Полный текст (793 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
(الْحِرْصُ فِي كُلِّ الأَفَانِينِ يَصِمْ ... أَمَا رَأَيْتَ كُلَّ ظَهْرٍ يَنْقَصِمْ)
(وَعُرْوَةٌ مِنْ كُلِّ حَيٍّ تَنْفَصِمْ ... أَمَا سَمِعْتَ الْحَادِثَاتِ تَخْتَصِمْ)
(بَلْ حُبُّكَ الأَشْيَاءِ يُعْمِي وَيُصِمّ ... )
قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: يَقُولُ اللَّهُ : وَعِزَّتِي إِنِّي لأُهِمُّ بِعَذَابِ أَهْلِ الأَرْضِ فَإِذَا نَظَرْتُ إِلَى أَهْلِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ مِنْ مَخَافَتِي صَرَفْتُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ.
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: الذِّكْرُ ذِكْرَانِ: ذِكْرٌ بِاللِّسَانِ وَأَفْضَلُ مِنْهُ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ مَا يُشْرِفُ عَلَيْهِ مِنْ مَعَاصِيهِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " كَانَ الْكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ أُرْعِدَتْ وَبَكَتْ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: هَذَا عَمَلٌ لَمْ أَعْمَلْهُ قَطُّ. فَقَالَ اذْهَبِي وَالدَّنَانِيرُ لَكِ. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لا يَعْصِي اللَّهَ الْكِفْلُ أَبَدًا فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِلْكِفْلِ.
يَا مَنْ لا يَتْرُكُ ذَنْبًا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، يَا مَنْ أَكْثَرُ عَمَلِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ، كَمْ ضَيَّعْتَ فِي الْمَعَاصِي عَصْرًا، كَمْ حَمَلْتَ عَلَى الأَزْرِ مِنَ الْوِزْرِ أُزُرًا، أَتَرْضَى أَنْ تُمْلأَ الصَّحَائِفُ عَيْبًا وَخُسْرًا، أَمَا يَكْفِي سَلْبُ الْقَرِينِ وَعْظًا وَزَجْرًا، لَقَدْ ضَيَّعْتَ شَطْرًا مِنَ الزَّمَانِ فَاحْفَظْ شَطْرًا، مَا أَبْقَتْ لَكَ الصِّحَّةُ حُجَّةً وَلا تَرَكَتْ عُذْرًا، كَمْ نِعْمَةٍ نَزَلَتْ بِكَ وَمَا قَرَنْتَهَا شُكْرًا، تُقَابِلُهَا بِالْمَعَاصِي فَتُبَدِّلُ الْعِرْفَ نُكْرًا، كَمْ سَتَرَكَ عَلَى الْخَطَايَا وَأَنْتَ لا تُقْلِعُ دَهْرًا، كَمْ نِمْتَ عَنْ صَلاةٍ وَكَمْ شَرِبْتَ خَمْرًا، كَانَ الشَّيْبُ هِلالا وَقَدْ صَارَ بَدْرًا، تُعَاهِدُ وَلا تَفِي إِلَى كَمْ غَدْرًا، أَطَالَ عَلَيْكَ الأَمَدُ فَصَارَ الْقَلْبُ صَخْرًا؟ إِنَّمَا بَقِيَ الْقَلِيلُ فَصَبْرًا يَا نَفْسُ صَبْرًا.
(صِبَا مَنْ شَابَ مَفْرِقُهُ تَصَابِي ... وَإِنْ طَلَبَ الصِّبَا وَالْقَلْبُ صَابِي)
(أَعَاذِلُ رَاضَنِي لَكَ شَيْبُ رَأْسِي ... وَلَوْلا ذَاكَ أَعْيَاكَ اقْتِضَابِي)
стр. 667
(كَفَى بِالشَّيْبِ مِنْ نَاهٍ مُطَاعٍ ... عَلَى كَرْهٍ وَمِنْ دَاعٍ مُجَابِ)
(حَطَطْتُ إِلَى النُّهَى رَحْلِي وَكَلَّتْ ... مَطِيَّةُ بَاطِلِي بَعْدَ الْهِبَابِ)
(وَقُلْتُ مُسَلِّمًا لِلشَّيْبِ أَهْلا ... بِهَادِي الْمُخْطِئِينَ إِلَى الصَّوَابِ)
(يُذَكِّرُنِي الشباب وميض برق ...
و سجع حَمَامَةٍ وَحَنِينُ نَابِ)
(أَأُفْجَعُ بِالشَّبَابِ وَلا أُعَزَّى ... لَقَدْ غَفَلَ الْمُعَزِّي عَنْ مُصَابِي)
سَجْعٌ
يَا دَائِمَ الْخَطَايَا وَالْعِصْيَانِ، يَا شَدِيدَ الْبَطَرِ وَالطُّغْيَانِ، رَبِحَ الْمُتَّقُونَ وَلَكَ الْخُسْرَانُ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ ربه جنتان﴾ . يَا مُعْتَكِفًا عَلَى زَلَلِهِ وَذَنْبِهِ، لا يُؤْثَرُ عِنْدَهُ أَلِيمُ عُتْبِهِ، أَمَا الْمُصِرُّ فَقَدْ طُمِسَ عَلَى قَلْبِهِ فَلا يَنْفَعُهُ وَعْظُ اللِّسَانِ ﴿وَلِمَنْ خاف مقام ربه جنتان﴾ .
كَمْ خُوِّفْتَ وَمَا تَخَافُ، يَا مَنْ إِذَا أُمِرَ بِالْعَدْلِ حَافَ، الْوَيْلُ لَكَ يَا صَاحِبَ الإسراف
﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ . لَوْ رَأَيْتَ أَهْلَ الزَّيْغِ وَالْعِنَادِ وَأَرْبَابَ الْمَعَاصِي وَالْفَسَادِ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ . قَدْ سُدَّتْ فِي وُجُوهِهِمُ الأَبْوَابُ وَغَضِبَ عَلَيْهِمْ رَبُّ الأَرْبَابِ، وَالنَّارُ شَدِيدَةُ الالْتِهَابِ وَالْعَذَابُ فِيهَا ألوان ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ أَعْرَضَ عَنْهُمُ الرَّحِيمُ وَمَنَعَهُمْ خَيْرَهُ الْكَرِيمُ، وَيَتَقَلَّبُونَ في الجحيم ﴿يطوفون بينهما وبين حميم آن﴾ سَعِيرُهُمْ قَدْ أَحْرَقَ، وَزَمْهَرِيرُهُمْ قَدْ مَزَّقَ، وَنُورُ الْمُتَّقِينَ قَدْ أَشْرَقَ، ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا من إستبرق وجنى الجنتين دان﴾ .
سَارَتْ بِهِمْ إِلَى الْجِدِّ الْمَطَايَا، فَأَجْزَلَتْ لَهُمْ جَزِيلَ الْعَطَايَا وَلأَرْبَابِ الْخَطَايَا النِّيرَانُ. مَنَّ عَلَيْهِمْ بِنَعِيمِ مَا مُنَّ، لا يَخْطُرُ لِمَنْ يَتَوَهَّمُ وَيَظُنُّ، وَقَدْ كَفَانَا صِفَةَ الْحُورِ مَنْ وَصَفَهُنَّ ﴿كأنهن الياقوت والمرجان﴾ .
стр. 668
أَيُّهَا الْعَاصِي قَدِ اجْتَهَدْنَا فِي صَلاحِكَ، وَعَرَضْنَا فِي التِّجَارَةِ لأَرْبَاحِكَ، وَأَنْتَ عَلَى الْمَعَاصِي فِي مسائك وصباحك، وبعد فما نيأس مِنْ فَلاحِكَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ .
стр. 669
الطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى فَضَائِلِ الْعِلْمِ وَالْمُعَامَلاتِ فيها ثمانية وعشرون مجلساً
стр. 670
الْمَجْلِسُ الأَوَّلُ
فِي فَضَائِلِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي بِيَدِهِ الإِيجَادُ وَالإِنْشَاءُ، وَالإِمَاتَةُ وَالإِحْيَاءُ، وَالإِعَادَةُ وَالإِبْدَاءُ، وَالإِنْعَامُ وَالآلاءُ، وَالرُّخْصُ وَالْغَلاءُ، وَالْحَظُّ وَالْعَلاءُ، وَالْعَافِيَةُ وَالْبَلاءُ، وَالدَّاءُ وَالدَّوَاءُ، خَلَقَ آدَمَ وَخُلِقَتْ لأَجْلِهِ الأَشْيَاءُ، فَمَنْ جَرَّاهُ كَانَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ، وَالظُّلُمَاتُ وَالأَضْوَاءُ، وَالصَّبَاحُ وَالْمَسَاءُ، وَالرِّيحُ وَالْمَاءُ، وَعَلَّمَهُ الْعِلْمَ فَانْجَلَتْ عَنْهُ الظَّلْمَاءُ، وَعَرَّفَهُ خَطَّ الْخَطِّ فَجَاءَ الْهِجَاءُ: الأَلِفُ وَالْبَاءُ، وَالتَّاءُ وَالثَّاءُ، وَالْجِيمُ وَالْحَاءُ، وَالْخَاءُ وَالدَّالُ وَالذَّالُ وَالرَّاءُ، وَالزَّايُ وَالسِّينُ وَالشِّينُ وَالصَّادُ وَالضَّادُ وَالطَّاءُ، وَالظَّاءُ وَالْعَيْنُ وَالْغَيْنُ وَالْفَاءُ، وَالْقَافُ وَالْكَافُ وَاللامُ وَالْمِيمُ وَالنُّونُ وَالْهَاءُ، وَالْوَاوُ وَلامُ الأَلِفِ وَالْيَاءُ.
وَبَثَّ مِنْ نَسْلِهِ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، فَمِنْهُمُ الْعَالِمُ الذَّاكِرُ وَمِنْهُمُ الْجَاهِلُ النَّسَّاءُ، وَأَكْثَرُهُمُ الْغَافِلُونَ وَأَقَلُّهُمُ الأَلِبَّاءُ، وَلَيْسَتْ زَرْقَاءُ الْيَمَامَةِ كَالأَعْشَى، وَلا النَّهَارُ كَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ .
أَحْمَدُهُ لَهُ بِتَوْفِيقِي لِحَمْدِهِ الآلاءَ، وَأُقِرُّ بِأَنَّهُ مَالِكُ الْمُلْكِ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ رَاكِبٍ حَوَتْهُ الْبَيْدَاءُ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مُصَاحِبِهِ إِنْ وَقَعَتِ الشِّدَّةُ أَوِ الرَّخَاءُ، وَعَلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ الَّذِي دَوَّخَ الْكُفْرَ فَذَلَّتْ لَهُ الأَعْدَاءُ، وَعَلَى عُثْمَانَ الصَّابِرِ وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَلاءُ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي حَصَلَ لَهُ دُونَ الْكُلِّ الإِخَاءُ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي سَأَلَتِ الصَّحَابَةُ بِهِ الْغَيْثَ فَسَالَتِ السَّمَاءُ.
стр. 671
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُومِ
فِي السَّمَاءِ يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَإِذَا انْطَمَسَتِ النُّجُومُ أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الْهُدَاةُ ".
وَهَذَا الْمَثَلُ مِنْ أَوْقَعِ الْمِثَالِ، لأَنَّ طُرُقَ التَّوْحِيدِ وَالْعِلْمِ بِالآخِرَةِ لا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ، وَالْعُلَمَاءُ هُمُ الأَدِلاءُ فَإِذَا فُقِدُوا ضَلَّ السَّالِكُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لم يبق عالم اتخذ العباد رؤوسا جُهَّالا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا "
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ بِسَنَدِهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًى بِمَا يَطْلُبُ ".
وَذَكَرَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعْنَى وَضْعِهَا أَجْنِحَتَهَا ثَلاثَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا بَسْطُ الأَجْنِحَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّوَاضُعَ لِطَالِبِ الْعِلْمِ. وَالثَّالِثُ: النُّزُولُ عِنْدَ مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَتَرْكُ الطَّيَرَانِ، لِقَوْلِهِ ﷺ " مَا مِنْ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى إِلا حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلائِكَةُ ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ ﵇: " وَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ".
وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ سَلَكَ طِرَيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحظ وافر ".
стр. 672
وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ للَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُدَارَسَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لأَهْلِهِ قُرْبَةٌ، وَهُوَ الأُنْسُ فِي الْوَحْدَةِ وَالصَّاحِبُ فِي الْخَلْوَةِ.
وَقَالَ كَعْبٌ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى ﵇: أَنْ تَعَلَّمْ يَا مُوسَى الْخَيْرَ وَعَلِّمْهُ لِلنَّاسِ فَإِنِّي مُنَوِّرٌ لِمُعَلِّمِ الْخَيْرِ وَمُتَعَلِّمِهِ فِي قُبُورِهِمْ حَتَّى لا يَسْتَوْحِشُوا فِي مَكَانِهِمْ.
وَقَالَ عِيسَى ﵇: مَنْ تَعَلَّمَ وَعَلَّمَ وَعَمِلَ فَذَلِكَ يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: خُيِّرَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵇ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْمَالِ وَالْمُلْكِ، فَاخْتَارَ الْعِلْمَ فَأُعْطِيَ الْمَالَ وَالْمُلْكَ مَعَهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لَيْتَ شِعْرِي أَيُّ شَيْءٍ أَدْرَكَ مَنْ فَاتَهُ الْعِلْمُ؟ وَأَيُّ شَيْءٍ فَاتَ مَنْ أَدْرَكَ الْعِلْمَ.
وَلا يَخْفَى فَضْلُ الْعِلْمِ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ، لأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ وَسَبَبُ الْخُلُودِ فِي النَّعِيمِ الدَّائِمِ، وَلا يُعْرَفُ التَّقَرُّبُ إِلَى الْمَعْبُودِ إِلا بِهِ، فَهُوَ سَبَبٌ لِمَصَالِحِ الدَّارَيْنِ.
قَالَ الْحَسَنُ: لَوْلا الْعُلَمَاءُ لَصَارَ النَّاسُ مِثْلَ الْبَهَائِمِ. وَقَالَ الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ: كِتَابَةُ حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ.
وَكَيْفَ لا يَقُولُ هَذَا وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " يُوزَنُ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ مَعَ دَمِ الشُّهَدَاءِ فَيَرْجَحُ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ عَلَى دَمِ الشُّهَدَاءِ ".
وَمِنْ آدَابِ الْعَالِمِ: أَنْ يَتْرُكَ فُضُولَ الدُّنْيَا لِيَتَّبِعَهُ النَّاسُ، فَإِنَّ الاسْتِدْلالَ بِالْفِعْلِ أَقْوَى مِنَ الاسْتِدْلالِ بِالْقَوْلِ، فَإِنَّ الطَّبِيبَ إِذَا أَمَرَّ الْحِمْيَةَ ثُمَّ خَلَطَ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هَمَّامٍ الْكَلاعِيِّ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ مَرَّ
стр. 673
بِبَعْضِ الْقُرَّاءِ عَلَى بَعْضِ أَبْوَابِ السَّلاطِينِ فَقَالَ: أَقْرَحْتُمْ جِبَاهَكُمْ وَفَرْطَحْتُمْ نِعَالَكُمْ وَجِئْتُمْ بِالْعِلْمِ تَحْمِلُونَهُ عَلَى رِقَابِكُمْ إِلَى أَبْوَابِهِمْ فَزَهَدُوا فِيكُمْ؟ أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ جَلَسْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يُرْسِلُونَ إِلَيْكُمْ لَكَانَ أَعْظَمَ لَكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ، تَفَرَّقُوا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ أَعْضَائِكُمْ!
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ الزَّبَانِيَةَ إِلَى فَسَقَةِ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ أَسْرَعُ مِنْهُمْ إِلَى عَبَدَةِ الأَوْثَانِ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَالُنَا يَتَقَدَّمُونَ إِلَيْنَا؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْسَ مَنْ يَعْلَمُ كَمَنْ لا يَعْلَمُ!
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ بِسَنَدِهِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَظُمَتْ قِيمَتُهُ وَمَنْ تَفَقَّهَ نَبُلَ قَدْرُهُ، وَمَنْ كَتَبَ الْحَدِيثَ قَوِيَتْ حُجَّتُهُ، وَمَنْ تَعَلَّمَ اللُّغَةَ رَقَّ طَبْعُهُ، وَمَنْ تَعَلَّمَ الْحِسَابَ جَزِلَ رَأْيُهُ، وَمَنْ لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ.
سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَحْمَدَ يَقُولُ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَطَاءٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا نَصْرٍ الْحَوَارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَاتِمٍ الرَّازِيَّ يَقُولُ بِسَنَدِهِ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى يَقُولُ، سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: كَتَبَ حَكِيمٌ إِلَى حَكِيمٍ: يَا أَخِي قَدْ أُوتِيتُ عِلْمًا فَلا تُدَنِّسْ عِلْمَكَ بِظُلْمَةِ الذُّنُوبِ فَتَبْقَى فِي الظُّلْمَةِ يَوْمَ يَسْعَى أَهْلُ الْعِلْمِ بِنُورِ عِلْمِهِمْ.
والمأخوذ على العلم: أَنْ يَطْلُبَ الْعِلْمَ لِلْعَمَلِ بِهِ. فَفِي الْحَدِيثِ " مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ يُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ ".
وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى فِيهِ يوم القيامة ثلاثة، فذكر منهم وجلا تعلم العلم وعلمهه وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَيُقَالُ لَهُ: مَا عَمِلْتَ! فَيَقُولُ: تعلت فِيكَ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ الْقُرآنَ. فَيُقَالُ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ هُوَ عَالِمٌ فَقَدْ قِيلَ. وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ وَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ ".
стр. 674
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِمَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إسماعيل ابن تَوْبَةَ. يَقُولُ: رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ الآدَمِيَّ الْقَارِئَ فِي النَّوْمِ بَعْدَ مَوْتِهِ يَمُدُّ يَدَهُ فَقُلْتُ له: تلك الليالي والمواقف والقرآن؟ فقاليلي: مَا كَانَ شَيْءٌ أَضَرَّ عَلَيَّ مِنْهَا لأَنَّهَا كَانَتْ لِلدُّنْيَا. فَقُلْتُ لَهُ: فَإِلَى أَيِّ شَيْءٍ انْتَهَى أَمْرُكَ؟ قَالَ: قَالَ لِي تَعَالَى: آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لا أُعَذِّبَ أَبْنَاءَ الثَّمَانِينَ.
الكلام على البسملة
(تبنى وتجمع وَالآثَارُ تَنْدَرِسُ ... وَنَأْمُلُ اللُّبْثَ وَالأَرْوَاحُ تُخْتَلَسُ)
(ذَا اللُّبِّ فَكِّرْ فَمَا فِي الْخُلْدِ مِنْ طَبَعٍ ... لا بد ما بنتهى أَمْرٌ وَيَنْعَكِسُ)
(أَيْنَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ وَمَنْ ... كَانُوا إِذَا النَّاسُ قَامُوا هَيْبَةً جَلَسُوا)
(وَمَنْ سُيُوفُهُمْ فِي كُلِّ مَعْرَكَةٍ ... تُخْشَى وَدُونَهُمُ الْحِجَابُ وَالْحَرَسُ)
(أَضْحَوْا بِمَهْلَكَةٍ فِي وَسْطِ مَعْرَكَةٍ ... صَرْعَى وَمَاشِي الْوَرَى مِنْ فَوْقِهِمْ يَطِسُ)
(وَعَمَّهُمْ حَدَثٌ وَضَمَّهُمْ جَدَثٌ ... بَاتُوا وَهُمْ جُثَثٌ فِي الرَّمْسِ قَدْ حُبِسُوا)
(كَأَنَّهُمْ قَطُّ مَا كَانُوا وَمَا خُلِقُوا ... وَمَاتَ ذِكْرُهُمُ بَيْنَ الْوَرَى وَنُسُوا)
(وَاللَّهِ لَوْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ مَا صَنَعَتْ ... يَدُ الْبِلَى بِهِمْ وَالدُّودُ يَفْتَرِسُ)
(لَعَايَنْتَ مَنْظَرًا تَشْجَى النُّفُوسُ بِهِ ... وَأَبْصَرْتَ نُكْرًا مِنْ دُونِهِ النُّكْسُ)
(مِنْ أَوْجُهٍ نَاظِرَاتٍ حَارَ نَاظِرُهَا ... فِي رَوْنَقِ الْحُسْنِ كَيْفَ تَنْطَمِسُ)
(وَأَعْظَمُ بَالِيَاتٍ مَا بِهَا رَمَقٌ ... وَلَيْسَ تَبْقَى وَهَذَا وَهْيَ تُنْتَهَسُ)
(وَأَلْسُنٌ نَاطِقَاتٌ زَانَهَا أَدَبٌ ... مَا شَأْنُهَا شَانَهَا بِالآفَةِ الْخَرَسُ)
(نُكْسُهُمْ أَلْسُنٌ لِلدَّهْرِ فَاغِرَةٌ ... فَاهًا فَآهًا لَهُمْ إِذْ بِالرَّدَى وُكِسُوا)
(عُرُّوا عَنِ الْوَشْيِ لَمَّا أُلْبِسُوا حُلَلا ... مِنَ الرَّغَامِ عَلَى أَجْسَادِهِمْ وَكُسُوا)
(وَصَارَ لُبْسُ الصَّفَايَا مِنْ خَلائِلِهِمْ ... جَوْنَ الثِّيَابِ وَقَدَمًا زَانَهُ الْوَرْسُ)
(حَتَّامَ يَا ذَا النُّهَى لا تَرْعَوِي سَفَهًا ... وَدَمْعُ عَيْنَيْكَ لا يَهْمِي وَيَنْبَجِسُ)
يَا غَافِلا عَنْ نَفْسِهِ أَمْرُكَ عَجِيبٌ، يَا قَتِيلَ الْهَوَى دَاؤُكَ غَرِيبٌ، يَا طَوِيلَ الأَمَلِ سَتُدْعَى فَتُجِيبُ، وَهَذا عَنْ قَلِيلٍ وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، هَلا تَذَكَّرْتَ لَحْدَكَ
стр. 675
كَيْفَ تَبِيتُ وَحْدَكَ، وَيُبَاشِرُ الثَّرَى خَدَّكَ، وَتَقْتَسِمُ الدِّيدَانُ جِلْدَكَ، وَيَضْحَكُ الْمُحِبُّ بَعْدَكَ نَاسِيًا عَنْهُ بعدك، والأهل مذ وجدوا المال ما مَا وَجَدُوا فَقْدَكَ، إِلَى مَتَى وَحَتَّى مَتَى تَتْرُكَ رُشْدَكَ، أَمَا تُحْسِنُ أَنْ تُحْسِنَ إِلَيْنَا قَصْدَكَ، الأَمْرُ جَدٌّ مُجِدٌّ فَلازِمٌ جِدُّكَ.
(ذَهَبَ الأَحِبَّةُ بَعْدَ طُولِ تَوَدُّدٍ ... وَنَأَى الْمَزَارُ فَأَسْلَمُوكَ وَأَقْشَعُوا)
(خَذَلُوكَ أَفْقَرَ مَا تَكُونُ لِغُرْبَةٍ ... لَمْ يُؤْنِسُوكَ وَكُرْبَةً لَمْ يَدْفَعُوا)
(قُضِيَ الْقَضَاءُ وَصِرْتَ صَاحِبَ حُفْرَةٍ ... عَنْكَ الأَحِبَّةُ أَعْرَضُوا وَتَصَدَّعُوا)
وَوُجِدَ عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ:
(سَيُعْرِضُ عَنْ ذِكْرِي وَتُنْسَى مَوَدَّتِي ... وَيُحْدَثُ بَعْدِي لِلْخَلِيلِ خَلِيلُ)
(إِذَا انْقَطَعَتْ يَوْمًا مِنَ الْعَيْشِ مُدَّتِي ... فَإِنَّ غِنَاءَ الْبَاكِيَاتِ قَلِيلُ)
إِلَى مَتَى هَذَا التَّخْلِيطُ وَالْمَوْتُ بِكُمْ مُحِيطٌ، أَيْنَ الأَخُ وَالْخَلِيطُ بَادَرَهُمَا مَوْتٌ نَشِيطٌ، كيف يلهوا هَذَا الشَّمِيطُ، وَلَهُ أَسَدٌ مُسْتَشِيطٌ، عَلَيْهِ وَسَخٌ وَمَا يُمِيطُ لا بَلْ دَمٌ عَبِيطٌ، يَا رُبَّمَا انْقَبَضَ النَّشِيطُ، تَيَقَّظْ فَكَمْ هَذَا الْغَطِيطُ، اقْبَلْ نُصْحِي وَاسْمَعْ مِنَ الْوَسِيطِ، يَا ذَا التَّحَرُّكِ فِي الْهَوَى لا بُدَّ لَهُ مِنْ سُكُونٍ، عَلَى هَذا كَانَتِ الدُّنْيَا وَعَلَيْهِ تَكُونُ، لا يَغُرَّنَّكَ سَهْلُهَا فَبَعْدَ السَّهْلِ حُزُونٌ، لا تَنْظُرْ إِلَى فَرْحِهَا فَكُلُّ فَرِحٍ مَحْزُونٌ، تَأَمَّلْ فِعْلَهَا بِغَيْرِكَ فَبُغْضُ الْمُقَبِّحِ يَهُونُ، إِنَّ رُوحَكَ دَيْنُ الْمَمَاتِ وَسَتُقْضَى الدُّيُونُ، مَا فَرَحُهَا مُسْتَتِمٌّ وَلا تَرَحُهَا مَأْمُونٌ، مَا أَضْحَكَتِ السِّنَّ إِلا وأبكت العيون، إياك وإيا المومس الخثون، إِنَّهَا لَدَارُ الْغُرُورِ وَمَنْزِلٌ لِلْمَنُونِ، كَمْ نَلُومُ عَلَى الْغَبْنِ وَمَا يَعْقِلُ الْمَغْبُونُ، مَهْلا أَضَعْتُمُ الْمَوَاعِظَ قَلْبُ هَذَا مَفْتُونٌ، يَا لائِمًا لِي فِي الْهَوَى مَاذَا هَوَى هَذَا جَنُونٌ.
أَيُّهَا الْغَافِلُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ لا يَذْكُرُ الْمَوْتَ وَلا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، شَغَلَهُ عَنِ الْعَوَاقِبِ مَا لَدَيْهِ وَأَلْهَاهُ مَا لَهُ عَمَّا عَلَيْهِ:
(يَا لِقَوْمِي لِلآمِلِ الْمَغْرُورِ ... وَلَجَاجٍ لا يَنْقَضِي فِي الصُّدُورِ)
(وَلِنَفْسٍ مَخْدُوعَةٍ بِالأَمَانِي ... وَلَهُمْ مُوكَلٌ بِسُرُورِ)
стр. 676
(وَانْقِبَاضِ الْحَيَاةِ عَمَّا يُرَجِّيهِ ... الْفَتَى وَامْتِدَادِ حَبْلِ الْغُرُورِ)
(يَلْتَحِيهِ الزَّمَانُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ... دَائِبًا كَالْتِحَاءِ غُصْنٍ نَضِيرِ)
(يَتَمَنَّى فِي الْعَيْشِ مَا لَيْسَ يَلْقَاهُ ... وَيَنْسَى حَزْمَ الزَّمَانِ الْغَيُورِ)
(وَلِعَيْنٍ غَفَتْ عَنِ الأَجَلِ الْيَقْظَانِ ... أَمْسَى بِهَا قَرِيبَ الْمَسِيرِ)
(كُلَّ يَوْمٍ يَهِيضُ لِلْمَرْءِ عَظْمًا ... وَهُوَ يَسْطُو فِيهِ بِعَظْمٍ كَسِيرِ)
(يَحْمِلُ الْمَوْتَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ إِذْ يَغْدُو ... وَيَخْشَاهُ مِنْ وَرَاءِ الثُّغُورِ)
(كُلُّ نَفْسٍ فِي مُسْتَقَرٍّ عَلَيْهَا ... وَالِجٌ مِنْ حِمَامِهَا الْمَقْدُورِ)
يَا مَنْ يَجُوبُ شَرْقَ الْهَوَى ثُمَّ يَقْطَعُ غَرْبَهُ، فَكَمْ لَهُ مِنْ طَلْعَةٍ فِي طَلَبِهِ وَغُرْبَةٍ، كَأَنَّهُ بِسَيْفِ الأَسَفِ قَدْ سَلَّ مِنْ جَفْنِهِ فَأَسَالَ مِنْ جَفْنِهِ غَرْبَهُ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَسَنِ: لَيْتَ ابْنَ آدَمَ لَمْ يُخْلَقْ. فَقَالَ حَبِيبٌ الْعَجَمِيُّ: فَقَدْ وَقَعْتُمْ فَاحْتَالُوا!
تَاللَّهِ مَا اهْتَمَّ بِالْخَلاصِ إِلا أَهْلُ التُّقَى وَالإِخْلاصِ، أَيَّامُهُمْ بِالصَّلاحِ زَاهِرَةٌ، وَدَوْلَتُهُمْ لِلْعَدُوِّ قَاهِرَةٌ، وَأَعْيَنُهُمْ فِي الدُّجَى سَاهِرَةٌ، يَخَافُونَ الْعَرْضَ عَلَى أَرْضِ السَّاهِرَةِ، وَالْعُقُولُ لِلنُّفُوسِ نَاهِيَةٌ آمِرَةٌ، وَأَخْلاقُ الثِّيَابِ عَلَى أَخْلاقِ طَاهِرَةٍ، وَالدُّنْيَا عَلَيْهِمْ وَالْقُلُوبُ صَابِرَةٌ، وَفِي الْجُمْلَةِ بَاعُوا الدُّنْيَا فَاشْتَرَوْا بِهَا الآخِرَةَ.
قَالَ أَبُو يَزِيدَ: جَمَعْتُ أَسْبَابَ الدُّنْيَا فَرَبَطْتُهَا بِحَبْلِ الْقُنُوعِ، وَوَضَعْتُهَا فِي مِنْجَنِيقِ الصِّدْقِ، وَرَمَيْتُ بِهَا فِي جَبَلِ الْيَأْسِ، فَاسْتَرَحْتُ:
(قَرَّبَ الْحِرْصُ مَرْكَبًا لِشَقِيٍّ ... إِنَّمَا الْحِرْصُ مَرْكَبُ الأَشْقِيَاءِ)
(مَرْحَبًا بِالْكَفَافِ يَأْتِي عَفِيًّا ... وَعَلَى الْمُتْعِبَاتِ ذَيْلُ الْعَفَاءِ)
(ضُلَّةٌ لامْرِئٍ يُشَمِّرُ فِي الْجَمْعِ ... لِعَيْشٍ مُشَمِّرٌ لِلْفَنَاءِ)
(دَائِبًا يُكْثِرُ الْقَنَاطِيرَ لِلْوَارِثِ ... وَالْعُمْرُ دَائِبًا لانْقِضَاءِ)
(حَبَّذَا كَثْرَةُ الْقَنَاطِيرِ لَوْ كَانَ ... لِرَبِّ الْكُنُوزِ كَنْزُ بَقَاءِ)
(يَغْتَدِي يَرْحَمُ الأَسِيرَ أَسِيرًا ... جَاهِلا أَنَّهُ مِنَ الأُسَرَاءِ)
(يَحْسَبُ الْحَظَّ كُلَّهُ فِي يَدَيْهِ ... وَهُوَ مِنْهُ عَلَى مدى الجوزاء)
стр. 677
(ذَلِكَ الْخَائِبُ الشَّقِيُّ وَإِنْ كَانَ ... يَرَى أَنَّهُ مِنَ السُّعَدَاءِ)
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿فَالْيَوْمَ لا تظلم نفس شيئا﴾
مِيزَانُ الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُسْتَقِيمُ اللِّسَانِ، تَبِينُ فِيهِ الذَّرَّةُ فَيُجْزَى الْعَبْدُ عَلَى الْكَلِمَةِ قَالَهَا فِي الْخَيْرِ وَالنَّظْرَةِ نَظَرَهَا فِي الشَّرِّ، فَيَا مَنْ زَادُهُ مِنَ الْخَيْرِ طَفِيفٌ، احْذَرْ مِيزَانَ عَدْلٍ لا يَحِيفُ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عبد الله بن عمرو ابن الْعَاصِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِنَّ اللَّهَ يَسْتَخْلِصُ رجلا من أمتي على رؤوس الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلا كُلُّ سِجِلٍّ مَدُّ الْبَصَرِ؛ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ قَالَ: لا يَا رَبِّ فَيَقُولُ: أَلَكَ عُذْرٌ أَوْ حَسَنَةٌ؟ فَيُبْهَتُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لا يَا رَبِّ فَيَقُولُ: بَلَى؛ إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً وَاحِدَةً لا ظُلْمَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ؛ فَيُخْرِجُ لَهَا بِطَاقَةً فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: أَحْضِرُوهُ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاتِ؟ فَيُقَالُ: إِنَّكَ لا تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلاتُ فِي كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ. قَالَ: فَطَاشَتِ السِّجِلاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ ".
الْبِطَاقَةُ: الْقِطْعَةُ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ بِسَنَدِهِ عن يونس بن عبيد عن الْحَسَنِ قَالَ: بَيْنَا عَائِشَةُ ﵂ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكَتْ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ فَلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ الْمِيزَانِ حِينَ يُوضَعُ حَتَّى يَعْلَمَ أَتَثْقُلُ مَوَازِينُهُ أَمْ تَخِفُّ، وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ ﴿هَاؤُمُ اقرءوا كتابيه﴾
стр. 678
حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابَهُ فِي يَمِينِهِ أَوْ فِي شِمَالِهِ أَوْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ. وَعِنْدَ الصِّرَاطِ حِينَ يُوضَعُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَنْجُو أَمْ لا يَنْجُو.
(أَخْبَرَنَا) الْكَرُوخِيُّ بِسَنَدِهِ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵄ قَالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَهُ: أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ سَمْعًا وَبَصَرًا وَمَالا وَوَلَدًا وَسَخَّرْتُ لَكَ الأَنْعَامَ وَالْحَرْثَ وَتَرَكْتُكَ تَرْأَسُ وَتَرْتَعُ أَكُنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ مُلاقِي يَوْمِكَ هَذَا؟ فَيَقُولُ لا فَيَقُولُ الْيَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ بِسَنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ في الدنيا، حتى إذا هذبوا ويقوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ أَتُرَاكَ بِأَيِّ عَمَلٍ تُجْزَى، أَتُرَاكَ تُهَنَّى أَوْ تُعَزَّى، قَلْبُكَ عِنْدَ الصَّلاةِ فِي غَيْبَةٍ، وَلِسَانُكَ فِي الصَّوْمِ فِي غَيْبَةٍ، وَمَا صَفَتْ لَكَ فِي الْعُمْرِ رَكْعَةٌ، وَقَدْ مَرَّ أَكْثَرُ الأَجَلِ بِسُرْعَةٍ، فَانْتَبِهْ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ التَّدَارُكُ، وَفَرِّغْ قَلْبَكَ قَبْلَ أَنْ تُفَرِّغَ دَارَكَ.
(أَنْبَأَنَا) أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَطَّارُ بِسَنَدِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَخْرُجُ مِنْ أَعْلاهَا وَمِنْ أَسْفَلِهَا خَيْلٌ مِنْ ذَهَبٍ مُسْرَجَةٌ مُلْجَمَةٌ بِلُجُمٍ مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ لا تَرُوثُ وَلا تَبُولُ لَهَا أَجْنِحَةٌ خَطْوُهَا مَدُّ بَصَرِهَا، فَيَرْكَبُهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فَتَطِيرُ بِهِمْ حَيْثُ شاؤوا فَيَقُولُ الَّذِينَ أَسْفَلَ مِنْهُمْ
стр. 679
دَرَجَةً: يَا رَبِّ بِمَ بَلَغَ عِبَادُكَ هَذِهِ الْكَرَامَةَ كُلَّهَا؟ قَالَ فَيُقَالُ لَهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ اللَّيْلَ وَأَنْتُمْ تَنَامُونَ، وَكَانُوا يَصُومُونَ وَكُنْتُمْ تَأْكُلُونَ، وَكَانُوا يُنْفِقُونَ وَكُنْتُمْ تَبْخَلُونَ، وَكَانُوا يُقَاتِلُونَ وَكُنْتُمْ تَجْبُنُونَ. قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ اليوم في شغل فاكهون﴾
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو فِي شُغْلٍ بِإِسْكَانِ الْغَيْنِ وَقَرَأَ ابْنُ يَعْمُرَ فِي شَغْلٍ بِفَتْحِ الشِّينِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ. وَقَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي شَغَلٍ بِفَتْحِهِمَا.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ الشُّغُلِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ افْتِضَاضُ الأَبْكَارِ. أَخْبَرَنَا مَوْهُوبُ بْنُ أَحْمَدَ بِسَنَدِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ اليوم في شغل﴾ قَالَ فِي افْتِضَاضِ الأَبْكَارِ. وَالثَّانِي: النِّعْمَةُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: شُغُلُهُمْ نَعِيمُهُمْ عَمَّا فِيهِ أَهْلُ النَّارِ مِنَ الْعَذَابِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فاكهون أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: فَرِحُونَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: مُعْجَبُونَ. قَالَهُ الْحَسَنُ. وَالثَّالِثُ: نَاعِمُونَ. قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَالرَّابِعُ: ذَوُو فَاكِهَةٍ، كَمَا يُقَالُ لابْنِ تَامِرٍ. قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ.
وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكِهُونَ. وَهَلْ هِيَ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ الأُولَى؟ فِيهِ قَوْلانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. كَمَا يُقَالُ حَاذِرٌ وَحَذِرٌ. قَالَهُ الْفُرَّاءُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْفَكِهَ: الَّذِي يَتَفَكَّهُ، يُقَالُ فُلانٌ يَتَفَكَّهُ بِالطَّعَامِ. قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظلال﴾ الأَزْوَاجُ: الْحَلائِلُ. وَالظِّلالُ جَمْعُ ظِلٍّ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ فِي ظُلَلٍ. قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَهِيَ جَمْعُ ظِلٍّ، وَقَدْ تَكُونُ الظِّلالُ جَمْعُ ظُلَّةٍ أَيْضًا.
стр. 680
قال المفسرون: المراد بالظلال كنا الْقُصُورِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ بِنَاءَ الْجَنَّةِ مُحْكَمٌ عَالٍ فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ شَمْسٌ كَانَ فِي ظِلِّهِمْ مَا يَرُدُّ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ أَخْبَرَنَا الدَّاوُدِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ أَعْيَنَ حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلا يَمْتَخِطُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ، آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ وَأَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ لا اخْتِلافَ بَيْنَهُمْ وَلا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا " (وَقَالَ كَعْبٌ) لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بَدَا مِعْصَمُهَا لَذَهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ!
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَقَدِمَ عَلَيْهِ ابْنٌ لَهُ مِنْ غَزَاةٍ فَسَاءَلَهُ ثُمَّ قَالَ أَلا أُخْبِرُكَ عَنْ صَاحِبِنَا فُلانٍ؟ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي غَزَاتِنَا قَافِلِينَ إِذْ ثَارَ وَهُوَ يَقُولُ: وَاأَهْلاهْ وَاأَهْلاهْ. فَثُرْنَا إِلَيْهِ فَظَنَنَّا أَنَّ عَارِضًا عَرَضَ لَهُ فَقُلْنَا: لَهُ مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي أَنْ لا أَتَزَوَّجَ حَتَّى أُسْتُشْهِدَ فَيُزَوِّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى الْحُورَ الْعِينَ، فَلَمَّا - طَالَتْ عَلَيَّ الشَّهَادَةُ حَدَّثْتُ نَفْسِي فِي سَفَرِي هَذَا إِنْ أَنَا رَجَعْتُ تَزَوَّجْتُ، فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ: أَنْتَ الْقَائِلُ: إِنْ أَنَا رَجَعْتُ تَزَوَّجْتُ؟ قُمْ فَقَدْ زَوَجَّكَ اللَّهُ الْعَيْنَاءَ. فَانْطُلِقَ بِي إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ مُعْشِبَةٍ فِيهَا عَشْرُ جَوَارٍ فِي يَدِ كُلِّ جَارِيَةٍ صَنْعَةٌ تَصْنَعُهَا لَمْ أَرَ مِثْلَهُنَّ فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ، قُلْتُ لَهُنَّ: فِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ؟ قُلْنَ: لا نَحْنُ مِنْ خَدَمِهَا وَهِيَ أَمَامَكَ، فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَوْضَةٍ أَعْشَبَ مِنَ الأُولَى وَأَحْسَنَ فِيهَا عِشْرُونَ جَارِيَةً فِي يَدِ كُلِّ جَارِيَةٌ صَنْعَةٌ تَصْنَعُهَا لَيْسَ الْعَشْرُ إِلَيْهِنَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ. قُلْتُ: فِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ؟ قُلْنَ: لا وَنَحْنُ مِنْ خَدَمِهَا وَهِيَ أَمَامَكَ. فَمَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَوْضَةٍ أُخْرَى أَعْشَبَ مِنَ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَأَحْسَنَ، فِيهَا أَرْبَعُونَ جَارِيَةً فِي يَدِ كُلِّ جَارِيَةٍ صَنْعَةٌ تَصْنَعُهَا لَيْسَ الْعَشْرُ
стр. 681
وَالْعِشْرُونَ إِلَيْهِنَّ بِشَيْءٍ فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ فَقُلْتُ: فِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ؟ قُلْنَ: لا نَحْنُ مِنْ خَدَمِهَا وَهِيَ أَمَامَكَ. فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا أَنَا بِيَاقُوتَةٍ مُجَوَّفَةٍ فِيهَا سَرِيرٌ عَلَيْهَا امْرَأَةٌ قَدْ فَضَلَتِ السَّرِيرُ قُلْتُ: أَنْتِ الْعَيْنَاءُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ مَرْحَبًا فَذَهَبْتُ أَضَعُ يَدِي عَلَيْهَا فَقَالَتْ: مَهْ إِنَّ فِيكَ شَيْئًا مِنَ الرُّوحِ بَعْدُ، وَلَكِنَّ فِطْرَكَ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ.
قَالَ: فَمَا فَرَغَ الرَّجُلُ مِنْ حَدِيثِهِ حَتَّى نَادَى مُنَادٍ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي وَأَبْشِرِي بِالْجَنَّةِ. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الرَّجُلِ وَأَنْظُرُ إِلَى الشَّمْسِ وَنَحْنُ مُصَافُّونَ الْعَدُوَّ، وَأَذْكُرُ حَدِيثَهُ فَمَا أَدْرِي أَيَّهُمَا رَأَيْتُهُ بُدِرَ أَوَّلُ؟ هُوَ أَوِ الشَّمْسُ سَقَطَتْ أَوَّلُ؟
فَقَالَ أَنَسٌ: رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(
سَجْعٌ)
يَا هَذَا لَقَدْ بَلَغَ الْقَوْمُ الآمَالَ، وَنَالُوا مُلْكًا عَظِيمًا لا يُزَالُ، فَأَيْنَ ذَاكَ التَّعَبُ وَتِلْكَ الأَثْقَالُ، وَبِقَي الْمَدْحُ وَالتَّرَحُ زَالَ، ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ﴾ .
طالموا نَصَبُوا فِي خِدْمَةِ ذِي الْجَلالِ، فَشَغَلَتْهُمْ عَنِ اللَّذَّاتِ أَشْغَالٌ، وَأَزْعَجَتْهُمْ عَنِ الشَّهَوَاتِ أَوْجَالٌ، وَقَلَّقَهُمُ الْمَوْتُ إِذَا خَطَرَ بِالْقَلْبِ وَجَالَ، فَإِذَا وَرَدُوا تلقوا بالنوال، ﴿هم وأزواجهم في ظلال﴾ .
بَالَغَ الْقَوْمُ فِي التَّحْقِيقِ، وَأَخَذُوا بِالأَمْرِ الْوَثِيقِ، وَأَنْذَرَهُمُ الْمَوْتُ فَمَا أَبْلَغَهُمُ الرَّفِيقُ فَجَدُّوا حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الْمَضِيقِ، فَأَمَّا الْبَطَّالُ فَإِنَّهُ لَمَّا تَلَمَّحَ الطَّرِيقَ، رَآهُ قَدْ طَالَ.
صَامَ الْقَوْمُ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَقَامُوا للَّهِ فِي الْخَلَوَاتِ، وَحَبَسُوا الأَلْسُنَ عَنْ فُضُولِ الْكَلِمَاتِ، وَتَرَكُوا فِي الْجُمْلَةِ جُمْلَةَ اللَّذَّاتِ، فَانْقَضَى رَمَضَانُ صَوْمِهِمْ، وَجَاءَ شَوَّالُ، ﴿هم وأزواجهم في ظلال﴾ .
كَمْ بَيَنْكَ وَبَيْنَهُمْ، أَسْخَنَ الشَّرُّ عَيْنَكَ وَأَقَرَّ الْخَيْرُ أَعْيُنَهُمْ، نَالُوا الْحَظَّ وَنِلْتَ
стр. 682
الْحَضِيضَ، أَيْنَ أَنْتَ وَأَيْنَ هُمْ، وَإِنَّمَا يُكَالُ لِلْعَبْدِ كَمَا كَالَ.
سُبْحَانَ مَنْ أَصْلَحَهُمْ وَسَامَحَهُمْ، وَعَامَلَهُمْ فَأَرْبَحَهُمْ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ وَمَدَّحَهُمْ، وَأَقَالَ مُجْتَرَحَهُمْ وقال: ﴿هم وأزواجهم في ظلال﴾ .
قَطَعُوا الْمَهَامِهَ فَفَازُوا، وَعَبَرُوا قَنَاطِرَ الْخَوْفِ وَجَازُوا، وَنَالُوا غَايَةَ الْمُنَى وَحَازُوا، فَسَلِمَ الرِّبْحُ وَرَأْسُ المال ﴿هم وأزواجهم في ظلال﴾ . قوله تعالى ﴿على الأرائك متكئون﴾ قَالَ ثَعْلَبٌ: لا تَكُونُ الأَرِيكَةُ إِلا سَرِيرًا فِي قُبَّةٍ عَلَيْهِ شَوَارُهُ وَمَتَاعُهُ، وَالشَّوَارُ مَتَاعُ الْبَيْتِ.
تَعِبُوا فَأُرِيحُوا، وَزَهِدُوا فَأُبِيحُوا، زَالَ نَصَبُهُمْ وَارْتَفَعَ تَعَبُهُمْ، وَحَصَلَ مَقْصُودُهُمْ، وَرَضِيَ مَعْبُودُهُمْ.
قَوْلُهُ تعالى: ﴿ولهم ما يدعون﴾ أَيْ مَا يَتَمَنَّوْنَ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْعَرَبُ تَقُولُ ادْعُ مَا شِئْتَ. أَيْ تَمَنَّ مَا شِئْتَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّعَاءِ وَالْمَعْنَى: كُلُّ مَا يَدْعُو بِهِ أَهْلُ الْجَنَّةِ يأتيهم.
وقوله: ﴿سلام﴾ يدل مِنْ مَا. وَالْمَعْنَى: لَهُمْ مَا يَتَمَنَّوْنَ سَلامٌ أَيْ هَذَا مُنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يُسَلِّمَ الله عليهم. و ﴿قولا﴾ مَنْصُوبٌ عَلَى مَعْنَى: لَهُمْ سَلامٌ يَقُولُهُ اللَّهُ قَوْلا. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿سَلامٌ قولا من رب رحيم﴾ فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَلا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ.
(
سَجْعٌ)
أَيْنَ الْمُسْتَعِدُّونَ لِهَذَا الأَمْرِ الْجَسِيمِ، أَيْنَ الْمُخَاطِرُ فِي طَلَبِ ذَا الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، أَيْنَ الْمُتَأَهِّبُ لِخِلَعِ الْفَوْزِ وَالتَّقْدِيمِ ﴿سلام قولا من رب رحيم﴾ .
стр. 683
لَوْ رَأَيْتَهُمْ فِي دَارِ الإِقَامَةِ، عَلَى غَايَةِ الْفَوْزِ وَالسَّلامَةِ، وَعَلَى الْقَوْمِ حُلَلِ الْكَرَامَةِ، وَالْمَلِكُ يُسْمِعُهُمْ كَلامَهُ الْعَزِيزَ الْقَدِيمَ، ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رب رحيم﴾ .
حَلُّوا فِي جِوَارِ الْجَبَّارِ، فَحَلُّوا بِضَائَعَ الأَسْحَارِ، فَجُوزُوا أَنْ قِيلَ لَهُمْ: جُوزُوا بِلا عِثَارٍ، وَأَشْرَفَ مِنْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، أَنْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمُ الْكَرِيمُ بِكُلِّ تَكْرِيمٍ، ﴿سَلامٌ قولا من رب رحيم﴾ .
طالموا تَمَلْمَلُوا تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ، وَبَكَوْا فِي الدُّجَى بُكَاءَ الْيَتِيمِ، فَانْقَشَعَ الأَمْرُ إِلَى أَنْ سَامَحَ الْغَرِيمُ، فَأَحَلَّهُمْ بِرِضْوَانِهِ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَالْعُيُونُ تَجْرِي مِنْ رَحِيقٍ وَتَسْنِيمٍ، وَوَاسِطَةُ ذَلِكَ الْعِقْدِ الْمُثَمَّنِ النَّظِيمِ، ﴿سلام قولا من رب رحيم﴾ .
стр. 684
الْمَجْلِسُ الثَّانِي
فِي ذِكْرِ الطَّهَارَةِ
الْحَمْدُ للَّهِ مُحْكِمِ الْمَخْلُوقِ وَمُتْقِنِ الصَّنْعَةِ، وَمَالِكِ يَوْمِ الْحَشْرِ وَالْجَزَاءِ وَالرَّجْفَةِ، الْمُقَدِّرِ مَا شَاءَ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ، أَرَادَ فَلَمْ يَنْتَفِعِ الْعَبْدُ إِنْ بَذَلَ جُهْدَهُ وَوِسْعَهُ، وَعَلِمَ إِخْلاصَ النِّيَّةِ مِنْ مَقْصُودِ السُّمْعَةِ، وَسَمِعَ فَلَمْ يَمْنَعِ اخْتِلافُ اللُّغَاتِ سَمْعَهُ، وَأَبْصَرَ حَتَّى جَوْفَ الْجَوْفِ وَجَرَيَانَ الدَّمْعَةِ، وَشَرَّعَ فَشَهِدَتِ الْعُقُولُ بِصِحَّةِ الشِّرْعَةِ، وَمَنَعَ فَمَنْ ذَا الَّذِي يُعْطِي مَا قَدَّرَ مَنْعَهُ، صِفَاتُهُ كَذَاتِهِ وَما يُشْبِهُ الصَّانِعُ صُنْعَهُ، الاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ.
أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَدُومُ مَا دَامَتِ الأَيَّامُ السَّبْعَةُ، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ فَالِقُ الْحَبِّ عَنِ الطَّلْعَةِ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ بِأَفْضَلِ شِرْعَةٍ، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ أَوَّلِ مَنْ جَمَعَ هَذِهِ الرَّبْعَةَ، وَعَلَى عُمَرَ فَتَّاحِ الأَمْصَارِ فَكَمْ قَلَعَ قَلْعَةً، وَعَلَى عُثْمَانَ الصَّابِرِ عَلَى مَضِيضِ تِلْكَ الصَّرْعَةِ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي مَدَائِحُهُ أَنْفَقُ مِنْ كُلِّ سِلْعَةٍ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ أَبِي الْخُلَفَاءِ وَأَكْرِمْ بِهَذَا الْبَيْتِ رِفْعَةً.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الأَنْصَارِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ يَحْيَى أَنَّ زَيْدًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلامٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ للَّهِ تَمْلآنِ أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلٌّ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا. انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ.
стр. 685
اعْلَمْ أَنَّ الطَّهَارَةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:
الضَّرْبُ الأَوَّلُ: تَطْهِيرُ الْبَدَنِ عَنْ نَجَسٍ أَوْ حَدَثٍ أَوْ فَضْلَةٍ مِنَ الْبَدَنِ. فَأَمَّا طَهَارَةُ الأَنْجَاسِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: " إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ ".
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا لَمْ يُعَذَّبَا فِي أَمْرٍ كَانَ بِكَبِيرٍ عَلَيْهِمَا فِعْلُهُ أَوْ يَشُقُّ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ ".
وَأَمَّا طَهَارَةُ الأَحْدَاثِ فَفِي التَّفْرِيطِ فِيهَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا قَالَ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا: " وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ ".
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يُضْرَبَ فِي قَبْرِهِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ وَيَسْأَلُ حَتَّى صَارَتْ جَلْدَةً وَاحِدَةً، فَامْتَلأَ قَبْرُهُ عَلَيْهِ نَارًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: لِمَ جَلَدْتُمُونِي؟ قَالُوا: إِنَّكَ صَلَّيْتَ صَلاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَمَرَرْتَ عَلَى مَظْلُومٍ فَلَمْ تَنْصُرْهُ ".
وَقَدْ مُدِحَ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ. (أَخْبَرَنَا) هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ أَبَانٍ يُحَدِّثُ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
" مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ ".
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ أَوْ نَحْوِ هَذَا فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ
стр. 686
خَطِيئَةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ ".
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِ الْحَدِيثَيْنِ مُسْلِمٌ.
وَأَمَّا غُسْلُ الْجَنَابَةِ فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا من النار قال ﵇: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي. وَكَانَ يَجُزُّ رَأْسَهُ.
وَأَمَّا الْفَضَلاتُ فَنَوْعَانِ: أَوْسَاخٌ تَعْتَرِي الْبَرَاجِمَ وَالأَسْنَانَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: أَبْطَأَ الْمَلَكُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ لِعَلِيٍّ أَبْطَأْتُ؟ قَالَ: قَدْ فَعَلْتَ. قَالَ: وَمَا لِي لا أَفْعَلُ وَأَنْتُمْ لا تَتَسَوَّكُونَ وَلا تَقُصُّونَ أَظْفَارَكُمْ وَلا تُنْقُونَ بَرَاجِمَكُمْ!
قَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: الْبَرَاجِمُ: الْفُصُوصُ الَّتِي فِي فُصُولِ ظُهُورِ الأَصَابِعِ تَبْدُو إِذَا جُمِعَتْ وَتَغْمُضُ إِذَا بُسِطَتْ. وَالرَّوَاجِبُ: مَا بَيْنَ الْبَرَاجِمِ، بَيْنَ كُلِّ بُرْجُمَتَيْنِ رَاجِبَةٌ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَوْلا أَنَّ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَأَخْرَجَا مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الشَّوْصُ وَالْمَوْصُ: الْغَسْلُ. وَقَالَ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ: الشَّوْصُ: الدَّلْكُ وَالْمَوْصُ: الْغَسْلُ.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِمْ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَحْيَى عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " تَفْضُلُ الصَّلاةُ الَّتِي يُسْتَاكُ لَهَا عَلَى الصَّلاةِ الَّتِي لا يُسْتَاكُ لَهَا سَبْعِينَ ضِعْفًا، وَيَفْضُلُ الذِّكْرُ الْخَفِيُّ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الذِّكْرِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا ".
стр. 687
وَأَمَّا الإِجْزَاءُ: فَقَصُّ الشَّارِبِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَحَلْقُ العانة وتقليم الأظافر.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: تَطْهِيرُ الْجَوَارِحِ عَنِ الآثَامِ. قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَوَارِحَ كَالسَّوَاقِي تُوصِلُ إِلَى الْقَلْبِ الصَّافِي وَالْكَدِرِ، فَمَنْ كَفَّهَا عَنِ الشَّرِّ جَلَّتْ مَعِدَةُ الْقَلْبِ بِمَا فِيهَا مِنَ الأَخْلاطِ فَأَذَابَتْهَا وَكَفَى بِذَلِكَ حِمْيَةٌ، فَإِذَا جَاءَ الدَّوَاءُ صَادَفَ مَحَلا قَابِلا.
وَمَنْ أَطْلَقَهَا فِي الذُّنُوبِ أَوْصَلَتْ إِلَى الْقَلْبِ وَسَخَ الْخَطَايَا وَظُلْمَ الْمَعَاصِي، فَلَوْ وُضِعَ الدَّوَاءُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَلْبِ حِجَابٌ، فَلا تَكَادُ الْجَوَارِحُ تَسْلَمُ مِنَ الْخَطَايَا إِلا بِالْعُزْلَةِ، فَمَنْ أَمْكَنَهُ فَمَا أَحْسَنَهُ، وَمَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ تَحَفَّظَ فِي مُخَالَطَتِهِ لِلْخَلْقِ تَحَفُّظَ الْمُجَاهِدِ فِي الْحَرْبِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: تَطْهِيرُ الْقَلْبِ عَنِ الأَخْلاقِ الْمَذْمُومَةِ مِنَ الْحِرْصِ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلا يُمْكِنُ مُعَالَجَتُهُ مِنْ أَدْوَائِهِ بِدَوَائِهِ حَتَّى تَقَعَ الْحِمْيَةُ الَّتِي وَصَفْنَاهَا فِي كَفِّ الْجَوَارِحِ، ثُمَّ يُعَالَجُ كُلُّ دَاءٍ بِدَوَائِهِ. وَكَمْ مِنْ مُتَعَبِّدٍ يُبَالِغُ فِي كَثْرَةِ الصَّلاةِ وَالصَّوْمِ وَلا يُعَانِي صَلاحَ الْقَلْبِ، وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ الْكِبْرُ وَالرِّيَاءُ وَالنِّفَاقُ وَالْجَهْلُ بِالْعِلْمِ وَلا يُحِسُّ بِذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ تَطَلُّعُهُ إِلَى تَقْبِيلِ يَدِهِ وَإِجَابَةِ دُعَائِهِ، وَهَذِهِ آفَاتٌ لا دَوَاءَ لَهَا إِلا الرِّيَاضَةَ بِالْعِلْمِ لِيَقَعَ التَّهْذِيبُ بِإِصْلاحِ دَائِهِ، وَإِنَّمَا تَنْفَعُ الْعِبَادَةُ وَتَظْهَرُ آثَارُهَا وَتَبِينُ لَذَّاتُهَا مَعَ إِصْلاحِ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بن يحيى الدبلي قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُمَارَةَ فَقَالَ: وَرَدْتُ الْحُجْرَةَ مَرَّةً فَإِذَا أَنَا بِمُحَمَّدِ بْنِ ثَوْبَانَ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ وَعَبَّادٍ الْمُقْرِئِ وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلامٍ لا أَعْقِلُهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ؛ إِنِّي شَابٌّ كَمَا تَرَوْنَ أَصُومُ النَّهَارَ وَأَقُومُ اللَّيْلَ وَأَحجُّ سَنَةً وَأَغْزُو سَنَةً، مَا أَرَى فِي نَفْسِي زِيَادَةً. فَشُغِلَ الْقَوْمُ عَنِّي حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا كَلامِي ثُمَّ حَانَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْتِفَاتَةٌ فَقَالَ: يَا غُلامُ إِنَّ هَمَّ الْقَوْمِ لَمْ يَكُنْ فِي كَثْرَةِ الصلاة والصيام
стр. 688
إِنَّمَا كَانَ هَمُّ الْقَوْمِ فِي نَفَاذِ الأَبْصَارِ حَتَّى أَبْصَرُوا.
الضَّرْبُ الرَّابِعُ: تَطْهِيرُ السِّرِّ عَمَّا سِوَى اللَّهِ . وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ الْعُلْيَا وَلَمْ تَحْصُلْ إِلا لِمَنْ تَجَلَّتْ لَهُ أَوْصَافُ الْحَبِيبِ فَدَخَلَ فِي دَائِرَةِ الْمَحَبَّةِ.
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفْرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ: سَأَلَ مَحْمُودٌ أَبَا سُلَيْمَانَ وَأَنَا حَاضِرٌ: مَا أَقْرَبُ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ فَبَكَى أَبُو سُلَيْمَانَ ثُمَّ قَالَ: مثلي يسأل عن هذا! أقرت مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى قَلْبِكَ وَأَنْتَ لا تُرِيدُ مِنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلا هُوَ.
قَالَ ابْنُ جَهْضَمٍ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلا يَقُولُ: مَنْ نَظَرَ إِلَى اللَّهِ قَرِيبًا مِنْهُ بَعُدَ عَنْ قَلْبِهِ كُلُّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ وَمَنْ طَلَبَ مَرْضَاتَهُ أَرْضَاهُ اللَّهُ وَمَنْ أَسْلَمَ قَلْبَهُ إِلَيْهِ تَوَلَّى اللَّهُ جَوَارِحَهُ.
قَالَ ابْنُ جَهْضَمٍ: وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَا مِنْ سَاعَةٍ إِلا وَاللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَأَيُّ قَلْبٍ رَأَى فِيهِ غَيْرَهُ سَلَّطَ عَلَيْهِ إِبْلِيسَ.
قَالَ ابْنُ جَهْضَمٍ: وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: سُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنْ قَوْلِهِ ﴿قُلْ للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ فقال: أبصار الرؤوس عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، وَأَبْصَارِ الْقُلُوبِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ بِسَنَدِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي الْحَوَارِيِّ يَقُولُ: بَاتَ أَبُو سُلَيْمَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ قَامَ لِيَتَوَضَّأَ فَلَمَّا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ حَتَّى انْفَجَرَ الصُّبْحُ وَكَانَ وَقْتُ الإِقَامَةِ فَخَشِيتُ أَنْ تَفُوتَ صَلاتُهُ فَقُلْتُ: الصَّلاةَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَقَالَ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَحْمَدُ أَدْخَلْتُ يَدِي فِي الإِنَاءِ فَعَارَضَنِي عَارِضٌ مِنْ سِرِّي: هَبْ أَنَّكَ غَسَلْتَ بِالْمَاءِ مَا ظَهَرَ مِنْكَ، فَبِمَاذَا تَغْسِلُ قَلْبَكَ؟ فَبَقِيتُ مُتَفَكِّرًا حتى قلت:
стр. 689
بِالْهُمُومِ وَالأَحْزَانِ فِيمَا يَفُوتُنِي مِنَ الأُنْسِ بِاللَّهِ .
يَا هَذَا إِذَا تَوَضَّأْتَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ قِيلَ لِلْمَاءِ: ابْذُلْ لَهُ الْبَلَلَ لا الطَّهَارَةَ، فَإِذَا نَوَيْتَ قِيلَ لَهُ طَهَارَةَ الظَّاهِرِ، فَإِذَا صَفَا قَلْبُكَ فَقَدْ حَصَلَتْ طَهَارَتُكَ حَقِيقَةً!
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(أَرَى النَّاسَ سَفَرًا فِي طَرِيقِ الْمَتَالِفِ ... فَمَنْ بَالَغَ أُخْرَى الْمَدَى وَمَشَارِفِ)
(وَمَا بَطْنُ هَذِي الأَرْضِ إِلا قَرَارَةٌ ... وَأَرْوَاحُنَا مِثْلُ السُّيُولِ الْجَوَارِفِ)
(وَمَا الدَّهْرُ إِلا جَوْلَةٌ ثُمَّ أَوْلَةٌ ... وَنَحْنُ بِمِرْصَادِ الرَّقِيبِ الْمُشَارِفِ)
أَيُّهَا الْمُتَفَكِّرُ فِي الْقُبُورِ الدَّوَارِسِ، الْبَاكِي عَلَى مَنْ كَانَ بِهِ يَسْتَأْنِسُ، ابْكِ مُطْلَقًا مَا يَرْعَوِي بِنَقْلِ أَهْلِ الْمَحَابِسِ، تَيَقَّظْ لِلْخَلاصِ، فَإِلَى كَمْ أَنْتَ نَاعِسٌ، وَقُمْ مُبَادِرًا لِلْفَوْتِ فَإِلَى كَمْ أَنْتَ جَالِسٌ، لَيْتَ شِعْرِي مَتَى تَتَزَوَّدُ، وَمَتَى تُبَيِّضُ الْقَلْبَ الأَسْوَدَ، أَيْنَ الْفِرَارُ وَالرَّقِيبُ بِالْمَرْصَدِ، إِلَى مَتَى مَعَ الزَّلَلِ وَالإِسْرَافِ، إِلَى كَمْ مَعَ الْخَطَايَا وَالاقْتِرَافِ، أَيْنَ النَّدَمُ وَأَيْنَ الاعْتِرَافُ، لَقَدْ سَمِعْتَ مِنَ الْوَعْظِ كُلَّ شَافٍ كَافٍ، أَنْتَ فِيمَا يَنْفَعُكَ قَاعِدٌ، وَفِيمَا يَضُرُّ نَاهِضٌ، تتوب بلسانك وتضر بحناحك، أَتُنَاقِضُ؟ الشَّرُّ فِي بَاطِنِكَ دَاخِلٌ فِي الْغَوَامِضِ، أُسْدُ الشَّرَى فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَا، فَإِذَا يَرَى الْخَدِيعَةَ خَلا الْمَرَابِضَ، يَا غَافِلا عَمَّا قَدْ أُعِدَّ لَهُ أَمَكْرٌ هَذَا أَمْ بَلَهٌ، مَا عُذْرُ مَنْ تَعَثَّرَ فِي ظُلُمَاتِ الْعَيْبِ، بَعْدَ إِضَاءَةِ نُورِ الشَّيْبِ، يَا أَسَفَى مَنْ لِلْمُحْتَضِرِ، إِذَا عَلِمَ مَنْ قَدْ حَضَرَ، وَقَلَّبَ الطَّرْفَ مُتَحَيِّرًا وَنَظَرَ وَرَأَى الْعَجَائِبَ وَقَلَّبَ الْبَصَرَ، وَنَدِمَ عَلَى إِغْفَالِهِ زَادَ السَّفَرِ، وَجَرَى دَمْعُ الأَسَى ثُمَّ انْهَمَرَ وَاحْتَاجَ إِلَى قَلِيلٍ مِنَ الزَّادِ وَافْتَقَرَ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ كُلُّ مَسْتُورٍ مُدَّخَرٍ، وَتَقَطَّعَ فُؤَادُهُ أَسَفًا وَانْفَطَرَ، إِنَّ هَذَا لَعِبْرَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ، إِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَكَ الْغَيْرُ فَأَنْتَ عَلَى الأَثَرِ، يَا هَذَا الْحِسَابُ شَدِيدٌ وَالطَّرِيقُ بَعِيدٌ وَقَدْ خَافَ مَنْ لا خَوْفَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ سَكَنَ مَنْ لا أَمْنَ لَهُ!
كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي شَعْرَةٌ فِي صَدْرِ مُؤْمِنٍ.
стр. 690
وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي أُفْلِتُ كَفَافًا لا عَلَيَّ وَلا لِي لَوْ أَنَّ لِي طَلاعَ الأَرْضِ ذَهَبًا وَفِضَّةً لافْتَدَيْتُ بِهَا مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ، لَوْ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لافْتَدَيْتُ بِهَا مِنْ هَوْلِ مَا أَمَامِي قَبْلَ أَنْ أَعْلَمَ مَا الْخَبَرُ.
لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ ﵁ قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لتهنك الجنة يا أمير المؤمنين قال: غر بهذا غيري يا بن عَبَّاسٍ: قَالَ: وَلِمَ لا أَقُولُ لَكَ هَذَا؟ فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ إِسْلامُكَ لَعِزًّا وَإِنْ كَانَتْ هِجْرَتُكَ لَفَتْحًا وَإِنْ كَانَتْ وِلايَتُكَ لَعَدْلا وَلَقَدْ قُتِلْتَ مَظْلُومًا. فَقَالَ: تَشْهَدُ لِي بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَكَأَنَّهُ تَلَكَّأَ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ جَانِبِهِ نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَشْهَدُ لَكَ بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
هَذَا خَوْفُ عُمَرَ ﵁ وَأَيْنَ مِثْلُ عُمَرَ! كَانَتِ الصَّوَامِتُ تَنْطِقُ بِفَضْلِهِ وَهُوَ أَسِيرُ خَوْفِهِ وَحُزْنِهِ وَلَوْ رأيته لقلت له:
(سل عن فضائك الزَّمَانَ فَتُخْبَرَا ... فَنَظِيرُ مَجْدِكَ لا أَرَاهُ وَلا يرى)
(أو لا فَدَعْهُ وَادَّعِي الشَّرَفَ الَّذِي ... أَعْيَا الأَنَامَ فَلَسْتَ تَلْقَى مُنْكَرَا)
(مَا احْتَاجَ يَوْمًا أَنْ يُقَامَ بِشَاهِدٍ ... حَقٌّ أَزَالَ الشَّكَّ وَاجْتَاحَ الْمِرَا)
(فَلَقَدْ جَمَعْتَ مَنَاقِبًا مَا اسْتُجْمِعَتْ ... مَشْهُورَةً مَا اسْتُعْجِمَتْ فَتُفَسَّرَا)
(فَضْلُ الأَنَامِ وَأَنْتَ أَثْبَتُهُمْ قِرَا ... فِي حَمْلِ نَائِبَةٍ وَأَعْجَلُهُمْ قِرَا)
(لَوْ لَمْ تُمَلِّكُكَ الأُمُورُ قِيَادَهَا ... صَفَقَتْ قُرَى مِمَّا عَرَى وَوَهَتْ عُرَى)
(فَتَقَدَّمَ الأُمَرَاءُ غَيْرَ مُنَازَعٍ ... فَوَرَاءَ زَنْدِكَ كُلُّ زَنْدٍ قَدْ وُرَى)
(مَا بَيْنَ مَجْدِكَ وَالْمُحَاوِلِ مِثْلَهُ ... إِلا كَمَا بَيْنَ الثُّرَيَّا وَالثَّرَى)
وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ: لَوْ أَنِّي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ لا أَدْرِي إِلَى أَيَّتِهِمَا أَصِيرُ لاخْتَرْتُ أَنْ أَكُونَ رَمَادًا قَبْلَ أَنْ أَعْلَمَ إِلَى أَيَّتِهِمَا أَصِيرُ.
وَكَانَ عَلِيٌّ ﵇ يَقُولُ: آهٍ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَبُعْدِ السَّفَرِ وَوَحْشَةِ الطَّرِيقِ!
وَاعَجَبًا لِخَوْفِهِمْ مَعَ التَّقْوَى وَأَمْنِكَ مَعَ الْمَعَاصِي!
يَا سَكْرَانَ الْهَوَى مَتَى تُفِيقُ، رَحَلَ الأَحْبَابُ وَمَا عَرَفْتَ الطَّرِيقَ، وَاتَّسَعَتِ
стр. 691
الرِّحَابُ وَأَنْتَ فِي الْمَضِيقِ، وَقَدْ بَقِيَ الْقَلِيلُ وَتَغُصُّ بِالرِّيقِ، وَتُعَايِنُ زَفِيرَ الْمَوْتِ وَتُعَالِجُ الشَّهِيقَ، وَيَبْطُلُ الْقَوِيُّ وَيَخْرَسُ الْمِنْطِيقُ، وَتُغْمَسُ فِي بَحْرِ التَّلَفِ وَمَنْ لِلْغَرِيقِ، وَيَخْلُو بِبَدَنِكَ الدُّودُ لِلتَّقْطِيعِ وَالتَّمْزِيقِ، وَخَرِبَ الْحِصْنُ وَحُطِّمَ الْغُصْنُ الْوَرِيقُ، وَخَلَوْتَ بِأَعْمَالِكَ وَتَجَافَاكَ الصَّدِيقُ، فَإِذَا قُمْتَ مِنْ قَبْرِكَ فَمَا تَدْرِي فِي أَيِّ فَرِيقٍ، يَا مُعْرِضًا كُلَّ الإِعْرَاضِ عَنِّي، كَمْ رَسُولٍ قَدْ أَتَاكَ مِنِّي، وَيْحَكِ عَنِّي أُمْنِيَةَ الْمُتَمَنِّي، أَتُصِرُّ عَلَى مَعْصِيَتِي وَتَقُولُ ظَنِّي، أَتَنْقُضُ عَزْمَكَ مَعِي وَمَعَ الْعَدُوِّ تَبْنِي، أَتَتْرُكُ كَلامِي وَتَخْتَارُ أَنْ تُغَنِّيَ، يَالَ لِلْهَوَى كَمْ صَارَ بِشِرْكِهِ، كَمْ عَقِلَ عَقْلا فَدَارَ فِي فُلْكِهِ، كَمْ غَيَّرَ نُورًا مِنَ الْهُدَى بِحُلْكِهِ، كَمْ بَطَّلَ بَطَلا فِي حَرْبِهِ وَمُعْتَرَكِهِ، كَمْ أَبْكَى مَغْرُورًا بَعْدَ لَهْوِهِ وَضَحِكِهِ، كَيْفَ يَفْرَحُ مَنِ الْمَوْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَيْفَ يَلْهُو مَنْ مَالُهُ بَلاءٌ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ يَغْفَلُ وَرُسُلُ الْمَوْتِ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، كَيْفَ يَلْتَذُّ بِوَطَنِهِ مَنْ يَرَى اللَّحْدَ بِعَيْنَيْهِ:
(إِنِّي أُبِثُّكَ مِنْ حَدِيثِي ... وَالْحَدِيثُ لَهُ شُجُونُ)
(غَيَّرْتُ مَوْضِعَ مَرْقَدِي ... لَيْلا فَنَافَرَنِي السُّكُونُ)
(قُلْ لِي فَأَوَّلُ لَيْلَةٍ ... فِي الْقَبْرِ كَيْفَ تُرَى تَكُونُ؟!)
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ المراد بالماء ها هنا الْمَطَرُ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الرِّيحَ سببا لإثارته فقال : ﴿الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا﴾ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْزَعِجُ إِذَا رَأَى الرِّيحَ أَوِ الْغَيْمَ.
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ
стр. 692
عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ. فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فيه عذاب؟ قد عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فقالوا: " هذا عارض ممطرنا ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرِّيَاحُ ثَمَانٍ: أَرْبَعٌ رَحْمَةٌ، وَأَرْبَعٌ عَذَابٌ. الرَّحْمَةُ: الْمُبَشِّرَاتُ، وَالْمُنْشِرَاتُ، وَالْمُرْسَلاتُ، وَالرَّخَاءُ. وَالْعَذَابُ: الْعَاصِفُ، وَالْقَاصِفُ وَهُمَا فِي الْبَحْرِ، وَالْعَقِيمُ وَالصَّرْصَرُ، وَهُمَا فِي الْبَرِّ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ.
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ وَالصَّوَاعِقِ قَالَ: " اللَّهُّمَ لا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ وَلا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ ".
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرَّعْدُ صَوْتُ مَلَكٍ يَزْجُرُ السَّحَابَ كَمَا يَنْعِقُ الرَّاعِي بِالْغَنَمِ. وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ يَقُولُ. إِنَّ هَذَا وعيد شديد لأهل الأرض. وقال شهر
ابن حَوْشَبٍ: الرَّعْدُ مَلَكٌ مُوكَلٌ بِالسَّحَابِ يَسُوقُهُ كَمَا يَسُوقُ الْحَادِي الإِبِلَ يُسَبِّحُ كُلَّمَا خَالَفَتْ سَحَابَةٌ صَاحَ بِهَا فَإِذَا اشْتَدَّ غَضَبُهُ طَارَ النَّارُ مِنْ فِيهِ.
وَسَمِعَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ صَوْتَ الرَّعْدِ فَانْزَعَجَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: هَذَا صَوْتُ رَحْمَةٍ فَكَيْفَ لَوْ جَاءَ بِسَخَطٍ؟!
وَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: الْبَرْقُ مَخَارِيقُ بِأَيْدِي الْمَلائِكَةِ يَسُوقُونَ بِهَا
стр. 693
السَّحَابَ. وَقَالَ أَبُو الْجَلِدِ: الْبَرْقُ هُوَ تَلأْلُؤُ الْمَاءِ، وَالصَّوَاعِقُ مَخَارِيقُ يُزْجَرُ بِهَا السَّحَابُ.
قَالَ عَطَاءٌ: الصَّاعِقَةُ لا تُصِيبُ ذَاكِرَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا مِنْ عَامٍ أَكْثَرَ مَطَرًا مِنْ عَامٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُصَرِّفُهُ فِي الأَرْضِينَ.
قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: قَالَ مُوسَى ﵇: يَا رَبِّ هَذَا الْغَيْثُ لا يَنْزِلُ، وَيَنْزِلُ فَلا يَنْفَعُ؟ قَالَ: لِكَثْرَةِ الزِّنَا وَظُهُورِ الرِّبَا.
وَقَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّ الرَّجْفَ مِنْ كَثْرَةِ الزِّنَا وَإِنَّ قُحُوطَ الْمَطَرِ مِنْ قُضَاةِ السُّوءِ وَأَئِمَّةِ الْجَوْرِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ بِسَنَدِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، عَنْ سُمَيْرِ بْنِ نَهَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " قَالَ رَبُّكُمْ : لَوْ أَنَّ عِبَادِيَ أَطَاعُونِي لَسَقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ وَلَمْ أُسْمِعْهُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ ".
قَالَ هَارُونُ: وَحَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُبَارَكٍ، عَنْ فَضَالَةَ قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: كَانُوا
يَقُولُونَ - يَعْنِي أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَوْ جَعَلَ هَذَا الْخَلْقَ خَلْقًا دَائِمًا لا يَتَصَرَّفُ لقَالَ الشَّاكُّ فِي اللَّهِ : لَوْ كَانَ لِهَذَا الْخَلْقِ رَبٌّ لَحَادَثَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَادَثَ بِمَا تَرَوْنَ مِنَ الآيَاتِ، إِنَّهُ قَدْ جَاءَ بِضَوْءٍ طَبَّقَ مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ وَجَعَلَ فِيهَا مَعَاشًا وَسِرَاجًا وَهَّاجًا ثُمَّ إِذَا شَاءَ ذَهَبَ بِذَلِكَ الْخَلْقِ، وَجَاءَ بِظُلْمَةٍ طَبَّقَتْ مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ وَجَعَلَ فِيهَا سَكَنًا وَنُجُومًا وَقَمَرًا مُنِيرًا وَإِذَا شَاءَ بَنَى بِنَاءً جَعَلَ فِيهِ الْمَطَرَ وَالرَّعْدَ وَالْبَرْقَ وَالصَّوَاعِقَ، وَإِذَا شَاءَ صَرَفَ ذَلِكَ، وَإِذَا شَاءَ جَاءَ بِبَرْدٍ يُقَرْقِفُ النَّاسَ وَإِذَا شَاءَ جَاءَ بَحْرٌ يَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ النَّاسِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ لِهَذَا الْخَلْقِ رَبًّا يُحَادِثُهُ بِمَا يَرَوْنَ مِنَ الآيَاتِ كُلِّهَا، كَذَلِكَ إِذَا شَاءَ ذَهَبَ بِالدُّنْيَا وجاء بالآخرة.
стр. 694
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَسْقَى يَقُولُ: اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ اسْقِنًا غَيْثًا هَنِيئًا مَرِيعًا غَدَقًا طَبَقًا عَاجِلا غَيْرَ رَائِثٍ نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ اللَّهُمَّ اسْقِنَا سُقْيًا وَادِعَةً نَافِعَةً.
قَالَ أَنَسٌ: أَصَابَنَا مَطَرٌ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ الْمَطَرُ وَقَالَ: إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ.
وَفِي لَفْظٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلْقِي ثِيَابَهُ أَوَّلَ مَطَرَةٍ تُمْطِرُ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا مُطِرَ يَقُولُ: يَا عِكْرِمَةُ أَخْرِجِ الرِّيَاحَ أَخْرِجْ كَذَا حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَطَرُ.
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا فَتُقِيمُ الأَرْضَ ثُمَّ يَبْعَثُ الْمُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحَابَ ثُمَّ يَبْعَثُ الْمُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُهُ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّوَاقِحَ فَتُلَقِّحُ الشَّجَرَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يُنْزِلُ اللَّهُ الْمَاءَ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَتَقَعُ الْقَطْرَةُ مِنْهُ عَلَى السَّحَابِ مِثْلَ الْبَعِيرِ. قَالَ كَعْبٌ: وَالسَّحَابُ غِرْبَالُ الْمَطَرِ وَلَوْلا السَّحَابُ لأَفْسَدَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَطَرُ مِزَاجُهُ مِنَ الْجَنَّةِ فَإِذَا كَثُرَ الْمِزَاجُ كَثُرَتِ الْبَرَكَةُ وَإِذَا جَاءَ الْقَطْرُ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَتْ لَهُ الأَصْدَافُ فَكَانَ لُؤْلُؤًا.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِذَا نَزَلَ الْقَطْرُ عَلَى الأَرْضِ اهْتَزَّتْ أَيْ تَحَرَّكَتْ لِلنَّبَاتِ، فَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ ارْتَفَعَتْ عَنْهُ فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَرَبَتْ وأنبتت من كل زوج﴾ أي من كل جنس ﴿بهيج﴾ أَيْ أَنَّهُ يُبْهِجُ وَيُسِرُّ.
يَا مَنْ قَدْ أَجْدَبَتْ أَرْضُ قَلْبِهِ، مَتَى تَهُبُّ رِيحُ الْمَوَاعِظِ فَتُثِيرُ سَحَابًا، فِيهِ
стр. 695
رُعُودُ تَخْوِيفٍ وَبُرُوقُ خَشْيَةٍ فَتَقَعُ قَطْرَةٌ عَلَى صخر القلب فيتروى وينبت؟!
يا من أَجْدَبَتْ أَرْضُ قَلْبِهِ، وَاشْتَغَلَ عَنْهَا وَلَهًا، اخْرُجْ إِلَى صَحْرَاءِ التَّيَقُّظِ وَاسْتَسْقِ لَهَا، هَيْهَاتَ أَنْ تَخْضَرَّ أَرْضُ الْقَلْبِ حَتَّى يَتَرَوَّى الْخَدُّ مِنْ عين العين. لا تيأس مِنْ جَدْبِ الْجَدْبِ فَلَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ أَنْ يَسْتَحِيلَ.
سَجْعٌ
سُبْحَانَ الْمُتَفَرِّدِ بِالْقُدْرَةِ، فَلا تُقَدِّرُ الْخَلائِقُ قَدْرَهُ، أَنْعَمَ فَمَنْ يُطِيقُ شُكْرَهُ، كَلا إِنَّ الْغَافِلَ فِي سَكْرَةٍ ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فتصبح الأرض مخضرة﴾ .
جَلَّ صِفَةً وَعَزَّ اسْمًا، وَبَسَطَ أَرْضًا وَرَفَعَ سما، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَحَمَّى النَّبَاتَ فَسَمَّوْهُ جمرة ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ .
تَعْرِفُهُ الْقُلُوبُ وَالأَلْبَابُ، وَيُسَبِّحُهُ الصَّحْوُ وَالضَّبَابُ، انْبَعَثَ الْغَيْمُ فَمَا تَوَقَّفَ السَّحَابُ، أَقْبَلَ الرَّعْدُ فِي صرة ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ .
تَأَخَّرَ الْغَيْثُ فَتَمَكَّنَ الضُّرُّ، ثُمَّ جَاءَ فَالْمُؤْمِنُ بِذَلِكَ سُرَّ، فَاسْتَغَاثَ النَّبَاتُ مِمَّا عُرَّ، فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ مَرَّ، كَمْ كَرَّ كرة بعد كرة ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ .
أَصْبَحَ الثَّرَى عَطْشَانُ يُنَادِي وَالْيُبْسُ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ بَادِي، فَصَاحَ الرَّعْدُ بِالسَّحَابِ صِيَاحَ الْحَادِي، فَتَرَوَّى الوادي وسالت الجرة ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ .
انْبَعَثَ السَّحَابُ فَطَبَّقَ الأَرْجَا، وَصَاحَ الْبَدَوِيُّ فِي الْبَدْوِ: النَّجَا، وَالْجُرُونُ مُتَلَفِّعَةٌ بِالْغُثَا، دَبَّ ثُمَّ نُعِشَ ثُمَّ قُطْقِطَ ثُمَّ أُفْرِطَ ثُمَّ جَاءَ بكرة ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ .
انْكَشَفَتْ سَمَاءُ الأَرْضِ عَنْ بُدُورِهَا، وَأَذِنَتِ الْغَائِبَاتُ النَّبَاتَ فِي حُضُورِهَا،
стр. 696
وَلَمْ تَخُنِ الأَرْضُ مِنْ بَذْرِ نَبَاتِهَا ذَرَّةً ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ .
أُحْضِرَتْ أُمَّهَاتُ الزَّرْعِ عَنْ بَنَاتِهَا، وَاجْتَمَعَتِ الأَغْصَانُ بِالْقَطْرِ بَعْدَ شَتَاتِهَا، وَتَزَيَّنَتْ لِلنَّاظِرِينَ بِأَنْوَاعِ نَبَاتِهَا، ولقد كانت عرة ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ .
فَشَتِ الزِّينَةُ فِي الصَّحَارِي وَالْبَرَى، وَأَظْهَرَتْ عَجَائِبَ الْقُدْرَةِ فِيمَا يُرَى، وَأَشَاعَ الثَّرَى كَمَا تَرَى من المكتوم سره ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ .
مَاتَتْ تَحْتَ الأَرْضِ كُلُّ الْبُذُورِ، فَإِذَا الرَّعْدُ يَنْفُخُ فِي الصُّورِ، فَضَحِكَ النَّوْرُ بِالنُّورِ لَمَّا سره ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ .
قَامَ مَيِّتُ الْبَذْرِ مِنْ حُفْرَتِهِ، وَقَدِمَ بَعْدَ طُولِ سَفْرَتِهِ، وَمُنِحَ النَّبَاتُ لِكَثَرْتِهِ قَانِعَةً وَمُعْتَرَّةً " فتصبح الأرض مخضرة ".
تَكَلَّمَتِ الأَطْيَارُ وَالْمَعْنَى مَفْهُومٌ، وَارْتَاحَتْ بِنُطْقِهَا حَتَّى الْبُومُ، وَتَبَدَّلَتِ الأَرْضُ الْفَرَحَ مِنَ الْهُمُومِ، فَانْقَلَبَتْ تِلْكَ الْغُمُومُ كُلُّهَا مَسَرَّةً " ﴿فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ .
جِيدَتِ الأَرْضُ فَرَوَتِ التُّرَابَ، وَأُجِيدَتِ الْمَوَاعِظُ فَهَلْ أُحْضِرَتِ الأَلْبَابُ؟! ، وَمَا يُؤْثَرُ اللَّوْمُ وَالْعِتَابُ، إِلا عند نفس حرة ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ .
وَالْحَمْدُ للَّهِ وَحْدَهُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
стр. 697
الْمَجْلِسُ الثَّالِثُ
فِي ذِكْرِ الصَّلاةِ
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَوْضَحَ سَبِيلَ هِدَايَتِهِ لأَرْبَابِ وِلايَتِهِ، وَأَبْهَجَ وَحَرَّكَ أَهْلَ عِبَادَتِهِ إِلَى مُعَامَلَتِهِ وَأَزْعَجَ، وَأَبْدَعَ بَدَائِعَ قُدْرَتِهِ فِي مُحْكَمِ صُنْعِهِ وَأَخْرَجَ، وَأَوْقَدَ نِيرَانَ مَحَبَّتِهِ فِي أَفْئِدَةِ أَحِبَّتِهِ وَأَجَّجَ، مَنْ عَرَفَ لُطْفَهُ ثَنَى عَطْفَهُ إِلَيْهِ وَأَدْلَجَ، وَمَنْ خَافَ عَتْبَهُ تَرَكَ ذَنْبَهُ وَتَحَرَّجَ، يُحِبُّ الإِخْلاصَ فِي الأَعْمَالِ وَلا يَخْفَى عَلَيْهِ الْبَهْرَجُ، حَلِيمٌ فَإِنْ غَضِبَ مَكَرَ بِالْعَبْدِ وَاسْتَدْرَجَ، لا يُغْتَرُّ بِحِلْمِهِ فَكَمْ عِقَابٍ فِي الْحِلْمِ أَدْرَجَ، وَاعْتَبِرْ بِأَبِيكَ إِذْ فَسَّحَ لِنَفْسِهِ فِي شَهْوَةٍ وَأَمْرَجَ، وحام حولي الْمَنْهِيِّ اغْتِرَارًا بِالصَّفْحِ وَعَرَّجَ، كَيْفَ أَصْبَحَ إِكْرَامُهُ بمرير الهوان يمزج، وأضحى بنسج الصُّوفَ إِذْ عَرِيَ عَمَّا يُنْسَجُ، وَصَارَ مُغَبَّرَ الْقَدَمَيْنِ بَعْدَ فَرَسِ الْعِزِّ الْمُسْرَجِ، وَلَمْ تَزَلْ تَجْرِي دُمُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى أَنْ تَابَ عَلَيْهِ وَفَرَّجَ، لا يَخْفَى عَلَيْهِ ضَمِيرُ الْقَلْبِ، وَإِنْ تَلَوَّى اللِّسَانُ وَمَجْمَجَ، وَلا يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ طَرَفٌ أَدْعَجُ، يُبْصِرُ جَرْيَ اللَّبَنِ يَسْرِي فِي الْعُرُوقِ نَحْوَ الْمَخْرَجِ، وَيَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَأَيْنَ الَّذِي بِالْمُنَاجَاةِ يَلْهَجُ، فَيَسْتَعْرِضُ الْحَوَائِجَ إِلَى أَنْ يَلُوحَ الْفَجْرُ وَيَتَبَلَّجَ وَمَا انْتَقَلَ وَمَنْ عَقِلَ رَأَى الْحَقَّ أَبْلَجَ، هَذَا مَذْهَبٌ مِنَ الْقُرْآنِ الْقَدِيمِ وَالنَّقْلُ الْقَوِيمُ مُسْتَخْرَجٌ، وَهُوَ الْمِنْهَاجُ الْعَظِيمُ فَلا تَعْرُجْ عَنِ الْمَنْهَجِ.
أَحْمَدُهُ عَلَى مَا سَرَّ وَمَا أَزْعَجَ، وَأَشْهَدُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ بِغَيْرِ تَلَجْلُجٍ، شَهَادَةَ مُوقِنٍ مَا لَجْلَجَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي مَحَاسِنُ الشَّرَائِعِ فِي شَرِيعَتِهِ تُدْرَجُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ أَوَّلِ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ وَأَخْرَجَ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي اضْطَرَّ كِسْرَى إِلَى الْهَرَبِ وَأَحْوَجَ، وَعَلَى عُثْمَانَ الْمَظْلُومِ وَقَدْ عَذَلَ وَمَا عَدَلَ وَلا عَرَّجَ، وَعَلَى
стр. 698
عَلِيٍّ مُبِيدِ الطُّغَاةِ وَآخِرُهُمُ الْمُخْدَجُ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي قَرَنَ اللَّهُ نَسَبَهُ بِنَسَبِ الرَّسُولِ وَأَزْوَجَ.
(أَخْبَرَنَا) هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، سَمِعْتُ الأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْدَانُ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيِّ، قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ أَوْ قَالَ قُلْتُ بِأَحَبِّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ فَسَكَتَ ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّانِيَةَ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ، فَإِنَّكَ لا تَسْجُدُ للَّهِ سَجْدَةً إِلا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً " قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ.
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ.
(اعْلَمْ) أَنَّ اللَّهَ عَظَّمَ قَدْرَ الصَّلاةِ لأَنَّهَا أَوْفَى خِدْمَةِ الْعَبْدِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْعَبْدِ التَّعَبُّدُ، وَهِيَ جَامِعَةٌ بَيْنَ خُضُوعِ بَدَنِهِ وَنُطْقِ لِسَانِهِ وَحُضُورِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ عِبَادَةَ مَلائِكَتِهِ بَيْنَ سُجُودٍ وَرُكُوعٍ وَذِكْرٍ، وَذَلِكَ مَجْمُوعٌ فِي الصَّلاةِ، وَلَيْسَ لَنَا فِعْلٌ يَدْخُلُ بِهِ الْكَافِرُ فِي حُكْمِ الإِسْلامِ وَيَخْرُجُ بِتَرْكِهِ الْمُسْلِمُ مِنَ الإِسْلامِ إِلا الصَّلاةَ، فَإِنَّ عِنْدَنَا أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا صَلَّى حُكِمَ بِإِسْلامِهِ سَوَاءٌ صَلَّى مَعَ جَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا فَيُجْبَرُ عِنْدَنَا عَلَى الإِسْلامِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا كَقَوْلِنَا. وَالثَّانِيَةُ: اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ فِي جَمَاعَةٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا صَلَّى الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الإِسْلامِ حُكِمَ بِإِسْلامِهِ.
وَأَمَّا تَارِكُ الصَّلاةِ فَلا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُنَا عَنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ﵁ أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا أَوْ كُفْرًا. فِيهِ رِوَايَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ. وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ وَجَابِرٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالأَوْزَاعِيِّ ﵃. وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا مَا أَخْرَجَهُ
مُسْلِمٌ فِي أَفْرَادِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
стр. 699
" بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ صَلاةٍ ".
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُقْتَلُ حَدًّا لا أَنَّهُ يَكْفُرُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُحْبَسُ وَلا يُسْتَتَابُ وَلا يُقْتَلُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرْعَ عَظَّمَ أَمْرَ الصَّلاةِ وَضَرَبَ الأَمْثَالَ بِفَضْلِهَا.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَامِرٍ الأَزْدِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْغُورَجِيُّ، قَالا أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، أَنْبَأَنَا التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الْهَادِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ قَالُوا: لا. قَالَ فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ ".
وَفِي أَفْرَادِهِ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ما من امرىء مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ تُؤْتَ كَبِيرَةٌ، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ ".
(أَخْبَرَنَا) سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بِسَنَدِهِ إِلَى مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قال قال رسول الله: " اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصَوْا، وَاعْلَمُوا أَنَّ فَضْلَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاةُ، وَلا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلا مُؤْمِنٌ.
وَقَدْ فَضَّلَ الشَّرْعُ تَقْدِيمَ الصَّلاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: " الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا ".
стр. 700
وَفُضِّلَتِ الصَّلاةُ فِي الْجَمَاعَةِ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " صلاة الجماعة تفضل على الصلاة الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ".
وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ لَمْ تَفُتْهُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَائَتَيْنِ: بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةً مِنَ النِّفَاقِ ".
(أَخْبَرَنَا) مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ بِسَنَدِهِ قَالَ الْبَغَوِيُّ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيَّ يَقُولُ: لَمْ تَكُنْ تَفُوتُنِي صَلاةُ الْعَتَمَةِ فِي جَمَاعَةٍ، فَنَزَلَ بِي ضَيْفٌ فَشُغِلْتُ بِهِ فَخَرَجْتُ أَطْلُبُ الصَّلاةَ فِي قَبَائِلِ الْبَصْرَةِ فَإِذَا النَّاسُ قَدْ صَلَّوْا وَخَلَتِ الْقَبَائِلُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " صَلاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلاةِ الْفَذِّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ". وَرُوِيَ " سَبْعًا وَعِشْرِينَ ". فَانْقَلَبْتُ إِلَى مَنْزِلِي فَصَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ سَبْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً، ثُمَّ رَقَدْتُ فَرَأَيْتُنِي مَعَ قَوْمٍ رَاكِبِي أَفْرَاسٍ وَأَنَا رَاكِبٌ فَرَسًا كَأَفْرَاسِهِمْ وَنَحْنُ نَتَجَارَى فَالْتَفَتُّ إِلَى أَحَدِهِمْ فَقَالَ لا تُجْهِدْ فَرَسَكَ فَلَسْتَ بِلاحِقِنَا. فَقُلْتُ: فَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّا صَلَّيْنَا الْعَتَمَةَ فِي جَمَاعَةٍ.
وَوِرْدُ الثَّوَابِ لِمُنْتَظِرِ الصَّلاةِ.
فَرُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَنَّهُ قَالَ: " لا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ تَحْبِسُهُ لا يَمْنَعُهُ إِلا انْتِظَارُهَا ".
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ لا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ تَحْبِسُهُ لا يَمْنَعُهُ إِلا انْتِظَارُهَا ".
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ ما قَالَ صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَغْرِبَ فَعَقَبَ مَنْ عَقَبَ وَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْسِرُ ثِيَابَهُ عَنْ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: " أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَهَذَا رَبُّكُمْ قَدْ فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ
стр. 701
السَّمَاءِ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلائِكَةَ يَقُولُ: " هَؤُلاءِ عِبَادِي قَضَوْا فَرِيضَةً وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى ".
وَقَدْ عُظِّمَ الصَّفُّ الأَوَّلُ فَرُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا لاسْتَهَمُوا ".
وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَكَانَتْ قُرْعَةً ".
وَقَدْ أَمَرَ الْمُصَلِّيَ بِخَفْضِ رَأْسِهِ اسْتِعْمَالا لأَدَبِ الْخِدْمَةِ فَرَوَى مُسْلِمٌ فِي أَفْرَادِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلاةِ أَوْ لا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ ".
وَأَمَرَ الْمُصَلِّيَ بِالتَّثَبُّتِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، حَدَّثَنَا الْكَرُوخِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي
مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لا تجزىء صَلاةٌ لا يُقِيمُ فِيهَا الرَّجُلُ يَعْنِي صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ".
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شَيْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لا يَنْظُرُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى رَجُلٍ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ".
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالصَّلاةِ إِنَّمَا هُوَ تَعْظِيمُ الْمَعْبُودِ، وَتَعْظِيمُهُ لا يَكُونُ إِلا بِحُضُورِ الْقَلْبِ فِي الْخِدْمَةِ. وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ مَنْ يَتَغَيَّرُ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ وَيَقُولُ: أَتَرَوْنَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أُرِيدُ أَنْ أَقِفَ؟!
وَأَنْتَ تَعَلْمُ أَنَّ مَنْ حَضَرَ قَلْبُهُ فِي تَعْظِيمِ سُلْطَانِهِ فَحَضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَنْ يَعْرِفُ مَنْ إِلَى جَانِبِهِ امْتَلأَ بِهَيْبَةِ الْمُعَظَّمِ، فَإِذَا أَرَدْتَ اسْتِجْلابَ حُضُورِ قَلْبِكَ الْغَائِبِ فَفَرِّغْهُ مِنَ الشَّوَاغِلِ مَهْمَا اسْتَطَعْتَ.
وَقَدْ كَانَ أَرْبَابُ التَّفَكُّرِ مِنَ السَّلَفِ يُشَاهِدُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ عِبْرَةً، فَيَذْكُرُونَ بِالأَذَانِ نِدَاءَ الْعَرْضِ، وَبِطَهَارَةِ الْبَدَنِ تَطْهِيرَ الْقَلْبِ، وَبِسَتْرِ الْعَوْرَةِ طلب ستر
стр. 702
الْقَبَائِحِ مِنْ عُيُوبِ الْبَاطِنِ، وَبِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ صَرْفَ الْقَلْبِ إِلَى الْمَقْلَبِ، فَمَنْ لَمْ تَكُنْ صَلاتُهُ هَكَذَا فَقَلْبُهُ غَافِلٌ.
يَا هَذَا إِذَا صَلَّيْتَ وَالْقَلْبُ غَائِبٌ وُجُودُهُ فَالصَّلاةُ كَالْعَدَمِ، وَهُوَ بِالرُّومِ مُقيِمٌ وَلَهُ بِالشَّامِ قَلْبٌ، يَا ذَاهِلَ الْقَلْبِ فِي الصَّلاةِ حَاضِرَ الذِّهْنِ فِي الْهَوَى، جَسَدُهُ فِي الْمِحْرَابِ وَقَلْبُهُ فِي بِلادِ الْغَفْلَةِ.
جَاءَ مَمْلُوكٌ إِلَى سَيِّدِهِ فَقَالَ: ضَاعَتْ مِخْلاةُ الْفَرَسِ، فَقَامَ السَّيِّدُ يُصَلِّي، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قَالَ: هِيَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا: فَقَالَ الْغُلامُ: يَا سَيِّدِي أَعِدِ الصَّلاةَ فَإِنَّكَ كُنْتَ تُفَتِّشُ عَلَى الْمِخْلاةِ!
قَالَ الْحَسَنُ: يَابْنَ آدَمَ إِذَا هَانَتْ عَلَيْكَ صَلاتُكَ فَمَا الَّذِي يَعِزُّ عَلَيْكَ؟
وَلَمَّا كَانَ الْمَطْلُوبُ حُضُورَ الْقَلْبِ جَاءَ الْوَعْدُ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ عَلَيْهِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ بِسَنَدِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ لا يَسْهُو فِيهِمَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ".
وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَالْقِرَاءَةَ فِيهَا قَالَتْ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَمَا حَفِظْتَنِي. ثُمَّ يُصْعَدُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ وَلَهَا ضَوْءٌ وَنُورٌ فَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى اللَّهِ فَتَشْفَعَ لِصَاحِبِهَا. فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ رُكُوعَهَا وَلا سُجُودَهَا وَلا الْقِرَاءَةَ فِيهَا قَالَتْ: ضَيَّعَكَ اللَّهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي. ثُمَّ أُصْعِدَتْ إِلَى السَّمَاءِ وَعَلَيْهَا ظُلْمَةٌ فأغلقت دونها أبواب السماء فَلُفَّتْ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلِقُ، فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا ".
(
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ)
(لا تَأْسَفَنَّ لأَمْرٍ فَاتَ مَطْلَبُهُ ... هَيْهَاتَ مَا فَائِتُ الدُّنْيَا بِمَرْدُودِ)
(إِذَا اقْتَضَتْ أَخْذَتْ نَقْدًا وَإِنْ سُئِلَتْ ... فَدَأْبُهَا بِالأَمَانِي وَالْمَوَاعِيدِ)
(وَمَا السُّرُورُ بِهَا الْمَوْرُوثُ آخِرُهُ ... أَنْ يَتْبَعَ الْحِرْصَ إِلا قَلْبُ مَكْدُودِ)
стр. 703
(وَلِلتَّأَسُّفِ يَبْقَى كُلُّ مُدَّخَرٍ ... وَلِلْمَنِيَّةِ يَغْدُو كُلُّ مَوْلُودِ)
يَا مَخْلُوقًا مِنْ عَلَقٍ، اكْتَفِ مِنَ الدُّنْيَا بِالْعَلَقِ، وَاحْذَرْ فِي رِيِّ الْهَوَى مِنْ شَرَقٍ، وَتَذَكَّرْ يَوْمَ الرَّحِيلِ ذَاكَ الْقَلَقُ، وَتَفَكَّرْ فِي هَاجِمٍ يُسَوِّي بَيْنَ الْمُلُوكِ وَالسُّوَقِ، وَتَأَهَّبْ لَهُ فَرُبَّمَا بَكَّرَ وَرُبَّمَا طَرَقَ، يَا مَنْ شَابَ وَمَا تَابَ، اسْتُلِبَ بَاقِي الرَّمَقِ، أَبَعْدَ الْحِلْمِ جَهْلٌ أَمْ بَعْدَ الشَّيْبِ نَزَقٌ، كَانَ الشَّبَابُ غُصْنًا غَضًّا فَخُلِّيَ عَنْ وَرَقٍ، وَأَنْتَ فِي الشَّبَابِ كَالشَّيْبِ تَجْرِي عَلَى نَسَقٍ، يَا غَرِيقًا فِي الْهَوَى صِحَّ مِنْ قَبْلِ الْغَرَقِ، كَمْ طَالِبٍ خَلاصًا لَمَّا فَاتَ مَا اتَّفَقَ.
لَيَأْتِيَنَّكَ مِنَ الْمَوْتِ مَا لا يَقْبَلُ رِشْوَةً وَلا مَالا، إِذَا حَالَ عَلَى الْقَوِيِّ وَالْقَوِيمِ مَالا، يَا مُخْتَارَ الْهَوَى جَهْلا وَضَلالا، لَقَدْ حَمَّلْتَ أَزْرَكَ أَوْزَارًا ثِقَالا، إِيَّاكَ وَالْمُنَى فَكَمْ وَعَدَ الْمُنَى مُحَالا، كَمْ قَالَ لِطَالِبِ نِعَمٍ: نَعَمْ سَأُعْطِيكَ نَوَالا وَقَدْ نَوَى: لا.
كَمْ سقى الموت من الحسرات كؤوسا، كَمْ فَرَّغَ رَبْعًا عَامِرًا مَأْنُوسًا، كَمْ طَمَسَ بُدُورًا وَشُمُوسًا وَاسْتَلَبَ نَعِيمًا ثُمَّ أَعْطَى بُوسًا، وَأَذَلَّ جَبَابِرَةً كَانُوا شُوسًا، وَأَغْمَضَ عُيُونًا وَنَكَّسَ رؤوسا وَأَبْدَلَ التُّرَابَ عَنِ الثِّيَابِ مَلْبُوسًا.
(إِذَا كَانَ مَا فِيهِ الْفَتَى عَنْهُ زَائِلا ... فَشَتَّانٌ فِيهِ أدرك الحظ أو أخطا)
(وليس بفي يَوْمًا سُرُورًا وَغِبْطَةً ... بِحُزْنٍ إِذَا الْمُعْطِي اسْتَرَدَّ الَّذِي أَعْطَا)
ذَهَبَ الشَّبَابُ الأَسْوَدُ، وَانْقَضَى الْعَيْشُ الأَرْغَدُ، وَقَالَ الشَّيْبُ: أَنَا الْمَوْتُ وَمَا أَبْعُدُ، هَذَا وَقَلْبُ الْغَافِلِ كَالْجَلْمَدِ:
(لا بِدْعَ إِنْ ضَحِكَ الْفَقِيرُ ... فَبَكَى لِضِحْكَتِهِ الْكَبِيرُ)
(عَاصَى الْعَزَاءُ عن الشباب ... وطلوع الدَّمْعُ الْغَزِيرُ)
(سُقْيًا لأَيَّامٍ مَضَتْ ... فَطَوِيلُهَا عِنْدِي قَصِيرُ)
(سَقْيُ الشَّبَابِ وَإِنْ عَفَى ... آثَارُ مَعْهَدِهِ الْقَتِيرُ)
(مَا كَانَ إِلا الْمُلْكُ أَوْدَى ... بَلْ هَوًى وَهَوَى السَّرِيرُ)
стр. 704
(هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنَّهَا ... خَلْعٌ أُعَارِكُهَا مُعِيرُ)
(وَالدَّهْرُ يَقْسِمُ مَرَّةً ... نَفْلا وَآوِنَةً يُغِيرُ)
كُلُّ رَاحَاتِ الدُّنْيَا هُمُومٌ وَكُرُوبٌ، أَمَا دَوَامُ الْعَيْشِ بِالْمَشِيبِ مَشُوبٌ.
نَظَرَ سُلَيْمَانُ بْنُ وَهْبٍ وَزِيرُ الْمُهْتَدِي يَوْمًا فِي الْمِرْآةِ فَرَأَى شَيْبًا كَثِيرًا فَقَالَ: عَيْبٌ لا عَدِمْنَا.
أَنْتَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْقَبْرِ تَتَقَرَّبُ، وَسَتَرْحَلُ إِلَى الْبِلَى وَتَتَغَرَّبُ، وَسَيَأْكُلُ الْمُحِبُّ بَعْدَكَ وَيَشْرَبُ، وَكَأَنَّكَ إِذَا ذُكِرْتَ أَضْرَبَ، فَخُذِ الْعُدَّةَ فَخَيْلُ الشِّدَّةِ تَسْرُبُ، وَاسْمَعْ نُصْحِي فَنُصْحِي مُجَرَّبٌ، يَا هَذَا احْذَرِ الأَمَلَ، وَبَادِرِ الْعَمَلَ، فَكَأَنَّكَ بِالأَجَلِ عَلَى عَجَلٍ. أَمَا الأَعْمَارُ كُلَّ يَوْمٍ نَاقِصَةٌ، أَمَا الْفَجَائِعُ وَارِدَةٌ وَاقِصَةٌ، أَمَا النَّكَبَاتُ لأَهْلِهَا مُعَاقِصَةٌ، أَمَا كَفُّ الْمَوْتِ قَابِضَةٌ قَانِصَةٌ، فَأَنَّى لِسَاكِنِ الدُّنْيَا بِالسَّلامَةِ الْخَالِصَةِ، كَأَنَّكَ بِالْمَوْتِ قَدْ ثَلَبَ وَقَدَحَ، وَأَوْرَى زِنَادَ الرَّحِيلِ وَقَدَحَ، وَخَلَتْ كَفُّكَ يَا مَنْ تَعِبَ وَكَدَحَ، وَتَسَاوَى لَدَيْكَ مَنْ ذَمَّ وَمَنْ مَدَحَ، مَا هَذِهِ الْعِمَارَةُ لِدَارِ خَرَابٍ، كُلَّمَا عَمَّرَهَا قَوْمٌ صَاحَ بَيْنَهُمْ لِلْبَيْنِ غُرَابٌ، أَتَبْنِي وَأَنْتَ نتقض، هَذَا الْعُجَابُ:
(رُبَّ شَرِيفِ الْبِنَاءِ عَالِيَهْ ... بِالشَّيْدِ وَالسَّاجِ كَانَ بَانِيَهْ)
(كَأَنَّمَا الشَّمْسُ فِي جَوَانِبِهِ ... بِاللَّيْلِ مِنْ حُسْنِهِ تُبَاهِيَهْ)
(تَحَارُ فِي صَحْنِهِ الرِّيَاحُ كَمَا ... يَحَارُ سَارِي الظَّلامِ فِي التِّيَهْ)
(كَانَتْ صُحُونُ فَيْحٍ تَضِيقُ بِهِ ... فَالشِّبْرُ فِي الْقَبْرِ صَارَ يَكْفِيَهْ)
الْجِدَّ الْجِدَّ قَبْلَ بَغَتَاتِ الْمَنَايَا، الْبِدَارَ الْبِدَارَ قَبْلَ حُلُولِ الرَّزَايَا، لَيَحُلَّنَّ بِكُمْ مِنَ الْمَوْتِ يَوْمٌ ذُو ظُلْمٍ يُنْسِيكُمْ مُعَاشَرَةَ اللَّذَّاتِ وَالنِّعَمِ، وَلا يُبْقِي فِي الأَفْوَاهِ إِلا طَعْمُ النَّدَمِ:
(سَلْ بِالزَّمَانِ خَبِيرًا ... إِنِّي بِهِ لَعَلِيمُ)
(وَاهِي الأَمَانَةِ ظَاعِنٌ ... بِالْمَرْءِ وَهْوَ مقيم)
стр. 705
(لا تُخْدَعَنَّ بِمُنْيَةٍ ... أُمُّ الْخُلُودِ عَقِيمُ)
(وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَبْرَقَتْ ... فَرَجَاؤُكَ الْمَهْزُومُ)
(عِشْقُ الْبَقَاءِ وَإِنَّمَا ... طُولُ الْحَيَاةِ هُمُومُ)
مَا هَذِهِ الْخِصَالُ الْمَذْمُومَةُ، أَيُؤْثِرُ الْفَهُومُ لَذَّةً مَسْمُومَةً، إِنَّ هَذِهِ لَعُقُولٌ مَرْجُومَةٌ، مَتَى تَيَقَّظٌ هَذِهِ النُّفُوسُ الْمَلُومَةُ، إِنَّهَا لَظَالِمَةٌ وَكَأَنَّهَا مَظْلُومَةٌ، تَعَاهَدُوا وَالْعُهُودُ كُلَّ يَوْمٍ مَهْدُومَةٌ، لَتَتَمَنَّيَنَّ أَنْ تَكُونَ فِي غَدٍ مَعْدُومَةٍ، لَتَعْلَمَنَّ أَنَّ اخْتِيَارَاتِهَا كَانَتْ مَشْئُومَةً، مَنْ لَهَا إِذَا بَدَتْ لَهَا خِصَالٌ مَكْتُومَةٌ، كَيْفَ تَصْنَعُ إِذَا نُشِرَتِ الصُّحُفُ مَخْتُومَةً، مَا هَذَا الْحِرْصُ الشَّدِيدُ وَالأَرْزَاقُ مَقْسُومَةٌ، تُصْبِحُ حَزِينَةً وَتُمْسِي مَهْمُومَةً، أَتَقْدِرُ عَلَى رَدِّ مَا يُقَدَّرُ وَالأُمُورُ مَخْتُومَةٌ، أسفا لها الموت يطلبها وهو مؤومة، مَا حَارَبَتْ جُنْدَ هُوًى إِلا وَعَادَتْ مَهْزُومَةً، يَا لَهَا مَوْعِظَةٍ بَيْنَ الْمَوَاعِظِ كَالأَيَّامِ الْمَعْلُومَةِ أحسن من اللآلىء الْمَنْثُورَةِ. وَالْعُقُودِ الْمَنْظُومَةِ
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عنها مبعدون﴾ سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَقَالُوا: شَتَمَ آلِهَتَنَا فجاء ابن الزبعرى فقال: مالكم؟ قَالُوا: شَتَمَ آلِهَتَنَا قَالَ: وَمَا قَالَ؟ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: ادْعُوهُ لِي. فَلَمَّا دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا شَيْءٌ لآلِهَتِنَا خَاصَّةً أَوْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . قَالَ ابْنُ الزَّبْعَرَى: خُصِمْتَ وَرَبِّ هَذِهِ الْبِنْيَةِ! أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ الْمَلائِكَةَ عِبَادٌ صَالِحُونَ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدٌ صَالِحٌ، وَأَنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صَالِحٌ؟ فَهَذِهِ بَنُو مُلَيْحٍ يَعْبُدُونَ الْمَلائِكَةَ، وَهَذِهِ النَّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى، وَهَذِهِ الْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا، فَضَجَّ أَهْلُ مَكَّةَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قَالَهُ ابْنُ عباس.
следующие страницы →