← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 26351

التبصرة لابن الجوزي

ابن الجوزي

Полный текст (793 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

المجلس السابع لانْتِصَافِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْحَمْدُ للَّهِ الأَحَدِيِّ الذَّاتِ، الْعَلِيِّ الصِّفَاتِ الْجَلِيِّ الآيَاتِ الْوَفِيِّ الْعِدَاتِ، رَافِعِ السماوات وَسَامِعِ الأَصْوَاتِ، عَالِمِ الْخَفِيَّاتِ وَمُحْيِي الأَمْوَاتِ، تَنَزَّهَ عَنِ الآلاتِ وَتَقَدَّسَ عَنِ الْكَيْفِيَّاتِ، وَتَعَظَّمَ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقَاتِ، جَلَّ عَنِ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ، ثَبَّتَ الأَرْضَ بِالأَطْوَادِ الرَّاسِيَاتِ، وَأَحْيَاهَا بَعْدَ مَوْتِهَا بِالسُّحُبِ الْمَاطِرَاتِ، فَإِذَا أَرْخَتْ عَزَالَيْهَا ضَحِكَ بِاخْضِرَارِهِ النبات، وقال الْمُبْتَدَعَاتُ بِأَلْسُنِ الإِشَارَاتِ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ . إِذَا بَسَطَ بِسَاطَ الْعَدْلِ تَزَلْزَلَتْ أَقْدَامُ أَهْلِ الثَّبَاتِ، وَإِذَا نَشَرَ رِدَاءُ الْفَضْلِ غَمَرَ الذُّنُوبَ الْمُوبِقَاتِ، ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السيئات﴾ . حَيٌّ بِحَيَاةٍ تَنَزَّهَتْ عَنْ طَارِقِ الْمَمَاتِ، عَالِمٌ بِعِلْمٍ وَاحِدٍ جَمِيعَ الْمَعْلُومَاتِ، قَادِرٌ بِقُدْرَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى جَمِيعِ الْمَقْدُورَاتِ، أَرَادَ فَلانَتْ لِهَيْبَتِهِ صِعَابُ الْمُرَادَاتِ، وَسَمِعَ فَلَمْ يَعْزُبْ عَنْ سَمْعِهِ خَفِيُّ الأَصْوَاتِ، وَأَبْصَرَ سَوَادَ الْعَيْنِ فِي أَشَدِّ الظُّلُمَاتِ، اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ لا كَاسْتِوَاءِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَيَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا مَرْوِيٌّ بِنَقْلٍ عَنِ الثِّقَاتِ، وَيَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْجَنَّةِ بِالْعُيُونِ النَّاظِرَاتِ، نَصِفُهُ بِالنَّقْلِ الْمُبَايَنِ بِصِحَّتِهِ سَقِيمُ الشُّبُهَاتِ، مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ فِي الأَوْصَافِ وَلا تَشْبِيهٍ فِي الذَّوَاتِ، فَهَلْ عَلَيْنَا مَلامٌ أَمْ هُوَ طَرِيقُ النَّجَاةِ، أَحْمَدُهُ عَلَى جَمِيعِ الْحَالاتِ حَمْدًا يَدُومُ بِدَوَامِ الأَوْقَاتِ، وَأُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّتِهِ كَافِرًا بِاللاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ محمدا عبده

стр. 562

وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالأَدِلَّةِ الْوَاضِحَاتِ، ﷺ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ النَّاهِضِ يَوْمَ الرِّدَّةِ عَلَى أَقْدَامِ الثَّبَاتِ، الْقَائِمِ بِنَصْرِ الإِسْلامِ وَقَدْ قَعَدَ أَهْلُ الْعَزَمَاتِ، الْقَائِلِ: أُقَاتِلُهُمْ وَلَوْ لَمْ أَجِدْ غَيْرَ الْبَنَاتِ، وَعَلَى عُمَرَ الْعَادِلِ فِي الْقَضِيَّاتِ، كَانَ إِذَا مَشَى فَرَقَ الشَّيْطَانُ مِنْ تِلْكَ الْخَطَوَاتِ، وَعَلَى عُثْمَانَ الْمُتَهَجِّدِ بِالْقُرْآنِ فِي الظُّلُمَاتِ، الصَّابِرِ عَلَى الشَّهَادَةِ بِأَيْدِي الْعِدَاةِ، وَعَلَى عَلِيٍّ ذِي الْمَنَاقِبِ الْعَالِيَاتِ، الْمَخْصُوصِ بِأُخُوَّةِ الرَّسُولِ دُونَ ذَوِي الْقَرَابَاتِ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي بِالسُّؤَالِ بِهِ سَالَتْ عَزَالِي السُّحُبِ الْمَاطِرَاتِ. أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ شَهْرَكُمْ هَذَا قَدِ انْتَصَفَ، فَهَلْ فِيكُمْ مَنْ قَهَرَ نَفْسَهُ وَانْتَصَفَ، وَهَلْ فِيكُمْ مَنْ قَامَ فِيهِ بِمَا عَرَفَ، وَهَلْ تَشَوَّقَتْ هِمَمُكُمْ إِلَى نَيْلِ الشَّرَفِ، أَيُّهَا الْمُحْسِنُ فِيمَا مَضَى مِنْهُ دُمْ، وَأَيُّهَا الْمُسِيءُ وَبِّخْ نَفْسَكَ عَلَى التَّفْرِيطِ وَلُمْ، إِذَا خَسِرْتَ فِي هَذَا الشَّهْرِ مَتَى تَرْبَحُ، وَإِذَا لَمْ تُسَافِرْ فيه نحو الفوائد فمتى تبرح. كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ: كَانَ يُقَالُ مَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي رَمَضَانَ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ! أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّارُ بِسَنَدِهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أنس ابن مَالِكٍ يَقُولُ: ارْتَقَى سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: آمِينَ ثُمَّ ارْتَقَى ثَانِيَةً فَقَالَ آمِينَ. ثُمَّ اسْتَوَى عَلَيْهِ فَقَالَ آمِينَ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: عَلامَ أَمَّنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ. فَقُلْتُ: آمِينَ. ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يُدْخِلاهُ الْجَنَّةَ. فَقُلْتُ: آمِينَ. ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ. فَقُلْتُ: آمِينَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بِسَنَدِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " هَذَا رَمَضَانُ قَدْ جَاءَ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّاتِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ بَعُدَ امْرُؤٌ أَدْرَكَ رَمَضَانَ لَمْ يُغْفَرْ له، إذا لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَمَتَى؟! ". وَبِالإِسْنَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ ". (إِذَا الرَّوْضُ أَمْسَى مُجْدِبًا فِي رَبِيعِهِ ... فَفِي أَيِّ حِينٍ يَسْتَنِيرُ وَيَخْصُبُ)

стр. 563

أخبرنا عبد الله بن علي المقري بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أُمَّتِي لَنْ يُخْزَوْا أَبَدًا مَا أَقَامُوا شَهْرَ رَمَضَانَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا خِزْيُهُمْ؟ قَالَ: مِنْ إِضَاعَتِهِمْ شَهْرِ رَمَضَانَ بِانْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، فَمَنْ عَمِلَ سُوءًا أَوْ زَنَى أَوْ سَرَقَ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ شَهْرُ رَمَضَانَ،، وَلَعَنَهُ اللَّهُ وَالْمَلائِكَةُ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْحَوْلِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلْيَسْتَبْشِرْ بِالنَّارِ، فَاتَّقُوا شَهْرَ رَمَضَانَ فَإِنّ الْحَسَنَاتِ تُضَاعَفُ فِيهِ وَكَذَلِكَ السَّيِّئَاتُ ". عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ شَهْرَكُمْ هَذَا لا قِيمَةَ لَهُ وَلا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ مَا ضَاعَ بِالتَّفْرِيطِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلا رُخْصَةٍ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ ". قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: أَبُو الْمُطَوَّسِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُطَوَّسِ ثِقَةٌ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ فِي كِتَابِ النَّصِيحَةِ أَنَّ مَذْهَبَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنْ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ ثَلاثَةِ آلافِ يَوْمٍ. قَالَ: وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرٍ متتابع. وقال الربيع ابن أبي ربيعة ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ صِيَامُ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، لأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ صِيَامَ شَهْرٍ مِنَ اثْنَيْ عشر شهر. أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يضاعف: الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعْفٍ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، يَقُولُ اللَّهُ : إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. " الصَّوْمُ جُنَّةٌ ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. عِبَادَ اللَّهِ: فَرْحَةُ الْحِسِّ عِنْدَ الإِفْطَارِ تَنَاوُلُ الطَّعَامِ، وَفَرْحَةُ الإِيمَانِ بِالتَّوْفِيقِ

стр. 564

لإِتْمَامِ الصِّيَامِ. يَا هَذَا قَدِّمْ دُسْتُورَ الْحِسَابِ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَإِنْ وَجَدْتَ خَلَلا فَارْقَعْهُ بِرُقْعَةِ اسْتِغْفَارٍ، فَإِذَا جَاءَ السَّحَرُ فَاعْقِدْ عُقَدَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا عِنْدَ نِيَّةِ الصَّوْمِ، وَتَجَرَّعْ جَرْعَةَ دَمْعَةٍ فِي إِنَاءٍ رَكْعَةً لَعَلَّكَ تَطَّلِعُ عَلَى خَبَايَا خَفَايَا مَا أُعِدَّ لِلصَّائِمِينَ مِنْ مَسْتُورٍ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ . الكلام على البسملة (قل للمؤمل إِنَّ الْمَوْتَ فِي أَثَرِكَ ... وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكَ الأَمْرُ مِنْ نَظَرِكَ) (فِيمَنْ مَضَى لَكَ إِنْ فَكَّرْتَ مُعْتَبَرٌ ... وَمَنْ يَمُتْ كُلَّ يَوْمٍ فَهْوَ مِنْ نُذُرِكَ) (دَارٌ تُسَافِرُ عَنْهَا مِنْ غَدٍ سفراً ... فلا تؤوب إِذَا سَافَرْتَ مِنْ سَفَرِكَ) (تُضْحِي غَدًا سَمَرًا لِلذَّاكِرِينَ كَمَا ... كَانَ الَّذِينَ مَضَوْا بِالأَمْسِ مِنْ سَمَرِكَ) يَا مُضَيِّعَ الزَّمَانِ فِيمَا يَنْقُصُ الإِيمَانَ، مَا أَرَاكَ فِي رَمَضَانَ إِلا كَجُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَمَا يَشُوقُكَ إِلَى الْخَيْرِ مَا يَشُوقُ، أَمَا يَعُوقُكَ عَنِ الضَّيْرِ مَا يَعُوقُ، مَتَى تَصِيرُ سَابِقًا يَا مَسْبُوقُ، إِلَى مَتَى سَوْقُ الشَّوْقِ إِلَى سَوْقِ الْفُسُوقِ، أَوَّلُ الْهَوَى سَهْلٌ ثُمَّ تَتَخَرَّقُ الْخُرُوقُ، كُلَّمَا حُصِدَ نَبَاتُهُ بِمِنْجَلِ الصَّبْرِ أخرجت العروق، وإن لذيذ شربه فشربه شجى في الخلوق، وَإِنَّمَا لَذَّاتُ الدُّنْيَا كَخَطْفِ الْبُرُوقِ، مَيِّزْ بَيْنَ مَا يَفْنَى وَمَا يَبْقَى تَرَ الْفُرُوقَ، خَلِّ التَّوَانِيَ إِنْ شِئْتَ أَنْ تَفُوقَ عَلَيْكَ حَافِظٌ وَضَابِطٌ، لَيْسَ بِنَاسٍ وَلا غَالِطٍ، يَكْتُبُ الْكَلِمَاتِ السَّوَاقِطَ، وَأَنْتَ فِي لَيْلِ الْحَدَثِ خَابِطٌ، تَتَعَرَّضُ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ لِلْمَسَاخِطِ، يَا مَنْ قَدْ شَابَ إِلَى كَمْ تُغَالِطُ، لا بُدَّ لِلَّيْلِ مِنْ فَجْرٍ مُنِيرٍ كَاشِطٍ، كَيْفَ يَنْهَضُ لِلَّعِبِ واللهو الأشامط، مَاذَا بَقِيَ وَهَذا الشَّيْبُ وَاخِطٌ، أَمَا تَسْتَحِي وَأَنْتَ فِي الإِثْمِ وَارِطٌ، يَا قَاعِدًا عِنْدَ التُّقَى وَهُوَ فِي الْهَوَى نَاشِطٌ، كُلَّمَا رُفِعْتَ لَمْ تَرِدْ إِلا الْمَهَابِطَ، تَيَقَّظْ لِنَفْسِكَ فَقَدْ مَضَى الْفَارِطُ، وَابْكِ عَلَى ذَنْبِكَ وَيَكْفِي الْفَارِطُ، أَصْلِحْ مَا بَقِيَ وَاقْبَلْ مِنَ الْوَسَائِطِ،

стр. 565

جاهد هواك في الدنيا فالفخر للمرابط، نظر لِمَنْ تُعَاشِرُ وَاعْرِفْ لِمَنْ تُخَالِطُ، احْذَرْ جَزَاءَ الْقِسْطِ عَلَيْكَ يَا قَاسِطُ، لا تَغْتَرِرْ بِالسَّلامَةِ فربما قبض الباسط، في لَنَا بِالشُّرُوطِ وَنَحْنُ نَفِي بِالشَّرَائِطِ، ذَكِّرْ نَفْسَكَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الشَّدِيدُ الضَّاغِطُ، إِذَا تَحَيَّرْتَ فِي الأُمُورِ وَزَالَ الْجَأْشُ الرَّابِطُ، لا تَنْفَعُ الأَقَارِبُ وَلا تَدْفَعُ الأَرَاهِطُ، وَنَفْسُ النَّفْسِ يَخْرُجُ مِنْ سَمِّ إِبْرَةِ خَائِطٍ. بَاعَ قَوْمٌ جَارِيَةً قُبَيْلَ رَمَضَانَ، فَلَمَّا حَصَلَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي قَالَ لَهَا هَيِّئِي لَنَا مَا يَصْلُحُ لِلصَّوْمِ، فَقَالَتْ لَقَدْ كُنْتُ قَبْلَكُمْ لِقَوْمٍ كُلُّ زَمَانِهِمْ رَمَضَانُ! للَّهِ دَرُّ أَقْوَامٍ تَفَكَّرُوا فَأَبْصَرُوا، وَلاحَتْ لَهُمُ الْغَايَةُ فَمَا قَصَّرُوا، وَجَعَلُوا اللَّيْلَ رُوحَ قُلُوبِهِمْ وَالصِّيَامَ غِذَاءَ أَبْدَانِهِمْ، وَالصِّدْقَ عَادَةَ أَلْسِنَتِهِمْ وَالْمَوْتَ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ. كَتَبَ رَجُلٌ إِلَى دَاوُدَ الطَّائِيِّ: عِظْنِي. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ فَاجْعَلِ الدُّنْيَا كَيَوْمٍ صمته عن شهوتك وَاجْعَلْ فِطْرَكَ الْمَوْتَ فَكَأَنْ قَدْ صِرْتَ إِلَيْهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: زِدْنِي. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ فَارْضَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ مَعَ سَلامَةِ دِينِكَ كَمَا رَضِيَ أَقْوَامٌ بِالْكَثِيرِ مَعَ ذَهَابِ دِينِهِمْ. وَالسَّلامُ. كَانَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ قَدْ وَرِثَ مِنْ أَبِيهِ عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَنْفَقَهَا فِي عِشْرِينَ سَنَةً. وَكَانَ جَالِسًا فِي دَارِهِ فَإِذَا وَقَعَ سَقْفٌ تَقَدَّمَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ إِلَى أَنْ بَقِيَ دِهْلِيزُ الدَّارِ فَمَاتَ فِيهِ. وَتَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةٌ فَدَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُ السَّمَّاكِ فَقَالَ: الْيَوْمَ تَرَى ثَوَابَ مَا كُنْتَ تَعْمَلُ! وَرَآهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ في المنام فقال له: أوصني، فقال: داو قروح بَاطِنَكَ بِالْجُوعِ وَاقْطَعْ مَفَاوِزَ الدُّنْيَا بِالأَحْزَانِ، وَآثِرْ حب الله على هواك لا تُبَالِ مَتَى تَلْقَاهُ. طُوبَى لِعَبْدٍ بَالَغَ فِي حِذَارِهِ، وَاحْتَفَرَ بِكَفِّ فِكْرِهِ قَبْرَهُ قَبْلَ احْتِفَارِهِ، وَانْتَهَبَ زَمَانَهُ بِأَيْدِي بِدَارِهِ، وَأَعْذَرَ فِي الأَمْرِ قَبْلَ شَيْبِ عِذَارِهِ، وَلَمْ يَرْضَ فِي زَادِهِ

стр. 566

بِتَقْلِيلِهِ وَاخْتِصَارِهِ، وَرَأَى عَيْبَ الْهَوَى فَلَمْ يَصْطَلِ بِنَارِهِ، وَدَافَعَ الشَّهَوَاتِ وَصَابَرَ الْمَكَارِهَ، إِنْ بَحَثْتَ عَنْهُ رَأَيْتَهُ صَائِمٌ نَهَارَهُ، وَإِنْ سَأَلْتَ عَنْ لَيْلِهِ فَقَائِمٌ أَسْحَارَهُ، وَإِنْ تَلَمَّحْتَهُ فَالزَّفِيرُ فِي إِصْعَادِهِ وَالدَّمْعُ فِي انْحِدَارِهِ، وَلا يَتَنَاوَلُ مِنَ الدُّنْيَا إِلا قَدْرَ اضْطِرَارِهِ، بَاعَهَا فَاشْتَرَى بِهَا مَا يَبْقَى بِاخْتِيَارِهِ، هَلْ فِيكُمْ مُتَشَبِّهٌ بِهَذَا أَوْ عَلَى نِجَارِهِ؟ يَا حُسْنَهُ وَمَصَابِيحُ النُّجُومِ تُزْهِرُ وَالنَّاسُ قَدْ نَامُوا وَهُوَ فِي الْخَيْرِ يسهر، غسل وجهه من ماء عينه وَعَيْنُ الْعَيْنِ أَطْهَرُ، فَلَمَّا قَضَى وِرْدَ الدُّجَى جَلَسَ يَتَفَكَّرُ، فَخَطَرَ عَلَى قَلْبِهِ كَيْفَ يَمُوتُ وَكَيْفَ يُقْبَرُ، وَتَصَوَّرَ صَحَائِفَهُ كَيْفَ تُطْوَى وَكَيْفَ تنشر، فهام قلبه فِي بَوَادِي الْقَلَقِ وَتَحَيَّرَ، فَطَلَّقَ الدُّنْيَا ثَلاثًا وَهَلْ يُسْتَوْطَنُ مَعْبَرٌ. (طَوَى مُدَّةً مِنْ دَهْرِهِ دَارَ زُخْرُفٍ ... إِلَى أَبَدٍ ذِي سُنْدُسٍ وَحَرِيرِ) (أَلا تِلْكُمُ الدَّارُ الَّتِي حَلَّ أَهْلُهَا ... بِنَاءٍ عَنِ الْخَطْبِ الْمُخَوِّفِ شَطِيرِ) (لَهُمْ مَا اشْتَهَوْا فيها مَسُوقًا إِلَيْهِمُ ... مَقُودًا إِذَا شَاءُوا بِغَيْرِ جَرِيرِ) الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أنزل فيه القرآن﴾ إِخْوَانِي: اسْتَدْرِكُوا بَاقِي الشَّهْرِ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَوْقَاتِ الدَّهْرِ، وَاحْصُرُوا النُّفُوسَ عَنْ هَوَاهَا بِالْقَهْرِ، وَقَدْ سَمِعْتُمْ بِالْحُورِ الْعِينِ فَاهْتَمُّوا بِالْمَهْرِ. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ بِسَنَدِهِ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ صَدَقَةُ رَمَضَانَ ". عِبَادَ اللَّهِ: اعْلَمُوا أَنَّ النِّصْفَ الأَخِيرَ أَفْضَلُ مِنَ الأَوَّلِ، لأَنَّ فِيهِ الْعَشْرَ وَلَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَالأَعْمَالُ تُضَاعَفُ بِشَرَفِ وَقْتِهَا وَمَكَانِهَا.

стр. 567

(قَدْ بَلَغَ الشَّهْرُ إِلَى نِصْفِهِ ... وَلَيْسَ عَنِّي الشَّهْرُ بِالرَّاضِي) (ظَلَمْتُ صَوْمَ الشَّهْرِ فِي حَقِّهِ ... يَا وَيْلَتَا إِنْ عَدَلَ الْقَاضِي) أَتُرَى صَحَّ لَكَ صَوْمُ يَوْمٍ، أَتُرَى تَسْلَمُ فِي شَهْرِكَ من لوم، أترى لفيك خلوق أم فيك خَلاقٌ، مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ أَجْرُ صَائِمٍ، فَاجْتَهِدْ أَنْ تَصُومَ رَمَضَانَ سِتِّينَ يَوْمًا. (أَيُّهَا الرَّاقِدُ عَنْ نُهْزَتِهِ ... مَا يَرُوعُ السَّيْفَ حَتَّى يشهرا) (وأبي المجد لقد فَازَ بِهِ ... سَالِكٌ فِيهِ الطَّرِيقَ الأَوْعَرَا) إِنَّمَا أَنْتَ ضَيْفٌ أَصْبَحْتَ فِي مَتْرَكٍ، وَمَا فِي يَدَيْكَ وَدِيعَةٌ عِنْدَكَ، وَيُوشِكُ الضَّيْفُ أَنْ يَرْتَحِلَ وَالْوَدِيعَةُ أَنْ تُرَدَّ. ابْكِ عَلَى نَفْسِكَ أَيَّامَ الْحَيَاةِ بُكَاءَ مَنْ وَدَّعَ الدُّنْيَا: (قَدْ كَشَفَ الدَّهْرُ عَنْ يَقِينِي ... قِنَاعَ شَكِّي فِي كُلِّ شَيْءِ) (لا بُدَّ مِنْ أَنْ يَحُلَّ مَوْتٌ ... عُقْدَةَ نَفْسٍ مِنْ كُلِّ حَيِّ) مَتَى تَتَّبِعُ أَوْصَافَ الإِنْصَافِ، إِلَى مَتَى تَرْضَعُ أَخْلافَ الْخِلافِ، أَيْقَظَكَ الدَّهْرُ وَأَرْشَدَكَ الْوَعْظُ فَهِمْتَ، وَحَدَّثَكَ الْمَوْتُ فَمَا فَهِمْتَ، أَلِبَّ حُبَّ الدُّنْيَا بِلُبِّكَ، وَأَقْلِبْ هَوَاهَا مُسْتَقِيمَ قَلْبِكَ، كَمْ نُوقِظُ عَقْلَكَ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ. وَهُوَ لا يَزْدَادُ إِلا رُقَادًا وَسِنَةً، كَمْ نَرْمِي هَدَفَ سَمْعِكَ بِرَشْقِ كَلامٍ لَمْ يَلْذَعْ أَصْلَ قَلْبِكَ بِحُبِّهِ مَلامٌ: (عَيْنُ الْمَنِيَّةِ يَقْظَى غَيْرُ مُطْرِقَةٍ ... وَطَرْفُ مَطْلُوبِهَا مُذْ كَانَ وَسْنَانُ) (جَهْلا تَمَكَّنَ مِنْهُ حِينَ مَوْلِدِهِ ... وَالنُّطْقُ صَاحَ وَلُبُّ الْمَرْءِ سَكْرَانُ) لَقِيَ رَاهِبٌ رَاهِبًا فَقَالَ: أَتَرْضَى حَالَتَكَ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا لِلْمَوْتِ؟ قَالَ: لا. قَالَ: فَهَلْ عَزَمْتَ عَلَى تَوْبَةٍ مِنْ غَيْرِ تَسْوِيفٍ؟ قَالَ: لا. قَالَ: فَهَلْ تَعْلَمُ دَارًا تَعْمَلُ فِيهَا سِوَى هَذِهِ؟ قَالَ: لا. قَالَ: فَهَلْ لِلإِنْسَانِ نَفْسَانِ إِذَا مَاتَتْ وَاحِدَةٌ عَمِلَ بِالأُخْرَى؟ قَالَ: لا. قَالَ: فَهَلْ تَأْمَنُ هُجُومَ الْمَوْتِ عَلَى حَالَتِكَ هَذِهِ؟ قال: لا.

стр. 568

قَالَ: فَمَا أَقَامَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ عَاقِلٌ! صَعِدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ عَلَى يَقِينٍ فَأَنْتُمْ حَمْقَى، وَإِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ فَأَنْتُمْ هَلْكَى. ثُمَّ نَزَلَ. وَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ فَقَالَ: مَا بِكَ؟ قَالَ: أَمْرَاضٌ وَأَعْلالٌ. قَالَ: لَتَصْدُقَنِّي قَالَ: ذُقْتُ حَلاوَةَ الدُّنْيَا مُرًّا (وَهَبْنِي كَتَمْتُ الْحَقَّ إِذْ قُلْتُ غَيْرَهُ ... أَتَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْعُقُولِ السَّرَائِرُ) (أَيَا ذَاكَ إِنَّ السِّرَّ فِي الْوَجْهِ نَاطِقٌ ... وَإِنَّ ضَمِيرَ الْقَلْبِ فِي الْعَيْنِ ظَاهِرُ) قَالَ صَالِحٌ الْمُرِّيُّ: كَانَ عَطَاءٌ السُّلَمِيُّ قَدِ اجْتَهَدَ حَتَّى انْقَطَعَ فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: إِنِّي مُكْرِمُكَ بِكَرَامَةٍ فَلا تَرُدَّ كَرَامَتِي. فَبَعَثْتُ إِلَيْهِ شَرْبَةً مِنْ سَوِيقٍ مَعَ وَلَدِي وَقُلْتُ لَهُ لا تَبْرَحْ حَتَّى يَشْرَبَهَا. فَجَاءَ فَقَالَ قَدْ شَرِبَهَا. فَبَعَثْتُ لَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِثْلَهَا فَجَاءَ فَقَالَ مَا شَرِبَهَا. فَأَتَيْتُ إِلَيْهِ فَلُمْتُهُ وَقُلْتُ: رَدَدْتَ عَلَيَّ كَرَامَتِي وَهَذَا يُقَوِّيكَ عَلَى الْعِبَادَةِ. فَقَالَ: يَا أَبَا بِشْرٍ لَقَدْ شَرِبْتُهَا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ وَاجْتَهَدْتُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلَمْ أَقْدِرْ، كُلَّمَا هَمَمْتُ بِشُرْبِهَا ذَكَرْتُ قوله تعالى: " وطعاما ذا غصة " قَالَ: فَقُلْتُ أَنَا فِي وَادٍ وَأَنْتَ فِي وَادٍ! (أَطَلْتَ وَعَنَّفْتَنِي يَا عَذُولُ ... بَلَيْتَ فَدَعْنِي حَدِيثِي طَوِيلُ) (هَوَايَ هَوَى بَاطِنٍ ظَاهِرٌ ... قَدِيمٌ حَدِيثٌ لَطِيفٌ جَلِيلُ) (أَلا مَا لِذَا اللَّيْلِ لا يَنْقَضِي ... كَذَا لَيْلُ كُلِّ مُحِبٍّ طَوِيلُ) (أَبِيتُ أُسَاهِرُ نَجْمَ الدُّجَى ... إِلَى الصُّبْحِ وَحْدِي وَدَمْعِي يَسِيلُ) للَّهِ دَرُّ تِلْكَ الْقُلُوبِ الطَّاهِرَةِ، أَنْوَارُهَا فِي ظَلامِ الدُّجَى ظَاهِرَةٌ، رَفَضَتْ حِلْيَةَ الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَتْ فَاخِرَةً، كَمْ تَرَكَتْ شَهْوَةً وَهِيَ عَلَيْهَا قَادِرَةٌ، بَاتَتْ عُيُونُهَا وَالنَّاسُ نِيَامٌ سَاهِرَةً، زَفَرَاتُ الْخَوْفِ تُثِيرُ سَحَائِبَ الأَجْفَانِ الْمَاطِرَةَ، يَنْدُبُونَ عَلَى الذُّنُوبِ وَإِنْ كَانَتْ نَادِرَةً، كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ يَا بَائِعَ الآخِرَةِ، شَيْبٌ وَعَيْبٌ أمثال

стр. 569

سَائِرَةٌ، أَمَلٌ مَعَ هَرَمٍ هَذِهِ نَادِرَةٌ، كَمْ أَقْوَامٍ أَمَّلُوا هَذَا الشَّهْرَ فَخَابَ الأَمَلُ، أَيْنَ هم خلوا فِي الأَلْحَادِ بِالْعَمَلِ، تَاللَّهِ إِنَّ نِسْيَانَ النُّقَلِ فِي الْعَقْلِ خَلَلٌ، أَمَا يَكْفِي زَجْرُ الْمُقِيمِ بِمَنْ رَحَلَ: (كُلُّ حَيٍّ فَقِصَارَاهُ الأَجَلْ ... لَيْسَ لِلْخَلْقِ بِذَا الْمَوْتِ قِبَلْ) (نُوَبٌ قُلْنَ لِعَادٍ قَبْلَنَا ... آنَ مِنْ ذَاتِ الْعِمَادِ الْمُرْتَحَلْ) (وَاسْتَوَى مِنْ ذَلِكَ الشِّرْبُ الَّذِي ... صَارَ عَلا لِسِوَاهُمْ وَنَهَلْ) (أَلْبَسَتْ نَاسًا سِوَاهُمْ حَلْيَهُمْ ... ثُمَّ بَزَّتْهُ فَرَاحُوا بِالْعَطَلْ) (فَكَأَنَّ الدَّهْرَ لَمْ يَجْمَعْ لَهُمْ ... رَغَدَ الْعَيْشِ وَإِعْزَازَ الدُّوَلْ) (فَاسْأَلِ الإِيوَانَ عَنْ أَرْبَابِهِ ... كَيْفَ حَلَّتْ بِهِمْ تِلْكَ الرِّحَلْ) (نَقَلَتْهُمْ عَنْ فَضَاءٍ وَاسِعٍ ... يَسْرَحُ الطَّرْفُ بِهِ حَتَّى يَمِلْ) (نَحْنُ أَعْرَاضُ خُطُوبٍ إِنْ رَمَتْ ... عَادَتِ الأدراع لينا كالحلل) (وإذا ما اختلفت أَسْهُمُهَا ... فَأَصَابَتْ بَطَلَ الْقَوْمِ بَطَلْ) يَا مَنْ عُمْرُهُ قَدْ وَهَى فِي سِلْكِ الْهَوَى فَهُوَ مُتَهَافِتٌ، مَتَى تَسْتَدْرِكُ فِي هَذِهِ الْبَقِيَّةِ بِالتُّقْيَةِ الْفَائِتَ، مَتَى يَشْبَعُ النَّوْمُ فَتَجْتَمِعُ الْهُمُومُ الشَّتَائِتُ، أَيُّهَا الْمَرِيضُ الْبَالِي وَمَا يُبَالِي بِوَصْفِ نَاعِتٍ، إِلَى مَتَى أَنْتَ بِالْعُيُوبِ إِلَى عَلامِ الْغُيُوبِ مُتَمَاقِتٌ، مُتَعَرِّضٌ صَبَاحًا لِلسَّاخِطِ وَمَسَاءً لِلْمَاقِتِ، وَتَعْمَلُ بالأغراض في الإعراض عمل الصفارات. يَا مُتَكَلِّمًا فِي ضُرِّهِ فَأَمَّا فِي نَفْعِهِ فَسَاكِتٌ، كُلَّمَا نَقَصَ أَجَلُهُ زَادَ أَمَلُهُ وَهَذَا مُتَفَاوِتٌ، أَمَا رَأَيْتَ الْمَنَايَا تَحْصِدُ الْمُنَى فِي الْمَنَابِتِ، كَمْ مُقَهْقِهٍ رَجَعَ الْقَهْقَرَى إِلَى حُزْنٍ بَاكِتٍ، كَأَنَّكَ بِالْمَوْتِ إِذْ ثَوَى قَدْ فَزَّعَ الثَّوَابِتَ، وَنَزَلَ بِكَ إِذْ نَزَلَ بِكَ إِلَى حَيْرَةِ بَاهِتٍ، يَا جَاهِلا قَدْ غُرَّ لَقَدْ سُرَّ بِفِعْلِكَ الشَّامِتُ: (كَأَنَّكَ بِالْمُضِيِّ إِلَى سَبِيلِكْ ... وقد جد الْمُجَهِّزُ فِي رَحِيلِكْ) (وَجِيءَ بِغَاسِلٍ فَاسْتَعْجَلُوهُ ... بِقَوْلِهِمْ لَهُ افْرُغْ مِنْ غَسِيلِكْ) (وَلَمْ تَحْمِلْ سِوَى خِرَقٍ وَقُطْنٍ ... إِلَيْهِمْ مِنْ كَثِيرِكَ أَوْ قَلِيلِكْ) (وَقَدْ مَدَّ الرِّجَالُ إِلَيْكَ نَعْشًا ... فَأَنْتَ عَلَيْهِ ممتدا بطولك)

стр. 570

(وَصَلَّوْا ثُمَّ إِنَّهُمْ تَدَاعَوْا ... بِحَمْلِكَ فِي بُكُورِكَ أَوْ أَصِيلِكْ) (فَلَمَّا أَسْلَكُوكَ نَزَلْتَ قَبْرًا ... وَمَنْ لَكَ بِالسَّلامَةِ فِي نُزُولِكْ) (أَعَانَكَ يَوْمَ تَدْخُلُهُ رحيم ... رؤوف بِالْعِبَادِ عَلَى دُخُولِكْ) (فَسَوْفَ تُجَاوِرُ الْمَوْتَى طَوِيلا ... فَدَعْنِي مِنْ قَصِيرِكَ أَوْ طَوِيلِكْ) (أَخِي إِنِّي نَصَحْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِي ... وَبِاللَّهِ اسْتَعَنْتُ عَلَى قَبُولِكْ) (أَلَسْتَ تَرَى الْمَنَايَا كُلَّ يَوْمٍ ... تُصِيبُكَ فِي أَخِيكَ وَفِي خَلِيلِكْ) إِخْوَانِي: هَذِهِ أَيَّامٌ تُصَانُ، هِيَ كَالتَّاجِ عَلَى رَأْسِ الزَّمَانِ، وَصَلَ تَوْقِيعُ الْقِدَمِ مِنَ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أنزل فيه القرآن﴾ . يَا لَهُ مِنْ وَقْتٍ عَظِيمِ الشَّانِ تَجِبُ حِرَاسَتُهُ مِمَّا إِذَا حَلَّ شَانَ، كَأَنَّكُمْ بِهِ قَدْ رَحَلَ وَبَانَ وَوَجْهُ الصُّلْحِ مَا بَانَ ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ . مِنَ اللازِمِ فِيهِ أَنْ تُحْرَسَ الْعَيْنَانِ، وَمِنَ الْوَاجِبِ أَنْ يُحْفَظَ اللِّسَانُ، وَمِنَ الْمُتَعَيَّنِ أَنْ تَمْنَعَ مِنَ الْخُطَى فِي الْخَطَا الْقَدَمَانِ ﴿شَهْرُ رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ . زِنُوا أَفْعَالَكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ بِمِيزَانٍ، وَاشْتَرُوا خَلاصَكُمْ بِمَا عَزَّ وَهَانَ، فَإِنْ عَجَزْتُمْ فَسَلُوا الْمُعِينَ وَقَدْ أَعَانَ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فيه القرآن﴾ . قَدْ ذَهَبَ نِصْفُ الْبِضَاعَةِ فِي التَّفْرِيطِ وَالإِضَاعَةِ، وَالتَّسْوِيفُ يَمْحَقُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بحسبان ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ . يَا وَاقِفًا فِي مَقَامِ التَّحَيُّرِ هَلْ أَنْتَ عَلَى عَزْمِ التَّغَيُّرِ؟ إِلَى مَتَى تَرْضَى بِالنُّزُولِ فِي مَنْزِلِ الْهَوَانِ. هَلْ مَضَى مِنْ يَوْمِكَ يَوْمٌ صَالِحٌ سَلِمْتَ فِيهِ مِنْ جَرَائِمِ الْقَبَائِحِ، تَاللَّهِ لَقَدْ سَبَقَ الْمُتَّقِي الرَّابِحُ وَأَنْتَ رَاضٍ بِالْخُسْرَانِ. عَيْنُكَ مُطْلَقَةٌ فِي الْحَرَامِ، وَلِسَانُكَ مُنْبَسِطٌ فِي الآثَامِ، وَلأَقْدَامِكَ عَلَى الذُّنُوبِ إِقْدَامٌ، وَالْكُلُّ مُثْبَتٌ فِي الدِّيوَانِ. قَلْبُكَ غَائِبٌ فِي صَلَوَاتِكَ وَفِكْرُكَ يَنْقَضِي فِي شَهَوَاتِكَ، فَإِنْ رَكِنَ إِلَيْكَ مُعَامِلٌ فِي مُعَامَلاتِكَ دَخَلْتَ بِهِ خَانَ مَنْ خَانَ أَكْثَرُ كَلامِكَ لَغْوٌ وَهَذَرٌ، وَالْوَقْتُ بِالتَّفْرِيطِ شذر مذر،

стр. 571

وَإِنِ اغْتَبْتَ مُسْلِمًا لَمْ تُبْقِ وَلَمْ تَذَرْ، الأَمَانَ مِنْكَ الأَمَانَ. تَاللَّهِ لَوْ عَقِلْتَ حَالَكَ أَوْ ذَكَرْتَ ارْتِحَالَكَ أَوْ تَصَوَّرْتَ أَعْمَالَكَ لَبَنَيْتَ بَيْتَ الأَحْزَانِ: سَيَشْهَدُ رَمَضَانُ عَلَيْكَ بِنُطْقِ لِسَانِكَ ونظر عينيك، وسيشار يوم الجمع إِلَيْكَ شَقِيَ فُلانٌ وَسَعِدَ فُلانٌ. فِي كُلِّ لَحْظَةٍ تَقْرُبُ مِنْ قَبْرِكَ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ فِي تَدْبِيرِ أَمْرِكَ، وَمَا أَرَاكَ إِلا كَأَوَّلِ شَهْرِكَ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ سِيَانٌ، قَدْ ذَهَبَ مِنَ الشَّهْرِ النِّصْفُ وَمَا أَرَى مِنْ عَمَلِكَ النَّصْفَ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَاضِي قَدْ قَبُحَ الْوَصْفُ فَقُمِ الآن. والحمد لله وحده.

стр. 572

المجلس الثامن فِي ذِكْرِ الْعَشْرِ وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ الْحَمْدُ للَّهِ عالم السِّرَّ وَالْجَهْرَ، وَقَاصَمَ الْجَبَابِرَةَ بِالْعِزِّ وَالْقَهْرِ، مُحْصِي قَطَرَاتِ الْمَاءِ وَهُوَ يَجْرِي فِي النَّهْرِ، فَضَّلَ بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى أَوْقَاتَ الدَّهْرِ ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ . فهو المتفرد بِإِيجَادِ خَلْقِهِ الْمُتَوَحِّدُ بِإِدْرَارِ رِزْقِهِ، الْقَدِيمُ فَالسَّبْقُ لِسَبْقِهِ، الْكَرِيمُ فَمَا قَامَ مَخْلُوقٌ بِحَقِّهِ، عَالِمٌ بِسِرِّ الْعَبْدِ وَسَامِعٌ نُطْقَهُ، وَمُقَدِّرٌ عِلْمَهُ وَعَمَلَهُ وَعُمْرَهُ وَفِعْلَهُ وَخَلْقَهُ، وَمُجَازِيهِ عَلَى عَيْبِهِ وَذَنْبِهِ وَكَذِبِهِ وَصِدْقِهِ، الْمَالِكُ الْقَهَّارُ فَالْكُلُّ فِي أَسْرِ رِقِّهِ، الْحَلِيمُ السَّتَّارُ فَالْخَلْقُ فِي ظِلِّ رِفْقِهِ، أَرْسَلَ السَّحَابَ تُخَافُ صَوَاعِقُهُ وَيُطْمَعُ فِي وَدْقِهِ، يُزْعِجُ الْقُلُوبَ رَوَاعِدُهُ وَيَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ، جَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَالْقَمَرَ نُورًا بَيْنَ غَرْبِهِ وَشَرْقِهِ. أَحْمَدُهُ عَلَى الْهُدَى وَتَسْهِيلِ طُرُقِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي رَتْقِهِ وَفَتْقِهِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ وَالضَّلالُ عَامٌّ فَمَحَاهُ بِمَحْقِهِ، ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ السَّابِقِ بِصِدْقِهِ، وَعَلَى عُمَرَ كَاسِرِ كِسْرَى بِتَدْبِيرِهِ وَحِذْقِهِ، وَعَلَى عُثْمَانَ جَامِعِ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَبْدِيدِهِ فِي رِقِّهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ وَاعْذُرُونَا فِي عِشْقِهِ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ مُشَارِكِهِ فِي أَصْلِهِ وَعِرِقْهِ. قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ . الهاء في ﴿أنزلناه﴾ كِنَايَةٌ عَنِ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أُنْزِلَ جُمْلَةً فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ وَهُوَ بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا.

стр. 573

وَفِي تَسْمِيَتِهَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا لَيْلَةُ الْعَظَمَةِ، يُقَالُ: لِفُلانٍ قَدْرٌ. قَالَهُ الزُّهْرِيُّ. وَيَشْهَدُ لَهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قدره﴾ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ الضِّيقُ. أَيْ هِيَ لَيْلَةٌ تَضِيقُ فِيهَا الأَرْضُ عَنِ الْمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ. قَالَهُ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَيَشْهَدُ لَهُ: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عليه رزقه﴾ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْقَدْرَ الْحُكْمُ كَأَنَّ الأَشْيَاءَ تُقَدَّرُ فِيهَا. قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وَالرَّابِعُ: لأَنَّ مَنْ لم يكن قدر صار بمراعاتها إذا قَدْرٍ. قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ. وَالْخَامِسُ: لأَنَّهُ نَزَلَ فِيهَا كِتَابٌ ذُو قَدْرٍ وَيَنْزِلُ فِيهَا رَحْمَةٌ ذَاتُ قَدْرٍ وَمَلائِكَةٌ ذَوُو قَدْرٍ. حَكَاهُ شَيْخُنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَهَا وَالتَّشْوِيقِ إلى خبرها. في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شهر﴾ قولان: أحدهما: أنها مِنْ زَمَانِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ فِي ذَلِكَ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا مَا رَوَاهُ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذُكِرَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَمَلَ السِّلاحَ عَلَى عَاتِقِهِ أَلْفَ شَهْرٍ فَعَجِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِذَلِكَ وَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أُمَّتِهِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَقَالَ: هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ الَّتِي حَمَلَ فِيهَا الإِسْرَائِيلِيُّ السِّلاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِيمَا مَضَى لا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ عَابِدٌ حَتَّى يَعْبُدَ اللَّهَ أَلْفَ شَهْرٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِيهَا.

стр. 574

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الأَلْفَ شَهْرٍ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: قِيَامُهَا وَالْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ أَلْفِ شَهْرٍ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ وَصِيَامِهَا لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. وَهَذَا قَوْلُ قتادة واختيار الْفَرَّاءُ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَالزَّجَّاجُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح﴾ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الْمَلائِكَةُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى. وَفِي الرُّوحِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ جِبْرِيلُ. قَالَهُ الأَكْثَرُونَ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ فِي كَبْكَبَةٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ يُصَلُّونَ وَيُسَلِّمُونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ قَائِمٍ أَوْ قاعد يذكر اللَّهِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الرُّوحَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ لا تَرَاهُمُ الْمَلائِكَةُ إِلا تِلْكَ اللَّيْلَةَ يَنْزِلُونَ مِنْ لَدُنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ. قَالَهُ كَعْبٌ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مَلَكٌ عَظِيمٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ. قَالَهُ الواقدي. قوله تعالى: ﴿فيها﴾ أَيْ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. قَوْلُهُ : " بإذن ربهم " أَيْ بِأَمْرِ رَبِّهِمْ وَالْمَعْنَى: مَا أَمَرَ بِهِ وقضاه. ﴿من كل أمر﴾ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَيْ بِكُلِّ أَمْرٍ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يَنْزِلُونَ بِكُلِّ أَمْرٍ قَضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تِلْكَ السَّنَةِ إِلَى قَابِلُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سلام هي﴾ أَيْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ سَلامٌ. وَفِي مَعْنَى السَّلامِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لا يَحْدُثُ فِيهَا دَاءٌ وَلا يُرْسَلُ فِيهَا شَيْطَانٌ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ: وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى السَّلامِ الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَاعْلَمْ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ هِيَ أَوْ فِي غَيْرِهِ؟ قَالَ: بَلْ هِيَ فِي رَمَضَانَ. قُلْتُ: تَكُونُ مَعَ الأَنْبِيَاءِ مَا كَانُوا فَإِذَا قُبِضُوا رُفِعَتْ أَمْ هِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: بَلْ هِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قُلْتُ: فِي

стр. 575

أَيِّ رَمَضَانَ هِيَ؟ قَالَ: الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأُوَلِ وَالْعَشْرِ الأُخَرِ. قُلْتُ: فِي أَيِّ الْعُشْرَيْنِ هِيَ؟ قَالَ: ابْتَغُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، لا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدُ. ثُمَّ حَدِّثْ وَحَدِّثْ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي عَلَيْكَ لَمَا أَخْبَرْتَنِي فِي أَيِّ الْعَشْرِ هِيَ؟ فَغَضِبَ عَلَيَّ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ عَلَيَّ مِثْلَهُ قَالَ: " الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ لا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا ". وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ. أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ بِسَنَدِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ: هِيَ لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ لا شَكَّ فِيهَا. ثُمَّ قَالَ: لَيْلَةُ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ وَأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالأَفْرَادِ وَاخْتَلَفُوا فِي الأَخَصِّ بِهَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إِلَى لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ: أُرِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيَهَا قَالَ: أَرَانِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وطين. فوالذي أكرامه لَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي بِنَا صَلاةَ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَإِنَّ جَبْهَتَهُ وَأَرْنَبَةَ أَنْفِهِ لَفِي الْمَاءِ وَالطِّينِ. وَالثَّانِي: لَيْلَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي أَفْرَادِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " أَرَانِي صَبِيحَتَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ " فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ. وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ بِسَنَدِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُتِيتُ وَأَنَا نَائِمٌ فَقِيلَ لِي: إِنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ. فَقُمْتُ وَأَنَا نَاعِسٌ فَتَعَلَّقْتُ بِبَعْضِ أَطْنَابِ فُسْطَاطِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ يُصَلِّي فَنَظَرْتُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَإِذَا هِيَ لَيْلَةُ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْضَحُ الْمَاءَ فِي وُجُوهِ نِسَائِهِ لَيْلَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ من رمضان.

стр. 576

تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ أَبُو بَحْرٍ. وَالثَّالِثُ: لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَرَوَى هَذَا الْمَعْنَى أَبُو بَكْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالرَّابِعُ: لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيًا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ". أَوْ قَالَ: تَحَرُّوهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَحَلَفَ لا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. فَقُلْتُ: بِمَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ فَقَالَ: بِالآيَةِ أَوْ بِالْعَلامَةِ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهَا تُصْبِحُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ تَطْلُعُ الشَّمْسُ وَلَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ بِسَنَدِهِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ قَالَ: قلت لأبي بن كعب: أَبَا الْمُنْذِرِ أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، قَالَ: صَاحِبُنَا يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْهَا قَالَ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا. فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَلَكِنْ أَحَبَّ أَنْ لا تَتَّكِلُوا وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ لَمْ يَسْتَثْنِ قُلْتُ: أَبَا الْمُنْذِرِ أَنَّى أَعْلَمُ ذَلِكَ؟ قَالَ: بِالآيَةِ الَّتِي قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ تَطْلُعُ الشَّمْسُ لا شُعَاعَ لَهَا كَأَنَّهَا طَسْتٌ حَتَّى تَرْتَفِعَ. لَفْظُ الْمُقَدَّمِيِّ. قَالَ ابْنُ نَاصِرٍ: عَالٍ صَحِيحٌ. أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بِسَنَدِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلا أَتَى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ يَشُقُّ عَلَيَّ الْقِيَامُ فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ لَعَلَّ اللَّهَ أن يوفقني فيها لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالسَّابِعَةِ. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ بِسَنَدِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سبع وعشرين ".

стр. 577

وهذا مذهب علي ﵇ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ السَّبْعَةَ تَتَكَرَّرُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، فالأرض سبع. والثاني: أن قوله " هي " هِيَ الْكَلْمَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ. وَقَالَ عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ: ذُقْتُ مَاءَ الْبَحْرِ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَوَجَدْتُهُ عَذْبًا. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ تَكَرَّرَتْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَهِيَ تِسْعَةُ أَحْرُفٍ، وَالتِّسْعَةُ إِذَا كُرِّرَتْ ثَلاثًا كَانَتْ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ. وَالْخَامِسُ: مَشْكُوكٌ فِيهِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلاحَى رَجُلانِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلاحَى رَجُلانِ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ أَوِ السَّابِعَةِ أَوِ الْخَامِسَةِ ". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا حَيْوَةُ، عَنِ ابْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ بَقِيَّةَ، عَنْ بُجَيْرِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي مَنْ قَامَهُنَّ ابْتِغَاءَ حِسْبَتِهِنَّ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَهِيَ لَيْلَةٌ وَتْرٌ تِسْعٌ أَوْ سَبْعٌ أَوْ خَامِسَةٌ أَوْ ثَالِثَةٌ أَوْ آخِرُ لَيْلَةٍ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ أَمَارَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا صَافِيَةٌ كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا سَاكِنَةٌ صَاحِيَةٌ لا بَرْدَ فِيهَا وَلا حَرَّ، وَلا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، وَإِنَّ أَمَارَتَهَا أَنَّ صَبِيحَتَهَا تَخْرُجُ مُسْتَوِيَةً لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ ". قَالَ أَحْمَدُ: وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ عِمْرَانَ الْقَطَّانِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِنَّهَا

стр. 578

لَيْلَةٌ سَابِعَةٍ أَوْ تَاسِعَةٍ وَعِشْرِينَ إِنَّ الْمَلائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي وَيَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْمُدِيرُ بِسَنَدِهِمَا عَنْ حُمَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " اطْلُبُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ وَآخِرِ لَيْلَةٍ، وَهِيَ لَيْلَةٌ بَلْجَةٌ لا حَارَّةٌ وَلا بَارِدَةٌ وَلا يُرْمَى فِيهَا بِنَجْمٍ وَلا يَنْبَحُ فِيهَا كَلْبٌ ". أَخْبَرَنَا الْكَرُوخِيُّ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: ذُكِرَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ عِنْدَ أَبِي بَكْرَةَ فَقَالَ: مَا أَنَا بِمُلْتَمِسِهَا لِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " الْتَمِسُوهَا فِي تِسْعٍ بَقِينَ أَوْ سَبْعٍ بَقِينَ أَوْ خَمْسٍ بَقِينَ أَوْ ثَلاثٍ بَقِينَ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الإِنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كُنَّا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَخَفَقَ رَأْسَهُ خَفْقَةً فَقَالَ: أَيُّ لَيْلَةٍ هَذِهِ؟ قُلْنَا لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. قَالَ: اللَّيْلَةُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لأَنَّ الْمَلائِكَةَ نَزَلُوا مِنَ السَّمَاءِ وَعَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضٌ. قُلْتُ: وَالْحِكْمَةُ فِي إِخْفَائِهَا أَنْ يَتَحَقَّقَ اجْتِهَادُ الطَّالِبِ كَمَا أُخْفِيَتْ سَاعَةُ اللَّيْلِ وَسَاعَةُ الْجُمُعَةِ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ مَا لا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ كَانَ يَسْهَرُ لَيْلَهُ وَيَحْمِلُ كَلَّهُ فَيَشُدُّ مِئْزَرَهُ وَيَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ. وَقَدْ أَخْبَرَنَا أبوعبد اللَّهِ السَّلالُ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ".

стр. 579

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ بِسَنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ وَيُوقِظُ أَهْلَهُ وَيَشُدُّ الْمِئْزَرَ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ مَا لا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ . وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حديث ابن عمر قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَشْرَ الأُوَلَ مِنْ رَمَضَانَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ". وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ". قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَمَا أَدْعُو؟ فَقَالَ: " قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي ". وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَتَأَهَّبُونَ لَهَا. فَكَانَ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ حُلَّةٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يَلْبَسُهَا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرْجَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. وَكَانَ ثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ يَغْتَسِلانِ وَيَتَطَيَّبَانِ وَيَلْبَسَانِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِمَا وَيُطَيِّبَانِ مَسَاجِدَهُمَا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. إِخْوَانِي: وَاللَّهِ مَا يَغْلُو فِي طَلَبِهَا عَشْرٌ، لا وَاللَّهِ وَلا شَهْرٌ، لا وَاللَّهِ وَلا دَهْرٌ. فَاجْتَهِدُوا فِي الطَّلَبِ فَرُبَّ مُجْتَهِدٍ أَصَابَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵄ قَالَ: لما

стр. 580

دَخَلَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْكُمْ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلا كُلُّ مَحْرُومٍ ". الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ (اكْدَحْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ الْمَوْتِ فِي مَهَلٍ ... وَلا تَكُنْ جَاهِلا فِي الْحَقِّ مُرْتَابَا) (إِنَّ الْمَنِيَّةَ مَوْرُودٌ مَنَاهِلُهَا ... لا بُدَّ مِنْهَا وَلَوْ عُمِّرْتَ أَحْقَابَا) (وَفِي اللَّيَالِي وَفِي الأَيَّامِ تِجْرِبَةٌ ... يَزْدَادُ فِيهَا أُولُو الأَلْبَابِ أَلْبَابَا) (بَعْدَ الشَّبَابِ يَصِيرُ الصَّلْبُ مُنْحَنِيًا ... وَالشَّعْرُ بَعْدَ سَوَادٍ كَانَ قَدْ شَابَا) (يُفْنِي النُّفُوسَ وَلا يُبْقِي عَلَى أَحَدٍ ... لَيْلٌ سَرِيعٌ وَشَمْسٌ كَرُّهَا دَابَا) (لِمُسْتَقَرٍّ وَمِيقَاتٍ مُقَدَّرَةٍ ... حَتَّى يَعُودَ شُهُودُ النَّاسِ غُيَّابَا) (وَمَنْ تَعَاقَرُهُ الأَيَّامُ تُبْدِلُهُ ... بِالْجَارِ جَارًا وَبِالأَصْحَابِ أَصْحَابَا) (خَلَّوْا بُرُوجًا وَأَوْطَانًا مُشَيَّدَةً ... وَمُؤْنِسِينَ وَأَصْهَارًا وَأَنْسَابَا) (فَيَا لَهُ سَفَرًا بُعْدًا وَمُغْتَرَبًا ... كُسِيتَ مِنْهُ لِطُولِ النَّأْيِ أَثْوَابَا) (بِمُوحِشٍ ضَيِّقٍ نَاءٍ مَحَلَّتُهُ ... وَلَيْسَ مِنْ حِلِّهِ مِنْ غَيْبَةٍ آبَا) (كَمْ مَنْ مَهِيبٍ عَظِيمِ الْمُلْكِ مُتَّخِذٍ ... دُونَ السرادق حراساً وحجابا) (أَضْحَى ذَلِيلا صَغِيرَ الشَّأْنِ مُنْفَرِدًا ... وَمَا يُرَى عِنْدَهُ فِي الْقَبْرِ بَوَّابَا) (وَقَبْلَكَ النَّاسُ قَدْ عَاشُوا وَقَدْ هَلَكُوا ... فَأَضْرَبَ الْحَيُّ عَنْ ذِي النأي إضرابا) (يا أيها الرَّجُلُ النَّاسِي لِمَصْرَعِهِ ... أَصْبَحْتَ مِمَّا سَتَلْقَى النَّفْسُ هَرَّابَا) (اكْدَحْ لِنَفْسِكَ مِنْ دَارٍ تُزَايِلُهَا ... وَلا تَكُنْ لِلَّذِي يُؤْذِيكَ طَلابَا) يَا مَنْ أَمَلُهُ إِلَى أَجَلِهِ يَقُودُهُ، أَنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ نَيْلِ مَا تُرِيدُهُ، كَمْ مِنْ غُصْنٍ غَضٍّ كُسِرَ عُودُهُ، كَمْ مَلِكٍ عَاتٍ تَفَرَّقَتْ جُنُودُهُ، لقط طَرَقَ الْمَوْتُ الْغَيْلَ فَهَلَكَتْ أُسُودُهُ، كَمْ هَدَّ الْمَوْتُ مِنْ جَبَلٍ، كَمْ رَحَّلَ إِلَى الْقُبُورِ وَنَقَلَ، فَرَّغَ الْمَنَازِلَ وَأَخْلَى

стр. 581

الْحُلَلَ وَأَعْرَى فِي الْعَرَاءِ أَصْحَابَ الْحُلَلِ، وَنَقَضَ بِمِعْوَلِ التَّلَفِ رُكْنَ الأَمَلِ، وَمَحَا مِنْ كِتَابِ اللَّهْوِ سُطُورَ الْجَذَلِ، وَصَاحَ بِصَوْتِهِ الْهَائِلِ: جَاءَ الأَجَلُ، لَقَدْ غَرَّكَ مِنَ الأَمَانِي لُمُوعُهَا وَإِنَّ أَشْقَى النُّفُوسِ طُمُوعُهَا، إِنَّهَا الدُّنْيَا قَدْ صُرَّتْ ضُرُوعُهَا، وَكَمْ جَرَّ جَرِيرَةً مَا جُنِيَ جُرُوعُهَا، طوبى لنفسي طَالَ عَنْهَا جُوعُهَا، وَصَفَتْ لَهَا الْجَنَّةُ فَاشْتَدَّ نُزُوعُهَا، تَفَكَّرَتْ فِي تَقْصِيرِهَا فَسَالَتْ دُمُوعُهَا، مَا عِنْدَكَ خَبَرٌ مِمَّا تَحْوِي ضُلُوعُهَا: (أَرَأَيْتَ مِنْ دَاءِ الصَّبَابَةِ عَائِدًا ... وَوَجَدْتَ فِي شَكْوَى الْغَرَامِ مُسَاعِدَا) (هَيْهَاتَ مَا تَرِدُ الْمَطَالِبُ نَائِمًا ... عَنْهَا وَلا تَصِلُ الْكَوَاكِبُ قَاعِدَا) إِنَّ جَوَاهِرَ الأَشْيَاءِ يُظْهِرُهَا سَبْكُهَا، وَإِنَّ قُلُوبَ الْمُوقِنِينَ قَدْ زَالَ شَكُّهَا، يَا ذَا الْكَسَلِ هَذَا زَمَانُ النَّشَاطِ، يَا ذَا الأَنَفَةِ إِنَّ لِلتَّوْبِيخِ أَلَمَ السِّيَاطِ. إِخْوَانِي: رَاعُوا حَقَّ هَذِهِ الأَيَّامِ مَهْمَا أَمْكَنَكُمْ، وَاشْكُرُوا الَّذِي وَهَبَ لَكُمُ السَّلامَ وَمَكَّنَكُمْ، فَكَمْ مُؤَمِّلٍ لَمْ يَبْلُغْ مَا أَمَّلَ، وَإِنْ شَكَكْتَ فَتَلَمَّحْ جِيرَانَكَ وَتَأَمَّلْ، كَمْ مِنْ أُنَاسٍ صَلَّوْا مَعَكُمْ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ التَّرَاوِيحَ، وَأَوْقَدُوا فِي المساجد طلبا للأجر المصابيح، اقتضهم قَبْلَ تَمَامِهِ الصَّائِدُ فَقُهِرُوا، وَأَسَرَتْهُمُ الْمَصَايِدُ فَأُسِرُوا، وَغَمَسَهُمُ التَّلَفُ فِي بَحْرِهِ فَمُقِلُوا، وَلَمْ يَنْفَعْهُمُ الْمَالُ وَالآمَالُ لَمَّا نُقِلُوا، أَدَارَتْ عَلَيْهِمُ الْمَنُونُ رَحَاهَا، وَحَكَّ وُجُوهَهُمُ الثَّرَى فَمَحَاهَا، فَأَعْدَمَتْهُمْ صَوْمًا وَفِطْرًا، وَزَوَّدَتْهُمْ مِنَ الْحَنُوطِ عِطْرًا، وَأَصْبَحَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي اللَّحْدِ سَطْرًا، هَذَا حَالُكَ يَا مَنْ لا يَعْقِلُ أَمْرًا، كَمْ تُحَرَّضُ وَمَا يَنْفَعُ التَّحْرِيضُ، وَنُعَرِّضُ لَكَ بِاللَّوْمِ وَمَا يُجْدِي التَّعْرِيضُ، يَا مَنْ لا يَنْتَبِهُ بِالتَّصْرِيحِ وَلا بِالتَّعْرِيضِ، يَا مُتَعَوِّضًا مَا يَفْنَى عَمَّا يَبْقَى بئس التعويض، يا مُسَوِّدًا صَحَائِفَهُ مَتَى يَكُونُ التَّبْيِيضُ، قَدْ أَمْهَلْنَاكَ فِي الزَّمَانِ الطَّوِيلِ الْعَرِيضِ، كَمْ يُقَالُ لَكَ ولا تقبل، والحر تَكْفِيهِ الْمَلامَةُ، أَمَارَةُ الْخَيْرِ مَا تَخْفَى، طَرَفُ الْفَتَى يُخْبِرُ عَنْ ضَمِيرِهِ، تَاللَّهِ إِنَّ رَائِضَكَ لمتقف يَضَعُ الْهِنَاءَ مَوَاضِعَ النَّقْبِ، لَوِ ارْعَوَيْتَ لاسْتَوَيْتَ، لَوْ صَحَّ مِنْكَ الْهَوَى أُرْشِدْتَ لِلْحِيَلِ، زَاحِمِ التَّائِبِينَ وَادْخُلْ فِي حِزْبِ الْبَكَّائِينَ، وَكُلُّ غَرِيبٍ للغريب نسيب.

стр. 582

قال يحيى بن معاذ: يا بن آدم طلبت الدنيا طلب من لا بد له منها، وطلبت الآخرة طلب من لا حاجة له إليها، والدنيا قَدْ كُفِيتَهَا وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْهَا، وَالآخِرَةُ بِالطَّلَبِ منك تنالها، فاعقل شأنك يا بن آدَمَ، حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَأَنْتَ تَكْرَهُهَا، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَأَنْتَ تَطْلُبُهَا، فَمَا أَنْتَ إِلا كَالْمَرِيضِ الشَّدِيدِ الدَّاءُ، إِنْ صَبَرَتْ نَفْسُهُ عَلَى مَضَضِ الدَّوَاءِ اكْتَسَبَتْ بِالصَّبْرِ عَافِيَةَ الشِّفَاءِ، وَإِنْ جَزَعَتْ نَفْسُهُ مِمَّا يَلْقَى طَالَتْ بِهِ عِلَّتُهُ: (وَفِي الشَّيْبِ مَا يَنْهَى الْحَكِيمَ عَنِ الصِّبَا ... إذا استوقدت نيرانه في عذاره) (وأي امرىء يَرْجُو مِنَ الْعَيْشِ غِبْطَةً ... إِذَا اصْفَرَّ مِنْهُ الْعُودُ بَعْدَ اخْضِرَارِهِ) (وَللَّهِ فِي عَرْضِ السَّمَوَاتِ جَنَّةٌ ... وَلَكِنَّهَا مَحْفُوفَةٌ بِالْمَكَارِهِ) أَمِتْ نَفْسَكَ حَتَّى تُحْيِيَهَا، فَعَاقِبَةُ الصَّبْرِ حُلْوَةٌ. كَمْ صَبَرَ بِشْرٌ عَنْ مُشْتَهًى حَتَّى سَمِعَ: كُلْ يَا مَنْ لَمْ يَأْكُلْ. مَا مُدَّ سِجَافٌ: " نِعْمَ الْعَبْدُ " على قبة " ووهبنا له أهله " حَتَّى جُرِّبَ فِي أَمَانَةِ ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ . إِنَّ الأَلَمَ لَيُحْمَدُ إِذَا كَانَ طَرِيقًا إِلَى الصِّحَّةِ، وَإِنَّ الصِّحَّةَ لَتُذَمُّ إِذَا كَانَتْ سَبِيلا إِلَى الْمَرَضِ، أَيُّ فَائِدَةٍ فِي لَذَّةِ سَاعَةٍ أَوْقَعَتْ غَمًّا طَوِيلا، مَا فَهِمَ مَوَاعِظَ الزَّمَانِ مَنْ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِالأَيَّامِ، إِيَّاكَ أَنْ تَسْمَعَ كَلامَ الأَمَلِ فَإِنَّهُ غُرُورٌ مَحْضٌ: (أَمَا تَرَى الدَّهْرَ لا يَبْقَى عَلَى حَالٍ ... طَوْرًا بِأَمْنٍ وَطَوْرًا جَا بِأَوْجَالِ) (مَتَى بَانَ الْفَتَى قَالُوا دَنَا أَجَلٌ ... يَا هَلْ أَرَى فِي اللَّيَالِي غير آجال) (بذل يؤول إِلَى مَنْعٍ وَعَافِيَةٌ ... تَجُرُّ دَاءً وَنَكْسٌ بَعْدَ إِبْلالِ) (وَمَا سُرِرْتُ بِأَيَّامِ الْكَمَالِ فَمَا ... تَنَاقَصُ الشَّيْءُ إِلا عِنْدَ إِقْبَالِ) (نُلْقِي الْمَخَاوِفَ فِي الدُّنْيَا وَنَأْمَنُهَا ... وَنَطْلُبُ الْعِزَّ فِي الدُّنْيَا بِإِذْلالِ) (وتستذم إلينا كل شارقة ... ومالها مُبْغِضٌ فِينَا وَلا قَالِي) (لَذَاذَةٌ لَمْ تُنَلْ إِلا بِمُؤْلِمَةٍ ... وَصِحَّةٌ لَمْ تَدُمْ إِلا بِإِعْلالِ)

стр. 583

إِذَا اسْتَوْطَنْتَ السَّلامَةَ فَتَذَكَّرِ الْعَطَبَ، وَإِذَا طَابَ لَكَ الأَمْنُ فَتَفَكَّرْ فِي الْمَخَاوِفِ، وَإِذَا لَذَّتْ لَكَ الْعَافِيَةُ فَلا تَنْسَ قُرْبَ السَّقَمِ، وَإِنْ كنت محبا لنفسك فلا تسىء إِلَيْهَا بِالزَّلَلِ، إِنَّ طَالِبَ الدُّنْيَا لا يَنَالُ مِنْهَا حَظًّا إِلا بِفَوْتِ نَصِيبٍ مِنَ الآخِرَةِ. هَلِ الْعُمْرُ إِلا ثَلاثَةُ أَيَّامٍ: يَوْمٌ انْقَضَى بما فيه ذهبت لذته وبقيت ضعفته، وَيَوْمٌ مُنْتَظَرٌ لَيْسَ مِنْهُ إِلا الأَمَلُ، وَيَوْمٌ أَنْتَ فِيهِ قَدْ صَاحَ بِكَ مُؤَذِّنًا بِالرَّحِيلِ فَاصْبِرْ فِيهِ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الصَّبْرَ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْمَحْبُوبِ سَهُلَ. الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تعالى ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ إِخْوَانِي: إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ قَدْ قَرُبَ رَحِيلُهُ وَأَزِفَ تَحْوِيلُهُ، وَهُوَ ذَاهِبٌ عَنْكُمْ بِأَفْعَالِكُمْ وَقَادِمٌ عَلَيْكُمْ غَدًا بِأَعْمَالِكُمْ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَاذَا أَوْدَعْتُمُوهُ وَبِأَيِّ الأَعْمَالِ وَدَّعْتُمُوهُ؟ أَتُرَاهُ يَرْحَلُ حَامِدًا صَنِيعَكُمْ أَوْ ذَامًّا تَضْيِيعَكُمْ؟ مَا كَانَ أَعْظَمَ بركات ساعاته، وما كان أحلى جَمِيعَ طَاعَاتِهِ، كَانَتْ لَيَالِي عِتْقٍ وَمُبَاهَاةٍ، وَأَوْقَاتُهُ أَوْقَاتَ خَدَمٍ وَمُنَاجَاةٍ، وَنَهَارُهُ زَمَانَ قُرْبَةٍ وَمُصَافَاةٍ، وساعاته أحيان اجتهاد وَمُعَانَاةً، فَبَادِرُوا الْبَقِيَّةَ بِالتُّقْيَةِ قَبْلَ فَوَاتِ الْبِرِّ وَنُزُولِ الْبَرِّيَّةِ وَتَخَلَّى عَنْكَ جَمِيعُ الْبَرِيَةِ. أَيْنَ الْمُخْلِصُ الْمُتَعَبِّدُ، أَيْنَ الرَّاهِبُ الْمُتَزَهِّدُ، أَيْنَ الْمُنْقَطِعُ الْمُتَفَرِّدُ، أَيْنَ الْعَامِلُ الْمُجَوِّدُ، هَيْهَاتَ بَقِي عَبْدُ الدُّنْيَا وَمَاتَ السَّيِّدُ، وَهَلَكَ مَنْ خَطَؤُهُ خَطَأٌ وَعَاشَ الْمُتَعَمِّدُ، وَصَارَ مَكَانَ الْخَاشِعِينَ كُلُّ مُنَافِقٍ مُتَمَرِّدٌ، رَحَلَ عَنْكَ شَهْرُ الصِّيَامِ، وَوَدَّعَكَ زَمَانُ الْقِيَامِ، وَلَحَّ النَّصِيحُ وَقَدْ لامَ، أَفَتُشْرِقُ شَمْسُ الإِيقَاظِ وَتَنَامُ، فَاسْتَدْرِكْ مَا قَدْ بَقِيَ مِنَ الأَيَّامِ، قَدْ رَأَيْتُكَ تَوَانَيْتَ فِي الأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فَمَا بَعْدَ أَنْ دَنَا الصَّبَاحُ.

стр. 584

أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ بِسَنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا كَانَ آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أُعْتِقَ فِيهِ مِثْلُ جَمِيعِ مَا أُعْتِقَ " أَنْبَأَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ بِسَنَدِهِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِنَّ للَّهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ شهر رمضان ستمائة أَلْفِ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ، فَإِذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ أَعْتَقَ بِعَدَدِ مَنْ مَضَى ". وَقَدْ رُوِّينَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا كَانَتْ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ أَعْتَقَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَدَدِ مَا أَعْتَقَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ إِلَى آخِرِهِ ". وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ يُحْيِي لَيْلَةَ الْفِطْرِ وَيَقُولُ: هِيَ لَيْلَةُ غَفْلَةٍ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَحْيَا لَيْلَتَيِ الْعِيدِ وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ ". وَكَانَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ يَدْعُو فِي آخِرِ رَمَضَانَ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ رَمَضَانَ مُنَزِّلَ الْقُرْآنِ هَذَا شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وَقَدْ تَصَرَّمَ، أَيْ رَبِّ فَأَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَتِي هَذِهِ أَوْ يَخْرُجُ رَمَضَانُ وَلَكَ عِنْدِي ذَنْبٌ تُرِيدُ أَنْ تُعَذِّبَنِي يَوْمَ أَلْقَاكَ. وَمِنَ الْمُتَعَلِّقِ بِالصِّيَامِ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْحُصَيْنِ بِسَنَدِهِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا يُرْفَعُ إِلا بِزَكَاةِ الْفِطْرِ ". وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الاجْتِهَادُ فِي أَوَاخِرِ الشَّهْرِ أَكْثَرَ من أوله لشيئين: أحدهما لشرف هذا الْعَشْرِ وَطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ. فَقَدْ رُوِّينَا فِيمَا تَقَدَّمَ: " اطْلُبُوهَا فِي خَمْسٍ بَقِينَ أَوْ ثَلاثٍ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ ".

стр. 585

وَالثَّانِي: لِوَدَاعِ شَهْرٍ لا يَدْرِي هَلْ يَلْقَى مِثْلَهُ أَمْ لا. إِخْوَانِي: لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةٌ يُفْتَحُ فِيهَا الْبَابُ وَيُقَرَّبُ فِيهَا الأَحْبَابُ وَيُسْمَعُ الْخِطَابُ وَيُرَدُّ الْجَوَابُ وَيُسْنَى لِلْعَامِلِينَ عَظِيمُ الأَجْرِ ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ . يَسْعَدُ بِهَا الْمُوَاصِلُ وَيَتَوَفَّرُ فِيهَا الْحَاصِلُ وَيَقْبَلُ فِيهَا الْمُجَامِلُ، فَيَا رِبْحَ الْمُعَامِلِ فِي الْبَحْرِ ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ . لَيْلَةٌ تُتَلَقَّى فِيهَا الْوُفُودُ، وَيَحْصُلُ لَهُمُ الْمَقْصُودُ بِالْقَبُولِ وَالْفَوْزِ وَالسُّعُودِ، أَتُرَى مَا يُؤْلِمُكَ أَيُّهَا الْمَطْرُودُ هَذَا الْهَجْرُ ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفجر﴾ أَخْلَصُوا وَمَا أَخْلَصْتَ قَصْدَكَ، وَبَلَغُوا الْمُرَادَ وَمَا بَلَغْتَ أَشُدَّكَ، وَكُلَّمَا جِئْتَ بِلا نِيَّةٍ رَدَّكَ، أو ليس مَا يُؤَثِّرُ عِنْدَكَ شَدِيدُ هَذَا الزَّجْرِ ﴿سَلامٌ هي حتى مطلع الفجر﴾ . أَيْقِظْ نَفْسَكَ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَانْتَظِرْ مَا سَيَأْتِي عَنْ قَلِيلٍ إِلَيْهَا وَأَسْمِعْهَا الْمَوَاعِظَ فَقَدْ حَضَرَتْ لَدَيْهَا، وَاقْبَلْ نُصْحِي وَخُذْ عَلَيْهَا ضَرْبَ الحجر ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ . هَذِهِ أَوْقَاتٌ يَرْبَحُ فِيهَا مَنْ فَهِمَ وَدَرَى، وَيَصِلُ إِلَى مُرَادِهِ كُلُّ مَنْ جَدَّ وَسَرَى، وَيُفَكُّ فِيهَا الْعَانِي وَتُطْلَقُ الأَسْرَى، تَقَدَّمَ الْقَوْمُ وأنت راجع إلى ورا، أو ليس كُلُّ هَذَا قَدْ جَرَى وَكَأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 586

المجلس التاسع فِي ذِكْرِ عِيدِ الْفِطْرِ الْحَمْدُ للَّهِ مُوَفِّرِ الثَّوَابِ لِلأَحْبَابِ وَمُكْمِلِ الأَجْرِ، وَبَاعِثِ ظَلامِ اللَّيْلِ يَنْسَخُهُ نُورُ الْفَجْرِ، الْمُحِيطِ عِلْمًا بِخَائِنَةِ الأَعْيُنِ وَخَافِيَةِ الصَّدْرِ، وَمُعَلِّمِ الإِنْسَانِ مَا لَمْ يَعْلَمْ به ولم يدر، المتعلي عَنْ دَرَكِ خَوَاطِرِ النَّفْسِ وَهَوَاجِسِ الْفِكْرِ، الْمُوَالِي رِزْقَهُ فَلَمْ يَنْسَ النَّمْلَ فِي الرَّمْلِ وَالْفَرْخَ فِي الْوَكْرِ، جَلَّ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِي الْحَوَادِثِ عَلَى مُرُورِ الدَّهْرِ، وَتَقَدَّسَ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ باطن السر وظاهر الجهر، مننه تيجان الرؤوس وَقَلائِدُ النَّحْرِ ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ والبحر﴾ أَحْصَى عَدَدَ الرَّمْلِ فِي الْفَيَافِي وَالنَّمْلَ فِي الْقَفْرِ، وَشَاءَ فَأَجْرَى كَمَا شَاءَ تَقْدِيرَ الإِيمَانِ والكفر، أغنى وأفقر فبإرادته وُقُوعُ الْغِنَاءِ وَالْفَقْرِ، وَأَصَمَّ وَأَسْمَعَ فَبِمَشِيئَتِهِ أَدْرَكَ السَّمْعَ وَمُنِعَ الْوَقْرُ، أَبْصَرَ فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ دَبِيبُ الذَّرِّ فِي الْبَرِّ، وَسَمِعَ فَلَمْ يَعْزُبْ عَنْ سَمْعِهِ دُعَاءُ الْمُضْطَرِّ فِي السِّرِّ، وَقَدَرَ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى مُعِينٍ يَمُدُّهُ بِالنَّصْرِ، وَأَجْرَى الأَقْدَارَ كَمَا شَاءَ فِي سَاعَاتِ الْعَصْرِ، فَهُوَ الَّذِي هَدَانَا إِلَيْهِ بِوَاضِحِ الدَّلِيلِ وَسَلِيمِ السِّرِّ، وَخَصَّنَا مِنْ بَيْنِ الأُمَمِ بِشَهْرِ الصِّيَامِ وَالصَّبْرِ، وَغَسَلَ بِهِ ذُنُوبَ الصَّائِمِينَ كَغَسْلِ الثَّوْبِ بِمَاءِ القطر، فله الحمد إذ رَزَقَنَا إِتْمَامَهُ وَأَرَانَا عِيدَ الْفِطْرِ. أَحْمَدُهُ حَمْدًا لا مُنْتَهَى لِعَدَدِهِ وَأَشْهَدُ بِتَوْحِيدِهِ شَهَادَةَ مُخْلِصٍ فِي مُعْتَقَدِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الذي نبع الماء مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ يَدِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَفِيقِهِ فِي شَدَائِدِهِ، وَعَلَى عُمَرَ كَهْفِ الإِسْلامِ وَعَضُدِهِ، وَعَلَى عُثْمَانَ جَامِعِ الْقُرْآنِ فسقيا لِمُتَبَدِّدِهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ كافي الحروب

стр. 587

وَشُجْعَانِهَا بِمُفْرَدِهِ وَالْمُضْطَجِعِ لَيْلَةَ خُرُوجِهِ عَلَى مَرْقَدِهِ وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ مُقَدَّمِ بَيْتِ هَاشِمٍ وَسَيِّدِهِ. عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ يَوْمَكُمْ هَذَا يَوْمَ الْعِيدِ قَدْ مُيِّزَ فِيهِ الشَّقِيُّ وَالسَّعِيدُ، فَكَمْ فَرِحَ بِهَذَا الْيَوْمِ مَسْرُورٌ وَهُوَ مَطْرُودٌ مَهْجُورٌ. وَقَدْ رُوِّينَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَتْ غَدَاةُ الْفِطْرِ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مَلائِكَةً فِي كُلِّ بَلَدٍ فَيَهْبِطُونَ إِلَى الأَرْضِ فَيَقُومُونَ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَيُنَادُونَ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ جَمِيعُ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ إِلا الْجِنَّ وَالإِنْسَ فَيَقُولُونَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ اخْرُجُوا إِلَى رَبٍّ كَرِيمٍ يَغْفِرُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ، فَإِذَا بَرَزُوا فِي مُصَلاهُمْ يَقُولُ اللَّهُ يَا مَلائِكَتِي مَا جَزَاءُ الأَجِيرِ إِذَا عَمِلَ عَمَلَهُ؟ فَيَقُولُونَ: إِلَهَنَا وَسَيِّدَنَا جَزَاؤُهُ أَنْ تُوَفِّيَهُ أَجْرَهُ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا مَلائِكَتِي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ ثَوَابَهُمْ فِي صِيَامِهِمْ شَهْرَ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِمْ رِضَايَ وَمَغْفِرَتِي. وَيَقُولُ اللَّهُ : سَلُونِي فَوَعِزَّتِي وَجَلالِي لا تَسْأَلُونِي الْيَوْمَ شَيْئًا فِي جَمْعِكُمْ هَذَا لآخِرَتِكُمْ إِلا أَعْطَيْتُكُمُوهُ وَلا لِدُنْيَا إِلا نَظَرْتُ لَكُمْ. انْصَرِفُوا مَغْفُورًا لَكُمْ قَدْ أَرْضَيْتُمُونِي وَرَضِيتُ عَنْكُمْ. وَقَدْ سَبَقَ هذا الْحَدِيثُ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَأَوَّلُ وَظِيفَةٍ تَخْتَصُّ بِالْعِيدِ الْغُسْلُ، ثُمَّ الْبُكُورُ وَالْخُرُوجُ عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ، إِلا أَنْ يَكُونَ مُعْتَكِفًا فَيَخْرُجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ وَيُخْرِجُ مَعَهُ زَكَاةَ فِطْرِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْرَجَهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ جَازَ، وَإِنْ صَلَّى الْعِيدَ وَلَمْ يُخْرِجْهَا أَخْرَجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ، فَإِذَا مَشَى فِي الطَّرِيقِ غَضَّ بَصَرَهُ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: خَرَجْتُ مَعَهُ يَوْمَ عِيدٍ فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا غَضُّ الْبَصَرِ. وَرَجَعَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ مِنْ عِيدِهِ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: كَمْ مِنَ امْرَأَةٍ حَسْنَاءَ قَدْ رَأَيْتَ؟ فَقَالَ: مَا نَظَرْتُ إِلا فِي إِبْهَامِي مُنْذُ خَرَجْتُ إِلَى أن رجعت!

стр. 588

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ قَبْلَ الصَّلاةِ، بِخِلافِ الأَضْحَى. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ سَبْعَ تَمَرَاتٍ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمُصَلَّى. أَنْبَأَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَأْكُلُونَ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلاةِ وَلا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ. وَإِذَا صَلَّى الْعِيدَ رَجَعَ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ. أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ يَوْمَ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ فِي غَيْرِهِ. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَشْيَاءَ مِنْهَا: أنا قد رويت أَنَّ الْمَلائِكَةَ تَقِفُ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ يَوْمَ الْعِيدِ فَيَقُولُونَ لِلنَّاسِ: اخْرُجُوا إِلَى رَبٍّ كَرِيمٍ يَغْفِرُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ. فَيَكُونُ الاسْتِحْبَابُ فِي تَغْيِيرِ الطَّرِيقِ أَنْ يَمُرَّ عَلَى مَلإٍ مِنْهُمْ لَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِمْ لِيَحْصُلَ لَهُ الْبَرَكَةُ بِدُعَائِهِمْ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِيَلْقَى قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا لَقِيَهُمْ فَيَدْعُو لَهُمْ وَيَدْعُونَ لَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّفَاؤُلِ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ، كَأَنَّهُ خَرَجَ وَعَلَيْهِ ذَنْبٌ وَرَجَعَ مَغْفُورًا لَهُ. وَلا يُسَنُّ التَّطَوُّعُ قَبْلَ صَلاةِ الْعِيدِ وَلا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ صَلاةِ الْعِيدِ. وَقَدْ رُوِيَتْ صَلاةٌ لِلَيْلَةِ وَلِيَوْمِ الْعِيدِ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَثْبُتُ وَلا يَصِحُّ، فَلِهَذَا تَنَكَّبْنَا ذِكْرَهَا. وَيَنْبَغِي لِمَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ أن يوسع على الفقراء في هذا وليوم وَيَتَطَوَّعَ بِإِطْعَامِ مَنْ قَدَرَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا يَوْمَ الْفِطْرِ أَنْ نُفَطِّرَ الْفُقَرَاءَ مِنْ إِخْوَانِنَا، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ فَطَّرَ وَاحِدًا يُعْتَقُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ فَطَّرَ اثْنَيْنِ كُتِبَ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ، وَمَنْ فَطَّرَ ثَلاثَةً وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَزَوَّجَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ. قَالَ: وَكَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُطْعِمَ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ وَالْخُبْزَ والزيت والخبر وَاللَّبَنَ. وَكَانَ يَقُولُ آدِمُوا طَعَامَكُمْ يُؤْدَمْ لَكُمْ عَيْشُكُمْ. يَقُولُ: يُلَيِّنُهُ. وَيُسْتَحَبُّ إِتْبَاعُ رَمَضَانَ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بسنده عن

стр. 589

أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ ". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ. وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ السِّرَّ فِي هَذَا أن أيام السنة ثلاثمائة وَسِتُّونَ يَوْمًا وَهَذِهِ السِّتَّةُ مَعَ رَمَضَانَ سِتَّةٌ وَثَلاثُونَ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَمَنْ دَامَ عَلَى هَذَا فَكَأَنَّهُ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا مَرْفُوعًا. أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بِسَنَدِهِ عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " صِيَامُ رَمَضَانَ بعشرة أشهر وصيام ستة أيام شهرين فَذَلِكَ صِيَامُ سَنَةٍ ". أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِسَنَدِهِ عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ بَابِ مُعَاوِيَةَ وَوُضِعَتِ الْمَوَائِدُ فَجَعَلَ أَبُو ذَرٍّ. يَأْكُلُ وَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ يَا أَحْمَرُ؟ أَتُرِيدُ أَنْ تَشْغَلُنِي عَنْ طَعَامِي؟ فَقُلْتُ: أَلَمْ تَزْعُمْ عَلَى الْبَابِ أَنَّكَ صَائِمٌ. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: بَلَى. ثُمَّ قَالَ: قَرَأْتُ مَنْ جاء بالحسنة فله عشر أمثالها سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: " صوم شهر الصبر وثلاثة مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ " وَقَدْ صُمْتُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ فَأَنَا صَائِمٌ الشَّهْرَ كله. وبالإسناد حدثنا حماد بن سلمة بْنِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ فِي سَفَرٍ فَلَمَّا نَزَلَ وَوُضِعَتِ السُّفْرَةُ بَعَثُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ فَلَمَّا كَادُوا أَنْ يَفْرُغُوا جَاءَ فَجَعَلَ يَأْكُلُ فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِهِمْ فَقَالَ: مَا تَنْظُرُونَ، قَدْ وَاللَّهِ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ صَائِمٌ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ صَدَقَ إِنِّي سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقلو: " صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ ". وَقَدْ صُمْتُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَأَنَا مُفْطِرٌ فِي تَخْفِيفِ اللَّهِ وَصَائِمٌ فِي تَضْعِيفِ اللَّهِ . الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ (عِيدِي مُقِيمٌ وَعِيدُ النَّاسِ منصرف ... والقلت مني عن اللذات منحرف)

стр. 590

(ولي قرينان مالي مِنْهُمَا خَلَفٌ ... طُولُ الْحَنِينِ وَعَيْنٌ دَمْعُهَا يَكِفُ) يَا مَنْ يَفْرَحُ فِي الْعِيدِ بِتَحْسِينِ لِبَاسِهِ، وَيُوقِنُ بِالْمَوْتِ وَمَا اسْتَعَدَّ لِبَاسِهِ، وَيَغْتَرُّ بِإِخْوَانِهِ وَأَقْرَانِهِ وَجُلاسِهِ، وَكَأَنَّهُ قَدْ أَمِنَ سُرْعَةَ اخْتِلاسِهِ، كَيْفَ تَقَرُّ بِالْعِيدِ عَيْنُ مَطْرُودٍ عَنِ الصَّلاحِ، كَيْفَ يَضْحَكُ سِنُّ مَرْدُودٍ عَنِ الْفَلاحِ، كَيْفَ يُسَرُّ مَنْ يُصِرُّ عَلَى الأَفْعَالِ الْقِبَاحِ، كَيْفَ لا يَبْكِي مَنْ قَدْ فَاتَهُ جَزِيلُ الأَرْبَاحِ، النَّوْحُ أَحَقُّ بِكَ مِنَ السُّرُورِ يَا مَغْرُورُ، وَالْحُزْنُ أَجْدَرُ بِكَ مِنْ جَمِيعِ الأُمُورِ، وَالْجِدُّ أَوْلَى بِكَ مِنَ التَّوَانِي وَالْفُتُورِ، كَيْفَ يُسَرُّ بِعِيدِهِ مَنْ تَابَ ثُمَّ عَادَ، كَيْفَ يَفْرَحُ بِالسَّلامَةِ مَنْ آثَامُهُ فِي ازْدِيَادٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي ثَابِتٍ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُوسَى يَقُولُ: رَأَيْتُ فَتْحًا الْمَوْصِلِيَّ يَوْمَ عِيدٍ وَقَدْ رَأَى عَلَى النَّاسِ الطَّيَالِسَ وَالْعَمَائِمَ فَقَالَ لِي: يَا إِبْرَاهِيمُ أَمَا تَرَى ثَوْبًا يَبْلَى وَجَسَدًا يَأْكُلُهُ الدُّودُ غَدًا؟ هَؤُلاءِ قَوْمٌ قَدْ أَنْفَقُوا خَزَائِنَهُمْ عَلَى بُطُونِهِمْ وَظُهُورِهِمْ وَيَقْدُمُونَ عَلَى رَبِّهِمْ مَفَالِيسَ. أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفْرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشَّقَّاقِ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ: نَظَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْفِطْرِ إِلَى النَّاسِ وَشُغُلِهِمْ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الأَكْلِ وَالشَّرَابِ وَاللِّبَاسِ فَقَالَ: لَئِنْ كَانُوا هَؤُلاءِ قَدْ أَنْبَأَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُ قَدْ تَقَبَّلَ مِنْهُمْ صِيَامَهُمْ وَقِيَامَهُمْ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَصْبَحُوا مَشَاغِيلَ بِأَدَاءِ الشُّكْرِ، وَلَئِنْ كانوا يَخَافُونَ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَشْغَلَ وَأَشْغَلَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِيِّ سَمِعْتُ مُظَفَّرَ بْنَ سَهْلٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ مُسْلِمٍ صَاحِبِ قَنْطَرَةِ بُرْدَانَ يَوْمَ عيد فوجدته وعليه قميص مرقوع مطبق وَقُدَّامُهُ قَلِيلُ خَرْنُوبٍ يَقْرِضُهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ الْيَوْمُ يَوْمُ عِيدِ الْفِطْرِ تَأْكُلُ الْخَرْنُوبَ؟ فَقَالَ لِي: لا تَنْظُرْ إِلَى هَذَا وَلَكِنِ انْظُرْ إِنْ سَأَلَنِي مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ أَيَّ شَيْءٍ أَقُولُ! أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ النَّهْدِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي إدريس بن

стр. 591

يَحْيَى قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبَّادٍ الْخَوَّاصِ يَوْمَ عِيدٍ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَخَرَجَ إِلَيَّ وَهُوَ يَبْكِي وَيَنُوحُ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ: فَدَخَلْتُ مَعَهُ فَقَالَ: إِنِّي ذَكَرْتُ الْيَوْمَ تَنَعُّمَ النَّاسِ وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ اللَّذَّاتِ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَنَعَّمَ بِمَا تَرَى. وَكَانَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْجَلِيلِ إِذَا انْصَرَفَ يَوْمَ الْعِيدِ جَمَعَ عِيَالَهُ وَجَلَسَ يَبْكِي فَيَقُولُ لَهُ إِخْوَانُهُ: هَذَا يَوْمُ سُرُورٍ. فَيَقُولُ: صَدَقْتُمْ وَلَكِنِّي عَبْدٌ أَمَرَنِي سَيِّدِي أَنْ أَعْمَلَ لَهُ عَمَلا فَعَمِلْتُهُ، فَلا أَدْرِي أَقَبِلَهُ مِنِّي أَمْ لا؟ فَالأَوْلَى بِي طُولُ الْحُزْنِ! أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي عَنْ هَنَّادِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: كَانَ الشِّبْلِيُّ يَوْمَ الْعِيدِ يَنُوحُ وَيَصِيحُ وَيَصْرُخُ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ سُودٌ وَزُرْقٌ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَسَأَلُوهُ عَنْ نَوْحِهِ وَبُكَائِهِ فَقَالَ: (تَزَيَّنَ الناس يوم العيد للعيد ... وقد لبثت ثياب الزرق والسود) (وأصبح الناس مسرورا بِعِيدِهِمُ ... وَرُحْتُ فِيكَ إِلَى نَوْحٍ وَتَعْدِيدِ) (فَالنَّاسُ فِي فَرَحٍ وَالْقَلْبُ فِي تَرَحٍ ... شَتَّانِ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ فِي الْعِيدِ) وَخَرَجَ الشِّبْلِيُّ يَوْمَ الْعِيدِ وَهُوَ يَقُولُ: (لِلنَّاسِ فِطْرٌ وَعِيدٌ ... إِنِّي فَرِيدٌ وَحِيدُ) (يَا غَايَتِي وَمُنَايَ ... أَتِمَّ لِي ما أربد) وَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَسَأَلُوهُ الدُّعَاءَ فَمَدَّ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ فَجَعَلَ يَدْعُو فَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ: اضْرِبْهُمْ بِسِيَاطِ الْخَوْفِ، أَقْبِلْ بِهِمْ بِأَزِمَّةِ الشَّوْقِ، أَعِنْهُمْ بِمُلاحَظَاتِ الْفُهُومِ، كُنْ لَهُمْ كَمَا كُنْتَ لِمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بِأَنْ صِرَتْ كَلا لَهُ. وَقِيلَ لَهُ يَوْمَ عِيدٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ الْيَوْمُ يَوْمُ عِيدٍ. فَقَالَ: (النَّاسُ بِالْعِيدِ قَدْ سُرُّوا وَقَدْ فَرِحُوا ... وَمَا فَرِحْتُ بِهِ وَالْوَاحِدِ الأَحَدِ) (لَمَّا تَيَقَّنْتُ أَنِّي لا أُعَايِنُكُمْ ... غَمَّضْتُ عَيْنِي فَلَمْ أَنْظُرْ إِلَى أَحَدِ) وَرُئِيَ يَوْمَ عِيدٍ خَارِجًا وَهُوَ يَقُولُ:

стр. 592

(إِذَا مَا كُنْتَ لِي عِيدًا ... فَمَا أَصْنَعُ بِالْعِيدِ) (جَرَى حُبُّكَ فِي قَلْبِي ... كَجَرْيِ الْمَاءِ فِي الْعُودِ) وَاللَّهِ مَا عِيدُ يَعْقُوبَ إِلا لِقَاءُ يُوسُفَ، وَلا أَيَّامُ تَشْرِيقِ الصِّدِّيقِ إِلا الْغَارُ. يَا مَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعَاصِي فِي شَوَّالٍ أَلِلشَّهْرِ احْتَرَمْتَ أَمْ لِرَبِّ الشَّهْرِ، وَيْحَكَ! رَبُّ الشَّهْرَيْنِ وَاحِدٌ. تَقُولُ أُصْلِحُ رَمَضَانَ وَأُفْسِدُ غَيْرَهُ وَعَزْمُكَ فِي رَمَضَانَ عَلَى الزَّلَلِ فِي شَوَّالٍ أَفْسَدْتَ رَمَضَانَ، إِذَا طَالَبْتَ نَفْسَكَ فِي شَوَّالٍ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فَذَكِّرْهَا سَيَلانَ الْعَيْنِ عَلَى الْخَدِّ فِي اللَّحْدِ وَعَمَلَ الْبِلَى فِي الْمَفَاصِلِ لَعَلَّ الْكَفَّ يَكُفُّ. هَيْهَاتَ لَيْسَ الْمُحِبُّ مَنْ غَيَّرَهُ الْبُعْدُ وَالْهَجْرُ، وَلا الْمُخْلِصُ مَنْ حَرَّكَهُ الثَّوَابُ وَالأَجْرُ، لَكِنَّهُ مَنْ تَسَاوَى عِنْدَهُ الْوَصْلُ وَالصَّدُّ، وَإِلْفُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ الْجِدُّ وَالْكَدُّ. (يَا رَاكِبًا تَطْوِي الْمَهَامِهَ عِيسُهُ ... فَتُرِيهِ رَضْرَاضَ الْحَصَى مُتَرَضْرِضَا) (بَلِّغْ رَعَاكَ اللَّهُ سُكَّانَ الْغَضَى ... مِنِّي التَّحِيَّةَ إِنْ عَرَضْتَ مَعْرِضَا) (وَقُلِ انْقَضَى زَمَنُ الْوِصَالِ وَوُدُّنَا ... بَاقٍ عَلَى مَرِّ اللَّيَالِي مَا انْقَضَى) الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هم يحزنون﴾ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي ولياُ فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ

стр. 593

اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ " وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ جِبْرِيلَ ﵇ عَنْ رَبِّهِ قَالَ: " مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمَحَارَبَةِ وَإِنِّي لأَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي وَإِنِّي لأَغْضَبُ لَهُمْ أَشَدَّ مَنْ غَضَبِ اللَّيْثِ الْحَرِبِ ". أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طاهر عن حميد عن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ". أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ مُوسَى ﵇: يَا رَبِّ مَنْ أَهْلُكَ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُكَ الَّذِينَ تُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّ عَرْشِكَ؟ قَالَ: هُمُ الْبَرِيئَةُ أَيْدِيهِمُ الطَّاهِرَةُ قُلُوبُهُمُ الَّذِينَ يَتَحَابُّونَ بِجَلالِي، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرُوا بِي وَإِذَا ذُكِرُوا ذُكِرْتُ بِذِكْرِهِمْ، الَّذِينَ يُسْبِغُونَ الْوُضُوءَ فِي الْمَكَارِهِ وَيُنِيبُونَ إِلَى ذِكْرِي كَمَا تُنِيبُ النُّسُورُ إِلَى وُكُورِهَا وَيَكْلَفُونَ بِحُبِّي كَمَا يَكْلَفُ الصَّبِيُّ بِحُبِّ النَّاسِ وَيَغْضَبُونَ لِمَحَارِمِي إِذَا اسْتُحِلَّتْ كَمَا يَغْضَبُ النَّمِرُ إِذَا حُرِبَ. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ: يَا عِيسَى مَنْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهُمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ؟ فَقَالَ عِيسَى ﵇: الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا حِينَ نَظَرَ النَّاسُ إِلَى ظَاهِرِهَا، وَالَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى آجِلِ الدُّنْيَا حِينَ نَظَرَ النَّاسُ إِلَى عَاجِلِهَا فَأَمَاتُوا مِنْهَا مَا خَشُوا أَنْ يُمِيتَهُمْ وَتَرَكُوا مَا عَلِمُوا أَنْ سَيَتْرُكُهُمْ، فَصَارَ اسْتِكْثَارُهُمْ مِنْهَا اسْتِقْلالا وَذِكْرُهُمْ إِيَّاهَا فَوَاتًا، وَفَرَحُهُمْ بِمَا أَصَابُوهُ مِنْهَا حُزْنًا، فَمَا عَارَضَهُمْ مِنْ نَائِلِهَا رَفَضُوهُ أَوْ مَنْ رَفَعَتْهَا بِغَيْرِ الْحَقِّ وَضَعُوهُ، خُلِقَتِ الدُّنْيَا عِنْدَهُمْ فَلَيْسُوا يُجَدِّدُونَهَا، وَخَرِبَتْ بَيْنَهُمْ فَلَيْسُوا يُعَمِّرُونَهَا، وَمَاتَتْ فِي صُدُورِهِمْ فَلَيْسُوا يُحْيُونَهَا، يَهْدِمُونَهَا فَيَبْنُونَ بِهَا آخِرَتَهُمْ وَيَبِيعُونَهَا فَيَشْتَرُونَ بِهَا مَا يَبْقَى لَهُمْ، رَفَضُوهَا فَكَانُوا بِرَفْضِهَا فَرِحِينَ، وَبَاعُوهَا فَكَانُوا بِبَيْعِهَا رَابِحِينَ، نَظَرُوا إِلَى أَهْلِهَا صَرْعَى قَدْ حَلَّتْ بهم المثلات،

стр. 594

فَأَحْيُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ وَأَمَاتُوا ذِكْرَ الْحَيَاةِ، يُحِبُّونَ اللَّهَ وَيُحِبُّونَ ذِكْرَهُ وَيَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهِ، لَهُمْ خَبَرٌ عَجِيبٌ وَعِنْدَهُمُ الْخَبَرُ الْعَجِيبُ، بِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا، وَبِهِمْ نَطَقَ الْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا، وَبِهِمْ عُلِمَ الْكِتَابُ وَبِهِ عُلِمُوا، لَيْسُوا يَرَوْنَ نَائِلا وَلا أَمَانًا دُونَ مَا يَرْجُونَ وَلا خَوْفًا دُونَ مَا يَحْذَرُونَ. وَقَدْ رُوِيَ ذِكْرُ عَدَدِ الأَوْلِيَاءِ فِي أَحَادِيثَ لا تَصِحُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الأَنْصَارِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الأَبْدَالُ أَرْبَعُونَ رَجُلا وَأَرْبَعُونَ امْرَأَةً كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلا، وَكُلَّمَا مَاتَتِ امْرَأَةٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهَا امْرَأَةً ". أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بِسَنَدِهِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: " لَمْ يَزَلْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ نُوحٍ ﵇ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يُدْفَعُ بِهِمُ الْعَذَابُ ". أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: لَمَّا ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَكَانُوا أَوْتَادَ الأَرْضِ أَخْلَفَ اللَّهُ مَكَانَهُمْ أَرْبَعِينَ رَجُلا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُقَالُ لَهُمُ الأَبْدَالُ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ مَكَانَهُ آخَرَ يَخْلُفُهُ وَهُمْ أَوْتَادُ الأَرْضِ، لَمْ يفضلوا الناس بكثرة الصيام ولا بكثرة القيام ولا بحسن التخشع ولا بحسن الحلية بَلْ بِصِدْقِ الْوَرَعِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ وَسَلامَةِ الْقُلُوبِ وَالنَّصِيحَةِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلامَةُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لا يعلنون شيئا ولا يؤذنون أَحَدًا، وَلا يَتَطَاوَلُونَ عَلَى أَحَدٍ تَحْتَهُمْ وَلا يُحَقِّرُونَهُ، وَلا يَحْسُدُونَ أَحَدًا فَوْقَهُمْ، لَيْسُوا بِمُتَخَشِّعِينَ وَلا مُتَمَاوِتِينَ وَلا بِمُعْجَبِينَ وَلا يُحِبُّونَ الدُّنْيَا، لَيْسُوا الْيَوْمَ فِي خَشْيَةٍ وَغَدًا فِي غَفْلَةٍ. رَمَضَانُ الْقَوْمِ دَائِمٌ وَشَوَّالُهُمْ كَذَلِكَ صَائِمٌ، وَأَعْيَادُهُمْ سُرُورُ الْقَوْمِ بِالْمَحْبُوبِ، وَأَفْرَاحُهُمْ بِكَمَالِ التُّقَى وَتَرْكِ الذُّنُوبِ، إِذَا جَنَّ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ عَادَتِ الْقُلُوبُ بِالْمُنَاجَاةِ جُدُدًا، وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ سَلَكُوا مِنَ الْجِدِّ جَدَدًا، يَجْمَعُونَ هِمَمَهُمْ فِيمَا

стр. 595

أَهَمَّهُمْ إِذَا بَاتَ هَمُّ الْغَافِلِ بَدَدًا، جَزَمُوا عَلَى مَا عَزَمُوا وَمَا انْهَزَمُوا، أَبَدًا أَعْيَادُهُمْ بِقُرْبِ الْقُلُوبِ إِلَى الْمَحْبُوبِ دَائِمَةٌ، وَأَقْدَامُهُمْ فِي الدُّجَى عَلَى بَابِ اللَّجَإِ قَائِمَةٌ، وَأَرْوَاحُهُمْ بِالاشْتِيَاقِ إلى الملك الخلاق هائمة، قر بهم مَوْلاهُمْ وَأَدْنَى فَالنُّفُوسُ عَنِ الْفَانِي الأَدْنَى صَائِمَةٌ، تَزَيَّنَتْ لَهُمْ لَذَّاتُ الدُّنْيَا مَعًا فَمَا وَجَدَتْ فِي قُلُوبِهِمْ لَهَا مَوْضِعًا، لَمَّا وَجَدُوا كِسْرَةً وَخَلَقًا أَقْنَعَا. (قَالُوا غَدًا الْعِيدُ مَاذَا أَنْتَ لابِسُهُ ... فَقُلْتُ خِلْقَةُ سَاقٍ حُبُّهُ جَرَعَا) (فَقَرٌّ وَصَبْرٌ هُمَا ثَوْبَانِ تَحْتَهُمَا ... قَلْبٌ يَرَى إِلْفَهُ الأَعْيَادَ وَالْجُمُعَا) (أَحْرَى الْمَلابِسِ أَنْ يُلْقَى الْحَبِيبُ بِهَا ... يَوْمَ التَّزَاوُرِ فِي الثَّوْبِ الَّذِي خَلَعَا) (الدَّهْرُ لِي مَأْتَمٌ إِنْ غِبْتَ يَا أَمَلِي ... وَالْعِيدُ مَا كُنْتَ لِي مَدًّا وَمُسْتَمَعَا) إِخْوَانِي: لَيْسَ الْعِيدُ ثَوْبًا يَجُرُّ الْخُيَلاءُ جَرَّهُ، وَلا تَنَاوُلُ مَطْعَمٍ بِكَفٍّ شَرِهٍ لا يُؤْمَنُ شَرُّهُ، إِنَّمَا الْعِيدُ لُبْسُ تَوْبَةِ عَاصٍ تَائِبٍ يُسَرُّ بِقُدُومِ قَلْبٍ غَائِبٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ بِسَنَدِهِ عَنِ الْحِيرِيِّ، عَنِ ابْنِ بَاكَوِيَةَ الشِّيرَازِيِّ قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الشِّبْلِيَّ يُنْشِدُ يَوْمَ الْعِيدِ: (لَيْسَ عِيدُ الْمُحِبِّ قَصْدَ الْمُصَلَّى ... وَانْتِظَارَ الْخَطِيبِ وَالسُّلْطَانِ) (إِنَّمَا الْعِيدُ أَنْ تَكُونَ لَدَى الْحِبِّ ... كَرِيمًا مُقَرَّبًا فِي أَمَانِ) يَا مَنْ وَفَّى رَمَضَانَ عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ، لا تَتَغَيَّرْ بَعْدَهُ فِي شَوَّالٍ، يَا مَنْ رَأَى الْعِيدَ وَوَصَلَ إِلَيْهِ، مَتَى تَشْكُرُ الْمُنْعِمَ وَتُثْنِي عَلَيْهِ، كَمْ مِنْ صَحِيحٍ هَيَّأَ طِيبَ عِيدِهِ، صَارَ ذَاكَ الطِّيبُ فِي تَلْحِيدِهِ، سَلَبَتْهُمْ وَاللَّهِ أَيْدِي الْمَنُونِ، فَأَنْزَلَتْهُمْ قَفْرًا لَيْسَ يمسكون، فَهُمْ فِي الْقُبُورِ بَعْدَ الْبَيَانِ خَرِسُونَ، وَمِنْ نَيْلِ آمَالِهِمْ أَوْ بَعْضِهَا آيِسُونَ، وَهَكَذَا أَنْتُمْ عَنْ قَرِيبٍ تَكُونُونَ، وَقَدْ دَلَّهُمْ عَلَى صِدْقِ قَوْلِي مَا تَعْمَلُونَ، أَمَا تَرَوْنَ الأَتْرَابَ كَيْفَ يَتَقَلَّبُونَ، أَتَرَى ضَلَّتِ الأَفْهَامُ أَمْ عَمِيَتِ الْعُيُونُ، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون. إِلَى مَتَى تَرْضَوْنَ مِنَ الْعَمَلِ بِالْفَاسِدِ وَمِنَ السِّلَعِ بِالْكَاسِدِ، وَتَنْسَوْنَ الْحَتْفَ

стр. 596

الرَّابِضَ الْمُسْتَاسِدَ، لَقَدْ أَشْمَتُّمْ بِكُمْ كُلَّ حَاسِدٍ، يَا مُظْهِرُونَ ضِدَّ مَا بِهِ الْكِتَابُ وَارِدٌ، إِلَى مَتَى تُبَهْرِجُونَ وَالْبَصِيرُ نَاقِدٌ، كَيْفَ يَكُونُ حَالُكُمْ وَهُوَ عَلَيْكُمْ شَاهِدٌ: (عَجِبْتُ مِنْ مُسْتَيْقِظٍ ... وَالْقَلْبُ مِنْهُ رَاقِدُ) (مُضَيِّعٌ لِدِينِهِ ... وَلِلذُّنُوبِ زَائِدُ) (كَأَنَّهُ عَلَى مَدَاهُ ... مُهْمَلٌ وَخَالِدُ) (فَأَحْسِنُوا أَعْمَالَكُمْ ... فَهْيَ لَكُمْ قَلائِدُ) (وَلا تُضَيِّعُوا وَاجِبًا ... وَاجْتَهِدُوا وَجَاهِدُوا) للَّهِ دَرُّ أَقْوَامٍ تَلَمَّحُوا الْعَوَاقِبَ فَعَمِلُوا عَمَلَ مُرَاقِبٍ، وَجَاوَزُوا الْفَرَائِضَ إِلَى طَلَبِ الْمَنَاقِبِ، عَلَتْ هِمَمُهُمْ عَنِ الدَّنَايَا وَارْتَفَعَتْ، وَكَفَّتِ الأَكُفَّ عن الأذايا وامتنعت، ووسعت خطاها إِلَى الْفَضَائِلِ وَسَعَتْ، مَنْ يُحِبُّ الْعِزَّ يَدْأَبُ إِلَيْهِ، وَكَذَا مَنْ طَلَبَ الدُّرَّ غَاصَ عَلَيْهِ، كَانُوا إِذَا ابْتَلاهُمْ مَوْلاهُمْ يَصْبِرُونَ، وَإِذَا أَعْطَاهُمْ مُنَاهُمْ يَشْكُرُونَ، وَإِذَا اسْتَرَاحَ الْبَطَّالُونَ يَدْأَبُونَ، فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ يَوْمَ يَقُولُ ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ توعدون﴾ ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ . زَالَ الْخَوْفُ عَنْهُمْ وَانْدَفَعَ، فَأَفَادَهُمْ حُزْنُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَنَفَعَ، وَتَمَّ السُّرُورُ لَهُمْ وَاجْتَمَعَ، وَزَالَ الْحِجَابُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَارْتَفَعَ، فَهُمْ إِلَى وَجْهِ الكريم ينظرون ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ . قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ . قَطَعُوا بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَاجْتَمَعُوا عَلَى طَاعَتِهِ، وَامْتَنَعُوا مِنْ مخالفته وارتبضوا فِي رِيَاضِ مَعْرِفَتِهِ، وَاضْطَبَعُوا بِأَرْدِيَةِ خِدْمَتِهِ، وَاطَّلَعُوا بِالْعُلُومِ عَلَى هَيْبَتِهِ، فَيَا بُشْرَاهُمْ يَوْمَ يَحْضُرُونَ ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ . امْتَثَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مَوْلاهُمْ، وَاجْتَنَبُوا مَا عَنْهُ نَهَاهُمْ، فَإِذَا أَخْرَجَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا

стр. 597

وَتَوَفَّاهُمْ اسْتَقْبَلُوا الرَّوْحَ وَالرَّيْحَانَ وَتَلَقَّاهُمْ، فَإِذَا حَضَرُوا لَدَيْهِ أَكْرَمَ مَثْوَاهُمْ، وَكَشَفَ الْحِجَابَ فَأَشْهَدَهُمْ وَأَرَاهُمْ، وَهَذَا غَايَةُ مَا كَانُوا يَأْمُلُونَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانوا يتقون﴾ . كَانُوا يَتَّقُونَ الشِّرْكَ وَالْمَعَاصِيَ، وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى الأَمْرِ بِالْخَيْرِ وَالتَّوَاصِي، وَيَحْذَرُونَ يَوْمَ الأَخْذِ بِالأَقْدَامِ وَالنَّوَاصِي، فَاجْتَهِدْ فِي لِحَاقِهِمْ أَيُّهَا الْعَاصِي، قَبْلَ أَنْ تبغتك المنون ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ . قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وفي الآخرة﴾ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْعَبْدُ أَوْ تُرَى لَهُ ". كَانَتْ قُلُوبُهُمْ فِي خِدْمَتِهِ حَاضِرَةً، وَنُفُوسُهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ مُثَابِرَةً، وَأَلْسِنَتُهُمْ عَلَى الدَّوَامِ ذَاكِرَةً، وَهِمَمُهُمْ إِلَى مَا يُرْضِيهِ مُبَادِرَةً ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ . مَنَازِلُهُمْ عِنْدَهُ عَظِيمَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَلَيْهِ كَرِيمَةٌ، كَانَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الشَّكِّ سَلِيمَةً، سَارُوا إِلَى الْجِهَادِ عَلَى خَيْلِ الْعَزِيمَةِ، فَإِذَا وَقَعَاتُهُمْ لِلْعَدُوِّ كَاسِرَةٌ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ . زَمُّوا مَطَايَا الصِّدْقِ وَسَارُوا، وَجَالُوا حَوْلَ دَارِ الكريم وَدَارُوا، وَنَهَضُوا إِلَى مَرَاضِيهِ وَثَارُوا، وَطَلَبُوا عَدُوَّهُمْ فَأَوْقَعُوا بِهِ وَأَغَارُوا، فَيَا حُسْنَهُمْ إِذَا تَوَجَّهُوا إِلَى الصَّلاةِ وَاسْتَدَارُوا، وَالدُّمُوعُ فِي مَحَارِبِهِمْ مَاطِرَةٌ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ . أَقْبَلَ الْقَوْمُ فَقُبِلُوا، وَعَرَفُوا لِمَاذَا خُلِقُوا فَعَمِلُوا، إِذَا رَجَعَ النَّاسُ إِلَى لَذَّاتِهِمْ

стр. 598

عَادُوا إِلَى عِبَادَاتِهِمْ، وَإِذَا سَكَنَ الْخَلْقُ إِلَى أَوْطَانِهِمْ سَكَنُوا إِلَى حُرُقَاتِ أَشْجَانِهِمْ، وَإِذَا أَقْبَلَ التُّجَّارُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ أَقْبَلُوا عَلَى تَفَقُّدِ أَحْوَالِهِمْ، وَإِذَا الْتَذَّ الْغَافِلُونَ بِالْمَنَامِ عَلَى جُنُوبِهِمْ تَلَذَّذُوا فِي الْقِيَامِ بِكَلامِ مَحْبُوبِهِمْ، فَلَوْ ذُقْتَ مِنْ كُئُوسِ الْمُنَاجَاةِ الدَّائِرَةِ فِي خَيْمَةِ الدُّجَى الدَّائِرَةِ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ . نصبوا الآخرة بين أيديهم وجدوا، ومثلوا المنادي يُنَادِيهِمْ فَاسْتَعَدُّوا، وَتَضَرَّعُوا فِي طَلَبِ الإِعَانَةِ فَأَمَدُّوا، وَأَقْبَلُوا إِلَى الْبَابِ صَادِقِينَ فَمَا رُدُّوا، فَفَازُوا بِالأَرْبَاحِ الْجَمَّةِ الْوَافِرَةِ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدنيا وفي الآخرة﴾ . أَقْلَقَهُمْ ذِكْرُ الذُّنُوبِ فَمَا نَامُوا، وَشَوَّقَهُمْ رَجَاءُ الْمَطْلُوبِ فَقَامُوا، وَذَكَرُوا الْعَرْضَ يَوْمَ تَبْدِيلِ الأَرْضِ فَاسْتَقَامُوا، وَتَفَكَّرُوا فِي تَصَرُّمِ الْعُمْرِ فَاجْتَهَدُوا وَدَامُوا، وَتَذَكَّرُوا سَالِفَ الذَّنْبِ فَوَبَّخُوا النُّفُوسَ وَلامُوا، وَبَاتَتْ أَعْيُنُهُمْ سَاهِرَةً لِذِكْرِ أَرْضِ السَّاهِرَةِ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ . أَذْبَلُوا الشِّفَاهَ يَطْلُبُونَ الشِّفَاءَ بِالصِّيَامِ، وَأَنْصَبُوا لَمَّا انْتَصَبُوا الأَجْسَادَ يَخَافُونَ الْمَعَادَ بِالْقَيَامِ، وَحَفِظُوا الأَلْسِنَةَ عَمَّا لا يَعْنِي عَنْ فُضُولِ الْكَلامِ، وَأَنَاخُوا عَلَى بَابِ الرَّجَاءِ فِي الدُّجَى إِذَا سَجَى الظَّلامُ، فَأَنْشَبُوا مَخَالِيبَ طَمَعِهِمْ فِي الْعَفْوِ فَإِذَا الأَظَافِيرُ ظَافِرَةٌ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وفي الآخرة﴾ . يَا هَذَا سَبَقَكَ الْقَوْمُ وَتَخَلَّفْتَ، وَمَضَى أَكْثَرُ الْعُمْرِ وَتَسَوَّفْتَ، ثُمَّ تُعْصِي الْمُنْعِمَ بِالنِّعَمِ فَمَا أَنْصَفْتَ، وَتُؤْثِرُ الضَّلالَ عَلَى الْهُدَى وَقَدْ عَرَفْتَ، أَمَا تَخَافُ أَنْ تَقُولَ إِذَا حَضَرْتَ وَوَقَفْتَ ﴿تلك إذا كرة خاسرة﴾ . يَا مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحِسَابُ وَالصِّرَاطُ، وَهُوَ عَظِيمُ الْجُرْأَةِ كَثِيرُ الانْبِسَاطِ، مُتَكَاسِلٌ فِي الطَّاعَاتِ وَفِي الْمَعَاصِي ذُو نَشَاطٍ، يُدْعَى إِلَى الْعُلُوِّ وَيَأْبَى إِلا الانْهِبَاطَ، أَمُؤْمِنَةٌ هَذِهِ النَّفْسُ بِالْوَعِيدِ أَمْ كَافِرَةٌ. يَا مُبَارِزًا مَوْلاهُ لَمْ يَخَفْ مِنْ بَطْشِهِ، يَا مُقْبِلا عَلَى الْهَوَى لا تَغْتَرِرْ بِنَفْسِهِ، تَفَكَّرْ

стр. 599

فِي مَنْ سَكَنَ الثَّرَى بَعْدَ لِينِ فَرْشِهِ، وَانْتَبِهْ بِالتَّعْرِيضِ قَبْلَ ظُهُورِ التَّصْرِيحِ بِفُحْشِهِ، أَمَا أَبْقَاكَ وَأَرَاكَ سِوَاكَ مَحْمُولا عَلَى نَعْشِهِ إِلَى أَنْ أُلْقِيَ فِي الْحَافِرَةِ. يَا خَاسِرًا فَاتَهُ جَزِيلُ الأَرْبَاحِ، يَا مَنْ أَبْعَدَتْهُ عَنَّا خَطَايَاهُ الْقِبَاحُ، يَا مَنْ لَوِ انْتَبَهَ لِنَفْسِهِ لَبَكَى عليها وَنَاحَ، أَتَأْمَنُ عَلَيْهَا أَنْ تُؤْخَذَ عَلَى بَعْضِ الاجْتِرَاحِ، فَيُفْعَلُ بِهَا فَاقِرَةٌ. أَيْقَظَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذِهِ الرَّقْدَةِ وَحَفِظَ إِيمَانَنَا وَلا أَذَاقَنَا فقده.

стр. 600

المجلس العاشر فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ الْحَمْدُ للَّهِ الْعَالِمِ بِعَدَدِ الرَّمْلِ وَالنَّمْلِ وَالْقَطْرِ، وَمُصَرِّفِ الْوَقْتِ وَالزَّمَنِ وَالدَّهْرِ، الْخَبِيرِ بِخَافِي السِّرِّ وَسَامِعِ الْجَهْرِ، الْقَدِيرِ عَلَى مَا يَشَاءُ بِالْعِزِّ وَالْقَهْرِ، أَقْرَبَ إِلَى الْعَبْدِ مِنَ الْعُنُقِ إِلَى النَّحْرِ ﴿هُوَ الَّذِي يسيركم في البر والبحر﴾ . الْقَدِيمِ فَلا إِلَهَ سِوَاهُ، الْكَرِيمِ فِي مَنْحِهِ وَعَطَايَاهُ، الْقَاهِرِ لِمَنْ خَالَفَهُ وَعَصَاهُ، خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وَسَوَّاهُ وَاسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ كَالذَّرِّ. أَنْعَمَ فَلا فَضْلَ لِغَيْرِهِ، وَقَضَى بِنَفْعِ الْعَبْدِ وَضَيْرِهِ وَأَمْضَى الْقَدَرَ بِشَرِّهِ وَخَيْرِهِ، فَحَثَّ عَلَى الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ أحاط علما بالأشياء وحواها. كيف لا وهو الَّذِي بَنَاهَا، وَقَهَرَ الْمُضَادَّاتِ فَسَوَّاهَا بِلا مُعِينٍ يَمُدُّهُ بِالنَّصْرِ. لا كَيْفَ لَهُ وَلا شَبِيهَ ولا يجوز عليه التشبيه، عالم السِّرَّ وَمَا يُعْرَضُ فِيهِ، مُتَنَزِّهٌ عَنْ تَصَوُّرِ الْفِكْرِ. أَقْسَمَ فِي الْقُرْآنِ بِصَنْعَتِهِ، وَالْقَسَمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِقُدْرَتِهِ، فَتَأَمَّلْ مَا تَحْتَ الْقَسَمِ مِنْ فائدته ﴿والفجر وليال عشر والشفع والوتر﴾ أَحْمَدُهُ حَمْدًا لَيَسْ لَهُ نِهَايَةٌ، وَأُقِرُّ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ فَكَمْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةٌ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي مَا رُدَّتْ لَهُ رَايَةٌ، صَلاةً تَصِلُ إِلَيْهِ فِي الْقَبْرِ. وَعَلَى ضَجِيعِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ الشَّدِيدِ فِي الْحَقِّ الْوَثِيقِ وَعُثْمَانَ الْمُحِبِّ الشَّفِيقِ وَعَلَى الرَّفِيعِ الْقَدْرِ، وَعَلَى عَمِّهِ أَبِي الْفَضْلِ الْعَبَّاسِ، الشَّرِيفِ الأَصْلُ كَرِيمِ الأَغْرَاسِ، الَّذِي نَسَبُهُ فِي الأَنْسَابِ لا يقاس.
следующие страницы →