَسَأَلَتْهُ أَنْ يَدَعَهَا فِي أَزْوَاجِهِ وَجَعَلَتْ لَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ. وَتَزَوَّجَ عَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وَتَزَوَّجَ حَفْصَةَ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُرَاجِعَ حَفْصَةَ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ. فَرَاجَعَهَا وَتَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ وَأُمَّ حَبِيبَةَ وَزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وَزَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ وَجُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ. وَكَانَ قَدْ أَصَابَهَا فِي غَزَاةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. فَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فَكَاتَبَهَا , فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابِتَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَمَّا

стр. 442

سَمِعَ النَّاسُ بِذَلِكَ: أَرْسَلُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَعْتَقَ بِتَزْوِيجِهِ إِيَّاهَا مِائَةُ أَهْلِ بَيْتٍ. وَتَزَوَّجَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ وَمَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ وَبَنَى بِهَا بِسَرِفَ وَقَدَّرَ اللَّهُ مَوْتَهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. وَلَمَّا تَعِبَتْ خَدِيجَةُ فِي تَرْبِيَةِ الأَوْلادَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ: " اقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لا صَخَبَ فِيهِ وَلا نَصَبَ ". وَلَمَّا خَطَبَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ قَالَتْ: مَا أَنَا صَانِعَةٌ شيئاًَ حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي. فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا وَنَزَلَ القرآن في نكاحها. فجاء الرسول اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْهَا. وَكَانَتْ صَوَّامَةً قَوَّامَةً تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ. وَلَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ قَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ الْمَدِينَةِ في الحديبية فطوت فراش رسوله ﷺ وَقَالَتْ: إِنَّكَ نَجِسٌ. وَكَانَ آثَرُ الْكُلَّ عِنْدَهُ عَائِشَةَ لأَنَّهَا جَمَعَتِ الْجَمَالَ وَالْكَمَالَ فِي الذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ وَالْعِلْمِ وَالْفَصَاحَةِ , فَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينٍ. وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا فِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا وَوَجَدْتَ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ: فِي الَّتِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا ". تَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ , أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُسْلِمَةِ , أَخْبَرَنَا الْمُخَلِّصُ , أَخْبَرَنَا الْبَغَوِيُّ , أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ , حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ , عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ , عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ , عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ عَائِشَةُ. قَالَ: فَمِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

стр. 443

أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ , أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الْجُرْيَجِيُّ , حَدَّثَنَا الْمُخَلِّصُ , حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلادٍ , حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , حَدَّثَنَا شُعْبَةُ , عَنْ عُمَرَ بْنِ مُرَّةَ , عَنْ أَبِي مُوسَى , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوَمْ عَائِشَةَ يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ ". وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَيْنَ أَنَا غَدًا؛ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ. فَأَذِنَّ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ , فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا. وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لأُمِّ سَلَمَةَ: " لا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرَهَا ". وَقَالَ أَبُو مُوسَى مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَنْهُ عَائِشَةَ إِلا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا. وَقَالَ عُرْوَةُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ أَعْلَمَ بِالْقُرْآنِ وَلا بِفَرِيضَةٍ , وَلا بِحَلالٍ وَلا بِحَرَامٍ , وَلا بِشِعْرٍ , وَلا بِحَدِيثِ الْعَرَبِ وَلا بِنَسَبٍ مِنْ عَائِشَةَ. وَكَانَتْ غَزِيرَةَ الكرم. قسمت يوماً سبعين ألفاً وهي ترفع دِرْعَهَا. وَكَانَتْ كَثِيرَةَ التَّعَبُّدِ وَكَانَتْ لَهَا فَصَاحَةٌ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الْحَافِظُ , أَخْبَرَنَا ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارٍ , أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 444

أَحْمَدَ بْنِ غَالِبٍ الْبَرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حُبَابٍ الْخُوَارَزْمِيِّ , حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ الْبَغْدَادِيُّ , حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعجلِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , لا أَدْرِي ذَكَرَهُ عَنْ أَبِيهِ أَمْ لا - الشَّكُّ مِنْ أَبِي يَعْقُوبَ قَالَ: بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ أَقْوَامًا يَتَنَاوَلُونَ أَبَا بَكْرٍ فَأْرَسَلَتْ إِلَى أَزْفَلَةٍ " جَمَاعَةٍ " مِنْهُمْ فَلَمَّا حَضَرُوا أَسْدَلَتْ أَسْتَارَهَا ثُمَّ دَنَتْ فَحَمِدَتِ اللَّهَ تَعَالَى وَصَلَّتْ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَذَلَتْ وَقَرَّعَتْ ثم قالت: أبي وما أبيه! أَبِي وَاللَّهِ لا يُعْطَوْهُ الأَبَدَ , ذَاكَ طَوْدٌ منيف وفرع مديد , هيهات كذبت الظنون أنجح إِذْ أَكْدَيْتُمْ وَسَبَقَ إِذْ وَنَيْتُمْ سَبَقَ الْجَوَادُ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الأَمَدِ [الْغَايَةِ] فَتَى قُرَيْشٍ نَاشِئًا وَكَهْفُهَا كَهْلا , يَفُكُّ عَانِيَهَا , وَيَرِيشُ مُمْلِقَهَا [فقيرها] ويرأب شعبها حتى حلبته قلوبها , اسْتَشْرَى فِي اللَّهِ تَعَالَى فَمَا بَرِحَتْ شَكِيمَتُهُ وَحَمِيَّتُهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى اتَّخَذَ بِفِنَائِهِ مَسْجِدًا يُحْيِي فِيهِ مَا أَمَاتَ الْمُبْطِلُونَ. وَكَانَ ﵀ غَزِيرَ الدَّمْعَةِ وَقِيذَ الْجَوَارِحِ شجي النشيح , فَانْقَضَتْ إِلَيْهِ نِسْوَانُ مَكَّةَ وَوِلْدَانُهَا يَسْخَرُونَ مِنْهُ ويستهزئون به ﴿الله يشتري بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾ فَأَكْبَرَتْ ذَلِكَ رِجَالاتُ قُرَيْشٍ فَحَجَنَتْ لَهُ قِسِيَّهَا وَفَوَّقَتْ لَهُ سِهَامَهَا وَانْتَثَلُوهُ غَرَضًا , فَمَا فَلُّوا لَهُ صَفَاةً وَلا قَصَفُوا لَهُ قَنَاةً , وَمَرَّ عَلَى سِيسَائِهِ. حَتَّى إِذَا ضُرِبَ الدِّينُ بِجِرَانِهِ وألقى بركه وَرَسَتْ أَوْتَادُهُ وَدَخَلَ النَّاسُ فِيهِ أَفْوَاجًا وَمِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ أَرْسَالا وَأَشْتَاتًا اخْتَارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مَا عِنْدَهُ , فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ نَصَبَ الشَّيْطَانُ رِوَاقَهُ وَمَدَّ طُنُبَهُ وَنَصَبَ حَبَائِلَهُ , وَظَنَّ رِجَالٌ أَنْ قَدْ تَحَقَّقَتْ أَطْمَاعُهُمْ وَلاتَ حِينَ الَّذِي يَرْجُونَ فَأَنَّى وَالصِّدِّيقُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ! فَقَامَ حَاسِرًا مُشَمِّرًا , فَجَمَعَ حَاشِيَتَهُ وَرَفَعَ قُطْرَيْهِ فَرَدَّ نَشَزَ الإِسْلامِ عَلَى غَرْبٍ , وَلَمَّ شَعْثَهُ بِطِبِّهِ , وَأَقَامَ أَوَدَهُ بِثِقَافِهِ , فَابْذَقَرَّ النِّفَاقُ بِوَطْأَتِهِ , وَانْتَاشَ الدِّينَ فَنَعَشَهُ , فَلَمَّا أَزَاحَ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ وَقَرَّرَ الرُّءُوسَ عَلَى كَوَاهِلِهَا وَحَقَنَ الدِّمَاءَ فِي أُهُبِهَا

стр. 445

أَتَتْهُ مَنِيَّتُهُ , فَسُدَّ ثُلْمَتَهُ بِنَظِيرِهِ فِي الرَّحْمَةِ وَشَقِيقِهِ فِي السِّيرَةِ وَالْمَعْدَلَةِ , ذَاكَ ابْنُ الْخَطَّابِ , لله درأم حَمَلَتْ بِهِ وَدَرَّتْ عَلَيْهِ , فَقَدْ أَوْحَدَتْ بِهِ , فَفَنَّخَ الْكَفَرَةَ وَدَيَّخَهَا , وَشَرَّدَ الشِّرْكَ شَذَرَ مَذَرَ , ونفج الأرض وَنَخَعَهَا , فَقَامَتْ أُكُلُهَا وَلُقِطَتْ حَبُّهَا , تَرْأَمُهُ وَيَصْدِفُ عَنْهَا , وَتَصَدَّى لَهُ وَيَأْبَاهَا , ثُمَّ زَرَعَ فِيهَا وَوَدَعَهَا كَمَا صَحِبَهَا , فَأَرُونِي مَا تَرِيبُونَ , أَيُّ يَوْمٍ تَنْقُمُونَ: أَيَوْمُ إِقَامَتِهِ إِذْ عَدَلَ فِيكُمْ؟ أَمْ يَوْمُ ظَعْنِهِ فَقَدْ نُظِرَ لَكُمْ؟ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الغريب: الأزفلة: الجماعة. ويعطوه: ينالوه. وأكدتيم خِبْتُمْ. وَوَنَيْتُمْ: فَتَرْتُمْ. وَالأَمَدُ: الْغَايَةُ. وَالْمُمْلِقُ: الْفَقِيرُ. وَيْرَأَبُ: يَجْمَعُ. وَالشَّعْبُ: الْمُتَفَرِّقُ. وَاسْتَشْرَى: احْتَدَّ وَانْكَمَشَ. فَمَا بَرِحَتْ: أَيْ مَا زَالَتْ شَكِيمَتُهُ , وَهِيَ الأَنَفَةُ وَالْحَمِيَّةُ. وَالْوَقِيذُ: الْعَلِيلُ. وَالشَّجِيُّ: الْحَزِينُ. وَالنَّشِيجُ: صَوْتُ الْبُكَاءِ. وَانْتَثَلُوهُ: أَيْ مَثَّلُوهُ غَرَضًا لِلرَّمْيِ. وَفَلُّوا: كَسَرُوا. وَالصَّفَاةُ: الصَّخْرَةُ الْمَلْسَاءُ. وَقَوْلُهَا عَلَى سِيسَائِهِ: أَيْ عَلَى حَدِّهِ. وَالْجِرَانُ: الصَّدْرُ. وَهُوَ الْبَرْكُ. وَمَعْنَى: فَرَفَعَ حَاشِيَتَهُ وَجَمَعَ قُطْرَيْهِ: تَحَزَّمَ لِلأَمْرِ وَتَأَهَّبَ. وَالْقُطْرُ: النَّاحِيَةُ. فَرَدَّ نَشَزَ الإِسْلامِ عَلَى غَرْبٍ: كَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ. وَالصَّوَابُ عَلَى غِرَّةٍ أَيْ ظِنَّةٍ. وَالطِّبُّ: الدَّوَاءُ. وَالأَوَدُ: الْعَوَجُ. وَالثِّقَافُ: تَقْوِيمُ الرِّمَاحِ. وَابْذَقَرَّ: تَفَرَّقَ. وَانْتَاشَ الدِّينَ: أَزَالَ عَنْهُ مَا يُخَافُ عَلَيْهِ. وَنَعَشَهُ: رَفَعَهُ. وَالأُهُبُ: جَمْعُ إِهَابٍ وَهُوَ الْجِلْدُ. وَأَوْحَدَتْ: أَيْ جَاءَتْ بِهِ مُنْفَرِدًا لا نَظِيرَ لَهُ. فَفَنَّخَ الْكَفَرَةَ: أَذَلَّهَا. وَدَيَّخَهَا: أَيْ دَوَّخَهَا. وَمَعْنَى شَذَرَ مَذَرَ: التَّفْرِيقُ. وَنَخَعَ: شَقَّ. وَمِثْلُهُ نَفَجَ. وَالأُكُلُ: الْخَيْرُ. وَتَرْأَمُهُ تَعْطِفُ عَلَيْهِ. الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ (بَادِرِ الأَيَّامَ فَالْحَيُّ ... مِنَ الْمَوْتِ قَرِيبُ) (بَيْنَمَا يَخْطِرُ فِي أَهْلِ الْحِمَى لا يَسْتَرِيبُ ... ) (إِذْ حَوَاهُ اللَّحْدُ يَوْمًا ... مُفْرَدًا فَهُوَ غَرِيبُ) (خُذْ نَصِيبًا قَبْلَ أَنْ يُعْجِزَكَ ... الدَّهْرُ الْمُصِيبُ)

стр. 446

(وَاحْذَرِ الأُخْرَى لِهَوْلٍ ... يَوْمُهُ يَوْمٌ عَصِيبُ) (يَوْمُ لا يَسْلَمُ مَغْرُورٌ ... وَلا يَنْجُو مُرِيبُ) (أَطِعِ النَّاصِحَ إِذْ نَادَاكَ ... فَالْمَوْتُ عَجِيبُ) (كَمْ تُرَى نُسْمِعُكَ النُّصْحَ ... وَكَمْ لا تَسْتَجِيبُ) يَا مَنْ لا يَتَّعِظُ بِسَلَفِ آبَائِهِ , يَا مَنْ لا يَعْتَبِرُ بِتَلَفٍ أَوْ دَائِهِ , يَا أَسِيرَ أَغْرَاضِهِ وَقَتِيلَ أَهْوَائِهِ , يَا مَنْ عَجَزَتِ الأَطِبَّاءُ عَنْ إِصْلاحِ دَائِهِ , يَا مَشْغُولا بِذِكْرِ بَقَائِهِ عَنْ ذِكْرِ فَنَائِهِ , يَا مَغْرُورًا قَدْ حَلَّ الْمَمَاتُ بِفِنَائِهِ , يَا مُعْجَبًا بِثَوْبِ صِحَّتِهِ يَمْشِي فِي خُيَلائِهِ , يَا مُعْرِضًا عَنْ نَصِيحِهِ مُشَمِّتًا لأَعْدَائِهِ , يَا مَنْ يَلْهُو بِأَمَلِهِ , وَيَا مَنْ أَجَلُهُ مِنْ وَرَائِهِ , يَجْمَعُ الْعَيْبَ إِلَى الشَّيْبِ وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ رَائِهِ , كَمْ رَأَيْتَ مُسْتَلَبًا مِنْ سرور وَنَعْمَائِهِ , كَمْ شَاهَدْتَ مَأْخُوذًا عَنْ أَحْبَابِهِ وَأَبْنَائِهِ , بَيْنَا هُوَ فِي غُرُورِهِ دَبَّ الْمَوْتُ فِي أَعْضَائِهِ , بَيْنَا جَرِعَ اللَّذَّةَ فِيهِ شَرَقَ بِمَائِهِ , بَيْنَا نَاظِرُ النَّظِيرِ يُعْجِبُهُ صَارَ عِبْرَةً لِنُظَرَائِهِ , ماله ضَيَّعَ مَالَهُ وَبَقِيَ فِي بَلائِهِ. (بَاتَتْ هُمُومِي تسري طوارقها ... اأكف عَيْنِي وَالدَّمْعُ سَابِقُهَا) (هُمَا طَرِيقَانِ فَائِزٌ دَخَلَ الْجَنَّةَ ... حَفَّتْ بِهِ حَدَائِقُهَا) (وَفِرْقَةٌ فِي الْجَحِيمِ مَعَ تَبَعِ الشَّيْطَانِ ... يَشْقَى بِهَا مُوَافِقُهَا) (اقْتَرَبَ الْوَعْدُ وَالْقُلُوبُ إِلَى اللَّهْوِ ... وَحُبُّ الْحَيَاةِ سَائِقُهَا) (مَا رَغْبَةُ النَّفْسِ فِي الْبَقَاءِ وَإِنْ ... عَاشَتْ قَلِيلا فَالْمَوْتُ لاحِقُهَا) (أَيَّامُهَا غَايَةٌ إِلَيْهِ وَيَحْدُوهَا ... حَثِيثًا إِلَيْهِ سَائِقُهَا) (وَكُلُّ مَا جَمَعَتْ وَأَعْجَبَهَا ... مِنْ عَيْشِهَا مَرَّةً مُفَارِقَهَا) (يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ ... فِي بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا) (مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطَةً يَمُتْ هَرَمًا ... لِلْمَوْتِ كَأْسٌ وَالْمَرْءُ ذَائِقُهَا) يَا مَنْ تَجَبَّرَ عَلَى مَوْلاهُ وَتَمَرَّدَ , وَاسْتَلَّ سَيْفَ الْبَغِيِّ وَجَرَّدَ , كَمْ يُنْعِمُ عَلَيْكَ فَتَنْسَى وَتَجْحَدُ , كَمْ تُشَيِّعُ مِنْ مَيِّتٍ وَتَرَى لَحْدَ مُلْحِدٍ , يَا قَلِيلَ الزَّادِ وَأَلْوِيَةُ الرَّحِيلِ تُعْقَدُ , يَا مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ النَّارُ بِالأَحْجَارِ تُوقَدُ , يُنْزِلُ اللُّطْفَ فِي جَمْعِ

стр. 447

شَمْلِكَ وَقَبِيحُ فِعْلِكَ يَصْعَدُ , يَا قَلِيلَ الانْتِفَاعِ بِالْوَعْظِ إِلَى كَمْ تَتَزَوَّدُ. (يَا قَبِيحَ الْمُتَجَرَّدْ ... كَمْ عَلَيْنَا تَتَمَرَّدْ) (كَمْ نُرَاعِيكَ وَنُولِيكَ ... وَلِلإِحْسَانِ تَجْحَدْ) (كَمْ أُنَادِيكَ بِوَعْظِي ... أَتُرَى قَلْبُكَ جَلْمَدْ) (كَمْ تَرَى أَنْتَ عَلَى الشَّرِّ ... إِلَيِهْ تَتَزَوَّدْ) (أَوَمَا تَجْزَعُ مِنْ نَارٍ ... عَلَى الْعَاصِينَ تُوقَدْ) (فَمَتَى تَحَذْرُ فِي الإِسْرَافِ ... مَا مِثْلُكَ يُوعَدْ) لَقَدْ نَطَقَتِ الْغِيَرُ بِالْعِبَرِ , وَلَقَدْ خَبَرَ الأَمْرَ من عنده خبر , وإنما ينفع البصر ذا بصر , فاعجبوا لِمُقَصِّرٍ عُمْرَهُ فِي قِصَرٍ؛ يَا مَنْ لا يُرى مِنْ تَوْبَتِهِ إِلا الْوُعُودُ , فَإِذَا تَابَ فَهُوَ عَنْ قَرِيبٍ يَعُودُ , أَرَضِيتَ بِفَوْتِ الْخَيْرِ وَالسُّعُودِ , أَأَعْدَدْتَ عُدَّةً لِنُزُولِ الأُخْدُودِ , أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْجَوَارِحَ مِنْ جُمْلَةِ الشُّهُودِ , تَاللَّهِ إِنَّ حَوْضَ الْمَوْتِ عَنْ قَرِيبٍ مَوْرُودٍ , وَاللَّهِ مَا الزَّادُ فِي الطَّرِيقِ بِمَوْجُودٍ , وَاللَّهِ إِنَّ الْقِيَامَةَ تُشَيِّبُ الْمَوْلُودَ , وَاللَّهِ إِنَّ الْعُمْرَ مَحْبُوسٌ مَعْدُودٌ , وَالْوُجُوهُ غَدًا بَيْنَ بِيضٍ وَسُودٍ , إِلَى كَمْ هذا الصباح والمراح , أأبقى اليشب مَوْضِعًا لِلْمِزَاحِ , لَقَدْ أَغْنَى الصَّبَاحُ عَنِ الْمِصْبَاحِ , وقام حَرْبَ الْمَنُونِ مِنْ غَيْرِ سِلاحٍ , اعْوَجَّتِ الْقَنَاةُ بِلا قَنًا وَلا صِفَاحٍ , فَعَادَ ذُو الشَّيْبَةِ بالضعف ثخين الجرح , وَنَطَقَتْ أَلْسُنُ الْفَنَاءِ بِالْوَعْظِ الصِّرَاحِ , وَا أَسَفَا صُمَّتِ الْمَسَامِعُ وَالْمَوَاعِظُ فِصَاحٌ , لَقَدْ صَاحَ لِسَانُ التَّحْذِيرِ: يَا صَاحِ يَا صَاحِ , وَأَنَّى بِالْفَهْمِ لِسَكْرَانَ غَيْرِ صَاحٍ , أَسْكَرَكَ الْهَوَى سُكْرًا لا يزاح , أو ما تفيق حتى يقول الموت لا براخ , مَتَى يَظْهَرُ عَلَيْكَ سِيمَا الْمُتَّقِينَ , مَتَى تَتَرَقَّى إِلَى مَقَامِ السَّابِقِينَ , كَأَنَّكَ بِكَ تَذْكُرُ قَوْلِي وَقَدْ عَرِقَ الْجَبِينُ , وَخَابَتِ الآمَالُ وَعَبِثَتِ الشِّمَالُ بِالْيَمِينِ , وَبَرِقَ الْبَصَرُ وَجَاءَ الْحَقُّ الْيَقِينُ , وَلا يَنْفَعُ الانْتِبَاهُ حِينَئِذٍ يَا مِسْكِينُ , يَا مَنْ يُوعَظُ وَكَأَنَّهُ مَا يَسْمَعُ , يَا مَشْغُولا بِمَا يَفْنَى يَحْوِي وَيَجْمَعُ , يَا مَنْ شَابَ وَمَا تَابَ فِي أَيِّ شَيْءٍ تَطْمَعُ , يَا غَافِلا وَالْمَوْتُ عَلَى أَخْذِهِ قَدْ أَزْمَعَ , سَتَعْرِفُ يَوْمَ عَرْضِ الْكِتَابِ وَسُوءِ الْحِسَابِ عَيْنُ مَنْ تَدْمَعُ , أَتُرَاكَ يَوْمَ الرَّحِيلِ إِذَا ضَاقَ رَحْبُ السَّبِيلِ مَا تَصْنَعُ , أَتُرَاكَ بِمَاذَا تَتَّقِي هَوْلَ

стр. 448

ذَاكَ الْمَصْرَعِ , عَجَبًا لَكَ تُؤْثِرُ مَا يَفْنَى وَتَعْلَمُ مَا يَبْقَى أَنْفَعُ , يَا مَنْ أَمَارَاتُ طَرْدِهِ مِنْ وَجْهِ صَدِّهِ تَلْمَعُ , لَقَدْ نَادَانَا لِسَانُ حَالِكَ بِدَوَامِ الْقَبِيحِ مِنْ أَفْعَالِكَ غَيْرَ أَنَّا فِيكَ نَطْمَعُ. (كَمْ تَعْذِلُونَ وَعَذْلُكُمْ لا يَنْفَعُ ... ضَاعَ الْحَدِيثُ فَعَلِمُوا مَنْ يَسْمَعُ) الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ له عذاب عظيم﴾ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا نَزَلَ فِي حَقِّ عائشة حين قذفت. وكبره بِمَعْنَى مُعْظَمَهُ. وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ كُبْرَهُ بِضَمِّ الْكَافِ وَهُمَا لُغَتَانِ. وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ذَلِكَ ابْنُ أُبَيٍّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ , أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ الزُّهْرِيِّ , أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ [بْنُ عبد الله] ابن عُتْبَةَ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا , كُلُّهُمْ حَدَّثَنِي بِطَائِفَةٍ مِنْ حَدِيثِهَا وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتُ اقْتِصَاصًا , وَقَدْ وَعِيتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي , وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا. ذَكَرُوا: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي , فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ , فَأَنَا أُحمَل فِي هَوْدَجِي وَأَنْزِلُ فِيهِ , فَسِرْنَا , حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوِهِ فَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ أَذَّنَ

стр. 449

لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ أَذَّنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ. فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحِيلِ فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدِ انْقَطَعَ , فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي , فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ , وَأَقْبَلَ الرَّهَطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ بِي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَّلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ. قَالَتْ: وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ , إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ , فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَّلُوهُ وَرَفَعُوهُ , كُنْتُ جَارِيَةَ حَدِيثَةِ السِّنِّ فَبَعَثُوا الجمل وساروا. ووجدت عقدي بعدما اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلا مُجيِبٌ , فَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ فظننت أن القوم سيفقدوني فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْني عَيْنِي فَنِمْتُ , وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَأَدْلَجَ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي , فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي , وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيَّ الْحِجَابُ , فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي , وَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً وَلا سَمِعْتُ مِنْهُ كلمة غير استرجاعه , حتى أناخ راحلته فوطىء عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا , فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي حَرِّ الظَّهِيرَةِ , فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي , وكان الذي تولى كبره عبد الله ابن أبي بن سَلُولَ. فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُهَا شَهْرًا , وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ وَلا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي , إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَذَاكَ يَرِيبُنِي وَلا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ , حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقِهْتُ وَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا وَلا نَخْرُجُ إِلا لَيْلا إِلَى لَيْلٍ , وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا , وَأَمْرُنَا أَمْرُ العرب الأول في التنزه , وكنا نتأذى بأكنفات أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا , فَانْطَلَقْتُ أَنَا

стр. 450

وَأُمُّ مِسْطَحٍ وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ , وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح ابن أُثَاثَةَ , فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسَطْحٌ. فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ! تَسُبِّينَ رَجُلا قَدْ شهد بدرا؟ قالت: أي هنتاه أو لم تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضٍ. فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ كَيْفَ تيكم؟ قلت: أتأذن لي أن آتِي أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا. فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَجِئْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لأُمِّي: يَا أُمَّتَاهْ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: أَيْ بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا. قُلْتُ سُبْحَانَ الله أو قد تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حتى أصبحت لا يرفأ لِي دَمْعٌ وَلا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي. وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوُدِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُمْ أَهْلُكَ وَلا نَعْلَمُ إِلا خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ فَقَالَ: أَيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟ قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَقَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي! فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلا مَعِي. فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَ

стр. 451

مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ سعد ابن عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ رَجُلا صَالِحًا ولكن احتملته الحمية؛ فقال لسعد ابن مُعَاذٍ: لَعَمْرُكَ لا تَقْتُلُهُ وَلا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ رَهَطِكَ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُو اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. فَثَارَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ. قَالَتْ: وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِي الْمُقْبِلَةَ لا يَرْقَأُ لِي دَمْعٍ وَلا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقُ كَبِدِي. قَالَتْ: فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ. قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ، قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فقال: والله مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَتْ: فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ: إِنِّي وَاللَّهِ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، ولئن قلت لكم إني برئية لا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ والله يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ تُصَدِّقُونِي، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلا إِلا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ

стр. 452

المستعان على ما تصفون﴾ . قالت: ثم تحولت فاضجعت عَلَى فِرَاشِي. قَالَتْ: وَأَنَا وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يَنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى، وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسَهُ وَلا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَكَانَ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ. فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلا أَحْمَدُ إِلا اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم﴾ الْعَشْرَ الآيَاتِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَاتُ [فِي] بَرَاءَتِي. قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ، وَاللَّهِ لا أنفق عليه شيئا أبدا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لكم﴾ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي. فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَمْرِي مَا عَلِمْتِ وَمَا رَأَيْتِ وَمَا بَلَغَكِ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلا خَيْرًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت

стр. 453

جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ. هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَعْصِمَنَا مِنَ اعْتِقَادِ مَنْ لا يُسَمَّى فَإِنَّهُمْ تَعْتَرِيهِمْ عِنْدَ ذِكْرِ عَائِشَةَ حُمَّى. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، حَدَّثَنَا أحمد بن جعفر، حدثنا عبد الله ابن أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حدثنا زائدة، حدثنا عبد الله بن خثيم، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ ذَكْوَانُ حَاجِبُ عَائِشَةَ أَنَّهُ جَاءَ عَبْدُ الله ابن عَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عَائِشَةَ فَجِئْتُ وَعِنْدَ رَأْسِهَا ابْنُ أَخِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقُلْتُ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنُ. فَأَكَبَّ عَلَيْهَا ابْنُ أَخِيهَا فَقَالَ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَهِيَ تَمُوتُ فَقَالَتْ: دَعْنِي مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ صَالِحِي بَنِيكِ يُسَلِّمُ عَلَيْكِ وَيُوَدِّعُكِ. فَقَالَتْ: إِيذَنْ لَهُ إِنْ شِئْتَ. فَأَدْخَلَتْهُ فَلَمَّا جَلَسَ قَالَ: أَبْشِرِي، مَا بَيْنَكِ وَبَيْنَ أَنْ تَلْقَيْ مُحَمَّدًا ﷺ وَالأَحِبَّةَ إِلا أَنْ تَخْرُجَ الرُّوحُ مِنَ الْجَسَدِ، كُنْتِ أَحَبَّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ إِلا طَيِّبًا وَسَقَطَتْ قِلادَتُكِ لَيْلَةَ الأَبْوَاءِ فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يُصْبِحَ فِي الْمَنْزِلِ وَأَصْبَحَ النَّاسُ لَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يتيمموا صعيدا طيبا، وكان ذلك في سببك، وَأَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ جَاءَ بِهَا الرُّوحُ الأَمِينُ فَأَصْبَحَ لَيْسَ مَسْجِدٌ مِنْ مَسَاجِدِ اللَّهِ يُذْكَرُ فِيهِ اللَّهُ تَعَالَى إِلا يُتْلَى فِيهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ. فقالت: دعني منك يا بن عَبَّاسٍ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا. إِخْوَانِي: فَضَائِلُ عَائِشَةَ كَثِيرَةٌ بَعْضُهَا يكفيها، وبحسبها أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ آيَاتٍ تُتْلَى فِيهَا. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن جعفر، حدثنا عبد الله ابن أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ

стр. 454

أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَعْرَفَةِ فَرَسٍ وَهُوَ يُكَلِّمُ رَجُلا. قُلْتُ: رَأَيْتُكَ وَاضِعًا يَدَيْكَ عَلَى مَعْرَفَةِ فَرَسِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ وَأَنْتَ تُكَلِّمُهُ. قَالَ: وَرَأَيْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ وَهُوَ يُقْرِئُكِ السَّلامَ. قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلامُ. انْظُرُوا إِخْوَانِي: كَيْفَ لَمْ يُوَاجِهْهَا بِالسَّلامِ لأَجْلِ زَوْجِهَا، فَمَنْ هَذِهِ حَالَتُهَا مَعَ جِبْرِيلَ كَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهَا الزُّورُ وَالأَبَاطِيلُ؟ أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَقُلُوبُهُمْ بِالْفَرَحِ عِنْدَ ذِكْرِ عَائِشَةَ طَائِشَةٌ، وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَتَأْخُذُهُمْ حُمَّى نَافِضَةٌ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، قَالَ أَنْشَدَنِي عَاصِمُ بْنُ الْحُسَيْنِ لِنَفْسِهِ: (وَحَقُّ مَنْ بَعْلُهَا النَّبِيُّ وَمَنْ ... وَالِدُهَا الْمُرْتَضَى أَبُو بَكْرِ) (لا حَلَّتْ عَنْ مِدْحَتِي لَهَا أَبَدًا ... حَتَّى أُوَارَى فِي ظُلْمَةِ الْقَبْرِ) (قَدْ تَيَقَّنَتْ أَنَّ وَالِدَهَا ... يُشَفَّعُ فِي صَبِيحَةِ الْحَشْرِ) (طَاهِرَةٌ تَنْتَمِي إِلَى نَسَبٍ ... شَرَّفَهُ اللَّهُ مِنْهُ بِالْفَخْرِ) (لَمَّا رَمَوْهَا لا دَرَّ دِرْهَمٌ ... بِالزُّورِ وَالإِفْكِ عُصْبَةُ الشَّرِّ) (بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْ مَقَالَتِهِمْ ... بِغَيْرِ شَكٍّ فِي مُحْكَمِ الذِّكْرِ) (فَمَا لَهَا مُشَبَّهٌ يُسَاجِلُهَا ... وَحَقُّ طَهَ وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ) (وَكَمْ لَهَا مِنْ فَضِيلَةٍ نَطَقَتْ ... بِهَا وَذِكْرٍ يَبْقَى عَلَى الدَّهْرِ) (قَالَتْ تُوُفِّيَ النبي خالفة ... مَا بَيْنَ سَحْرِي وَمُلْتَقَى نَحْرِي) (فَلا رَعَى اللَّهُ مَنْ تَنَقَّصَهَا ... فَمَا لَهُ فِي الْمَعَادِ مِنْ عُذْرِ) (وَأَيُّ عُذْرٍ لِمُبْدِعٍ رَجِسٍ ... مَذْهَبُهُ شَتْمُ زَوْجَةِ الطُّهْرِ) سَجْعٌ هِيَ اخْتِيَارُ الْعَظِيمِ الْعَلِيِّ لِلنَّبِيِّ، وَمُذْ طُفُولَتِهَا تُعْرَفُ بِالْعِزِّ الأَبِيِّ، وَلَهَا عَقْلُ الْكِبَارِ فِي سِنِّ الصَّبِيِّ، وَهَلْ يَضُرُّهَا قَوْلُ الْجَهُولِ الْغَبِيِّ، أَوْ يَقْدَحُ فِي ريح

стр. 455

الْمِسْكِ الذَّكِيِّ إِلا بَهِيمٌ ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ منهم له عذاب عظيم﴾ . مَا تَزَوَّجَ الرَّسُولُ ﷺ بِكْرًا سِوَاهَا، وَلا أَحَبَّ زَوْجَةً كَحُبِّهِ إِيَّاهَا، جَاءَ بِهَا الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ فَجَلاهَا، وَتَكَلَّمَ اللَّهُ بِبَرَاءَتِهَا سُبْحَانَ مَنْ أَعْطَاهَا، وَمَا يَرْمِي الأَصِحَّاءَ بِالسُّقْمِ إِلا سَقِيمٌ ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ منهم له عذاب عظيم﴾ . واعجبا لِمُبْغِضِيهَا مَنْ هُمْ، إِنْ فَهِمْتَ قَوْلِي قُلْتَ إِنْ هُمْ، ضَرَّهُمْ وَاللَّهِ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ، خَفَّتْ وَاللَّهِ عُقُولُهُمْ وَالآفَةُ تَهِيمُ ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ . مَا خَفِيَ عَلَى حُسَّادِهَا طَهَارَةُ ذَيْلِهَا، غَيْرَ أَنَّ الطِّبَاعَ الرَّدِيَّةَ فِي مَيْلِهَا، هَجَمَتْ عَلَيْهَا الأَحْزَانُ بِرَجْلِهَا وَخَيْلِهَا، فَكَانَتْ طُولَ نَهَارِهَا وَلَيْلِهَا تَبْكِي بُكَاءَ الْيَتِيمِ. مَدُّوا أَبْوَاعَهُمْ إِلَى عِرْضِهَا فَمَا نَالُوا، وَأَكْثَرُوا الْقَوْلَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَاحْتَالُوا، وَنَوَّعُوا أَسْبَابَ الْقَذْفِ وَتَكَلَّمُوا وَأَطَالُوا، وَهِيَ عَلَى طَهَارَتِهَا مِمَّا قَالُوا فِي مَقْعَدٍ مُقِيمٍ. تَكَلَّمُوا فيها بترهات، وراموا ذم السَّمَاءِ وَهَيْهَاتَ، يَا عَائِبَهَا إِنْ عَرَفْتَ عَيْبًا فَهَاتِ، كَفَانَا اللَّهُ شَرَّ عُقُوقِ الأُمَّهَاتِ فَإِنَّهُ قَبِيحٌ ذَمِيمٌ ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عذاب عظيم﴾ . مَا كَانَ سِوَى غَيْمٍ ثُمَّ تَجَلَّى، وَانْصَرَفَ الْحُزْنُ وَتَوَلَّى بِالْفَرَحِ الَّذِي تَوَلَّى، وَلَبِسَ الْمَمْدُوحُ أَحْسَنَ الْحُلَى وَتَحَلَّى، وَحَمَلَ الْقَاذِفُ إِثْمًا وَكَلا، أَيَقْدَحُ الْعُقَلاءُ فِي أُمَّهَاتِهِمْ، الْقَاذِفُونَ كَلا هِيَ مِنْهُمْ عَقِيمٌ ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عذاب عظيم﴾ . حُوشِيَتْ مِنْ رَيْبٍ أَوْ فُجُورٍ، إِنَّمَا زِيدَتْ بِمَا جَرى فِي الأُجُورِ، تَنَزَهَّتْ أُمُّ الْعُدُولِ أن تجوز، إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي أَغْبَاشِ لَيْلِ ظَلامِ دَيْجُورٍ، ثُمَّ بَانَ النُّورُ فِي سُورَةِ النُّورِ، فَنَزَلَ فِي الْكَلامِ الْقَدِيمِ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ له عذاب عظيم﴾ .

стр. 456

المجلس الثالث والثلاثون فِي فَضْلِ الصَّحَابَةِ ﵃ الْحَمْدُ لله القديم الأحدي، العظيم الصمدي، الدائم الأَبَدِيِّ، الْقَائِمِ السَّرْمَدِيِّ، رَفَعَ بِقُدْرَتِهِ السَّمَاءَ وَأَجْرَى بِحِكْمَتِهِ الْمَاءَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ، وَأَمْكَنَهُ مِنَ الْعَيْشِ الْهَنِيِّ، فَخَالَفَ بِالأَكْلِ الصَّوَابَ، فَكَشَفَ الْخَلافُ عَنْهُ الْجِلْبَابَ، فَخَرَجَ وَمَا يَعْرِفُ الْبَابَ لِشُؤْمِ ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ، وَيَسْتَدْرِكُ سَالِفَ الْفَوَاتِ حَتَّى عَطَفَتْ عَلَى تِلْكَ الْعَبَرَاتِ رَحْمَةُ الرَّاحِمِ الْخَفِيِّ، فَاحْذَرْ مِنَ الأَفْعَالِ الْخِبَاثِ فَإِنَّهَا سَبَبُ الالْتِيَاثِ، وَتَعَلَّقْ بالمستغاث ينقذك من جهل العلماء فَإِنَّهُ سَرِيعُ الْفَرَجِ، إِذَا اشْتَدَّ الأَمْرُ ضِيقًا فُرِجَ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حرج﴾ رِفْقًا بِالضَّعِيفِ وَالْقَوِيِّ. مَنْ لاذَ بِجَنَابِهِ مَرِيضًا صَلَحَ، مَنْ عَاذَ بِبَابِهِ سَائِلا فَتَحَ، سُبْحَانَهُ لقد جَادَ وَسَمَحَ وَحَتَّى عَلَى الْفَاجِرِ الشَّقِيِّ، ذَلَّ لِجَلالِهِ مَنْ شَمَخَ، وَقَلَّ لِكَمَالِهِ مَنْ بَذَخَ، وَخَرَجَ اللَّيْلُ بِقُدْرَتِهِ وَانْسَلَخَ عَنِ النَّهَارِ النَّقِيِّ، تَفَرَّدَ بِالإِنْعَامِ وَالْجُودِ، وَأَذَلَّ الأَعْنَاقَ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَتَنَزَّهَ عَنْ مُشَابَهَةِ كُلِّ مَوْجُودٍ بِالْوُجُودِ الأَزَلِيِّ، سَعِدَ مَنْ بِطَاعَتِهِ يَلُوذُ، وَنَجَا مَنْ بِحَرِيمِهِ يَعُوذُ، وَأَمْرُهُ فِي خَلْقِهِ نُفُوذٌ، فَمَا حِيلَةُ المرمى، بعلم خَفِيَّ الْخَافِي مِنَ السِّرِّ، وَيَسْمَعُ أَنِينَ الْمُضْطَرِّ فِي الضُّرِّ، وَيَرَى دَبِيبَ الذَّرِّ فِي الْبَرِّ تَحْتَ أَخْفَافِ الْمَطِيِّ، لا يَعْزُبُ عَنْ سَمْعِهِ خَفِيُّ الرِّكْزِ، وَلا يُمْنَعُ أَمْرَهُ حَصِينُ الْحِرْزِ، تَعَالَى أَنْ يُشَابِهَ الْمَخْلُوقَ فِي الْعَجْزِ بِالْعِزِّ الأَبَدِيِّ، يُوصَفُ بِالْحَيَاةِ وَالْكَلامِ وَالسَّمْعِ وَالنَّفْسِ، وَجَلَّتْ صفاته عن وهم الْحَدْسِ إِنَّمَا هُوَ

стр. 457

وَحْيٌ أَنْزَلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ عَلَى قَلْبِ النَّبِيِّ، يَرْزُقُ النَّمْلَ فِي الرَّمْلِ وَالْفَرْخَ فِي الْعُشِّ، وَيَبْعَثُ الْمُزْنَ بِالْوَبْلِ وَالْوَدَقِ وَالطَّشِّ، خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، لا كَاسْتِوَاءِ الْبَشَرِيِّ. يُحَاسِبُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِصَاصِ، وَيَسْأَلُ عَنْ خَفِيِّ الرِّيَاءِ وَدَقِيقِ الإِخْلاصِ، وَيَتَجَلَّى فِي الْجَنَّةِ لأَهْلِ الْخَلاصِ فَيَلْحَقُهُ الرَّائِي وَيَا عِزَّةَ الْمَرْئِيِّ، بِيَدِهِ مُلْكُ الطُّولِ وَالْعَرْضِ، وَإِذَا أَجْمَعَ الْخَلائِقَ لِيَوْمِ الْعَرْضِ، حَارَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ، وَانْقَضَتْ مَشِيدَاتُ الْمَبْنِيِّ. مَوْصُوفٌ بِالرِّضَا وَيُحْذَرُ مِنْهُ السَّخَطُ، مَعْرُوفٌ بِالْكَرَمِ فَإِيَّاكَ وَالْقَنَطَ، شَرَطَ عَلَيْكُمُ التَّقْوَى فَقُمْ بِالَّذِي شَرَطَ، فَإِنَّهُ لا يَنْسَى أَجْرَ التَّقِيِّ. لا يَخْفَى عَلَيْهِ خَائِنَةُ اللَّحْظِ، وَلا يَحْتَجِبُ عَنْ سَمْعِهِ خَفِيُّ اللَّفْظِ، وَقَدْ نَزْجُرُكَ عَنِ الْخَطَايَا بِأَبْلَغِ الْوَعْظِ، وَنَنْهَاكَ بِالْعَقْلِيِّ وَالْحِسِّيِّ، تَنَزَّهَ عَنِ الْعُنْصُرِ وَالْمِزَاجِ وَالطَّبْعِ، وَتَقَدَّسَ عَنِ الْجَوَارِحِ وَإِنْ وُصِفَ بِالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ، وَلا تُعْرَفُ صِفَاتُهُ إِلا بِالنَّقْلِ وَالسَّمْعِ، لا بِرَأْيِ الْبِدَعِيِّ. قَضَى بِالْقَضَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ وَفَرَغَ، وَأَنْزَلَ الْقُرْآنَ وَالزَّمَنُ النَّزْرُ قَدْ فَرَغَ، لِيُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَهُوَ الْمَكْتُوبُ الْمَسْمُوعُ الْمَعْرُوفُ، الْمَحْفُوظُ الْمَتْلُوُّ الْمَأْلُوفُ، وَالْمُتَكَلَّمُ بِهِ بِالْكَلامِ مَوْصُوفٌ، تَنَزَّهَ عَنِ الْجِرْسِ وَالْعِيِّ. مَسْطُورٌ فِي الصَّحَائِفِ وَالأَوْرَاقِ، مُنَزَّلٌ مِنَ الْمَلِيكِ الْخَلاقِ، أَنْزَلَهُ مِنْ فَوْقِ السَّبْعِ الطِّبَاقِ عَلَى الرَّسُولِ الأُمِّيِّ، كِتَابٌ مُعَظَّمٌ مُبَارَكٌ لا يُدَانِي فِي لَفْظِهِ، وَلا يُشَارِكُ بِكَشْفِ نُورِهِ، كُلَّمَا تَدَارَكَ عَنْ بَصَرِ الْبَصِيرَةِ عَمِيَ الْعُمْيُ، نَزَلَ بَِأَمْرِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ عَلَى النَّبِيِّ النَّبِيهِ النَّبِيلِ، وَسُهِّلَتْ تلاوته أي تسهيل حَتَّى عَلَى الصَّبِيِّ، بِهِ فَاقَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى الأُمَمِ، وَبِهِ نُشِرَ لِهَذَا الْعَالَمِ الْعِلْمُ، وَمِنْ حِكْمَتِهِ هَطَلَتْ عَلَى الْقُلُوبِ دِيَمٌ فَاهْتَزَّتْ وَرَبَتْ بِالرِّيِّ، فَرُكِّبَ فِيهَا أَغْرَاسُ الإِيمَانِ، وَأَوْرَقَتْ أَغْصَانُ الإِيقَانِ، وَانْحَلَّتْ مَعُوصَاتُ الإِشْكَالِ بِالْبَيَانِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى فَهْمِ الأَعْجَمِيِّ.

стр. 458

مَنَعَ حَافِظِيهِ اللَّعِبَ وَاللَّهْوَ، وَدَفَعَ عَنْ مُتَدَبِّرِيهِ الْبَطَالَةَ وَالسَّهْوَ، فَمَنِ اسْتَغْنَى بِهِ عَنْ غَيْرِهِ فَهُوَ فِي الْعَيْشِ الرَّضِيِّ، إِنَّهُ لأَجْلِ مَا تَحَرَّكَتْ بِهِ الأَفْوَاهُ؛ كَيْفَ لا وَالْمُتَكَلِّمُ بِهِ هُوَ اللَّهُ، يَكُونُ مَخْلُوقًا وَقَدِ اتَّصَفَ بِهِ الإِلَهُ، وَيْلٌ لِلْمُعْتَزِلِيِّ. لا يَخْلُقُ عَنْ كَثْرَةِ التِّكْرَارِ وَلا يَبْلَى؛ لا يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَلَى مِثْلِهِ حَاشَا وَكَلا، تَعْرِفُ الْمَلائِكَةُ كُلَّ بَيْتٍ فِيهِ يُتْلَى كَمَعْرِفَتِهِمْ بِالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ. فَاسْلُكْ فِي اعْتِقَادِكَ طَرِيقَ السَّلَفِ الْمَرْضِيِّ، وَخُذْ بِمُلازَمَةِ السُّنَنِ بِالسَّنَنِ السَّوِيِّ، هَذَا مَذْهَبُ الْمُسْلِمِ وَعَقْدِ الْحَنْبَلِيِّ. أَحْمَدُهُ عَلَى الْفَهْمِ الْقَوِيِّ، وَأَسْتَعِيذُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ الْغَوِيِّ، وَأَشْهَدُ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ شَهَادَةً زَادَ صَفَاؤُهَا عَلَى الْوَصْفِ الْعُرْفِيّ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ اسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْعُنْصُرِ الزَّكِيِّ فَبَشَّرَ بِوِلادَتِهِ انْشِقَاقُ الإِيوَانِ الْكِسْرَوِيِّ، وَجَمَّلَهُ بِنُورِ الْهَيْئَةِ قَبْلَ الزِّيِّ، وَنَصَرَهُ بِالرُّعْبِ قَبْلَ الْمَشْرَفِيِّ، وَأَرْسَلَهُ بِالدَّلِيلِ الْجَلِيِّ وَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَزَهَّدَهُ فِي مُجَالَسَةِ الْغَنِيِّ الْغَبِيِّ، وَرَغَّبَهُ فِي صُحْبَةِ الْفَقِيرِ مِنَ الدُّنْيَا الْخَلِيِّ، وَعَاتَبَهُ فِي صُهَيْبٍ الرُّومِيّ وَبِلالٍ الْحَبَشِيِّ وَالْفَقِيرِ الضَّعِيفِ الْقَصِيِّ ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ ربهم بالغداة والعشي﴾ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيِّ الْهَاشِمِيِّ الْمَكِّيِّ الزَّمْزَمَيِّ الأَبْطَحِيِّ الْمَدَنِيِّ التِّهَامِيِّ، وَعَلَى صَاحِبِهِ الْمَخْصُوصِ بفضيلة " ثاني اثنين " وَهُوَ فِي الْقَبْرِ مُضَاجِعُهُ كَهَاتَيْنِ، كَيْفَ لا وَقَدْ كَانَا رَفِيقَيْنِ فِي الزَّمَانِ الْجَاهِلِيِّ، وَعَلَى الَّذِي كَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَفْرُقُ مِنْ ظِلِّهِ وَتَتَفَرَّقُ هَيْبَةً مِنْ أَجْلِهِ، إِذَا سَمِعُوا خَفْقَ نَعْلِهِ هَرَبُوا مِنَ الأَحْوَذِيِّ وَعَلَى مُصَابِرِ الْبَلاءِ مِنْ أَيْدِي الأَعْدَاءِ الَّذِي يَسْتَحِي مِنْهُ مَلائِكَةُ السَّمَاءِ. سَلامُ اللَّهِ عَلَى ذَاكَ الْحَيِيِّ، وَعَلِيٍّ الَّذِي ملىء عِلْمًا وَخَوْفًا، وَعَاهَدَ عَلَى تَرْكِ الدُّنْيَا فَأَوْفَى، وَنَحْنُ وَاللَّهِ نُحِبُّهُ أَوْفَى مِنْ حُبِّ الرَّافِضِيِّ، وَعَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأَتْبَاعِهِ عَلَى مِنْهَاجِهِ مَا قَامَ مُكَلَّفٌ بِالْفَرْضِ الرَّسْمِيِّ، وَاسْتَقَامَ نَبْتٌ فِي الأَرْضِ بِالْوَسْمِيِّ. وَسَلَّمَ.

стр. 459

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ معه أشداء على الكفار﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَهِدَ لَهُ بِالرِّسَالَةِ. وَقَوْلُهُ ﴿والذين معه﴾ يعني أصحابه ﴿أشداء﴾ وَهُوَ جَمْعُ شَدِيدٍ. وَالرُّحَمَاءُ جَمْعُ رَحِيمٍ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُغْلِظُونَ عَلَى الْكُفَّارِ وَيَتَوَادُّونَ بَيْنَهُمْ ﴿تَرَاهُمْ ركعا سجدا﴾ يَصِفُ كَثْرَةَ صَلاتِهِمْ ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ﴾ وهو الجنة ﴿ورضوانا﴾ وهو رضا الله عنهم. ﴿سيماهم﴾ أي علامتهم ﴿في وجوههم﴾ وَهَلْ هَذِهِ الْعَلامَةُ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الآخِرَةِ؟ فِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: فِي الدُّنْيَا. ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا السَّمْتُ الْحَسَنُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْخُشُوعُ وَالْوَقَارُ وَالتَّوَاضُعُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَدَى الطَّهُورِ وَثَرَى الأَرْضِ. قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لأَنَّهُمْ يَسْجُدُونَ عَلَى التُّرَابِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ السُّهُومُ وَهُوَ اصْفِرَارُ الْوَجْهِ مِنْ أَثَرِ السَّهَرِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا فِي الآخِرَةِ. ثُمَّ فِيهَا قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ مِنْ وُجُوهِهِمْ يَكُونُ أَشَدَّ وُجُوهِهِمْ بَيَاضًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَهُ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلاتُهُمْ تَبْدُو فِي وُجُوهِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ. قَالَهُ الزَّجَّاجُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ؛ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ ". قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلك مثلهم في التوراة﴾ أَيْ صِفَتُهُمْ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ صِفَةَ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ فِي التَّوْرَاةِ هَكَذَا.

стр. 460

فأما قوله: ﴿ومثلهم في الإنجيل﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا الْمَثَلَ الْمَذْكُورَ أَنَّهُ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ هُوَ مَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، فَأَمَّا مَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ فَهُوَ كَزَرْعٍ. قَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَثَلَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ. ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدمشقي. قوله تعالى ﴿أخرج شطأه﴾ أَيْ فَرَاخَهُ. يُقَالُ قَدْ أَشْطَأَ الزَّرْعُ فَهُوَ مشطىء إذا أفرخ " ﴿فآزره﴾ " أي ساواه وصار مثل الأم " ﴿فاستغلظ﴾ " أي غلظ ﴿فاستوى على سوقه﴾ وَهُوَ جَمْعُ سَاقٍ. وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِذْ خَرَجَ وَحْدَهُ فَأَيَّدَهُ بِأَصْحَابِهِ، كَمَا قَوَّى الطَّاقَةَ مِنَ الزَّرْعِ بِمَا نَبَتَ مِنْهَا حَتَّى كَثُرَتْ وَغَلُظَتْ وَاسْتَحْكَمَتْ. وَفِيمَنْ أُرِيدَ بِهَذَا الْمَثَلِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَصْلَ الزَّرْعِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ. أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْحَرِيرِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ ابن شَمْعُونَ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بن محمد، حدثنا أبو الْعَبَّاسُ عِيسَى بْنُ إِسْحَاقَ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ طُلَيْبٍ الْهَاشِمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عن داود ابن أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿شَطْأَهُ﴾ قَالَ: أَصْلُ الزَّرْعِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، أَخْرَجَ شَطْأَهُ: أَخْرَجَ مُحَمَّدًا ﷺ " ﴿فَآزَرَهُ﴾ " بأبي بكر ﴿فاستغلظ﴾ بعمر ﴿فاستوى﴾ ) بعثمان ﴿على سوقه﴾ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّرْعِ مُحَمَّدٌ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ، أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بن محمد ابن عُبَيْدٍ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ، حدثنا
следующие страницы →