Полный текст (793 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فَلِمِثْلِ حَالِهِ فَلْيَحْذَرِ اللَّبِيبُ , وَهَذَا أَمْرٌ تُبْعِدُهُ الآمَالُ وَهُوَ وَاللَّهِ قَرِيبٌ.
(أَبْصَرْتُهُ مُلْقَى يَجُودُ بِنَفْسِهِ ... قَدْ كَلَّلَ الرَّشْحُ الْغَزِيرُ جَبِينَهُ)
(لا يَسْتَطِيعُ إِجَابَتِي مِنْ ضَعْفِهِ ... طَوْرًا يَكُفُّ شِمَالَهُ وَيَمِينَهُ)
(وَطَبِيبُهُ قَدْ حَارَ فِيهِ وَقَدْ رَأَى ... أَنْفَاسَهُ تَعْلُو مَعًا وَأَنِينَهُ)
(قَدْ عَافَ مَشْرُوبَاتَهُ وَطَعَامَهُ ... وَقَلَى لِذَاكَ صَدِيقَهُ وَخَدِينَهُ)
إِخْوَانِي: سَلُوا الْقُبُورَ عَنْ سُكَّانِهَا , وَاسْتَخْبِرُوا اللُّحُودَ عَنْ قُطَّانِهَا , تُخْبِرُكُمْ بِخُشُونَةِ الْمَضَاجِعِ , وَتُعْلِمُكُمْ أَنَّ الْحَسْرَةَ قَدْ ملأت واضع , فَإِنَّ الْمُسَافِرَ يَوَدُّ لَوْ أَنَّهُ رَاجِعٌ , فَلْيَتَّعِظِ الْغَافِلُ وَلْيُرَاجِعْ.
(يَا وَاقِفًا يَسْأَلُ الْقُبُورَ أَفِقْ ... فَأَهْلُهَا الْيَوْمَ عَنْكَ قَدْ شُغِلُوا)
(قَدْ هَالَهُمْ مُنْكَرٌ وَصَاحِبُهُ ... وَخَوْفُ مَا قَدَّمُوا وَمَا عَمِلُوا)
(رَهَائِنُ لِلثَّرَى عَلَى مَدَرٍ ... يُسْمَعُ لِلدُّودِ بَيْنَهُمْ زَجَلُ)
(سَرَى الْبِلَى فِي جُسُومِهِمْ فَجَرَتْ ... دَمًا وَقَيْحًا وَسَالَتِ الْمُقَلُ)
(سَكْرَى وَلَمْ يَشْرَبُوا الْفِقَارَ ومن ... كؤوس الْمَنُونِ مَا نَهَلُوا)
(يَنْتَظِرُونَ النُّشُورَ إِذْ يَقِفُ ... الأَمْلاكُ وَالأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ)
(يَوْمًا تُرَى الصُّحُفُ فِيهِ طَائِرَةً ... وَكُلُّ قَلْبٍ مِنْ أَجْلِهِ وَجِلُ)
(قَدْ دَنَتِ الشَّمْسُ مِنْ رُءُوسِهِمُ ... وَالنَّارُ قَدْ أُبْرِزَتْ لَهَا شُعَلُ)
(وَأُزْلِفَتْ جَنَّةُ النَّعِيمِ فَيَا ... طُوبَى لِقَوْمٍ بِرَبْعِهَا نَزَلُوا)
(أَكْوَابُهُمْ عَسْجَدٌ يُطَافُ بِهَا ... وَالْخَمْرُ وَالسَّلْسَبِيلُ وَالْعَسَلُ)
(وَالْحُورُ تَلْقَاهُمْ وَقَدْ هُتِكَتْ ... عَنْ وَجْهِهَا الأَسْتَارُ وَالْكِلَلُ)
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هَذَا وَعِيدٌ لِلظَّالِمِ وَتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ.
стр. 72
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " الظُّلْمُ ظلماتٌ يومَ القيامة ".
أخبرنا يحيى ابن علي المدير، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمَأْمُونِ , حَدَّثَنَا الدَّارَقُطْنِيُّ , أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ الْمَرْوَزِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنْ يَزِيدَ , عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى , قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ .
الْحَدِيثَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ , أَخْبَرَنَا ابْنُ النَّقُّورِ , أَنْبَأَنَا الْمُخَلِّصُ , أَنْبَأَنَا الْبَغَوِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٌ الْبَلَدِيُّ , حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ الْخَيَّاطُ , عَنِ ابْنِ عَوْنٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنِ ابْنِ شُرَيْحٍ , قَالَ: سَيَعْلَمُ الظَّالِمُونَ حَظَّ مَنْ نَقَصُوا! إِنَّ الظَّالِمَ يَنْتَظِرُ الْعِقَابَ وَالْمَظْلُومَ يَنْتَظِرُ النَّصْرَ!
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ , أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ , أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ , أَخْبَرَنَا الطُّومَارِيُّ , حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرَاءِ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ وَهْبٍ , قَالَ: بَنَى جَبَّارٌ قَصْرًا وَشَيَّدَهُ فَجَاءَتْ عَجُوزٌ مُسْلِمَةٌ فَبَنَتْ إِلَى ظَهْرِ قَصْرِهِ كُوخًا تَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ , فَرَكِبَ الْجَبَّارُ يَوْمًا فَطَافَ بِفِنَاءِ الْقَصْرِ , فَرَأَى الْكُوخَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ له: امرأة ها هنا ثَاوِيَةٌ , فَأَمَرَ بِهِ فَهُدِمَ وَلَمْ تَكُنِ الْمَرْأَةُ حَاضِرَةً , فَجَاءَتْ فَرَأَتْهُ قَدْ هُدِمَ , فَقَالَتْ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ فَقِيلَ لَهَا: إِنَّ الْمَلِكَ رَكِبَ فَرَآهُ فَأَمَرَ بِهَدْمِهِ فَرَفَعَتْ طَرْفَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَنَا لَمْ أَكُنْ , فَأَنْتَ أَيْنَ كُنْتَ! قَالَ: فَأَمَرَ اللَّهُ جِبْرِيلَ أَنْ يَقْلِبَ الْقَصْرَ عَلَى مَنْ فِيهِ!
(لا تَظْلِمَنَّ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِرًا ... فَالظُّلْمُ آخِرُهُ يَأْتِيكَ بِالنَّدَمِ)
(تَنَامُ عَيْنَاكَ وَالْمَظْلُومُ مُنْتَصِبٌ ... يدعو عليك وعين الله لم تنم)
стр. 73
السجع عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فيه الأبصار﴾ الْمَعْنَى: تَشْخَصُ أَبْصَارُ الْخَلائِقِ لِظُهُورِ الأَهْوَالِ فَلا تَغْمُضُ.
الْوَيْلُ لأَهْلِ الظُّلْمِ مِنْ ثِقَلِ الأَوْزَارِ , ذِكْرُهُمْ بِالْقَبَائِحِ قَدْ مَلأَ الأَقْطَارَ , يَكْفِيهِمْ أَنَّهُمْ قَدْ وُسِمُوا بِالأَشْرَارِ , ذَهَبَتْ لَذَّاتُهُمْ بِمَا ظَلَمُوا وَبَقِيَ الْعَارُ , وَدَارُوا إِلَى دَارِ الْعِقَابِ وَمَلَكَ الْغَيْرُ الدَّارَ , وَخَلَوْا بِالْعَذَابِ فِي بُطُونِ تِلْكَ الأَحْجَارِ , فَلا مُغِيثٌ وَلا أَنِيسٌ وَلا رَفِيقٌ وَلا جَارٌ , وَلا رَاحَةٌ لَهُمْ وَلا سُكُونٌ وَلا مَزَارٌ , سَالَتْ دُمُوعُ أَسَفِهِمْ عَلَى
مَسْلَفِهِمْ كَالأَنْهَارِ , شَيَّدُوا بُنْيَانَ الأَمَلِ فَإِذَا بِهِ قَدِ انْهَارَ , أَمَا عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ جَارَ الْمَظْلُومَ مِمَّنْ جَارَ , فَإِذَا قَامُوا فِي الْقِيَامَةِ زَادَ البلاء على المقدار ﴿سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار﴾ , لا يَغُرَّنَّكَ صَفَاءُ عَيْشِهِمْ كُلُّ الأَخِيرِ أَكْدَارٌ ﴿إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار﴾
قوله تعالى: ﴿مهطعين﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الإِهْطَاعَ النَّظَرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْرِفَ النَّاظِرُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ الإِسْرَاعُ. قَالَهُ الْحَسَنُ وَابْنُ جُبَيْرٍ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَهْطَعَ الْبَعِيرُ فِي سَيْرِهِ إِذَا أَسْرَعَ.
وَفِيمَا أَسْرَعُوا إِلَيْهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا الدَّاعِي. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَالثَّانِي النَّارُ قَالَهُ مُقَاتِلٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُهْطِعَ الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُقْنِعِي رءوسهم﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: رَافِعِي رُءُوسِهِمْ: قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُقْنِعُ: الَّذِي رَفَعَ رَأْسَهُ وَأَقْبَلَ
стр. 74
بِطَرْفِهِ إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: رَافِعِي رُءُوسِهِمْ مُلْتَصِقَةٍ بِأَعْنَاقِهِمْ.
وَالثَّانِي: نَاكِسِي رُءُوسِهِمْ. قَالَهُ الْمُؤَرِّجُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طرفهم﴾ والمعنى: أن نظرهم إلى شيء واحد. قال الْحَسَنُ: وُجُوهُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى السَّمَاءِ لا يَنْظُرُ أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وأفئدتهم هواء﴾ فِي مَعْنَى الْكَلامِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقُلُوبَ خَرَجَتْ مِنْ مَوَاضِعِهَا , فَصَارَتْ فِي الْحَنَاجِرِ. رَوَاهُ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ:
خَرَجَتْ مِنْ صُدُورِهِمْ فَنَشَبَتْ فِي حُلُوقِهِمْ ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ . أي ليس فيها شَيْءٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَفْئِدَتَهُمْ مُتَجَوِّفَةٌ لا تُغْنِي شَيْئًا مِنَ الْخَوْفِ. قَالَهُ الزَّجَّاجُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفْئِدَتُهُمْ جَوْفٌ لا عُقُولَ لَهَا. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُتَجَوِّفَةٌ مِنَ الْخَوْفِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وأنذر الناس﴾ أي خوفهم ﴿يوم يأتيهم العذاب﴾ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أخرنا إلى أجل قريب﴾ أَيْ أَمْهِلْنَا مُدَّةً يَسِيرَةً.
قَالَ مُقَاتِلٌ: سَأَلُوا الرجوع إلى الدنيا ﴿نجب دعوتك﴾ يَعْنُونَ التَّوْحِيدَ.
فَقَالَ لَهُمْ: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ من قبل﴾ . أَيْ حَلَفْتُمْ بِالدُّنْيَا أَنَّكُمْ لا تُبْعَثُونَ.
﴿وَسَكَنْتُمْ في مساكن الذين ظلموا أنفسهم﴾ أَيْ نَزَلْتُمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ وَقُرَاهُمْ , كَالْحِجْرِ وَمَدْيَنَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْقُرَى الَّتِي عُرِفَتْ. وَمَعْنَى ظَلَمُوا أنفسهم: ضَرُّوهَا بِالْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بهم﴾ أي حربناهم] . وَكَانَ يَنْبَغِي لَكُمْ
стр. 75
أَنْ تَنْزَجِرُوا عَنِ الْخِلافِ ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ أَيْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَشْبَاهَ.
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ فِي الْمُشَارِ إِلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ نُمْرُودُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: قَالَ نُمْرُودُ: لا أَنْتَهِي حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى السَّمَاءِ. فَأَمَرَ بِأَرْبَعَةٍ مِنَ النُّسُورِ فَرُبِّيَتْ وَاسْتُعْجِلَتْ , ثُمَّ أَمَرَ بِتَابُوتٍ فَنُحِتَ , ثُمَّ جَعَلَ فِي وَسَطِهِ خَشَبَةً , وَجَعَلَ [عَلَى] رَأْسِ الْخَشَبَةِ لَحْمًا شَدِيدَ الْحُمْرَةِ , ثُمَّ جَوَّعَهَا وَرَبَطَ أَرْجُلَهَا بِأَوْتَارٍ إِلَى قَوَائِمِ التَّابُوتِ , وَدَخَلَ هُوَ وَصَاحِبٌ لَهُ فِي التَّابُوتِ , وَأَغْلَقَ بَابَهُ ثُمَّ أَرْسَلَهَا , فَجَعَلَتْ تُرِيدُ اللَّحْمَ , فَصَعِدَتْ فِي السَّمَاءِ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِهِ: افْتَحْ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى. فَفَتَحَ فَقَالَ: أَرَى الأَرْضَ كَأَنَّهَا الدُّخَانَ. فَقَالَ: أَغْلِقْ. فَصَعِدَ مَا شَاءَ اللَّهُ
تَعَالَى , ثُمَّ قَالَ: افْتَحْ فَقَالَ: مَا أَرَى إِلا السَّمَاءَ وَمَا تَزْدَادُ مِنْهَا إِلا بُعْدًا. فَقَالَ: صَوِّبْ خَشَبَتَكَ. فَصَوَّبَهَا فَانْقَضَّتِ النُّسُورُ تُرِيدُ اللَّحْمَ , فَسَمِعَتِ الْجِبَالُ هَدَّتَهَا فَكَادَتْ تَزُولُ عَنْ مَوَاضِعِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ بُخْتَنَصَّرَ , وَأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ لَهُ جَرَتْ , وَأَنَّ النُّسُورَ لَمَّا ارْتَفَعَتْ نُودِيَ: يَا أَيُّهَا الطَّاغِي أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَفَرَقَ فَنَزَلَ. فَلَمَّا رَأَتِ الْجِبَالُ ذَلِكَ ظَنَّتْ أَنَّهُ قِيَامُ السَّاعَةِ , فَكَادَتْ تَزُولُ. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الإِشَارَةَ إِلَى الأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَمَكْرُهُمْ شِرْكُهُمْ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالرَّابِعُ: [أَنَّهُمُ] الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ وَأَخْرَجُوهُ. ذَكَرَهُ بَعْضُ المفسرين.
قوله تعالى: ﴿وعند الله مكرهم﴾ أَيْ جَزَاؤُهُ ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ مَنْ كَسَرَ اللامَ الأُولَى فَإِنَّ الْمَعْنَى: وَمَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ. أَيْ هُوَ أَضْعَفُ وَأَهْوَنُ وَمَنْ فَتَحَ [تِلْكَ] اللامَ أَرَادَ: قَدْ كَادَتِ الْجِبَالُ تَزُولُ مِنْ مَكْرِهِمْ.
وَفِي الْمُرَادِ بِالْجِبَالِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: الْجِبَالُ الْمَعْرُوفَةُ. قَالَهُ الجمهور.
стр. 76
وَالثَّانِي: أَنَّهَا ضُرِبَتْ مَثَلا لأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَثُبُوتُ دِينِهِ كَثُبُوتِ الْجِبَالِ الراسية. والمعنى: لو بلغ كَيْدُهُمْ إِلَى إِزَالَةِ الْجِبَالِ لَمَا زَالَ أَمْرُ الإِسْلامِ. قَالَهُ الزَّجَّاجُ.
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ اللَّهِ : ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعده رسله﴾ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ وَعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ ﴿إِنَّ الله عزيز ذو انتقام﴾ مِنَ الْكَافِرِينَ.
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ وَفَيِ مَعْنَى تَبْدِيلِهَا قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: [أَنَّهُ] تُبَدَّلُ بِأَرْضٍ بَيْضَاءَ كَأَنَّهَا فِضَّةٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَرِيرِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو طَالِبٍ الْعُشَارِيُّ , أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ , أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ , حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ الدُّورِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو العتاب الدلال. حدثنا جرير ابن أَيُّوبَ الْبَجَلِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ , عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض﴾ قَالَ: (أَرْضٌ بَيْضَاءُ كَأَنَّهَا فِضَّةٌ لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ حَرَامٌ , وَلَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا خَطِيئَةٌ) وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تُبَدَّلُ بأرض من فضة. قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تُبَدَّلُ بِخُبْزَةٍ بَيْضَاءَ فَيَأْكُلُ الْمُؤْمِنُ مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ - قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَالْقُرْطُبِيُّ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا تُبَدَّلُ نَارًا. قَالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ تَبْدِيلَهَا: تَغْيِيرُ أَحْوَالِهَا. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " يَبْسُطُهَا وَيَمُدُّهَا مَدَّ الأَدِيمِ " وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُزَادُ فِيهَا وَيُنْقَصُ مِنْهَا , وَتَذْهَبُ آكَامُهَا وَجِبَالُهَا وَأَوْدِيَتُهَا وَشَجَرُهَا وَتُمَدُّ.
وَفِي تَبْدِيلِ السماوات سَبْعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهَا تُجْعَلُ مِنْ ذَهَبٍ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁.
стр. 77
وَالثَّانِي: تَصِيرُ جِنَانًا. قَالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ تَبْدِيلَهَا تَكْوِيرُ شَمْسِهَا وَتَنَاثُرُ نُجُومِهَا. قاله ابن عباس. والرابع: أنها تبدل بسماوات كَأَنَّهَا الْفِضَّةُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَالْخَامِسُ: [أَنَّ تَبْدِيلَهَا تَغْيِيرُ أَحْوَالِهَا , فَمَرَّةً تَكُونُ كَالْمُهْلِ , وَمَرَّةً كَالدِّهَانِ. قَالَهُ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ. وَالسَّادِسُ:] أَنَّ تَبْدِيلَهَا أَنْ تُطْوَى كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ. وَالسَّابِعُ: أَنْ تَنْشَقَّ فَلا تُظِلُّ. ذَكَرَهُما الْمَاوَرْدِيُّ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ , فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: " عَلَى الْجِسْرِ , فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني الكفار ﴿يومئذ مقرنين﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا يُقْرَنُونَ مَعَ الشَّيَاطِينِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: تُقْرَنُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ إِلَى رِقَابِهِمْ. قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَالثَّالِثُ: يُقْرَنُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَالأَصْفَادُ: الأغلال.
قوله تعالى: ﴿سرابيلهم من قطران﴾ وَهِيَ الْقُمُصُ , وَاحِدُهَا سِرْبَالٌ , وَالْقَطِرَانُ: مَعْرُوفٌ , وَهُوَ شَيْءٌ يُتَحَلَّبُ مِنْ شَجَرٍ تُهْنَأُ بِهِ الإِبِلُ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّمَا جُعِلَ الْقَطِرَانُ لأَنَّهُ يُبَالِغُ فِي اشْتِعَالِ النَّارِ فِي الْجُلُودِ , فَحَذَّرَهُمْ مَا يَعْرِفُونَ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ ﴿مِنْ قِطْرٍ﴾ بكسر القاف وسكون الطاء والتنوين ﴿وأن﴾ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا وَمَدِّهَا. وَالْقِطْرُ: الصُّفْرُ وَالنُّحَاسُ وآن [قد] انتهى حره.
стр. 78
﴿وتغشى وجوههم النار﴾ أي تعلوها.
﴿ليجزي الله﴾ اللام متعلقة بقوله تعالى: ﴿وبرزوا﴾ وَفِي سُرْعَةِ حِسَابِهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: عَجَلَةُ حُضُورِهِ وَمَجِيئُهُ. وَالثَّانِي: سُرْعَةُ فَرَاغِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَفْرُغُ اللَّهُ مِنْ حِسَابِ الْخَلْقِ فِي قَدْرِ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا.
أَيْنَ مَنْ لَعِبَ وَلَهَا , أَيْنَ مَنْ غَفَلَ وَسَهَا , دَهَاهُ أَفْظَعُ مَا دَهَى , وَحُطَّ رُكْنُهُ فَوَهَى , ذَهَبَتْ لَذَّةُ ذُنُوبِهِ وَحُبِسَ بِهَا , نَظَرَ في عاجله ونسي المنتهى.
(نادى الْقُصُورَ الَّتِي أَقْوَتْ مَعَالِمُهَا ... أَيْنَ الْجُسُومُ الَّتِي طَابَتْ مَطَاعِمُهَا)
(أَيْنَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ وَمَنْ ... أَلْهَاهُ نَاضِرُ دُنْيَاهُ وَنَاعِمُهَا)
(أَيْنَ الأُسُودُ الَّتِي كَانَتْ تُحَاذِرُهَا ... أُسْدُ الْعَرِينِ وَمِنْ خَوْفٍ تُسَالِمُهَا)
(أَيْنَ الْجُيُوشُ الَّتِي كَانَتْ لَوِ اعْتَرَضَتْ ... لَهَا الْعُقَابُ لَخَانَتْهَا قَوَادِمُهَا)
(أَيْنَ الْحِجَابُ وَمَنْ كَانَ الْحِجَابُ لَهُ ... وَأَيْنَ رُتْبَتُهُ الْكُبْرَى وَخَادِمُهَا)
(أَيْنَ اللذين لَهَوْا عَمَّا لَهُ خُلِقُوا ... كَمَا لَهَتْ فِي مَرَاعِيهَا سَوَائِمُهَا)
(أَيْنَ الْبُيُوتُ الَّتِي مِنْ عَسْجَدٍ نُسِجَتْ ... هَلِ الدَّنَانِيرُ أَغْنَتْ أَمْ دَرَاهِمُهَا)
(أَيْنَ الأسرة تَعْلُوهَا ضَرَاغِمُهَا ... هَلِ الأَسِرَّةُ أَغْنَتْ أَمْ ضَرَاغِمُهَا)
(هذي الْمَعَاقِلُ كَانَتْ قَبْلُ عَاصِمَةً ... وَلا يَرَى عِصَمَ الْمَغْرُورِ عَاصِمُهَا)
(أَيْنَ الْعُيُونُ الَّتِي نَامَتْ فَمَا انْتَبَهَتْ ... وَاهًا لَهَا نَوْمَةً مَا هَبَّ نَائِمُهَا)
стр. 79
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ ولينذروا به﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ
يَا مَشْغُولا بِذُنُوبِهِ , مَغْمُورًا بِعُيُوبِهِ , غَافِلا عَنْ مَطْلُوبِهِ , أَمَا نَهَاهُ الْقُرْآنُ عَنْ حوبه هذا بلاغ للناس ولينذروا به.
أنسي العاصي قبيح مكتوبه , لا بد عن سُؤَالِهِ عَنْ مَطْعُومِهِ وَمَشْرُوبِهِ , وَحَرَكَاتِهِ وَخُطَوَاتِهِ فِي مَرْغُوبِهِ , أَلا يَذْكُرُ فِي زَمَانِ رَاحَتِهِ أَحْيَانَ كُرُوبِهِ , أَلا يَحْذَرُ مِنَ الأَسَدِ قَبْلَ وَقْتِ وُثُوبِهِ , أَلا يَتَّخِذُ تُقَاهُ تُقْيَةً مِنْ شَرِّ هُبُوبِهِ , أَلا يَدَّخِرُ مِنْ خِصْبِهِ لأَيَّامِ جُدُوبِهِ , أَلا يَتَفَكَّرُ فِي فِرَاقِهِ لِمَحْبُوبِهِ , أَلا يَتَذَكَّرُ النَّعْشَ قَبْلَ
رُكُوبِهِ , كَيْفَ يَغْفَلُ مَنْ هُوَ فِي صَفِّ حُرُوبِهِ , رُبَّ إِشْرَاقٍ لَمْ يُدْرَكْ زَمَنُ غُرُوبِهِ، إِلَى مَتَى فِي حِرْصِهِ عَلَى الفاني ودؤوبه , مَتَى يَرُدُّ يُوسُفُ قَلْبَهُ عَلَى يَعْقُوبِهِ , لَقَدْ وَعَظَهُ الزَّمَانُ بِفُنُونِ ضُرُوبِهِ , وَحَذَّرَهُ اسْتِلابَهُ بِأَنْوَاعِ خُطُوبِهِ , وَلَقَدْ زَجَرَهُ الْقُرْآنُ بِتَخْوِيفِهِ مَعَ لَذَّةِ أسلوبه , هذا بلاغ للناس ولينذروا به.
أَيْقَظَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ رَقْدَةِ الْغَفْلَةِ , وَوَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ لِلتَّزَوُّدِ قَبْلَ النُّقْلَةِ , وَأَلْهَمَنَا اغْتِنَامَ الزمان ووقت المهلة. إنه سميع قريب.
стр. 80
المجلس السادس
فِي قِصَّةِ ثَمُودَ
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي مَهَّدَ لِطَالِبِيهِ سَبِيلا وَاضِحًا , وَكَمِ ابْتَعَثَ نَبِيًّا مُرْشِدًا نَاصِحًا , فَأَرْسَلَ آدَمَ غَادِيًا عَلَى بَنِيهِ بِالتَّعْلِيمِ ورائحا , فخلفه شِيثَ ثُمَّ إِدْرِيسَ , وَجَاءَ نُوحٌ نَائِحًا ,
وَأَمَرَ هُودًا بِهِدَايَةِ عَادٍ فَلَمْ يَزَلْ مُكَادِحًا ﴿وَإِلَى ثمود أخاهم صالحا﴾ .
أَحْمَدُهُ مَا بَدَا بَرْقٌ لائِحًا , وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ مَا دَامَ الْفُلْكُ سَابِحًا , وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ , وَقُلْ فِي الصِّدِّيقِ مَادِحًا , وَعَلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ بِنُورِ الْحَقِّ لامِحًا , وَعَلَى عُثْمَانَ وَاعْجَبْ بِمِثْلِ دَمِهِ طَائِحًا , وَعَلَى عَلِيٍّ وَأَعْلِنْ بِفَضَائِلِهِ صَائِحًا , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ وَمَا زَالَ عَرْفُ طِيبِهِ نَافِحًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا﴾ .
ثَمُودُ: هُوَ ابْنُ عَابِرِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. أَرْسَلَ إِلَى أَوْلادِهِ وَهُوَ: صَالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أُنَيْفِ [بْنِ مَاشِحَ بن عبيد بن جادر ابن ثَمُودَ] .
وَالثَّمْدُ: الْمَاءُ الْقَلِيلُ الَّذِي لا مَادَّةَ لَهُ , وَإِنَّمَا قَالَ " أَخَاهُمْ " لأَنَّهُ مِنْ قَبِيلَتِهِمْ.
﴿قال يا قوم اعبدوا الله﴾ أَيْ " وَحِّدُوهُ " فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاؤُهُ إِلا طُغْيَانًا , فَقَالُوا: ائْتِنَا بِآيَةٍ فَاقْتَرَحُوا عَلَيْهِ نَاقَةً , فَأَخْرَجَهُمْ إِلَى صَخْرَةٍ مَلْسَاءَ فَتَمَخَّضَتْ تَمَخُّضَ الْحَامِلِ , ثُمَّ انفلقت عن ناقة على الضفة الَّتِي طَلَبُوهَا , ثُمَّ انْفَصَلَ عَنْهَا فَصِيلٌ فَقَالَ ﴿ذَرُوهَا تَأْكُلُ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ أَيْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ مُؤْنَتُهَا وَلا عَلَفُهَا. وَتَأْكُلْ مَجْزُومَةٌ عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ الْمُقَدَّرِ , وَالْمَعْنَى إِنْ تَذَرُوَهَا تَأْكُلْ.
стр. 81
﴿ولا تمسوها بسوء﴾ .
وَالسُّوءُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى عَشَرَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا الشدة ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾ وَالثَّانِي: الزِّنَا: ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ . وَالثَّالِثُ: الْبَرَصُ ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ والرابع: العذاب ﴿لا يمسهم السوء﴾ وَالْخَامِسُ الشِّرْكُ: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ والسادس السب: ﴿وألسنتهم بالسوء﴾ والسابع الضر: ﴿ويكشف السوء﴾ والثامن الذنب: ﴿يعملون السوء بجهالة﴾ والتاسع القتل والهزيمة: ﴿لم يمسهم سوء﴾ والعاشر العقر: ﴿ولا تمسوها بسوء﴾ .
فَكَانَتْ تَشْرَبُ مَاءَ الْوَادِي كُلَّهُ [فِي يَوْمٍ] . وَتَسْقِيهِمُ الدَّرَّ مَكَانَهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض﴾ أي أنزلكم ﴿تتخذون من سهولها قصورا﴾ السَّهْلُ: ضِدُّ الْحَزْنِ. وَالْقَصْرُ: مَا شُيِّدَ وَعَلا مِنَ الْمَنَازِلِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: اتَّخَذُوا الْقُصُورَ فِي سُهُولِ الأَرْضِ لِلصَّيْفِ وَنَقَّبُوا فِي الْجِبَالِ لِلشِّتَاءِ.
قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَبْنِي الْبُنْيَانَ فَيَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ , فَيَخْرُبُ ,
стр. 82
ثُمَّ يُجَدِّدُهُ فَيَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ فَيَخْرُبُ , فَأَضْجَرَهُمْ ذَلِكَ , فَاتَّخَذُوا مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا.
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى قَوْلِ صَالِحٍ وَاحْتَالُوا عَلَى قَتْلِهِ , فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهله﴾ وَقَعَدُوا فِي أَصْلِ جَبَلٍ يَنْتَظِرُونَهُ , فَوَقَعَ الْجَبَلُ عَلَيْهِمْ فَهَلَكُوا , ثُمَّ أَقْبَلَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يُرِيدُونَ قَتْلَ النَّاقَةِ فَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وسقياها﴾ أَيِ احْذَرُوا نَاقَةَ اللَّهِ وَشِرْبَهَا مِنَ الْمَاءِ. فَكَمَنَ لَهَا قَاتِلُهَا وَهُو قُدَارُ بْنُ سَالِفٍ فِي [أَصْلِ] شَجَرَةٍ فَرَمَاهَا بِسَهْمٍ فَانْتَظَمَ بِهِ عَضَلَةُ سَاقِهَا , ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهَا بِالسَّيْفِ فَكَشَفَ عُرْقُوبَهَا , ثُمَّ نَحَرَهَا.
وَقَالُوا: يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا مِنَ الْعَذَابِ. فَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ.
قَالَ [الْمُفَسِّرُونَ] : لَمَّا عَقَرُوهَا صَعِدَ فَصِيلُهَا إِلَى الْجَبَلِ فَرَغَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ , فَقَالَ صَالِحٌ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أَجَلُ يَوْمٍ , أَلا إِنَّ الْيَوْمَ الأَوَّلَ تُصْبِحُ وُجُوهُكُمْ مُصْفَرَّةً , وَالْيَوْمَ الثَّانِي مُحْمَرَّةً , وَالْيَوْمَ الثَّالِثَ مُسْوَدَّةً. فَلَمَّا أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ إِذَا وُجُوهُهُمْ مُصْفَرَّةٌ , فَصَاحُوا وَبَكَوْا وَعَرَفُوا أَنَّهُ الْعَذَابُ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي إِذَا وُجُوهُهُمْ مُحْمَرَّةٌ , فَضَجُّوا وَبَكَوْا. فَلَمَّا أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ إِذَا وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ , كَأَنَّمَا طُلِيَتْ بِالْقَارِ , فَصَاحُوا بِأَجْمَعِهِمْ: أَلا قَدْ حَضَرَكُمُ الْمَوْتُ. فَتَكَفَّنُوا وَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ بِالأَرْضِ لا يَدْرُونَ مِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ.
فَلَمَّا أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ أَتَتْهُمْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتُ كُلِّ صَاعِقَةٍ , فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: حَفَرُوا لأَنْفُسِهِمْ قُبُورًا. فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ [وَلَمْ يَأْتِهِمُ الْعَذَابُ] ظَنُّوا أَنَّ اللَّهَ قَدْ رَحِمَهُمْ , فَخَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ يَدْعُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا. فَقَامَ جِبْرِيلُ ﵇ فَوْقَ الْمَدِينَةِ فَسَدَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ , فَرَجَعُوا إِلَى قُبُورِهِمْ , فَصَاحَ [بِهِمْ] صَيْحَةً عَظِيمَةً: مُوتُوا عَلَيْكُمُ اللَّعْنَةُ. فَمَاتُوا وزلزلت
стр. 83
بيوتهم فوقعت عليهم ﴿فدمدم عليهم ربهم﴾ أَيْ أَطْبَقَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ.
وَلَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى دِيَارِهِمْ قَالَ: " لا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ".
اعْتَبِرُوا إِخْوَانِي بِهَؤُلاءِ الْهَالِكِينَ , وَانْظُرُوا سُوءِ تَدْبِيرِ الْخَاسِرِينَ , لا بِالنَّاقَةِ اعْتَبَرُوا , وَلا لِتَعْوِيضِهِمُ اللَّبَنَ شَكَرُوا , وَعَتَوْا عَنِ النِّعَمِ وَبَطِرُوا , وَعَمُوا عَنِ الْكَرَمِ فَمَا نَظَرُوا , وَأُوعِدُوا بِالْعَذَابِ فَمَا حَذِرُوا , كُلَّمَا رَأَوْا آيَةً مِنَ الآيَاتِ كَفَرُوا.
الطَّبْعُ الْخَبِيثُ لا يَتَغَيَّرُ , وَالْمُقَدَّرُ ضَلالُهُ لا يَزَالُ يَتَحَيَّرُ , خَرَجَتْ إِلَيْهِمْ نَاقَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّعَمِ , وَدُرَّ لَبَنُهَا لَهُمْ فَتَوَاتَرَتِ النِّعَمُ فَكَفَرُوا وَمَا شَكَرُوا , فَأَقْبَلَتِ النِّقَمُ.
أَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الْكُفْرَانِ , وَحَفِظَنَا مِنْ مُوجِبَاتِ الْخُسْرَانِ , إِنَّهُ إِذَا لَطَفَ صَانَ.
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(أَيُّهَا السَّكْرَانُ بِالآمَالِ ... قَدْ حَانَ الرَّحِيلُ)
(وَمَشِيبُ الرَّأْسِ وَالْفَوْدَيْنِ ... لِلْمَوْتِ دَلِيلُ)
(فَانْتَبِهْ مِنْ رَقْدَةِ الفغفلة ... فَالْعُمْرُ قَلِيلُ)
(وَاطْرَحْ سَوْفَ وَحَتَّى ... فَهُمَا دَاءٌ دَخِيلُ)
يَا مَنْ صُبْحُ شَيْبِهِ بَعْدَ لَيْلِ شَبَابِهِ قَدْ تَبَلَّجَ , وَنَذِيرُهُ قَدْ حَامَ حَوْلَ حِمَاهُ وَعَرَّجَ , كَأَنَّكَ بِالْمَوْتِ قَدْ أَتَى سَرِيعًا وَأَزْعَجَ , وَنَقَلَكَ عَنْ دَارٍ أَمِنْتَ مَكْرَهَا وَأَخْرَجَ , وحملك على خشونة النَّعْشِ بَعْدَ لِينِ الْهَوْدَجِ , وَأَفْصَحَ بِهَلاكِكَ وَقَدْ طَالَ مَا مَجْمَجَ , وَأَفْقَرَكَ إِلَى قَلِيلٍ مِنَ الزَّادِ وَأَحْوَجَ , يَا لاهِيًا فِي دَارِ الْبَلاءِ مَا أَقْبَحَ فِعْلَكَ وَمَا أَسْمَجَ , وَيَا عَالِمًا نَظَرَ النَّاقِدُ وَبِضَاعَتُهُ كُلُّهَا بَهْرَجٌ , وَيَا غَافِلا عَنْ رَحِيلِهِ سَلْبُ الأَقْرَانِ أُنْمُوذَجٌ.
стр. 84
(سَيَقْطَعُ رَيْبُ الدَّهْرِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ ... لِكُلِّ اجْتِمَاعٍ فُرْقَةٌ مِنْ يَدِ الْبَيْنِ)
(وَكُلٌّ يَقْضِي سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ ... تُخَاتِلُهُ عَنْ نَفْسِهِ سَاعَةُ الْحِينِ)
(وَمَا الْعَيْشُ إِلا يَوْمُ مَوْتٍ لَهُ غَدٌ ... وَمَا الْمَوْتُ إِلا رَقْدَةٌ بَيْنَ يَوْمَيْنِ)
(وَمَا الْحَشْرُ إِلا كَالصَّبَاحِ إِذَا انْجَلَى ... يَقُومُ لَهُ الْيَقْظَانُ مِنْ رَقْدَةِ الْعَيْنِ)
(فَيَا عَجَبًا مِنِّي وَيَا طُولَ غَفْلَتِي ... أُؤَمِّلُ أَنْ أَبْقَى وَأَنَّى وَمِنْ أَيْنِ)
يَا مَنْ يُبَارِزُ مَوْلاهُ بِمَا يَكْرَهُ , وَيُخَالِفُهُ فِي أَمْرِهِ آمِنًا مَكْرَهُ , وَيُنْعِمُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَنْسَى شُكْرَهُ , وَالرَّحِيلُ قَدْ دَنَا وماله فِيهِ فِكْرَةٌ , يَا مَنْ قَبَائِحُهُ تُرْفَعُ عَشِيًّا وَبُكْرَةً , يَا قَلِيلَ الزَّادِ مَا أَطْوَلَ السَّفْرَةَ , وَالنُّقْلَةُ قَدْ دَنَتْ وَالْمَصِيرُ الْحُفْرَةُ , مَتَى تَعْمَلُ فِي قَلْبِكَ الْمَوَاعِظُ , مَتَى تُرَاقِبُ الْعَوَاقِبَ وَتُلاحِظُ , أَمَا تَحْذَرُ مَنْ أَوْعَدَ وَهَدَّدَ , أَمَا تَخَافُ مَنْ أَنْذَرَ وَشَدَّدَ , مَتَى تَضْطَرِمُ نَارُ الْخَوْفِ فِي قَلْبِكَ وَتَتَوَقَّدُ , إِلَى مَتَى بَيْنَ الْقُصُورِ وَالتَّوَانِي تَتَرَدَّدُ , مَتَى تَحْذَرُ يَوْمًا فِيهِ الْجُلُودُ تَشْهَدُ , مَتَى تَتْرُكُ مَا يَفْنَى رَغْبَةً فِيمَا لا ينفد , متى تهب بك رِيحُ الْخَوْفِ كَأَنَّكَ غُصْنٌ يَتَأَوَّدُ , الْبِدَارَ الْبِدَارَ إِلَى الْفَضَائِلِ , وَالْحِذَارَ الْحِذَارَ مِنَ الرَّذَائِلِ , فَإِنَّمَا هِيَ أَيَّامٌ قَلائِلُ:
(اغْتَنِمْ فِي الْفَرَاغِ فَضْلَ رُكُوعٍ ... فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَةْ)
(كَمْ صَحِيحٍ رَأَيْتَ مِنْ غَيْرِ سُقْمٍ ... ذَهَبَتْ نَفْسُهُ السَّلِيمَةُ فَلْتَةْ)
حَجَّ مَسْرُوقٌ فَمَا نَامَ إِلا سَاجِدًا , وَكَانَ مُجِيرُ بْنُ الرَّبِيعِ يُصَلِّي حَتَّى مَا يَأْتِي فِرَاشَهُ إِلا حَبْوًا.
(اغْتَنِمْ رَكْعَتَيْنِ زُلْفَى إِلَى اللَّهِ ... إِذَا كُنْتَ فَارِغًا مُسْتَرِيحَا)
(وَإِذَا مَا هَمَمْتَ أَنْ تَفْعَلَ الْبَاطِلَ ... فَاجْعَلْ مَكَانَهُ تَسْبِيحَا)
يَا سَكْرَانَ الْهَوَى وَإِلَى الآنَ مَا صَحَّا , يَا مُفْنِيًا زَمَانَهُ الشَّرِيفَ لَهْوًا وَمَرَحًا , يَا مُعْرِضًا عَنْ لَوْمِ مَنْ لامَ وَعَتْبِ مَنْ لَحَا , مَتَى يَعُودُ هَذَا الْفَاسِدُ مُصْلِحًا , مَتَى يَرْجِعُ هَذَا الْهَالِكُ مُفْلِحًا.
لَقَدْ أتعبت النصحاء الفصحاء , أما وعظمت بِمَا يَكْفِي , أَمَا رَأَيْتَ مِنَ الْعِبْرَةِ مَا يَشْفِي , فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْمَى النَّاظِرُ , وَتَفَكَّرْ فِي أَمْرِكَ بِالْقَلْبِ
стр. 85
الْحَاضِرِ , وَلا تُسَاكِنِ الْفُتُورَ فَإِنَّكَ إِلَى [مَسْكَنِ] الْقُبُورِ صَائِرٌ , فَالْحَيُّ لِلْمَمَاتِ , وَالْجَمْعُ لِلشَّتَاتِ [وَالأَمْرُ] ظَاهِرٌ.
(عَاصِ الْهَوَى إِنَّ الْهَوَى مَرْكَبٌ ... يَصْعُبُ بَعْدَ اللِّينِ مِنْهُ الذَّلُولُ)
(إِنْ يَجْلُبِ الْيَوْمَ الْهَوَى لَذَّةً ... فَفِي غَدٍ مِنْهُ الْبُكَا وَالْعَوِيلُ)
(ما بين ما يحمد فيها وَمَا ... يَدْعُو إِلَيْهِ الذَّمُّ إِلا الْقَلِيلُ)
الْكَلامُ على قوله تعالى
﴿واستمع يوم ينادي المنادي﴾ وَالْمَعْنَى: اسْتَمِعْ حَدِيثَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَالْمُنَادِي: إِسْرَافِيلُ , يقف على صخرة بيت المقدس فينادي: يا أيها النَّاسُ هَلُمُّوا إِلَى الْحِسَابِ. إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَجْتَمِعُوا لِفَصْلِ الْقَضَاءِ.
وَهَذِهِ الصَّيْحَةُ هِيَ الأَخِيرَةُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ الْمَكَانُ الْقَرِيبُ هُوَ الصَّخْرَةُ. قَالَ كَعْبٌ وَمُقَاتِلٌ: هِيَ أَقْرَبُ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلا. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلا. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيُقَالُ: إِنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةِ فِي وَسَطِ الأَرْضِ.
سَجْعٌ
يَا مَنْ يُدعى إِلَى نَجَاتِهِ فَلا يُجِيبُ , يَا مَنْ قَدْ رَضِيَ أَنْ يَخْسَرَ وَيَخِيبَ , إِنَّ أَمْرَكَ طَرِيفٌ وَحَالَكَ عَجِيبٌ , اذْكُرْ فِي زَمَانِ رَاحَتِكَ سَاعَةَ الْوَجِيبِ ﴿واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب﴾ .
وَيْحَكَ إِنَّ الْحَقَّ حَاضِرٌ مَا يَغِيبُ , تُحْصَى عَلَيْكَ أَعْمَالُ الطُّلُوعِ وَأَفْعَالُ الْمَغِيبِ , ضَاعَتِ الرِّيَاضَةُ فِي غَيْرِ نَجِيبٍ [سِيمَاكَ تَدُلُّ وَمَا يَخْفَى المريب] اسمع
стр. 86
لا بُدَّ لِغِرْبَانِ الْفِرَاقِ مِنْ نَعِيبِ , أَنُسَاكِنُ الْغَفْلَةَ وَلِغَيْرِنَا نَعِيبُ , يَا مَنْ سِلَعُهُ كُلُّهَا مَعِيبُ , اذْكُرْ يَوْمَ الْفَزَعِ وَالتَّأْنِيبِ ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ ينادي المنادي من مكان قريب﴾ .
لا بُدَّ وَاللَّهِ مِنْ فِرَاقِ الْعَيْشِ الرَّطِيبِ , وَالْتِحَافِ الْبِلَى مَكَانَ الطِّيبِ , وَاعَجَبًا لِلَذَّاتٍ بَعْدَ
هَذَا كَيْفَ تَطِيبُ , وَيْحَكَ أَحْضِرْ قَلْبَكَ لِوَعْظِ الخطيب ﴿واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب﴾ .
تَذَكَّرْ مَنْ قَدْ أُصِيبَ كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ يَوْمٌ عَصِيبٌ , وَانْتَبِهْ لأَحَظِّ الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ [وَاحْتَرِزْ] فَعَلَيْكَ شَهِيدٌ وَرَقِيبٌ , إِذَا حَلَّ الْمَوْتُ حَلَّ الترركيب , وَتُقْلَبُ مُقَلُ الْقُلُوبِ فِي قَلْبِ التَّقْلِيبِ , فَتَنْزَعِجُ الرُّوحُ انْزِعَاجَ الصِّرْمَةِ [إِذَا] أَحَسَّتْ بِذِيبٍ , فَالْتَفِتْ يَا مُحِبَّ الْهَوَى عَنْ هَذَا الْحَبِيبِ ﴿وَاسْتَمِعْ يوم ينادي المنادي من مكان قريب﴾ .
سَتَخْرُجُ وَاللَّهِ مِنْ هَذَا الْوَادِي الرَّحِيبِ , وَلا يَنْفَعُكَ الْبُكَاءُ وَالنَّحِيبُ , لا بُدَّ مِنْ يَوْمٍ يَتَحَيَّرُ فِيهِ الشُّبَّانُ وَالشِّيبُ , وَيَذْهَلُ فِيهِ الطِّفْلُ لِلْهَوْلِ وَيَشِيبُ , يَا مَنْ عَمَلُهُ كُلُّهُ رَدِيءٌ فليته قد شيب ﴿واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب﴾ .
كَيْفَ بِكَ إِذَا أُحْضِرْتَ فِي حَالٍ كَئِيبٍ وَعَلَيْكَ ذُنُوبٌ أَكْثَرُ مِنْ رَمْلٍ كَثِيبٍ , وَالْمُهَيْمِنُ الطَّالِبُ وَالْعَظِيمُ الْحَسِيبُ , فَحِينَئِذٍ يَبْعُدُ عَنْكَ الأَهْلُ وَالنَّسِيبُ , النَّوْحُ أَوْلَى بِكَ يَا مَغْرُورُ مِنَ التَّشْبِيبِ , أَتُؤْمِنُ أَمْ عِنْدَكَ تَكْذِيبٌ , أَمْ [تُرَاكَ] تَصْبِرُ عَلَى التَّعْذِيبِ كَأَنَّكَ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَمَائِهَا قَدْ أُذِيبَ , اقْبَلْ نُصْحِي وَأَقْبِلْ عَلَى التَّهْذِيبِ ﴿واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب﴾
يَا مُطَالَبًا بِأَعْمَالِهِ , يَا مَسْئُولا عَنْ أَفْعَالِهِ , يَا مَكْتُوبًا [عَلَيْهِ] جَمِيعُ أَقْوَالِهِ , يَا مُنَاقَشًا عَلَى كُلِّ أَحْوَالِهِ , نِسْيَانُكَ لِهَذَا أَمْرٌ عَجِيبٌ , أَتَسْكُنُ إِلَى الْعَافِيَةِ وَتُسَاكِنُ الْعَيْشَةَ الصَّافِيَةَ وَتَظُنُّ أَيْمَانَ الْغُرُورِ وَاقِيَةً , لا بُدَّ مِنْ سَهْمٍ مصيب ﴿واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب﴾ .
стр. 87
لَوْ أَحْسَنْتَ الْخَلاصَ أَحْسَنْتَ , لَوْ آمَنْتَ بِالْعَرْضِ لَتَجَمَّلْتَ وَتَزَيَّنْتَ , يَا مَنْ قَدِ انْعَجَمَتْ
عَلَيْهِ الأُمُورُ لَوْ سَأَلْتَ لَتَبَيَّنْتَ , وَيْحَكَ أَحْضِرْ قَلْبَكَ إِنَمَّا أَنْتَ فِي الدُّنْيَا غَرِيبٌ ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ ينادي المنادي من مكان قريب﴾ .
إِلَى مَتَى أَنْتَ مَعَ أَغْرَاضِكَ , مَتَى يَنْقَضِي زَمَانُ إِعْرَاضِكَ , يَا زَمَنَ الْبِلَى مَتَى زَمَنُ إنهاضك , تاالله لَقَدْ كَعَّ مِنْ أَمْرَاضِكَ الطَّبِيبُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يوم يسمعون الصيحة﴾ وهي النفخة الثانية ﴿بالحق﴾ أَيْ بِالْبَعْثِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ﴿ذَلِكَ يوم الخروج﴾ مِنَ الْقُبُورِ , تَنْشَقُّ السَّمَاءُ ذَاتُ الْبُرُوجِ انْشِقَاقَ الثَّوْبِ الْمَنْسُوجِ , بِأَعْجَبِ فُطُورٍ وَأَظْرَفِ فُرُوجٍ , وَيُنْثَرُ حَبُّ السَّمَاءِ وَيَسْقُطُ الدُّمْلُوجُ وَتُقْبِلُ الْمَلائِكَةُ إِقْبَالَ الْفُيُوجِ وَتَمِيدُ الأَرْضُ فَتُفْلَقُ وَتَمُوجُ , وَتَعُودُ جَرْدَاءَ بَعْدَ الرِّيَاضِ وَالْمُرُوجِ , وَتُذَلُّ الْعُتَاةُ وَتَنْكَسِرُ الْعُلُوجُ , وَتَسْتَوِي أَقْدَامُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَالزُّنُوجِ , فَأَخَسُّ الْخَلائِقِ يَوْمَئِذٍ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ , وَأَحْقَرُ النَّاسِ عَلَى طُولِهِ عُوجُ , وَيَقْرُبُ الْحِسَابُ وَيَرُوجُ , وَيُنْصَبُ الصِّرَاطُ وَالرِّيحُ خَجُوجٌ , أَيْنَ حَرَارَةُ الْقُلُوبِ أَضُرِبَتْ بِالثُّلُوجِ ﴿يَوْمَ يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج﴾ .
قوله تعالى: ﴿إنا نحن نحيي ونميت﴾ أَيْ نُمِيتُ فِي الدُّنْيَا وَنُحْيِي بِالْبَعْثِ ﴿وَإِلَيْنَا المصير﴾ بَعْدَ الْبَعْثِ ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ الْمَعْنَى: فَيَخْرُجُونَ مِنْهَا سِرَاعًا.
يَا لَهُ مِنْ يَوْمٍ لا تَسْتَطِيعُ لَهُ دِفَاعًا , صَاحَ بِهِمْ مَنْ لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُ مُطَاعًا , فَنَازَلَتْهُمُ الْحَسَرَاتُ فأسرتهم فزاعاً , وَاسْتَسْلَمُوا لِلْهَلاكِ وَمَا مُدَّ بَعْدُ بَاعًا , سَمَاعًا لِمَا يَجْرِي يَوْمَئِذٍ سَمَاعًا ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عنهم سراعا﴾ .
مَزَّقَتْهُمُ اللُّحُودُ تَمْزِيقًا مُشَاعًا , وَصُيِّرَتْ تِلْكَ الأَبْدَانُ رُفَاتًا شِيَاعًا , وَنُفِخَ فِي
الصُّورِ فَقَامُوا عِطَاشًا جِيَاعًا , وَعَلِمُوا أَنَّ الْهَوَى كَانَ لَهُمْ خِدَاعًا , فَتَدَاعَى بِالْوَيْلِ مَنْ كَانَ بِالسُّرُورِ تَدَاعَى ﴿يَوْمَ تشقق الأرض عنهم سراعا﴾ .
стр. 88
حَضَرُوا مِنْ صَحْرَاءِ الْقِيَامَةِ قَاعَا , فَوَجَدُوهُ أَصْعَبَ الْبِقَاعِ بِقَاعًا , وَتَنَاوَلُوا بِالأَيْمَانِ وَالشَّمَائِلِ رِقَاعًا , حُفِظَتْ أَعْمَالُهُمْ فَمَا وَجَدُوا شَيْئًا مُضَاعًا , وَكِيلَ الْجَزَاءُ بِكَفِّ الْوَكِيلِ كَمَا كَالُوا صَاعًا بِصَاعًا , ذَلِكَ يَوْمٌ لا يُرَاعَى فِيهِ إِلا مَنْ كَانَ راعى ﴿يوم تشقق الأرض عنهم سراعا﴾ .
قوله تعالى: ﴿ذلك حشر علينا يسير﴾ أي هين ﴿نحن أعلم بما يقولون﴾ أَيْ فِي تَكْذِيبِكَ. وَهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﴿وَمَا أنت عليهم بجبار﴾ أَيْ بِمُسَلَّطٍ فَتَقْهِرُهُمْ عَلَى الإِسْلامِ , وَهَذَا مَنْسُوخٌ بآية السيف.
قوله تعالى: ﴿فذكر بالقرآن﴾ أَيْ فَعِظْ بِهِ. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ لَمْ يَعِظْهُ الْقُرْآنُ وَلا الشَّيْبُ فَلَوْ تَنَاطَحَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ الْجِبَالُ مَا اتَّعَظَ!
يَا ذَا النفس اللاهية , تقرأ القرآن وهي ساهية , أمالك نَاهِيَةٌ فِي الآيَةِ النَّاهِيَةِ , كَمْ خَوَّفَكَ الْقُرْآنُ مِنْ دَاهِيَةٍ , أَمَا أَخْبَرَكَ أَنَّ أَرْكَانَ الْحَيَاةِ وَاهِيَةٌ , أَمَا أَعْلَمَكَ أَنَّ أَيَّامَ الْعُمْرِ مُتَنَاهِيَةٌ , أَمَا عَرَّفَكَ أَسْبَابَ الْغُرُورِ كَمَا هِيَهْ؟
(قَدْ يَرْعَوِي الْمَرْءُ يَوْمًا بَعْدَ هَفْوَتِهِ ... وَيَحْكُمُ الْجَاهِلَ الأَيَّامُ وَالْعِبَرُ)
(وَالْعِلْمُ يُجْلِي الْعَمَى عَنْ قَلْبِ صَاحِبِهِ ... كَمَا يُجْلِي سَوَادَ الظُّلْمَةِ الْقَمَرُ)
(وَالذِّكْرُ فِيهِ حَيَاةٌ لِلْقُلُوبِ كَمَا ... يُحْيِي الْبِلادَ إِذَا مَا مَاتَتِ الْمَطَرُ)
(لا يَنْفَعُ الذِّكْرُ قَلْبًا قَاسِيًا أَبَدًا ... وَهَلْ يَلِينُ لِقَوْلِ الْوَاعِظِ الْحَجَرُ)
(وَالْمَوْتُ جِسْرٌ لِمْنَ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ ... إِلَى الأُمُورِ الَّتِي تُخْشَى وَتُنْتَظَرُ)
(فَهُمْ يَجُوزُونَ أَفْوَاجًا وَتَجْمَعُهُمْ ... دَارٌ إِلَيْهَا يَصِيرُ الْبَدْوُ وَالْحَضَرُ)
(لا يَلْبَثُ الشَّيْءُ أَنْ يَبْلَى إِذَا اخْتَلَفَتْ ... يَوْمًا عَلَى نَقْصِهِ الرَّوْحَاتُ وَالْبُكَرُ)
(وَكُلُّ بَيْتٍ خَرَابٌ بَعْدَ جِدَّتِهِ ... وَمِنْ وَرَاءِ الشَّبَابِ الْمَوْتُ وَالْكِبَرُ)
(بينا يُرَى الْغُصْنُ لَدْنًا فِي أَرُومَتِهِ ... رَيَّانَ صَارَ حُطَامًا جَوْفُهُ نَخِرُ)
(كَمْ مِنْ جَمِيعٍ أَشَتَّ الدَّهْرُ شَمْلَهُمُ ... وَكُلُّ شَمْلٍ جَمِيعٌ سَوْفَ يَنْتَشِرُ)
(أبعد آدم ترجون البقاء وهل ... تبق فُرُوعٌ لأَصْلٍ حِينَ يَنْقَعِرُ)
(لَكُمْ بُيُوتٌ بِمُسْتَنِّ السُّيُولِ وَهَلْ ... يَبْقَى عَلَى الْمَاءِ بَيْتٌ أُسُّهُ مدر)
стр. 89
(إِلَى الْفَنَاءِ وَإِنْ طَالَتْ سَلامَتُهُمْ ... مَصِيرُ كُلِّ بَنِي أُمٍّ وَإِنْ كَثُرُوا)
(وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ فِي الدُّنْيَا لَهُ أَمَلٌ ... إِذَا انْقَضَى سَفَرٌ منهما أَتَى سَفَرُ)
(لَهَا حَلاوَةُ عَيْشٍ غَيْرُ دَائِمَةٍ ... وَفِي الْعَوَاقِبِ مِنْهَا الْمُرُّ وَالصَّبِرُ)
(إِذَا قَضَتْ زُمَرٌ آجَالَهَا نَزَلَتْ ... عَلَى مَنَازِلِهَا مِنْ بَعْدِهَا زمر)
(وليس بزجركم مَا تُوعَظُونَ بِهِ ... وَالْبُهْمُ يَزْجُرُهَا الرَّاعِي فَتَنْزَجِرُ)
(مَا لِي أَرَى النَّاسَ وَالدُّنْيَا مُوَلِّيَةٌ ... وَكُلُّ جِيلٍ عَلَيْهَا سَوْفَ يَنْبَتِرُ)
(لا يَشْعُرُونَ بِمَا فِي دِينِهِمْ نَقَصُوا ... جَهْلا وَإِنْ نَقَصَتْ دُنْيَاهُمُ شَعَرُوا)
يَا مُتَحَيِّرًا فِي طَرِيقِهِ قَدْ بَانَ الْبَيَانُ , يَا بَلِيدَ الاعْتِبَارِ وَقَدْ أَنْذَرَهُ الأَقْرَانُ , يَا مَنْ تَقْرَعُ قَلْبَهُ الْمَوَاعِظُ وَهُو قَاسٍ مالأن , لَوْ حَضَرَتْ بِالذِّهْنِ كَفَاكَ زَجْرُ الْقُرْآنِ.
كَتَبَ زر بن حبش إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: لا يُطْمِعَنَّكَ فِي طُولِ الْحَيَاةِ مَا تَرَى مِنْ صِحَّةِ بَدَنِكَ وَاذْكُرْ قَوْلَ الأَوَّلِ:
(إِذَا الرِّجَالُ وَلَدَتْ أَوْلادَهَا ... وَبَلِيَتْ مِنْ كِبَرٍ أَجْسَادُهَا)
(وَجَعَلَتْ أَسْقَامُهَا تَعْتَادُهَا ... تِلْكَ زُرُوعٌ قَدْ دَنَا حَصَادُهَا)
فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ بَكَى حَتَّى بُلَّ طَرَفُ ثَوْبِهِ.
كَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ فَأَعِدَّ زَادَكَ وَجِدَّ فِي جَهَازِكَ , وَكُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ.
وَكَانَ إِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ لا يَنَامُ , فَتُنَادِيهِ أُمُّهُ: أَلا تَنَامُ؟ فَيَقُولُ: يَا أُمَّاهُ مَنْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَهُو يَخَافُ الْبَيَاتَ حَقٌّ لَهُ أَنْ لا يَنَامَ!
فَلَمَّا بَلَغَ وَرَأَتْ مَا يَلْقَى مِنَ الْبُكَاءِ وَالسَّهَرِ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ لَعَلَّكَ قَتَلْتَ قَتِيلا! فَقَالَ: نَعَمْ يَا أُمَّاهُ. فَقَالَتْ: وَمَنْ هَذَا الْقَتِيلُ , فَلَوْ عَلِمَ أَهْلُهُ مَا تَلْقَى مِنَ الْبُكَاءِ وَالسَّهَرِ لَرَحِمُوكَ. فَقَالَ: هِيَ نَفْسِي!
وَقَالَتْ لَهُ ابْنَتُهُ: يَا أَبَتِ أَلا تَنَامُ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ إِنَّ جَهَنَّمَ لا تَدَعُنِي أَنَامُ!
أَيُّهَا الْغَافِلُ زَاحِمْ أَهْلَ الْعَزْمِ وَبَادِرْ , فَكَأَنَّ قَدْ نَزَلَ بِكَ مَا تَخَافُ وَتُحَاذِرُ ,
стр. 90
فَيُخْتَمُ الْكِتَابُ عَلَى الرَّذَائِلِ , وَيَفُوتُ تَحْصِيلُ الْفَضَائِلِ [فالدنيا منزل قلعة كأنها يَوْمٌ أَوْ جُمُعَةٌ] .
(كُلُّ حَيٍّ إِلَى فَنَاءٍ وَمَا الدَّارُ ... بِدَارٍ وَلا الْمَقَامُ مَقَامُ)
(يَسْتَوِي سَاعَةَ الْمَنِيَّةِ فِي الرُّتْبَةِ ... وَجْدُ الْغَنِيِّ وَالإِعْدَامُ)
(وَالَّذِي زَالَ وَانْقَضَى مِنْ نَعِيمٍ ... أَوْ شَقَاءٍ كأنه أحلام)
السجع على قوله تعالى: ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ لَقَدْ وَعَظَ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ , يُبْدِي التِّذْكَارَ عَلَيْكُمْ وبعيد , غَيْرَ أَنَّ الْفَهْمَ مِنْكُمْ بَعِيدٌ , وَمَعَ هَذَا فقد سبق العذاب التهديد , ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ .
إِنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا يُلَيِّنُ الْجَلامِيدَ , لَوْ فَهِمَهُ الصَّخْرُ كَأَنَّ الصَّخْرَ يَمِيدُ , كَمْ أَخْبَرَكَ بإهلااك الملوك الصيد , وأعملك أن الموت بالباب والوصيد ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ .
إِنَّ مَوَاعِظَ الْقُرْآنِ تُذِيبُ الْحَدِيدَ , وَلِلْفُهُومِ كُلَّ لَحْظَةٍ زَجْرٌ جَدِيدٌ , وَلِلْقُلُوبِ النَّيِّرَةِ كُلَّ يَوْمٍ بِهِ عِيدٌ , غَيْرَ أَنَّ الْغَافِلَ يَتْلُوهُ وَلا يستفيد ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ .
أَمَا الْمَوْتُ لِلْخَلائِقِ مُبِيدٌ , أَمَا تَرَاهُ قَدْ مَزَّقَهُمْ فِي الْبِيدِ , أَمَا دَاسَهُمْ بِالْهَلاكِ دَوْسَ الْحَصِيدِ , لا بِالْبَسِيطِ يَنْتَهُونَ وَلا بِالتَّشْدِيدِ , أَيْنَ مَنْ كَانَ لا يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ , أَيْنَ مَنْ أَبْصَرَ الْعِبَرَ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِعَيْنَيْهِ , أَيْنَ مَنْ بَارَزَ بِالذُّنُوبِ الْمُطَّلِعَ عَلَيْهِ ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليه من حبل الوريد﴾ .
أَيْنَ مَنْ كَانَ يَتَحَرَّكُ فِي أَغْرَاضِهِ وَيَمِيدُ , وَيَغْرِسُ الْجِنَانَ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ,
стр. 91
وَيُعْجِبُهُ نَغَمَاتُ الْوُرْقِ عَلَى الْوَرَقِ بِتَغْرِيدٍ , كَانَ قريباً منا فهو اليوم بعيد ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ .
أَحْضِرُوا قُلُوبَكُمْ فَإِلَى كَمْ تَقْلِيدٌ , يَا مَعْشَرَ الشُّيُوخِ فِي عَقْلِ الْوَلِيدِ , أَمَا فِيكُمْ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّهُ فِي قَبْرِهِ وَحِيدٌ , أَمَا فِيكُمْ مَنْ يَتَصَوَّرُ تَمْزِيقَهُ وَالتَّبْدِيدَ , غَدًا يُبَاعُ أَثَاثُ الْبَيْتِ فَمَنْ يَزِيدُ , غَدًا يَتَصَرَّفُ الْوَارِثُ كَمَا يُرِيدُ , غَدًا يَسْتَوِي فِي بُطُونِ اللُّحُودِ الْفَقِيرُ وَالسَّعِيدُ , يَا قَوْمُ سَتَقُومُونَ لِلْمُبْدِئِ الْمُعِيدِ , يَا قَوْمُ سَتُحَاسَبُونَ عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ , يَا قَوْمُ الْمَقْصُودُ كُلُّهُ وَبَيْتُ الْقَصِيدِ: " فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ".
أَلْهَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مَا أَلْهَمَ الصَّالِحِينَ , وَأَيْقَظَنَا مَنْ رُقَادِ الْغَافِلِينَ , إِنَّهُ أَكْرَمُ مُنْعِمٍ وَأَعَزُّ معين.
стр. 92
المجلس الخامس
فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇
الْحَمْدُ للَّهِ الْعَلِيِّ الْقَوِيِّ الْمَتِينِ , الْقَاهِرِ الظَّاهِرِ الْمُبِينِ , لا يَعْزُبُ عَنْ سَمْعِهِ أَقَلُّ الأَنِينِ , وَلا يَخْفَى عَلَى بَصَرِهِ حَرَكَاتُ الْجَنِينِ , ذَلَّ لِكِبْرِيَائِهِ جَبَابِرَةُ السَّلاطِينِ , وَقَلَّ عِنْدَ دِفَاعِهِ كَيْدُ الشَّيَاطِينِ , قَضَى قَضَاءَهُ كَمَا شَاءَ عَلَى الْخَاطِئِينَ , وَسَبَقَ اخْتِيَارُهُ لَمَّا اخْتَارَ الْمَاءَ وَالطِّينَ , فَهُؤَلاءِ أَهْلُ الشِّمَالِ وَهَؤُلاءِ أَهْلُ الْيَمِينِ , جَرَى الْقَدَرُ بِذَلِكَ قَبْلَ عَمَلِ الْعَامِلِينَ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ من قبل وكنا به عالمين﴾ .
أَحْمَدُهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ , وَأَسْأَلُهُ مَعُونَةَ الصَّابِرِينَ , وَأُصَلِّي على رسوله المقدم على التبيين , وَعَلَى صَاحِبِهِ الصِّدِّيقِ أَوَّلِ تَابِعٍ لَهُ عَلَى الدِّينِ , وَعَلَى الْفَارُوقِ عُمَرَ الْقَوِيِّ الأَمِينِ , وَعَلَى عُثْمَانَ زَوْجِ ابْنَتِهِ وَنِعْمَ الْقَرِينُ , وَعَلَى عَلِيٍّ بَحْرِ الْعُلُومِ الأَنْزَعِ الْبَطِينِ , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ ذِي الْفَخْرِ الْقَوِيمِ وَالنَّسَبِ الصَّمِيمِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وكنا به عالمين﴾ .
إِبْرَاهِيمُ بْنُ تَارِخَ بْنِ نَاحُورَ بْنِ سَارُوغَ بن أرغو بن فالغ [ابن عابر] ابن شَالِخَ بْنِ أَرفخشذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحِ [بْنِ لامَكَ بْنِ متوشلخَ بْنِ أهنخَ بْنِ يردَ بْنِ مهلاييلَ بْنِ قاينَ بْنِ أنوشَ. وَأُمُّهُ نونَا بِنْتُ كرينَا بْنِ كوثَا] [مِنْ بَنِي] أرفخشذَ.
وَكرينا هُوَ الَّذِي كَرَى نَهْرَ كوثى.
стр. 93
وَكَانَ بَيْنَ الطُّوفَانِ وَمَوْلِدِ إِبْرَاهِيمَ أَلْفُ سَنَةٍ وَتِسْعٌ وَسَبْعُونَ. وَقِيلَ أَلْفٌ وَمِائَتَا سَنَةٍ وَثَلاثٌ وَسِتُّونَ , وَذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ ﵇ بثلاثة آلاف سنة وثلاثمائة وَسَبْعٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً.
وَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِيجَادَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ قَالَ الْمُنَجِّمُونَ لِنُمْرُودَ: إِنَّا نَجِدُ فِي عِلْمِنَا أَنَّ غُلامًا يُولَدُ فِي قَرْيَتِكَ هَذِهِ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ , يُفَارِقُ دِينَكُمْ وَيَكْسِرُ أَوْثَانَكُمْ فِي شَهْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا دَخَلَتِ السَّنَةُ الْمَذْكُورَةُ بَعَثَ نُمْرُودُ إِلَى كُلِّ امْرَأَةٍ حَامِلٍ بِقَرْيَتِهِ فَحَبَسَهَا عِنْدَهُ , وَلَمْ يَعْلَمْ بِحَبَلِ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ , فَجَعَلَ لا يُولَدُ غُلامٌ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ إِلا ذَبَحَهُ , فَلَمَّا أَخَذَ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ الطَّلْقُ خَرَجَتْ لَيْلا إِلَى مَغَارَةٍ فَوَلَدَتْ فِيهَا إِبْرَاهِيمَ وَأَصْلَحَتْ مِنْ شَأْنِهِ , ثُمَّ سَدَّتْ عَلَيْهِ بَابَ الْمَغَارَةِ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا , وَذَلِكَ بِمَدِينَةِ كُوثَى , وَكَانَتْ تَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ فَتَرَاهُ يَمُصُّ إِبْهَامَهُ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ رِزْقَهُ فِي ذَلِكَ , وَكَانَ آزَرُ قَدْ سَأَلَهَا عَنْ حَمْلِهَا فَقَالَتْ: وَلَدْتُ غُلامًا فَمَاتَ. فَسَكَتَ عَنْهَا. وَقِيلَ: بَلْ أَخْبَرَتْهُ فَأَتَاهُ فَحَفَرَ لَهُ سَرَبًا وَسَدَّ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ , وَكَانَتْ أُمُّهُ تَخْتَلِفُ إِلَى رَضَاعِهِ. فَلَمَّا تَكَلَّمَ قَالَ لأُمِّهِ: مَنْ رَبِّي؟ قَالَتْ: أَنَا. قَالَ: فَمَنْ رَبُّكِ؟ قَالَتْ: أَبُوكَ. قَالَ: فَمَنْ رَبُّ أَبِي؟ قَالَتْ لَهُ: اسْكُتْ. فَسَكَتَ فَرَجَعَتْ إِلَى زَوْجِهَا فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ الْغُلامَ الَّذِي كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ يُغَيِّرُ دِينَ أَهْلِ الأَرْضِ هُوَ ابْنُكَ. فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.
فَدَنَا [إِبْرَاهِيمُ ﵇] بِاللَّيْلِ مِنْ بَابِ السَّرَبِ فَرَأَى كَوْكَبًا , قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الزُّهْرَةُ. قَالَ: وَكَانَ لَهُ حِينَئِذٍ سَبْعُ سِنِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْمُشْتَرِي. فَقَالَ: هَذَا رَبِّي [أَيْ عَلَى زَعْمِكُمْ] فَلَمَّا خَرَجَ كَانَ أَبُوهُ يَصْنَعُ الأَصْنَامَ وَيَقُولُ لَهُ بِعْهَا. فَيَأْخُذُ الصَّنَمَ وَيَخْرُجُ فَيَقُولُ: مَنْ يَشْتَرِي مَا يَضُرُّهُ وَلا يَنْفَعُهُ!
فَشَاعَ بَيْنَ النَّاسِ اسْتِهْزَاؤُهُ بِالأَصْنَامِ.
وَجَعَلَ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أنتم لها عاكفون﴾ أَيْ مُقِيمُونَ عَلَى عِبَادَتِهَا ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لها عابدين﴾ أَيْ إِنَّا نَقْتَدِي بِهِمْ وَنُقَلِّدُهُمْ.
стр. 94
فَخَرَجُوا يَوْمًا إِلَى عِيدٍ لَهُمْ فَخَرَجَ مَعَهُمْ , ثُمَّ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الطَّرِيقِ وَقَالَ: ﴿إِنِّي سقيم﴾
فلما مضوا قال: ﴿تالله لأكيدن أصنامكم﴾ والكيد: احتيال الكائد في ضر الكيد وَأَرَادَ لأَكْسِرَنَّهَا. فَسَمِعَ الْكَلِمَةَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَأَفْشَاهَا عَلَيْهِ.
فَدَخَلَ بَيْتَ الأَصْنَامِ , وَكَانَتِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ صَنَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنُحَاسٍ وَحَدِيدٍ وَخَشَبٍ , فكسرها وجعلهم جُذَاذًا أَيْ فُتَاتًا.
ثُمَّ وَضَعَ الْفَأْسَ فِي عنق الصنم الكبير ﴿لعلهم إليه يرجعون﴾ . فِي هَاءِ الْكِنَايَةِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الصَّنَمِ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُ فَعَلَ. وَالثَّانِي: إِلَى إِبْرَاهِيمَ , وَالْمُرَادُ الرُّجُوعُ إِلَى دِينِهِ.
فَلَمَّا رَجَعُوا " قالوا: من فعل هذا بآلهتنا " فنم عليه الذي سمع منه: ﴿لأكيدن﴾ فَقَالُوا: " سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ " أَيْ يَعِيبُهُمْ.
﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ الناس﴾ أي بمرأى منهم ﴿لعهلم يشهدون﴾ فيه ثلاثة اٌ قوال: أَحَدُهَا يَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَالَ لآلِهَتِنَا مَا قَالَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ. قَالَهُ السُّدِّيُّ.
وَالثَّالِثُ: يَشْهَدُونَ عِقَابَهُ. قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ.
﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إبراهيم﴾ قال: ﴿بل فعله كبيرهم﴾ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ غَضِبَ أَنْ تُعْبَدَ مَعَهُ الصِّغَارُ فَكَسَرَهَا.
وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فعله﴾ وَيَقُولُ مَعْنَاهُ فَعَلَهُ مَنْ فَعَلَهُ , ثُمَّ يَبْتَدِئُ ﴿كبيرهم هذا﴾ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذَا مِنَ الْمَعَارِيضِ , فَتَقْدِيرُهُ: ﴿إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَقَدْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ .
﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ حِينَ عَبَدْتُمْ مَنْ لا يَتَكَلَّمُ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا على رءوسهم﴾ أَيْ أَدْرَكَتْهُمْ حَيْرَةٌ.
стр. 95
فَلَمَّا أَلْزَمَهُمُ الْحُجَّةَ حَمَلُوهُ إِلَى نُمْرُودَ فَقَالَ لَهُ: مَا إِلَهُكَ الَّذِي تَعْبُدُ؟ قَالَ رَبِّيَ الذي
يحيي ويميت. قال: أنا أحيي وأميت , آخُذُ رَجُلَيْنِ قَدِ اسْتَوْجَبَا الْقَتْلَ , فَأَقْتُلُ أَحَدُهُمَا فَأَكُونُ قَدْ أَمَتُّهُ , وَأَعْفُو عَنِ الآخَرِ , فَأَكُونُ قَدْ أَحْيَيْتُهُ , قَالَ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ من المشرق فأت بها من المغرب﴾ .
فَبُهِتَ نُمْرُودُ وَحَبَسَهُ سَبْعَ سِنِينَ وَجَوَّعَ لَهُ أَسَدَيْنِ , وَأَرْسَلَهُمَا عَلَيْهِ فَكَانَا يَلْحَسَانِهِ وَيَسْجُدَانِ لَهُ ثُمَّ أَوْقَدَ لَهُ نَارًا وَرَمَاهُ فِيهَا فَسَلِمَ. فَكَفَّ نُمْرُودُ عَنْهُ.
فَخَرَجَ مُهَاجِرًا إِلَى الشَّامِ فَتَزَوَّجَ سَارَّةَ وَهِيَ بِنْتُ مَلِكِ حَرَّانَ , وَكَانَتْ قَدْ خَالَفَتْ دِينَ قَوْمِهَا. وَمَضَى فَنَزَلَ أَرْضَ فِلَسْطِينَ فَاتَّخَذَ مَسْجِدًا , وَبُسِطَ لَهُ الرِّزْقُ , وَكَانَ يُضَيِّفُ كُلَّ مَنْ نَزَلَ بِهِ , وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ صُحُفًا.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عبد الباقي , أنبأنا أبو الحسين ابن المهتدي , أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْهَمَانِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشِّمْشَاطِيُّ , حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ , حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ , حَدَّثَنَا أَبِي , عَنْ جَدِّي عَنْ إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ , عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ عَشْرَ صَحَائِفَ ". قُلْتُ: مَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: " كَانَتْ أَمْثَالا كُلَّهَا: أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ الْمُبْتَلَى الْمَغْرُورُ , إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ , وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لَتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ , فَإِنِّي لا أَرُدُّهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ. وَكَانَ فِيهَا: " وَعَلَى الْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ , وَسَاعَةٌ يَتَفَكَّرُ فِيهَا فِي صُنْعِ اللَّهِ , وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ , وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا بِحَاجَتِهِ مِنَ الْحَلالِ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لا يَكُونَ ظَاعِنًا إِلا فِي ثَلاثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ , وَمَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ وَلَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ , وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ مُقْبِلا عَلَى شَانِهِ , حَافِظًا لِلِسَانِهِ. وَمَنْ حَسِبَ كَلامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلامُهُ إِلا فِيمَا يَعْنِيهِ ".
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اتَّخَذَهُ خَلِيلا , وَفِي سَبَبِ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ.
стр. 96
أحدها: لإطعامه الطعام , وكان لا يأكل إلا مع ضيف. روى عبد الله بن عمرو ابن الْعَاصِ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ لِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا؟ قَالَ: لإِطْعَامِهِ الطَّعَامِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ فَأَقْبَلُوا إِلَى بَابِ إِبْرَاهِيمَ يَطْلُبُونَ الطَّعَامَ , وَكَانَتْ لَهُ مِيرَةٌ مِنْ صَدِيقٍ لَهُ بِمِصْرَ فِي كُلِّ سَنَةٍ , فَبَعَثَ غِلْمَانَهُ بِالإِبِلِ إِلَى صَدِيقِهِ فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا , فَقَالُوا: لَوِ احْتَمَلْنَا مِنْ هَذِهِ الْبَطْحَاءِ لِيَرَى النَّاسُ أنا قد جئنا بميرة. فملأوا الْغَرَائِرَ رَمْلا , ثُمَّ أَتَوْا إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَأَعْلَمُوهُ , فَاهْتَمَّ لأَجْلِ الْخَلْقِ.
فَنَامَ , وَجَاءَتْ سَارَّةُ وَهِيَ لا تَعْلَمُ مَا كَانَ , فَفَتَحَتِ الْغَرَائِرُ فَإِذَا دَقِيقٌ حُوَّارَى فَأَمَرَتِ الْخَبَّازِينَ فَخَبَزُوا وَأَطْعَمُوا النَّاسَ , فَاسْتَيْقَظَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا الطَّعَامُ؟ فَقَالَتْ: مِنْ عِنْدِ خَلِيلِكَ الْمِصْرِيِّ. فَقَالَ: لا بَلْ مِنْ عِنْدِ خَلِيلِي اللَّهِ! فَحِينَئِذٍ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلا!
رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالثَّالِثُ: اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلا لِكَسْرِهِ الأَصْنَامِ وَجِدَالِهِ قَوْمِهِ.
قَالَهُ مُقَاتِلٌ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّارُ , أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَرِيرِيُّ , أنبأنا أبو عمر ابن حَيْوَةَ , أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ , حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا ونبأه وله يومئذ ثلاثمائة عَبْدٍ أَعْتَقَهُمْ للَّهِ وَأَسْلَمُوا , فَكَانُوا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ بِالْعِصِيِّ.
وَابْتَلاهُ اللَّهُ بِالْكَلِمَاتِ فَأَتَمَّهُنَّ.
رَوَى طَاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ابْتَلاهُ اللَّهُ بِالطَّهَارَةِ , خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ: قَصُّ
الشَّارِبِ , وَالْمَضْمَضَةُ , وَالاسْتِنْشَاقُ , وَالسِّوَاكُ , وَفَرْقُ الرَّأْسِ. وَخَمْسٌ فِي الجسد: تقليم الأظافر , وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَالْخِتَانُ وَنَتْفُ الإِبْطِ , وَغَسْلُ أَثَرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ بِالْمَاءِ.
стр. 97
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بِالْقَدُومِ. وَالْقَدُومُ مَوْضِعٌ , وَكَانَ لَهُ يَوْمَ اخْتُتِنَ ثَمَانُونَ سَنَةً. وَقِيلَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً , وَهُوَ خَتَنَ نَفْسَهُ.
وَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي الْمَوْتَى. وَفِي سَبَبِ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ رَأَى مَيْتَةً تُمَزِّقُهَا السِّبَاعُ وَالْهَوَامُّ , فَسَأَلَ ذَلِكَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا بُشِّرَ بِاتِّخَاذِهِ خَلِيلا سَأَلَ لِيَعْلَمَ بِإِجَابَتِهِ صِحَّةَ الْبِشَارَةِ. قَالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُزِيلَ عَوَارِضَ الْوَسْوَاسِ. قَالَهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَمَّا قال لنمرود: ربي الذي يحيي ويميت. أحب أن يرى ما أخبر بِهِ. قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ.
وَأَمَّا نُمْرُودُ فَإِنَّهُ بقي بعد إلقاء الخليل في النار أربعمائة عَامٍ لا يَزْدَادُ إِلا عُتُوًّا , ثُمَّ حَلَفَ لَيَطْلُبَنَّ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ: أَخَذَ أَرْبَعَةَ أَفْرَاخٍ مِنْ أَفْرَاخِ النُّسُورِ , فَرَبَّاهُنَّ بِاللَّحْمِ وَالْخَمْرِ. حَتَّى إِذَا كَبِرْنَ وَاسْتَفْحَلْنَ قَرَنَهُنَّ بِتَابُوتٍ , وَقَعَدَ فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ , ثُمَّ رَفَعَ لَهُنَّ اللَّحْمَ فَطِرْنَ بِهِ , حَتَّى إِذَا ذَهَبَ فِي السَّمَاءِ أَشْرَفَ يَنْظُرُ إِلَى الأَرْضِ , فَرَآهَا كَأَنَّهَا فُلْكٌ فِي مَاءٍ , ثُمَّ صَعِدَ فَوَقَعَ فِي ظُلْمَةٍ فَلَمْ يَرَ مَا فَوْقَهُ وَلا مَا تَحْتَهُ , فَفَزِعَ فَنَكَّسَ اللَّحْمَ فَاتَّبَعْنَهُ مُنْقَضَّاتٍ , فلما نزل أخذ بيني الصَّرْحَ فَسَقَطَ الصَّرْحُ.
قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نُمْرُودَ مَلَكًا فَقَالَ لَهُ: آمِنْ بِي وَأَتْرُكُكَ عَلَى مُلْكِكَ. فَقَالَ: وهل رب غيري. فأتاه ثايناً وَثَالِثًا , فَأَبَى. فَفَتَحَ عَلَيْهِ بَابًا مِنَ الْبَعُوضِ فَأَكَلَتْ لُحُومَ قَوْمِهِ وَشَرِبَتْ دِمَاءَهُمْ. وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضَةً فَدَخَلَتْ فِي مَنْخِرِهِ فمكث أربعمائة عَامٍ يُضْرَبُ رَأْسُهُ بِالْمَطَارِقِ , وَأَرْحَمُ النَّاسِ بِهِ مَنْ يَجْمَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَضْرِبُ بِهِمَا رَأْسَهُ , فَعُذِّبَ بِذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: عُذِّبَ بِالْبَعُوضَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ مَاتَ.
стр. 98
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
إِخْوَانِي: السَّعِيدُ مَنِ اعْتَبَرَ , وَتَفَكَّرَ فِي الْعَوَاقِبِ وَنَظَرَ , أَضَرَّ الْخَلِيلَ مَا عَلَيْهِ جَرَى وَهَذِهِ مَدَائِحُهُ كَمَا تَرَى , مَنْ صابر الهوى ربح واستفاد , ومن غفل فإنه الْمُرَادُ.
(يَا فُؤَادِي غَلَبْتَنِي عِصْيَانًا ... فَأَطِعْنِي فَقَدْ عصيت زمانا)
(يا فؤادي أما تحن طوبى إلى ... إِذَا الرِّيحُ حَرَّكَتْ أَغْصَانَا)
(مِثْلُ الأَوْلِيَاءِ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ ... إِذَا مَا تَقَابَلُوا إِخْوَانَا)
(قَدْ تَعَالَوْا عَلَى أَسِرَّةِ دُرٍّ ... لابِسِينَ الْحَرِيرَ وَالأُرْجُوَانَا)
(وَعَلَيْهِمْ تِيجَانُهُمْ وَالأَكَالِيلُ ... تُبَاهِي بِحُسْنِهَا التِّيجَانَا ... )
(ثُمَّ آووا فاستقبلتهم حسان ... من بنات النعيم فقن الْحِسَانَا)
(بِوُجُوهٍ مِثْلِ الْمَصَابِيحِ نُورًا ... مَا عَرَفْنَ الظِّلالَ وَالأَكْنَانَا)
(فَهُمُ الدَّهْرَ فِي سُرُورٍ عَجِيبٍ ... وَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ أَحْيَانَا)
يَا غَافِلِينَ عَمَّا نَالُوا , مِلْتُمْ عَنِ التَّقْوَى وَمَا مَالُوا , مَا أَطْيَبَ ليلهم في المناجاة , وما أقربهم من طريق النَّجَاةِ.
كَانَ بِشْرٌ الْحَافِي طَوِيلَ السَّهَرِ يَقُولُ: أَخَافُ أَنْ يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَأَنَا نَائِمٌ.
كَمْ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ شَهْوَةٍ فَمَا أَنَالَهَا , حَتَّى سَمِعَ كُلْ يَا مَنْ لَمْ يَأْكُلْ لِمَا أَتَى لَهَا , كَمْ حَمَلَ عَلَيْهَا حِمْلا ومارثى لَهَا , كَمْ هَمَّتْ بِنَيْلِ غَرَضٍ بَدَا لَهَا لَمَّا خَافَتْ عُقْبَى مَرَضٍ يَنَالُهَا , أَصْبَحَ زَاهِدًا وَأَمْسَى عَفِيفًا , مَا أَخَذَ مِنَ الدُّنْيَا إِلا طَفِيفًا , وَمَا خَرَجَ عَنْهَا إِلا نَظِيفًا , هَذَا وَكَمْ وَجَدَ مِنَ الدُّنْيَا سَعَةً وَرِيفًا , تَقَلَّبَ فِي ثِيَابِ الصَّبْرِ نَحِيفًا , وَتَوَغَّلَ فِي طَرِيقِ التَّقْوَى لَطِيفًا تَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ رَأْيُهُ حَصِيفًا , وَمَا قَدَرَ حَتَّى أَعَانَهُ الرَّحْمَنُ ﴿وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضعيفا﴾ .
(بَكَتْ عَيْنُهُ رَحْمَةً لِلْبَدَنِ ... فَعَفَى الْبُكَاءُ مَكَانَ الوسن)
стр. 99
(وَأَلْبَسَهُ الشَّوْقُ ثَوْبَ السِّقَامِ ... كَأَنَّ السِّقَامَ عَلَيْهِ حَسَنْ)
(وَأَنَّسَ مَدَامِعَهُ بِالدُّمُوعِ ... لَمْ يَدَعِ السِّرَّ حَتَّى عَلَنْ)
(فَيَا طُولَ عِصْيَانِهِ لِلْغَرَامِ ... وَيَا حُسْنَ طَاعَتِهِ لِلْحَزَنْ)
إِخْوَانِي: مَنْ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ هَانَتِ الدُّنْيَا كَلُّهَا لَدَيْهِ , إِنَّ الْعُقَلاءَ نَظَرُوا إِلَى مَشَارِعِ الدُّنْيَا فَرَأَوْهَا مُتَوَشِّحَةً بِأَقْذَارِ الْفُرَّاطِ فَاقْتَنَعُوا بِثَغَبِ الْغُدْرَانِ
(للَّهِ سَاعٍ بَلَّغَتْهُ قَدَمُهْ ... حَيْثُ تَعَدَّتْ عَالِيَاتٍ هِمَمُهْ)
(أَوْ قَاعِدٌ مَعَ الْعَفَافِ قَانِعٌ ... بِبُلْغَةِ الزَّادِ حَشَاهُ وَفَمُهُ)
(لَمْ يَنْتَقِصْ طِلاوَةً مِنْ وَجْهِهِ ... وَرِقَّةً ذلك سؤال يَصِمُهْ)
(تَلَوَّنَتْ خَلائِقُ الدَّهْرِ بِهِ ... فَحَنَّكَتْهُ صُهْبُهُ وَدُهُمُهْ)
(وَاخْتَبِرِ النَّاسَ فَلَوْ سَاوَمْتَهُ ... قُرْبَ أَخِيهِ عَلَّهُ يَحْتَشِمُهْ)
(وَاللَّهِ مَا عِفْتُكِ يَا دُنْيَا بِلًى ... وَإِنَّ فِيكِ لَمَتَاعًا أَعْلَمُهْ)
(لَكِنَّ أَبْنَاءَكِ مَنْ لا صِبْغَتِي ... صِبْغَتُهُ وَلا وَفَائِي شِيَمُهْ)
(أُخْرِجُ مِنْ حِكْمَةِ الصَّدْرِ وَمَا ... فِيهِمْ بِسَحْرِي مَنْ يَصِحُّ سَقَمُهْ)
(كَمْ بَاسِمٍ لِي مِنْ وراء سره ... والليث لا يغرني تبسمه)
(وحاطب على اتخاذي صحبتي ... والبدر مولود بغير توأمه)
سُبْحَانَ مَنْ كَشَفَ لأَحْبَابِهِ مَا غَطَّى عَنِ الْغَيْرِ , وَأَعْطَاهُمْ مِنْ جُودِهِ كُلَّ خَيْرٍ وَمَيْرٍ , فَقَطَعُوا مَفَاوِزَ الدُّنْيَا بِالصَّبْرِ وَلا ضَيْرَ , وَكَابَدُوا الْمَجَاعَةَ حَتَّى اسْتَحْيَا رَاهِبُ الدَّيْرِ , أَفِي أَحْوَالِ هذه الدنيا تمارى , أَمَا تَرَى زِيَّهَا مُسْتَرَدًّا مُسْتَعَارًا , وَسَلْبُ الْقَرِينِ يَكْفِي وَعْظًا وَاعْتِبَارًا. أَمَّا اللَّذَّاتُ فَقَدْ فَنِيَتْ وَأَبْقَتْ عَارًا , وَأَمَّا الْعُمْرُ فَمُنْتَهَبٌ جِهَارًا. إِيَّاكَ وإيا الدُّنْيَا فِرَارًا فِرَارًا , لَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُ الزَّاهِدِينَ وَمَاتُوا أَحْرَارًا , قَتَلَتْ أَقْرَانَهُمْ فَانْتَهَضُوا يَأْخُذُونَ ثَارًا , وَبَاعُوهَا بِمَا يَبْقَى لا كَرْهًا بَلِ اخْتِيَارًا , قطعوا بِالْقِيَامِ لَيْلا وَبِالصِّيَامِ نَهَارًا , وَاتَّخَذُوا الْجِدَّ لِحَافًا وَالصَّبْرَ شِعَارًا , وَرَكِبُوا مِنَ الْعَزْمِ أَمْضَى مِنَ الْعُرْبَانِ الْمَهَارَى , وَاهْتَدَوْا إِلَى نَجَاتِهِمْ وَالنَّاسُ فِي الجهل حيارى.
стр. 100
رَبِحَ الْقَوْمُ وَخَسِرْتَ , وَسَارُوا إِلَى الْمَحْبُوبِ وَمَا سِرْتَ , وَأُجِيرُوا مِنَ اللَّوْمِ وَمَا أُجِرْتَ , وَاسْتُزِيدُوا إِلَى الْقُرْبِ وَمَا اسْتُزِدْتَ , ذُنُوبُكَ طَرَدَتْكَ عَنْهُمْ , وَخَطَايَاكَ أَبْعَدَتْكَ مِنْهُمْ , قُمْ فِي اللَّيْلِ تَرَى تِلْكَ الرُّفْقَةَ , وَاسْلُكْ طَرِيقَتَهُمْ وَإِنْ بَعُدَتِ الشُّقَّةُ , وَابْكِ عَلَى تَأَخُّرِكَ وَاحْذَرِ الْفُرْقَةَ.
(شَمِّرْ عَسَى أَنْ يَنْفَعَ التَّشْمِيرُ ... وَانْظُرْ بِفِكْرِكَ مَا إِلَيْهِ تَصِيرُ)
(طَوَّلْتَ آمَالا تَكَنَّفَهَا الْهَوَى ... وَنَسِيتَ أَنَّ الْعُمْرَ مِنْكَ قَصِيرُ)
(قَدْ أَفْصَحَتْ دُنْيَاكَ عَنْ غَدَرَاتِهَا ... وَأَتَى مَشِيبُكَ وَالْمَشِيبُ نَذِيرُ)
(دَارٌ لَهَوْتَ بِزَهْوِهَا مُتَمَتِّعًا ... تَرْجُو الْمُقَامَ بِهَا وَأَنْتَ تَسِيرُ)
(وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ رَاحِلٌ عَنْهَا وَلَوْ ... عُمِّرْتَ فِيهَا مَا أَقَامَ ثَبِيرُ)
(لَيْسَ الْغِنَى فِي الْعَيْشِ إِلا بُلْغَةً ... وَيَسِيرُ مَا يَكْفِيكَ مِنْهُ كَثِيرُ)
(لا يَشْغَلَنَّكَ عَاجِلٌ عَنْ آجِلِ ... أَبَدًا فَمُلْتَمِسُ الحقير حقير)
(ولقد تَسَاوَى بَيْنَ أَطْبَاقِ الثَّرَى ... فِي الأَرْضِ مَأْمُورٌ بِهَا وَأَمِيرُ)
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ لَمَّا كَسَرَ الْخَلِيلُ الأَصْنَامَ حَمَلُوهُ إِلَى نُمْرُودَ , فَعَزَمَ عَلَى إِهْلاكِهِ , فَقَالَ رَجُلٌ: حَرِّقُوهُ. قَالَ شُعَيْبٌ الْجُبَّائِيُّ: خَسَفَتِ الأَرْضُ بِالَّذِي قَالَ حَرِّقُوهُ , فَهُو يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَأُلْقِيَ الْخَلِيلُ فِي النَّارِ وَهُو ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: حَبَسَهُ نُمْرُودُ , ثُمَّ بنوا له حَوَالَيْ سَفْحِ جَبَلٍ مُنِيفٍ طُولُ جِدَارِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا , وَنَادَى مُنَادِي نُمْرُودَ: أَيُّهَا النَّاسُ احْتَطِبُوا لإِبْرَاهِيمَ , وَلا يَتَخَلَّفَنَّ عَنْ ذَلِكَ صَغِيرٌ وَلا كَبِيرٌ , فَمَنْ تَخَلَّفَ أُلْقِيَ فِي تِلْكَ النَّارِ.
فَفَعَلُوا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لَتَقُولُ: إِنْ ظَفِرْتُ بِكَذَا
стр. 101
لأَحْتَطِبَنَّ لِنَارِ إِبْرَاهِيمَ. حَتَّى إِذَا كَانَ الْحَطَبُ يساوي رأس الجدار قذفوا فيه النار فارتفع لهيباً , حَتَّى كَانَ الطَّائِرُ يَمُرُّ بِهَا فَيَحْتَرِقُ. ثُمَّ بَنَوْا بُنْيَانًا شَامِخًا وَبَنَوْا فَوْقَهُ مِنْجَنِيقًا.
ثُمَّ رَفَعُوا إِبْرَاهِيمَ عَلَى رَأْسِ الْبُنْيَانِ , فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْوَاحِدُ فِي السَّمَاءِ [وَأَنَا الْوَاحِدُ فِي الأَرْضِ] لَيْسَ فِي الأَرْضِ أَحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرِي , حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
ثُمَّ رُمِيَ بِهِ فَاسْتَقْبَلَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فَقَالَ لَهُ أَمَّا إِلَيْكَ فَلا. فَقَالَ جِبْرِيلُ: سَلْ رَبَّكَ. فَقَالَ حَسْبِي مِنْ سُؤَالِي عِلْمُهُ بِحَالِي!
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ , حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ , أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ , أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ , أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , حَدَّثَنَا شَيْبَانُ , حَدَّثَنَا أَبُو هِلالٍ: قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرٌ , قَالَ لَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّارِ جَأَرَتْ عَامَّةُ الْخَلِيقَةِ إِلَى رَبِّهَا فَقَالُوا: يَا رَبِّ خَلِيلُكَ يُلْقَى فِي النَّارِ , فَأْذَنْ لنا أن نطفىء عَنْهُ. فَقَالَ: هُوَ خَلِيلِي , وَلَيْسَ لِي فِي الأَرْضِ خَلِيلٌ غَيْرَهُ , وَأَنَا رَبُّهُ لَيْسَ لَهُ رَبٌّ غَيْرِي , فَإِنِ اسْتَغَاثَ بِكُمْ فَأَغِيثُوهُ , وَإِلا فَدَعُوهُ!
قَالَ: فَجَاءَ مَلَكُ الْقَطْرِ فَقَالَ: يَا رَبِّ خَلِيلُكَ يُلْقَى فِي النَّارِ , فَأْذَنْ لِي أطفىء عنه بالقطر. فقال: هو خليلي ليس لِي فِي الأَرْضِ خَلِيلٌ غَيْرَهُ وَأَنَا رَبُّهُ لَيْسَ لَهُ رَبٌّ غَيْرِي , فَإِنِ اسْتَغَاثَ بِكَ فَأَغِثْهُ وَإِلا فَدَعْهُ!
فَلَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ دَعَا رَبَّهُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا نَارُ كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾ فَبَرَدَتْ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَلَمْ يَنْضُجْ بِهَا كُرَاعٌ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يبق في الأرض يومئذ نار إلى طُفِئَتْ , ظَنَّتْ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تُعْنَى , وَلَوْ لَمْ يُتْبِعْ بَرْدَهَا سَلامًا لَمَاتَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بردها.
أخبرنا أبو بكر ابن حَبِيبٍ , أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ صَادِقٍ , أَنْبَأَنَا أَبُو عبد الله
стр. 102
الشِّيرَازِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْخَشَّابُ , حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مُوسَى , حَدَّثَنَا يعقوب ابن إِسْحَاقَ , قَالَ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ﵁ وَقَدْ سُئِلَ عَنِ التَّوَكُّلِ قَالَ: هُوَ
قَطْعُ الاسْتِشْرَافِ بِالْيَأْسِ مِنَ الْخَلْقِ. قِيلَ لَهُ: فَمَا الْحُجَّةُ فِيهِ؟ قَالَ: قِصَّةُ الْخَلِيلِ , لَمَّا وُضِعَ فِي الْمِنْجَنِيقِ مَعَ جِبْرِيلَ ﵉ , لَمَّا قَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلا , فَقَالَ لَهُ: فَسَلْ مَنْ لَكَ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ. قَالَ: أَحَبُّ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ أَحَبُّهُمَا إِلَيْهِ.
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ أَخَذَتِ الْمَلائِكَةُ بِضَبْعَيْهِ وَأَجْلَسُوهُ عَلَى الأَرْضِ , فَإِذَا عَيْنٌ مِنْ ماء عذب وورد أحمر ولم تحدق النار إلى وثاقه. ونزل جبريل بقميص مِنَ الْجَنَّةِ وَطُنْفُسَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ فَأَلْبَسَهُ الْقَمِيصَ وَأَجْلَسَهُ عَلَى الطُّنْفُسَةِ وَقَعَدَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ , فَأَقَامَ هُنَاكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَجَاءَ آزَرُ إِلَى نُمْرُودَ فَقَالَ: ائْذَنْ لِي أَنْ أُخْرِجَ عِظَامَ إِبْرَاهِيمَ وَأَدْفِنَهَا فَخَرَجَ نُمْرُودُ وَمَعَهُ النَّاسُ , فَأَمَرَ بِالْحَائِطِ فنقب , فإذا إبراهيم يمشي فِي رَوْضَةٍ تَهْتَزُّ وَنَبَاتُهَا يَنْدَى وَعَلَيْهِ الْقَمِيصُ وَتَحْتَهُ الطُّنْفُسَةُ , وَالْمَلَكُ إِلَى جَنْبِهِ [وَالْمَاءُ يَجْرِي فِي جَبِينِهِ] فَنَادَاهُ نُمْرُودُ: يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّ إِلَهَكَ الَّذِي بَلَغَتْ قُدْرَتُهُ هَذَا لَكَبِيرٌ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْرُجَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ يَمْشِي حَتَّى خَرَجَ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ مَعَكَ؟ قَالَ مَلَكٌ أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِيُؤْنِسَنِي. فَقَالَ نُمْرُودٌ: إِنِّي مُقَرِّبٌ إِلَى إِلَهِكَ قُرْبَانًا لِمَا رَأَيْتُ مِنْ قُدْرَتِهِ فَقَالَ: إِذًا لا يُقْبَلُ مِنْكَ مَا كُنْتَ عَلَى دِينِكَ. فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتْرُكَ مُلْكِي وَلَكِنْ سَوْفَ أَذْبَحُ لَهُ. فَذَبَحَ أَرْبَعَةَ آلافِ بَقَرَةٍ وَكَفَّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ.
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وسلاما على إبراهيم﴾ سُبْحَانَ مَنْ أَخْرَجَ هَذَا السَّيِّدَ مِنْ آزَرَ , ثم أعانه بالتوفيق فقصد وآزر , ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ الْبَيَانَ فَأَعَانَ وَوَازَرَ , فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ قَدْ رَحَلَ عَنِ الْمِنْجَنِيقِ وَسَافَرَ وَلَمْ يتزود
стр. 103
إِلا التَّسْلِيمَ , ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وسلاما على إبراهيم﴾ .
عَبْدٌ بَذَلَ نَفْسَهُ لَنَا فَبَلَّغْنَاهُ مِنَّا الْمُنَى , وَعَرَّفْنَاهُ الْمَنَاسِكَ عِنْدَ الْبَيْتِ وَمِنًى , وَلَمَّا رُمِيَ
فِي النَّارِ لأَجْلِنَا قُلْنَا لَهُ بِلِسَانِ التَّفْهِيمِ: ﴿كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾ .
قَدَّمَ مَالَهُ إِلَى الضَّيْفَانِ , وَسَلَّمَ وَلَدَهُ إِلَى الْقُرْبَانِ , وَاسْتَسْلَمَ لِلرَّمْيِ فِي النِّيرَانِ , فَلَمَّا رَأَيْنَا مُحِبَّنَا فِي بَيْدَاءِ الْوَجْدِ يَهِيمُ ﴿قُلْنَا يَا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾ .
ابْتَلَيْنَاهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ , وَأَرَيْنَاهُ قُدْرَتَنَا يَوْمَ " فَصُرْهُنَّ " وَكَسَرَ الأَصْنَامَ غَيْرَةً لَنَا مِنْهُنَّ , فَلَمَّا أُجِّجَتِ النِّيرَانُ ذَهَبَتْ بِلُطْفِنَا حَرَارَتُهُنَّ , وَغَرَسْنَا شَجَرَ الْجَنَّةِ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بردا وسلاما على إبراهيم﴾ .
بَنَوْا لَهُ بُنْيَانًا إِلَى سَفْحِ جَبَلٍ , وَاحْتَطَبَ مِنْ أَجْلِهِ مَنْ شَرِبَ وَأَكَلَ , وَأَلْقَوْهُ فِيهَا وقالوا قد اشتعل , فخرج نمرود ينظر ماذاا فَعَلَ , وَقَدْ خَرَجَ تَوْقِيعُ الْقِدَمِ مِنَ الْقَدِيمِ: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ .
اعْتَرَضَهُ وَتَعَرَّضَ لِحَوَائِجِهِ الْمَلِكُ , حِينَ قَطَعَ بَيْدَاءَ الْهَوَى وَسَلَكَ , فَقَالَ لَهُ بِلِسَانِ الْحَالِ: مَعِي مَنْ مَلَكَ , إِيَّاكَ وَالتَّعْرِيضَ بِمَا لَيْسَ لَكَ , فَلَمَّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِخَلْقٍ دُونِي إِذْ أُضِيمَ ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إبراهيم﴾ .
تَعَرَّضَتْ لَهُ الأَمْلاكُ فَكَفَّهَا كَفًّا فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ لا يَمُدُّ إِلَى غَيْرِنَا كَفًّا , مَدَحْنَاهُ وَيَكْفِي في مدحناه [له:] " الذي وفى " واجتمع الخلائق صفاً ينظرون من من صفا , فَلَمَّا أَتَانَا فِي وَقْتِ الْقَلْبِ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إبراهيم﴾ .
تنح يا جبريل فماذا موضع زحمة , وخلني وخليلي فإليه رحمة , وَهَلْ بَذَلْتُ لَهُ إِلا لَحْمَةً تُبْلَى أَوْ شَحْمَةً , فَلَمَّا وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ يَصِيرَ فَحْمَةً , وَحُوشِيَ مِنْ ذَاكَ الْكَرِيمُ ﴿قُلْنَا يَا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾ .
كَانَتِ الْمَلائِكَةُ تَدَّعِي الْفَنَاءَ بِالطَّاعَةِ , فَخَرَجَ هَارُوتُ وماروت فخسرت
стр. 104
الْبِضَاعَةُ ,
وَشَاهَدُوا يَوْمَ الْخَلِيلِ مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ اسْتِطَاعَةٌ , رَأَى مَا رَأَى وَمَا أَزْعَجَهُ وَلا رَاعَهُ , فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ سَاكِنًا وَالأَمْلاكُ فِي مَقْعَدٍ مُقِيمٍ ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وسلاما على إبراهيم﴾ .
[قَابَلَ الْقَوْمُ رَسُولَنَا بِأَقْبَحِ تَكْذِيبٍ , وَقَصَدُوا خَلِيلَنَا بِأَشَدِّ تَعْذِيبٍ، وَنَسُوا يَوْمَ الْفَزَعِ وَالتَّأْنِيبِ , وَالْخَلِيلُ سِرُّهُ صَافٍ وَالْحَالُ مُسْتَقِيمُ ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾ ] .
اللَّهُمَّ إِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِالْخَلِيلِ فِي مَنْزِلَتِهِ , وَالْحَبِيبِ فِي رُتْبَتِهِ , وَكُلِّ مُخْلِصٍ فِي طَاعَتِهِ , أَنْ تَغْفِرَ لِكُلٍّ مِنَّا زَلَّتَهُ يَا كَرِيمُ برحمتك يا أرحم الراحمين.
стр. 105
المجلس الثامن
فِي قِصَّةِ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ
الْحَمْدُ للَّهِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ , الْمُنَزَّهِ عَنِ النَّظِيرِ وَالْعَدِيلِ الْمُنْعِمِ بِقَبُولِ الْقَلِيلِ , الْمُتَكَرِّمِ بِإِعْطَاءِ الْجَزِيلِ , تَقَدَّسَ عَمَّا يَقُولُ أَهْلُ التَّعْطِيلِ , وَتَعَالَى عَمَّا يَعْتَقِدُ أَهْلُ التَّمْثِيلِ , نصب لِلْعَقْلِ عَلَى وُجُودِهِ أَوْضَحُ دَلِيلٍ , وَهَدَى إِلَى وُجُودِهِ أَبْيَنُ سَبِيلٍ , وَجَعَلَ لِلْحَسَنِ حَظًّا إِلَى مِثْلِهِ يَمِيلُ , فَأَمَرَ بِبِنَاءِ بَيْتٍ وَجَلَّ عَنِ السكنى الجليل " وإذا يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ".
ثُمَّ حَمَاهُ لَمَّا قَصَدَهُ أَصْحَابُ الْفِيلِ , فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ.
أَحْمَدُهُ كُلَّمَا نَطَقَ بِحَمْدِهِ وَقِيلَ , وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الْمُنَزَّهُ عَنْ مَا عَنْهُ قِيلَ , وَأُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ النَّبِيلِ , وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي لا يُبْغِضُهُ إِلا ثَقِيلٌ , وَعَلَى عُمَرَ وَفَضْلُ عُمَرَ فَضْلٌ طَوِيلٌ , وَعَلَى عُثْمَانَ وَكَمْ لِعُثْمَانَ مِنْ فِعْلٍ جَمِيلٍ , وَعَلَى عَلِيٍّ وَجَحْدُ قَدْرِ عَلِيٍّ تَغْفِيلٌ , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الْمُسْتَسْقَى بِشَيْبَتِهِ فَإِذَا السُّحُبُ تَسِيلُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُبْتَدِئِ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَهُ لا بِبِنَاءِ أَحَدٍ. ثُمَّ فِي زَمَنِ وَضْعِهِ إياه قولان: أحدهما: قَبْلَ خَلْقِ الدُّنْيَا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ حَشَفَةً عَلَى الْمَاءِ , عَلَيْهَا مَلَكَانِ يُسَبِّحَانِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ خَلْقِ الأَرْضِ بِأَلْفَيْ عَامٍ. الْحَشَفَةُ: الأَكَمَةُ الْحَمْرَاءُ.
стр. 106
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَمَّا كان العرش على الماء قبل خلق السماوات بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رِيحًا فَصَفَقَتِ الْمَاءَ فَأَبْرَزَتْ عَنْ حَشَفَةٍ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ كَأَنَّهَا قُبَّةٌ , فَدَحَا الأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مَوْضِعَ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ , وَإِنَّ قَوَاعِدَهُ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى.
وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ غُثَاءً عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أن يخلق الله السماوات وَالأَرْضَ. بِأَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْبَيْتُ قَبْلَ هُبُوطِ آدَمَ يَاقُوتَةً مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ , وَفِيهِ قَنَادِيلُ مِنَ الْجَنَّةِ فَلَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ فَأَخَذَهُ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ اسْتِئْنَاسًا بِهِ , وَحَجَّ آدَمُ فَقَالَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ بَرَّ حَجُّكَ , لَقَدْ حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ. فقال: يا رب اجعل له عُمَّارًا مِنْ ذُرِّيَّتِي. فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي مُعَمِّرُهُ بِأَبْنَاءِ نَبِيٍّ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَلائِكَةَ بَنَتْهُ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ: لَمَّا قَالَتِ الْمَلائِكَةُ: " أَتَجْعَلُ فِيهَا من يفسد فيها " غَضِبَ عَلَيْهِمْ , فَعَاذُوا بِالْعَرْشِ يَطُوفُونَ حَوْلَهُ يَسْتَرْضُونَ رَبَّهُمْ , فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَقَالَ: ابْنُوا فِي الأَرْضِ بَيْتًا يَعُوذُ بِهِ كُلُّ مَنْ سَخِطْتُ عَلَيْهِ وَيَطُوفُونَ حَوْلَهُ , كَمَا فَعَلْتُمْ بِعَرْشِي. فَبَنَوْا هَذَا الْبَيْتَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ آدَمَ لَمَّا أُهْبِطَ أَوْحَى الله إليه: ابن لي بيتاً واصنع جوله كَمَا رَأَيْتَ الْمَلائِكَةَ تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي. رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. وَرَوَى عَنْهُ عَطَاءٌ أَنَّهُ بَنَاهُ آدَمُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ: لُبْنَانَ وَطُورِ سِينَاءَ وَطُورِ زَيْتَا وَالْجُودِيِّ وَحِرَاءٍ.
قَالَ وَهْبٌ: فَلَمَّا مَاتَ آدَمُ بَنَاهُ بَنُوهُ بِالطِّينِ وَالْحِجَارَةِ , فَنَسَفَهُ الْغَرَقُ. قال
стр. 107
مُجَاهِدٌ: وَكَانَ مَوْضِعُهُ بَعْدَ الْغَرَقِ أَكَمَةً حَمْرَاءَ لا تَعْلُوهَا السُّيُولُ وَكَانَ يَأْتِيهَا الْمَظْلُومُ وَيَدْعُو عِنْدَهَا الْمَكْرُوبُ.
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا سَلِمَ الْخَلِيلُ مِنَ النَّارِ خَرَجَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مُهَاجِرًا , فَتَزَوَّجَ سَارَّةَ بِحَرَّانَ , وَقَدِمَ مِصْرَ وَبِهَا فِرْعَوْنُ مِنَ الْفَرَاعِنَةِ , فَوُصِفَ لَهُ حُسْنُهَا فَبَعَثَ
فَأَخَذَهَا , فَلَمَّا دَخَلَتْ قَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تصلي وتقول: اللهم إني آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلا عَلَى زَوْجِي , فَلا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ. فَغَطَّ حَتَّى رَكَضَ الأَرْضَ بِرِجْلِهِ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ هِيَ الَّتِي قَتَلَتْهُ. فَأَرْسِلْ. ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فَدَعَتْ فَغَطَّ حَتَّى رَكَضَ الأَرْضَ بِرِجْلِهِ , ثُمَّ أَرْسَلَ فَقَالَ: رُدُّوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَعْطُوهَا هَاجَرَ.
فَوَهَبَتْهَا لإِبْرَاهِيمَ وَقَالَتْ: لَعَلَّهُ يَأْتِيكَ مِنْهَا وَلَدٌ , وَكَانَتْ سَارَّةُ قَدْ مُنِعَتِ الْوَلَدَ , فَوَلَدَتْ لَهُ إِسْمَاعِيلَ فَهُوَ بِكْرُ أَبِيهِ , وُلِدَ لَهُ وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً. فَلَمَّا وَلَدَتْ غَارَتْ سَارَّةُ وَأَخْرَجَتْهَا , وَحَلَفَتْ لَتَقْطَعَنَّ مِنْهَا بَضْعَةً. فَحَفِظَتْهَا ثُمَّ قَالَتْ: لا تُسَاكِنَنِّي فِي بَلَدِي.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ مَكَّةَ , فَذَهَبَ بِهَا وَبِابْنِهَا , وَالْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ رَبْوَةٌ حَمْرَاءُ فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ أَهُنَا أُمِرْتُ أَنْ أَضَعَهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَنْزَلَهُمَا مَوْضِعَ الْحَجَرِ وَأَمَرَ هَاجَرَ أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِ عَرِيشًا.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ , قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّاوُدِيُّ , قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ أَعْيَنَ السَّرَخْسِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعُزَيْزِيُّ , حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ , حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ , حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ , وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ , يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَوَّلُ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَةَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ , اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَّةَ. ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ , وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ , وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ , فَوَضَعَهُمَا هُنَاكَ , وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءٌ فِيهِ مَاءٌ , ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا , فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إبراهيم أين
стр. 108
تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا فِي هَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَنِيسٌ وَلا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا. فَقَالَتْ لَهُ: اللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ إِذًا لا يُضَيِّعُنَا اللَّهُ!
ثُمَّ رَجَعَتْ.
فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَبِّ ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بيتك المحرم﴾ حتى بلغ: يشكرون.
وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السقا , عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا , وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى مِنَ الْعَطَشِ , أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ , فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا , فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا , فَلَمْ تَرَ أحد. فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا , حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا , ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ , حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا , فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَلِذَلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهُمَا. فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سمعت صوتاً فقالت: صه. تريد نفسها ثُمَّ تَسَمَّعَتْ أَيْضًا فَقَالَتْ: قَدْ أُسْمِعْتُ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غُوَاثٌ فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ. فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ. فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا , وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَمَا تَغْرِفُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا.
قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لا تَخَافِي الضَّيْعَةَ , فَإِنَّ هَذَا بَيْتُ اللَّهِ يَبْنِيهِ هَذَا الْغُلامُ وَأَبُوهُ , وَإِنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ أَهْلَهُ.
وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يمينه وعن
стр. 109
شِمَالِهِ. فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمٍ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كُدَى فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا فَقَالُوا إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ. فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ , فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا.
قَالَ وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ قَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ. قَالَتْ: نَعَمْ , وَلَكِنْ لا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ. قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الأُنْسَ فَنَزَلُوا. وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهْمُ. حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ وَشَبَّ الْغُلامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ. فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ.
فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ , فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشتهم وهيأتهم فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ , نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ وَشَكَتْ إِلَيْهِ. قَالَ: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرُ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ , وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ. قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ , أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلامَ وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكَ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ. الْحَقِي بِأَهْلِكِ. فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى. فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ , ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ , فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا. فَسَأَلَهَا عن عيشتهم وهيأتهم فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ . فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ: اللَّحْمُ. قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ الْمَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ , وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ. قَالَ: فَهُمَا لا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلا لَمْ يُوَافِقَاهُ. قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇ وَمُرِيهِ يُثَبِّتُ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ , قَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ
стр. 110
أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخٌ حَسَنُ الْوَجْهِ , وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ , فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ , فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ. قَالَ:
فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثَبِّتَ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكَ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ , أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ.
ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ , فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَفْعَلُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ , ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ. قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ. قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ. قَالَ: فَإِنَّ الله تعالى قد أمرني أن أبني ها هنا بَيْتًا. وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حولها.
فعند ذَلِكَ رَفَعَ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ.
فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي , حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ , فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ , وَهُمَا يَقُولانِ: " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العليم ".
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ.
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا أُمِرَ الْخَلِيلُ ﵇ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ قَالَ: يَا رَبِّ بَيِّنْ لِي صِفَتَهُ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى سَحَابَةً عَلَى قَدْرِ الْكَعْبَةِ , فَسَارَتْ مَعَهُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ , حَتَّى وَقَفَتْ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ وَنُودِيَ: ابْنِ عَلَى ظِلِّهَا لا تُزِدْ وَلا تُنْقِصْ.
وَكَانَ جِبْرِيلُ حِينَ الْغَرَقِ قَدِ اسْتَوْدَعَ أَبَا قُبَيْسٍ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ , فَلَمَّا بَنَى إِبْرَاهِيمُ الْبَيْتَ أَخْرَجَهُ إِلَيْهِ فَوَضَعَهُ.
أَخْبَرَنَا الْكَرُوخِيُّ , أَنْبَأَنَا الْغُورَجِيُّ , أَنْبَأَنَا الْجَرَّاحِيُّ , حَدَّثَنَا الْمَحْبُوبِيُّ , حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ , حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ , حَدَّثَنَا جَرِيرٌ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ.
следующие страницы →