← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 26351

التبصرة لابن الجوزي

ابن الجوزي

Полный текст (793 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الرَّابِضَ الْمُسْتَاسِدَ، لَقَدْ أَشْمَتُّمْ بِكُمْ كُلَّ حَاسِدٍ، يَا مُظْهِرُونَ ضِدَّ مَا بِهِ الْكِتَابُ وَارِدٌ، إِلَى مَتَى تُبَهْرِجُونَ وَالْبَصِيرُ نَاقِدٌ، كَيْفَ يَكُونُ حَالُكُمْ وَهُوَ عَلَيْكُمْ شَاهِدٌ: (عَجِبْتُ مِنْ مُسْتَيْقِظٍ ... وَالْقَلْبُ مِنْهُ رَاقِدُ) (مُضَيِّعٌ لِدِينِهِ ... وَلِلذُّنُوبِ زَائِدُ) (كَأَنَّهُ عَلَى مَدَاهُ ... مُهْمَلٌ وَخَالِدُ) (فَأَحْسِنُوا أَعْمَالَكُمْ ... فَهْيَ لَكُمْ قَلائِدُ) (وَلا تُضَيِّعُوا وَاجِبًا ... وَاجْتَهِدُوا وَجَاهِدُوا) للَّهِ دَرُّ أَقْوَامٍ تَلَمَّحُوا الْعَوَاقِبَ فَعَمِلُوا عَمَلَ مُرَاقِبٍ، وَجَاوَزُوا الْفَرَائِضَ إِلَى طَلَبِ الْمَنَاقِبِ، عَلَتْ هِمَمُهُمْ عَنِ الدَّنَايَا وَارْتَفَعَتْ، وَكَفَّتِ الأَكُفَّ عن الأذايا وامتنعت، ووسعت خطاها إِلَى الْفَضَائِلِ وَسَعَتْ، مَنْ يُحِبُّ الْعِزَّ يَدْأَبُ إِلَيْهِ، وَكَذَا مَنْ طَلَبَ الدُّرَّ غَاصَ عَلَيْهِ، كَانُوا إِذَا ابْتَلاهُمْ مَوْلاهُمْ يَصْبِرُونَ، وَإِذَا أَعْطَاهُمْ مُنَاهُمْ يَشْكُرُونَ، وَإِذَا اسْتَرَاحَ الْبَطَّالُونَ يَدْأَبُونَ، فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ يَوْمَ يَقُولُ ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ توعدون﴾ ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ . زَالَ الْخَوْفُ عَنْهُمْ وَانْدَفَعَ، فَأَفَادَهُمْ حُزْنُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَنَفَعَ، وَتَمَّ السُّرُورُ لَهُمْ وَاجْتَمَعَ، وَزَالَ الْحِجَابُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَارْتَفَعَ، فَهُمْ إِلَى وَجْهِ الكريم ينظرون ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ . قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ . قَطَعُوا بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَاجْتَمَعُوا عَلَى طَاعَتِهِ، وَامْتَنَعُوا مِنْ مخالفته وارتبضوا فِي رِيَاضِ مَعْرِفَتِهِ، وَاضْطَبَعُوا بِأَرْدِيَةِ خِدْمَتِهِ، وَاطَّلَعُوا بِالْعُلُومِ عَلَى هَيْبَتِهِ، فَيَا بُشْرَاهُمْ يَوْمَ يَحْضُرُونَ ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ . امْتَثَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مَوْلاهُمْ، وَاجْتَنَبُوا مَا عَنْهُ نَهَاهُمْ، فَإِذَا أَخْرَجَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا

стр. 597

وَتَوَفَّاهُمْ اسْتَقْبَلُوا الرَّوْحَ وَالرَّيْحَانَ وَتَلَقَّاهُمْ، فَإِذَا حَضَرُوا لَدَيْهِ أَكْرَمَ مَثْوَاهُمْ، وَكَشَفَ الْحِجَابَ فَأَشْهَدَهُمْ وَأَرَاهُمْ، وَهَذَا غَايَةُ مَا كَانُوا يَأْمُلُونَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانوا يتقون﴾ . كَانُوا يَتَّقُونَ الشِّرْكَ وَالْمَعَاصِيَ، وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى الأَمْرِ بِالْخَيْرِ وَالتَّوَاصِي، وَيَحْذَرُونَ يَوْمَ الأَخْذِ بِالأَقْدَامِ وَالنَّوَاصِي، فَاجْتَهِدْ فِي لِحَاقِهِمْ أَيُّهَا الْعَاصِي، قَبْلَ أَنْ تبغتك المنون ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ . قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وفي الآخرة﴾ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْعَبْدُ أَوْ تُرَى لَهُ ". كَانَتْ قُلُوبُهُمْ فِي خِدْمَتِهِ حَاضِرَةً، وَنُفُوسُهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ مُثَابِرَةً، وَأَلْسِنَتُهُمْ عَلَى الدَّوَامِ ذَاكِرَةً، وَهِمَمُهُمْ إِلَى مَا يُرْضِيهِ مُبَادِرَةً ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ . مَنَازِلُهُمْ عِنْدَهُ عَظِيمَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَلَيْهِ كَرِيمَةٌ، كَانَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الشَّكِّ سَلِيمَةً، سَارُوا إِلَى الْجِهَادِ عَلَى خَيْلِ الْعَزِيمَةِ، فَإِذَا وَقَعَاتُهُمْ لِلْعَدُوِّ كَاسِرَةٌ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ . زَمُّوا مَطَايَا الصِّدْقِ وَسَارُوا، وَجَالُوا حَوْلَ دَارِ الكريم وَدَارُوا، وَنَهَضُوا إِلَى مَرَاضِيهِ وَثَارُوا، وَطَلَبُوا عَدُوَّهُمْ فَأَوْقَعُوا بِهِ وَأَغَارُوا، فَيَا حُسْنَهُمْ إِذَا تَوَجَّهُوا إِلَى الصَّلاةِ وَاسْتَدَارُوا، وَالدُّمُوعُ فِي مَحَارِبِهِمْ مَاطِرَةٌ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ . أَقْبَلَ الْقَوْمُ فَقُبِلُوا، وَعَرَفُوا لِمَاذَا خُلِقُوا فَعَمِلُوا، إِذَا رَجَعَ النَّاسُ إِلَى لَذَّاتِهِمْ

стр. 598

عَادُوا إِلَى عِبَادَاتِهِمْ، وَإِذَا سَكَنَ الْخَلْقُ إِلَى أَوْطَانِهِمْ سَكَنُوا إِلَى حُرُقَاتِ أَشْجَانِهِمْ، وَإِذَا أَقْبَلَ التُّجَّارُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ أَقْبَلُوا عَلَى تَفَقُّدِ أَحْوَالِهِمْ، وَإِذَا الْتَذَّ الْغَافِلُونَ بِالْمَنَامِ عَلَى جُنُوبِهِمْ تَلَذَّذُوا فِي الْقِيَامِ بِكَلامِ مَحْبُوبِهِمْ، فَلَوْ ذُقْتَ مِنْ كُئُوسِ الْمُنَاجَاةِ الدَّائِرَةِ فِي خَيْمَةِ الدُّجَى الدَّائِرَةِ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ . نصبوا الآخرة بين أيديهم وجدوا، ومثلوا المنادي يُنَادِيهِمْ فَاسْتَعَدُّوا، وَتَضَرَّعُوا فِي طَلَبِ الإِعَانَةِ فَأَمَدُّوا، وَأَقْبَلُوا إِلَى الْبَابِ صَادِقِينَ فَمَا رُدُّوا، فَفَازُوا بِالأَرْبَاحِ الْجَمَّةِ الْوَافِرَةِ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدنيا وفي الآخرة﴾ . أَقْلَقَهُمْ ذِكْرُ الذُّنُوبِ فَمَا نَامُوا، وَشَوَّقَهُمْ رَجَاءُ الْمَطْلُوبِ فَقَامُوا، وَذَكَرُوا الْعَرْضَ يَوْمَ تَبْدِيلِ الأَرْضِ فَاسْتَقَامُوا، وَتَفَكَّرُوا فِي تَصَرُّمِ الْعُمْرِ فَاجْتَهَدُوا وَدَامُوا، وَتَذَكَّرُوا سَالِفَ الذَّنْبِ فَوَبَّخُوا النُّفُوسَ وَلامُوا، وَبَاتَتْ أَعْيُنُهُمْ سَاهِرَةً لِذِكْرِ أَرْضِ السَّاهِرَةِ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ . أَذْبَلُوا الشِّفَاهَ يَطْلُبُونَ الشِّفَاءَ بِالصِّيَامِ، وَأَنْصَبُوا لَمَّا انْتَصَبُوا الأَجْسَادَ يَخَافُونَ الْمَعَادَ بِالْقَيَامِ، وَحَفِظُوا الأَلْسِنَةَ عَمَّا لا يَعْنِي عَنْ فُضُولِ الْكَلامِ، وَأَنَاخُوا عَلَى بَابِ الرَّجَاءِ فِي الدُّجَى إِذَا سَجَى الظَّلامُ، فَأَنْشَبُوا مَخَالِيبَ طَمَعِهِمْ فِي الْعَفْوِ فَإِذَا الأَظَافِيرُ ظَافِرَةٌ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وفي الآخرة﴾ . يَا هَذَا سَبَقَكَ الْقَوْمُ وَتَخَلَّفْتَ، وَمَضَى أَكْثَرُ الْعُمْرِ وَتَسَوَّفْتَ، ثُمَّ تُعْصِي الْمُنْعِمَ بِالنِّعَمِ فَمَا أَنْصَفْتَ، وَتُؤْثِرُ الضَّلالَ عَلَى الْهُدَى وَقَدْ عَرَفْتَ، أَمَا تَخَافُ أَنْ تَقُولَ إِذَا حَضَرْتَ وَوَقَفْتَ ﴿تلك إذا كرة خاسرة﴾ . يَا مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحِسَابُ وَالصِّرَاطُ، وَهُوَ عَظِيمُ الْجُرْأَةِ كَثِيرُ الانْبِسَاطِ، مُتَكَاسِلٌ فِي الطَّاعَاتِ وَفِي الْمَعَاصِي ذُو نَشَاطٍ، يُدْعَى إِلَى الْعُلُوِّ وَيَأْبَى إِلا الانْهِبَاطَ، أَمُؤْمِنَةٌ هَذِهِ النَّفْسُ بِالْوَعِيدِ أَمْ كَافِرَةٌ. يَا مُبَارِزًا مَوْلاهُ لَمْ يَخَفْ مِنْ بَطْشِهِ، يَا مُقْبِلا عَلَى الْهَوَى لا تَغْتَرِرْ بِنَفْسِهِ، تَفَكَّرْ

стр. 599

فِي مَنْ سَكَنَ الثَّرَى بَعْدَ لِينِ فَرْشِهِ، وَانْتَبِهْ بِالتَّعْرِيضِ قَبْلَ ظُهُورِ التَّصْرِيحِ بِفُحْشِهِ، أَمَا أَبْقَاكَ وَأَرَاكَ سِوَاكَ مَحْمُولا عَلَى نَعْشِهِ إِلَى أَنْ أُلْقِيَ فِي الْحَافِرَةِ. يَا خَاسِرًا فَاتَهُ جَزِيلُ الأَرْبَاحِ، يَا مَنْ أَبْعَدَتْهُ عَنَّا خَطَايَاهُ الْقِبَاحُ، يَا مَنْ لَوِ انْتَبَهَ لِنَفْسِهِ لَبَكَى عليها وَنَاحَ، أَتَأْمَنُ عَلَيْهَا أَنْ تُؤْخَذَ عَلَى بَعْضِ الاجْتِرَاحِ، فَيُفْعَلُ بِهَا فَاقِرَةٌ. أَيْقَظَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذِهِ الرَّقْدَةِ وَحَفِظَ إِيمَانَنَا وَلا أَذَاقَنَا فقده.

стр. 600

المجلس العاشر فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ الْحَمْدُ للَّهِ الْعَالِمِ بِعَدَدِ الرَّمْلِ وَالنَّمْلِ وَالْقَطْرِ، وَمُصَرِّفِ الْوَقْتِ وَالزَّمَنِ وَالدَّهْرِ، الْخَبِيرِ بِخَافِي السِّرِّ وَسَامِعِ الْجَهْرِ، الْقَدِيرِ عَلَى مَا يَشَاءُ بِالْعِزِّ وَالْقَهْرِ، أَقْرَبَ إِلَى الْعَبْدِ مِنَ الْعُنُقِ إِلَى النَّحْرِ ﴿هُوَ الَّذِي يسيركم في البر والبحر﴾ . الْقَدِيمِ فَلا إِلَهَ سِوَاهُ، الْكَرِيمِ فِي مَنْحِهِ وَعَطَايَاهُ، الْقَاهِرِ لِمَنْ خَالَفَهُ وَعَصَاهُ، خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وَسَوَّاهُ وَاسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ كَالذَّرِّ. أَنْعَمَ فَلا فَضْلَ لِغَيْرِهِ، وَقَضَى بِنَفْعِ الْعَبْدِ وَضَيْرِهِ وَأَمْضَى الْقَدَرَ بِشَرِّهِ وَخَيْرِهِ، فَحَثَّ عَلَى الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ أحاط علما بالأشياء وحواها. كيف لا وهو الَّذِي بَنَاهَا، وَقَهَرَ الْمُضَادَّاتِ فَسَوَّاهَا بِلا مُعِينٍ يَمُدُّهُ بِالنَّصْرِ. لا كَيْفَ لَهُ وَلا شَبِيهَ ولا يجوز عليه التشبيه، عالم السِّرَّ وَمَا يُعْرَضُ فِيهِ، مُتَنَزِّهٌ عَنْ تَصَوُّرِ الْفِكْرِ. أَقْسَمَ فِي الْقُرْآنِ بِصَنْعَتِهِ، وَالْقَسَمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِقُدْرَتِهِ، فَتَأَمَّلْ مَا تَحْتَ الْقَسَمِ مِنْ فائدته ﴿والفجر وليال عشر والشفع والوتر﴾ أَحْمَدُهُ حَمْدًا لَيَسْ لَهُ نِهَايَةٌ، وَأُقِرُّ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ فَكَمْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةٌ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي مَا رُدَّتْ لَهُ رَايَةٌ، صَلاةً تَصِلُ إِلَيْهِ فِي الْقَبْرِ. وَعَلَى ضَجِيعِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ الشَّدِيدِ فِي الْحَقِّ الْوَثِيقِ وَعُثْمَانَ الْمُحِبِّ الشَّفِيقِ وَعَلَى الرَّفِيعِ الْقَدْرِ، وَعَلَى عَمِّهِ أَبِي الْفَضْلِ الْعَبَّاسِ، الشَّرِيفِ الأَصْلُ كَرِيمِ الأَغْرَاسِ، الَّذِي نَسَبُهُ فِي الأَنْسَابِ لا يقاس.

стр. 601

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ ، الفجر: ضَوْءُ النَّهَارِ إِذَا انْشَقَّ عَنْهُ اللَّيْلُ. وَفِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْفَجْرِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْفَجْرُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي هُوَ بَدْءُ النَّهَارِ. قَالَهُ علي بن أبي طالب وعكرمة وزيد ابن أَسْلَمَ وَالْقُرْطُبِيُّ. وَالثَّانِي: صَلاةُ الْفَجْرِ. وَالثَّالِثُ النَّهَارُ كُلُّهُ، فَعَبَّرَ بِالْفَجْرِ عَنْهُ لأَنَّهُ أَوَّلُهُ. وَالأَقْوَالُ الثَّلاثَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالرَّابِعُ أَنَّهُ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ خَاصَّةً. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالْخَامِسُ: فَجْرُ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. قَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَالسَّادِسُ: أَوَّلُ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ تَنْفَجِرُ مِنْهُ السَّنَةُ. قَالَهُ قَتَادَةُ. قَوْلُهُ : ﴿وَلَيَالٍ عشر﴾ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ. رَوَاهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قال مجاهد ومسروق وقتادة والضحاك والسدي وَمُقَاتِلٌ وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْعَشْرُ الأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ قَالَهُ أَبُو ظَبْيَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: الْعَشْرُ الأُوَلُ مِنْ رَمَضَانَ. قَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَالرَّابِعُ: العشر الأول من المحرم. قاله يمان ابن رئاب. قوله تعالى: ﴿والشفع والوتر﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: ﴿وَالْوِتْرِ﴾ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا الأكثرون، وهما لغتان والكسر لقريش وتميم وأسد، وَالْفَتْحُ لأَهْلِ الْحِجَازِ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِي الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ عشرون قولا:

стр. 602

أَحَدُهَا: أَنَّ الشَّفْعَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ الأَضْحَى، والوتر ليلة النحر. رواه أبو أَيُّوبُ الأَنْصَارِيُّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّفْعَ يَوْمُ النَّحْرِ وَالْوَتْرَ يَوْمُ عَرَفَةَ. رَوَاهُ جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الشَّفْعَ وَالْوَتْرَ الصَّلاةُ، مِنْهَا شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ. رَوَاهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالرَّابِعُ: أَنَّ الشَّفْعَ الْخُلُقُ كُلُّهُ، وَالْوَتْرَ اللَّهُ . رَوَاهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْوَتْرَ آدَمُ شُفِعَ بِزَوْجَتِهِ ﵉. رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالسَّادِسُ: أَنَّ الشَّفْعَ يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ النَّفْرُ الأَوَّلُ وَالْوَتْرُ الْيَوْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ النَّفْرُ الأَخِيرُ. قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. وَالسَّابِعُ: أَنَّ الشَّفْعَ صَلاةُ الْغَدَاةِ وَالْوَتْرَ صَلاةُ الْمَغْرِبِ. حَكَاهُ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ. وَالثَّامِنُ: أَنَّ الشَّفْعَ الرَّكْعَتَانِ مِنْ صَلاةِ الْمَغْرِبِ وَالْوَتْرَ الرَّكْعَةُ الثَّالِثَةُ. قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ. وَالتَّاسِعُ: أَنَّ الشَّفْعَ وَالْوَتْرَ الْخَلْقُ كُلُّهُ مِنْهُ شَفْعٌ وَمِنْهُ وَتْرٌ. قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَالْعَاشِرُ: أَنَّ الْعَدَدَ مِنْهُ شَفْعٌ وَمِنْهُ وتر. قاله الحسين. وَالْحَادِي عَشَرَ أَنَّ الشَّفْعَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ وَالْوَتْرَ أيَّامٌ مِنَ الثَّلاثَةِ قَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَالثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ الشَّفْعَ هُوَ اللَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رابعهم﴾ والوتر هو الله قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ قَالَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

стр. 603

وَالثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّ الشَّفْعَ آدَمُ وَحَوَّاءُ، وَالْوَتْرَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَهُ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ. وَالرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ الشَّفْعَ هُوَ الأَيَّامُ وَاللَّيَالِي وَالْوَتْرَ الْيَوْمُ الَّذِي لا لَيْلَةَ مَعَهُ وَهُو يَوْمُ الْقِيَامَةِ. قَالَهُ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ. وَالْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ الشَّفْعَ دَرَجَاتُ الْجَنَّاتِ لأَنَّهَا ثَمَانٍ، وَالْوَتْرَ دَرَكَاتُ النَّارِ لأَنَّهَا سَبْعٌ، فَكَأَنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. قَالَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ. وَالسَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّ الشَّفْعَ تَضَادُّ أَوْصَافِ الْمَخْلُوقِينَ: عَزٌّ وَذُلٌّ، وَقُدْرَةٌ وَعَجْزٌ، وَقُوَّةٌ وَضَعْفٌ، وَعِلْمٌ وَجَهْلٌ، وَحَيَاةٌ وَمَوْتٌ. وَالْوَتْرُ انْفِرَادُ صِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: عَزٌّ بِلا ذُلٍّ، وَقُدْرَةٌ بِلا عَجْزٍ، وَقُوَّةٌ بِلا ضَعْفٍ، وَعِلْمٌ بِلا جَهْلٍ، وَحَيَاةٌ بِلا مَوْتٍ. قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ. وَالسَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ الشَّفْعَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةُ، وَالْوَتْرَ الْبَيْتُ. وَالثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّ الشَّفْعَ مَسْجِدُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَالْوَتْرَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ. وَالتَّاسِعَ عَشَرَ: أَنَّ الشَّفْعَ الْقَرَانُ فِي الْحَجِّ وَالتَّمَتُّعِ، والوتر الإفراد. والعشرون: الشَّفْعُ الْعِبَادَاتُ الْمُتَكَرِّرَةُ كَالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ، وَالْوَتْرُ الْعِبَادَةُ الَّتِي لا تَتَكَرَّرُ وَهِيَ الْحَجُّ. حَكَى هَذِهِ الأَرْبَعَةَ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿والليل إذا يسر﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَيَعْقُوبُ: ﴿يَسْرِي﴾ بِيَاءٍ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ وَوَافَقَهُمَا فِي الْوَصْلِ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: ﴿يسر﴾ بِغَيْرِ يَاءٍ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ. قَالَ اللُّغَوِيُّونَ منهم الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ: وَالاخْتِيَارُ حَذْفُ حَرْفِ الْيَاءِ لِثَلاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لِمُشَارَكَتِهَا مِنَ الآيَاتِ.

стр. 604

وَالثَّانِي لاتِّبَاعِ الْمُصْحَفِ. وَالثَّالِثُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَحْذِفُ الْيَاءَ وَتَكْتَفِي مِنْهَا بِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا، وأنشدوا: (كفاك كف ما يليق دِرْهَمًا ... جُودًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا) وَفِي قوله تعالى: ﴿يسر﴾ قَوْلانِ: أَنَّ الْفِعْلَ لِلَّيْلِ، ثُمَّ فِي ذَلِكَ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا إِذَا يَسْرِي ذَاهِبًا. رَوَاهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَالثَّانِي: إِذَا يَسْرِي مُقْبِلا. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الفعل لغيره، والمعنى: إذا يُسْرَى فِيهِ، كَمَا يُقَالُ لَيْلٌ نَائِمٌ أَيْ يُنَامُ فِيهِ. قَالَهُ الأَخْفَشُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ في ذلك﴾ أي فيما ذكر ﴿قسم لذي حجر﴾ أَيْ عَقْلٍ. وَسُمِّيَ الْحِجْرُ حِجْرًا لأَنَّهُ يَحْجُرُ صَاحِبَهُ عَنِ الْقَبِيحِ، وَسُمِّيَ عَقْلا لأَنَّهُ يَعْقِلُ عَمَّا لا يَحْسُنُ، وَسُمِّيَ النُّهَى لأَنَّهُ يَنْهَى عَمَّا لا يَجْمُلُ. وَمَعْنَى الْكَلامِ: أَنَّ مَنْ كَانَ ذَا لُبٍّ عَلِمَ أَنَّ مَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ فِيهِ دَلائِلُ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَقُدْرَتِهِ فَهُوَ حَقِيقٌ أَنْ يُقْسِمَ به. وجواب القسم: ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ فَاعْتَرَضَ بَيْنَ الْقَسَمِ وَجَوَابِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تر كيف فعل ربك بعاد﴾ . وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَشْرِ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ. أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ ". يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: " وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا رَجُلا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ ".

стр. 605

انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ. أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ التَّهْلِيلَ وَالتَّكْبِيرَ وَالتَّحْمِيدَ ". أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ المقري بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ أَفْضَلَ أَيَّامِ الدُّنْيَا الْعَشْرُ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا مَنْ عَفَّرَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ ". وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ يَعْدِلُ صِيَامَ سَنَةٍ، وَلَيْلَةَ جَمْعٍ تَعْدِلُ ليلة القدر. قال أبوعثمان النَّهْدِيُّ: كَانُوا يُعَظِّمُونَ ثَلاثَ عَشَرَاتٍ: الْعَشْرَ الأُوَلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْعَشْرَ الأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْعَشْرَ الأُوَلَ مِنَ الْمُحَرَّمِ. اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ عَشْرَكُمْ هَذَا لَيْسَ كَعَشْرٍ وَهُوَ يَحْتِوي عَلَى فَضَائِلَ عَشْرٍ: الأُولَى: أَنَّ اللَّهَ أقسم به فقال ﴿وليال عشر﴾ . وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ سَمَّاهُ الأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ فَقَالَ تَعَالَى: " ويذكروا اسم الله في أيام معلومات " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ أَيَّامُ الْعَشْرِ. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا. وَالرَّابِعَةُ: حدث عَلَى أَفْعَالِ الْخَيْرِ فِيهِ. وَالْخَامِسَةُ: أَنَّهُ أَمَرَ بِكَثْرَةِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ فِيهِ. وَالسَّادِسَةُ: أَنَّ فيه يوم التروية. وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ

стр. 606

قَالَ: " مَنْ صَامَ الْعَشْرَ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَوْمُ شَهْرٍ , وَلَهُ بِصَوْمِ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ سَنَةٌ ". قَالَ الزَّاهِدِيُّ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِيَوْمِ التَّرْوِيَةِ لأَنَّ عَرَفَاتٍ لَمْ يَكُنْ بِهَا مَاءٌ فَكَانُوا يَتَرَوَّوْنَ مِنَ الْمَاءِ إِلَيْهَا. وَالسَّابِعَةُ: أَنَّ فِيهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَصَوْمُهُ بِسَنَتَيْنِ. وَالثَّامِنَةُ: أَنَّ فِيهِ لَيْلَةَ جَمْعٍ وَهِيَ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ فَضْلِهَا. وَالتَّاسِعَةُ: أَنَّ فِيهِ الْحَجَّ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلامِ. وَالْعَاشِرَةُ: وُقُوعُ الأُضْحِيَةِ الَّتِي هِيَ عَلَمٌ لِلْمِلَّةِ الإِبْرَاهِيمِيَّةِ وَالشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ كُرِهَ لَهُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أَنْ يَأْخُذَ بَشَرَتَهُ وَأَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ أَوْ يَحْلِقَ شَعَرَهُ، وَلْيَتَشَبَّهْ بِالْمُحْرِمِينَ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَحْرُمُ ذَلِكَ كُلُّهُ. أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بِسَنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أَهَلَّ هِلالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَلا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ ". (مَا لِنَفْسِي عَنْ مَعَادِي غَفَلَتْ ... أَتُرَاهَا نَسِيَتْ مَا فَعَلَتْ) (أَيُّهَا الْمَغْرُورُ فِي لَهْوِ الْهَوَى ... كُلُّ نَفْسٍ سَتَرَى مَا عَمِلَتْ) (أُفٍّ لِلدُّنْيَا فَكَمْ تَخْدَعُنَا ... كَمْ عَزِيزٍ فِي هَوَاهَا خَذَلَتْ) (رُبَّ رِيحٍ بِأُنَاسٍ عَصَفَتْ ... ثُمَّ مَا أَنْ لَبِثَتْ أَنْ سَكَنَتْ) (وَكَذَاكَ الدَّهْرُ فِي تَصْرِيفِهِ ... قَدَمٌ زَلَّتْ وَأُخْرَى ثَبَتَتْ) (وَيَدُ الأَيَّامِ مِنْ عَادَاتِهَا ... أَنَّهَا مُفْسِدَةٌ مَا أَصْلَحَتْ) (أَيْنَ مَنْ أَصْبَحَ فِي غَفْلَتِهِ ... فِي سُرِورٍ وَمُرَادَاتٍ خَلَتْ) (أَصْبَحَتْ آمَالُهُ قَدْ خَسِرَتْ ... وَدِيَارُ لَهْوِهِ قَدْ خَرِبَتْ) (فَغَدَتْ أَمْوَالُهُ قَدْ فُرِّقَتْ ... وَكَأَنَّ دَارَهُ مَا سُكِنَتْ) (جُزْ عَلَى الدَّارِ بِقَلْبٍ حَاضِرٍ ... ثُمَّ قُلْ يَا دَارُ مَاذَا فَعَلَتْ)

стр. 607

(أَوْجُهٌ كَانَتْ بُدُورًا طُلَّعًا ... وَشُمُوسًا طَالَمَا قَدْ أَشْرَقَتْ) (قَالَتِ الدَّارُ تَفَانَوْا فَمَضَوْا ... وَكَذَا كُلُّ مُقِيمٍ إِنْ ثَبَتْ) (عَايَنُوا أَفْعَالَهُمْ فِي تُرْبِهِمْ ... فَاسْأَلِ الأَجْدَاثَ عَمَّا اسْتَوْدَعَتْ) (كُلُّ نَفْسٍ سَوْفَ تَلْقَى فِعْلَهَا ... وَيْحَ نَفْسٍ بِهَوَاهَا شُغِلَتْ) (إِنَّمَا الدُّنْيَا كَظِلٍّ زَائِلِ ... أَوْ كَأَحْلامِ مَنَامٍ ذَهَبَتْ) أَيْنَ مَنْ مَلَكَ وَقَهَرَ، وَاسْتَعْمَلَ فِي حَفْرِ النَّهَرِ وَنَهَرَ، ضَمَّ الْمَوْتُ ذَلِكَ الْبَشَرَ، وَأَخْمَدَ التلف ذلك الشرر، ونتضت الآفَاتُ قَوِيَّاتِ الْمِرَرِ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ لا يُصْلِحُ الأَشَرُ الْبَشَرَ، وَاسْتَبَانُوا أَنَّ بَيْعَهُمْ بَيْعُ الْغَرَرِ. كَمْ رَاعَتِ الْمَنُونُ سِرْبًا سِرْبًا، كَمْ أَثَارَتْ قَسْطَلا وَحَرْبًا، تَاللَّهِ لَقَدْ جَالَتْ بُعْدًا وَقُرْبًا، فَاسْتَلَبَتِ الْبُعْدَى وَذَوِي الْقُرْبَى، كَمْ عَمَّرَتْ بِخَرَابِ دُورِهِمْ تُرْبًا، فَسَلْ بِهَا حَالَ سَلْبِهَا كَيْفَ اسْتَلَبَتْهُمْ سَلْبًا. أَيْنَ مُلُوكُهَا وَأُمَرَاؤُهَا، وَمُدَّاحُهَا وَشُعَرَاؤُهَا وَسُحَرَاؤُهَا وَخُدَّامُهَا، وَأَحْرَارُهَا وَعَبِيدُهَا وَأَسْرَاهَا وَغِنَاؤُهَا بِالأَمْوَالِ وثراؤها، باكرتهم والله بكراؤها فأعجز إبطاءهم إيرادها فَضَمَّتْهُمْ عَنْ قَلِيلِ صَحَرَاؤُهَا: (أَمَّا الْجَدِيدَانِ مِنْ ثَوْبِي وَمِنْ جَسَدِي ... فَيَبْلَيَانِ وَلا يَبْلَى الْجَدِيدَانِ) (بُرْدُ الشَّبَابِ وَبُرْدُ النَّاسِجِ ابْتُذِلا ... وَهَلْ يَدُومُ عَلَى الْبَرْدَيْنِ بُرْدَانِ) (الدَّهْرُ لَوْنَانِ أَعْيَا ثَالِثٌ لَهُمَا ... وَكَمْ أَتَاكَ بِأَشْبَاهٍ وَأَلْوَانِ) (لَوْ كَانَ يَعْرِفُ دُنْيَاهُ مُصَاحِبُهَا ... أَرَادَهَا لِعَدُوٍّ دُونَ إِخْوَانِ) (وَمَا أُبَالِي وَأَرْدَانِي مُبَرَّأَةٌ ... مِنَ الْعُيُوبِ إِذَا مَا الْحَتْفُ أَرْدَانِي) يَا مَنْ قَدْ سَارَتْ بِالْمَعَاصِي أَخْبَارُهُ، يَا مَنْ قَدْ قَبُحَ إِعْلانُهُ وإسراره، فقيراً يا مِنَ الْهُدَى أَهْلَكَهُ إِعْسَارُهُ، أَتُؤْثِرُ الْخُسْرَانَ قُلْ لِي أَوْ تَخْتَارُهُ، يَا كَثِيرَ الذُّنُوبِ وَقَدْ دَنَا إِحْضَارُهُ، يَا مَأْسُورًا فِي حَبْسِ الزَّلَلِ لا يَنْفَعُهُ إِحْصَارُهُ، نَقْدُكَ بَهْرَجٌ إِذَا حُكَّ مِعْيَارُهُ، كَمْ رُدَّ عَلَى مِثْلِكَ دِرْهَمُهُ وَدِينَارُهُ، يَا مُحْتَرِقًا بِنَارِ الْهَوَى مَتَى تَخْبُو نَارُهُ، مَا يَلِينُ قَلْبُكَ لِغَامِزٍ، وَمَا يُرَى لِمَا تَشْتَهِي مُتَجَاوَزٌ، مَا هَذَا الْفِعْلُ فِعْلُ

стр. 608

فَائِزٍ، إِنَّ مُطِيعَ الزَّمَانِ حَالٌّ عَاجِزٌ، وَإِنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ لَمَفَاوِزَ، فِيهَا أَهْوَالٌ وَهَزَاهِزُ تُقَوِّمُكَ ولا تستوي، من يغير الغرائز؟ (أيها النَّفْسُ اسْمَعِي لِقِيلِي ... أَنْتِ مِنَ الْحَيَاةِ فِي أَصِيلِ) (وَفِي غُرُورِ أَمَلٍ طَوِيلٍ ... فَلا يَغُرَّنَّكِ ضُحَى التَّأْمِيلِ) (فَقَدْ دَنَتْ شَمْسُكَ لِلأُفُولِ ... ) عِبَادَ اللَّهِ: هَذِهِ الأَيَّامُ مَطَايَا فَأَيْنَ الْعُدَّةُ قَبْلَ الْمَنَايَا، أَيْنَ الأَنَفَةُ مِنْ دَارِ الأَذَايَا، أَيْنَ الْعَزَائِمُ أَرَضِيتُمْ بِالدَّنَايَا، إِنَّ بَلِيَّةَ الْهَوَى لا تُشْبِهُ الْبَلايَا، وَإِنَّ خَطِيئَةَ الإِصْرَارِ لا كَالْخَطَايَا، يَا مَسْتُورِينَ سَتَظْهَرُ الْخَبَايَا، سَرِيَّةُ الْمَوْتِ لا تُشْبِهُ السَّرَايَا، قَضِيَّةُ الزَّمَانِ لَيْسَتْ كَالْقَضَايَا، رَاعِي السَّلامَةِ يَقْتُلُ الرَّعَايَا، رَامِي الْمَنُونِ يُصْمِي الرَّمَايَا، مَلَكُ الْمَوْتِ لا يَقْبَلُ الْهَدَايَا. أَيُّهَا الشَّابُّ سَتُسْأَلُ عَنْ شَبَابِكَ، أَيُّهَا الْكَهْلُ تَأَهَّبْ لِعِتَابِكَ، أَيُّهَا الشَّيْخُ تَدَبَّرْ أَمْرَكَ قَبْلَ سَدِّ بَابِكَ، كُنْتَ فِي بِدَايَةِ الشَّبَابِ أَصْلَحَ، فَيَا عَجَبًا كَيْفَ أَفْسَدَ مَنْ أَصْلَحَ، يَا مَرِيضَ الْقَلْبِ قِفْ بِبَابِ الطَّبِيبِ، يَا مَبْخُوسَ الْحَظِّ اشْكُ فَوَاتَ النَّصِيبِ، لُذْ بِالْجَنَابِ ذَلِيلا، وَقِفْ عَلَى الْبَابِ طَوِيلا، وَاتَّخِذْ فِي هَذَا الْعَشْرِ سَبِيلا، وَاجْعَلْ جَنَابَ التَّوْبَةِ مَقِيلا، وَاجْتَهِدْ فِي الْخَيْرِ تَجِدْ ثَوَابًا جَزِيلا، قُلْ فِي الأَسْحَارِ: أَنَا تائب، ناد فِي الدُّجَى: قَدْ قَدِمَ الْغَائِبُ: (أَنَا الْمُسِيءُ المذنب الخاطي ... المفرط البين إفراطي) (فإنا تُعَاقِبْ أَنَا أَهْلٌ لَهُ ... وَأَنْتَ أَهْلُ الْعَفْوِ عَنْ خَاطِي) أَلْجَأَنِي إِلَى الذُّلِّ أَنَا الْجَانِي، وَأَلْقَانِي الزَّلَلُ عَلَى بَابِ الأَسَفِ بِدَمْعِي الْقَانِي ولقد أقرح شأني من خوف شانىء شَانِي: (اعْفُ عَنِّي وَأَقِلْنِي عَثْرَتِي ... يَا عِمَادِي للمات الزَّمَنْ) (لا تُعَاقِبْنِي فَقَدْ عَاقَبَنِي ... نَدَمٌ أَتْلَفَ رُوحِي وَالْبَدَنْ) (لا تُطَيِّرْ وَسَنًا عَنْ مُقْلَةٍ ... أَنْتَ أَهْدَيْتَ لَهَا طِيبَ الْوَسَنْ) (إِنْ تُؤَاخِذْنِي فَمَنْ ذَا أَرْتَجِي ... وَإِذَا لَمْ تَعْفُ عَنْ ذنبي فمن)

стр. 609

الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فعل ربك بعاد﴾ خَوَّفَ الْمُخَالِفِينَ مَا فَعَلَ بِنُظَرَائِهِمْ. وَفِي إِرَمَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ اسْمُ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، وَمَعْنَاهُ: الْقَدِيمَةُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ مِنْ قَوْمِ عَادٍ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ اسْمٌ لِجَدِّ عَادٍ لأَنَّهُ عَادُ بْنُ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. قَالَهُ إِسْحَاقُ. وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ: " بِعَادِ إِرَمَ " عَلَى الإِضَافَةِ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ اسْمُ بَلْدَةٍ. ثُمَّ فِيهَا ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهَا دِمَشْقُ. قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعِكْرِمَةُ. وَالثَّانِي: الإِسْكَنْدَرِيَّةُ. قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا مَدِينَةٌ صَنَعَهَا شَدَّادُ بْنُ عَادٍ قَالَهُ كَعْبٌ. فَيَخْرُجُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى " ذَاتِ العماد " أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ عَمَدٍ وَخِيَامٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِمَادِ: الطُّولُ. قَالَهُ الزَّجَّاجُ، يُقَالَ: عَمَدَ إِذَا كَانَ طَوِيلا. وَالثَّالِثُ: ذَاتُ الشِّدَّةِ. وَالرَّابِعُ: ذَاتُ الْبِنَاءِ الْمُحْكَمِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ فيه قولان:

стр. 610

أَحَدُهُمَا: الْقَبِيلَةُ فِي طَوْلِهَا وَقُوَّتِهَا. وَالثَّانِي: الْمَدِينَةُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ بِسَنَدِهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلابَةَ أَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لَهُ شَرَدَتْ، فَبَيْنَا هُوَ فِي صَحَارَى عَدَنِ أَبْيَنَ فِي تِلْكَ الْفَلَوَاتِ إِذْ هُوَ قَدْ وَقَعَ عَلَى حِصْنٍ، حَوْلَ ذَلِكَ الْحِصْنِ قُصُورٌ كَثِيرَةٌ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا ظَنَّ أَنَّ فِيهَا أَحَدًا يَسْأَلُهُ عَنْ إِبِلِهِ فَإِذَا لا خَارِجَ وَلا دَاخِلَ. فَنَزَلَ عَنْ نَاقَتِهِ فَعَقَلَهَا ثُمَّ اسْتَلَّ سَيْفَهُ وَدَخَلَ مِنْ بَابِ الْحِصْنِ فَإِذَا هُوَ بِبَابَيْنِ عَظِيمَيْنِ لَمْ يَرَ فِي الدنيا شيء أَعْظَمَ مِنْهُمَا وَلا أَطْوَلَ، وَفِي الْبَابَيْنِ نُجُومٌ مِنْ يَاقُوتٍ أَبْيَضَ وَيَاقُوتٍ أَحْمَرَ تُضِيءُ الْبَابَيْنِ مَا بَيْنَ الْحِصْنِ وَالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ أَعْجَبَهُ وَتَعَاظَمَهُ الأَمْرُ فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِمَدِينَةٍ لَمْ يَرَ الرَّاءُونَ مِثْلَهَا قَطُّ، فَإِذَا هُوَ فِي قُصُورٍ كُلُّ قَصْرٍ مُعَلَّقٌ تَحْتَهُ أَعْمِدَةٌ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ. وَمِنْ فَوْقِ كُلِّ قَصْرٍ مِنْهَا غُرَفٌ. وَمِنْ فَوْقِ الْغُرَفِ غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ، وَكُلُّ مَصَارِيعِ تِلْكَ الْقُصُورِ وَتِلْكَ الْغُرَفِ مِثْلُ مَصَارِعِ بَابِ الْمَدِينَةِ بِالْيَاقُوتِ الأَبْيَضِ وَالأَحْمَرِ، مَفْرُوشَةٌ تِلْكَ الْقُصُورُ وَتِلْكَ الْغُرَفُ بِاللُّؤْلُؤِ وَبَنَادِقُ الْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانُ، فَلَمَّا عَايَنَ الرَّجُلُ ذَلِكَ وَلَمْ يَرَ أَحَدًا هَالَهُ ذَلِكَ وَأَفْزَعَهُ ثُمَّ نَظَرَ فِي الأَزِقَّةِ فَإِذَا هُوَ بِشَجَرٍ فِي كُلِّ زُقَاقٍ مِنْهَا قَدْ أَثْمَرَ، وَتَحْتَ الأَشْجَارِ أَنْهَارٌ مُطَّرِدَةٌ يَجْرِي مَاؤُهَا فِي قَنَوَاتٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ إِنَّ هَذِهِ لَلْجَنَّةُ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ . ثُمَّ حَمَلَ مَعَهُ مِنْ لُؤْلُئِهَا وَزَبَرْجَدِهَا ثُمَّ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ فَأَظْهَرَ مَا كَانَ مَعَهُ وَأَعْلَمَ النَّاسَ أَمْرَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فَكَتَبَ إِلَى صَنْعَاءَ فَجِيءَ بِهِ فَسَأَلَهُ عَمَّا رَأَى فَأَخْبَرَهُ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَأَرَاهُ مَا قَدْ أَخَذَ مِنْهَا لُؤْلُؤًا قَدِ اصْفَرَّ وَبَنَادِقَ مِسْكٍ لَمْ يَجِدْ لَهَا رِيحًا فَفَتَّهَا فَإِذَا رِيحُ الْمِسْكِ، فَبَعَثَ إِلَى كَعْبٍ وَقَالَ: إِنِّي دَعَوْتُكَ إِلَى شَيْءٍ رجَوْتُ أَنْ يَكُونُ عِلْمُهُ عِنْدَكَ هَلْ بَلَغَكَ أَنَّ فِي الدُّنْيَا مَدِينَةً مَبْنِيَّةً بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَمَدُهَا زَبَرْجَدٌ وَيَاقُوتٌ وَحَصْبَاؤُهَا لُؤْلُؤٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ هِيَ إِرَمُ ذَاتُ الْعِمَادِ الَّتِي بَنَاهَا شَدَّادُ بْنُ عَادٍ. قَالَ حَدِّثْنَا حَدِيثَهَا. فَقَالَ: إِنَّ عَادًا الأَوَّلَ كَانَ لَهُ ابْنَانِ شَدِيدٌ وَشَدَّادٌ فَهَلَكَ عَادٌ وَمَلَكَ ابْنَاهُ الْبِلادَ وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إلا فِي طَاعَتِهِمَا ثُمَّ مَاتَ شَدِيدٌ فَمَلَكَ شَدَّادٌ وَحْدَهُ فَكَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا جَمِيعًا،

стр. 611

وَكَانَ مُولَعًا بِقِرَاءَةِ الْكُتُبِ وَكُلَّمَا مَرَّ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى أَنْ يَبْنِيَ مِثْلَهَا عُتُوًّا عَلَى اللَّهِ ، فَأَمَّرَ عَلَى صَنْعَتِهَا مِائَةَ قَهْرَمَانٍ مَعَ كُلِّ قَهْرَمَانٍ أَلْفٌ مِنَ الأَعْوَانِ ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى أَطْيَبِ فَلاةٍ فِي الأَرْضِ وَأَوْسَعِهَا فَاعْمَلُوا لِي مَدِينَةً مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَيَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَلُؤْلُؤٍ تَحْتَ تِلْكَ الْمَدِينَةِ أَعْمِدَةٌ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَفَوْقَ الْقُصُورِ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِ الْغُرَفِ غُرَفٌ وَاغْرِسُوا تَحْتَ تِلْكَ الْقُصُورِ فِي أَزِقَّتِهَا أَصْنَافَ الثِّمَارِ وَأَجْرَوْا تَحْتَهَا الأَنْهَارَ فَإِنِّي أَسْمَعُ فِي الْكُتُبِ صِفَةَ الْجَنَّةِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَجْعَلَ مِثْلَهَا فِي الدُّنْيَا. فَقَالُوا: كَيْفَ نَقْدِرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ لَنَا مِنَ الزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؟ قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مُلْكَ الدُّنْيَا كُلِّهَا بِيَدِي؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ فَانْطَلِقُوا إِلَى مَعَادِنِ الزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَخُذُوا مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ. وَكَتَبَ إِلَى كُلِّ مَلِكٍ فِي الدُّنْيَا يَأْمُرُهُ أَنْ يَجْمَعَ مَا فِي بِلادِهِ مِنْ جَوْهَرِهَا وَيَحْفِرُ مَعَادِنَهَا، فَجَمَعُوا ذَلِكَ فِي عَشْرِ سِنِينَ، وَكَانَ عَدَدُ الْمُلُوكِ مِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ مَلِكًا وَخَرَجَ الْفَعَلَةُ فَتَبَدَّدُوا فِي الصَّحَارَى فَوَقَعُوا عَلَى صَحْرَاءَ عَظِيمَةٍ نَقِيَّةٍ مِنَ الْجِبَالِ وَالتِّلالِ فَإِذَا هُمْ بِعُيُونٍ مُطَّرِدَةٍ فَقَالُوا: صِفَةُ الَّتِي أُمِرْنَا بِهَا، فَأَخَذُوا بِقَدْرِ الَّذِي أَمَرَهُمْ مِنَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَأَجْرَوْا قَنَوَاتِ الأَنْهَارِ وَوَضَعُوا الأَسَاسَ وَأَرَسْلَتْ إِلَيْهِمُ الْمُلُوكُ بِالزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَالذَّهَبِ والفضة واللؤلؤ والجوهر وأقاموا في ذلك ثلاثمائة سنة، وكان عمر شداد تسعمائة سَنَةٍ فَلَمَّا أَتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ بِفَرَاغِهِمْ مِنْهَا قَالَ: انطلقوا فاجعلوا عليها حِصْنًا وَاجْعَلُوا حَوْلَ الْحِصْنِ أَلْفَ قَصْرٍ عِنْدَ كُلِّ قَصْرٍ أَلْفُ عَلَمٍ يَكُونُ فِي كُلِّ قَصْرٍ وَزِيرٌ مِنْ وُزَرَائِي. فَفَعَلُوا ثُمَّ أَخْبَرُوهُ فَأَمَرَ أَلْفَ وَزِيرٍ مِنْ خَاصَّتِهِ وَمَنْ يَثِقُ به أن يتهيأوا لِلنُّقْلَةِ إِلَى إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ وَأَمَرَ مَنْ أَرَادَ مِنْ نِسَائِهِ وَخَدَمِهِ بِالْجَهَازِ فَأَقَامُوا فِي جَهَازِهِمْ عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ سَارَ بِمَنْ أَرَادَ فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَعَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ صَيْحَةً مِنَ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَتْهُمْ جَمِيعًا وَلَمْ يَدْخُلْ إِرَمَ وَلا أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ وَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ حَتَّى السَّاعَةِ. وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ دَغْفَلٍ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عُلَمَاءِ حِمْيَرَ قَالُوا: لَمَّا هَلَكَ شَدَّادُ بْنُ عَادٍ

стр. 612

وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّيْحَةِ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ ابْنُ شَدَّادٍ وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ خَلَّفَهُ بِحَضْرَمَوْتَ عَلَى مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ فَأَمَرَ بِحَمْلِ أَبِيهِ مِنْ تِلْكَ الْمَغَارَةِ إِلَى حَضْرَمَوْتَ وَأَمَرَ فَحُفِرَتْ لَهُ حَفِيرَةٌ فِي مَغَارَةٍ فَاسْتَوْدَعَهُ فِيهَا عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَلْقَى عَلَيْهِ سَبْعِينَ حُلَّةً مَنْسُوجَةً بِقُضْبَانِ الذَّهَبِ وَوَضَعَ عِنْدَ رَأْسِهِ لَوْحًا عَظِيمًا مِنْ ذَهَبٍ وَكَتَبَ عَلَيْهِ: (اعْتَبِرْ بِي أَيُّهَا المغرور ... بالعمر المديد) (أنا شداد عَادٍ ... صَاحِبُ الْحِصْنِ الْعَمِيدِ) (وَأَخُو الْقُوَّةِ وَالْبَأْسَاءِ ... وَالْمُلْكِ الْمَشِيدِ) (دَانَ أَهْلُ الأَرْضِ لِي ... مِنْ خَوْفِ وَعِيدِي) (وَمَلَكْتُ الشَّرْقَ وَالْغَرْبَ ... بِسُلْطَانٍ شَدِيدِ) (وَبِفَضْلِ الْمُلْكِ وَالْعِدَةِ ... فِيهِ وَالْعَدِيدِ) (فَأَتَى هُودٌ وَكُنَّا ... فِي ضَلالٍ قَبْلَ هُودِ) (فَدَعَانَا لَوْ قبلناه ... في الأمر الشديد) (فعصيناه وناديت ... ألاهل مِنْ مَجِيدِ) (فَأَتَتْنَا صَيْحَةٌ تَهْوِي ... مِنَ الأُفْقِ الْبَعِيدِ) (فَتَوَافَيْنَا كَزَرْعٍ ... وَسَفَا بَيْدَا حَصِيدِ) قَوْلُهُ تعالى ﴿وثمود الذين جابوا الصخر بالواد﴾ قطعوه ونقبوه ﴿وفرعون ذي الأوتاد﴾ فِيهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ يُعَذِّبُ النَّاسَ بِأَرْبَعَةِ أَوْتَادٍ يَشُدُّهُمْ فِيهَا ثُمَّ يَرْفَعُ صَخْرَةً فَتُلْقَى عَلَى الإِنْسَانِ فَتَشْدِخُهُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى: ذُو الْبِنَاءِ الْمُحْكَمِ. قاله الضحاك.

стр. 613

وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالأَوْتَادِ الْجُنُودُ، كَانُوا يَشُدُّونَ مُلْكَهُ. وَهَذِهِ الأَقْوَالُ الثَّلاثَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ كَانَ يَبْنِي مَنَارًا يَذْبَحُ عَلَيْهَا النَّاسَ. وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ أُسْطُوَانَاتٍ يَأْخُذُ الرَّجُلَ فَيَمُدُّ كُلَّ قَائِمَةٍ مِنْهُ إِلَى أُسْطُوَانَةٍ فَيُعَذِّبُهُ. رُوِيَ الْقَوْلانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ أَوْتَادٌ وَأَرْسَانٌ وملاعب يلعب به عَلَيْهَا. قَالَهُ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ طغوا في البلاد﴾ يعني عادا وثمودا وَفِرْعَوْنَ عَمِلُوا بِالْمَعَاصِي وَتَجَبَّرُوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تعالى فأكثروا فيها الفساد بِالْقَتْلِ وَالْمَعَاصِي. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إِنَّمَا قَالَ: سَوْطُ عَذَابٍ لأَنَّ التَّعْذِيبَ قَدْ يَكُونُ بِالسَّوْطِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ جَعَلَ سَوْطَهُ الَّذِي ضَرَبَهُمْ بِهِ الْعَذَابَ. ﴿إِنَّ ربك لبالمرصاد﴾ أَيْ يَرْصُدُ مَنْ كَفَرَ بِهِ بِالْعَذَابِ. قَالَ الأَزْهَرِيُّ: الْمِرْصَادُ الْمَكَانُ الَّذِي يَجِدُ فِيهِ الرَّاصِدُ الْعَدُوَّ. سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ أَيْنَ مَنْ أَصْبَحَ بِلَذَّاتِهِ مُغْتَبِطًا، أَمْسَى فِي صُمَاتِهِ مُعْتَبِطًا، أَيْنَ مَنْ كَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا، نَدِمَ إِذَا ارْتَكَبَ غَلَطًا، أَيْنَ مَنْ سَلَكَ سَبِيلا شَطَطًا، نَزَلَ لَحْدًا مَا فِيهِ وِطَا، وَجَأَهُ الْمَلَكَانِ فَأَفْزَعَا وَأَفْرَطَا، وَافْتَضَحَ بِقَبِيحِهِ وَانْكَشَفَ الْغِطَا. (مَا بَيْنَ يَوْمِ الْمُهِينَاتِ ... وَبَيْنَ يَوْمِ المغريات)

стр. 614

(إِذَا تَأَمَّلْتَ بَعِيدًا ... إِلا كَمَا بَيْنَ هَا وَهَاتِ) قُلْ لِلْمَشْغُولِينَ بِالْفَسَادِ الْوَاقِفِينَ مَعَ الْعِنَادِ: إِلَى مَتَى ظُلْمُ الْعِبَادِ، كَمْ مُسْتَلَبٍ مَا نال المراد ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ . أَمَا عَادَ الْعَذَابُ عَلَى عَادٍ؟ أَمَا أُمْرِضَ وَمَا عَادَ، أَيْنَ مَنِ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ أَوْ كَادَ؟ كَادَهُ الْجَبَّارُ فِيمَنْ كَادَ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ . بيناهم فِي ظُلَمِ الْمَظَالِمِ سُلِبَ عَلَى أَقْبَحِ فِعْلِهِ الظَّالِمُ، فَبَاتَ يَقْرَعُ سِنَّ نَادِمٍ وَلَكِنْ لَمَّا عثر الجواد. أخذوا لله فِي مَضِيقِهِ، وَأَغَصَّهُ الْمَوْتُ بِرِيقِهِ، وَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا فِي طَرِيقِهِ لا مَاءَ وَلا زَادَ. كَأَنَّكَ بِكَ قَدْ بَلَغْتَ النُّبُوَّةَ، وَصُرِعْتَ صَرْعَةً تُعْجِزُكَ الأَوْبَةَ. وَقُمْتَ تَعْرِضُ يَوْمَئِذٍ سِلَعَ التَّوْبَةِ وَلَكِنْ وَقْتَ الْكَسَادِ، فَلا تَغْتَرَّ بِمَالِكَ وَقَصْرِكَ، وَلا تُعْجَبْ بِنَهْيِكَ وَأَمْرِكَ، يَا طَائِرَ الْهَوَى سَتُؤْخَذُ مِنْ وَكْرِكَ وَمَا تُعْجِزُ الصَّيَّادَ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ . مَنْ لَكَ إِذَا سُئِلْتَ عَنْ خُلُقِكَ وَجُوزِيتَ بِأَقْبَحِ عَمَلِكَ، تَاللَّهِ إِنْ تُبْتَ مِنْ ذَلِكَ فَكُلُّ عَشْرِكَ أَعْيَادٌ. كَمْ أَرْشُدُكَ إِلَى رَشَادِكَ وَأَنْتَ عَلَى فَسَادِكَ، كَمْ أَدْعُوكَ إِلَى إِسْعَادِكَ وأنت مع سعادك، ضرب بوق رحليك وَما اهْتَمَمْتَ بِزَادِكَ، أَنَا فِي وَادٍ وَأَنْتَ فِي وَادٍ. لَقَدْ بَالَغْتُ لَكَ فِي النَّصَائِحِ وَقُمْتُ مُنْذِرًا عُقْبَى الْقَبَائِحِ، وَالطَّرِيقُ وَاضِحٌ وَالْعَلَمُ لائح، ﴿ومن يضلل الله فماله من هاد﴾ وَالْحَمْدُ للَّهِ وَحْدَهُ.

стр. 615

الْمَجْلِسُ الْحَادِي عَشَرَ فِي ذِكْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لِهَيْبَةِ عَظَمَتِهِ تَحَرَّكَ السَّاكِنُ وَارْتَجَّ، وَلِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ الْتَطَمَتْ أَمْوَاجُ الْبَحْرِ وَثَجَّ، وَمِنْ يَسِيرِ بَلائِهِ اسْتَغَاثَ الشَّدِيدُ الصَّبْرُ وَضَجَّ، وَإِلَى كَثِيرِ عَطَائِهِ قَطَعَ قَاصِدُوهُ الْعَمِيقَ الْفَجَّ، الَّذِي أَظْهَرَ فِي شَهْرِكُمْ هَذَا مِنْ دِمَاءِ الْقَرَابِينِ السَّفْحَ وَالشَّجَّ، وَأَحَبَّ مَنْ أَكْثَرَ الدُّعَاءَ فِيهِ وَأَلَحَّ وَلَجَّ، وَسَمَّاهُ ذَا الْحِجَّةِ وَشَرَعَ فِيهِ إِلَى بَيْتِهِ الْحَجَّ، الَّذِي اسْتَدْعَى مَنْ شَاءَ إِلَى زِيَارَةِ بَيْتِهِ الْعَتِيقِ، وَحَرَّكَ عَزْمَ الْقَاصِدِ وَأَعَانَهُ بِالتَّوْفِيقِ، وَسَهَّلَ لِلسَّالِكِينَ إِلَى حَرَمِهِ مُسْتَوْعَرَ الطَّرِيقِ، وَوَعَدَ الطَّائِعِينَ الْقَبُولَ وَهُوَ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ خَلِيقٌ، وَأَزْعَجَ قَاصِدِيهِ عَنْ مَسَاكِنِهِمْ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ أَمَاكِنِهِمْ بِالتَّشْوِيقِ، فَرَضُوا مِنْ أَهْلِهِمْ وَفَرِيقِهِمْ بِالْبِعَادِ وَالتَّفْرِيقِ، وَسَارَتْ بِهِمُ الأَيْنُقُ عَنِ الرَّبْعِ الأَنِيقِ، وَجَدَّتْ بِهِمُ النَّجَائِبُ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ سَحِيقٍ، فَأَقْبَلُوا بَيْنَ مَاشٍ عَلَى قَدَمَيْهِ اسْتَسْعَاهُ يَقِينُ الصِّدِّيقِ ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كل فج عميق﴾ . أَحْمَدُهُ حَمْدَ مُوقِنٍ آمِنٍ بِهِ وَعَرَفَهُ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى إِدْرَاكِ ذِي الْحِجَّةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَشْهَدُ لَهُ بِنَفْيِ الْمَثَلِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَةِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالرَّحْمَةِ وَبِالرَّأْفَةِ وَصَفَهُ، [ ﷺ ] وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي حَالَفَهُ وَمَا خَالَفَهُ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي رَفَضَ الدُّنْيَا أَنَفَةً، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ وَأَسْعَفَهُ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي مَا أَشْكَلَ عِلْمٌ إِلا وَكَشَفَهُ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي عَظَّمَ اللَّهُ بَيَتْهُ وَشَرَّفَهُ.

стр. 616

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ يَوْمَكُمْ هَذَا يَوْمٌ قَدْ عَظَّمَ اللَّهُ أَمْرَهُ وَرَفَعَ عَلَى الأَيَّامِ قَدْرَهُ. وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِهِ فقال: ﴿والشفع والوتر﴾ فَذَكَرْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " الشَّفْعُ يَوْمُ النَّحْرِ وَالْوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ " وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال في قوله تعالى: ﴿وشاهد ومشهود﴾ قَالَ: الشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَمِنْ فَضَائِلِهِ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فِيهِ: ﴿الْيَوْمَ أكملت لكم دينكم﴾ . أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: يا أمير المؤمنين إنكم تقرؤون آيَةً فِي كِتَابِكُمْ لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ هِيَ؟ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دينا﴾ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالسَّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، نَزَلَتْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَمِنْ فَضَائِلِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبَاهِي بِالْحَاجِّ فِيهِ مَلائِكَتَهُ وَيَعُمُّ بِالْغُفْرَانِ. أَخْبَرَنَا سَعْدُ الْخَيْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلائِكَةُ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ. انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 617

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَنْزِلُ اللَّهُ ﵎ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلائِكَةَ فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ عَتِيقًا مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ ". أخبرنا عبد الله بن علي المقرىء بِسَنَدِهِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يَنْزِلُ اللَّهُ فِيهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلائِكَةِ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَؤُلاءِ شُعْثًا غُبْرًا جَاءُونِي مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ضَاجِّينَ يَسْأَلُونِي رَحْمَتِي وَلَمْ يَرَوْنِي وَيَتَعَوَّذُونَ بِي مِنْ عَذَابِي وَلَمْ يَرَوْنِي. فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرُ عَتِيقًا وَلا عَتِيقَةً مِنْهُ، وَلا يَغْفِرُ اللَّهُ فِيهِ لِمُخْتَالٍ ". أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ بِسَنَدِهِ عن الصباح ابن مُوسَى، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لا يَبْقَى أَحَدٌ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلا غُفِرَ لَهُ. فَقَالَ رجل: لأهل معرف يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ: لا بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً. فَأَمَّا ثَوَابُ صَائِمِيهِ فَأَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ: " كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ ". وَأَخْبَرَنَاهُ عَالِيًا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَنْمَاطِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ قَالَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ. انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظٍ: إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ ". أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ

стр. 618

عبد الرحمن ابن أَبِي بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهِيَ صَائِمَةٌ وَالْمَاءُ يُرَشُّ عَلَيْهَا فَقَالَ لَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَفْطِرِي. فَقَالَتْ أُفْطِرُ وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ الْعَامَ الَّذِي قَبْلَهُ ". وَاعْلَمْ أَنَّ صَوْمَهُ مُسْتَحَبٌّ لِغَيْرِ الْحَاجِّ. فَأَمَّا الْحَاجُّ فَلا يُسْتَحَبُّ لَهُ صَوْمُهُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ وَلِكَوْنِهِ ضَيْفًا للَّهِ تَعَالَى. فَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِالذِّكْرِ فِيهِ فَمِنْهُ التَّكْبِيرُ عُقَيْبَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ فَابْتِدَاؤُهُ فِي حَقِّ الْمُحِلِّ: صَلاةُ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ. وَفِي حَقِّ الْمُحْرِمِ صَلاةُ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَيَجْتَمِعَانِ فِي صَلاةِ الْعَصْرِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ شَفْعٌ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَللَّهِ الْحَمْدُ. وَمِنَ الأَذْكَارِ مَا أَخْبَرَنَا به أبو الفتح ابن أَبِي الْقَاسِمِ بِسَنَدِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " خَيْرُ الدُّعَاءِ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ". وَقَدْ رُوِيَتْ صَلاةٌ لِيَوْمِ عَرَفَةَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَصِحُّ وَلا يَثْبُتُ فَلِذَلِكَ تَنَكَّبْنَاهَا. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُحْيِي لَيْلَةَ النَّحْرِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي فَضْلِ إِحْيَائِهَا حَدِيثًا فِيمَا تَقَدَّمَ. وَاعْلَمُوا أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَوْمٌ عَظِيمٌ قَالَ ﷺ : " أَفْضَلُ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ النَّفْرِ ". وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ آدَابِ الْعِيدِ وَمَا يُفْعَلُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ: أَنْ لا يَأْكُلَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلاةِ وَأَنْ يُضَحِّيَ مَنْ أَمْكَنَهُ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الأُضْحِيَةِ " إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلافِهَا وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ

стр. 619

بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا ". وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ. وَقَالَ ﷺ لِفَاطِمَةَ ﵂: " قُومِي إِلَى أُضْحِيَتِكَ فَاشْهَدِيهَا فَإِنَّ لَكِ بِكُلِّ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكِ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكَ. فَقِيلَ لَهُ: هَذَا لآلِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً؟ قَالَ بَلْ هِيَ لآلِ مُحَمَّدٍ وَلِلنَّاسِ عَامَّةً ". أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُجَلِّي بِسَنَدِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ دَاوُدَ بْنِ الْجَرَّاحِ، قال قرىء عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ زَيْدٍ وَأَنَا أَسْمَعُ قِيلَ لَهُ: حَدَّثَكُمْ عَمْرُو بْنُ النَّضْرِ الْغَزَّالُ، عَنْ عِصْمَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ قَالَ " أَوَّلُ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِ الأُضْحِيَةِ كَفَّارَةٌ لأَرْبَعَةِ آلافِ خَطِيئَةٍ ". وَمِنْ شَرَفِ يَوْمِ النَّحْرِ أَنَّ الله ابتلى به الْخَلِيلَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقِصَّةَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ (لَكَ فِي الْمَشِيبِ أَكْبَرُ الْوَعْظِ لَوْ ... فَكَّرْتَ يَا مُعْرِضًا عَنِ الْوَعْظِ صَفْحَا) (أَهْدَتِ الأَرْبَعُونَ مِنْهُ إِلَى لَيْلِ ... عِذَارَيْكَ وَالْمَفَارِقَ صُبْحَا) (عَادَ فَوْدَاكَ وَالذَّوَائِبُ والعارض ... الله عنه فَجْرًا مِنْ بَعْدِ مَا كُنَّ جُنْحَا) (وَهَبَ الشَّيْبُ قَوْسَهُ لَكَ وَاعْتَاضَ ... عَلَى الْكَرَّةِ مِنْ شِطَاطِكَ رُمْحَا) (عَمَلُ الْمَرْءِ كَالتِّجَارَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ ... يَرَى خُسْرَانَهَا وَالرِّبْحَا) (فَلَحَى اللَّهُ مَعْشَرًا لا يَرَوْنَ الذَّمَّ ... ذَمًّا لَهُمْ وَلا الْمَدَائِحَ مَدْحَا) (كُلُّ ذِي غَفْلَةٍ تَرَاهُ بَخِيلا ... بِحُطَامِ الدُّنْيَا وَبِالدِّينِ سَمْحَا) (بَاتَ مِنْ جَهْلِهِ وَأَضْحَى يَظُنُّ اللعيد ... فِطْرًا يَأْتِي عَلَيْهِ وَأَضْحَى) (كَذَّبَتْهُ الظُّنُونُ مَا العيد إلا ... لامرىء آمِنٍ مِنَ النَّارِ لَفْحَا) للَّهِ دَرُّ أَقْوَامٍ أَعْيَادُهُمْ قَبُولُ الأَعْمَالِ، وَمُرَادُهُمْ أَشْرَفُ الآمَالِ، وَأَحْوَالُهُمْ تجري على كمال، وحلاهم التقى وياله من جمال.

стр. 620

أَنْبَأَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَابِتٍ الْخَطَّابَ يَقُولُ: رَأَيْتُ فَتْحًا الْمَوْصِلِيَّ فِي يَوْمِ عِيدِ أَضْحَى وَقَدْ شَمَّ رِيحَ الْعِنَازِ فَدَخَلَ إِلَى زُقَاقٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَقَرَّبَ الْمُتَقَرِّبُونَ بِقُرْبَانِهِمْ وَأَنَا أَتَقَرَّبُ بِطُولِ حُزْنِي، يَا مَحْبُوبًا كَمْ تَتْرُكُنِي فِي أَزِقَّةِ الدُّنْيَا مَحْزُونًا. ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ وَحُمِلَ فَدَفَنَّاهُ بَعْدَ ثَلاثٍ. أَيْنَ مَنْ ضَحَّى بِشَهَوَاتِ نَفْسِهِ فَأَمَاتَ حَظَّهَا، أَيْنَ مَنْ حَثَّهَا عَلَى لِحَاقِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَحَضَّهَا، أَيْنَ مَنْ خَوَّفَهَا حِسَابَهَا وَحَذَّرَهَا عَرَضَهَا، أَيْنَ مَنْ قَطَعَ مِنْ طُولِ الْمُجَاهَدَةِ طُولَهَا وَعَرْضَهَا، وَأَيْنَ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ مَقَامَاتِ الْمَقْبُولِينَ وَلَوْ بَعْضَهَا، أَيْنَ مَنْ أَعْمَلَ عَزَائِمَ الْوَفَاءِ وَأَهْمَلَ هِمَمَ الْجَفَاءِ وَقَصَدَ نَقْضَهَا، يَا مَنْ يُسَرُّ بِعِيدٍ وَقَدْ تَعَدَّى الْحُدُودَ، أَتَرْضَى أَنْ تُحْشَرَ فَتَتَحَسَّرَ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ. لَقَدْ أَسْمَعَتْكَ الْمَوَاعِظُ مِنْ إِرْشَادِهَا نُصْحًا، وَأَخْبَرَكَ الشَّيْبُ أَنَّكَ بِالْمَوْتِ تُقْصَدُ وَتُنْحَى، وَشَرَحَ الزَّمَانُ حَالَ مَنْ شَرَحَ قَبْلَكَ شَرْحًا. أَيْنَ مَنْ فَرِحَ بِعِيدِ الْفِطْرِ وَعِيدِ الأَضْحَى؟ أَمَا تَزَوَّدَ الْحَنُوطَ مِنَ الْعِطْرِ وفي القبر أضحى ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا﴾ (جَمَعُوا لِيَنْتَفِعُوا فَلَمَّا أَنْ دَعَوْا ... أَمْوَالَهُمْ حِينَ الرَّدَى لَمْ تَنْفَعِ) (وَاسْتَدْفَعُوا بِالْمَالِ كُلَّ مَضَرَّةٍ ... حَتَّى أَتَى الأَمْرُ الْعَزِيزُ الْمَدْفَعِ) (وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي ... جَمَعُوا بِمَرْأَى لِلْخُطُوبِ وَمَسْمَعِ) (هَتَفَ الْحِمَامُ بِكُلِّ حَيٍّ مِنْهُمُ ... فَأَجَابَهُ مُسْتَكْرَهًا كَالطَّيِّعِ) (وَأَرَاهُمُ فِي مَضْجَعٍ وَأَتَاهُمُ ... مِنْ مَطْلَعٍ وَسَقَاهُمُ مِنْ مَكْرَعِ) يَا مَنْ كُلَّمَا جُذِبَ عَنْ لَهْوِهِ رَسَبَ، هَذَا يُرِيدُ الْمَوْتَ لَكَ فِي الطَّلَبِ، بَادِرْ قَبْلَ الْفَوَاتِ فَالزَّمَانُ يُنْتَهَبُ، وَانْتَظِرْ سَلْبَ الدَّهْرِ مَا وَهَبَ، أَيْنَ الْجَامِعُ المانع للمذهب؟ ذَهَبَ، أَيْنَ مُخَاصِمُ الأَقْدَارِ قُلْ لِي مَنْ غَلَبَ؟ أَتَاهُ الْفَاجِعُ فَاقْتَرَبَ وَمَا ارْتَقَبَ، وَأَبْرَزَهُ مِنْ قَصْرِهِ وَلَطَالَمَا احْتَجَبَ، يَا مُعْرِضًا عَنَّا عَنَّاكَ التَّعَبُ، يَا

стр. 621

هَاجِرًا لَنَا إِلَى كَمْ ذَا الْغَضَبُ، يَا مُضْغَةً يَا عَلَقَةً خِدْمَتُنَا نَسَبٌ، يَا مُؤْثِرًا غَيْرَنَا بِعْتَ الدُّرَّ بِالْخَشَبِ، أَمَا يَسُوقُكَ إِلَى الْخَيْرِ مَا يَشُوقُ؟ أَمَا يَعُوقُكَ عَنِ الضَّيْرِ مَا يَعُوقُ؟ مَتَى تَرْجِعُ حُرًّا يَا مَرْقُوقُ، مَتَى تَصِيرُ سَابِقًا يَا مَسْبُوقُ، إِيَّاكَ وَالْهَوَى فَكَمْ قَتَلَ عَاشِقًا مَعْشُوقٌ، أَوَّلُ الْهَوَى سَهْلٌ ثُمَّ تَتَخَرَّقُ الْخُرُوقُ، كُلَّمَا حُصِدَ نَبَاتُهُ بِمِنْجَلِ الصَّبْرِ أَخْرَجَتِ الْعُرُوقُ، إِنْ لَذَّ شُرْبُهُ فِي الفم فشربه شجا فِي الْحُلُوقِ، وَإِنَّمَا لَذَّاتُ الدُّنْيَا مِثْلُ خَطْفِ الْبُرُوقِ، مَيِّزْ بَيْنَ مَا يَفْنَى وَمَا يَبْقَى تَرَ الْفُرُوقَ، خَلِّ خِلَّ التَّوَانِي إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَفُوقَ، تَاللَّهِ مَا نَصَحَكَ إِلا مُحِبٌّ أَوْ صَدُوقٌ. سَتَعْلَمُ أَيُّهَا الْعَاصِي مَا أَتَيْتَ، وَسَتَدْرِي يَوْمَ الْحِسَابِ مَنْ عَصَيْتَ، وَسَتَبْكِي دَمًا لِقُبْحِ مَا جَنَيْتَ، كَأَنَّكَ بِالْمَوْتِ قَدْ جَاءَ فَانْتَهَيْتَ وَارْعَوَيْتَ، وَتَذَكَّرْتَ تِلْكَ الْخَطَايَا فَتَعِسْتَ وَبَكَيْتَ، وَأُخْلِيَ مِنْكَ الْبَيْتُ شِئْتَ أَوْ أَبَيْتَ، وَصِحْتَ بِلِسَانِ الأَسَفِ: " رِبِّ ارْجِعُونِي " وَلَيْتَ، انْهَضْ يَا حَيًّا قَادِرًا قَبْلَ أَنْ تُسَمَّى بِاسْمِ مَيِّتٍ، وَيْحَكَ تَأَمَّلْ أَمْرَكَ وَافْتَحْ عَيْنَيْكَ، وَيْحَكَ كَمْ تعبى مِنَ الذُّنُوبِ عَلَيْكَ، إِنَّ سِهَامَ الْمَوْتِ قَدْ فُوِّقَتْ إِلَيْكَ، اقْبَلْ نُصْحِي وَقُمْ نَادِمًا عَلَى قَدَمَيْكَ، وَأَحِسَّهَا أَرْضَ عَرَفَةَ وَقُلْ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَذِّنْ فِي الناس بالحج يأتوك رجالا﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قَالَ: أَذِّنْ وعلي البلاغ. فعلا أبا قبيس وقال: يا أيها النَّاسُ إِنَّ رَبَّكُمْ قَدْ بَنَى بَيْتًا فَحُجُّوهُ. فأسمع من أصلاب الرجال وأرحام النساء ما سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَحُجَّ فَأَجَابُوهُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. وَقَوْلُهُ: " رِجَالا " أَيْ مُشَاةً. وَقَدْ حَجَّ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ مَاشِيَيْنِ، وحج

стр. 622

الحسن ابن عَلِيٍّ ﵉ خَمْسًا وَعِشْرِينَ حَجَّةً مَاشِيًا وَالنَّجَائِبُ تُقَادُ مَعَهُ. وَحَجَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵁ مَاشِيًا مَرَّتَيْنِ. سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رجالا﴾ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ الْخَلِيلَ بَعْدَ بِنَاءِ بَيْتِهِ الْجَلِيلِ أَنْ يُنَادِي عَبِيدَهُ إِلَى الْفَضْلِ الْجَزِيلِ، لِيَحُطَّ عَنْهُمْ مَوْلاهُمْ كُلَّ وِزْرٍ ثَقِيلٍ، فَقَالَ ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رجالا﴾ . يَا إِبْرَاهِيمُ نَادِهِمْ لِيَحْصُلَ نَفْعُهُمْ فِي مَعَادِهِمْ، وَأَزْعِجْهُمْ بِنِدَائِكَ مِنْ بِلادِهِمْ وَأَخْرِجْهُمْ عَنْ أَهْلِهِمْ وَأَوْلادِهِمْ فَلْيَقْصُدُوا بَابِي مُسْرِعِينَ عِجَالا ﴿وَأَذِّنْ فِي الناس بالحج يأتوك رجالا﴾ . يَا غَافِلا عَنِّي أَنَا الدَّاعِي، يَا مُتَخَلِّفًا عَنْ زِيَارَتِي أَنَا أَلْقَى السَّاعِي، يَا مَشْغُولا عَنْ قَصْدِي لَوْ عَرَفْتَ اطِّلاعِي، أَنَا أَقَمْتُ خَلِيلِي يَدْعُو إِلَى سَبِيلِي، وَأَقْبَلْتُ بِتَنْوِيلِي عَلَى مُحِبِّي إِقْبَالا ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رجالا﴾ . للَّهِ دَرُّ أَقْوَامٍ فَارَقُوا دِيَارَهُمْ وَعَانَقُوا افْتِقَارَهُمْ، وَآثَرُوا غُبَارَهُمْ وَطَهَّرُوا أَسْرَارَهُمْ، يَدْعُونَ عِنْدَ الْبَيْتِ قَرِيبًا سَمِيعًا، وَيَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالذُّلِّ جَمِيعًا، وَيَسْعَوْنَ فِي مَرَاضِيهِ سَعْيًا سَرِيعًا، وَقَدْ وَدَّعُوا مَطْلُوبَ شَهَوَاتِهِمْ تَوْدِيعًا، فَأَفَادَهُمْ مَوْلاهُمْ أَنْ رَجَّعَهُمْ كَيَوْمِ أَخْرَجَهُمْ أَطْفَالا. هَجَرُوا الْكَدَرَ وَهَاجَرُوا إِلَى الصَّفَا، وَقَصَدُوا الْمَرْوَةَ بَعْدَ أَنْ أَمُّوا الصَّفَا، وَحَذِرُوا الرَّدَّ وَخَافُوا الْجَفَا، وَتَعَلَّقَتْ آمَالُهُمْ بِمَنْ هُوَ حَسْبُهُمْ وَكَفَى. (نَادِ زُوَّارِي أَنَا أَدْعُوهُمْ ... نَحْوَ بَيْتِي لِيَنَالُوا شَرَفَا) (فَهُمْ وَفْدِي إِذَا مَا نَزَلُوا ... بِحَرِيمِي إِذْ دَنَوْا مُزْدَلِفَا)

стр. 623

(وَلَهُمْ عِنْدِي مَزِيدٌ وَلَهُمْ ... مِنْ نَوَالِي مَا أَحَبُّوا طَرَفَا) (فَارَقُوا أَوْطَانَهُمْ إِذْ قَصَدُوا ... نَحْوَ بَابِي يَطْلُبُونَ الزُّلْفَى) (فَلَهُمْ مِنِّي مَهْمَا أَمَلُّوا ... سَلَفًا يَنْمَى وَيُنْشِي خَلَفَا) قَدْ أَحْرَمَ الْقَوْمُ عَنِ الْحَلالِ فَأَحْرِمُوا أَنْتُمْ عَنِ الْحَرَامِ، مَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الطَّيِّبِ فَاحْذَرُوا أَنْتُمْ جِيفَةَ الْهَوَى، يَا حُسْنَهُمْ وَقَدْ نَزَعُوا الْمَخِيطَ وَنَزَعُوا عَنِ التضييع والتفريط، وملأوا بِالتَّضَرُّعِ الْبَسِيطِ، فَارَقُوا لأَجْلِ مَوْلاهُمْ أَوْلادَهُمْ، وَأَعْرَوْا عَنْ رَقِيقِ الثِّيَابِ لَهُ أَجْسَادَهُمْ، وَتَرَكُوا فِي مَرَاضِيهِ مَحْبُوبَهُمْ وَمُرَادَهُمْ، فَأَصْبَحُوا قَدْ أَعْطَاهُمْ مَوْلاهُمْ وَأَمْسَوْا وَقَدْ أَفَادَهُمْ. اسْتَسْعَاهُمْ إِلَيْهِ فَاجْتَهَدُوا وَجَدُّوا، وَتَزَوَّدُوا التَّقْوَى فِي طَرِيقِهِمْ وَاسْتَعَدُّوا، وَأَتْعَبُوا الأَعْضَاءَ فِي خِدْمَتِهِ وَكَدُّوا، وَطَرَقُوا بِأَنَامِلِ الرَّجَاءِ بَابَ اللجا فَمَا رُدُّوا، نَادَاهُمْ وَهُمْ فِي الأَصْلابِ وَالأَرْحَامِ، وَاسْتَصْلَحَهُمْ لِزِيَارَةِ بَيْتِهِ الْحَرَامِ، وَأَكْرَمَهُمْ بِالْغُفْرَانِ فَيَا نعم الإكرام، ورحم شعث الرؤوس وَغُبَارَ الأَقْدَامِ، وَأَنْتُمْ إِنْ بَعُدْتُمْ عَنْ ذَلِكَ الْمَقَامِ فَقَدْ شَارَكْتُمُوهُمْ فِي الإِيمَانِ وَالإِسْلامِ، فَارْغَبُوا بِالتَّضَرُّعِ إِلَى الْمَلِيكِ الْعَلامِ، فَإِنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالْفَضْلِ مَوْصُوفٌ بِالإِنْعَامِ. ذُكِرَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رحمه الله تعالى قال: صحبت جعفر الصَّادِقَ ﵁ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يلبي تغير وجهه وارتعدت فرائصه فقلت: مالك يا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُلَبِّيَ. قُلْتُ: فَمَا يُوقِفُكَ؟ قَالَ: أَخَافُ أَنْ أَسْمَعَ غَيْرَ الْجَوَابِ! وَقَفَ مُطَرِّفٌ وَبَكْرٌ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ مُطَرِّفٌ: اللَّهُمَّ لا تَرُدَّهُمْ مِنْ أَجْلِي. وَقَالَ بَكْرٌ: مَا أَشْرَفَهُ مِنْ مَقَامٍ لَوْلا أَنِّي فِيهِمْ! وَرُوِيَ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ أَنَّهُ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَالنَّاسُ يَدْعُونَ وَهُوَ يَبْكِي بُكَاءَ الثَّكْلَى الْمُحْتَرِقَةِ، فَلَمَّا كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَسْقُطَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: وَاسَوْأَتَاهْ مِنْكَ وَإِنْ عَفَوْتَ!

стр. 624

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ بِسَنَدِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَزَارَمَرْدَ الصُّوفِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَحْبُوبٍ تَلْمِيذَ أَبِي الأَدْيَانِ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ خَائِفًا إِلا رَجُلا وَاحِدًا، كُنْتُ بِالْمَوْقِفِ فَرَأَيْتُ شَابًّا مُطْرِقًا مُنْذُ وَقَفَ النَّاسُ إِلَى أَنْ سَقَطَ الْقُرْصُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا هَذَا ابْسُطْ يَدَكَ لِلدُّعَاءِ فَقَالَ لِي: ثَمَّ وَحْشَةٌ. فَقُلْتُ لَهُ: فَهَذَا يَوْمُ الْعَفْوِ عَنِ الذُّنُوبِ. قَالَ فَبَسَطَ يَدَهُ وَوَقَعَ مَيِّتًا. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الدِّينَوَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ الْجَلاءِ يَقُولُ: كُنْتُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَشَابٌّ يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ، فَكَانَ يَقُولُ: يَا رب أريد أن أقول لبيك اللهم لبيك فَأَخْشَى أَنْ تُجِيبَنِي بِلا لَبَّيْكَ وَلا سَعْدَيْكَ. يُرَدِّدُ ذَلِكَ مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ وَخَرَجَتْ رُوحُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَرِيٌّ: لَقِيتُ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ حَبَشِيَّةً فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَتْ: الْحَجَّ. قُلْتُ: الطَّرِيقُ بَعِيدٌ. فَقَالَتْ: (بَعِيدٌ عَلَى كَسْلانَ أَوْ ذِي مَلالَةٍ ... فَأَمَّا عَلَى الْمُشْتَاقِ فَهْوَ قَرِيبُ) ثُمَّ قَالَتْ: يَا سَرِيُّ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونراه قريبا. فَلَمَّا وَصَلَتِ الْبَيْتَ رَأَيْتُهَا تَطُوفُ كَالْفَتَى الشَّاطِرِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: يَا سَرِيُّ أَنَا تِلْكَ الْعَبْدَةُ لَمَّا جِئْتُهُ بِضَعْفِي حَمَلَنِي بِقُوَّتِهِ، لَمَّا حَجَّ الشِّبْلِيُّ وَأَشْرَفَ عَلَى جُدْرَانِ مَكَّةَ قَالَ: (أَبُطْحَانَ مَكَّةَ هَذَا الَّذِي ... أَرَاهُ عَيَانًا وَهَذَا أَنَا!) ثُمَّ غُشِي عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: (هَذِهِ دَارُهُمْ وَأَنْتَ مُحِبٌّ ... مَا بَقَاءُ الدُّمُوعِ فِي الآمَاقِ) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ الْهَاشِمِيُّ، وَحَدَّثَنَا عَنْهُ ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ بِسَنَدِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَجَّ سَعِيدُ بْنُ وهب ماشيا

стр. 625

فَبَلَغَ مِنْهُ وَجَهْدٌ فَقَالَ: (قَدَمَيَّ اعْتَوِرَا رَمْلَ الْكَثِيبِ ... وَاطْرُقَا الآجِنَ مِنْ مَاءِ الْقَلِيبِ) (رُبَّ يَوْمٍ رُحْتَمَا فِيهِ عَلَى ... زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَفِي وَادٍ خَصِيبِ) (وَسَمَاعِ حُسْنِ مَنْ حَسَّنَ ... صَخْبَ الْمِزْهَرِ كَالظَّبْيِ الرَّبِيبِ) (فَاحْسِبَا ذَاكَ بِهَذَا وَاصْبِرَا ... وَخُذَا مِنْ كُلِّ فَنٍّ بِنَصِيبِ) (إِنَّمَا أَمْشِي لأَنِّي مُذْنِبٌ ... فَلَعَلَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْ ذُنُوبِي) كَأَنِّي الآنَ بِالْمَحَامِلِ تَئِنُّ، وَبِالزَّوَامِلِ تَحِنُّ، وَبِالْمَطِيِّ تَرْزُمُ، وَبِالْجُفُونُ تَسْجُمُ، وَالشَّوْقُ إِلَى الْبَيْتِ قَدْ عَمِلَ عَمَلَهُ، وَالْمُؤَمِّلُ يُلاحِظُ أَمَلَهُ: (وَلِي أَنَّةُ الشَّاكِي وَإِنْ بَعُدَ الْمَدَى ... مَا بَيْنَنَا وَتَنَفُّسُ المكروب) قوله تعالى ﴿وعلى كل ضامر﴾ أَيْ رُكْبَانًا عَلَى ضُمَّرٍ مِنَ السَّفَرِ. نَجَائِبَ تَحْمِلُ الأَحْبَابَ، صَوَابِرَ عَلَى الإِنْضَاءِ وَالإِتْعَابِ، تَرْفُلُ بِالزَّائِرِينَ إِلَى رَبِّ الأَرْبَابِ، ادَّخَرَتْ لَهُمُ التُّحَفَ وَالْبَشَائِرَ، وَنَظَرَتْ إِلَى صَبْرِهِمْ عَلَى فِرَاقِ الْعَشَائِرِ، ودعوتهم إِلَى نَيْلِ الأَمَلِ الْوَافِرِ، وَرَحِمَتْ شَعْثَ الشَّعَثِ وَغُبَارَ الْمُسَافِرِ، وَكَتَبَتْ فِي حَسَنَاتِهِمْ خَطَوَاتِ كُلِّ ذِي خُفٍّ وَحَافِرٍ، وَأَرْبَحَتْ تِجَارَةَ كُلِّ وَارِدٍ نَحْوِي وَصَادِرٍ، وَأَعَدَّتْهُمْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَمَا فِيهِمْ من خَاسِرٌ، فَنَادِهِمْ: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ . قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ يَأْتِينَ: فِعْلٌ لِلنُّوقِ. وَقَرَأَ الأَعْمَشُ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ " يَأْتُونَ " عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ

стр. 626

لِلرِّجَالِ. وَالْفَجُّ الْعَمِيقُ: الْمَكَانُ الْبَعِيدُ. صَبَرُوا عَلَى مَشَاقِّ الطَّرِيقِ بَيْنَ هُبُوطٍ وَصُعُودٍ وَمَضِيقٍ، وَاحْتَمَلُوا لأَجْلِي خُلُقَ الرَّفِيقِ، وَرَضُوا مِنْ فَرِيقِهِمْ بِالْبِعَادِ وَالتَّفْرِيقِ، وَحَدِيَتْ بِهِمُ الْمَطَايَا مِنْ كُلِّ بَلَدٍ سَحِيقٍ، وَجَانَبُوا مَا يَشِينُ وَصَاحَبُوا مَا يَلِيقُ، وَصَابَرُوا ظَمَأَ الشِّفَاهِ وَقِلَّةَ الرِّيقِ، فَلأُسْقِيَنَّهُمْ يَوْمَ لِقَائِي مِنَ السَّلْسَبِيلِ وَالرَّحِيقِ، فَنَادِهِمْ ﴿يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عميق﴾ قوله تعالى ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾ وَهِيَ رِبْحُ التِّجَارَةِ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابُ فِي الأُخْرَى. سُبْحَانَ مَنْ إِلَى بَيْتِهِ حَمَلَهُمْ وَبِفِنَائِهِ أَنْزَلَهُمْ وَإِلَى حَرَمِهِ أَوْصَلَهُمْ، وَبِإِخْلاصِ قَصْدِهِ جَمَلَهُمْ، فَلَقَدْ جَمَعَ الْخَيْرَ الْجَمَّ لَهُمْ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لهم﴾ . حَرَّكَهُمْ بِتَوْفِيقِهِ فَثَارُوا، وَاسْتَدْعَاهُمْ إِلَى بَيْتِهِ فَسَارُوا، وأوصلهم إلى حرمه فزاروا، فياحسنهم فِي الطَّوَافِ إِذَا سَعَوْا وَدَارُوا، وَاجْتَمَعُوا بِالآمَالِ حَوْلَ الْبَيْتِ وَاسْتَدَارُوا، فَضَافَهُمْ مَنْ أَضَافَهُمْ إِلَى الأحباب وأنزلهم ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾ . يَا كَثْرَةَ مَا أَعْطَاهُمْ مِنَ الْعَطَايَا، يَا شَرَفَ مَا أَنَالَهُمْ مِنَ الْهَدَايَا، فَلَقَدْ تَلَقَّاهُمْ بِالْجُودِ وَالتَّحَايَا، وَحَطَّ عَنْهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا مَا أَثْقَلَهُمْ. أَتْعَبَهُمُ الْمَشْيُ وَأَزْعَجَهُمُ الْمَرْكُوبُ، وَكَانَ ذَلِكَ هَيِّنًا فِي قُرْبِ الْمَحْبُوبِ فَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، وَقَابَلَهُمْ بِالْعَفْوِ عَنِ الذُّنُوبِ وَقَبِلَهُمْ. تَعَلَّقُوا بِذَيْلِ رَحْمَتِي وَلُطْفِي، وَسَأَلُونِي مَوَدَّتِي وَعَطْفِي، وَاشْتَغَلُوا بِي دُونَ غَيْرِي وَيَكْفِي ﴿فَلا تَعْلَمُ نفس ما أخفي لهم﴾ .

стр. 627

إِخْوَانِي: إِنْ لَمْ نَصِلْ إِلَى دِيَارِهِمْ فَلْنَصِلِ انْكِسَارَنَا بِانْكِسَارِهِمْ، إِنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى عَرَفَاتٍ فَلْنَسْتَدْرِكْ مَا قَدْ فَاتَ، إِنْ لَمْ نَصِلْ إِلَى الْحِجْرِ فَلْيَلِنْ كُلُّ قَلْبٍ حَجَرٍ، إِنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى لَيْلَةِ جَمْعٍ وَمِنًى فَلْنَقُمْ بِمَأْتَمِ الأَسَفِ هَاهُنَا. أَيْنَ الْمُنِيبُ الأَوَّابُ أَيْنَ الْمُجِدُّ السَّابِقُ، هَذَا يَوْمٌ يُرْحَمُ فِيهِ الصَّادِقُ، هَذَا أَوَانٌ يَطْلُعُ فِيهِ الْخَالِقُ، يَا مُؤَمِّلا مِثْلَهُ قَدْ لا يُوَافِقُ، مَنْ لَمْ يَنُبْ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَمَتَى يُنِيبُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَمَتَى يُجِيبُ، وَمَنْ لَمْ يُتَعَرَّفْ بِالتَّوْبَةِ فَهُوَ غَرِيبٌ، وَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِالْعَفْوِ فَمَا لَهُ مِنْ نَصِيبٍ، أَسَفًا لِعَبْدٍ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ الْيَوْمَ مَا جَنَى، كُلَّمَا هَمَّ بِخَيْرٍ نَقَضَ الطَّرْدُ مَا بَنَى، حَضَرَ مَوَاسِمَ الأَرْبَاحِ فَمَا حَصَّلَ خَيْرًا وَلا اقْتَنَى، وَدَخَلَ بَسَاتِينَ الْفَلاحِ فَمَا مَدَّ كَفًّا وَلا جَنَى، لَيْتَ شِعْرِي مَنْ مَنَّا خَابَ وَمَنْ مِنَّا نَالَ الْمُنَى. فَيَا إِخْوَانِي: إِنْ فَاتَنَا نُزُولُ مِنًى، فَلْنُنْزِلْ دُمُوعَ الْحَسَرَاتِ هَاهُنَا، وَكَيْفَ لا نَبْكِي وَلا نَدْرِي مَاذَا يُرَادُ بِنَا، وَكَيْفَ بِالسُّكُونِ وَمَا نَعْلَمُ مَا عِنْدَهُ لَنَا: (فَلِذَا الْمَوْقِفِ أَعْدَدْنَا الْبُكَا ... وَلِذَا الْيَوْمِ الدُّمُوعُ تُقْتَنَى) اللَّهُمَّ إِنَّا نَقِفُ لَكَ عَلَى الأَقْدَامِ كَقِيَامِ الْقَاصِدِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، يَا غَافِرَ الذُّنُوبِ اغْفِرْ ذُنُوبَنَا، يَا سَتَّارَ الْعُيُوبِ اسْتُرْ عُيُوبَنَا، يَا كَاشِفَ الْكُرُوبِ اكْشِفْ كُرُوبَنَا، يَا مُنْتَهَى الآمَالِ بَلِّغْنَا مَطْلُوبَنَا. بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الراحمين.

стр. 628

الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ خَلْقِ ابْنِ آدم والأرض والسماوات فيها ثلاثة مجالس

стр. 629

الْمَجْلِسُ الأَوَّلُ يُذْكَرُ فِيهِ خَلْقُ ابْنِ آدَمَ الْحَمْدُ للَّهِ الْخَالِقِ بِقُدْرَتِهِ مَا دَبَّ وَدَرَجَ، الْفَاتِقِ بِصَنْعَتِهِ مَا الْتَأَمَ وَارْتَتَجَ، الرَّاتِقِ بِحِكْمَتِهِ مَا افْتَرَقَ وَانْفَرَجَ، الدَّالِّ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ بِالْبَرَاهِينِ وَالْحُجَجِ، أَنْشَأَ الأَبْدَانَ مِنَ النُّطَفِ وَحَفِظَ فِيهَا الْمُهَجَ، وَنَوَّرَ الْعُيُونَ فَأَحْسَنَ فِي تَرْكِيبِهَا الدَّعَجَ، وَأَنْطَقَ اللِّسَانَ فَأَبَانَ سُبُلَ الْمُرَادِ وَنَهَجَ، وَعَلَّمَ الإِنْسَانَ الْبَيَانَ فَإِذَا خَاصَمَ فَلَجَ، بِقُدْرَتِهِ سَكَّنَ الْمُتَحَرِّكَ فَمَا زَالَ وَلا اخْتَلَجَ، وَلِهَيْبَتِهِ تَحَرَّكَ السَّاكِنُ فَتَغَيَّرَ وَانْزَعَجَ، طَوَى اللُّطْفَ فِي تَكَالِيفِ الْخَلائِقِ وَدَرَجَ " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ من حرج " خَلَقَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمَرَجَ، وَاسْتَخْرَجَ بَدَائِعَ الْوَدَائِعِ مِنْ بَوَاطِنِ اللُّجَجِ، وَعَلِمَ مَا ظَهَرَ فِي الأَرْضِ وَرَأَى مَا فِيهَا وَلَجَ، بَصِيرٌ يَرَى جَرَيَانَ الدِّمَاءِ فِي بَاطِنِ الْوَدَجِ، سَمِيعٌ يُدْرِكُ بِسَمْعِهِ صَوْتَ الْبَاكِي إِذَا نَشَجَ، لا يَخْفَى عَلَى بَصَرِهِ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ سَوَادُ الثَّبَجِ وَلا يَعْزُبُ عَنْ سَمِعْهِ أَنِينُ الْمُدْنِفِ يَرْجُو الْفَرَجَ، أَنْزَلَ كَلامًا قَدِيمًا مَنْ وَرَدَ بَحْرَهُ ارْتَوَى وَابْتَهَجَ، قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ. أَحْمَدُهُ حَمْدَ مَنْ جَمَعَ الْمَحَامِدَ فِي حَمْدِهِ وَدَرَجَ، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ الْعَظِيمُ الْقَدْرِ الرَّفِيعُ الدَّرَجِ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي إِلَى قَابَ قَوْسَيْنِ عَرَجَ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي لا يَبْغَضُهُ إِلا الرُّعَاعُ الْهَمَجُ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي يَفُوحُ مِنْ ذِكْرِهِ أَذْكَى الأَرَجِ، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي جَمَعَ الإِنْفَاقَ إِلَى الصِّهْرِ فَازْدَوَجَ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْمُجْمَعِ عَلَى حُبِّهِ فَإِنْ خَرَجَ شَخْصٌ مِنَ الإِجْمَاعِ خَرَجَ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي افْتَخَرَ بِهِ بَيْتُ الْخِلافَةِ وَابْتَهَجَ.

стр. 630

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سلالة من طين﴾ . الْمُرَادُ بِالإِنْسَانِ هَاهُنَا آدَمُ ﵇. وَالسُّلالَةُ فُعَالَةُ، وَهِيَ الْقَلِيلُ مِمَّا يُسَلُّ، فَاسْتَلَّ مِنْ كُلِّ الأَرْضِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ من قبضة قبضها مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ وَقَدْ ذَكَرْنَا قِصَّةَ آدَمَ ﵇ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثم جعلناه نطفة﴾ يَعْنِي ابْنَ آدَمَ. وَالْمُرَادُ بِالنُّطْفَةِ الْمَنِيَّ ﴿فِي قرار﴾ يعني الرحم ﴿مكين﴾ أي حريز قد هيىء لاستقراره فيه. قوله تعالى: ﴿ثم خلقنا النطقة علقة﴾ والعلقة دم عبيط جامد. وسميت علقة لِتَعَلُّقِهَا بِمَا تَمُرُّ بِهِ، فَإِذَا جَفَّتْ فَلَيْسَتْ علقة. والمضغة لَحْمَةً صَغِيرَةً، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَنَّهَا بِقَدْرِ مَا يُمْضَغُ. ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثم أنشأناه خلقا آخر﴾ . وَفِي مَحَلِّ هَذَا الإِنْشَاءِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: بَطْنُ الأُمِّ. ثُمَّ صِفَةُ الإِنْشَاءِ فِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: نَفْخُ الرُّوحِ. رَوَاهُ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالشَّعْبِيُّ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. ثُمَّ فِي صِفَةِ هَذَا الإِنْشَاءِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ ابْتِدَاءَ ذَلِكَ الإِنْشَاءِ أَنَّهُ اسْتَهَلَّ ثُمَّ دُلَّ عَلَى الثَّدْيِ وَتَقَلَّبَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ. رَوَاهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْتِوَاءُ الشَّبَابِ. قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ. وَالثَّالِثُ: خُرُوجُ الأَسْنَانِ وَالشَّعَرِ. قَالَهُ الضَّحَّاكُ.

стр. 631

وَالرَّابِعُ: إِعْطَاءُ الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ. حَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ. ﴿فَتَبَارَكَ الله﴾ أي تعالى ورفع ﴿أحسن الخالقين﴾ أَيِ الْمُصَوِّرِينَ وَالْمُقَدِّرِينَ. أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: " إِنّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ. فَوَالَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ. ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ رِزْقُهُ؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ فَلا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلا يَنْقُصُ ". قَالَ عُلَمَاءُ الْمُتَطَبِّبِينَ: أَوَّلُ الأَحْوَالِ الْحَادِثَةِ فِي الْمَنِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ زَبَدٌ ثُمَّ يُوجَدُ النَّفْخُ مُنْدَفِعًا إِلَى وَسَطِ الرُّطُوبَةِ إِعْدَادًا لِمَكَانِ الْقَلْبِ، ثُمَّ تَتَمَيَّزُ الأَعْضَاءُ وَيَتَنَحَّى بَعْضُهَا عَنْ مَمَاسَّةِ بَعْضٍ وَيُحِيطُ بِالْجَنِينِ ثَلاثَةُ أَغْشِيَةٍ: غِشَاءٌ تُنْسَجُ فِيهِ الْعُرُوقُ، وَغِشَاءٌ يَنْصَبُّ فِيهِ بَوْلُ الْجَنِينِ، وَغِشَاءٌ يَجْمَعُ الرُّطُوبَةَ الَّتِي تَرْشَحُ مِنَ الْجَنِينِ.

стр. 632

وَلِلرَّأْسِ أَرْبَعَةُ عِظَامٍ: [ثَلاثَةٌ] كَالْجُدْرَانِ وَوَاحِدٌ كَالْقَاعِدَةِ، وجعلت هذه الجدرن أَصْلَبَ مِنَ الْيَافُوخِ لأَنَّ السَّقَطَاتِ وَالصَّدَمَاتِ عَلَيْهَا أَكْثَرُ وَيَخِفُّ الْقِحْفُ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِئَلا يَثْقُلَ عَلَى الدِّمَاغِ. وَالثَّانِي لِيَنْفُذَ مِنْهُ الْبُخَارُ. وَمِنَ الْعِظَامِ مَا هُوَ أَسَاسٌ لِلْبَدَنِ كَفِقَارِ الصُّلْبِ يُبْنَى عَلَيْهِ كَمَا يُبْنَى السَّقْفُ عَلَى الْخَشَبَةِ الأُولَى، وَمِنْهَا كَالْمِجَنِّ كَالْقِحْفِ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ لِلدِّمَاغِ مِنَ الآفَاتِ. وَخُلِقَ جَوْهَرُ الدِّمَاغِ بَارِدًا رَطْبًا لَيِنًّا دَسْمًا. فَأَمَّا بَرْدُهُ فَلأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا تَعْدِيلُ الْحَرَارَةِ الَّتِي تَنْفُذُ إِلَيْهِ مِنَ الْقَلْبِ. وَالثَّانِي: لِئَلا يَحْتَرِقَ لِكَثْرَةِ مَا يَتَأَدَّى إِلَيْهِ مِنْ حَرَكَاتِ الرُّوحِ فِي التَّخَيُّلِ وَالْفِكْرِ [وَالتَّفَكُّرِ وَالذِّكْرِ] . وَهَذِهِ الْقُوَى الثَّلاثُ مَسْكَنُهَا الدِّمَاغُ فَمَوْضِعُ التَّخَيُّلِ الْبَطْنَانِ الْمُقَدَّمَانِ مِنْ بُطُونِ الدِّمَاغِ، وَمَوْضِعُ الْفِكْرِ الْبَطْنُ الأَوْسَطُ، وَمَوْضِعُ الْحِفْظِ الْمُؤَخَّرُ مِنْ بُطُونِ الدِّمَاغِ. وَأَمَّا رُطُوبَتُهُ وَلِينُهُ فَلِئَلا تُجَفِّفَهُ الْحَرَكَاتُ، وَأَمَّا خَلْقُهُ دَسْمًا فَلِيَكُونَ مَا يَنْبُتُ فِيهِ مِنَ الْعَصَبِ لَيِّنًا. وَقَدْ جُلِّلَ الدِّمَاغُ بِغِشَائَيْنِ: أَحَدُهُمَا رَقِيقٌ يَلِيهِ وَالآخَرُ صَفِيقٌ يَلِي الْعَظْمَ. وَإِنَّمَا خُلِقَا لِيَكُونَا حَاجِزَيْنِ بَيْنَ الدِّمَاغِ وَالْعَظْمِ. وَأَمَّا الْعَيْنُ فَإِنَّمَا جُعِلَتَا اثْنَتَيْنِ لِيَتَكَوَّنَا إِذَا عَرَضَتْ لإِحْدَاهُمَا آفَةٌ قَامَتِ الأُخْرَى بِالْبَصَرِ. وَكُلُّ عَيْنٍ مُرَكَّبَةٌ مِنْ عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ وَهِيَ سَبْعُ طَبَقَاتٍ وَثَلاثُ رُطُوبَاتٍ، وَالطَّبَقَاتُ كَقُشُورِ الْبَصَلِ إِنْ أَصَابَتْ بَعْضَهَا آفَةٌ نَابَتِ الأُخْرَى. وَالرُّطُوبَاتُ يَقَعُ النَّظَرُ بِالْوُسْطَى وَهِيَ صَافِيَةٌ مُنِيرَةٌ وَالرُّطُوبَتَانِ مِنْ جَانِبَيْهَا، فَوَاحِدَةٌ مَوْضُوعَةٌ خَلْفَهَا تَقْرُبُ مِنْ طَبِيعَتِهَا تَتَنَاوَلُ الْغِذَاءَ أَوْ تُقَلِّبُهُ إِلَى طَبْعِهَا فَتَتَنَاوَلُ مِنْهُ الرُّطُوبَةُ الْمُبْصِرَةُ. وَالرُّطُوبَةُ الثَّانِيَةُ تُنَدِّي الْمُبْصِرَةَ لِئَلا تَجِفَّ. وَخُلِقَ

стр. 633

الْهُدْبُ لِيَدْفَعَ مَا يَطِيرُ إِلَى الْعَيْنِ وَلِيُعَدِّلَ الضَّوْءَ بِسَوَادِهِ. وَأَمَّا الأُذُنُ فَجُعِلَ لَهَا صَدَفٌ مُعَرَّجٌ لِيَجْمَعَ الصَّوْتَ. وَخُلِقَ الأَنْفُ لِيَنْحَصَرَ فِيهِ الْهَوَاءُ فَيَعْتَدِلُ فِي حُلُولِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْفُذَ إِلَى الدِّمَاغِ وَالرِّئَةِ، ثُمَّ هُوَ سِتْرٌ لِلْفَضَلاتِ الْمُنْحَدِرَةِ. وَاللِّسَانُ آلَةٌ لِتَقْلِيبِ الْمَمْضُوغِ وَتَقْطِيعِ الصَّوْتِ فِي إِخْرَاجِ الْحُرُوفِ وَإِلَيْهِ تَمْيِيزُ الذَّوْقِ. وَالشَّفَتَانِ غطاء للفم والأسنان ومحبسا للعاب ومعينا على الكلام وجمالا. وَاللَّهَاةُ: جَوْهَرٌ لَحْمِيٌّ مُعَلَّقٌ عَلَى أَعْلَى الْحَنْجَرَةِ وَمَنْفَعَتُهُ تَدْرِيجُ الْهَوَاءِ لِئَلا يَقْرَعَ بِبَرْدِهِ الرِّئَةَ فَجْأَةً. وَلِيَمْنَعَ الدُّخَانَ وَالْغُبَارَ كَأَنَّهُ بَابٌ مُوصَدٌ عَلَى مَخْرَجِ الصَّوْتِ بِقَدَرِهِ. وَالأَسْنَانُ اثْنَانِ وَثَلاثُونَ سِنًّا، فَمِنْهَا ثَنِيَّتَانِ مِنْ فَوْقُ وَثَنِيَّتَانِ مِنْ تَحْتُ وَرَبَاعِيَتَانِ مِنْ فَوْقُ وَرَبَاعِيَتَانِ مِنْ تَحْتُ، وَنَابَانِ مِنْ فَوْقُ وَنَابَانِ مِنْ تَحْتُ، ثُمَّ الأَضْرَاسُ وَهِيَ عِشْرُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنَ الْفَمِ خَمْسَةٌ، فَمِنْهَا الضَّوَاحِكُ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَضْرَاسٍ تَلِي الأَنْيَابَ إِلَى جَنْبِ كُلِّ نَابٍ مِنْ أَسْفَلِ الْفَمِ وَأَعْلاهُ ضَاحِكٌ، ثُمَّ بَعْدَ الضَّوَاحِكِ الطَّوَاحِنُ وَيُقَالُ لَهَا الأَرْحَاءُ وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ طَاحِنًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنَ الْفَمِ وَاحِدٌ مِنْ فَوْقُ وَوَاحِدٌ مِنْ أَسْفَلَ، فَالأَنْيَابُ لِلْكَسْرِ وَالرَّبَاعِيَاتُ لِلْقَطْعِ وَالأَضْرَاسُ لِلطَّحْنِ. وَخَرَزُ الْعُنُقِ سَبْعٌ وَفِقَارُ الصَّدْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ فِقْرَةً وَالصَّدْرُ مُؤَلَّفٌ مِنْ سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَالسَّاعِدُ مُؤَلَّفٌ مِنْ عَظْمَيْنِ مُتَلاصِقَيْنِ يُسَمَّيَانِ الزَّنْدَيْنِ وَالْفَوْقَانِيُّ الَّذِي يَلِي الإِبْهَامَ أَدَقُّ وَالسُّفْلانِيُّ أَغْلَظُ لأَنَّهُ حَامِلٌ. وَعِظَامُ الأَصَابِعِ غَيْرُ مُجَوَّفَةٍ لِتَكُونَ أَقْوَى عَلَى الثَّبَاتِ فِي الْحَرَكَةِ وَالْقَبْضِ، وَطَالَ بَعْضُهَا لِتَسْتَوِيَ عِنْدَ الْقَبْضِ. وَالظُّفْرُ سَنَدٌ لِلأُنْمُلَةِ وَآلَةٌ لِلْحَكِّ وَالتَّنْقِيَةِ. وَالصُّلْبُ مَسْلَكُ النِّخَاعِ، وَالْمَعِدَةُ تَهْضِمُ بِحَرَارَةٍ فِي لَحْمِهَا وَبِحَرَارَةٍ أُخْرَى مُكْتَسَبَةٍ مِنَ الأَجْسَامِ الْمُجَاوِرَةِ، وَالطِّحَالُ مُنْفَرِشٌ تَحْتَهَا مِنَ الْيَسَارِ وَهُوَ وِعَاءٌ لِبَعْضِ فَضَلاتِهَا. وَلِلْكَبِدِ عِرْقَانِ أَحَدُهَما يَجْذِبُ إِلَيْهَا الطَّعَامَ فَيَطْبُخُهُ وَيُوَجِّهُهُ فِي

стр. 634

الْعِرْقِ الآخَرِ إِلَى الْبَدَنِ وَيَبْعَثُ الْمَاءَ مِنْهُ إِلَى الْكُلْيَتَيْنِ وَالرَّغْوَةَ الصَّفْرَاوِيَّةَ إِلَى الْمَرَارَةِ وَالرُّسُوبَ السَّوْدَاوِيَّ إِلَى الطِّحَالِ. وَالْقَلْبُ مَخْلُوقٌ مِنْ لَحْمٍ قَوِيٍّ لِيَكُونَ أَبْعَدَ مِنَ الآفَاتِ، وَقَدْ أُمِيلَ يَسِيرًا إِلَى الْيَسَارِ لِيَبْعُدَ عَنِ الْكَبِدِ، وَلَهُ زائدتان كالأذنين فهما كخزانتين يقبلان النَّسِيمَ وَيُرْسِلانِهِ إِلَى الْقَلْبِ بِقَدَرٍ. وَالْمَرَارَةُ كِيسٌ مُعَلَّقٌ مِنَ الْكَبِدِ إِلَى نَاحِيَةِ الْمَعِدَةِ تَجْذِبُ الْخَلْطَ الْغَلِيظَ وَالْمِرَارَ الأَصْفَرَ فَيُنَقِّي الْكَبِدَ عَنِ الْفُضُولِ وَيُسْخِنُهَا، وَلَوْلا أَنَّ الْمَرَارَةَ تَجْذِبُ الْمِرَّةَ الصَّفْرَاءَ لَسَرَتْ إِلَى الْبَدَنِ مَعَ الدَّمِ فَتَوَلَّدَ مِنْهَا الْيَرَقَانُ الأَصْفَرُ فَهِيَ تَجْذِبُهُ وَتَقْذِفُ مِنْهُ جُزْءًا إِلَى الْمِعَى فَيَغْسِلُ مَا فِيهَا مِنَ الأَثْقَالِ بِلَذْعِهِ وَتَحْرِيكِهِ لَهَا، وَجُزْءًا إِلَى الْمَعِدَةِ لِيُعِينَهَا بِحَرَارَتِهِ عَلَى الْهَضْمِ. وَجَمِيعُ عِظَامِ الْبَدَنِ بِعَدَدِ أَيَّامِ السَّنَةِ يَظْهَرُ مِنْهَا لِلْحِسِّ مِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ وَالْبَاقِيَةُ صِغَارٌ تُسَمَّى السِّمْسِمَانِيَّةَ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي أَفْرَادِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلاثِ مِائَةِ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَهَلَّلَ اللَّهَ وَسَبَّحَ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا، أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عدد تلك الستين والثلاثمائة، فَإِنَّهُ يَمْشِي حِينَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النار ". وعضل البدن خمسمائة وَتِسْعٌ وَعِشْرُونَ عَضَلَةً. وَالْمَرَارَةُ بَيْتُ الصَّفْرَاءِ وَالرِّئَةُ بَيْتُ الْبَلْغَمِ وَالطِّحَالُ بَيْتُ السَّوْدَاءِ وَالْمَثَانَةُ بَيْتُ الْبُرُودَةِ وَالْكُلَى بَيْتُ الشَّهْوَةِ وَالْقَلْبُ بَيْتُ النَّفْسِ. وَفِي بَعْضِ هَذَا مَا يُحَرِّكُ الْفِكْرَ فَيُوجِبُ الْعِلْمَ بِعَظَمَةِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ فَيَحُثُّ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي مَرْكَبٍ فَهَاجَ الْبَحْرُ فَأَخْرَجَ كِتَابَ التَّشْرِيحِ

стр. 635

وَنَشَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ كَالْمُسْتَشْفِعِ بِهِ، فَأَنْكَرَ قَوْمٌ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كَأَنْ يَقُولُ: يَا مَنْ هَذَا مِنْ آثَارِ حِكْمَتِهِ وَصَنْعَتِهِ اكْشِفْ عَنَّا! الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ (لا تَرْقُدَنَّ لِعَيْنِكَ السَّهَرُ ... وَانْظُرْ إِلَى مَا تَصْنَعُ الْغِيَرُ) (انْظُرْ إِلَى عِبَرٍ مُصَرَّفَةٍ ... مَا دَامَ يُمْكِنُ طَرْفُكَ النَّظَرُ) (مَا زِلْتَ تَسْمَعُ أَوْ تَرَى عِبَرًا ... إِنْ لَمْ يَخُنْكَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ) (فَإِذَا جَهِلْتَ وَلَمْ تَجِدْ أَحَدًا ... فَسَلِ الزَّمَانَ فَعِنْدَهُ الْخَبَرُ) (وَإِذَا نَظَرْتَ تُرِيدُ مُعْتَبَرًا ... فَانْظُرْ إِلَيْكَ فَفِيكَ مُعْتَبَرُ) (أَنْتَ الَّذِي تُمْسِي وَتُصْبِحُ فِي ... الدُّنْيَا وَكُلُّ أُمُورِهِ غَرَرُ) (أَنْتَ الْمُصَرَّفُ كَانَ فِي صِغَرٍ ... ثُمَّ اسْتَقَلَّ بِشَخْصِهِ الْكِبَرُ) (أَنْتَ الَّذِي تَنْعَاهُ خِلْقَتُهُ ... يَنْعَاهُ مِنْهُ الشَّعْرُ وَالْبَشَرُ) (أَنْتَ الَّذِي تُعْطَى وَتُسْلَبُ لا ... يُنْجِيهِ مِنْ أَنْ يُسْلَبَ الْحَذَرُ) (أَنْتَ الَّذِي لا شَيْءَ مِنْهُ له ... وأحق منك بملك الْقَدَرُ) (وَالْحَادِثَاتُ صُرُوفُهَا عَجَبٌ ... وَالْعَيْشُ فِيهِ الصَّفْوُ وَالْكَدَرُ) (يَبْغِي بَنُو الدُّنْيَا عِمَارَتَهَا ... وَلْيَخْرُبَنَّ جَمِيعُ مَا عَمَرُوا) (عَجَبًا مِنَ الدُّنْيَا وَمِنْ عِبَرِ الدُّنْيَا ... وَكَيْفَ تُصَرِّفُ الْغِيَرُ) (مَا زِلْتَ مُذْ صُوِّرْتَ فِي سَفَرٍ ... وَسَتَنْقَضِي وَسَيَنْقَضِي السَّفَرُ) (يَا مَنْ يُؤَمِّلُ أَنْتَ مُنْتَظِرٌ ... أَمَلا يَطُولُ وَلَسْتَ تُنْتَظَرُ) (مَاذَا تَقُولُ وَأَنْتَ فِي غُصَصٍ ... مَاذَا تَقُولُ وَأَنْتَ مُحْتَضَرُ) (مَاذَا تَقُولُ وَقَدْ وُضِعْتَ عَلَى ... ظَهْرِ السَّرِيرِ وَأَنْتَ تُبْتَدَرُ) (مَاذَا تَقُولُ وَأَنْتَ فِي جَدَثٍ ... مَاذَا تَقُولُ وَفَوْقَكَ الْمَدَرُ) ( ... مَاذَا تَقُولُ وَقَدْ لَحِقْتَ بِمَا ... يَجْرِي عَلَيْهِ الرِّيحُ وَالْمَطَرُ) (نَبْغِي الْبَقَاءَ وَلا بَقَاءَ لَنَا ... تَتَعَاوَرُ الرَّوْحَاتُ وَالْبُكَرُ) (كَمْ قَدْ عَفَتْ عَيْنٌ لَهَا أَثَرٌ ... دَرَسَتْ وَيَدْرُسُ بَعْدَهَا الأَثَرُ) الدُّنْيَا مَعْبَرٌ فَاقْنَعْ بِالْيَسِيرِ، وَلْيَكُنْ هَمُّكَ فِي الرَّحِيلِ وَالْمَسِيرِ، كَمْ مِنْ جَامِعٍ لَهَا
следующие страницы →