Полный текст (793 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَنَظَرَ فِي الْمَآلِ وَعَاقِبَةِ الْمَصِيرِ , وَمَغَبَّةِ الْمَرْجِعِ , وَكَفَى بِالْجَنَّةِ نَوَالا وَبِالنَّارِ نَكَالا.
فَرَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا اقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ , وَوَجِلَ فَعَمِلَ , وَحَاذَرَ فَبَادَرَ , وَعُمِّرَ فَاعْتُبِرَ , وَأَجَابَ فَأَنَابَ , وَرَاجَعَ فَتَابَ , وَتَزَوَّدَ لِرَحِيلِهِ وَتَأَهَّبَ لِسَبِيلِهِ.
فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ غَضَاضَةِ الشَّبَابِ إِلا الْهَرَمَ , وَأَهْلُ بِضَاعَةِ الصِّحَّةِ إِلا السَّقَمَ , وَأَهْلُ طُولِ الْبَقَاءِ إِلا مُفَاجَأَةَ الْفَنَاءِ وَاقْتِرَابَ الْفَوْتِ وَنُزُولَ الْمَوْتِ , وَأَزَفَ الانْتِقَالِ وَإِشْفَاءَ الزَّوَالِ , وَحَفْزَ الأَنِينِ , وَعَرَقَ الْجَبِينِ وَامْتِدَادَ الْعِرْنِينِ , وَعِظَمَ الْقَلَقِ وَقَبْضَ الرَّمَقِ.
جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ أَفَاقَ لِنَفْسِهِ وَفَاقَ بِالتَّحَفُّظِ أَبْنَاءُ جِنْسِهِ , وَأَعَدَّ عُدَّةً تَصْلُحُ لِرَمْسِهِ , وَاسْتَدْرَكَ فِي يَوْمِهِ مَا مَضَى مِنْ أَمْسِهِ , قَبْلَ ظُهُورِ الْعَجَائِبِ وَمَشِيبِ الذَّوَائِبِ , وَقُدُومِ الْغَائِبِ وَزَمِّ الرَّكَائِبِ , إِنَّهُ سميع الدعاء.
стр. 37
المجلس الثالث
فِي ذِكْرِ إِدْرِيسَ ﵇
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلِيمًا عَظِيمًا عَلِيًّا , جَبَّارًا قَهَّارًا قَادِرًا قَوِيًّا , رَفَعَ سَقْفَ السَّمَاءِ بِصَنْعَتِهِ فَاسْتَوَى مَبْنِيًّا , وَسَطَحَ الْمِهَادَ بِقُدْرَتِهِ وَسَقَاهُ كُلَّمَا عَطِشَ رِيًّا , وَأَخْرَجَ صُنُوفَ النَّبَاتِ فَكَسَى كُلَّ نبت زيا , قسم الخلائق سعيداً وشقياً , و [قسم] الرِّزْقَ بَيْنَهُمْ فَتَرَى فَقِيرًا وَغَنِيًّا , وَالْعَقْلَ فَجَعَلَ [مِنْهُمْ] ذَكِيًّا وَغَبِيًّا , أَلْهَمَ إِدْرِيسَ الاحْتِيَالَ عَلَى جَنَّتِهِ فَهُوَ يَتَنَاوَلُ مِنْ لَذَّاتِهَا وَيَلْبَسُ حُلِيًّا , ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نبيا﴾ .
فَهُوَ الَّذِي جَادَ عَلَى أَوْلِيَائِهِ بِإِسْعَادِهِ , وَبَيَّنَ لَهُمْ مَنَاهِجَ الْهُدَى بِفَضْلِهِ وَإِرْشَادِهِ , وَرَمَى الْمُخَالِفِينَ [لَهُ] بِطَرْدِهِ وَإِبْعَادِهِ , وَأَجْرَى الْبَرَايَا عَلَى مَشِيئَتِهِ وَمُرَادِهِ , وَاطَّلَعَ عَلَى سِرِّ الْعَبْدِ وَقَلْبِهِ وَفُؤَادِهِ , وَقَدَّرَ صَلاحَهُ وَقَضَى عَلَيْهِ بِفَسَادِهِ , فَهُوَ الْبَاطِنُ الظَّاهِرُ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ.
أَحْمَدُهُ عَلَى إِصْدَارِهِ وَإِيرَادِهِ , حَمْدَ مُعْتَرِفٍ [لَهُ] بِإِنْشَائِهِ وَإِيجَادِهِ , وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ , شَهَادَةً تَجْلُو قَلْبَ قَائِلِهَا مِنْ رَيْنِ سَوَادِهِ , [وَأَشْهَدُ] أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ [الْمُرْسَلُ] إِلَى [جَمِيعِ] النَّاسِ فِي جَمِيعِ بِلادِهِ.
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ حَارِسِ الإِسْلامِ يَوْمَ الرِّدَّةِ عَنِ ارْتِدَادِهِ , وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي نَطَقَ الْقُرْآنُ بِمُرَادِهِ , وَعَلَى عُثْمَانَ مُشْتَرِي سِلَعِ السَّهَرِ بِنَقْدِ رُقَادِهِ , وَعَلَى عَلِيٍّ قَامِعِ أَعْدَائِهِ وَمُهْلِكِ أَضْدَادِهِ , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ آخِذِ الْبَيْعَةِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ عَلَى مُرَادِهِ.
стр. 38
اللَّهُمَّ احْرُسْنَا بِعَيْنِكَ الَّتِي لا تَنَامُ , وَاحْفَظْنَا مِنَ الْخَطَايَا وَالآثَامِ , وَارْحَمْنَا بِفَضْلِكَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ , وَانْفَعْنِي وَالْحَاضِرِينَ بِمَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِي مِنَ الْكَلامِ بِرَحْمَتِكَ يَا عَظِيمُ يَا عَلامُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إدريس إنه كان صديقا نبيا﴾
إِدْرِيسُ اسْمُهُ أخنُوخُ بْنُ يردَ بْنِ مهلاييلَ ابن قيدار بن أنوش بن شيث ابن آدَمَ ﵇.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هُوَ أَوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ بَعْدَ آدَمَ , وَكَانَ يَصْعَدُ لَهُ فِي الْيَوْمِ مِنَ العمل ما لم يَصْعَدُ لِبَنِي آدَمَ فِي السَّنَةِ , فَحَسَدَهُ إِبْلِيسُ وَعَصَاهُ قَوْمُهُ , فَرَفَعَهُ اللَّهُ مَكَانًا عَلِيًّا , وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ.
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: وُلِدَ إِدْرِيسُ فِي حَيَاةِ آدَمَ , وَقَدْ مَضَى مِنْ عُمْرِ آدَمَ ستمائة سَنَةٍ وَاثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سَنَةً , وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً , فَدَعَا قَوْمَهُ وَوَعَظَهُمْ وَنَهَاهُمْ أَلا يُلابِسُوا وَلَدَ قَابِيلَ , فَخَالَفُوهُ فَجَاهَدَهُمْ وَسَبَى مِنْهُمْ وَاسْتَرَقَّ.
وَهُو أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ وخاط الثياب , ورفع وهو ابن ثلاثمائة وخمس ستين سَنَةً. وَعَاشَ أَبُوهُ [آدَمُ] بَعْدَ ارْتِفَاعِهِ مِائَةً وَخَمْسًا وَثَلاثِينَ سَنَةً.
وَفِي الْمَكَانِ الَّذِي رُفِعَ إِلَيْهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ رَأَى إِدْرِيسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ. وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. حَكَاهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَفِي سَبَبِ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ ثلاثة أقوال:
стр. 39
أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ يَصْعَدُ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ مِثْلُ مَا يَصْعَدُ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ , فَأَحَبَّهُ مَلَكُ الْمَوْتِ , فَاسْتَأْذَنَ اللَّهَ تَعَالَى فِي خُلَّتِهِ: فَأَذِنَ لَهُ , فَهَبَطَ إِلَيْهِ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ , وَكَانَ يَصْحَبُهُ , فَلَمَّا عَرَفَهُ قَالَ: إِنِّي أَسْأَلُكَ حَاجَةً. قَالَ: مَا هِيَ. قَالَ: تُذِيقُنِي الْمَوْتَ فَلَعَلِّي أَعْلَمُ شِدَّتَهُ فَأَكُونُ أَشَدَّ لَهُ اسْتِعْدَادًا. فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَنِ اقْبِضْ رُوحَهُ سَاعَةً ثُمَّ أَرْسِلْهُ. فَفَعَلَ. ثُمَّ قَالَ [لَهُ] : كيف رأيت الموت؟ قال:
أشد مما بَلَغَنِي عَنْهُ , وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُرِيَنِي النَّارَ. فَحَمَلَهُ فَأَرَاهُ إِيَّاهَا فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُرِيَنِي الْجَنَّةَ فَأَرَاهُ إِيَّاهَا فَلَمَّا دَخَلَهَا وَطَافَ فِيهَا قَالَ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ: اخْرُجْ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لا أَخْرُجُ حَتَّى يَكُونَ اللَّهِ يُخْرِجُنِي. فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا , فَقَالَ: مَا تَقُولُ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ. فَقَصَّ عَلَيْهِ مَا جَرَى. فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا إِدْرِيسُ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يقول: " كل نفس ذائقة الموت " وَقَدْ ذُقْتُهُ. وَقَالَ: " وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا " وَقَدْ وَرَدْتُ. وَقَالَ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: " وَمَا هُمْ منها بمخرجين " فَوَاللَّهِ لا أَخْرُجُ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ يُخْرِجُنِي , فَسَمِعَ هَاتِفًا مِنْ فَوْقِهِ يَقُولُ: بِإِذْنِي دَخَلَ وَبِأَمْرِي فَعَلَ. فَخَلِّ سَبِيلَهُ.
وَهَذَا مَعْنَى مَا رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ مَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَإِنْ قِيلَ: مِنْ أَيْنَ لإِدْرِيسَ هَذِهِ الآيَاتُ؟
فَقَدْ أَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ: كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَعْلَمَ إِدْرِيسَ وُجُوبَ الْوُرُودِ وَامْتِنَاعَ الْخُرُوجِ مِنَ الْجَنَّةِ فَقَالَ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ مَلَكًا مِنَ الْمَلائِكَةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يَهْبِطَ إِلَى إِدْرِيسَ , فَأَذِنَ لَهُ , فَلَمَّا عَرَفَهُ إِدْرِيسُ قَالَ: هَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ مَعْرِفَةٌ؟ قَالَ: ذَاكَ أَخِي مِنَ الْمَلائِكَةِ. قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْفَعَنِي عِنْدَ مَلَكِ الْمَوْتِ؟ قَالَ: [نَعَمْ] [سَأَقُولُ لَهُ فِيكَ فَيَرْفُقُ بِكَ. ارْكَبْ بَيْنَ جَنَاحَيَّ. فَرَكِبَ إِدْرِيسُ فَصَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ , فَلَقِيَ مَلَكَ الْمَوْتِ] [فَعَرَفَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَهُ كَمْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ]
стр. 40
فَقَالَ الْمَلَكُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. قَالَ أَعْلَمُ مَا حَاجَتُكَ. تُكَلِّمُنِي فِي إِدْرِيسَ وَقَدْ مُحِيَ اسْمُهُ مِنَ الصَّحِيفَةِ , وَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَجَلِهِ إِلا نِصْفُ طَرْفَةِ عَيْنٍ! فَمَاتَ إِدْرِيسُ بَيْنَ جَنَاحَيِ الْمَلَكِ.
رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ إِدْرِيسَ مَشَى يَوْمًا فِي الشَّمْسِ فَأَصَابَهُ وَهَجُهَا , فَقَالَ: اللَّهُمَّ خَفِّفْ ثِقَلَهَا عَمَّنْ يَحْمِلُهَا. فَأَصْبَحَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِالشَّمْسِ وَقَدْ وَجَدَ مِنْ خِفَّتِهَا مَا لَمْ يَعْرِفْ. فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ , فَقَالَ: إِنَّ عَبْدِي إِدْرِيسَ سَأَلَنِي أَنْ أُخَفِّفَ عَنْكَ حِمْلَهَا فَأَجَبْتُهُ. فَقَالَ: يَا رَبِّ اجْمَعْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَاجْعَلْ بَيْنَنَا خُلَّةً. فَأَذِنَ لَهُ فَأَتَاهُ فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُ إِدْرِيسُ: اشْفَعْ لِي إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ أَنْ يُؤَخِّرَ أَجَلِي. قَالَ: إن اللَّهِ تَعَالَى لا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا , وَلَكِنْ أُكَلِّمُهُ فِيكَ , فَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَفْعَلَ فَعَلَ. ثُمَّ حَمَلَهُ الْمَلَكُ عَلَى جَنَاحِهِ فَوَضَعَهُ عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ , ثُمَّ أَتَى مَلَكَ الْمَوْتِ فَأَخْبَرَهُ , فَقَالَ لَيْسَ ذَاكَ إِلَيَّ , وَلَكِنْ إِنْ أَحْبَبْتَ أَعْلَمْتُهُ مَتَى يَمُوتُ. فَنَظَرَ فِي دِيوَانِهِ فَقَالَ: إِنَّكَ كَلَّمْتَنِي فِي إِنْسَانٍ مَا أَجِدُهُ يَمُوتُ إِلا عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ. قَالَ: فَإِنَّهُ هُنَاكَ قَالَ: انْطَلِقْ فَمَا تَجِدُهُ إِلا مَيِّتًا.
رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَعْبٍ ﵄.
وَقَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: وَكَانَ إِدْرِيسُ قَدْ أَوْصَى قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى وَلَدِهِ متوشلَخَ , وَكَانَ وَلَدًا صَالِحًا. وَوُلِدَ لِمتوشلَخَ لَمَكُ , وَوُلِدَ لِلَمَكَ نُوحٌ ﵇.
وَكَانَ مِنَ الملوك في زمن إدريس طهمورت مَلِكُ الأَقَالِيمِ كُلِّهَا , وَنَفَى الأَشْرَارَ , وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَاتَّخَذَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ والكلاب لحفظ الموشي , وَاسْتَمَرَّتْ أَحْوَالُهُ عَلَى الصَّلاحِ: ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ " جم شيدُ " وَتَفْسِيرُ جم شيدَ: سَيِّدُ الشُّعَاعِ , سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّهُ كَانَ وَضِيئًا جَمِيلا , فَمَلَكَ الأَقَالِيمَ كُلَّهَا وَسَارَ السِّيرَةَ الْجَمِيلَةَ , وَابْتَدَعَ عَمَلَ السُّيُوفِ وَالسِّلاحِ وَصَنْعَةَ الْقَزِّ , وَجَعَلَ النَّاسَ أَرْبَعَ طَبَقَاتٍ: طَبَقَةً مُقَاتِلَةً , وَطَبَقَةً فُقَهَاءَ , وَطَبَقَةً كُتَّابًا وَصُنَّاعًا وَحَرَّاثِينَ , وَطَبَقَةً خَدَمًا. وَعَمِلَ أَرْبَعَ خَوَاتِيمَ: خَاتَمًا لِلْحَرْبِ وَالشُّرَطِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ: الأَنَاةُ.
стр. 41
وَخَاتَمًا لِلْخَرَاجِ وَجِبَايَةِ
الأَمْوَالِ , وَكَتَبَ عَلَيْهِ: الْعِمَارَةُ. وَخَاتَمًا لِلْبَرِيدِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ: الْوَحَا. وَخَاتَمًا لِلْمَظَالِمِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ: الْعَدْلُ. فَبَقِيَتْ هَذِهِ الرُّسُومُ فِي مُلُوكِ الْفُرْسِ إِلَى أَنْ جَاءَ الإِسْلامُ.
وَأَلْزَمَ مَنْ غَلَبَهُ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ بِالأَعْمَالِ الصَّعْبَةِ مِنْ قَطْعِ الصُّخُورِ مِنَ الْجِبَالِ وَالْبِنَاءِ وَعَمَلِ الْحَمَّامَاتِ. وَأَخْرَجَ مِنَ الْبِحَارِ وَالْمَعَادِنِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوَاهِرِ وَالأَدْوِيَةِ. وَأَحْدَثَ النَّيْرُوزَ فَجَعَلَهُ عِيدًا.
ثُمَّ إِنَّهُ بَطِرَ فادعى الربوبية , فسار إليه بيوراسب , وَهُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ الأَهْيُوبِ , فَظَفِرَ بِهِ فَنَشَرَهُ بِمِنْشَارٍ.
وَمَلَكَ الضَّحَّاكُ الْفُرْسَ أَلْفَ سَنَةٍ , وَكَانَ يَدِينُ بِدِينِ الْبَرَاهِمَةِ.
وَبَيْنَ إِدْرِيسَ وَنُوحٍ [كَانَتِ] الْجَاهِلِيَّةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: " وَلا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ".
فتفكروا إخواني في أهل الفساد و [في] أَهْلِ الصَّلاحِ , وَمَيِّزُوا أَهْلَ الْخُسْرَانِ مِنْ أَرْبَابِ الأَرْبَاحِ , [فَيَا سُرْعَانَ عُمْرٍ يُفْنِيهِ الْمَسَاءُ وَالصَّبَاحُ] فَتَأَهَّبُوا لِلرَّحِيلِ فَيَا قُرْبَ السَّرَاحِ , وَتَفَكَّرُوا فِيمَنْ غَرَّتْهُ أَفْرَاحُ الرَّاحِ , كَيْفَ رَاحَ عَنِ الدُّنْيَا فَارِغَ الرَّاحِ , فَالْهَوَى لَيْلٌ مُظْلِمٌ , وَالْفِكْرُ مِصْبَاحٌ.
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
اسْمٌ مَا أَحْلاهُ لِمُسَمَّى مَا أَعْلاهُ , قَرَّبَ الْمُحِبَّ وَأَدْنَاهُ , وَبَلَّغَ الْمُؤَمِّلَ مِنْ فَضْلِهِ مُنَاهُ , مَنْ لاذَ بِحِمَاهُ حَمَاهُ , وَمَنِ اسْتَعْطَاهُ أَعْطَاهُ , أَنِسَتْ بِهِ قُلُوبُ الْعَارِفِينَ , وَوَلِهَتْ مِنْ مَحَبَّتِهِ
أَفْئِدَةُ الْمُشْتَاقِينَ , وَخَضَعَتْ لِمَحَبَّتِهِ رِقَابُ الْمُتَكَبِّرِينَ , وَإِنَّمَا يُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ.
стр. 42
(سَاكِنٌ فِي الْقَلْبِ يَعْمُرُهُ ... لَسْتُ أَنْسَاهُ فَأَذْكُرُهُ)
(وَهُوَ مَوْلايَ رَضِيتُ بِهِ ... وَنَصِيبِي مِنْهُ أُوَفِّرُهُ)
(غَابَ عَنْ سَمْعِي وَعَنْ بَصَرِي ... فَسُوَيْدَا الْقَلْبِ يُبْصِرُهُ)
للَّهِ دَرُّ أَلْسِنَةٍ بِذِكْرِي تَجْرِي , وَيَا فَخْرَهُمْ وَهِمَمَهُمْ إِلَى بَابِي تَسْرِي وَيَا رَاحَةَ أَبْدَانِهِمْ تَعِبَتْ بَيْنَ نَهْيِي وَأَمْرِي , طَالَمَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ عَلَى بَابِ شُكْرِي , رَفَضُوا شَهَوَاتِهِمْ فَالنُّفُوسُ فِي أَسْرِي , قَطَعُوا جَوَادَ الْجِدِّ وَأَنْتَ فِي الْغَفْلَةِ مَا تَدْرِي.
[اذْكُرِ] اسْمَ مَنْ إِذَا أَطَعْتَهُ أَفَادَكَ , وَإِذَا أَتَيْتَهُ شَاكِرًا زَادَكَ وَإِذَا خَدَمْتَهُ أَصْلَحَ قَلْبَكَ وَفُؤَادَكَ.
قَالَ الشِّبْلِيُّ: لَيْسَ لِلأَعْمَى مِنَ الْجَوْهَرِ إِلا لَمْسُهُ , وَلَيْسَ لِلْجَاهِلِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ إِلا النُّطْقُ بِاللِّسَانِ.
(ذِكْرُكَ لِي مُؤْنِسٌ يُعَارِضُنِي ... يَعِدُنِي عَنْكَ مِنْكَ بِالظَّفْرِ)
(وَكَيْفَ أَنْسَاكَ يَا مَدَى هِمَمِي ... وَأَنْتَ مِنِّي بِمَوْضِعِ النَّظَرِ)
يَا مَنْ يَرْجُو الثَّوَابَ بِغَيْرِ عَمَلٍ , وَيُرْجِئُ التَّوْبَةَ بِطُولِ الأَمَلِ , أَتَقُولُ فِي الدُّنْيَا قَوْلَ الزَّاهِدِينَ وَتَعْمَلُ فِيهَا عَمَلَ الرَّاغِبِينَ , لا بِقَلِيلٍ مِنْهَا تَقْنَعُ , وَلا بِكَثِيرٍ مِنْهَا تَشْبَعُ , تَكْرَهُ الْمَوْتَ لأَجْلِ ذُنُوبِكَ وَتُقِيمُ عَلَى مَا تَكْرَهُ [الْمَوْتَ لَهُ] تَغْلِبُكَ نَفْسُكَ عَلَى مَا تَظُنُّ وَلا تَغْلِبُهَا عَلَى مَا تَسْتَيْقِنُ , لا تَثِقُ مِنَ الرِّزْقِ بِمَا ضُمِنَ لَكَ وَلا تَعْمَلُ مِنَ الْعَمَلِ مَا فُرِضَ عَلَيْكَ , تَسْتَكْثِرُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِكَ مَا تُحَقِّرُهُ مِنْ نَفْسِكَ.
أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ الدُّنْيَا كَالْحَيَّةِ , لَيِّنٌ لَمْسُهَا وَالسُّمُّ النَّاقِعُ فِي جَوْفِهَا , يَهْوِي إِلَيْهَا الصَّبِيُّ
الْجَاهِلُ وَيَحْذَرُهَا ذُو اللُّبِّ الْعَاقِلُ , كَيْفَ تَقَرُّ بِالدُّنْيَا عَيْنُ مَنْ عرفها , وما أبعد أن يفطم عنها من أَلِفَهَا:
(حَقِيقٌ بِالتَّوَاضُعِ مَنْ يَمُوتُ ... وَحَسْبُ الْمَرْءِ مِنْ دُنْيَاهُ قُوتُ)
(فَمَا لِلْمَرْءِ يُصْبِحُ ذَا اهْتِمَامٍ ... وَحُزْنٍ لا تَقُومُ بِهِ النُّعُوتُ)
(فَيَا هَذَا سَتَرْحَلُ عَنْ قَرِيبٍ ... إِلَى قَوْمٍ كَلامُهُمُ السكوت)
стр. 43
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفْرٍ , بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْعَطَّارَ يَقُولُ: حَضَرْتُ جُنَيْدًا عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَا وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا , وَكَانَ قَاعِدًا يُصَلِّي وَيَثْنِي رِجْلَيْهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ , فلم يزل كذلك حتى خرج الرُّوحُ مِنْ رِجْلَيْهِ , فَثَقُلَ عَلَيْهِ تَحْرِيكُهُمَا , وَكَانَتْ رِجْلاهُ قَدْ تَوَرَّمَتَا , فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: مَا هَذَا يَا أَبَا الْقَاسِمِ؟ قَالَ: هَذِهِ نِعَمُ اللَّهُ أَكْبَرُ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ قَالَ لَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ لو اضطجعت؟ فقال: يا مُحَمَّدٍ هَذَا وَقْتٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ. اللَّهُ أَكْبَرُ. فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى خَرَجَتْ رُوحُهُ.
طُوبَى لِمَنْ تَنَبَّهَ مِنْ رُقَادِهِ , وَبَكَى عَلَى مَاضِي فَسَادِهِ وَخَرَجَ مِنْ دَائِرَةِ الْمَعَاصِي إِلَى دَائِرَةِ سَدَادِهِ , عَسَاهُ يَمْحُو بِصَحِيحِ اعْتِرَافِهِ قَبِيحَ اقْتِرَافِهِ , قَبْلَ أَنْ يَقُولَ فَلا يَنْفَعُ , وَيَعْتَذِرَ فَلا يُسْمَعُ:
(قَدْ قُلْتُ لِلنَّفْسِ وَبَالَغْتُ ... وَزِدْتُ فِي الْعُتْبِ وَأَكْثَرْتُ)
(يَا نَفْسُ قَدْ قَصَّرْتِ مَا قَدْ كَفَى ... تَيَقَّظِي قَدْ قَرُبَ الْوَقْتُ)
(جُدِّي عَسَى أَنْ تُدْرِكِي مَا مَضَى ... قَدْ سَبَقَ النَّاسُ وَخُلِّفْتُ)
(أَنَا الَّذِي قَدْ قُلْتُ دَهْرًا غَدًا ... أَتُوبُ مِنْ ذَنْبِي فَمَا تُبْتُ)
(لَوْ كُنْتُ ذَا عَقْلٍ لَمَّا حَلَّ بِي ... نَحْتٌ عَلَى نَفْسِي مَا عِشْتُ)
(وَاحَسْرَتِي يَوْمَ حِسَابِي إِذَا ... وَقَفْتُ لِلْعَرْضِ وَحُوسِبْتُ)
(وَاخَجْلَتِي إِنْ قِيلَ لِي قَدْ مَضَى ... وَقْتُكَ تَفْرِيطًا وَوُبِّخْتُ)
(وَلِي كِتَابٌ نَاطِقٌ بِالَّذِي ... قَدْ كُنْتُ فِي دُنْيَايَ قَدَّمْتُ)
(تُمِيلُنِي الدُّنْيَا بِأَهْوَائِهَا ... لَوْلا شَقَاءُ الْحَظِّ ما مات)
(وَقَدْ تَحَيَّرْتُ وَلا عُذْرَ لِي ... إِنْ قُلْتُ إني قد تحيرت)
قال عيسى بن مَرْيَمَ ﵇: لا يَنْتَظِرُ امْرُؤٌ بِتَوْبَتِهِ غَدًا , فَإِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَ غدٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً , وَأَمْرُ اللَّهِ غَادٍ وَرَائِحُ.
بَادِرْ أَيُّهَا الشَّابُّ قَبْلَ الْهَرَمِ , وَاغْتَنِمْ أَيُّهَا الشَّيْخُ الصِّحَّةَ قَبْلَ السَّقَمِ , قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ بَدَنِكَ الأَلَمُ , وَيَقُولَ لِسَانُ الْعِتَابِ: أَلَمْ [أَقُلْ لَكَ أَلَمْ] قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ :
стр. 44
" نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ".
وَكَانَ الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ يَصُومُ حَتَّى يَصْفَرَّ وَيَخْضَرَّ , وَحَجَّ ثَمَانِينَ حِجَّةً.
وَصَامَ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَقَامَ لَيْلَهَا , وَكَانَ يَبْكِي طُولَ اللَّيْلِ , فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: يَا بُنَيَّ لَعَلَّكَ قَتَلْتَ قَتِيلا؟ فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِمَا صَنَعَتْ نَفْسِي:
(جَنَحَتْ شمسُ حَيَاتِي ... وَتَدَلَّتْ لِلْغُرُوبِ)
(وَتَوَلَّى ليلُ رَأْسِي ... وَبَدَا فَجْرُ الْمَشِيبِ)
(ربِّ خَلِّصْنِي فَقَدْ لَجَجْتُ ... فِي بَحْرِ الذُّنُوبِ)
(وأنلني العفو يا أقرب ... رب من كل قريب)
الكلام على قوله تعالى:
﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض﴾
سُبْحَانَ مَنْ أَظْهَرَ الْعَجَائِبَ فِي مَصْنُوعَاتِهِ , وَدَلَّ على عظمته بمبتدعاته , وحث على تصفيح عِبَرِهِ وَآيَاتِهِ , وَأَظْهَرَ قُدْرَتَهُ فِي الْبِنَاءِ وَالنَّقْضِ , والهشيم والغض , ﴿قل انظرو ماذا في السموات والأرض﴾ .
سَعِدَ مَنْ تَدَبَّرَ , وَسَلِمَ مَنْ تَفَكَّرَ , وَفَازَ مَنْ نَظَرَ وَاسْتَعْبَرَ , وَنَجَا مِنْ بَحْرِ الْهَوَى مَنْ تَصَبَّرَ , وَهَلَكَ كُلَّ الْهَلاكِ وَأَدْبَرَ , مَنْ نَسِيَ الْمَوْتَ مَعَ الشَّعْرِ الْمُبْيَضِّ ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السماوات والأرض﴾ .
يَا أَرْبَابَ الْغَفْلَةِ اذْكُرُوا , يَا أَهْلَ الإِعْرَاضِ احْضُرُوا , يَا غَافِلِينَ عَنِ الْمُنْعِمِ اشْكُرُوا , يَا أَهْلَ الْهَوَى خَلُّوا الْهَوَى وَاصْبِرُوا , فَالدُّنْيَا قَنْطَرَةٌ فَجُوزُوا وَاعْبُرُوا , وَتَأَمَّلُوا هِلالَ الْهُدَى فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا , فَقَدْ نَادَى مُنَادِي الصَّلاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ , فَأَسْمَعَ أَهْلَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ ﴿قُلِ انظروا ماذا في السماوات والأرض﴾ .
стр. 45
إِخْوَانِي: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مُلاحَظَتَهُ بِالْبَصَرِ , وَإِنَّمَا هُوَ التَّفَكُّرُ فِي قُدْرَةِ الصَّانِعِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الدقاق , أنبأنا أبو الحسين ابن بِشْرَانَ , أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ , حَدَّثَنَا سَعْدَانُ , حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنِ الأَعْمَشِ , عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ , عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ , عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: " تَفَكُّرُ لَحْظَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ ".
وَقِيلَ لَهَا: مَا كَانَ أَفْضَلَ عَمَلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَتِ: التَّفَكُّرُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَكْعَتَانِ مُقْتَصَدِتَانِ فِي تَفَكُّرٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا زَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَعُودُونَ بِالتَّفَكُّرِ عَلَى التَّذَكُّرِ , وَبِالتَّذَكُّرِ عَلَى التَّفَكُّرِ , وَيُنَاطِقُونَ الْقُلُوبَ حَتَّى نَطَقَتْ , فَإِذَا لَهَا أَسْمَاعٌ وَأَبْصَارٌ , فَنَطَقَتْ بِالْحِكْمَةِ وَضَرَبَتِ الأَمْثَالَ , فَأَوْرَثَتِ الْعِلْمَ.
وَقَالَ: الْفِكْرُ مِرْآةٌ تُريك حَسَنَاتِكَ وَسَيِّئَاتِكَ. وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ كَلامُهُ حِكْمَةً فَهُوَ لَغْوٌ , وَمَنْ لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُ تَفَكُّرًا فَهُوَ سَهْوٌ , وَمَنْ لَمْ يَكُنْ نَظَرُهُ اعْتِبَارًا فَهُوَ لَهْوٌ.
وَجَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يتكبرون﴾ قَالَ: أَمْنَعُ قُلُوبَهُمْ مِنَ التَّفَكُّرِ فِي أَمْرِي.
وكان لقمان يجلس وحده ويقول: طول الوحدة أفهم للتفكر , وطول التفكر دَلِيلٌ عَلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ منبه: ما طالت فكرة امرىء قَطُّ إِلا عَلِمَ , وَلا عَلِمَ إِلا عَمِلَ.
وَبَيْنَمَا أَبُو شُرَيْحٍ الْعَابِدُ يَمْشِي جَلَسَ فَتَقَنَّعَ بِكِسَائِهِ وَجَعَلَ يَبْكِي , فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: تَفَكَّرْتُ فِي ذَهَابِ عُمْرِي وَقِلَّةِ عَمَلِي واقتراب أجلي!.
стр. 46
وَبَيْنَا دَاوُدُ الطَّائِيُّ فِي سَطْحِ دَارِهِ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ تَفَكَّرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَوَقَعَ إِلَى سَطْحِ جَارِهِ , فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: مَا عَلِمْتُ بِذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفَكُّرَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَبْدِ , وَالثَّانِي بِالْمَعْبُودِ ﷻ .
فَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِالْعَبْدِ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَفَكَّرَ: هَلْ هُوَ عَلَى مَعْصِيَةٍ أَمْ لا؟ فَإِنْ رَأَى زَلَّةً تَدَارَكَهَا بِالتَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ ثُمَّ يَتَفَكَّرَ فِي نَقْلِ الأَعْضَاءِ مِنَ الْمَعَاصِي إِلَى الطَّاعَاتِ , فَيَجْعَلَ شُغُلَ الْعَيْنِ الْعَبْرَةَ , وَشُغُلَ اللِّسَانِ الذِّكْرَ , وَكَذَلِكَ سَائِرَ الأَعْضَاءِ.
ثُمَّ يَتَفَكَّرَ فِي الطَّاعَاتِ لِيَقُومَ بِوَاجِبِهَا وَيُجْبِرَ وَاهِنَهَا , ثُمَّ يَتَفَكَّرَ فِي مُبَادَرَةِ الأَوْقَاتِ بِالنَّوَافِلِ طَلَبًا لِلأَرْبَاحِ , وَيَتَفَكَّرَ فِي قِصَرِ الْعُمْرِ فَيَنْتَبِهَ حَذِرًا أَنْ يَقُولَ غداً: " يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ".
ثُمَّ يَتَفَكَّرَ فِي خِصَالِ بَاطِنِهِ فَيَقْمَعُ الْخِصَالَ الْمَذْمُومَةَ , كَالْكِبْرِ وَالْعَجَبِ وَالْبُخْلِ وَالْحَسَدِ , وَيَتَوَلَّى الْخِصَالَ الْمَحْمُودَةَ , كَالصِّدْقِ وَالإِخْلاصِ وَالصَّبْرِ وَالْخَوْفِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ يَتَفَكَّرُ فِي زَوَالِ الدُّنْيَا فَيَرْفُضُهَا , وَفِي بَقَاءِ الآخِرَةِ فَيَعْمُرُهَا.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَقْبُرِيُّ , أَنْبَأَنَا عَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ , أَنْبَأَنَا بُشْرَانُ ابن صَفْوَانَ , أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدٍ , قَالَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , حَدَّثَنِي عَمَّارُ بْنُ
عُثْمَانَ , حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ , قَالَ: قَالَ النَّضْرُ بْنُ الْمُنْذِرِ لإِخْوَانِهِ: زُورُوا الآخِرَةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِقُلُوبِكُمْ , وَشَاهِدُوا الْمَوْتَ بِتَوَهُّمِكُمْ , وَتَوَسَّدُوا الْقُبُورَ بِفِكْرِكُمْ , وَاعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ لا مَحَالَةَ , فَمُخْتَارٌ لِنَفْسِهِ مَا أَحَبَّ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالضَّرَرِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ.
وَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِالْمَعْبُودِ ﷻ فَقَدْ مَنَعَ الشَّرْعَ مِنَ التَّفَكُّرِ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ فَقَالَ ﵇: " تفكروا في خلق الله ولا تتفكرو افي اللَّهِ , فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقْدِرُوا قَدْرَهُ ".
стр. 47
فَلَمْ يَبْقَ إِلا النَّظَرُ فِي الآثَارِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْمُؤْثَرِ.
وَجَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ آثَارِ قُدْرَتِهِ.
وَأَعْجَبُ آثَارِهِ الآدَمِيُّ , فَإِنَّكَ إِذَا تَفَكَّرْتَ فِي نَفْسِكَ كَفَى , وَإِذَا نَظَرْتَ فِي خَلْقِكَ شَفَى. أَلَيْسَ قَدْ فَعَلَ فِي قَطْرَةٍ [مِنْ] مَاءٍ مَا لَوِ انْقَضَتِ الأَعْمَارُ فِي شَرْحِ حِكْمَتِهِ مَا وَفَتْ!
كَانَتِ النُّقْطَةُ مَغْمُوسَةً فِي دَمِ الْحَيْضِ , وَمِقْيَاسُ الْقُدْرَةِ يَشُقُّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ , خلق منها ثلاثمائة وستين عظماً وخمسمائة وَتِسْعًا وَعِشْرِينَ عَضَلَةً , كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَحْتَهُ حِكْمَةٌ , فَالْعَيْنُ سَبْعُ طَبَقَاتٍ , وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَضَلَةً لِتَحْرِيكِ حَدَقَةِ الْعَيْنِ , وَأَجْفَانِهَا , لَوْ نَقَصَتْ مِنْهَا وَاحِدَةٌ لاخْتَلَّ الأَمْرُ , وَأَظْهَرَ فِي سَوَادِ الْعَيْنِ عَلَى صِغَرِهِ صُورَةَ السَّمَاءِ مَعَ اتِّسَاعِهَا , وَخَالَفَ بَيْنَ أَشْكَالِ الْحَنَاجِرِ فِي الأَصْوَاتِ , وَسَخَّرَ الْمَعِدَةَ لإِنْضَاجِ الْغِذَاءِ , وَالْكَبِدَ لإِحَالَتِهِ إِلَى الدَّمِ , وَالطِّحَالَ لِجَذْبِ السَّوْدَاءِ وَالْمَرَارَةَ لِتَنَاوُلِ الصَّفْرَاءِ [كُلُّهَا] وَالْعُرُوقُ كَالْخَدَمِ لِلْكَبِدِ تَنْفُذُ مِنْهَا الدِّمَاءُ إِلَى أطراف البدن.
فيا أيها الْغَافِلُ مَا عِنْدَكَ خَبَرٌ مِنْكَ , فَمَا تَعْرِفُ مِنْ نَفْسِكَ إِلا أَنْ تَجُوعَ فَتَأْكُلَ
وَتَشْبَعَ فَتَنَامَ , وَتَغْضَبَ فَتُخَاصِمَ , فَبِمَاذَا تَمَيَّزْتَ عَلَى الْبَهَائِمِ!
ارْفَعْ بَصَرَ فِكْرِكَ إِلَى عَجَائِبِ السَّمَوَاتِ , فَتَلَمَّحِ الشَّمْسَ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي مَنْزِلٍ , فَإِذَا انْخَفَضَتْ بَرَدَ الْهَوَاءُ وَجَاءَ الشِّتَاءُ , وَإِذَا ارْتَفَعَتْ قَوِيَ الْحَرُّ , وَإِذَا كَانَتْ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ اعْتَدَلَ الزَّمَانُ , وَالشَّمْسُ مِثْلُ الأَرْضِ مِائَةً وَنَيِّفًا وَسِتِّينَ مَرَّةً وَأَصْغَرُ الْكَوَاكِبِ مِثْلُ الأَرْضِ ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ.
ثُمَّ اخْفِضْ بَصَرَكَ إِلَى الأَرْضِ تَرَى فِجَاجَهَا مُذَلَّلَةً لِلتَّسْخِيرِ , فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَتَفَكَّرُوا فِي شُرْبِهَا بَعْدَ جَدْبِهَا بِكَأْسِ الْقَطْرِ , وَتَلَمَّحْ خُرُوجَ النَّبَاتِ يَرْفُلُ فِي أَلْوَانِ الْحُلَلِ عَلَى اخْتِلافِ الصُّوَرِ وَالطُّعُومِ وَالأَرَايِيحِ , وَانْظُرْ كَيْفَ نَزَلَ الْقَطْرُ إِلَى عِرْقِ الشَّجَرِ , ثُمَّ عَادَ يَنْجَذِبُ إِلَى فُرُوعِهَا. وَيَجْرِي فِي تَجَاوِيفِهَا بِعُرُوقٍ لا تَفْتَقِرُ إلى كلفة.
стр. 48
فلاحظ لِلْغَافِلِ فِي ذَلِكَ إِلا سَمَاعُ الرَّعْدِ بِأُذُنِهِ ورؤية النبات والمطر بعينيه.
كَلا! لَوْ فَتَحَ بَصَرَ الْبَصِيرَةِ لَقَرَأَ عَلَى كل قطرة , ورقة خطاّ بِالْقَلَمِ الإِلَهِيِّ , [تُعْلِمُ] أَنَّهَا رِزْقُ فُلانٍ فِي وَقْتِ كَذَا.
ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الْمَعَادِنِ لِحَاجَاتِ الْفَقِيرِ إِلَى الْمَصَالِحِ , فَمِنْهَا مُودَعٌ كَالرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ , وَمِنْهَا مَصْنُوعٌ بِسَبَبِ غَيْرِهِ كَالأَرْضِ السَّبَخَةِ يُجْمَعُ فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ فَيَصِيرُ مِلْحًا.
وَانْظُرْ إِلَى انْقِسَامِ الْحَيَوَانَاتِ مَا بَيْنَ طَائِرٍ وَمَاشٍ وَإِلْهَامِهَا مَا يُصْلِحُهَا.
وَانْظُرْ إِلَى بُعْدِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ كَيْفَ مَلأَ ذَلِكَ الْفَرَاغَ هَوَاءً لِتَسْتَنْشِقَ مِنْهُ الأَرْوَاحُ وَتَسْبَحُ الطَّيْرُ فِي تَيَّارِهِ إِذَا طَارَتْ.
وَانْظُرْ بِفِكْرِكَ إِلَى سَعَةِ الْبَحْرِ وَتَسْخِيرِ الْفُلْكِ فِيهِ , وَمَا فِيهِ مِنْ دَابَّةٍ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: خَلَقَ اللَّهُ ألف أمة , فأسكن ستمائة في البحر وأربعمائة فِي الْبَرِّ.
وَاعَجَبًا لَكَ لَوْ رَأَيْتَ خَطًّا مُسْتَحْسَنَ الرَّقْمِ لأَدْرَكَكَ الدَّهَشُ مِنْ حِكْمَةِ الْكَاتِبِ , وَأَنْتَ تَرَى رُقُومَ الْقُدْرَةِ وَلا تَعْرِفُ الصَّانِعَ , فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْهُ بِتِلْكَ الصَّنْعَةِ فَتَعَجَّبْ كَيْفَ أَعْمَى بَصِيرَتَكَ مَعَ رُؤْيَةِ بَصَرِكَ!
سَجْعٌ عَلَى قوله تعالى
^ وما تغني الآيات والنذر على قوم لا يؤمنون ^ كَيْفَ تَصِحُّ الْفِكْرَةُ لِقَلْبٍ غَافِلٍ , وَكَيْفَ تَقَعُ الْيَقَظَةُ لِعَقْلٍ ذَاهِلٍ , وَكَيْفَ يَحْصُلُ الْفَهْمُ لِلُبٍّ عَاطِلٍ , عَجَبًا لِمُفَرِّطٍ وَالأَيَّامُ قَلائِلُ وَلِمَائِلٍ إِلَى رُكْنٍ مَائِلٍ , لَقَدْ خَابَ الْغَافِلُونَ وَفَازَ الْمُتَّقُونَ ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يؤمنون﴾ .
стр. 49
مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الشَّقَاءُ كَيْفَ يَسْلَمُ , وَمَنْ عَمِيَ قَلْبُهُ كَيْفَ يَفْهَمُ , وَمَنْ أَمْرَضَهُ طَبِيبُهُ كَيْفَ لا يَسْقَمُ , وَمَنِ اعْوَجَّ فِي أَصْلِ وَضْعِهِ فَبَعِيدٌ أَنْ يَتَقَوَّمَ , هَيْهَاتَ مَنْ خُلِقَ للشقاء فللشقاء يَكُونُ , ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يؤمنون﴾ .
كَمْ عَمَلٍ رُدَّ عَلَى عَامِلِهِ , وَكَمْ أَمَلٍ رَجَعَ بِالْخَيْبَةِ عَلَى آمِلِهِ , وَكَمْ عَامِلٍ بَالَغَ فِي إِتْعَابِ مَفَاصِلِهِ فَهَبَّتْ رِيحُ الشَّقَاءِ لِتَبْدِيدِ حَاصِلِهِ , لَقَدْ نُودِيَ عَلَى الْمَطْرُودِينَ وَلَكِنَّهُمْ مَا يَسْمَعُونَ ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يؤمنون﴾ .
(عِشْتُ دَهْرًا بِالتَّظَنِّي ... هَائِمًا فِي كُلِّ فَنِّ)
(قَانِعًا مِنْ أُمِّ دَفْرٍ ... بِأَبَاطِيلِ التَّمَنِّي)
(أَبْتَغِيهَا وهي تضميني ... مِنْ تَحْتِ الْمِجَنِّ)
(فَالْمُنَى تُدْنِي إِلَيْهَا ... وَالْمَدَى فَوْقَ الْمُسِنِّ)
(ثُمَّ لا آخُذُ مِنْهَا ... مِثْلَ مَا تَأْخُذُ مِنِّي)
(أَيُّهَا الْمُعْجَلُ عَنْهَا ... وَهُوَ شبه المتأني)
(ليس للمزعج بالسير ... ركوب المطمأن)
(لَيْتَ شِعْرِي وَالَّتِي تُغْرِي ... بِأَنِّي وَلَوْ أَنِّي)
(أَيُّ شَيْءٍ صَحَّ مِنْهَا ... لِلْحَرِيصِ الْمُتَعَنِّي)
(أَنَا إِذْ أَشْكُو فَلا تَسْمَعُ ... شُكْوَى الْمُتَجَنِّي)
(كَمُحِبٍّ ظَلَّ يَبْكِي ... لِلْحَمَامِ الْمُتَغَنِّي)
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تعالى
﴿فهل ينظرون إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قل للمقيمين على معاصيهم وجهلهم , االناسين مَنْ سَبَقَهُمْ , الْمُصِرِّينَ عَلَى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ , كَمْ لَعِبَ الرَّدَى بِمِثْلِهِمْ , لَقَدْ بُولِغَ فِي اجْتِثَاثِ أَصْلِهِمْ , فَتَرَاهُمْ مَا يَكْفِي فِي تَوْبِيخِهِمْ , ﴿فَهَلْ ينظرون إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ .
стр. 50
قُلْ لِلْمُذْنِبِينَ تَأَمَّلُوا الْعَوَاقِبَ , الآثَامُ تَبْقَى وَتَفْنَى الأَطَايِبُ , وَالذُّنُوبُ تُحْصَى وَمَا يَغْفَلُ الْكَاتِبُ , وَالسَّهْمُ مُفَوِّقٌ وَالرَّامِي صَائِبٌ , وَاللَّذَّاتُ وَإِنْ نِيلَتْ فَبَعْدَهَا الْمَصَائِبُ , فَلْيَتَدَبَّرِ الْعَاقِلُ وَلْيَحْضُرِ الْغَائِبُ , قَبْلَ أَنْ يؤخذ الجهال على جهلهم , ﴿فهل ينظرون إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ .
(إِنْ كَانَ غَيْرُكَ قَدْ أَجَابَ الدَّاعِي ... فَكَأَنَّنِي بِكَ قَدْ نَعَاكَ النَّاعِي)
(قَدْ طَالَ بَاعُكَ وَالْمَنِيَّةُ بَعْدَ ذَا ... لَيْسَتْ إِذَا صَالَتْ قَصيِرَةَ بَاعِ)
(وَمَلأْتَ سَمْعَكَ بِالْمَوَاعِظِ ظَاهِرًا ... حَتَّى اشْتُهِرْتَ بِهِ وَلَسْتَ بِوَاعِي)
(تَسْعَى بِنَفْسِكَ فِي الْمَتَالِفِ جَاهِدًا ... لا تَفْعَلَنَّ وَارْفُقْ بِهَا يَا سَاعِي)
(ولقد جمعت من القبائح باطنا ... مالا تَضَمَّنُهُ جُسُومُ أَفَاعِي)
(كَمْ قَدْ غُرِرْتَ بِظَاهِرٍ مُتَجَمِّلٍ ... مِثْلِ السَّرَابِ جَرَى بِبَطْنِ الْقَاعِ)
(بِعْتَ الَّذِي يَبْقَى بِمَا يَفْنَى غَدًا ... يَا مَنْ رَضِيَ بِغَبِينَةِ الْمُبْتَاعِ)
أَيُّهَا الْعَبْدُ انْظُرْ بِعَيْنِ فِكْرِكَ وَعَقْلِكَ , هَلْ تَجِدُ سَبِيلا لِخَلاصِ مِثْلِكَ مَعَ إِقَامَتِهِ عَلَى فِعْلِكَ , أَيْنَ اعْتِبَارُكَ بِانْطِلاقِ أَسْلافِكَ , أَيْنَ فِكْرُكَ فِي فِرَاقِ أُلافِكَ , مَتَى تنتقل على قَبِيحِ خِلافِكَ.
(قُلْ لِلْمُفَرِّطِ يَسْتَعِدُّ ... مَا مِنْ وُرُودِ الْمَوْتِ بُدُّ)
(قَدْ أَخْلَقَ الدَّهْرُ الشَّبَابَ ... وما مضى لا يسترد)
(أو ما يَخَافُ أَخُو الْمَعَاصِي ... مَنْ لَهُ الْبَطْشُ الأَشَدُّ)
(يَوْمًا يُعَايِنُ مَوْقِفًا ... فِيهِ خُطُوبٌ لا تُحَدُّ)
(فَإِلامَ يَشْتَغِلُ الْفَتَى ... فِي لَهْوِهِ وَالأَمْرُ جَدُّ)
(أَبَدًا مَوَاعِيدُ الزَّمَانِ ... لأَهْلِهِ تَعَبٌ وَكَدُّ)
(يَا مَنْ يُؤَمِّلُ أَنْ يُقِيمَ ... بِهِ وَحَادِي الْمَوْتِ يَحْدُو)
(وَتَرُوحُ دَاعِيَةُ الْمَنُونِ ... عَلَى مُؤَمِّلِهَا وَتَغْدُو)
(يَخْتَالُ فِي ثَوْبِ النَّعِيمِ ... وَدُونَهُ قَبْرٌ وَلَحْدُ)
(وَالْعُمْرُ يَقْصُرُ كُلَّ يَوْمٍ ... ثُمَّ فِي الآمَالِ مد)
стр. 51
أَيْقَظَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذِهِ الرَّقْدَةِ , وَذَكَّرَنَا الْمَوْتَ وَمَا يَأْتِي بَعْدَهُ , وَأَلْهَمَنَا شُكْرَهُ عَلَى النِّعَمِ وَحَمْدِهِ , إِنَّهُ كَرِيمٌ لا يُرَدُّ عَبْدُهُ.
[ ﷺ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصْحِبِهِ , وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوكيل]
стр. 52
المجلس الرابع
فِي ذِكْرِ نُوحٍ ﵊
الْحَمْدُ لله تُسَبِّحُهُ الْبِحَارُ الطَّوَافِحُ , وَالسُّحُبُ السَّوَافِحُ , وَالأَبْصَارُ اللَّوَامِحُ , وَالأَفْكَارُ وَالْقَرَائِحُ , الْعَزِيزِ فِي سُلْطَانِهِ , الْكَرِيمِ فِي امْتِنَانِهِ , سَاتِرِ الْمُذْنِبِ فِي عِصْيَانِهِ , رَازِقِ الصَّالِحِ وَالطَّالِحِ , تَقَدَّسَ عَنْ مِثْلٍ وَشَبِيهٍ , وَتَنَزَّهَ عَنْ نَقْصٍ يَعْتَرِيهِ , يَعْلَمُ خَافِيَةَ الصَّدْرِ وَمَا فِيهِ مِنْ سِرٍّ أَضْمَرَتْهُ الْجَوَانِحُ , لا يَشْغَلُهُ شَاغِلٌ وَلا يُبْرِمُهُ سَائِلٌ وَلا يُنْقِصُهُ نَائِلٌ , تَعَالَى عن الند المماثل والضد المكادح , يسمع تَغْرِيدَ الْوَرْقَاءِ عَلَى الْغُصْنِ , وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ , وَيَتَكَلَّمُ فَكَلامُهُ مَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ مَسْمُوعٌ بِالأُذُنِ بِغَيْرِ آلاتٍ وَلا أَدَوَاتٍ وَلا جَوَارِحَ. أَنْزَلَ الْقَطْرَ بِقُدْرَتِهِ وَصَبَغَ لَوْنَ النَّبَاتِ بِحِكْمَتِهِ , وَخَالَفَ بَيْنَ الطُّعُومِ بِمَشِيئَتِهِ , وَأَرْسَلَ الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ. مَوْصُوفٌ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ , يُرَى فِي الْجَنَّةِ كَمَا يُرَى الْقَمَرُ , مَنْ شَبَّهَهُ أَوْ كَيَّفَهُ فَقَدْ كَفَرَ. هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالأَثَرِ , وَدَلِيلُهُمْ جَلِيٌّ وَاضِحٌ. يُنَجِّي مَنْ شَاءَ كَمَا شَاءَ وَيُهْلِكُ , فَهُوَ الْمُسَلِّمُ لِلْمُسَلَّمِ وَالْمُسَلِّمُ لِلْمُهْلَكِ , لَمْ يَنْتَفِعْ كَنْعَانُ بِالنَّسَبِ يَوْمَ الْغَرَقِ لأَنَّهُ مُشْرِكٌ , " قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح ".
أَحْمَدُهُ عَلَى تَسْهِيلِ الْمَصَالِحِ , وَأَشْكُرُهُ عَلَى سَتْرِ الْقَبَائِحِ , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ غَادٍ وَخَيْرِ رَائِحٍ , وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ ذِي الْفَضْلِ الرَّاجِحِ , وَعَلَى عُمَرَ الْعَادِلِ فَلَمْ يُرَاقِبْ وَلَمْ يُسَامِحْ , وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي بَايَعَ عَنْهُ الرسول فيالها صَفْقَةَ رَابِحٍ , وَعَلَى عَلِيٍّ الْبَحْرِ الْخِضَمِّ الطَّافِحِ , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي أَخَذَ الْبَيْعَةَ
стр. 53
لَهُ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ وَكُلُّ الأَهْلِ نَازِحٌ , اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ , وَهَبْ طَالِحَنَا لِصَالِحِنَا وَسَامِحْنَا فَأَنْتَ الْحَلِيمُ الْمُسَامِحُ , وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا قَبْلَ أَنْ تَشْهَدَ عَلَيْنَا الْجَوَارِحُ , وَنَبِّهْنَا مِنْ رَقَدَاتِ الْغَفَلاتِ
قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الصَّائِحُ , وَانْفَعْنِي بِمَا أَقُولُ وَالْحَاضِرِينَ بِمَنِّكَ , فَمِنْكَ الْفَضْلُ وَالْمَنَائِحُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فيها﴾
وُلِدَ نُوحٌ ﵇ بَعْدَ وَفَاةِ آدَمَ بِمِائَةٍ وَسِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَهُوَ نُوحُ بْنُ لمك ابن متوشلَخَ بْنِ إِدْرِيسَ.
وَلَمَّا تَمَّ لَهُ خَمْسُونَ سَنَةً بَعَثَهُ اللَّهُ , وَقِيلَ إِنَّهُ بعث بعد أربعمائة سَنَةٍ مِنْ عُمْرِهِ , وَكَانَ الْكُفْرُ قَدْ عَمَّ , فَكَانَ يَدْعُو قَوْمَهُ فَيَضْرِبُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ. فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَصْنَعَ سَفِينَةً. فَغَرَسَ السَّاجَ فَتَكَامَلَ فِي أَرْبَعِينَ سَنَةً , ثُمَّ قَطَعَهُ فَصَنَعَهَا وَأَعَانَهُ أَوْلادُهُ , وَفَجَرَ اللَّهُ لَهُ عَيْنَ الْقَارِ تَغْلِي غَلَيَانًا حَتَّى طَلاهَا.
وَجَعَلَ لَهَا ثلاث بطون , فحمل في الْبَطْنِ الأَسْفَلِ الْوُحُوشَ وَالسِّبَاعَ وَالْهَوَامَّ , وَفِي الأَوْسَطِ الدَّوَابَّ وَالأَنْعَامَ , وَرَكِبَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْبَطْنِ الأَعْلَى.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كل طولها ستمائة ذراع وعرضها ثلاثمائة وَثَلاثِينَ ذِرَاعًا. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: كَانَ طولها ألفا ومائتي ذراع , وعرضها ستمائة ذراعا.
ثم ابتدأ الماء بحنبات الأَرْضِ فَدَارَ حَوْلَهَا كَالإِكْلِيلِ , فَجَعَلَتِ الْوُحُوشُ تَطْلُبُ وَسَطَ الأَرْضِ هَرَبًا مِنَ الْمَاءِ , حَتَّى اجْتَمَعَتْ عِنْدَ السَّفِينَةِ , فَحَمَلَ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.
وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَارَ التَّنُّورُ فَارْكَبْ.
وفي المرااد بِالتَّنُّورِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
стр. 54
أَحَدُهَا: أَنَّهُ اسْمٌ لِوَجْهِ الأَرْضِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قِيلَ لَهُ إِذَا رَأَيْتَ الْمَاءَ قَدْ عَلا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فَارْكَبْ.
وَالثَّانِي تَنُّورُ الصُّبْحِ. قَالَهُ عَلِيٌّ ﵇.
وَالثَّالِثُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا.
وَالرَّابِعُ: تَنُّورُ أَهْلِهِ انْبَجَسَ مِنْهُ الْمَاءُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَفِي الْمَكَانِ الَّذِي فَارَ مِنْهُ التَّنُّورُ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا مَسْجِدُ الْكُوفَةِ. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ. وَقَالَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: فَارَ التُّنُّورُ مِنْ زَاوِيَةِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ الأَيْمَنِ. وَالثَّانِي: بِالْهِنْدِ , قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ بِالشَّامِ مِنْ عَيْنِ وَرْدَةَ. وَهِيَ مَنْزِلُ نُوحٍ قَالَهُ. مُقَاتِلٌ.
وَفِي الَّذِينَ حَمَلَهُمْ فِي السَّفِينَةِ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: كَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلا مَعَهُمْ أَهْلُوهُمْ. وَالثَّانِي: كَانُوا ثَمَانِينَ وَبَنِيهِ الثَّلاثَةَ وَثَلاثَةَ نِسْوَةٍ لِبَنِيهِ وَامْرَأَةَ نُوحٍ. وَالثَّالِثَ: كلهم كاوا ثَمَانِينَ. قَالَ مُقَاتِلٌ: كَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلا وَأَرْبَعِينَ امْرَأَةً. وَالرَّابِعُ: ثَلاثِينَ رَجُلا. وَالأَقْوَالُ الأَرْبَعَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالْخَامِسُ: كَانُوا ثَمَانِيَةً: نُوحٌ , وَامْرَأَتُهُ , وَثَلاثَةُ بَنِينَ لَهُ وَنِسْوَانُهُمْ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَكَمِ بن عتيبة والقرظي وابن جريح. وَالسَّادِسُ: كَانُوا سَبْعَةً: نُوحٌ وَبَنِيهِ وَثَلاثُ كَنَائِنَ لَهُ قَالَهُ الأَعْمَشُ. وَالسَّابِعُ: كَانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ: نُوحٌ وَبَنُوهُ وَنِسَاؤُهُمْ وَسِتَّةٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَالثَّامِنُ كَانُوا عَشَرَةً سِوَى نِسَائِهِمْ. رُوِيَ عَنْ إِسْحَاقَ أَيْضًا.
فَرَكِبُوا لِعَشْرٍ مضين من رجب , وخرجوا يوم عاشوراء.
قوله تعالى: ﴿بسم الله مجريها ومرساها﴾
стр. 55
قال الزجاج: اأمرهم أَنْ يُسَمُّوا فِي وَقْتِ جَرْيِهَا وَوَقْتِ اسْتِقْرَارِهَا.
قوله تعالى: ﴿في موج كالجبال﴾ قِيلَ: إِنَّ الْمَاءَ ارْتَفَعَ عَلَى أَطْوَلِ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا.
" وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ " وَاسْمُهُ كَنْعَانُ وَيُقَالُ يامُ , " وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ " أَيْ فِي مَكَانٍ مُنْقَطِعٍ , وَقِيلَ فِي مَعْزِلٍ مِنْ دِينِ أَبِيهِ , وَكَانَ يُنَافِقُهُ بِإِظْهَارِ الإِيمَانِ , فَدَعَاهُ إِلَى الرُّكُوبِ ظَنًّا أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَقَالَ: " ﴿سآوي إلى جبل يعصمني﴾ " أَيْ يَمْنَعُنِي مِنَ الْمَاءِ. " ﴿قَالَ لا عَاصِمَ﴾ " أَيْ لا مَعْصُومَ كَقَوْلِهِ: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أي مدفوق " إلا من رحم " الله فإنه معصوم.
﴿وحال بينهما الموج﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: بَيْنَ كَنْعَانَ وَالْجَبَلِ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ يَعْصِمُهُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: بَيْنَ نُوحٍ وَابْنِهِ. قَالَهُ مُقَاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ابْتَلَعَتْ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وبقي ماء السماء بحاراً وأنهاراً ن
﴿ويا سماء أقلعي﴾ أَيْ أَمْسِكِي عَنْ إِنْزَالِ الْمَاءِ. ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ نقص ﴿وقضي الأمر﴾ بغرق القوم ﴿واستوت﴾ يعني السفينة ﴿على الجودي﴾ وَهُوَ جَبَلٌ بِالْمَوْصِلِ.
وَإِنَّمَا قَالَ نُوحٌ: " ﴿رَبِّ إن ابني من أهلي﴾ " لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَهُ نَجَاةَ أَهْلِهِ. فَقِيلَ له: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ أَيْ مِنْ أَهْلِ دِينِكَ. وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى فِي وَعْدِهِ: ﴿وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القول﴾ .
قوله تعالى: ﴿إنه عمل غير صالح﴾ يَعْنِي السُّؤَالُ فِيهِ. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ: ﴿عَمِلَ﴾ بِكَسْرِ الْمِيمِ , يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ مُشْرِكٌ.
стр. 56
أخبرنا المحمدان بابن نَاصِرٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَاقِي , قَالا أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ , قَالَ: لَمَّا عَاتَبَ اللَّهُ تَعَالَى نُوحًا فِي
ابْنِهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ من الجاهلين﴾ بكى ثمانمائة عَامٍ حَتَّى صَارَ تَحْتَ عَيْنَيْهِ مِثْلُ الْجُدُولِ مِنَ الْبُكَاءِ!
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا خَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ بَنَوْا قَرْيَةً سَمَّوْهَا " ثَمَانِينَ " بِعَدَدِهِمْ , ثُمَّ مَاتُوا وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ نَسْلٌ.
وَإِنَّمَا النَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ أَوْلادِ نُوحٍ , وَكَانُوا ثَلاثَةً: سَامٌ وَحَامٌ وَيَافِثُ.
فَمِنْ أَوْلادِ سَامٍ: فَارِسُ وَطسمُ وَعِمْليقُ , وَهُوَ أَبُو الْعَمَالِيقِ كُلِّهِمْ , وَإِرَمُ وأرفخشذ ومن أولاد أرفحشذ: الأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ وَالْعَرَبُ كُلُّهَا , وَالْفَرَاعِنَةُ بِمِصْرَ.
وَمِنْ أَوْلادِ إِرَمَ عَابِرُ وَعَوْصُ , وَمِنْ وَلَدِ عَابِرَ: ثَمُودُ وَجُدَيْسُ وَكَانُوا عَرَبًا , وَوَلَدَ عَوْصُ عَادًا , وَكَانَتْ طسمُ وَعِمْلِيقُ وَجَاسِمٌ يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ , وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ لَهُمُ الْعَرَبُ الْعَارِبَةُ , لأَنَّهُ كَانَ لِسَانَهُمُ الَّذِي جُبِلُوا عَلَيْهِ وَتَقُولُ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ: العرب المتعربة. لأنهم تكلموا بلسان الأمم الذين سَكَنُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ.
وَوُلِدَ لِعَابِرَ فَالِغُ وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ قَاسِمٌ , لأَنَّهُ قَسَمَ الأَرْضَ بَيْنَ بَنِي نُوحٍ. وَوُلِدَ لِفَالِغَ أَرْغُو , وَلأَرْغُو سَارُوغُ , وَلِسَارُوغَ نَاحُورُ , وَلِنَاحُورَ تَارِخُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇.
وَوُلِدَ لِعَابِرَ أَيْضًا قَحْطَانُ , وَقَحْطَانُ أَوَّلُ مَنْ مَلَكَ الْيَمَنَ , وَأَوَّلُ مَنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ بِأَبَيْتَ اللَّعْنَ. وَمِنْ أَوْلادِ حَامٍ كُوشُ وَوُلِدَ لِكُوشَ نُمْرُودُ الْجَبَّارُ. وَمِنْ أَوْلادِ نُمْرُودَ هَذَا نُمْرُودُ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ الْخَلِيلُ.
стр. 57
وَمِنْ أَوْلادِ حَامٍ السُّودَانُ وَالْبَرْبَرُ وَالْقِبْطُ وَمِنْ أَوْلادِ يَافِثَ التُّرْكُ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَالصَّقَالِبَةُ.
وَلَمَّا كَثُرَ أَوْلادُ نُوحٍ اقْتَسَمُوا الأَرْضَ، فَنَزَلَ بَنُو سَامٍ سُرَّةَ الأَرْضِ , فَجُعِلَ
فِيهِمُ النُّبُوَّةُ وَالْكِتَابُ وَالْجَمَالُ - وَنَزَلَ بَنُو حَامٍ مَجْرَى الْجَنُوبِ وَالدَّبُورِ. وَنَزَلَ بَنُو يَافِثَ مَجْرَى الشَّمَالِ وَالصَّبَا , فَاشْتَدَّ بَرْدُهُمْ.
وَلَمَّا قُصَّتْ قِصَّةُ نُوحٍ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ قِيلَ لَهُ: " ﴿فَاصْبِرْ إن العاقبة للمتقين﴾ " وَالْمَعْنَى: اصْبِرْ كَمَا صَبَرَ نُوحٌ فَإِنَّ الظَّفْرَ وَالتَّمْكِينَ لِمَنِ اتَّقَى. وَالْمُرَادُ: لِيَحْصُلَ لَكَ كَمَا حَصَلَ لِنُوحٍ ﵇ وَالْمُؤْمِنِينَ.
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(عَجَبًا لِعَيْنِي كَيْفَ يَطْرُقُهَا الْكَرَى ... وَلِحِيلَتِي وَقَدِ انْجَلَى عَنِّي الْمَرَا)
(أَلْهُو وَأَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ فُوِّقَتْ ... نَحْوِي سِهَامُ الْحَتْفِ أَمْ حِينِي كَرَى)
(وَإِذَا هَمَمْتُ بِتَوْبَةٍ وَإِنَابَةٍ ... عَرَضَتْ لِيَ الدُّنْيَا فَعُدْتُ الْقَهْقَرَى)
(كَمْ قَدْ سَمِعْتُ وَقَدْ رَأَيْتُ مَوَاعِظًا ... لَوْ كُنْتُ أَعْقِلُ حِينَ أَسْمَعُ أَوْ أَرَى)
(أَيْنَ الَّذِينَ طَغَوْا وَجَارُوا وَاعْتَدَوْا ... وعتوا وطالوا واستخفوا بالورى)
(أو ليس أَعْطَتْهُمْ مَقَالِيدَ الْعُلا ... حَتَّى لَقَدْ خَضَعَتْ لَهُمْ أُسْدُ الشَّرَى)
(وَتَمَسَّكُوا بِحِبَالِهَا لَكِنَّهَا ... فُصِمَتْ لَهُمْ مِنْهَا وَثِيقَاتُ الْعُرَى)
(مَا أَخْلَدَتْهُمْ بَعْدَ سَالِفِ رِفْعَةٍ ... بَلْ أَنْزَلَتْهُمْ مِنْ شَمَارِيخِ الذُّرَى)
(وَإِلَى الْبِلَى قَدْ نُقِّلُوا وَتَشَوَّهَتْ ... تِلْكَ الْمَحَاسِنُ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى)
(لَوْ أَخْبَرُوكَ بِحَالِهِمْ وَمَآلِهِمْ ... أَبْكَاكَ دَهْرَكَ مَا عَلَيْهِمْ قَدْ جَرَى)
(أَفْنَاهُمُ مَنْ لَيْسَ يَفْنَى مُلْكُهُ ... ذُو الْبَطْشَةِ الْكُبْرَى إِذَا أَخَذَ الْقُرَى)
(فَاصْرِفْ عَنِ الدُّنْيَا طَمَاعَكَ إِنَّمَا ... مِيعَادُهَا أَبَدًا حَدِيثٌ يُفْتَرَى)
(وَصِلِ السُّرَى عَنْهَا فَمَا يُنْجِيكَ مِنْ ... آفَاتِهَا إِلا مُوَاصَلَةُ السُّرَى)
يَا حَامِلا مِنَ الدُّنَيْا أَثْقالا ثِقَالا , يَا مُطْمَئِنًّا لا بُدَّ أَنْ تَنْتَقِلَ انْتِقَالا , يَا مرسلا
стр. 58
عنان لهوه في ميدان زهوه إرسالا؛ كألك بحفنيك حِينَ عُرِضَ الْكِتَابُ عَلَيْكَ قَدْ سَالا.
أَيْنَ الْمُعْتَرِفُ بِمَا جَنَاهُ , أَيْنَ الْمُعْتَذِرُ إِلَى مَوْلاهُ , أَيْنَ التَّائِبُ مِنْ خَطَايَاهُ , أَيْنَ الآيِبُ مِنْ سَفَرِ هَوَاهُ , نِيرَانُ الاعْتِرَافِ تَأْكُلُ خَطَايَا الاقْتِرَافِ , مَجَانِيقُ الزَّفَرَاتِ تَهْدِمُ حُصُونَ السَّيِّئَاتِ , مِيَاهُ الْحَسَرَاتِ تَغْسِلُ أَنْجَاسَ الْخَطِيئَاتِ.
يَا طَالِبَ النَّجَاةِ دُمْ عَلَى قَرْعِ الْبَابِ , وَزَاحِمْ أَهْلَ التُّقَى أُولِي الأَلْبَابِ , وَلا تَبْرَحْ وَإِنْ لَمْ يُفْتَحْ فَرُبَّ نَجَاحٍ بَعْدَ الْيَأْسِ , وَرُبَّ غِنًى بَعْدَ الإِفْلاسِ.
(صَبْرًا فَمَا يَظْفَرُ إِلا مَنْ صَبَرْ ... إِنَّ الليالي واعدات بِالظَّفَرْ)
(وَرُبَّمَا يَنْهَضُ جِدُّ مَنْ عَثَرْ ... وَرُبَّ عَظْمٍ هِيضَ حِينًا وَانْجَبَرْ)
إِذَا تُبْتَ مِنْ ذُنُوبِكَ فَانْدَمْ عَلَى عُيُوبِكَ , وَامْحُ بِدُمُوعِكَ قَبِيحَ مَكْتُوبِكَ , وَالْبَسْ جِلْبَابَ الْفَرَقِ , وَتَضَرَّعْ عَلَى بَابِ الْقَلَقِ , وَقُلْ بِلِسَانِ الْمُحْتَرِقِ:
(قَدْ فَعَلْتُ الْقَبِيحَ وَهُوَ شَبِيهِي ... خَطَأً فَافْعَلِ الْجَمِيلَ بِعَفْوِكَ)
(وَفَدَتْ رَغْبَتِي إِلَيْكَ وَمَا زِلْتَ ... تُحْيِي بِالنُّجْحِ أَوْجُهَ وَفْدِكَ)
قِفْ وُقُوفَ الْمُنْكَسِرِينَ , وَتَبَتَّلْ تَبَتُّلَ الْمُعْتَذِرِينَ , وَاسْتَشْعِرِ الْخُضُوعَ , وَاسْتَجْلِبِ الدُّمُوعَ , وَاحْتَلْ وَاحْذَرْ سَهْمَ الْغَضَبِ أَنْ يُصِيبَ الْمَقْتَلَ.
(يَا سَيِّدِي مَا هَفْوَتِي بِغَرِيبَةٍ ... مِنِّي وَلا غُفْرَانُهَا بِطَرِيفِ)
(فَإِنْ تَقْبَلِ الْعَبْدَ الضَّعِيفَ تَطَوُّلا ... فَإِنَّ رَجَائِي فِيكَ غَيْرُ ضَعِيفِ)
كَمْ أَتَيْتُ ذَنْبًا فَسُتِرْتُ , وَكَمْ جَنَيْتُ جِنَايَةً فَنُظِرْتُ , فَبِالْحِلْمِ وَالْكَرَمِ إِلا غَفَرْتَ.
(فَقَدْ طَالَمَا أَنْقَذَتْنِي يَدَاكَ ... وَقَدْ قَلْقَلَتْنِي حِبَالُ الرَّدَى)
(فَوَاللَّهِ لا شِمْتُ غَيْثًا سِوَاكَ ... فَإِمَّا نَدَاكَ وَإِمَّا الصَّدَى)
إِخْوَانِي: إِنَّمَا مَرَضُ الْقُلُوبِ مِنَ الذُّنُوبِ , وَأَصْلُ الْعَافِيَةِ أَنْ تَتُوبَ , دَوَامُ التخليط بوقع في صعاب العلل , أسمعت يا مربض الشَّرَهِ، كَمْ رَأَيْتَ صَرِيعًا لِلْهَوَى!
стр. 59
اقْرَعْ بَابَ الطَّبِيبِ يَصِفْ لِمَرَضِكَ نُسْخَةً , قَبْلَ أَنْ تَسْرِيَ سَكْتَةُ التَّفْرِيطِ إِلَى مَوْتِ الْهَلاكِ.
تِلاوَةُ الْقُرْآنِ تَعْمَلُ فِي أَمْرَاضِ الْفُؤَادِ مَا يَعْمَلُهُ الْعَسَلُ فِي عِلَلِ الأَجْسَادِ , مَوَاعِظُ الْقُرْآنِ لأَمْرَاضِ الْقُلُوبِ شَافِيَةٌ , وَأَدِلَّةُ الْقُرْآنِ لِطَلَبِ الْهُدَى كافية , أين السالكون طريق السلامة والعافية , مالي أَرَى السُّبُلَ مِنَ الْقَوْمِ عَافِيَةً.
(إِنَّ السَّعِيدَ لَمُدْرِكٌ دَرَكًا ... وَأَخُو الشَّقَاوَةِ فَهْوَ فِي الدَّرَكِ)
(وَإِلَى الْخُمُولِ مَآلُ ذِي لَعِبٍ ... وَإِلَى السُّكُونِ مَصِيرُ ذِي حَرَكِ)
(طَارَ الْحَمَامُ وَغَاصَ مُقْتَدِرًا ... فَأَمَاتَ حَتَّى الطَّيْرِ وَالسَّمَكِ)
(إِنَّ الزَّمَانَ إِذَا غَدَا وَعَدَا ... قَتَلَ الْمُلُوكَ بِكُلِّ مُعْتَرَكِ)
(وَالْعَيْنُ تُبْصِرُ أَيْنَ حَبَّتُهَا ... لَكِنَّهَا تَعْمَى عَنِ الشَّرَكِ)
(أَنَكِرْتَ هَذَا الْمَوْتَ مَا ارْتَبَكَتْ ... نَفْسِي هُنَاكَ أَشَدَّ مُرْتَبَكِ)
(مَا ضَرَّ ذَاكِرَهُ وَنَاظِرَهُ ... أَنْ لا يَنَامَ عَلَى سِوَى الْحَسَكِ)
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عملت من خير محضرا﴾ يَا مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمٌ لا شَكَّ فِيهِ وَلا مِرَا , يَقَعُ فِيهِ الْفِرَاقُ وَتَنْفَصِمُ الْعُرَى , تَدَبَّرْ أَمْرَكَ قَبْلَ أَنْ تُحْضَرَ فَتَرَى , وَانْظُرْ لِنَفْسِكَ نَظَرَ مَنْ قَدَّ فَهِمَ مَا جَرَى , قَبْلَ أَنْ يَغْضَبَ الْحَاكِمُ وَالْحَاكِمُ رَبُّ الْوَرَى , ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ من خير محضرا﴾ .
يَوْمَ تَشِيبُ فِيهِ الأَطْفَالُ , يَوْمَ تَسِيرُ فِيهِ الجبال , يوم تظهر فِيهِ الْوَبَالُ , يَوْمَ تَنْطِقُ فِيهِ الأَعْضَاءُ بِالْخِصَالِ , يَوْمَ لا تُقَالُ فِيهِ الأَعْثَارُ , وَكَمْ مِنْ أَعْذَارٍ تُقَالُ فَتَرَى مَنْ قَدِ افْتَرَى , يُقَدِّمُ قَدَمًا وَيُؤَخِّرُ أُخْرَى ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عملت من خير محضرا﴾ .
стр. 60
فَيُنْصَبُ الصِّرَاطُ فَنَاجٍ وَوَاقِعٌ , وَيُوضَعُ الْمِيزَانُ فَتَكْثُرُ الْفَظَائِعُ , وَتُنْشَرُ الْكُتُبُ وَتَسِيلُ الْمَدَامِعُ , وَتَظْهَرُ الْقَبَائِحُ بَيْنَ تِلْكَ الْمَجَامِعِ , وَيُؤْلِمُ الْعِقَابُ وَتُمْلَى الْمَسَامِعُ , وَيَخْسَرُ الْعَاصِي وَيَرْبَحُ الطَّائِعُ , فَكَمْ غَنِيٍّ قَدْ عَادَ مِنَ الْخَيْرِ مُفْتَقِرًا ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نفس ما عملت من خير محضرا﴾ .
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ , أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ , حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ , حَدَّثَنَا عبيد الله ابن أَحْمَدَ , حَدَّثَنِي أَبِي , حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ , حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: " يوم يقوم الناس لرب العالمين " يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ , قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ , عَنْ خَيْثَمَةَ , عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ , فَيَنْظُرُ عَنْ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلا يَرَى شَيْئًا قُدَّامَهُ وَيَنْظُرُ عَنْ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلا يَرَى شَيْئًا قُدَّامَهُ , وَيَنْظُرُ أَمَامَهُ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ , فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ ثَمَرَةٍ فَلْيَفْعَلْ ".
هَذَانِ الْحَدِيثَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
رَوَى عُتْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ يَمُوتُ هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ لَحَقَّرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
يَا لَهُ مِنْ يَوْمٍ يُقْتَصُّ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ , وَتُحِيطُ بِالظَّالِمِ الْمَظَالِمُ , وَتَصْعَدُ الْقُلُوبُ إِلَى الْغَلاصِمِ , وَلَيْسَ لِمَنْ لا يَرْحَمُهُ الإِلَهُ عَاصِمٌ.
قَالَ ﵇ لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ.
وَقَالَ ﷺ : " يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ , مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا , حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ ".
стр. 61
(كَمْ مِنْ وَعِيدٍ يَخْرِقُ الآذَانَا ... كَأَنَّمَا يُعْنَى بِهِ سِوَانَا)
(أَصَمَّنَا الإِهْمَالُ بَلْ أَعْمَانَا ... )
يَا كَثِيرَ السَّيِّئَاتِ غَدًا تَرَى عَمَلَكَ , يَا هَاتِكَ الْحُرُمَاتِ , إِلَى مَتَى تُدِيمُ زَلَلَكَ.
(تَيَقَّظْ فَإِنَّكَ فِي غَفْلَةٍ ... يُمِيدُ بِكَ السُّكْرُ فِيمَنْ يُمِيدُ)
(وَأَيُّ مَنِيعٍ يَفُوتُ الْبِلَى ... إِذَا كَانَ يَبْلَى الصَّفَا وَالْحَدِيدُ)
(إِذَا الْمَوْتُ دَبَّتْ لَهُ حِيلَةٌ ... فتلك التي كنت منها تَحِيدُ)
(أَرَاكَ تُؤَمِّلُ وَالشَّيْبُ قَدْ ... أَتَاكَ بِنَعْيِكَ مِنْهُ بَرِيدُ)
(وَتَنْقُصُ فِي كُلِّ تَنْفِيسَةٍ ... وَعِنْدَكَ أَنَّكَ فِيهَا تَزِيدُ)
أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ يَسْعَى فِي تَبْدِيدِ شَمْلِكَ , أَما تَخَافُ أَنْ تُؤْخَذَ عَلَى قَبِيحِ فِعْلِكَ , وَاعَجَبًا لَكَ مِنْ رَاحِلٍ تَرَكْتَ الزَّادَ فِي غَيْرِ رَحْلِكَ , أَيْنَ فِطْنَتُكَ وَيَقَظَتُكَ وَتَدْبِيرُ عَقْلِكَ , أَمَا بَارَزْتَ بِالْقَبِيحِ فَأَيْنَ الْحُزْنُ , أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْحَقَّ يَعْلَمُ السِّرَّ وَالْعَلَنَ , سَتَعْرِفُ خَبَرَكَ يَوْمَ تَرْحَلُ عَنِ الْوَطَنِ , وَسَتَنْتَبِهُ مِنْ رُقَادِكَ وَيَزُولُ هَذَا الْوَسَنُ.
(إِلَى اللَّهِ تُبْ قَبْلَ انْقِضَاءٍ مِنَ الْعُمْرِ ... أَخِي وَلا تَأْمَنْ مُسَاوَرَةَ الدَّهْرِ)
(فَقَدْ حَدَّثَتْكَ الْحَادِثَاتُ نُزُولَهَا ... وَنَادَتْكَ إِلا أَنَّ سَمْعَكَ ذُو وَقْرِ)
(تَنُوحُ وَتَبْكِي لِلأَحِبَّةِ إِنْ مَضَوْا ... وَنَفْسَكَ لا تَبْكِي وَأَنْتَ عَلَى الإِثْرِ)
الْكَلامُ عَلَى قوله تعالى
﴿ويحذركم الله نفسه﴾ يَا مُبَارِزًا بِالذُّنُوبِ خُذْ حِذْرَكَ , وَتَوَقَّ عِقَابَهُ بِالتُّقَى فَقَدْ أَنْذَرَكَ , وَخَلِّ الْهَوَى فَإِنَّهُ كَمَا تَرَى صَيَّرَكَ , قَبْلَ أَنْ يَغْضَبَ الإِلَهُ وَيُضَيِّقَ حبسه , ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ .
اجْتَهِدْ فِي تَقْوِيَةِ يَقِينِكَ قَبْلَ خُسْرِ مَوَازِينِكَ , وَقُمْ بِتَضَرُّعِكَ وَخِيفَتِكَ قَبْلَ
стр. 62
نَشْرِ دَوَاوِينِكَ , وَابْذُلْ قُوَاكَ فِي ضَعْفِكَ وَلِينِكَ , قَبْلَ أَنْ يَدْنُوَ الْعَذَابُ فَتَجِدَ مَسَّهُ , ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نفسه﴾ .
لَمَّا سَمِعَ الْمُتَيَقِّظُونَ هَذَا التَّحْذِيرَ فَتَحُوا أَبْوَابَ الْقُلُوبِ لِنُزُولِ الْخَوْفِ , فَأَحْزَنَ الأَبْدَانَ وَقَلْقَلَ الأَرْوَاحَ فَعَاشَتِ الْيَقَظَةُ بِمَوْتِ الْهَوَى , وَارْتَفَعَتِ الْغَفْلَةُ بِحُلُولِ الْهَيْبَةِ , وَانْهَزَمَ الْكَسَلُ بِجَيْشِ الْحَذَرِ , فَتَهَذَّبَتِ الْجَوَارِحُ مِنَ الزَّلَلِ وَالْعَزَائِمُ مِنَ الْخَلَلِ , فَلا سُكُونٌ لِلْخَائِفِ وَلا قَرَارٌ لِلْعَارِفِ , كُلَّمَا ذَكَرَ الْعَارِفُ تَقْصِيرَهُ نَدِمَ عَلَى مُصَابِهِ , وَإِذَا تَصَوَّرَ مَصِيرَهُ حَذِرَ مِمَّا فِي كِتَابِهِ , وَإِذَا خَطَرَ الْعِتَابُ بِفِنَائِهِ فَالْمَوْتُ مِنْ عِتَابِهِ , فَهُوَ رَهيِنُ الْقَلَقِ بِمَجْمُوعِ أَسْبَابِهِ.
كَانَ دَاوُدُ ﵇ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ نِيَاحَتِهِ عَلَى ذَنْبِهِ أَقْلَعَ مَجْلِسُهُ عَنْ أَلُوفٍ قَدْ مَاتُوا مِنَ الْخَوْفِ عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّهِ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَمُرُّ بِالآيَةِ فِي وِرْدِهِ فَيَبْكِي حَتَّى يَسْقُطَ وَيَبْقَى فِي الْبَيْتِ مَرِيضًا يُعَادُ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ لَيْلَةً عِنْدَ إِفْطَارِهِ ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة﴾ فَبَقِيَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لا يَطْعَمُ.
حَقِيقٌ بِمَنْ عَلِمَ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ , وَتَيَقَّنَ أَنَّ الْعَمَلَ يُحْصَى عَلَيْهِ , وَأَنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرَّحِيلِ
عمل لَدَيْهِ , إِلَى مَوْقِفٍ صَعْبٍ يُسَاقُ إِلَيْهِ , يَتَجَافَى عَنْ مُضْطَجَعِ الْبَطَالَةِ بِجَنْبَيْهِ.
قَالَ حَاتِمٌ الأَصَمُّ: مَنْ خَلا قُلْبُهُ مِنْ ذِكْرِ أَخْطَارِ أَرْبَعَةٍ فَهُوَ مُغْتَرٌّ , فَلا يَأْمَنُ الشَّقَاءَ.
الأَوَّلُ: خَطَرُ يَوْمِ الْمِيثَاقِ , حِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هَؤُلاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلا أُبَالِي وَهَؤُلاءِ فِي النَّارِ وَلا أُبَالِي؛ وَلا يَعْلَمُ فِي أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كَانَ؟
وَالثَّانِي: حِينَ خُلِقَ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ , فنودي الْمَلَكُ بِالشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ ,
стр. 63
ولا يدري أمن الأشقياء هم أَمْ مِنَ السُّعَدَاءِ؟
وَالثَّالِثُ: ذِكْرُ هَوْلِ الْمَطْلَعِ , وَلا يَدْرِي أَيُبَشَّرُ بِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِسَخَطِهِ؟
وَالرَّابِعُ: يَوْمَ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا وَلا يَدْرِي أَيَّ الطَّرِيقَيْنِ يَسْلُكُ بِهِ؟
فَمَحْقُوقٌ لِصَاحِبِ هَذِهِ الأَخْطَارِ أَنْ لا يُفَارِقَ الْحُزْنُ قَلْبَهُ!
بَكَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ لَيْلَةً فَأَطَالَ , فَسُئِلَ عَنْ بُكَائِهِ , فَقَالَ: ذَكَرْتُ مَصِيرَ الْقَوْمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ " فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ " ثُمَّ صَرَخَ وَغُشِيَ عَلَيْهِ.
(كَمْ ذَا أُغَالِطُ أَمْرِي ... كَأَنَّنِي لَسْتُ أَدْرِي)
(أَغْفَلْتُ ذَا الَّذِي كَانَ ... فِي مُقَدَّمِ عُمْرِي)
(وَلَمْ أَزَلْ أَتَمَادَى ... حَتَّى تَصَرَّمَ دَهْرِي)
(مَنْ لِي إِذَا صِرْتُ رِهْنًا ... بِالذَّنْبِ فِي رَمْسِ قَبْرِي)
(بِأَيِّ عُذْرٍ أُلاقِي ... رَبِّي لِيَقْبَلَ عُذْرِي)
(فَلَيْتَ شِعْرِي مَتَى أُدْرِكُ ... الْمُنَى لَيْتَ شِعْرِي)
يَا مَنْ قَدْ وَهَى شَبَابُهُ , وَامْتَلأَ بِالزَّلَلِ كِتَابُهُ , أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ الْجُلُودَ إِذَا اسْتُشْهِدَتْ نَطَقَتْ , أَمَا عَلِمْتَ أن النار للعصاة خلقت , إنها لتحرق كُلَّ مَا يُلْقَى فِيهَا , فَيَصْعُبُ عَلَى خَزَنَتِهَا كَثْرَةُ تَلاقِيهَا , التَّوْبَةُ تَحْجُبُ عَنْهَا , وَالدَّمْعَةُ تُطْفِيهَا , قَالَ ﷺ :
" لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قَطَرَتْ فِي الأَرْضِ لأَمَرَّتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعِيشَتَهُمْ " فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ طَعَامُهُ لا طَعَامٌ لَهُ غَيْرُهُ!
أَسَفًا لأَهْلِ النار قد هَلَكُوا وَشَقُوا , لا يَقْدِرُ الْوَاصِفُ أَنْ يَصِفَ مَا قَدْ لَقُوا , كُلَّمَا عَطِشُوا جِيءَ بِالْحَمِيمِ فَسُقُوا , وَهَذَا جَزَاؤُهُمْ إِذْ خَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ وَفَسَقُوا , قُطِّعُوا وَاللَّهِ بِالْعَذَابِ وَمُزِّقُوا , وَأُفْرِدَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْ فَرِيقِهِ وَفُرِّقُوا , فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ قَدْ كُلِّبُوا فِي السَّلاسِلِ وَأُوثِقُوا وَاشْتَدَّ زَفِيرُهُمْ وَتَضَرَّعَ أسيرهم وقلقوا ,
стр. 64
وَتَمَنَّوْا أَنْ لَمْ يَكُونُوا وَتَأَسَّفُوا كَيْفَ خُلِقُوا , وندموا إذا أَعْرَضُوا عَنِ النُّصْحِ وَقَدْ صَدَقُوا , فَلا اعْتِذَارُهُمْ يُسْمَعُ , وَلا بُكَاؤُهُمْ يَنْفَعُ وَلا أُعْتِقُوا.
(لَوْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ أَهْلَ الشَّقَا ... فِي النَّارِ قَدْ غُلُّوا وَقَدْ طُوِّقُوا)
(تَقُولُ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ ... فِي لُجَجِ الْمُهْلِ وَقَدْ أُغْرِقُوا)
(قَدْ كُنْتُمْ حُذِّرْتُمْ حَرَّهَا ... لَكِنْ مِنَ النِّيرَانِ لَمْ تَفْرَقُوا)
(وَجِيءَ بِالنِّيرَانِ مَزْمُومَةً ... شِرَارُهَا مِنْ حَوْلِهَا مُحْدِقُ)
(وَقِيلَ لِلنِّيرَانِ أَنْ أَحْرِقِي ... وَقِيلَ لِلْخُزَّانِ أَنْ أَطْبِقُوا)
(وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ فِي جَنَّةٍ ... قَدْ تُوِّجُوا فِيهَا وَقَدْ مُنْطِقُوا)
(تَدَبَّرُوا كَمْ بَيْنَهُمْ إِخْوَتِي ... ثُمَّ أجيلوا فكركم وانتقوا)
стр. 65
المجلس الخامس
فِي قِصَّةِ عَادٍ
الْحَمْدُ للَّهِ الْمُنَزَّهِ عَنِ الأَشْبَاهِ فِي الأَسْمَاءِ وَالأَوْصَافِ , الْمُقَدَّسِ عَنِ الْجَوَارِحِ وَالآلاتِ وَالأَطْرَافِ , خَضَعَتْ لِعِزَّتِهِ الأَكْوَانُ وَأَقَرَّتْ عَنِ اعْتِرَافٍ , وَانْقَادَتْ لَهُ الْقُلُوبُ وَهِيَ فِي انْقِيَادِهَا تَخَافُ , أَنْزَلَ الْقَطْرَ فَمِنْهُ الدُّرُّ تَحْوِيهِ الأَصْدَافُ , وَمِنْهُ قُوتُ الْبُذُورِ يُرَبِّي الضِّعَافَ.
كَشَفَ لِلْمُتَّقِينَ الْيَقِينَ فَشَهِدُوا , وَأَقَامَهُمْ فِي اللَّيْلِ فَسَهِرُوا وَشَهِدُوا , وَأَرَاهُمْ عَيْبَ الدُّنْيَا فَرَفَضُوا وَزَهِدُوا , وَقَالُوا نَحْنُ أَضْيَافٌ.
وَقَضَى عَلَى الْمُخَالِفِينَ بِالْبِعَادِ فَأَفَاتَهُمُ التَّوْفِيقَ وَالإِسْعَادَ , فَكُلُّهُمْ هَامَ فِي الضَّلالِ وَمَا عَادَ ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ﴾ .
أَحْمَدُهُ عَلَى سَتْرِ الْخَطَايَا وَالاقْتِرَافِ , وَأُصَلِّي عَلَى رسوله محمد الذي أنزل عليه قاف , وعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي أُمِنَ بِبَيْعَتِهِ الْخِلافُ , وَعَلَى عُمَرَ صَاحِبِ الْعَدْلِ وَالإِنْصَافِ , وَعَلَى عُثْمَانَ الصَّابِرِ عَلَى الشَّهَادَةِ صَبْرَ النِّظَافِ , وَعَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مَحْبُوبِ أَهْلِ السُّنَّةِ الظِّرَافِ , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ مُقَدَّمِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَالأَشْرَافِ.
[جَدِّ سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بَلَّغَهُ الله ما يرجو وأمنه ما يَخَافُ] .
قَالَ اللَّهُ: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أنذر قومه بالأحقاف﴾
الأَخُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا الأَخُ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ أَوْ مِنْ
стр. 66
أَحَدِهِمَا. وَمِنْهُ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ والثاني: الأخ من القبيلة ومنه. ﴿واذكر أخا عاد﴾ .
وَالثَّالِثُ: الإِخَاءُ فِي الْمُتَابَعَةِ. وَمِنْهُ: ﴿كَانُوا إِخْوَانَ الشياطين﴾
وَالرَّابِعُ: الصَّاحِبُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا أخي﴾ . وَالإِنْذَارُ: الإِعْلامُ مَعَ التَّخْوِيفِ. وَالأَحْقَافُ: الرِّمَالُ الْعِظَامُ. وَاحِدُهَا حِقْفٌ.
وَفِي مَكَانِ هَذِهِ الأَحْقَافِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: بِالشَّامِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: بَيْنَ عُمَانَ وَمُهَيْرَةَ. قَالَهُ عَطِيَّةُ. وَالثَّالِثُ: أَرْضٌ يُقَالُ لَهَا الشِّحْرُ نَحْوَ الْبَحْرِ. قَالَهُ قَتَادَةُ:
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ فِيمَا بَيْنَ عُمَانَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ بِالْيَمَنِ كُلِّهِ، وَكَانُوا قَدْ فَسَدُوا فِي الأَرْضِ وَقَهَرُوا أَهْلَهَا بِفَضْلِ قُوَّتِهِمْ، وَكَانُوا أَصْحَابَ أَوْثَانٍ فَاتَّبَعَهُ نَاسٌ يَسِيرٌ، وَكَتَمُوا إِيمَانَهُمْ. قَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ طُولُ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لا يَحْتَلِمُ حَتَّى يَبْلُغَ مِائَتَيْ سنة!
﴿وقد خلت النذر﴾ أَيْ مَضَتْ مِنْ قَبْلِ هُودٍ وَمِنْ بَعْدِهِ. وقوله: ﴿لتأفكنا عن آلهتنا﴾ أَيْ لِتَصْرِفَنَا عَنْ آلِهَتِنَا بِالإِفْكِ.
﴿قَالَ إِنَّمَا العلم عند الله﴾ أَيْ هُوَ يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِيكُمُ الْعَذَابُ ﴿فَلَمَّا رأوه﴾ يعني ما يوعدون ﴿عارضا﴾ أي سحابا يَعْرِضُ فِي نَاحِيَةِ السَّمَاءِ.
وَقَوْمُ عَادٍ هَؤُلاءِ أولاد عوص بن إرم ابن سَامِ بْنِ نُوحٍ , وَهِيَ عَادٌ الأُولَى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ هُودَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بن رباح ابن الْخُلُودِ بْنِ عَادِ بْنِ شَالِخَ بْنِ
стр. 67
أَرفخشِذَ بْنِ سَامٍ. كَانُوا يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ فَدَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ , فَكُلَّمَا أَنْذَرَهُمْ زَادَ طُغْيَانُهُمْ. فَحَبَسَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمُ الْقَطْرَ ثَلاثَ سِنِينَ , حَتَّى جَهِدُوا فَبَعَثُوا إِلَى مَكَّةَ وَفْدًا يَسْتَسْقِي لَهُمْ، لَهُمْ، وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلا , مِنْهُمْ قَيْلُ وَنُعَيْمٌ وَجَلْهَمَةُ وَلُقْمَانُ بْنُ عَادٍ وَمَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ , وَكَانَ مَرْثَدٌ مُؤْمِنًا يَكْتُمُ إِيمَانَهُ وَكَانَ النَّاسُ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ إِذَا جَهِدُوا سَأَلُوا اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ الْكَعْبَةِ , فَنَزَلُوا عَلَى بَكْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ , وَكَانَ خَارِجًا مِنَ الْحَرَمِ فَأَكْرَمَهُمْ , وَكَانُوا أَصْهَارَهُ وَأَخْوَالَهُ , وَكَانَ سُكَّانُ مَكَّةَ الْعَمَالِيقَ , أَوْلادَ عِمْلِيقَ بْنِ لاوِذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ ,
فَجَعَلَ بَكْرٌ يَسْقِيهِمُ الْخَمْرَ وَتُغَنِّيهِمُ الْجَرَادَتَانِ شَهْرًا , فَلَمَّا رَأَى بَكْرٌ طُولَ مُقَامِهِمْ عِنْدَهُ قَالَ: هَلَكَ أَخْوَالِي وَأَصْهَارِي , هَؤُلاءِ ضَيْفِي , فَمَا أَدْرِي مَا أصنع , وأستحي أَنْ آمُرَهُمْ بِالْخُرُوجِ. فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى قَيْنَتَيْهِ الجرادتين , فقالتا: قل شعراً تغنيهم بِهِ لا يَدْرُونَ مَنْ قَالَهُ. فَقَالَ:
(أَلا يَا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ ... لَعَلَّ اللَّهَ يمنحنا غماما)
(فتسقي أَرْضَ عَادٍ إِنَّ عَادًا ... قَدْ أَمْسَوْا لا يَبِينُونَ الْكَلامَا)
(مِنَ الْعَطَشِ الشَّدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو ... بِهِ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَلا الْغُلامَا)
(وَقَدْ كَانَتْ نِسَاؤُهُمْ بِخَيْرٍ ... وَقَدْ أَمْسَتْ نِسَاؤُهُمْ عَيَامَى)
(وَإِنَّ الوحش تأتيهم نهارا ... ولا تخشى لعادي سهاما)
(وأنتم ها هنا فِيمَا اشْتَهَيْتُمْ ... نَهَارَكُمْ وَلَيْلَكُمُ الْتِمَامَا)
(فَقَبَّحَ وَفْدَكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمٍ ... وَلا لُقُّوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلامَا)
فَلَمَّا سَمِعُوا هَذَا قَالُوا: وَيْحَكُمُ ادْخُلُوا الْحَرَمَ فَاسْتَسْقُوا لِقَوْمِكُمْ. فَقَالَ مَرْثَدٌ: إِنَّكُمْ وَاللَّهِ لا تُسْقَوْنَ بِدُعَائِكُمْ وَلَكِنْ إِنْ أَطَعْتُمْ نَبِيَّكُمْ سُقِيتُمْ. فَقَالَ جَلْهَمَةُ: احْبِسُوا عَنَّا هَذَا وَلا يَقْدُمَنَّ مَعَنَا مَكَّةَ , فَإِنَّهُ قَدِ اتَّبَعَ دِينَ هُودٍ. ثُمَّ خَرَجُوا يَسْتَسْقُونَ , فَنَشَأَتْ ثَلاثُ سَحَائِبَ: بَيْضَاءَ وَحَمْرَاءَ وَسَوْدَاءَ. ثُمَّ نُودِيَ مِنْهَا: يَا قَيْلُ اخْتَرْ. فَقَالَ: أَخْتَارُ السَّوْدَاءَ لأَنَّهَا أَكْثَرُ مَاءً. وَقِيلَ لِلْوَفْدِ: اخْتَارُوا. فَقَالَ مَرْثَدٌ: يَا رَبِّ أَعْطِنِي صِدْقًا وَبِرًّا. فَأُعْطِيَ. وَقَالَ لُقْمَانُ بْنُ عَادٍ: أَعْطِنِي عُمْرًا. فَاخْتَارَ عُمْرَ سَبْعَةِ أَنْسُرٍ , فَكَانَ يَأْخُذُ الْفَرْخَ حِينَ يَخْرُجُ مِنَ الْبَيْضَةِ ويأخذ
стр. 68
الذَّكَرَ لِقُوَّتِهِ , حَتَّى إِذَا مَاتَ أَخَذَ غَيْرَهُ إِلَى أَنْ مَاتَتِ السَّبْعَةُ. فَمَاتَ.
وَأَمَّا السَّحَابَةُ فَسَاقَهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عَادٍ , حَتَّى خَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ وَادٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ , فَلَمَّا رَأَوْهَا اسْتَبْشَرُوا بِهَا وَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ ممطرنا﴾ . فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ
رَأَى مَا فِيهَا امْرَأَةٌ مِنْهَا فَصَاحَتْ وَصُعِقَتْ , فَقِيلَ لَهَا: مَا رَأَيْتِ؟ فَقَالَتْ: رِيحًا فِيهَا كَشُهُبِ النَّارِ , أَمَامَهَا رِجَالٌ يَقُودُونَهَا.
فَسَخَّرَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أيام حسوما﴾ أَيْ مُتَتَابِعَةً ابْتَدَأَتْ غُدْوَةَ الأَرْبَعَاءِ آخِرَ أَرْبَعَاءَ فِي الشَّهْرِ وَسَكَنَتْ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ.
وَاعْتَزَلَ هُودٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي حَظِيرَةٍ مَا يُصِيبُهُمْ مِنْهَا إِلا مَا يُلَيِّنُ الْجُلُودَ وَتَلْتَذُّ عَلَيْهِ النُّفُوسُ.
فَكَانَتِ الرِّيحُ تَقْلَعُ الشَّجَرَ وَتَهْدِمُ الْبُيُوتَ وَتَرْفَعُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَتَدُقُّ رِقَابَهُمْ فَيَبِينُ الرَّأْسُ عَنِ الْجَسَدِ. فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ثُمَّ تُدْمِغُهُمْ بِالْحِجَارَةِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ مَيْمُونٍ: كَانَتِ الرِّيحُ تَحْمِلُ الظَّعِينَةَ فَتَرْفَعُهَا حَتَّى تَرَى كأنها جرادة.
حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ , أَنْبَأَنَا عَاصِمُ بْنُ الحسن , أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرَانَ , حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَفْوَانَ , حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ , حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ , عَنْ جُوَيْبِرٍ , حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ , أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَوَّلُ مَا عَرَفُوا أَنَّهُ عَذَابٌ: رَأَوْا مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ رِجَالِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ يَطِيرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مِثْلَ الرِّيشِ , فَدَخَلُوا بُيُوتَهُمْ وَأَغْلَقُوا أَبْوَابَهُمْ , فَجَاءَتِ الرِّيحُ فَفَتَحَتْ أَبْوَابَهُمْ وَهَالَتْ عَلَيْهِمْ بِالرَّمْلِ , فَكَانُوا تَحْتَ الرَّمْلِ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ لَهُمْ أَنِينٌ , ثُمَّ قُبِضَتْ أَرْوَاحُهُمْ وَطَرَحَتْهُمُ الرِّيحُ وأُلقوا فِي البحر , ﴿فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾ .
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بَعَثَ اللَّهُ طَيْرًا أَسْوَدَ فَالْتَقَطَهُمْ حَتَّى أَلْقَاهُمْ فِي الْبَحْرِ.
стр. 69
فَانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ كَيْفَ أَهْلَكَ الْخَلْقَ الْعَظِيمَ بِالرِّيحِ الَّتِي هِيَ أَلْطَفُ الأَشْيَاءِ , لِيُبَيِّنَ أَثَرَ الْقُدْرَةِ , ﷻ , وَكَذَلِكَ يُمِيتُ الْخَلْقَ عِنْدَ نَفْخَةٍ وَيُحْيِيهِمْ عِنْدَ نَفْخَةٍ , فَسُبْحَانَ مَنْ بَانَتْ سَطْوَتُهُ لِلْمُعَانِدِينَ فَقَهَرَتْ، وَظَهَرَتْ آثَارُ قُدْرَتِهِ لِلْمُتَّقِينَ فَبَهَرَتْ , كَمْ عُذِّبَ مَرِيضٌ بِرِيحٍ فِي حَشَاهُ يَخْتَلِفُ إِلَى أَنْ تَلِفَ.
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(سُلْطَانُهُ فِي خَلْقِهِ قَاهِرٌ ... وَأَمْرُهُ فِي مُلْكِهِ بَاهِرُ)
(سَطْوَتُهُ بَاطِشَةٌ بِالْوَرَى ... فِي ذَرَّةٍ مُعْجِزُهَا ظَاهِرُ)
(إِذَا تَجَلَّى فِي جَلالِ الْعُلا ... ذَلَّ لَهُ الأَوَّلُ وَالآخِرُ)
(كُنْ حَاذِرًا مِنْ بَطْشِهِ إِنَّهُ ... فِي أَمْرِهِ وَقَهْرِهِ قَادِرُ)
(وَلُطْفُهُ فِي عَطْفِهِ رَاحِمٌ ... وَسَيْفُهُ فِي خَلْقِهِ بَاتِرُ)
أَيُّهَا النَّائِمُ وَهُوَ مُنَتْبِهٌ , الْمُتَحَيِّرُ فِي أَمْرٍ لا يُشْتَبَهُ , يَا مَنْ قَدْ صَاحَ بِهِ الْمَوْتُ فِي سَلْبِ صَاحِبِهِ , يَا إِخْوَانَ الْغَفْلَةِ تَيَقَّظُوا , يَا أَقْرَانَ الْبَطَالَةِ تَحَفَّظُوا , يَا أَهْلَ الْمُخَالَفَةِ اقْبَلُوا , يَا مُعْرِضِينَ عَنَّا أَقْبِلُوا , يَا مُبَارِزِينَ بِالذُّنُوبِ لا تَفْعَلُوا.
(أَيْنَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا أَيْنَ أَيْنَا ... مِنْ أُنَاسٍ كَانُوا حُجَّالا وَزَيْنَا)
(إِنَّ دَهْرًا أَتَى عَلَيْهِمْ فَأَفْنَى ... عَدَدًا مِنْهُمْ سَيَأْتِي عَلَيْنَا)
(خَدَعَتْنَا الآمَالُ حَتَّى جَمَعْنَا ... وَطَلَبْنَا لِغَيْرِنَا وَسَعَيْنَا)
(وَابْتَغَيْنَا مِنَ الْمَعَاشِ فُضُولا ... لَوْ قَنَعْنَا بِدُونِهَا لاكْتَفَيْنَا)
(وَلَعَمْرِي لَنَمْضِيَنَّ وَلا نَمْضِي ... بِشَيْءٍ مِنْهَا إِذَا مَا مَضَيْنَا)
(كَمْ رَأَيْنَا مِنْ مَيِّتٍ كَانَ حَيًّا ... وَوَشِيكًا يُرَى بِنَا مَا رَأَيْنَا)
(مَا لَنَا نَأْمَنُ الْمَنَايَا كَأَنَّا ... لا نُرَاهِنُ يَهْتَدِينَ إِلَيْنَا)
(عَجَبًا لامْرِئٍ تَيَقَّنَ أَنَّ الْمَوْتَ ... حَقٌّ فَقَرَّ بِالْعَيْشِ عَيْنَا)
أَسَفًا لِمَنْ ضَيَّعَ الأَوْقَاتَ وَقَدْ عَرَفَهَا , وَسَلَكَ بِنَفْسِهِ طَرِيقَ الْهَوَى فَأَتْلَفَهَا , أَنِسَ بِالدُّنْيَا فَكَأَنَّهُ خُلِقَ لَهَا , وَأَمَلُهُ لا يَنْتِهِي وَأَجَلُهُ قَدِ انْتَهَى , سُلِّمَتْ إِلَيْهِ بَضَائِعُ الْعُمْرِ فَلَعِبَ بِهَا , لَقَدْ رَكَنَ إِلَى رُكْنٍ مَا لَبِثَ أَنْ وَهَى , عَجَبًا لِعَيْنٍ أَمْسَتْ
стр. 70
بِاللَّيْلِ هَاجِعَةً , وَنَسِيَتْ أَهْوَالَ يَوْمِ الْوَاقِعَةِ , وَلأُذُنٍ تقر عنها الْمَوَاعِظُ فَتُضْحِي لَهَا سَامِعَةً , ثُمَّ تَعُودُ الزَّوَاجِرُ عِنْدَهَا ضَائِعَةً , وَلِنُفُوسٍ أَضْحَتْ فِي كَرَمِ الْكَرِيمِ طَامِعَةً , وَلَيْسَتْ لَهُ فِي حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ طَائِعَةً , وَلأَقْدَامٍ سَعَتْ بِالْهَوَى فِي طُرُقٍ شَاسِعَةٍ , بَعْدَ أَنْ وَضَحَتْ لَهَا سُبُلٌ فَسِيحَةٌ وَاسِعَةٌ , وَلِهَمَمٍ أَسْرَعَتْ فِي شَوَارِعِ اللَّهْوِ شَارِعَةً , لَمْ تَكُنْ مَوَاعِظُ الْعُقُولِ لَهَا نَافِعَةً , وَلِقُلُوبٍ تُضْمِرُ التَّوْبَةَ عِنْدَ الزَّوَاجِرِ الرَّائِعَةِ , ثُمَّ يَخْتَلُّ الْعَزْمُ بِفِعْلِ مَا لا يَحِلُّ مِرَارًا مُتَتَابِعَةً , ثَالِثَةً بَعْدَ ثَانِيَةٍ وَخَامِسَةً بَعْدَ رَابِعَةٍ.
كَمْ يَوْمٍ غَابَتْ شَمْسُهُ وَقَلْبُكَ غَائِبٌ , وَكَمْ ظَلامٍ أَسْبَلَ سِتْرَهُ وَأَنْتَ فِي عَجَائِبَ , وَكَمْ أُسْبِغَتْ عَلَيْكَ نعمه وأنت للمعاصي توائب , وَكَمْ صَحِيفَةٍ قَدْ مَلأَهَا بِالذُّنُوبِ الْكَاتِبُ , وَكَمْ يُنْذِرُكَ سَلْبُ رَفِيقِكَ وَأَنْتَ لاعِبٌ , يَا مَنْ يَأْمَنُ الإِقَامَةَ قَدْ زُمَّتِ الرَّكَائِبُ , أَفِقْ مِنْ سكرتك قبل حسرتك عَلَى الْمَعَايِبِ , وَتَذَكَّرْ نُزُولَ حُفْرَتِكَ وَهُجْرَانَ الأَقَارِبِ , وانهض على بِسَاطِ الرُّقَادِ وَقُلْ: أَنَا تَائِبٌ , وَبَادِرْ تَحْصِيلَ الْفَضَائِلِ قَبْلَ فَوْتِ الْمَطَالِبِ , فَالسَّائِقُ حَثِيثٌ وَالْحَادِي مُجِدٌّ وَالْمَوْتُ طَالِبٌ.
(لأَبْكِيَنَّ عَلَى نَفْسِي وَحَقٌّ لِيَهْ ... يَا عَيْنُ لا تَبْخَلِي عَنِّي بِعَبْرَتِيَهْ)
(لأَبْكِيَنَّ فَقْدَ بَانِ الشَّبَابِ وَقَدْ ... جَدَّ الرَّحِيلُ عَنِ الدُّنْيَا بِرِحْلَتِيَهْ)
(يَا نَأْيَ مُنْتَجَعِي يَا هَوْلَ مُطَّلَعِي ... يَا ضِيقَ مُضْطَجَعِي يَا بُعْدَ شُقَّتِيَهْ)
(الْمَالُ مَا كَانَ قُدَّامِي لآخِرَتِي ... مَا لا أُقَدِّمُ مِنْ مَالِي فَلَيْسَ لِيَهْ)
أَسَفًا لِغَافِلٍ لا يَفِيقُ بِالتَّعْرِيضِ حَتَّى يَرَى التَّصْرِيحَ , وَلا تَبِينُ لَهُ جَلِيَّةُ الْحَالِ إِلا فِي الضَّرِيحِ , كَأَنَّهُ وَقَدْ ذَكَّرَهُ الْمَوْتُ فَأَفَاقَ , فَانْتَبَهَ لِنَفْسِهِ وَهُوَ فِي السِّبَاقِ , وَاشْتَدَّ بِهِ الْكَرْبُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ , وَتَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ وَضَاقَ الْخِنَاقُ , وَصَارَ أَكْبَرَ شَهَوَاتِهِ تَوْبَةٌ مِنْ شِقَاقٍ , هَيْهَاتَ مَضَى بِأَوْزَارِهِ الثَّقِيلَةِ، وَخَلا بِأَعْمَالِهِ وَاسْتَوْدَعَ مَقِيلَهُ , وَغُيِّبَ فِي الثَّرَى وَقِيلَ لا حِيلَةَ , وبات الندم يَلْزَمُهُ وَبِئْسَ اللاحِي لَهُ.
فَتَفَكَّرُوا إِخْوَانِي فِي ذَلِكَ الْغَرِيبِ , وَتَصَوَّرُوا أَسَفَ النَّادِمِ وَقَلَقَ الْمُرِيبِ ,
стр. 71
فَلِمِثْلِ حَالِهِ فَلْيَحْذَرِ اللَّبِيبُ , وَهَذَا أَمْرٌ تُبْعِدُهُ الآمَالُ وَهُوَ وَاللَّهِ قَرِيبٌ.
(أَبْصَرْتُهُ مُلْقَى يَجُودُ بِنَفْسِهِ ... قَدْ كَلَّلَ الرَّشْحُ الْغَزِيرُ جَبِينَهُ)
(لا يَسْتَطِيعُ إِجَابَتِي مِنْ ضَعْفِهِ ... طَوْرًا يَكُفُّ شِمَالَهُ وَيَمِينَهُ)
(وَطَبِيبُهُ قَدْ حَارَ فِيهِ وَقَدْ رَأَى ... أَنْفَاسَهُ تَعْلُو مَعًا وَأَنِينَهُ)
(قَدْ عَافَ مَشْرُوبَاتَهُ وَطَعَامَهُ ... وَقَلَى لِذَاكَ صَدِيقَهُ وَخَدِينَهُ)
إِخْوَانِي: سَلُوا الْقُبُورَ عَنْ سُكَّانِهَا , وَاسْتَخْبِرُوا اللُّحُودَ عَنْ قُطَّانِهَا , تُخْبِرُكُمْ بِخُشُونَةِ الْمَضَاجِعِ , وَتُعْلِمُكُمْ أَنَّ الْحَسْرَةَ قَدْ ملأت واضع , فَإِنَّ الْمُسَافِرَ يَوَدُّ لَوْ أَنَّهُ رَاجِعٌ , فَلْيَتَّعِظِ الْغَافِلُ وَلْيُرَاجِعْ.
(يَا وَاقِفًا يَسْأَلُ الْقُبُورَ أَفِقْ ... فَأَهْلُهَا الْيَوْمَ عَنْكَ قَدْ شُغِلُوا)
(قَدْ هَالَهُمْ مُنْكَرٌ وَصَاحِبُهُ ... وَخَوْفُ مَا قَدَّمُوا وَمَا عَمِلُوا)
(رَهَائِنُ لِلثَّرَى عَلَى مَدَرٍ ... يُسْمَعُ لِلدُّودِ بَيْنَهُمْ زَجَلُ)
(سَرَى الْبِلَى فِي جُسُومِهِمْ فَجَرَتْ ... دَمًا وَقَيْحًا وَسَالَتِ الْمُقَلُ)
(سَكْرَى وَلَمْ يَشْرَبُوا الْفِقَارَ ومن ... كؤوس الْمَنُونِ مَا نَهَلُوا)
(يَنْتَظِرُونَ النُّشُورَ إِذْ يَقِفُ ... الأَمْلاكُ وَالأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ)
(يَوْمًا تُرَى الصُّحُفُ فِيهِ طَائِرَةً ... وَكُلُّ قَلْبٍ مِنْ أَجْلِهِ وَجِلُ)
(قَدْ دَنَتِ الشَّمْسُ مِنْ رُءُوسِهِمُ ... وَالنَّارُ قَدْ أُبْرِزَتْ لَهَا شُعَلُ)
(وَأُزْلِفَتْ جَنَّةُ النَّعِيمِ فَيَا ... طُوبَى لِقَوْمٍ بِرَبْعِهَا نَزَلُوا)
(أَكْوَابُهُمْ عَسْجَدٌ يُطَافُ بِهَا ... وَالْخَمْرُ وَالسَّلْسَبِيلُ وَالْعَسَلُ)
(وَالْحُورُ تَلْقَاهُمْ وَقَدْ هُتِكَتْ ... عَنْ وَجْهِهَا الأَسْتَارُ وَالْكِلَلُ)
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هَذَا وَعِيدٌ لِلظَّالِمِ وَتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ.
стр. 72
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " الظُّلْمُ ظلماتٌ يومَ القيامة ".
أخبرنا يحيى ابن علي المدير، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمَأْمُونِ , حَدَّثَنَا الدَّارَقُطْنِيُّ , أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ الْمَرْوَزِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنْ يَزِيدَ , عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى , قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ .
الْحَدِيثَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ , أَخْبَرَنَا ابْنُ النَّقُّورِ , أَنْبَأَنَا الْمُخَلِّصُ , أَنْبَأَنَا الْبَغَوِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٌ الْبَلَدِيُّ , حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ الْخَيَّاطُ , عَنِ ابْنِ عَوْنٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنِ ابْنِ شُرَيْحٍ , قَالَ: سَيَعْلَمُ الظَّالِمُونَ حَظَّ مَنْ نَقَصُوا! إِنَّ الظَّالِمَ يَنْتَظِرُ الْعِقَابَ وَالْمَظْلُومَ يَنْتَظِرُ النَّصْرَ!
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ , أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ , أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ , أَخْبَرَنَا الطُّومَارِيُّ , حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرَاءِ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ وَهْبٍ , قَالَ: بَنَى جَبَّارٌ قَصْرًا وَشَيَّدَهُ فَجَاءَتْ عَجُوزٌ مُسْلِمَةٌ فَبَنَتْ إِلَى ظَهْرِ قَصْرِهِ كُوخًا تَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ , فَرَكِبَ الْجَبَّارُ يَوْمًا فَطَافَ بِفِنَاءِ الْقَصْرِ , فَرَأَى الْكُوخَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ له: امرأة ها هنا ثَاوِيَةٌ , فَأَمَرَ بِهِ فَهُدِمَ وَلَمْ تَكُنِ الْمَرْأَةُ حَاضِرَةً , فَجَاءَتْ فَرَأَتْهُ قَدْ هُدِمَ , فَقَالَتْ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ فَقِيلَ لَهَا: إِنَّ الْمَلِكَ رَكِبَ فَرَآهُ فَأَمَرَ بِهَدْمِهِ فَرَفَعَتْ طَرْفَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَنَا لَمْ أَكُنْ , فَأَنْتَ أَيْنَ كُنْتَ! قَالَ: فَأَمَرَ اللَّهُ جِبْرِيلَ أَنْ يَقْلِبَ الْقَصْرَ عَلَى مَنْ فِيهِ!
(لا تَظْلِمَنَّ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِرًا ... فَالظُّلْمُ آخِرُهُ يَأْتِيكَ بِالنَّدَمِ)
(تَنَامُ عَيْنَاكَ وَالْمَظْلُومُ مُنْتَصِبٌ ... يدعو عليك وعين الله لم تنم)
стр. 73
السجع عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فيه الأبصار﴾ الْمَعْنَى: تَشْخَصُ أَبْصَارُ الْخَلائِقِ لِظُهُورِ الأَهْوَالِ فَلا تَغْمُضُ.
الْوَيْلُ لأَهْلِ الظُّلْمِ مِنْ ثِقَلِ الأَوْزَارِ , ذِكْرُهُمْ بِالْقَبَائِحِ قَدْ مَلأَ الأَقْطَارَ , يَكْفِيهِمْ أَنَّهُمْ قَدْ وُسِمُوا بِالأَشْرَارِ , ذَهَبَتْ لَذَّاتُهُمْ بِمَا ظَلَمُوا وَبَقِيَ الْعَارُ , وَدَارُوا إِلَى دَارِ الْعِقَابِ وَمَلَكَ الْغَيْرُ الدَّارَ , وَخَلَوْا بِالْعَذَابِ فِي بُطُونِ تِلْكَ الأَحْجَارِ , فَلا مُغِيثٌ وَلا أَنِيسٌ وَلا رَفِيقٌ وَلا جَارٌ , وَلا رَاحَةٌ لَهُمْ وَلا سُكُونٌ وَلا مَزَارٌ , سَالَتْ دُمُوعُ أَسَفِهِمْ عَلَى
مَسْلَفِهِمْ كَالأَنْهَارِ , شَيَّدُوا بُنْيَانَ الأَمَلِ فَإِذَا بِهِ قَدِ انْهَارَ , أَمَا عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ جَارَ الْمَظْلُومَ مِمَّنْ جَارَ , فَإِذَا قَامُوا فِي الْقِيَامَةِ زَادَ البلاء على المقدار ﴿سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار﴾ , لا يَغُرَّنَّكَ صَفَاءُ عَيْشِهِمْ كُلُّ الأَخِيرِ أَكْدَارٌ ﴿إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار﴾
قوله تعالى: ﴿مهطعين﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الإِهْطَاعَ النَّظَرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْرِفَ النَّاظِرُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ الإِسْرَاعُ. قَالَهُ الْحَسَنُ وَابْنُ جُبَيْرٍ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَهْطَعَ الْبَعِيرُ فِي سَيْرِهِ إِذَا أَسْرَعَ.
وَفِيمَا أَسْرَعُوا إِلَيْهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا الدَّاعِي. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَالثَّانِي النَّارُ قَالَهُ مُقَاتِلٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُهْطِعَ الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُقْنِعِي رءوسهم﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: رَافِعِي رُءُوسِهِمْ: قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُقْنِعُ: الَّذِي رَفَعَ رَأْسَهُ وَأَقْبَلَ
стр. 74
بِطَرْفِهِ إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: رَافِعِي رُءُوسِهِمْ مُلْتَصِقَةٍ بِأَعْنَاقِهِمْ.
وَالثَّانِي: نَاكِسِي رُءُوسِهِمْ. قَالَهُ الْمُؤَرِّجُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طرفهم﴾ والمعنى: أن نظرهم إلى شيء واحد. قال الْحَسَنُ: وُجُوهُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى السَّمَاءِ لا يَنْظُرُ أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وأفئدتهم هواء﴾ فِي مَعْنَى الْكَلامِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقُلُوبَ خَرَجَتْ مِنْ مَوَاضِعِهَا , فَصَارَتْ فِي الْحَنَاجِرِ. رَوَاهُ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ:
خَرَجَتْ مِنْ صُدُورِهِمْ فَنَشَبَتْ فِي حُلُوقِهِمْ ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ . أي ليس فيها شَيْءٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَفْئِدَتَهُمْ مُتَجَوِّفَةٌ لا تُغْنِي شَيْئًا مِنَ الْخَوْفِ. قَالَهُ الزَّجَّاجُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفْئِدَتُهُمْ جَوْفٌ لا عُقُولَ لَهَا. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُتَجَوِّفَةٌ مِنَ الْخَوْفِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وأنذر الناس﴾ أي خوفهم ﴿يوم يأتيهم العذاب﴾ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أخرنا إلى أجل قريب﴾ أَيْ أَمْهِلْنَا مُدَّةً يَسِيرَةً.
قَالَ مُقَاتِلٌ: سَأَلُوا الرجوع إلى الدنيا ﴿نجب دعوتك﴾ يَعْنُونَ التَّوْحِيدَ.
فَقَالَ لَهُمْ: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ من قبل﴾ . أَيْ حَلَفْتُمْ بِالدُّنْيَا أَنَّكُمْ لا تُبْعَثُونَ.
﴿وَسَكَنْتُمْ في مساكن الذين ظلموا أنفسهم﴾ أَيْ نَزَلْتُمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ وَقُرَاهُمْ , كَالْحِجْرِ وَمَدْيَنَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْقُرَى الَّتِي عُرِفَتْ. وَمَعْنَى ظَلَمُوا أنفسهم: ضَرُّوهَا بِالْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بهم﴾ أي حربناهم] . وَكَانَ يَنْبَغِي لَكُمْ
стр. 75
أَنْ تَنْزَجِرُوا عَنِ الْخِلافِ ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ أَيْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَشْبَاهَ.
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ فِي الْمُشَارِ إِلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ نُمْرُودُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: قَالَ نُمْرُودُ: لا أَنْتَهِي حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى السَّمَاءِ. فَأَمَرَ بِأَرْبَعَةٍ مِنَ النُّسُورِ فَرُبِّيَتْ وَاسْتُعْجِلَتْ , ثُمَّ أَمَرَ بِتَابُوتٍ فَنُحِتَ , ثُمَّ جَعَلَ فِي وَسَطِهِ خَشَبَةً , وَجَعَلَ [عَلَى] رَأْسِ الْخَشَبَةِ لَحْمًا شَدِيدَ الْحُمْرَةِ , ثُمَّ جَوَّعَهَا وَرَبَطَ أَرْجُلَهَا بِأَوْتَارٍ إِلَى قَوَائِمِ التَّابُوتِ , وَدَخَلَ هُوَ وَصَاحِبٌ لَهُ فِي التَّابُوتِ , وَأَغْلَقَ بَابَهُ ثُمَّ أَرْسَلَهَا , فَجَعَلَتْ تُرِيدُ اللَّحْمَ , فَصَعِدَتْ فِي السَّمَاءِ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِهِ: افْتَحْ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى. فَفَتَحَ فَقَالَ: أَرَى الأَرْضَ كَأَنَّهَا الدُّخَانَ. فَقَالَ: أَغْلِقْ. فَصَعِدَ مَا شَاءَ اللَّهُ
تَعَالَى , ثُمَّ قَالَ: افْتَحْ فَقَالَ: مَا أَرَى إِلا السَّمَاءَ وَمَا تَزْدَادُ مِنْهَا إِلا بُعْدًا. فَقَالَ: صَوِّبْ خَشَبَتَكَ. فَصَوَّبَهَا فَانْقَضَّتِ النُّسُورُ تُرِيدُ اللَّحْمَ , فَسَمِعَتِ الْجِبَالُ هَدَّتَهَا فَكَادَتْ تَزُولُ عَنْ مَوَاضِعِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ بُخْتَنَصَّرَ , وَأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ لَهُ جَرَتْ , وَأَنَّ النُّسُورَ لَمَّا ارْتَفَعَتْ نُودِيَ: يَا أَيُّهَا الطَّاغِي أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَفَرَقَ فَنَزَلَ. فَلَمَّا رَأَتِ الْجِبَالُ ذَلِكَ ظَنَّتْ أَنَّهُ قِيَامُ السَّاعَةِ , فَكَادَتْ تَزُولُ. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الإِشَارَةَ إِلَى الأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَمَكْرُهُمْ شِرْكُهُمْ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالرَّابِعُ: [أَنَّهُمُ] الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ وَأَخْرَجُوهُ. ذَكَرَهُ بَعْضُ المفسرين.
قوله تعالى: ﴿وعند الله مكرهم﴾ أَيْ جَزَاؤُهُ ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ مَنْ كَسَرَ اللامَ الأُولَى فَإِنَّ الْمَعْنَى: وَمَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ. أَيْ هُوَ أَضْعَفُ وَأَهْوَنُ وَمَنْ فَتَحَ [تِلْكَ] اللامَ أَرَادَ: قَدْ كَادَتِ الْجِبَالُ تَزُولُ مِنْ مَكْرِهِمْ.
وَفِي الْمُرَادِ بِالْجِبَالِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: الْجِبَالُ الْمَعْرُوفَةُ. قَالَهُ الجمهور.
следующие страницы →