Полный текст (793 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وَالرَّابِعُ: إِعْطَاءُ الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ. حَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
﴿فَتَبَارَكَ الله﴾ أي تعالى ورفع ﴿أحسن الخالقين﴾ أَيِ الْمُصَوِّرِينَ وَالْمُقَدِّرِينَ. أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: " إِنّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ. فَوَالَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ. ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ رِزْقُهُ؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ فَلا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلا يَنْقُصُ ".
قَالَ عُلَمَاءُ الْمُتَطَبِّبِينَ: أَوَّلُ الأَحْوَالِ الْحَادِثَةِ فِي الْمَنِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ زَبَدٌ ثُمَّ يُوجَدُ النَّفْخُ مُنْدَفِعًا إِلَى وَسَطِ الرُّطُوبَةِ إِعْدَادًا لِمَكَانِ الْقَلْبِ، ثُمَّ تَتَمَيَّزُ الأَعْضَاءُ وَيَتَنَحَّى بَعْضُهَا عَنْ مَمَاسَّةِ بَعْضٍ وَيُحِيطُ بِالْجَنِينِ ثَلاثَةُ أَغْشِيَةٍ: غِشَاءٌ تُنْسَجُ فِيهِ الْعُرُوقُ، وَغِشَاءٌ يَنْصَبُّ فِيهِ بَوْلُ الْجَنِينِ، وَغِشَاءٌ يَجْمَعُ الرُّطُوبَةَ الَّتِي تَرْشَحُ مِنَ الْجَنِينِ.
стр. 632
وَلِلرَّأْسِ أَرْبَعَةُ عِظَامٍ: [ثَلاثَةٌ] كَالْجُدْرَانِ وَوَاحِدٌ كَالْقَاعِدَةِ، وجعلت هذه الجدرن أَصْلَبَ مِنَ الْيَافُوخِ لأَنَّ السَّقَطَاتِ وَالصَّدَمَاتِ عَلَيْهَا أَكْثَرُ وَيَخِفُّ الْقِحْفُ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِئَلا يَثْقُلَ عَلَى الدِّمَاغِ. وَالثَّانِي لِيَنْفُذَ مِنْهُ الْبُخَارُ.
وَمِنَ الْعِظَامِ مَا هُوَ أَسَاسٌ لِلْبَدَنِ كَفِقَارِ الصُّلْبِ يُبْنَى عَلَيْهِ كَمَا يُبْنَى السَّقْفُ عَلَى الْخَشَبَةِ الأُولَى، وَمِنْهَا كَالْمِجَنِّ كَالْقِحْفِ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ لِلدِّمَاغِ مِنَ الآفَاتِ. وَخُلِقَ جَوْهَرُ الدِّمَاغِ بَارِدًا رَطْبًا لَيِنًّا دَسْمًا. فَأَمَّا بَرْدُهُ فَلأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا تَعْدِيلُ الْحَرَارَةِ الَّتِي تَنْفُذُ إِلَيْهِ مِنَ الْقَلْبِ. وَالثَّانِي: لِئَلا يَحْتَرِقَ لِكَثْرَةِ مَا يَتَأَدَّى إِلَيْهِ مِنْ حَرَكَاتِ الرُّوحِ فِي التَّخَيُّلِ وَالْفِكْرِ [وَالتَّفَكُّرِ وَالذِّكْرِ] . وَهَذِهِ الْقُوَى الثَّلاثُ مَسْكَنُهَا الدِّمَاغُ فَمَوْضِعُ التَّخَيُّلِ الْبَطْنَانِ الْمُقَدَّمَانِ مِنْ بُطُونِ الدِّمَاغِ، وَمَوْضِعُ الْفِكْرِ الْبَطْنُ الأَوْسَطُ، وَمَوْضِعُ الْحِفْظِ الْمُؤَخَّرُ مِنْ بُطُونِ الدِّمَاغِ. وَأَمَّا رُطُوبَتُهُ وَلِينُهُ فَلِئَلا تُجَفِّفَهُ الْحَرَكَاتُ، وَأَمَّا خَلْقُهُ دَسْمًا فَلِيَكُونَ مَا يَنْبُتُ فِيهِ مِنَ الْعَصَبِ لَيِّنًا.
وَقَدْ جُلِّلَ الدِّمَاغُ بِغِشَائَيْنِ: أَحَدُهُمَا رَقِيقٌ يَلِيهِ وَالآخَرُ صَفِيقٌ يَلِي الْعَظْمَ. وَإِنَّمَا خُلِقَا لِيَكُونَا حَاجِزَيْنِ بَيْنَ الدِّمَاغِ وَالْعَظْمِ.
وَأَمَّا الْعَيْنُ فَإِنَّمَا جُعِلَتَا اثْنَتَيْنِ لِيَتَكَوَّنَا إِذَا عَرَضَتْ لإِحْدَاهُمَا آفَةٌ قَامَتِ الأُخْرَى بِالْبَصَرِ. وَكُلُّ عَيْنٍ مُرَكَّبَةٌ مِنْ عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ وَهِيَ سَبْعُ طَبَقَاتٍ وَثَلاثُ رُطُوبَاتٍ، وَالطَّبَقَاتُ كَقُشُورِ الْبَصَلِ إِنْ أَصَابَتْ بَعْضَهَا آفَةٌ نَابَتِ الأُخْرَى. وَالرُّطُوبَاتُ يَقَعُ النَّظَرُ بِالْوُسْطَى وَهِيَ صَافِيَةٌ مُنِيرَةٌ وَالرُّطُوبَتَانِ مِنْ جَانِبَيْهَا، فَوَاحِدَةٌ مَوْضُوعَةٌ خَلْفَهَا تَقْرُبُ مِنْ طَبِيعَتِهَا تَتَنَاوَلُ الْغِذَاءَ أَوْ تُقَلِّبُهُ إِلَى طَبْعِهَا فَتَتَنَاوَلُ مِنْهُ الرُّطُوبَةُ الْمُبْصِرَةُ. وَالرُّطُوبَةُ الثَّانِيَةُ تُنَدِّي الْمُبْصِرَةَ لِئَلا تَجِفَّ. وَخُلِقَ
стр. 633
الْهُدْبُ لِيَدْفَعَ مَا يَطِيرُ إِلَى الْعَيْنِ وَلِيُعَدِّلَ الضَّوْءَ بِسَوَادِهِ.
وَأَمَّا الأُذُنُ فَجُعِلَ لَهَا صَدَفٌ مُعَرَّجٌ لِيَجْمَعَ الصَّوْتَ. وَخُلِقَ الأَنْفُ لِيَنْحَصَرَ فِيهِ الْهَوَاءُ فَيَعْتَدِلُ فِي حُلُولِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْفُذَ إِلَى الدِّمَاغِ وَالرِّئَةِ، ثُمَّ هُوَ سِتْرٌ لِلْفَضَلاتِ الْمُنْحَدِرَةِ. وَاللِّسَانُ آلَةٌ لِتَقْلِيبِ الْمَمْضُوغِ وَتَقْطِيعِ الصَّوْتِ فِي إِخْرَاجِ الْحُرُوفِ وَإِلَيْهِ تَمْيِيزُ الذَّوْقِ.
وَالشَّفَتَانِ غطاء للفم والأسنان ومحبسا للعاب ومعينا على الكلام وجمالا.
وَاللَّهَاةُ: جَوْهَرٌ لَحْمِيٌّ مُعَلَّقٌ عَلَى أَعْلَى الْحَنْجَرَةِ وَمَنْفَعَتُهُ تَدْرِيجُ الْهَوَاءِ لِئَلا يَقْرَعَ بِبَرْدِهِ الرِّئَةَ فَجْأَةً. وَلِيَمْنَعَ الدُّخَانَ وَالْغُبَارَ كَأَنَّهُ بَابٌ مُوصَدٌ عَلَى مَخْرَجِ الصَّوْتِ بِقَدَرِهِ.
وَالأَسْنَانُ اثْنَانِ وَثَلاثُونَ سِنًّا، فَمِنْهَا ثَنِيَّتَانِ مِنْ فَوْقُ وَثَنِيَّتَانِ مِنْ تَحْتُ وَرَبَاعِيَتَانِ مِنْ فَوْقُ وَرَبَاعِيَتَانِ مِنْ تَحْتُ، وَنَابَانِ مِنْ فَوْقُ وَنَابَانِ مِنْ تَحْتُ، ثُمَّ الأَضْرَاسُ وَهِيَ عِشْرُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنَ الْفَمِ خَمْسَةٌ، فَمِنْهَا الضَّوَاحِكُ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَضْرَاسٍ تَلِي الأَنْيَابَ إِلَى جَنْبِ كُلِّ نَابٍ مِنْ أَسْفَلِ الْفَمِ وَأَعْلاهُ ضَاحِكٌ، ثُمَّ بَعْدَ الضَّوَاحِكِ الطَّوَاحِنُ وَيُقَالُ لَهَا الأَرْحَاءُ وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ طَاحِنًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنَ الْفَمِ وَاحِدٌ مِنْ فَوْقُ وَوَاحِدٌ مِنْ أَسْفَلَ، فَالأَنْيَابُ لِلْكَسْرِ وَالرَّبَاعِيَاتُ لِلْقَطْعِ وَالأَضْرَاسُ لِلطَّحْنِ.
وَخَرَزُ الْعُنُقِ سَبْعٌ وَفِقَارُ الصَّدْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ فِقْرَةً وَالصَّدْرُ مُؤَلَّفٌ مِنْ سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَالسَّاعِدُ مُؤَلَّفٌ مِنْ عَظْمَيْنِ مُتَلاصِقَيْنِ يُسَمَّيَانِ الزَّنْدَيْنِ وَالْفَوْقَانِيُّ الَّذِي يَلِي الإِبْهَامَ أَدَقُّ وَالسُّفْلانِيُّ أَغْلَظُ لأَنَّهُ حَامِلٌ.
وَعِظَامُ الأَصَابِعِ غَيْرُ مُجَوَّفَةٍ لِتَكُونَ أَقْوَى عَلَى الثَّبَاتِ فِي الْحَرَكَةِ وَالْقَبْضِ، وَطَالَ بَعْضُهَا لِتَسْتَوِيَ عِنْدَ الْقَبْضِ. وَالظُّفْرُ سَنَدٌ لِلأُنْمُلَةِ وَآلَةٌ لِلْحَكِّ وَالتَّنْقِيَةِ.
وَالصُّلْبُ مَسْلَكُ النِّخَاعِ، وَالْمَعِدَةُ تَهْضِمُ بِحَرَارَةٍ فِي لَحْمِهَا وَبِحَرَارَةٍ أُخْرَى مُكْتَسَبَةٍ مِنَ الأَجْسَامِ الْمُجَاوِرَةِ، وَالطِّحَالُ مُنْفَرِشٌ تَحْتَهَا مِنَ الْيَسَارِ وَهُوَ وِعَاءٌ لِبَعْضِ فَضَلاتِهَا. وَلِلْكَبِدِ عِرْقَانِ أَحَدُهَما يَجْذِبُ إِلَيْهَا الطَّعَامَ فَيَطْبُخُهُ وَيُوَجِّهُهُ فِي
стр. 634
الْعِرْقِ الآخَرِ إِلَى الْبَدَنِ وَيَبْعَثُ الْمَاءَ مِنْهُ إِلَى الْكُلْيَتَيْنِ وَالرَّغْوَةَ الصَّفْرَاوِيَّةَ إِلَى الْمَرَارَةِ وَالرُّسُوبَ السَّوْدَاوِيَّ إِلَى الطِّحَالِ.
وَالْقَلْبُ مَخْلُوقٌ مِنْ لَحْمٍ قَوِيٍّ لِيَكُونَ أَبْعَدَ مِنَ الآفَاتِ، وَقَدْ أُمِيلَ يَسِيرًا إِلَى الْيَسَارِ
لِيَبْعُدَ عَنِ الْكَبِدِ، وَلَهُ زائدتان كالأذنين فهما كخزانتين يقبلان النَّسِيمَ وَيُرْسِلانِهِ إِلَى الْقَلْبِ بِقَدَرٍ.
وَالْمَرَارَةُ كِيسٌ مُعَلَّقٌ مِنَ الْكَبِدِ إِلَى نَاحِيَةِ الْمَعِدَةِ تَجْذِبُ الْخَلْطَ الْغَلِيظَ وَالْمِرَارَ الأَصْفَرَ فَيُنَقِّي الْكَبِدَ عَنِ الْفُضُولِ وَيُسْخِنُهَا، وَلَوْلا أَنَّ الْمَرَارَةَ تَجْذِبُ الْمِرَّةَ الصَّفْرَاءَ لَسَرَتْ إِلَى الْبَدَنِ مَعَ الدَّمِ فَتَوَلَّدَ مِنْهَا الْيَرَقَانُ الأَصْفَرُ فَهِيَ تَجْذِبُهُ وَتَقْذِفُ مِنْهُ جُزْءًا إِلَى الْمِعَى فَيَغْسِلُ مَا فِيهَا مِنَ الأَثْقَالِ بِلَذْعِهِ وَتَحْرِيكِهِ لَهَا، وَجُزْءًا إِلَى الْمَعِدَةِ لِيُعِينَهَا بِحَرَارَتِهِ عَلَى الْهَضْمِ.
وَجَمِيعُ عِظَامِ الْبَدَنِ بِعَدَدِ أَيَّامِ السَّنَةِ يَظْهَرُ مِنْهَا لِلْحِسِّ مِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ وَالْبَاقِيَةُ صِغَارٌ تُسَمَّى السِّمْسِمَانِيَّةَ.
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي أَفْرَادِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلاثِ مِائَةِ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَهَلَّلَ اللَّهَ وَسَبَّحَ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا، أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عدد تلك الستين والثلاثمائة، فَإِنَّهُ يَمْشِي حِينَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النار ".
وعضل البدن خمسمائة وَتِسْعٌ وَعِشْرُونَ عَضَلَةً.
وَالْمَرَارَةُ بَيْتُ الصَّفْرَاءِ وَالرِّئَةُ بَيْتُ الْبَلْغَمِ وَالطِّحَالُ بَيْتُ السَّوْدَاءِ وَالْمَثَانَةُ بَيْتُ الْبُرُودَةِ وَالْكُلَى بَيْتُ الشَّهْوَةِ وَالْقَلْبُ بَيْتُ النَّفْسِ.
وَفِي بَعْضِ هَذَا مَا يُحَرِّكُ الْفِكْرَ فَيُوجِبُ الْعِلْمَ بِعَظَمَةِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ فَيَحُثُّ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي مَرْكَبٍ فَهَاجَ الْبَحْرُ فَأَخْرَجَ كِتَابَ التَّشْرِيحِ
стр. 635
وَنَشَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ كَالْمُسْتَشْفِعِ بِهِ، فَأَنْكَرَ قَوْمٌ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كَأَنْ يَقُولُ: يَا مَنْ هَذَا مِنْ آثَارِ حِكْمَتِهِ وَصَنْعَتِهِ اكْشِفْ عَنَّا!
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(لا تَرْقُدَنَّ لِعَيْنِكَ السَّهَرُ ... وَانْظُرْ إِلَى مَا تَصْنَعُ الْغِيَرُ)
(انْظُرْ إِلَى عِبَرٍ مُصَرَّفَةٍ ... مَا دَامَ يُمْكِنُ طَرْفُكَ النَّظَرُ)
(مَا زِلْتَ تَسْمَعُ أَوْ تَرَى عِبَرًا ... إِنْ لَمْ يَخُنْكَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ)
(فَإِذَا جَهِلْتَ وَلَمْ تَجِدْ أَحَدًا ... فَسَلِ الزَّمَانَ فَعِنْدَهُ الْخَبَرُ)
(وَإِذَا نَظَرْتَ تُرِيدُ مُعْتَبَرًا ... فَانْظُرْ إِلَيْكَ فَفِيكَ مُعْتَبَرُ)
(أَنْتَ الَّذِي تُمْسِي وَتُصْبِحُ فِي ... الدُّنْيَا وَكُلُّ أُمُورِهِ غَرَرُ)
(أَنْتَ الْمُصَرَّفُ كَانَ فِي صِغَرٍ ... ثُمَّ اسْتَقَلَّ بِشَخْصِهِ الْكِبَرُ)
(أَنْتَ الَّذِي تَنْعَاهُ خِلْقَتُهُ ... يَنْعَاهُ مِنْهُ الشَّعْرُ وَالْبَشَرُ)
(أَنْتَ الَّذِي تُعْطَى وَتُسْلَبُ لا ... يُنْجِيهِ مِنْ أَنْ يُسْلَبَ الْحَذَرُ)
(أَنْتَ الَّذِي لا شَيْءَ مِنْهُ له ... وأحق منك بملك الْقَدَرُ)
(وَالْحَادِثَاتُ صُرُوفُهَا عَجَبٌ ... وَالْعَيْشُ فِيهِ الصَّفْوُ وَالْكَدَرُ)
(يَبْغِي بَنُو الدُّنْيَا عِمَارَتَهَا ... وَلْيَخْرُبَنَّ جَمِيعُ مَا عَمَرُوا)
(عَجَبًا مِنَ الدُّنْيَا وَمِنْ عِبَرِ الدُّنْيَا ... وَكَيْفَ تُصَرِّفُ الْغِيَرُ)
(مَا زِلْتَ مُذْ صُوِّرْتَ فِي سَفَرٍ ... وَسَتَنْقَضِي وَسَيَنْقَضِي السَّفَرُ)
(يَا مَنْ يُؤَمِّلُ أَنْتَ مُنْتَظِرٌ ... أَمَلا يَطُولُ وَلَسْتَ تُنْتَظَرُ)
(مَاذَا تَقُولُ وَأَنْتَ فِي غُصَصٍ ... مَاذَا تَقُولُ وَأَنْتَ مُحْتَضَرُ)
(مَاذَا تَقُولُ وَقَدْ وُضِعْتَ عَلَى ... ظَهْرِ السَّرِيرِ وَأَنْتَ تُبْتَدَرُ)
(مَاذَا تَقُولُ وَأَنْتَ فِي جَدَثٍ ... مَاذَا تَقُولُ وَفَوْقَكَ الْمَدَرُ)
( ... مَاذَا تَقُولُ وَقَدْ لَحِقْتَ بِمَا ... يَجْرِي عَلَيْهِ الرِّيحُ وَالْمَطَرُ)
(نَبْغِي الْبَقَاءَ وَلا بَقَاءَ لَنَا ... تَتَعَاوَرُ الرَّوْحَاتُ وَالْبُكَرُ)
(كَمْ قَدْ عَفَتْ عَيْنٌ لَهَا أَثَرٌ ... دَرَسَتْ وَيَدْرُسُ بَعْدَهَا الأَثَرُ)
الدُّنْيَا مَعْبَرٌ فَاقْنَعْ بِالْيَسِيرِ، وَلْيَكُنْ هَمُّكَ فِي الرَّحِيلِ وَالْمَسِيرِ، كَمْ مِنْ جَامِعٍ لَهَا
стр. 636
فرقته ومن محب لها أهلكته ومزقته، من قَنَعَ بِالْبُلْغَةِ فِيهَا سَلِمَ، وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْهَا أَسِفَ وَنَدِمَ.
(عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَاقْنَعْ بِرِزْقِهِ ... فَخَيْرُ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ هُوَ قَانِعُ)
(وَلا تَهْلِكِ الدُّنْيَا وَلا طَمَعٌ لَهَا ... فَقَدْ يُهْلِكُ الْمَغْرُورَ فِيهَا الْمَطَامِعُ)
(صَبْرًا عَلَى نَوَبَاتِ مَا نَابَ وَاعْتَرِفْ ... فَمَا يَسْتَوِي حُرٌّ صَبُورٌ وَجَازِعُ)
(أَعَاذِلٌ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ بِالنَّفْسِ مِنْهُ الأَضَالِعُ)
مَرَّ أَبُو حَازِمٍ ﵀ بِجَزَّارٍ فَقَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ خُذْ مِنْ هَذَا اللَّحْمِ. فَقَالَ: لَيْسَ مَعِي دِرْهَمٌ. فَقَالَ: أَنَا أُنْظِرُكَ. فَقَالَ: أَنَا أُنْظِرُ نَفْسِي.
وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَكْفِيكَ مِنَ الدُّنْيَا مَا قَنَعْتَ بِهِ.
كَانَ ابْنُ السَّمَّاكِ ﵀ يَقُولُ:
(إِنِّي أَرَى مَنْ لَهُ قُنُوعٌ ... يَعْدِلُ مَنْ نَالَ مَا تَمَنَّى)
(وَالرِّزْقُ يَأْتِي بِلا عَنَاءٍ ... وَرُبَّمَا فَاتَ مَنْ تَعَنَّى)
كَانَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ يَعِظُ عَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ وَيَقُولُ لَهُ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَأْتِي الْمُلُوكَ وَتَحْمِلُ عِلْمَكَ إِلَيْهِمْ؟ يَا عَطَاءُ ارْضَ بِالدُّونِ مِنَ الدُّنْيَا مَعَ الْحِكْمَةِ وَلا تَرْضَ بِالدُّونِ مِنَ الْحِكْمَةِ مَعَ الدُّنْيَا، وَيْحَكَ يَا عَطَاءُ إِنْ كَانَ يُغْنِيكَ مَا يَكْفِيكَ فَإِنَّ أَدْنَى مَا فِي الدُّنْيَا يَكْفِيكَ، وَإِنْ
كَانَ لا يُغْنِيكَ مَا يَكْفِيكَ فَلَيْسَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ يَكْفِيكَ.
(نَصِفُ الْقَنُوعَ وَأَيُّنَا يَقْنَعُ ... أَوْ أَيُّنَا يَرْضَى بِمَا يَجْمَعُ)
(للَّهِ دَرُّ ذَوِي الْقَنَاعَةِ مَا ... أَصْفَى مَعَاشَهَمْ وَمَا أَوْسَعُ)
(مَنْ كَانَ يَبْغِي أَنْ يَلَذَّ وَأَنْ ... تُهْدَى جَوَارِحُهُ فَمَا يَطْمَعُ)
(فَقْرُ النُّفُوسِ بِقَدْرِ حَاجَتِهَا ... وَغِنَى النُّفُوسِ بِقَدْرِ مَا تَقْنَعُ)
عَرِيَ أُوَيْسٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ حَتَّى جَلَسَ فِي قَوْصَرَةٍ. وَقَدِمَ بِشْرٌ الْحَافِي مِنْ عَبَّادَانَ لَيْلا وَهُوَ مُتَّزِرٌ بِحَصِيرٍ. وَكَانَ أَبُو مُعَاوِيَةَ الأَسْوَدُ يَلْتَقِطُ الْخِرَقَ مِنَ
стр. 637
الْمَزَابِلِ وَيَغْسِلُهَا وَيَلْفُقُهَا فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّكَ تَكْسِي خَيْرًا مِنْ هَذَا فَيَقُولُ: مَا ضَرَّهُمْ مَا أَصَابَهُمْ فِي الدُّنْيَا جَبَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ بِالْجَنَّةِ كُلَّ مُصِيبَةٍ.
وَأُتِيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ بِسِتِّينَ أَلْفًا فَرَدَّهَا وَقَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أَمْحُوَ اسْمِيَ مِنْ دِيوَانِ الْفُقَرَاءِ.
(رَأَتْ عُدَّتِي فَاسْتَرَاثَتْ رَحِيلِي ... سَبِيلُكَ أَنْ سِوَاهَا سَبِيلِي)
(تُرَجِّي قُفُولِي لها في الثوب ... لَعَلَّ الْمَنِيَّةَ قَبْلَ الْقُفُولِ)
(لَقَدْ قَذَفَتْ بِي صَعْبُ الْمَرَامِ ... وَاسْتَجْمَلَتْ لِي غَيْرَ الْجَمِيلِ)
(سَأَقْنِي الْعَفَافَ وَأَرْضَى الْكَفَافَ ... وَلَيْسَ غِنَى النَّفْسِ جَوْرَ الْخَلِيلِ)
(وَلا أَتَصَدَّى لِمَدْحِ الْجَوَادِ ... وَلا أَسْتَعِدُّ لِمَدْحِ الْبَخِيلِ)
(وَأَعْلَمُ أَنَّ ثِيَابَ الرَّجَاءِ ... تُحِلُّ الْعَزِيزَ مَحَلَّ الذَّلِيلِ)
(وَأَنْ لَيْسَ مُسْتَغْنِيًا بِالْكَثِيرِ ... مَنْ لَيْسَ مُسْتَغْنِيًا بِالْقَلِيلِ)
كَتَبَ حَكِيمٌ إِلَى أَخٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ فَاجْعَلِ الْقُنُوعَ ذُخْرًا وَلا تَعْجَلْ عَلَى ثَمَرَةِ لَمْ تُدْرَكْ، فَإِنَّكَ تُدْرِكُهَا فِي أَوَانِهَا عَذْبَةً، وَالْمُدَبِّرُ لَكَ أَعْلَمُ بِالْوَقْتِ الَّذِي يَصْلُحُ لِمَا تُؤَمِّلُ فَثِقْ بِخِيرَتِهِ لَكَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْفَقِيهُ بِسَنَدِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ قَالَ: لَمَّا أَتَى أَبِي وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَنْشَدُوهُ فَلَمَّا عَرَفَ أَبِي قَالَ: أَلَسْتَ الْقَائِلَ:
(لَقَدْ عَلِمْتُ وَمَا الإِسْرَافُ مِنْ خُلُقِي ... أَنَّ الَّذِي هُوَ رِزْقِي سَوْفَ يَأْتِينِي)
(أَسْعَى لَهُ فَيَعْنِينِي تَطَلُّبُهُ ... وَلَوْ قَعَدْتُ أَتَانِي لا يُعَنِّينِي)
فَهَلا جَلَسْتَ فِي بَيْتِكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ؟ فَسَكَتَ أَبِي وَلَمْ يُجِبْهُ فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ جَلَسَ أَبِي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ وَأَمَرَ هِشَامٌ بِجَوَائِزِهِمْ فَقَعَدَ أَبِي فَسَأَلَ عَنْهُ فَلَمَّا خُبِّرَ بِانْصِرَافِهِ قَالَ: لا جَرَمَ وَاللَّهِ لَيَعْلَمَنَّ أَنَّ ذَلِكَ سَيَأْتِيهِ. ثُمَّ أَضْعَفَ لَهُ مَا أَعْطَى وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَكَتَبَ لَهُ فَرِيضَتَيْنِ.
стр. 638
(إِذَا ضَنَّ مَنْ تَرْجُو عَلَيْكَ بِنَفْعِهِ ... فَدَعْهُ فَإِنَّ الرِّزْقَ فِي الأَرْضِ وَاسِعُ)
(وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا مُنَاهُ وَهَمَّهُ ... سَبَاهُ الْمُنَى وَاسْتَعْبَدَتْهُ الْمَطَامِعُ)
(وَمَنْ عَقَلَ اسْتَحْيَى وَأَكْرَمَ نَفْسَهُ ... وَمَنْ قَنَعَ اسْتَغْنَى فَهَلْ أَنْتَ قَانِعُ)
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تعالى
﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون﴾ يَا مَنْ هُوَ عَلَى مَحَبَّةِ الدُّنْيَا مُتَهَالِكٌ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ هَالِكٌ، أَمَا تَيَقَّنْتَ أَنَّ الدُّنْيَا مَحْبُوبٌ تَارِكٌ، ثُمَّ لَسْتَ لَهَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهَا بِتَارِكٍ، قَدِّرْ أَنَّكَ مَلَكْتَ الْمَمَالِكَ، أَمَا الأَخِيرُ سَلَبَكَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، هَذَا حُسَامُ الْمَوْتِ مَسْلُولٌ، لَيْسَ بِكَالٍّ وَلا مَفْلُولٍ، وَكُلُّ دَمٍ أَرَاقَهُ مَطْلُولٌ، أَذَلَّ وَاللَّهِ أَصْعَبَ الْحَمْسِ وَفَتَكَ قَبْرًا بِالأَسْوَدِ الشَّمْسِ، وَفَلَّ
السَّيْفَ وَلَمْ يَفِلَّ بِالتُّرْسِ، وَسَاوَى فِي الْقَبْرِ بَيْنَ الزِّنْجِ وَالْفُرْسِ، وَأَعَادَ الْفُصَحَاءَ تَحْتَ الْبَلاءِ كَالْخُرْسِ، وَمَحَا بِالتَّرَحِ أَثَرَ الْفَرَحِ بِالْعُرْسِ:
(يَغْدُو ابْنَ آدَمَ لِلْمَعَاشِ فَيَلْقَاهُ ... الْحِمَامُ بِأَضْيَقِ الطُّرُقِ)
(لا يَبْهُجَنَّ بِمُلْكِهِ مَلِكٌ ... فَالْبَدْرُ غَايَتُهُ إِلَى الْمَحْقِ)
أَيْنَ الْوَالِدُونَ وَمَا وَلَدُوا، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ وَأَيْنَ مَا قَصَدُوا، أَيْنَ أَرْبَابُ الْمَعَاصِي عَلَى مَاذَا وَرَدُوا، أَمَا جَنَوْا ثَمَرَاتِ مَا جَنَوْا وَحَصَدُوا، أَمَا قَدِمُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ فِي مَآلِهِمْ وَوَفَدُوا، أَمَا خَلَوْا فِي ظُلُمَاتِ الْقُبُورِ؟ بَكَوْا وَاللَّهِ وَانْفَرَدُوا، أَمَا ذَلُّوا وَقَلُّوا بَعْدَ أَنْ عَتَوْا وَمَرَدُوا، أَمَا طَلَبُوا زَادًا يَكْفِي فِي طَرِيقِهِمْ فَفَقَدُوا، أَمَا حَلَّ الْمَوْتُ فَحَلَّ عَقْدُ مَا عَقَدُوا، عَايَنُوا وَاللَّهِ كُلَّ مَا قَدَّمُوا وَوَجَدُوا، فَمِنْهُمْ أَقْوَامٌ شَقُوا وَأَقْوَامٌ سَعِدُوا:
(لا وَالِدٌ خَالِدٌ وَلا وَلَدُ ... كُلُّ جَلِيدٍ يَخُونُهُ الْجَلَدُ)
(كَأَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ لَمْ يَسْكُنُوا الدور ... ولم يحي مِنْهُمْ أَحَدُ)
(وَلَمْ يَكُونُوا إِلا كَهَيْئَتِهِمْ ... لَمْ يُولَدُوا قَبْلَهَا وَلَمْ يَلِدُوا)
( [يَا مَنْ نَعَى مَنْ مَضَى كَذَاكَ غَدًا ... تُنْعَى، فَبَادِرْ فَقَدْ أتاك غد] )
стр. 639
(يا ناسي الموت وهو يذكره ... مالك بِالْمَوْتِ إِذْ أَتَاكُ يَدُ)
(دَارُكَ دَارٌ يَمُوتُ سَاكِنُهَا ... دَارُكَ يُبْلِي جَدِيدَهَا الأَبَدُ)
(تَبْكِي عَلَى مَنْ مَضَى وَأَنْتَ غَدًا ... يُورِدُكَ الْمَوْتُ فِي الَّذِي وَرَدُوا)
(لَوْ كُنْتَ تَدْرِي مَاذَا يُرِيدُ بِكَ ... الْمَوْتُ لأَبْكَى جُفُونَكَ السُّهُدُ)
أَيْنَ الَّذِي ملكوا ونالوا؟ زالوا، وستئول إِلَى مَا إِلَيْهِ آلُوا، هَذَا مَصِيرُنَا يَا مَعَاشِرَ
الْغَافِلِينَ، وَاللُّحُودُ بُيُوتُنَا بَعْدَ التَّرَفِ وَاللِّينِ، وَالْقِيَامَةُ تَجْمَعُنَا وَتُنْصَبُ الْمَوَازِينُ، وَالأَهْوَالُ عَظِيمَةٌ فَأَيْنَ المتفكر الحزين ﴿إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين﴾ .
يَا رَهِينَ الآفَاتِ وَالْمَصَائِبِ، يَا أَسِيرَ الطَّارِقَاتِ النَّوَائِبِ، إِيَّاكَ وَإِيَّا الآمَالَ الْكَوَاذِبَ، فَالدُّنْيَا دَارٌ وَلَكِنْ لَيْسَتْ بِصَاحِبٍ، أَمَا أَرَتْكَ فِي فِعْلِهَا الْعَجَائِبَ فِيمَنْ مَشَى فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، ثُمَّ أَرَتْكَ فِيكَ شَيْبَ الذَّوَائِبِ، إِنَّ سِهَامَ الْمَوْتِ لَصَوَائِبُ، لا يَرُدُّهَا مُحَارِبٌ وَلا يَفُوتُهَا هَارِبٌ، تَدُبُّ إِلَيْنَا دَبِيبَ الْعَقَارِبِ، بَيْنَا نَسْمَعُ صَوْتَ مِزْهَرٍ صَارَ صَوْتَ نَادِبٍ، يَا أَسِيرَ حُبِّ الدُّنْيَا إِنْ قَتَلَتْكَ مَنْ تُطَالِبُ، كَأَنَّكَ بِكَ قَدْ بِتَّ فَرِحًا مَسْرُورًا فَأَصْبَحْتَ تَرِحًا مَثْبُورًا، وَتُرِكَ مَالُكَ لِغَيْرِكَ مَوْفُورًا، وَخَرَجَ مِنْ يَدِكَ فَصَارَ لِلْكُلِّ شُورَى، وَعَايَنْتَ مَا فَعَلْتَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا، وَعَلِمْتَ أَنَّكَ كُنْتَ فِي الْهَوَى مَغْرُورًا، وَاسْتَحَالَتْ صَبَا الصِّبَا فَعَادَتْ دَبُورًا، وَأُسْكِنْتَ لَحْدًا تَصِيرُ فِيهِ مَأْسُورًا، وَنَزَلْتَ جَدَثًا خَرِبًا إِذْ تَرَكْتَ قَصْرًا مَعْمُورًا، وَدَخَلْتَ فِي خَبَرِ كان ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا﴾ .
(وَمَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ إِقَامَةٍ ... فَيَحْزَنَ فِيهَا الْقَاطِنُ الْمُتَرَحِّلُ)
(هِيَ الدَّارُ إِلا أَنَّهَا كَمَفَازَةٍ ... أَنَاخَ بِهَا رَكْبٌ وَرَكْبٌ تَحَمَّلُوا)
(وَإِنَّا لَمِنْ مَرِّ الْجَدِيدَيْنِ فِي الْوَغَى ... إِذَا مَرَّ مِنْهَا جَحْفَلٌ كَرَّ جَحْفَلُ)
(تُجَرِّدَ نَصْلا وَالْخَلائِقُ مَفْصِلٌ ... وَتُنْبِضُ سَهْمًا وَالْبَرِيَّةُ مَقْتَلُ)
стр. 640
(وَمَا خَلْفَنَا مِنْهَا مَفَرٌّ لِهَارِبٍ ... فَكَيْفَ لِمَنْ رَامَ النَّجَاةَ التَّخَيُّلُ)
(وَكُلٌّ وَإِنْ طَالَ الثَّوَاءُ مَصِيرُهُ ... إِلَى مَوْرِدٍ مَا عَنْهُ لِلْخَلْقِ مَعْدِلُ)
الموت مسرع مجد غير لابث، وَالأَمْوَالُ عَنْ قَلِيلٍ تَمْضِي لِلْوَارِثِ، وَكَأَنَّكَ بِوُقُوعِ الْحَادِثَاتِ وَحَصَادِ الْحَارِثِ، يَا طَوِيلَ الأَمَلِ هَلْ قلبك لا بث، لا تَسْمَعَنَّ الْمَحَالَّ فَلَسْتَ بِمَاكِثٍ، يَا مُطَالِبًا بِالْجِدِّ وَهُوَ لاعِبٌ عَابِثٌ، يَا مُعَاهِدًا بِاللِّسَانِ وَالْعَزْمُ نَاكِثٌ، يَا مَنْ أَعْمَالُهُ إِذَا فُتِّشَتْ خَبَائِثُ، صَرَّحَ الشَّيْبُ وَطَالَ مَا مَجْمَجَ وَوَضَحَ فَجْرُهُ وَمَا كَانَ قَدْ تَبَلَّجَ، أَوْضَحَ طَرِيقَ
الْحَذَرِ وَبَيْنَ الْمَنْهَجِ، أَيْنَ الشَّبَابُ؟ رَحَلَ مُسْرِعًا وَهَمْلَجَ، إِنَّ نَارَ الْفِرَاقِ فِي الْقَلْبِ تَتَأَجَّجَ، إِنَّ فُؤَادَ الْمُتَفَكِّرِ يَكَادُ أَنْ يَنْضَجُ، هَذِهِ خُيُولُ الرَّحِيلِ قَدْ أُقِيمَتْ تُسْرَجُ، وَالشُّكُوكُ قَدْ أُزِيلَتْ وَالْحَقُّ أَبْلَجُ، هَذَا وَأَنْتَ بِالْمَعَاصِي مُغْرًى وَتَلْهَجُ، لَكَ كَأْسٌ مِنَ الْمَنُونِ صَرْفٌ لا يُمْزَجُ، يَا مَنْ هُوَ فِي الْكَفَنِ عَنْ قَلِيلٍ مُدْرَجٌ، يَا لابِسًا حُلَّةً مِنَ الْبَلاءِ لَمْ تُنْسَجْ، يَا مَنْ بِضَاعَتُهُ إِذَا نُقِدَتْ كُلُّهَا بَهْرَجٌ، يَا سَالِكًا طَرِيقُ الْهَوَى عَوْسَجٌ، كَيْفَ الطَّمَعُ فِي الْمُرْتَجَى وَالْبَابُ مُرْتَجٌّ، يَا مَنْ ضَيَّقَتِ الذُّنُوبُ خِنَاقَهُ أَيْنَ الْمَخْرَجُ، يَا عَظِيمَ فَقْرِكَ فِي الْقَبْرِ مَنْ مِنْكَ أَحْوَجُ، مَا هَذَا الْغُرُورُ أَيُّ مُطْمَئِنٍّ لَمْ يُزْعَجْ:
(أَخْلَقَ الدَّهْرُ الشَّبَابَ الْحَسَنَا ... مَا أَظُنُّ الْوَقْتَ إِلا قَدْ دَنَا)
(قَدْ قَطَعْنَا فِي التَّصَابِي بُرْهَةً ... وَجَرَرْنَا فِي الذُّنُوبِ الرَّسَنَا)
(وَرَكِبْنَا غَيَّنَا جَهْلا بِهِ ... فَوَجَدْنَاهُ عَلَيْنَا لا لَنَا)
(وَشَرَيْنَا الدُّونَ بِالدَّيْنِ فَمَا ... عُذْرُ مَنْ قَدْ بَاعَ بَيْعًا غَبَنَا)
لَقَدْ بَانَ السَّبِيلُ وَلاحَ الْمَنْهَجُ، فَمَا لِلْقَلْبِ عَنِ الْهُدَى قَدْ عَرَجَ، أَمَا يُزْعِجُكَ التَّرْهِيبُ؟ أَمَا يُشَوِّقُكَ التَّرْغِيبُ؟ إِلامَ تَرُوغُ عَنِ النُّصْحِ رَوَغَانَ الذِّيبِ، وَتَلَفَّتُ إِلَى أَحَادِيثِ الْمُنَى الأَكَاذِيبِ قِفْ عَلَى بَابِ ﴿وَإِنْ كُنَّا لخاطئين﴾ لتسمع: ﴿ولا تثريب﴾ ، مِنَ التَّوْفِيقِ رَفْضُ التَّوَانِي، وَمِنَ الْخُذْلانِ مُسَامَرَةُ الأماني.
стр. 641
إِخْوَانِي: نَذِيرُكُمْ قَدْ صَدَقَ، وَالْمُجْتَهِدُ قَدْ سَبَقَ، وَقَدْ مَضَى نَهَارُ الْعُمُرِ وَبَقِيَ الشَّفَقُ، وَآخِرُ جَرْعَةِ اللَّذَّةِ شَرَقٌ، وَصَاحِبُ الدُّنْيَا مِنْهَا عَلَى فَرَقٍ. رُبَّ غُصْنٍ نَاضِرٍ كُسِرَ إِذَا سَبَقَ، رُبَّ زَرْعٍ قَامَتْ سُوقُهُ رَمَاهُ الْغَرَقُ. أَيْنَ الرَّقِيقُ سَاقَهُ سَوَّاقٌ مَا رَفَقَ، هَذَا وَكُلُّكُمْ يَدْرِي أَيْنَ انْطَلَقَ، أَمَا رَأَيْتُمْ مَضْجَعَهُ فِي الْقَبْرِ بِالْحِدَقِ، وَاعَجَبًا لِقَلْبِ الْمُتَفَكِّرِ كَيْفَ مَا احْتَرَقَ، أَمَا شَاهَدْتُمُوهُ وَقَدْ تَقَطَّعَتْ مِنْهُ الْعِلَقُ، وَتَقَمَّصَ بَعْدَ عُرْيِهِ جِلْبَابَ الْخَوْفِ
وَالْفَرَقِ، وَخَرَسَ لِسَانُهُ وَقَدْ طَالَ مَا نَطَقَ:
(فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُهُ ... إِلا حَنُوطًا غَدَاةَ الْبَيْنِ فِي خِرَقِ)
(وَغَيْرَ نَفْخَةِ أَعْوَادٍ يُشَبُّ لَهُ ... وَقَلَّ ذَلِكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ)
أَيُّهَا الْمُتَيَقِّظُونَ وهم نائمون، أتبنون مالا تَسْكُنُونَ وَتَجْمَعُونَ مَا لا تَأْكُلُونَ، كُونُوا كَيْفَ شِئْتُمْ فَسَتُنْقَلُونَ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ : يَا مُقِيمِينَ سَتَرْحَلُونَ، يَا مُسْتَقِرِّينَ مَا تُتْرَكُونَ، يَا غَافِلِينَ عَنِ الرَّحِيلِ سَتَظْعَنُونَ، أَرَاكُمْ مُتَوَطِّنِينَ تَأْمَنُونَ الْمَنُونَ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ .
طُولَ نَهَارِكُمْ تَلْعَبُونَ وَطُولَ لَيْلِكُمْ تَرْقُدُونَ، وَالْفَرَائِضُ مَا تُؤَدُّونَ، وَقَدْ رَضِيتُمْ عَنِ الْغَالِي بِالدُّونِ، لا تَفْعَلُوا مَا تَفْعَلُونَ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لميتون﴾ أَمَّا الأَمْوَالَ فَتَجْمَعُونَ وَالْحَقَّ فِيهَا مَا تُخْرِجُونَ، وَأَمَّا الصَّلاةَ فَتُضَيِّعُونَ وَإِذَا صَلَّيْتُمْ تَنْقُرُونَ. أَتُرَى هَذَا إِلَى كَمْ يَكُونُ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لميتون﴾ أَيْنَ الْعُتَاةُ الْمُتَجَبِّرُونَ، أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ الْمُتَسَلِّطُونَ، أَيْنَ أَهْلَ الْخُيَلاءِ الْمُتَكَبِّرُونَ، قَدِّرُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ كَهُمْ أَمَا تَسْمَعُونَ، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ مَا نَفَعَتْهُمُ الْحُصُونُ وَلا رَدَّ الْمَالُ الْمَصُونُ، هَبَّتْ زَعْزَعُ الْمَوْتِ فَكَسَرَتِ الْغُصُونَ، قَدِّرُوا أَنَّكُمْ تَزِيدُونَ عَلَيْهِمْ وَلا تَنْقُصُونَ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لميتون﴾ تَقَلَّبُوا مِنَ اللَّذَّاتِ فِي فُنُونٍ، وَأَخْرَجَهُمُ الْبَطَرُ إِلَى الْجُنُونِ، فَأَتَاهُمْ مَا هُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ﴿كم تركوا من جنات وعيون، ثم إنكم بعد ذلك لميتون﴾ .
لَوْ حَصَلَ لَكُمْ كُلُّ مَا تُحِبُّونَ وَنَمَا جَمِيعُ مَا تُؤْتُونَ، وَنِلْتُمْ مِنَ الأَمَانِي مَا
стр. 642
تَشْتَهُونَ، أَيَنْفَعُكُمْ حِينَ تَرْحَلُونَ؟ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لميتون﴾ . إِلَى مَتَى وَحَتَّى مَتَى تُنْصَحُونَ وَأَنْتُمْ تَكْسِبُونَ الْخَطَايَا وَتَجْتَرِحُونَ، أَأَمِنْتُمْ وَأَنْتُمْ تَسْرَحُونَ ذِئْبَ هَلاكٍ فَلا تَبْرَحُونَ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ .
لا تَفْرَحُوا بِمَا تَفْرَحُونَ فَإِنَّهُ لِغَيْرِكُمْ حِينَ تطرحون، وإياكم من يراكم مَنْ يَرَاكُمْ تَمْرَحُونَ، قَدْ خَسِرْتُمْ إِلَى الآنَ فَمَا تَرْبَحُونَ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ .
وَيَحْكُمُ الدُّنْيَا دَارُ ابْتِلاءٍ وَفُتُونٌ، وَقَدْ زَجَرَكُمْ عَنْهَا الْمُفْتُونَ، وَكَمْ رَأَيْتُمْ مِنْ هَالِكٍ بِهَا مَفْتُونٍ وَكَأَنَّكُمْ بِكُمْ قَدْ حُمِلْتُمْ عَلَى الْمُتُونِ، كَمْ أَدُلُّكُمْ عَلَى النَّظَافَةِ وَتَخْتَارُونَ الأُتُونَ.
стр. 643
الْمَجْلِسُ الثَّانِي
فِي ذِكْرِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِيهِنَّ
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ مُزَيَّنَةً بِزِينَةِ النُّجُومِ، وَمُثَبِّتِ الأَرْضِ بِجِبَالٍ فِي أَقَاصِي التُّخُومِ، عَالِمِ الأَشْيَاءِ بِعِلْمٍ وَاحِدٍ وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَعْلُومُ، وَمُقَدِّرِ الْمَحْبُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمَحْمُودِ وَالْمَذْمُومِ، لا يَنْفَعُ مَعَ مَنْعِهِ سَعْيٌ فَكَمْ مُجْتَهِدٍ مَحْرُومٍ، وَلا يَضُرُّ مَعَ إِعْطَائِهِ عَجْزٌ فَكَمْ عَاجِزٍ وَافِرِ الْمَقْسُومِ، اطَّلَعَ عَلَى بَوَاطِنِ الأَسْرَارِ وَعَلِمَ خَفَايَا الْمَكْتُومِ، وَسَمِعَ صَوْتَ الْمَرِيضِ الْمُدْنِفِ الْمَحْرُومِ، وَأَبْصَرَ وَقْعَ الْقَطْرِ فِي سَحَابٍ مَرْكُومٍ ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إلا بقدر معلوم﴾ .
جَلَّ أَنْ تُحِيطَ بِهِ الأَفْكَارُ أَوْ تَتَخَيَّلَهُ الْوُهُومُ، وَتَكَلَّمَ فَكَلامُهُ مَسْمُوعٌ مَقْرُوءٌ مَرْقُومٌ، وَقَضَى فَقَضَاؤُهُ إِذَا شَاءَ إِنْفَاذَهُ مَحْتُومٌ، وَبِتَقْدِيرِهِ مَعْصِيَةُ الْعَاصِي وَعِصْمَةُ الْمَعْصُومِ، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هو الحي القيوم﴾ .
قَضَى عَلَى الأَحْيَاءِ بِالْمَمَاتِ، فَإِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ فَاتَ الْمَقْصُودُ الْمُرَامُ وَعَزَّ الْمَطْلُوبُ الْمَرُومُ، وَنُقِلَ الآدَمِيُّ عَنْ جُمْلَةِ الْوُجُودِ إِلَى حَيِّزِ الْمَعْدُومِ وَبَقِيَ أَسِيرَ أَرْضِهِ إِلَى يَوْمِ عَرْضِهِ وَالْقُدُومِ، فَإِذَا حَضَرَ حِسَابُهُ نُشِرَ كِتَابُهُ الْمَخْتُومُ وَجُوزِيَ عَلَى مَا حَوَاهُ الْمَكْتُوبُ وَجَمْعُهُ الْمَرْقُومُ ﴿وَعَنَتِ الوجوه للحي القيوم﴾ .
أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَتَّصِلُ وَيَدُومُ، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ خَالِقُ الأَعْيَانِ وَالرُّسُومِ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلاةً تَبْلُغُهُ عَلَى الْمَرُومِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَلَى السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، وَعَلَى عُمَرَ الْمُنْتَصِفِ بَيْنَ الظَّالِمِ وَالْمَظْلُومِ، وَعَلَى عُثْمَانَ الْمُتَهَجِّدِ إِذَا رقد
стр. 644
النؤوم، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي حَازَ الشَّرَفَ وَالْعُلُومَ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ سَيِّدِ الأَعْمَامِ عَلَى الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فروج﴾ .
خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ فَثَارَ مِنْهُ دخان فبنى منه السموات. قال قال أبو القاسم ابن أَبِي بُرَّةَ: السَّمَاءُ بَيْضَاءُ لَكِنْ مِنْ بَعْدِهَا تُرَى خَضْرَاءَ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: السَّمَوَاتُ أَوَّلُهَا مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ صَخْرَةٍ، وَالثَّالِثَةُ مِنْ حَدِيدٍ، وَالرَّابِعَةُ مِنْ صُفْرٍ أَوْ نُحَاسٍ، وَالْخَامِسَةُ مِنْ فِضَّةٍ، وَالسَّادِسَةُ مِنْ ذَهَبٍ، وَالسَّابِعَةُ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ.
وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: السَّمَاءُ عَلَى الأَرْضِ مِثْلُ الْقُبَّةِ.
وَقَالَ أَبُو الحسين ابن الْمُنَادِي: لا اخْتِلافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ السَّمَاءَ عَلَى مِثْلِ الْكُرَةِ فَإِنَّهَا تَدُورُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ كَدَوْرِ الْكُرَةِ عَلَى قُطْبَيْنِ ثَابِتَيْنِ غَيْرِ مُتَحَرِّكَيْنِ، أَحَدُهُمَا فِي نَاحِيَةِ الشَّمَالِ وَالآخَرُ فِي نَاحِيَةِ الْجَنُوبِ. وَكُرَةُ الأَرْضِ مَبْنِيَّةٌ فِي وَسَطِ كُرَةِ السَّمَاءِ كَالنُّقْطَةِ مِنَ الدَّائِرَةِ.
وَفِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؟ قَالُوا: الله ورسوله أعلم. قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة
стр. 645
ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة ". وكنف كل سماء خمسمائة سَنَةٍ، وَفَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَكَذَلِكَ الأَرْضُونَ السَّبْعُ فِي كَثَافَتِهَا وَبُعْدُ مَا بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالأُخْرَى فَذَلِكَ مَسِيرَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ أَلْفَ سَنَةٍ، سِوَى مَا تَحْتَ الأَرْضِ مِنَ الظُّلْمَةِ وَالنُّورِ وَمَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ مِنَ الْحُجُبِ وَالظُّلْمَةِ إِلَى الْعَرْشِ. وَهَذا عَلَى قَدْرِ مَسِيرِ الآدَمِيِّ الضَّعِيفِ فَأَمَّا الْمَلَكُ فَإِنَّهُ يَخْرِقُ ذَلِكَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَفِي حَديِثِ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ لَمَّا أَبْرَمَ خَلْقَهُ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ آدَمَ خَلَقَ شَمْسَيْنِ مِنْ نُورِ عَرْشِهِ ثُمَّ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ فَأَمَرَّ جَنَاحَهُ
عَلَى وَجْهِ الْقَمَرِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَمَحَا عَنْهُ الضَّوْءَ وَبَقِيَ فِيهِ النُّورُ ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الشَّمْسَ تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهَا فَتَسْتَأْذِنُ فِي الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَهَا ".
وَأَصْغَرُ النُّجُومِ بِقَدْرِ الدُّنْيَا مَرَّاتٍ. وَفِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لا يَعُودُونَ إِلَيْهِ. وَبَعْدَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ مِنَ الأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يَهْبِطُ بِهِ مَنْ فَوْقَهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا.
وَبَعْدَ هَذَا الْكُرْسِيُّ. قَالَ ﷺ : " مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضٍ فَلاةٍ " ثُمَّ الْعَرْشُ وَهُوَ يَاقُوتَهٌ حَمْرَاءُ.
فَأَمَّا الْمَلائِكَةُ فَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ ".
وَمِنْ أَعْظَمِ الْمَلائِكَةِ خَلْقًا حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَعَدَدُهُمُ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْبَشَرِ قَدْ وُكِلَ بِالدُّعَاءِ لِنَسْلِ الآدَمِيِّ، وَالآخَرُ عَلَى صُورَةِ النَّسْرِ قَدْ وُكِلَ بِالدُّعَاءِ لأَجْنَاسِ الطَّيْرِ، وَالآخَرُ عَلَى صُورَةِ الثَّوْرِ قَدْ وُكِلَ بِالدُّعَاءِ لِلنَّسْلِ الْبَهِيمِيِّ، وَالآخَرُ عَلَى صُورَةِ السَّبُعِ قَدْ وُكِلَ بِالدُّعَاءِ لأَجْنَاسِ السِّبَاعِ، فَإِذَا جَاءَتِ الْقِيَامَةُ زِيدَ فيهم أربعة.
стр. 646
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ
مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سَنَةٍ ".
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بِسَنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلاهُ الأَرْضَ وَعُنُقُهُ مَثْنِيَّةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَكَ رَبَّنَا، قَالَ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ، مَا يَعْلَمُ ذَلِكَ الَّذِي يَحْلِفُ بِي كَاذِبًا ".
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْمَلائِكَةَ وَاسْتَوَوْا عَلَى أَقْدَامِهِمْ رَفَعُوا رؤوسهم إِلَى السَّمَاءِ فَقَالُوا: رَبَّنَا مَعَ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مَعَ الْمَظْلُومِ حَتَّى يُؤدَّى إِلَيْهِ حَقُّهُ.
فَأَمَّا أَعْمَالُ الْمَلائِكَةِ فَجُمْهُورُهُمْ مَشْغُولٌ بِالتَّعَبُّدِ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يفترون﴾ .
أخبرنا ابن الحصين بسنده عن مؤرق، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقٌّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ ".
وَمِنَ الْمَلائِكَةِ مُوكَلٌ بِعَمَلٍ، فَمِنْهُمْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ قَدْ وُكِلُوا بِحَمْلِهِ، وَجِبْرِيلُ صَاحِبُ الْوَحْيِ وَالْغِلْظَةِ فَهُوَ يَنْزِلُ بِالْوَحْيِ وَيَتَوَلَّى إِهْلاكَ الْمُكَذِّبِينَ، وَمِيكَائِيلُ صَاحِبُ الرِّزْقِ وَالرَّحْمَةِ وَإِسْرَافِيلُ صَاحِبُ اللَّوْحِ وَالصُّورِ، وَعَزْرَائِيلُ قَابِضُ الأَرْوَاحِ وَلَهُ أَعْوَانٌ وَهَؤُلاءِ الأَرْبَعَةُ هُمُ الْمُقَسِّمَاتُ أَمْرًا. وَمِنْهُمْ كُتَّابٌ عَلَى بَنِي آدَمَ وَهُمُ الْمُعَقِّبَاتُ، مَلَكَانِ فِي اللَّيْلِ وَمَلَكَانِ فِي النَّهَارِ.
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابن أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ،
стр. 647
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الْمَلائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ، مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَقَالُوا تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَمِنْهُمْ مُوَكَّلٌ بِالشَّمْسِ، وَمِنْهُمْ مُوَكَّلٌ بِالْقَطْرِ، وَالرَّعْدُ صَوْتُ مَلَكٍ يَزْجُرُ السَّحَابَ، وَالْبَرْقُ ضَرْبُهُ إِيَّاهُ بِمَخَارِيقَ. وَمِنْهُمْ مُوَكَّلٌ بِالرِّيَاحِ وَالأَشْجَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَيْسَ مِنْ شَجَرَةٍ تَخْرُجُ إِلا مَعَهَا مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهَا.
وَمِنْهُمْ مَلائِكَةٌ سَيَّاحُونَ فِي الأَرْضِ يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، وَمَلائِكَةٌ يُبَلِّغُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ أُمَّتِهِ السَّلامَ، وَمَلائِكَةٌ مُوَكَّلُونَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِيَمْنَعُوا عَنْهَا الدَّجَّالَ إِذَا خَرَجَ.
وَمِنَ الْمَلائِكَةِ مَنْ هُوَ مَشْغُولٌ بِغَرْسِ شَجَرِ الْجَنَّةِ.
قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَفْتُرُ فَيُقَالُ لَهُ: مالك؟ فَيَقُولُ: فَتَرَ صَاحِبِي عَنِ الْعَمَلِ فَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: أَمِدُّوهُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ.
وَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مَلَكًا يَصُوغُ حِلْيَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مُنْذُ يَوْمِ خُلِقَ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ!
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ يَقُولُ:
إِنَّ للَّهِ مَلائِكَةً أَرْبَعَةً يُسَبِّحُونَ تَحْتَ الْعَرْشِ يُسَبِّحُ بِتَسْبِيحِهِمْ أَهْلُ السَّمَوَاتِ، يَقُولُ الْمَلَكُ الأَوَّلُ: سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ. وَيَقُولُ الثَّانِي: سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، وَيَقُولُ الثَّالِثُ: سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ.
وَقَالَ هَارُونُ بْنُ رِئَابٍ: حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ يَتَجَاوَبُونَ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ تَقُولُ أَرْبَعَةٌ: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ وَتَقُولُ الأَرْبَعَةُ الأُخَرُ: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ.
стр. 648
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا سُجُودٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَهْلَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ رُكُوعٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَهْلَ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ قِيَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ". وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ مَلَكًا نِصْفُهُ مِنْ نَارٍ وَنِصْفُهُ مِنْ ثَلْجٍ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَنْ أَلَّفَ بَيْنَ الثَّلْجِ وَالنَّارِ فَلا النَّارُ تُذِيبُ الثَّلْجَ ولا الثلج يطفىء النَّارَ، أَلِّفْ بَيْنَ عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ.
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(بَيْنَمَا الْمَرْءُ غَافِلٌ إِذْ أَتَاهُ ... مِنْ يَدِ الْمَوْتِ سَالِبٌ لا يُصَدُّ)
(فَتَأَهَّبْ لِمَا لَهُ كُلُّ نَفْسٍ ... عُرْضَةُ الأَسْرِ إِنَّمَا الأَمْرُ جَدُّ)
(خَابَ مَنْ كَانَ هَمُّهُ هَذِهِ الدُّنْيَا ... فَأَضْحَى مِنْ نَيْلِهَا يَسْتَمِدُّ)
(فَجَنَاهَا إِنْ أَسْعَدَتْ مُسْتَعَارٌ ... لَيْسَ مِنْ رَدِّهِ لِمَنْ نَالَ بُدُّ)
(كَمْ أَدَالَتْ مِنْ أَهْلِهَا وَأَزَالَتْ ... ذَا جَلالٍ مِنْ نِعْمَةٍ لا تُحَدُّ)
(بَدَّلَتْهُ مِنْ طِيبِ مَغْنَاهُ فَقْرًا ... عَادِمًا مَا حَوَى وَلَمْ يُغْنِ جِدُّ)
(أَيْنَ مَنْ كَانَ نَاعِمَ الْوَجْهِ أَضْحَى ... مَا لَهُ مِنْ نِهَايَةِ الْحُسْنِ ضِدُّ)
(قَدْ مَحَاهُ ثَرَاهُ حِينَ حَوَاهُ ... وَوَهَى مِعْصَمٌ وَكَفٌّ وَزَنْدُ)
(وَجَفَا أُنْسَهُ أَخٌ كَانَ بَرًّا ... وَصَدِيقٌ دَانَ وَصَحْبٌ وَجُنْدُ)
(وَاسْتَوَى فِي الْبِلَى رَئِيسٌ ومرؤوس ... وَأَعْيَا بِالأَسْرِ حُرٌّ وَعَبْدُ)
يَا غَافِلا قَدْ طُلِبَ، يَا مُخَاصِمًا قَدْ غُلِبَ، يَا وَاثِقًا قَدْ سُلِبَ، يَا حَازِمًا قَدْ خُلِبَ كَأَنَّهُ بِهِ قَدْ قُلِبَ، إِيَّاكَ وَالدُّنْيَا فَمَا الدُّنْيَا بمأمونة، وتزود للسفر فلا بد من مؤونة، إِذَا قَدَرْتَ عَلَى الْكَمَالِ فَلا تَرْضَ دُونَهُ، وَاصْدُقْ فِي أَمْرِكَ تَأْتِكَ الْمَعُونَةُ، أَيْنَ الْمَغْرُورُونَ بِغُرُورِهَا أَيْنَ الْمَسْرُورُونَ بِسُرُورِهَا؟ صَاحَ بِهِمُ الْمَوْتُ فَأَجَابُوا، وَاسْتَحْضَرَهُمُ الْبِلَى فَغَابُوا، ظَنُّوا بُلُوغَ الآمَالِ وَتَوَهَّمُوا، وَاعْتَقَدُوا دَوَامَ السَّلامَةِ فَلَمْ يَسْلَمُوا، وَأُعْلِمُوا بِالرَّحِيلِ وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يُعْلَمُوا، وَنَاوَلُوا أَنْفُسَهُمْ أَعِنَّةَ الْهَوَى وَسَلَّمُوا، كَمْ هَتَفَ بِهِمْ نَذِيرُ الْفِرَاقِ فَلَمْ يَفْهَمُوا، فَلَمَّا بَلَغُوا مُنْتَهَى الآجَالِ وَلَمْ يُظْلَمُوا، خَلَوْا فِي أَلْحَادِهِمْ بِمَا كَانُوا قَدَّمُوا.
стр. 649
(وَلَسْنَا بِأَبْقَى مِنْهُمْ غَيْرَ أَنَّنَا ... أَقَمْنَا قَلِيلا بَعْدَهُمْ وَتَقَدَّمُوا)
أُفٍّ لِنَفْسٍ تُؤْثِرُ مَا يُضِيرُهَا، مَا تَرْعَوِي وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهَا، مَا تُصْغِي إِلَى الْمَوَاعِظِ وَقَدْ قَالَ نَذِيرُهَا، أَمَا نَهَاهَا لَمَّا عَلاهَا قَتِيرُهَا، أَمَا لاحَ لِبَصَرِ الْبَصِيرَةِ مَصِيرُهَا، أَمَا يَرْجِعُ إِلَى الْعُقُولِ مُسْتَشِيرُهَا، أَتَقْدِرُ عَلَى نَفْسٍ إِنْ تَلِفَتْ تَسْتَعِيرُهَا؟ قُلْ لِهَذِهِ النَّفْسِ الْجَهُولَةِ فِي فِعْلِهَا وَيْحَهَا إِنَّمَا تَسْعَى فِي قَتْلِهَا، أَمَا لَهَا عِبَرٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَهَا، كَأَنَّهَا بِهَا تَبْكِي عَلَى الأَيَّامِ كُلِّهَا، إِذَا حَانَتِ الْمَنِيَّةُ وَبَعَثَتْ بَعْضَ رُسُلِهَا، وَعَبِثَتْ يَدُ الْقَاطِعِ بِمَوْصُولِ حَبْلِهَا، وَامْتَدَّتْ كَفُّ الأَجَلِ إِلَى عُرَى الأَمَلِ تَحُلُّهَا.
(تَسَاوَى النَّاسُ فِي طُرُقِ الْمَنَايَا ... فَمَا سَلِمَ الصَّرِيحُ وَلا الْهَجِينُ)
(تَدَيَّنَّا الْبَقَاءُ مِنَ اللَّيَالِي ... وَمِنْ أَرْوَاحِنَا تُوفَى الدُّيُونُ)
(كَأَنَّا قَدْ شَكَكْنَا فِي الْمَنَايَا ... وَعِنْدَ جَمِيعِنَا الْخَبَرُ الْيَقِينُ)
إِخْوَانِي: تَأَمَّلُوا الْعَوَاقِبَ تَأَمُّلَ مَنْ يُرَاقِبُ، وَتَفَكَّرُوا فِي النِّهَايَةِ فَعَيْنُ الْعَقْلِ تَرَى الْغَايَةَ، الْمَوْتُ قَرِيبٌ أَمِمٌ، كَمْ أَهْلَكَ مِنْ أُمَمٍ، لَقَدِ ارْتَهَنَ الذِّمَمَ وَتَشَبَّثَ بِاللَّمَمِ، فَيَا مَنْ سَتَخْلَقُ مِنْهُ الرِّمَمُ أَسَمَاعٌ أَمْ صَمَمٌ، مَنِ ارْتَحَلَ بِغَيْرِ الطَّبْعِ حَسُنَ وَحَزَمَ، مَنْ عَلِمَ شَرَفَ الْمَطْلُوبِ جَدَّ وَعَزَمَ، إِنَّمَا يَكُونُ الاجْتِهَادُ عَلَى قَدْرِ الْهِمَمِ، إِنَّمَا يُنَافَسُ فِي الْمَطْلُوبِ عَلَى حَسْبِ الْقِيَمِ:
(وَحُبُّ دُنْيَاكَ طَبْعٌ فِي الْمُقِيمِ بِهَا ... وَقَدْ مُنِّيتَ بِقَرْنٍ مِنْهُ غَلابُ)
(لَمَّا رَأَيْتَ سَجَايَا الدَّهْرِ تَرْحَضُنِي ... رَدَدْتَ قَدْرِي إِلَى صَبْرِي فَأَغْلَى بِي)
(وَالْعَقْلُ يَسْعَى لِنَفْسِي فِي مَصَالِحِهَا ... فَمَا لِطَبْعٍ إِلَى الآفَاتِ جَذَّابِ)
(احْذَرْ مِنَ النَّاسِ أَدْنَاهُمْ وَأَبْعَدَهُمْ ... وَإِنْ لَقُوكَ بِتَبْجِيلٍ وَتِرْحَابِ)
(كَلَّمْتُ بِاللَّحْنِ أَهْلَ اللَّحْنِ أُونِسُهُمْ ... لأَنَّ عَيْبِي عِنْدَ الْقَوْمِ إِعْرَابِي)
(عِنْدَ الْفَرَاقِدِ أَسْرَارِي مُخَبَّأَةٌ ... إِذْ لَسْتُ أَرْضَى لآرَابِي بِآرَابِ)
أَيُّهَا الشَّابُّ تَدَبَّرْ أَمْرَكَ فَإِنَّكَ فِي زَمَنِ الرِّبْحِ وَوَقْتِ الْبَذْرِ وَإِبَّانِ الْفَضَائِلِ، احْذَرْ أَنْ يَخْدَعَكَ الْعَدُوُّ عَنْ نَفِيسِ هَذَا الْجَوْهَرِ فَتُنْفِقُهُ بِكَفِّ التَّبْذِيرِ، تَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لَتَغْرِسَنَّ بِذَلِكَ شَجَرَةَ النَّدَامَةِ فَيَتَسَاقَطُ عَلَيْكَ مِنْ كُلِّ فَنَنٍ مِنْهَا فَنُّ
стр. 650
حَسْرَةٍ. وَاعْرِفْ قَدْرَ مَا تُؤَمِّنُ بِهِ هَذَا الْجَوْهَرَ مِنَ الْفَضَائِلِ، وَاحْذَرْ مِنَ اخْتِلاسِ الْعَدُوِّ لَهُ، فَصَابِرْ فَكَأَنْ قَدِ انْقَضَى الْمَوْسِمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ يُرَاصِدُكَ لِيَفْتِنَكَ وَقُوَّةُ الطَّبْعِ لَهُ عَلَيْكَ، وَالشَّبَابُ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ، فَاكْسَرْ عَادِيَةَ الْهَوَى بِوَهَنِ أَسْبَابِهِ.
وَقَالَ أَبُو مُوسَى: طُوبَى لِمَنْ وَفَّى شَرَّ شَبَابِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ ابن عَيَّاشٍ: وَدِدْتُ أَنَّهُ صَفَحَ لِي عَمَّا كَانَ فِي الشَّبَابِ وَأَنَّ يَدِي قُطِعَتْ!
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ جِهَادُ الشَّبَابِ وَمُخَالَفَةُ الطَّبْعِ صَعْبًا صَارَ الشَّابُّ التَّائِبُ حَبِيبَ اللَّهِ .
إِخْوَانِي: مَنْ رَأَى التَّنَاهِيَ فِي الْمَبَادِي سَلِمَ، وَمَنْ لَمْ يَرَ الْعَوَاقِبَ شَغَلَهُ مَا هُوَ فِيهِ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ.
يَا هَذَا: أَمَّا مَا قَدْ مَضَى مِنْ ذُنُوبِكَ فَلَيْسَ فِيهِ حِيلَةٌ إِلا التَّدَارُكَ، فَرُبَّ مُدْرِكٍ لِمَا فَات، الأَسَى بِالأَسَى، وَأَنَا أَضْرِبُ لَكَ مَثَلا لِتَحْذَرْ فِيمَا بَعْدُ جِنْسَ مَا كَانَ قَبْلُ: إِذَا رَاقَتِ
الْحَلْوَاءُ لِمَحْمُومٍ اعْتَرَكَ الْهَوَى وَالْعَقْلُ فَالْهَوَى يَنْظُرُ إِلَى الْعَاجِلِ وَالْعَقْلُ يَتَلَمَّحُ الْعَوَاقِبَ، فَإِنْ آثَرَ مَشُورَةَ الْعَقْلِ مَنَعَ نَفْسَهُ عَمَّا تَشْتَهِي نَظَرًا إِلَى مَا إِلَيْهِ الصَّبْرُ يَنْتَهِي، فَإِذَا زَالَتْ حِمَاهُ تَنَاوَلَ مِنْ غَيْرِ أَذًى مَا اشْتَهَاهُ، وَإِنِ اجْتَذَبَهُ رَائِقُ الْمُشْتَهَى فَأَنْسَاهُ الْمُنْتَهَى تَمَتَّعَ يَسِيرًا بِبُلُوغِ الْغَرَضِ فَزَادَ بِهِ ذَلِكَ الْمَرَضُ، وَرُبَّمَا تَرَقَّى إِلَى الْمَوْتِ وَلا تَدَارَكَ بَعْدَ الْفَوْتِ. فَيَا عَجَبًا لِمُخْتَارِ الْعَاجِلِ وَهُوَ يَعْلَمُ نَدَمَهُ فِي الآجِلِ، لَقَدْ ضَيَّعَ مَوْهِبَةَ الْعَقْلِ الَّذِي بِهِ شُرِّفَ الآدَمِيُّ، وَزَاحَمَ الْبَهَائِمَ فِي مَقَامِ النَّظَرِ إِلَى الْحَاضِرِ.
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الجاثية: الْجَالِسَةُ عَلَى الرُّكَبِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهَا غَيْرُ مُطْمَئِنَّةٍ، وَالأَقْدَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
стр. 651
مِثْلُ النَّبْلِ فِي الْجُعْبَةِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ يَجِدُ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إلى كتابها﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: كِتَابُ حَسَنَاتِهَا وَسَيِّئَاتِهَا. رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: كِتَابُهَا الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِهَا. ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الأَرْضُ كُلُّهَا نَارٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْجَنَّةُ مِنْ وَرَائِهَا يَرَوْنَ أَكْوَابَهَا وَكَوَاعِبَهَا، وَيَعْرَقُ الرَّجُلُ حَتَّى يَرْشَحَ عَرَقُهُ فِي الأَرْضِ قَامَةً ثُمَّ يَرْتَفِعُ إِلَى أَنْفِهِ وَمَا مَسَّهُ الْحِسَابُ بَعْدُ. قَالُوا: وَمِمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: مِمَّا يَرَى الناس يُصْنَعُ بِهِمْ. قِيلَ لَهُ: فَأَيْنَ الْمُؤْمِنُونَ؟ قَالَ: عَلَى كَرَاسِيٍّ قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِمْ بِالْغَمَامِ مَا طُولُ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَيْهِمْ إِلا كَسَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ.
يَا مَنْ قَدْ مَلأَ كِتَابَهُ بِالْقَبِيحِ وَهُوَ عَنْ قَلِيلٍ رَهْنَ الضَّرِيحِ، أَلا تَمْحُو قُبْحَ مَا سَطَّرْتَ، هَلا تَدَبَّرْتَ مَا تُمْلِي وَنَظَرْتَ، لَقَدْ سَوَّدْتَ الْكِتَابَ بِالزَّلَلِ، وَأَكْثَرُ مَا دَخَلَ الْمَنْطِقَ الدَّخَلُ، وَحَتَّامَ وَإِلامَ؟ أَبَقِيَ شَيْءٌ بَعْدَ وَهَنِ الْعِظَامِ؟
يَا دَائِمًا عَلَى هَجْرِهِ وَإِعْرَاضِهِ، يَا سَاعِيًا فِي هَوَاهُ وَأَغْرَاضِهِ، يَا مَنْ قَدْ أَخَذَ بِنَاءُ جِسْمِهِ فِي انْتِقَاضِهِ، عَلِيلَ الْخَطَايَا لا يَزَالُ فِي إِمْرَاضِهِ، هَذَا عَسْكَرُ الْمَمَاتِ قَدْ دَنَا بِارْتِكَاضِهِ، هَذَا بَرْقُ الْعِتَابِ قَدْ لَجَّ بِإِيمَاضِهِ، كَيْفَ قَدَرَ جَفْنُ الْعَاصِي عَلَى إِغْمَاضِهِ، كَيْفَ يَنْسَى مَا قَدْ مَاتَ قُدُمًا مِنْ أَبْعَاضِهِ، لَوْ سَمِعَ صَخْرُ الْفَلاةِ لَوْمَكَ أَوْ ذَاقَ الأَلَمَ مِنْ إِمْضَاضِهِ، لَعَادَتْ
جَلامِيدُ الْفَلا كَرَضْرَاضِهِ، يَا مَنْ يَعْلَمُ غَلَطَ عُذْرِهِ وَوَجْهَ إِدْحَاضِهِ، يَا سَاعِيًا إِلَى مَا يُؤْذِي بِرِكَاضِهِ، يَا هَاجِرًا نَصِيحَهُ لَيْتَهُ أَبْغَضَ قَبِيحَهُ كَإِبْغَاضِهِ، اسْتَقْرَضَ الْمَالِكُ بَعْضَ مَالِكَ وَتَقْعُدُ عَنْ إِقْرَاضِهِ، لَقَدْ أَنْذَرَكَ سَهْمُ الرَّدَى وُقُوعَهُ قَبْلَ إِنْبَاضِهِ، فَأَحَدَّ حَدَّ حَدِيدَتِهِ وَأَسَنَّهُ بِمِقْرَاضِهِ:
(بَادِرْ بِمَعْرُوفِكَ آفَاتَهُ ... فَبِنْيَةُ الدُّنْيَا عَلَى القلعة)
стр. 652
(وَازْرَعْ زُرُوعًا يُرْتَضَى رِيعُهَا ... يَوْمًا فَكُلٌّ حَاصِدٍ زَرْعَهْ)
أُفٍّ لِعَيْشٍ آخِرُهُ النَّدَامَةُ، آهٍ مِنْ سَفَرٍ نِهَايَتُهُ بِدَايَةُ الْقِيَامَةِ.
إِخْوَانِي: هَذَا نَذِيرُ الْمَوْتِ قَدْ غَدَا يَقُولُ: الرَّحِيلُ غَدًا، كَأَنَّكُمْ وَاللَّهِ وَالأَمْرَ مَعًا، طُوبَى لِمَنْ سَمِعَ فَوَعَى، كَيْفَ بِكُمْ إِذَا صَاحَ إِسْرَافِيلُ فِي الصُّورِ بِالصُّورِ، فَخَرَجْتَ تَسْعَى مِنْ تَحْتِ الْمَدَرِ، وَقَدْ رُجَّتِ الأَرْضُ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ، وَشَخَصَتِ الأَبْصَارُ لِتِلْكَ الأَهْوَالِ، وَطَارَتِ الصَّحَائِفُ فَقَلِقَ الْخَائِفُ وَشَابَ الصِّغَارُ، وَبَانَ الصَّغَارُ، وَزَفَرَتِ النَّارُ وَأَحَاطَتِ الأَوْزَارُ، وَنُصِبَ الصِّرَاطُ وَآلَمَتِ السِّيَاطُ، وَحَضَرَ الْحِسَابُ وَقَوِيَ الْعَذَابُ، وَشَهِدَ الْكِتَابُ وَتَقَطَّعَتِ الأَسْبَابُ، فَكَمْ مِنْ شَيْخٍ يَقُولُ: وَاشَيْبَتَاهْ، وَكَمْ مِنْ كَهْلٍ يُنَادِي: وَاخَيْبَتَاهْ، وَكَمْ مِنْ شَابٍّ يَصِيحُ: وَاشَبَابَاهْ، بَرَزَتِ النَّارُ فَأَحْرَقَتْ، وَزَفَرَتْ غَضَبًا فَمَزَّقَتْ، وَتَقَطَّعَتِ الأَفْئِدَةُ وَتَفَرَّقَتْ، وَقَامَتْ ضَوْضَاءُ الْجَدَلِ، وَأَحَاطَ بِصَاحِبِهِ الْعَمَلُ، وَالأَحْدَاقُ قَدْ سَالَتْ وَالأَعْنَاقُ قَدْ مَالَتْ، وَالأَلْوَانُ قَدْ حَالَتْ، وَالْمِحَنُ قَدْ تَوَالَتْ، أَيْنَ عُدَّتُكَ لِذَلِكَ الزَّمَانِ، أَيْنَ تَصْحِيحُ الْيَقِينِ وَالإِيمَانِ، أَتَرْضَى يَوْمَئِذٍ بِالْخُسْرَانِ؟ أَمَا تَعْلَمُ أَنَّكَ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ؟
كَمْ فِي كِتَابِكَ مِنْ زَلَلٍ، كَمْ فِي عَمَلِكَ مِنْ خَلَلٍ، هَذَا وَقَدْ قَرُبَ الأَجَلُ، إِي وَاللَّهِ أَجَلْ، كَمْ ضَيَّعْتَ وَاجِبًا وَفَرْضًا وَنَقَضْتَ عَهْدًا مُحْكَمًا نَقْضًا، وَأَتَيْتَ حَرَامًا صَرِيحًا مَحْضًا، يَا أَجْسَادًا صِحَاحًا فِيهَا قُلُوبٌ مَرْضَى.
عِبَادَ اللَّهِ: أَطْوَلُ النَّاسِ حُزْنًا فِي الدُّنْيَا أَكْثَرُهُمْ فَرَحًا فِي الآخِرَةِ، وَأَشَدُّ النَّاسِ خَوْفًا فِي الدُّنْيَا أَكْثَرُهُمْ أَمْنًا فِي الآخِرَةِ. يَقُولُ اللَّهُ : " أَنَا لا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلا أَمْنَيْنِ، إِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ فِي الآخِرَةِ ".
إِخْوَانِي: الْمُؤْمِنُ يَتَقَلَّبُ فِي الدُّنْيَا عَلَى جَمَرَاتِ الْحَذَرِ فِي نِيرَانِ الْخَوْفِ، يَرْهَبُ الْعَاقِبَةَ، وَيَحْذَرُ الْمُعَاقَبَةَ، فَالنَّارُ مُتَمَكِّنَةٌ مِنْ سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ، إِنْ هُوَ هَفَا تَوَقَّدَتْ فِي بَاطِنِهِ نَارُ النَّدَمِ، وَإِنْ تَذَّكَرَ ذَنْبًا اضْطَرَمَتْ نَارُ الْحَزَنِ، وَإِنْ تَفَكَّرَ فِي مُنْقَلَبِهِ الْتَهَبَتْ نَارُ الْحَذَرِ، وَإِنْ صَفَا قَلْبُهُ لِمَحَبَّةِ خَالِقِهِ صَارَ الْقَلْبُ جَمْرَةً بِنَارِ الْفَرَقِ، فَإِذَا
стр. 653
وَرَدَ الْقِيَامَةَ عَادَتْ نَارُهُ نُورًا يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ، فَإِذَا جَازَ عَلَى الصِّرَاطِ لَمْ تُقَاوِمْ نَارُ التَّعْذِيبِ نِيرَانَ التَّهْذِيبِ، فَتُنَادِي بِلِسَانِ الاعْتِرَافِ بِالتَّفْضِيلِ: جُزْ فَقَدْ أَطْفَأَ نُورُكَ لَهَبِي!
فَإِنْ هُوَ حَضَرَ الْقِيَامَةَ عَلَى زَلَلٍ لَمْ تَصْدُقْ تَوْبَتُهُ مِنْهُ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ خُمُودَ نُورِهِ فَقَدْ خَبَتْ نَارُ حَذَرِهِ فِي بَاطِنِ قَلْبِهِ، فَإِذَا لَفَحَتْهُ جَهَنَّمُ فَأَحْرَقَتْ ظَاهِرَهُ أَحَسَّتْ بِأَثَرِ شُعْلَةِ الْخَوْفِ فِي بَاطِنِهِ فَكَفَّتْ كَفَّهَا عَنْهُ. فَلَوْ قِيلَ لَهَا أَيْنَ شِدَّةُ شِدَّتِكَ وَأَيْنَ حَدِيدَةُ حِدَّتِكَ لَقَالَتْ: لا مُقَاوَمَةَ لِي بِنِيرَانِ بَاطِنِهِ وَإِنْ قُلْتُ:
(يَحْرِقُ بِالنَّارِ مَنْ يُحِسُّ بِهَا ... فَمَنْ هُوَ النَّارُ كَيْفَ يَحْتَرِقُ)
هَذِهِ صِفَةُ الْمُؤْمِنِ فَأَيْنَ إِيمَانُكَ هَذَا لِذِي الْحَسَنَاتِ وَقَدْ خَسَرَ مِيزَانُكَ، شَأْنُكَ الْخَطَايَا
فَهَلا قَرْحٌ شَانَكَ يَا مُهْمِلا نَفْسَهُ سَيَشْهَدُ جِلْدُكَ وَمَكَانُكَ، الْيَقَظَةَ الْيَقَظَةَ يَا نِيَامُ، الْحَذَرَ الْحَذَرَ فَقَدْ سُلَّ الْحُسَامُ، الزُّهْدَ الزُّهْدَ قَبْلَ الْفِطَامِ، كَأَنَّكُمْ بِكُمْ فِي أَثْوَابِ السِّقَامِ تَرُومُونَ الْخَلاصَ وَقَدْ عَزَّ الْمَرَامُ، فَسَتَنْدَمُونَ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الآثَامِ، وَتَخْرَسُ الأَلْسُنُ وَيَنْقَطِعُ الْكَلامُ.
إِخْوَانِي: أَحْضِرُوا الْقُلُوبَ لِهَذا الْمَلامِ، تَاللَّهِ مَا أَكْرَمَ نَفْسَهُ مَنْ لا يُهِينُهَا، وَلا يَزِينُهَا مَنْ لا يَشِينُهَا.
دَخَلَ عُثْمَانُ ﵁ عَلَى غُلامٍ لَهُ يُعْلِفُ نَاقَتَهُ فَرَأَى فِي عَلَفِهَا مَا كَرِهَ فَأَخَذَ بِأُذُنِ غُلامِهِ فَعَرَكَهَا ثُمَّ نَدِمَ فَقَالَ: افْعَلْ بِي مَا فَعَلْتُ بِكَ، فَأَبَى الْغُلامُ فَلَمْ يَدَعْهُ حَتَّى فَعَلَ فَجَعَلَ عُثْمَانُ ﵁ يَقُولُ لَهُ: شُدَّ شُدَّ. حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنْهُ مِثْلُ مَا بَلَغَ ثُمَّ قَالَ عُثْمَانُ: وَاهًا لِقِصَاصِ الدُّنْيَا قَبْلَ قِصَاصِ الآخِرَةِ.
كَانَ الْقَوْمُ تَحْتَ حَجْرِ الْمُحَاسَبَةِ وَكَأَنَّكَ مُطْلَقٌ.
كَانَ ابْنُ السَّمَّاكِ يَقُولُ: أَلا مُنْتَبِهٌ مِنْ رَقْدَتِهِ، أَلا مُسْتَيْقِظٌ مِنْ غَفْلَتِهِ، أَلا مُفِيقٌ مِنْ سَكْرَتِهِ، أَلا خَائِفٌ مِنْ صَرْعَتِهِ، أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَوْ رَأَيْتَ الْقِيَامَةَ تَخْفِقُ
стр. 654
بِزَلازِلِ أَهْوَالِهَا وَقَدْ عَلَتِ النَّارُ مُشْرِفَةً عَلَى أَهْلِهَا وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ لَسَرَّكَ أَنْ يَكُونَ لَكَ فِي ذَلِكَ الْجَمْعِ مَنْزِلَةٌ وَزُلْفَى.
أَبَعْدَ الدُّنْيَا دَارُ مُعْتَمَلٍ، أَمْ إِلَى غَيْرِ الآخِرَةِ مُنْتَقَلٌ؟ كَلا وَاللَّهِ لَقَدْ صُمَّتِ الأَسْمَاعُ عَنِ الْمَوَاعِظِ وَذَهِلَتِ الْقُلُوبُ عَنِ الْمَنَافِعِ.
وَعَظَ أَعْرَابِيٌّ ابْنَهُ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنَّهُ مَنْ خَافَ الْمَوْتَ بَادَرَ الْفَوْتَ، وَمَنْ لَمْ يَكْبَحْ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ أَسْرَعَتْ بِهِ التَّبِعَاتُ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ أَمَامَكَ.
(فَيَا لَيْتَنِي هَامِدًا لا أَقُومُ ... إِذَا نَهَضُوا يَنْفُضُونَ اللَّمَمْ)
(وَنَادَى الْمُنَادِي عَلَى غَفْلَةٍ ... فَلَمْ يَبْقَ فِي أُذُنٍ مِنْ صَمَمْ)
(وَجَاءَتْ صَحَائِفُ قَدْ ضُمِّنَتْ ... كَبَائِرَ آثَامِهِمْ وَاللَّمَمْ)
(
سَجْعٌ)
يَا أَسَفَا لِلْعُصَاةِ فِي مَآبِهَا، إِذَا قَلِقَتْ لِقَطْعِ أَسْبَابِهَا، وَغَابَتْ فِي الأَسَى عِنْدَ حُضُورِ عتابها ﴿كل أمة تدعى إلى كتابها﴾ . قَامَتِ الأُمَمُ عَلَى أَقْدَامِهَا فَأَقَامَتْ تَبْكِي عَلَى إِقْدَامِهَا، وَسَالَتْ عُيُونٌ مِنْ عُيُونِ غَرَامِهَا نَدَمًا على آثامها في أيامها واحتقابها ﴿كل أمة تدعى إلى كتابها﴾ .
ظَهَرَتْ أَهْوَالٌ لا تُوصَفُ، وَبَدَتْ أُمُورٌ لا تُعْرَفُ، وَكُشِفَ حَالاتٌ لَمْ تَكُنْ تُكْشَفُ، إِنْ لَمْ تَنْتَبِهْ لِهَذَا فَأَنْتَ أَعْرَفُ، سَتَعْلَمُ مَنْ يَلُومُ نَفْسَهُ عِنْدَ عَذَابِهَا ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إلى كتابها﴾ قُيِّدَتْ جَهَنَّمُ فَبَدَتْ بِأَزِمَّتِهَا، فَبَكَتِ النُّفُوسُ عَلَى دَنَاءَةِ هِمَّتِهَا، كَمْ مِنْ دُيُونٍ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهَا، عَلَى أَنَّهُ يَكْفِيهَا مَا بِهَا ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تدعى إلى كتابها﴾ .
أَنْتَ تَدْرِي مَا فِي كِتَابِكَ، وَسَتَبْكِي وَاللَّهِ عِنْدَ عِتَابِكَ، وَسَتَعْلَمُ حَالَكَ يَوْمَ حِسَابِكَ، إِذَا كَلَّتْ كُلُّ الأَلْسُنِ عَنْ جَوَابِهَا ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تدعى إلى كتابها﴾ يَا لَهُ يَوْمٌ لا كَالأَيَّامِ، تَيَقَّظَ فِيهِ مَنْ غَفِلَ وَنَامَ، وَيَحْزَنُ كُلُّ مَنْ فَرِحَ فِي الآثَامِ وَتَيَقَّنَ أَنَّ أَحْلَى مَا كُنْتَ فِيهِ أَحْلامٌ، وَاعَجَبًا لِضَحِكِ نَفْسٍ الْبُكَاءُ أَوْلَى بها ﴿كل أمة
стр. 655
تدعى إلى كتابها﴾ .
كَمْ مِنْ نَفْسٍ تَرَى بِعَيْنِ الصَّلاحِ تَفْعَلُ الْخَيْرَ فِي الْمَسَاءِ وَالصَّبَاحِ، عَمِلَتْ أَعْمَالا تَرْجُو بِهَا الْفَلاحَ، فَلاحَ لَهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهَا ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ .
ذَكَّرَ اللَّهُ نُفُوسَنَا مُرَّ شَرَابِهَا، وَجَعَلَنَا مِمَّنْ مَدَّ بَاعَ التَّقْوَى فَبَاعَ وَشَرَى بِهَا، وَحَفِظَنَا إِذَا حَارَتِ النُّفُوسُ لِشِدَّةِ أَوْصَابِهَا، وَرَزَقَنَا قَبُولَ مَوْعِظَتِهِ فَقَدْ أَوْصَى بِهَا ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إلى كتابها﴾ .
стр. 656
الْمَجْلِسُ الثَّالِثُ
فِي ذِكْرِ الأَرْضِ وَعَجَائِبِهَا
الْحَمْدُ للَّهِ الْقَدِيمِ فِي مَجْدِهِ، الْكَرِيمِ فِي رِفْدِهِ، الرَّحِيمِ فَكُلُّ خَيْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، اللَّطِيفِ فِي كُلِّ حَالٍ بِعَبْدِهِ، مَدَّ الأَرْضَ بِقُدْرَتِهِ وَالْعَجَبُ فِي مَدِّهِ، وَزَيَّنَهَا بِنَبَاتِهَا وَأَلْوَانِ وَرْدِهِ، وَسَقَاهَا كَأْسَ الْقَطْرِ بِوَاسِطَةِ بَرْقِهِ وَرَعْدِهِ، وَجَمَعَ فِي الْغُصْنِ الْوَاحِدِ بَيْنَ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ، وَقَوَّمَ الثِّمَارَ بِالْمَاءِ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ وَبَرْدِهِ، إِلَهٌ خَوَّفَ بِوَعِيدِهِ وَشَوَّقَ بِوَعْدِهِ، وَقَدَّرَ فَاهْتَدَى مَنْ هَدَاهُ وَضَلَّ مَنْ لَمْ يَهْدِهِ، وَسَمِعَ فَلَمْ يَعْزُبْ عَنْ سَمْعِهِ صَوْتُ الْمُضْطَرِّ بَعْدَ جَهْدِهِ، وَأَبْصَرَ فَرَأَى جَرَيَانَ دَمِ الْعَبْدِ فِي عِرْقِهِ وَجِلْدِهِ، وَعَلِمَ مَا فِي بَاطِنِ سِرِّهِ مِنْ بِرِّهِ وَحِقْدِهِ، وَعَزْمِهِ وَحَزْمِهِ، وَبُغْضِهِ وَوُدِّهِ، وَغَمِّهِ وَفِكْرِهِ، وَعِلْمِهِ وَقَصْدِهِ، وَحِلْمِهِ وَحُبِّهِ وَزُهْدِهِ، وَلَفِّهِ وَنَقْضِهِ، وَأَخْذِهِ وَرَدِّهِ، وَقَدَّرَ أَعْمَالَهُ فِي حَيَاتِهِ وَحَالَهُ فِي لَحْدِهِ، وَجَعَلَ فِي الْحِكْمَةِ نِسْيَانَ أَهْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَإِنْ كَانَ صَالِحًا عَبِقَ فِي قَبْرِهِ نَشْرُ وَرْدِهِ، وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا خُلِّيَ بقبيحه وخطىء بِبُعْدِهِ، فَسُبْحَانَ مَنْ لا يَعْتَرِضُ الْعَقْلُ عَلَى أَفْعَالِهِ بَلْ يَقِفُ عَلَى حَدِّهِ ﴿وَإِنْ مِنْ شيء إلا يسبح بحمده﴾ .
أَحْمَدُهُ حَمْدًا لا يَقْدِرُ الْخَلائِقُ عَلَى عَدِّهِ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ وَعَبْدِهِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي كَانَ الإِسْلامُ مُنْحَلا لَوْلا قُوَّةُ شَدِّهِ، وَعَلَى عُمَرَ وَحِيدِ التَّدْبِيرِ فِي السِّيَاسَةِ وَفَرْدِهِ، وَعَلَى عُثْمَانَ قَائِمِ اللَّيْلِ وَالدَّمْعُ يَجْرِي عَلَى خَدِّهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْمُصَلِّي مَعَ الرَّسُولِ قَبْلَ بُلُوغِ رُشْدِهِ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي أَخَذَ لَهُ الْبَيْعَةَ عَلَى جُنْدِهِ.
стр. 657
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رواسي وأنبتنا فيها من كل شي موزون﴾ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ فَكَانَ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ، وَخَلَقَ الْحُوتَ فَوْقَ الْمَاءِ ثُمَّ كَبَسَ الأَرْضَ عَلَيْهِ فَاضْطَرَبَ النُّونُ فَمَادَتِ الأَرْضُ، فَأُثْبِتَتْ بِالْجِبَالِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ: أَخْرَجَ اللَّهُ مِنَ الْمَاءِ دُخَانًا سَمَا عَلَيْهِ فَسَمَّاهُ سَمَاءً، ثُمَّ أَيْبَسَ الْمَاءَ فَجَعَلَهُ أَرْضًا وَاحِدَةً، ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعَ أَرْضِينَ، فَالأَرْضُ عَلَى حُوتٍ فِي الْمَاءِ، وَالْمَاءُ عَلَى ظَهْرِ صَفَاةٍ، وَالصَّفَاةُ عَلَى ظَهْرِ مَلَكٍ، وَالْمَلَكُ عَلَى صَخْرَةٍ، وَالصَّخْرَةُ وَالْحُوتُ فِي الرِّيحِ قَالَ وَهْبٌ: وَاسْمُ الْحُوتِ بهموتُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: عُمْرَانُ الأَرْضِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ فَرْسَخٍ فِي مِثْلِهَا، فَالسِّنْدُ وَالْهِنْدُ مِنْ ذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَرْسَخٍ فِي مِثْلِهَا، وَهُمْ وَلَدُ حَامٍ، وَالصِّينُ ثَمَانِيَةُ آلافِ فَرْسَخٍ فِي مِثْلِهَا وَهُمْ وَلَدُ يَافِثَ. وَالرُّومُ ثَلاثَةُ آلافِ فَرْسَخٍ فِي مِثْلِهَا، وَالْعَرَبُ أَلْفُ فَرْسَخٍ وَهُمْ وَالرُّومُ جَمِيعًا مِنْ وَلَدِ سَامٍ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَأَلْقَاهَا عَلَيْهَا فَاسْتَقَرَّتْ، فَتَعَجَّبَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ خَلْقِ الْجِبَالِ فَقَالَتْ: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْجِبَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ الْحَدِيدُ. قَالَتْ: يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ النَّارُ. قَالَتْ: يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمْ الْمَاءُ قَالَتْ: يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ الرِّيحُ. قَالَتْ يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟ قَالَ: نَعَمْ ابْنُ آدَمَ يَتَصَدَّقُ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا عَنْ شِمَالِهِ ".
قَالَ الْعُلَمَاءُ: أَوَّلُ جَبَلٍ وُضِعَ عَلَى الأَرْضِ جَبَلُ أَبِي قُبَيْسٍ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ بَنَى فِيهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو قُبَيْسٍ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ
стр. 658
الأَمِينُ لأَنَّ الرُّكْنَ كَانَ
مُسْتَوْدَعًا فِيهِ مِنْ زَمَانِ الطُّوفَانِ، وَهُوَ أَحَدُ الأَخْشَبَيْنِ. وَمِنْ مَشَاهِيرِ الْجِبَالِ جَبَلُ ثَوْرٍ بِمَكَّةَ، وَالْحَجُونُ جَبَلٌ وَاحِدٌ بِالْمَدِينَةِ، وَجَبَلُ الْعَرْجِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ يَمْضِي إِلَى الشَّامِ حَتَّى يَتَّصِلَ بِلُبْنَانَ ثُمَّ يَتَّصِلَ بِجِبَالِ أَنْطَاكِيَةَ وَالْمِصِّيصَةِ، فَيُسَمَّى هُنَالِكَ اللُّكَامَ. وَفِي سَرَنْدِيبَ الْجَبَلُ الَّذِي أُهْبِطَ عَلَيْهِ آدَمُ وَعَلَيْهِ الْعُودُ وَالْفُلْفُلُ وَفِيهِ دَابَّةُ الْمِسْكِ، وَجَبَلُ الرُّومِ الَّذِي سَدَّ فِيهِ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَلَى يَأْجُوجَ ومأجوج طوله سبعمائة فَرْسَخٍ وَيَنْتَهِي إِلَى الْبَحْرِ الْمُظْلِمِ.
وَقَدْ ذَكَرَ قُدَامَةُ أَنَّ الَّذِي وُجِدَ فِي الإِقْلِيمِ الأَوَّلِ مِنَ الْجِبَالِ تِسْعَةَ عَشَرَ، وَفِي الإِقْلِيمِ الثَّانِي سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ جَبَلا، وَفِي الإِقْلِيمِ الثَّالِثِ أَحَدٌ وَثَلاثُونَ، وَفِي الرَّابِعِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَفِي الْخَامِسِ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَفِي السَّادِسِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَفِي السَّابِعِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَيْضًا. فَجَمِيعُ مَا عُرِفَ مِنَ الْجِبَالِ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَتِسْعُونَ جَبَلا. وَقَدْ أحصيت المعادن كالجص والنورة فوجدوها سبعمائة مَعْدِنٍ.
وَالأَقَالِيمُ سَبْعَةٌ: فَالإِقْلِيمُ الأَوَّلُ: الْهِنْدُ، وَالثَّانِي: الْحِجَازُ، وَالثَّالِثُ: مِصْرُ، وَالرَّابِعُ بَابِلُ، وَالْخَامِسُ: الرُّومُ، وَالسَّادِسُ التُّرْكُ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَالسَّابِعُ: الصِّينُ وَمِقْدَارُ كل إقليم سبعمائة فَرْسَخٍ. وَالْبَحْرُ الأَعْظَمُ مُحِيطٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ يُحِيطُ بِهِ جَبَلُ قَافٍ. وَأَمَّا الأَنْهَارُ فَمِنْهَا النِّيلُ وَالْفُرَاتُ وَدِجْلَةُ وَسَيْحَانُ وَجَيْحَانُ.
وَكَانَ قَدْ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَانْيَالَ ﵇: احْفِرْ لِي نَهْرَيْنِ بِالْعِرَاقِ فَقَالَ: إِلَهِي بِأَيِّ مِسَاحٍ وَبِأَيِّ رِجَالٍ؟ فَأَوْحَي إِلَيْهِ أَنْ أَعِدَّ سَكَّةَ حَدِيدٍ وَعَرِّضْهَا وَاجْعَلْهَا فِي خَشَبَةٍ فَأَلْقِهَا خَلْفَ ظَهْرِكَ فَإِنِّي بَاعِثٌ إِلَيْكَ الْمَلائِكَةَ يُعِينُونَكَ فَحَفَرَ فَكَانَ إِذَا انْتَهَى إِلَى أَرْضِ أَرْمَلَةٍ أَوْ يَتِيمٍ حَادَ عَنْهَا حَتَّى حَفَرَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتَ.
وَمِنَ الْعَجَائِبِ فِي الدُّنْيَا: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي وُصِفَتْ فِي الدُّنْيَا أَرْبَعٌ: مَنَارَةُ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ عَلَيْهَا مِرْآةٌ حَدِيدٌ يَقْعُدُ
стр. 659
الْقَاعِدُ تَحْتَهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَيَرَى مَنْ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَبَيْنَهُمَا عَرْضُ الْبَحْرِ. وَسُودَانِيٌّ مِنْ نُحَاسٍ عَلَى قَضِيبٍ
مِنْ نُحَاسٍ عَلَى بَابِ الشَّرْقِيِّ بِرُومِيَّةَ. فَإِذَا كَانَ أَوَانُ الزَّيْتُونِ صَفَّرَ ذَلِكَ السُّودَانِيُّ فَلا يَبْقَى سُودَانِيَّةٌ إِلا جَاءَتْ مَعَهَا بِثَلاثِ زَيْتُونَاتٍ: زَيْتُونَتَانِ فِي رِجْلَيْهَا وَزَيْتُونَةٌ فِي مِنْقَارِهَا فَأَلْقَتْهُ عَلَى ذَلِكَ السُّودَانِيِّ فَتَحْمِلُ أَهْلُ رُومِيَّةَ فَيَعْصِرُونَ مَا يَكْفِيهِمْ لِسَرْجِهِمْ وَإِدَامِهِمْ إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ. وَرَجُلٌ مِنْ نُحَاسٍ بِأَرْضِ الْيَمَنِ مَادٌّ يَدَهُ إِلَى وَرَاءُ يَقُولُ: لَيْسَ وَرَائِي مَذْهَبٌ وَلا مَسْلَكٌ، وَهِيَ أَرْضٌ رَجْرَاجَةٌ لا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهَا الأَقْدَامُ غَزَاهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ نَمْلٌ كَالْبَخَاتِيِّ فَكَانَتِ النَّمْلَةُ تَخْطَفُ الْفَارِسَ عَنْ فَرَسِهِ. وَبَطَّةٌ مِنْ نُحَاسٍ عَلَى عَمُودٍ مِنْ نُحَاسٍ فِيمَا بَيْنَ الْهِنْدِ وَالصِّينِ. فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ شَرِبَتِ الْبَطَّةُ مِنَ الْمَاءِ حَاجَتَهَا وَمَدَّتْ مِنْقَارَهَا فَيَفِيضُ مِنْ فِيهَا مِنَ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِمْ لِزُرُوعِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: أَوَّلُ مَنْ سَكَنَ الأَرْضَ الْجِنَّ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ، ثُمَّ تَنَاوَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْقَتْلِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْجِنُّ ضُعَفَاءُ الْجَانِّ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: مَلَكَ الأَرْضَ كُلَّهَا أَرْبَعَةٌ: مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنَانِ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وذو القرنين ﵉. والكافران: نمرود وبخت نصر.
وَقَالَ كَعْبٌ: سَاكِنُ الأَرْضِ الثَّانِيَةِ الرِّيحُ الْعَقِيمُ، وَسَاكِنُ الأَرْضِ الثَّالِثَةِ حِجَارَةُ جَهَنَّمَ، وَفِي الرَّابِعَةِ كِبْرِيتُ جَهَنَّمَ، وَسَاكِنُ الأَرْضِ الْخَامِسَةِ حَيَّاتُ جَهَنَّمَ، وَسَاكِنُ الأَرْضِ السَّادِسَةُ عَقَارِبُ جَهَنَّمَ، وَفِي السَّابِعَةِ إِبْلِيسُ مُوثَقٌ يَدٌ أَمَامَهُ وَيَدٌ خَلْفَهُ وَرَجُلٌ أَمَامَهُ وَرَجُلٌ خَلْفَهُ فَتَأْتِيهِ جُنُودُهُ بِالأَخْبَارِ فِي مَكَانِهِ ذَلِكَ.
فَأَمَّا الْجِنُّ فَهُمْ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ: جَانٌّ وَجِنٌّ وَشَيَاطِينُ. وَكُلُّهُمْ خُلِقُوا قَبْلَ آدَمَ. وَفِي الْجَانِّ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَبُو الْجِنِّ. رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ. وَالْمَارِجُ: لِسَانُ النَّارِ الَّذِي يَكُونُ فِي طَرَفِها إِذَا الْتَهَبَتْ. وَالثَّانِي: أَنَّ
الْجَانَّ هُوَ إِبْلِيسُ. قَالَهُ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْجَانَّ مَسِيخُ الْجِنِّ كَمَا أَنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ مَسِيخُ الإِنْسِ. رَوَاهُ
стр. 660
عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
فَأَمَّا الشَّيْطَانُ فَهُوَ كُلُّ مُتَجَبِّرٍ عَاتٍ مِنَ الْجِنِّ، وَكَذَلِكَ الْمَارِدُ وَالْعِفْرِيتُ. وَفِي إِبْلِيسَ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَشْرَافِ الْمَلائِكَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ مِنَ الجن. قال مجاهد: لإبليس خمسة أولاد: نبر والأعور ومسوط وداسم وزلنبور. فأما نبر فَهُوَ صَاحِبُ الْمَصَائِبِ يَأْمُرُ بِشَقِّ الْجُيُوبِ وَلَطْمِ الْخُدُودِ، وَأَمَّا الأَعْوَرُ فَيَأْمُرُ بِالزِّنَا، وَمِسْوَطٌ صَاحِبُ الْكَذِبِ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيُخْبِرُهُ بِالشَّيْءِ فَيَتَحَدَّثُ الرَّجُلُ بِهِ، وَدَاسِمٌ يُوقِعُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَأَهْلِهِ، وَزَلَنْبُورٌ يَرْكُزُ رَايَتَهُ فِي السُّوقِ وَيُوقِعُ بَيْنَهُمْ.
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(أَضْحَكَ سِنَّكَ بُعْدُ الأَمَلِ ... وَلَمْ يَبْكِ عَيْنُكَ قُرْبَ الأَجَلْ)
(كَأَنَّكَ لَمْ تَرَ حَيًّا يُسَاقُ ... وَلَمْ تَرَ مَيِّتًا عَلَى مُغْتَسَلْ)
قُلْ لِلَّذِينَ غَفِلُوا وَلَعِبُوا كَأَنَّهُمْ قَدْ تَعِبُوا، مَا لَهُمْ عِبْرَةٌ فِي الَّذِينَ ذَهَبُوا، أَمَا الْكَأْسُ بِيَدِ السَّاقِي وَمِنْهُ شَرِبُوا.
(سَيْرُ اللَّيَالِي إِلَى أَعْمَارِنَا خَبَبٌ ... فَمَا تَبِينُ وَلا يَعْتَاقُهَا نَصَبُ)
(كَيْفَ النَّجَاءُ وَأَيْدِيهَا مُصَمِّمَةٌ ... بِذَبْحِنَا بِمُدًى لَيْسَتْ لَهَا نُصَبُ)
(وَهَلْ يُؤَمِّلْ نَيْلَ الشَّمْلِ مُلْتَئِمًا ... سَفَرٌ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ رِحْلَةٌ عَجَبُ)
(وَمَا إِقَامَتُنَا فِي مَنْزِلٍ هَتَفَتْ ... فِيهِ بِنَا مُذْ سَكَنَّا رَبْعُهُ نُوَبُ)
(وَآذَنَتْنَا وَقَدْ تَمَّتْ عِمَارَتُهُ ... بِأَنَّهُ عَنْ قَلِيلٍ دَاثِرٍ خَرِبُ)
(أَزْرَتْ بِنَّا هَذِهِ الدُّنْيَا فَمَا أَمَلٌ ... إِلا لِرَيْبِ الْمَنَايَا عِنْدَهُ أَرِبُ)
(لَيْسَتْ سِهَامُ الْمَوْتِ طَائِشَةً ... وهل تطيش سهام كله نُصُبُ)
(وَنَحْنُ أَغْرَاضُ أَنْوَاعِ الْبَلاءِ بِهَا ... قَبْلَ الْمَمَاتِ فَمَرْمِيٌّ وَمُرْتَقَبُ)
(أَيْنَ الَّذِينَ تَنَاهَوْا فِي ابْتِنَائِهِمُ ... صَاحَتْ بِهِمْ نَائِبَاتُ الدَّهْرِ فَانْقَلَبُوا)
انْتَبِهُوا يَا نِيَامُ، افْهَمُوا هَذَا الْكَلامَ، قَدْ بَقِيَتْ لَكُمْ أَيَّامٌ، هَذَا عُودُ الْحَيَاةِ قَدْ
стр. 661
يَبِسَ، وَنُورُ الشَّبَابِ بِالشَّيْبِ مُنْطَمِسٌ، وَلِسَانُ الْفَرَحِ بِالتَّرَحِ قَدْ خَرِسَ، وَسَوَاءٌ فِي الْمَوْتِ الْمُهْمِلُ وَالْمُحْتَرِسُ، وَلا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ اللَّيِّنِ وَالشَّرِسِ. إِخْوَانِي: كَمْ رَأَيْتُمْ مِنْ قَبْرٍ مُنْدَرِسٍ، إِخْوَانِي: كَمْ تُلِيَ عَلَيْكُمْ زَجْرٌ وَدَرْسٌ. إِخْوَانِي: كَأَنَّكُمْ فِي كَفِّ الْمُخْتَلِسِ، إِنَّمَا هُوَ نَفَسٌ مُنْطَلِقٌ وَكَأَنْ قَدْ حُبِسَ، تُرَى مَتَى يَنْقَى هَذَا الْقَلْبُ الدَّنِسُ، إِلَى كَمْ ذَا الْمَرِيضُ كُلَّ يَوْمٍ يَنْتَكِسُ، إِنَّمَا أَنْتَ بَقِيَّةُ الرَّاحِلِينَ فَاعْتَبِرْ بِهِمْ وَقِسْ:
(نَائِبَاتٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَنُوبُ ... وَخُطُوبٌ تَأْتِي وَتَمْضِي خُطُوبُ)
(مَا عَجِيبٌ مَكْرُ الزَّمَانِ وَلَكِنْ ... ثِقَةُ النَّفْسِ بِالزَّمَانِ عَجِيبُ)
(كَمْ دَعَتْنِي إِلَى زَخَارِفِهَا الدُّنْيَا ... فَنَادَتْ مِنِّي الَّذِي لا يُجِيبُ)
(وَمَتَى سَامَحَتْ خَلِيلا بِحَظٍّ ... خَالَفَتْهَا فَاسْتَرْجَعَتْهُ الْخُطُوبُ)
(كَمْ إِلَى كَمْ نَذُودُ عَنْهَا وَنَنْهَى ... غَيْرَ أَنَّ الْقُلُوبَ مَا تَسْتَجِيبُ)
(وَصَلاحُ الأَجْسَامِ سَهْلٌ وَلَكِنْ ... فِي صَلاحِ الْقُلُوبِ يُعْيَى الطَّبِيبُ)
الدُّنْيَا بَحْرٌ عُجَاجٌ، لَيْسَ رَاكِبُهُ بِنَاجٍ، الدُّنْيَا كَظُلْمَةِ لَيْلٍ دَاجٍ، لَيْسَ فِيهَا إِلا الزُّهْدُ سِرَاجٌ، هُدُوءُهَا انْزِعَاجٌ وَسُكُونُهَا اخْتِلاجٌ، ضَيِّقَةُ الْفِجَاجِ كَدِرَةُ الْمِزَاجِ، لا تَغُرَّنَّكَ وَلَوْ أَلْبَسَتْكَ التَّاجَ، وَقَدْ خَاطَرَ مَنْ حَمَلَ فِي الْوَحْلِ الزُّجَاجَ، تُرِيكَ السَّلامَةَ تَغْرِيرًا وَتَمْوِيهًا، وَتُظْهِرُ الْمَحَاسِنَ وَالْقَبَائِحَ وَتُخْفِيهَا، تُبِينُ كُلُّ كَفٍّ كَانَتْ تَبْنِيهَا، مَا تَعْتَذِرُ إِلَى جَرِيحِهَا كِبْرًا وَتِيهًا:
(هِيَ الدُّنْيَا فَلا يَغْرُرْكَ مِنْهَا ... زَخَارِفُ تَسْتَغِرُّ ذَوِي الْعُقُولِ)
(أَقَلُّ قَلِيلِهَا يَكْفِيكَ مِنْهَا ... وَلَكِنْ لَيْسَ تَقْنَعُ بِالْقَلِيلِ)
مِحَنُ الدُّنْيَا وَلَذَّاتُهَا أُنْمُوذَجُ مَا فِي الآخِرَةِ، فَلَوْ أَصْغَى سَمْعُ الْقَلْبِ فَهِمَ.
لَمَّا أُهْدِيَتْ مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ إِلَى صِلَةَ بْنِ أَشْيَمَ أَدْخَلَهُ ابْنُ أَخِيهِ الْحَمَّامَ ثُمَّ أَدْخَلَهُ بَيْتًا مُطَيَّبًا فَقَامَ يُصَلِّي حَتَّى بَرِقَ الْفَجْرُ، فَقَامَتْ فَصَلَّتْ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا عَمُّ أُهْدِيَتْ إِلَيْكَ ابْنَةُ عَمِّكَ فَقُمْتَ تُصَلِّي؟! فَقَالَ يا بن أَخِي أَدْخَلْتَنِي أَمْسِ بَيْتًا أَذْكَرْتَنِي بِهِ النَّارَ، ثُمَّ أَدْخَلْتَنِي اللَّيْلَةَ بَيْتًا أَذْكَرْتَنِي بِهِ الْجَنَّةَ، فما زال فكري
стр. 662
فيهما إلى الصباح!
يا أيها الرَّاحِلُ وَمَا لَهُ رَوَاحِلُ، يَكْفِي فِي الْوَعْظِ أَرْبَعُونَ كَوَامِلَ، كُلُّهُنَّ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ عَوَاطِلُ، مَتَى تَسْمَعُ قَوْلَ الْعَاذِلِ، مَتَى تُؤْثِرُ الْمُكَاتَبَاتِ بِالرَّسَائِلِ، أَمَا أَنْتَ فِي صَفِّ الْحَرْبِ تُقَاتِلُ، هَذَا الْعَدُوُّ يَنْصُبُ الْحَبَائِلَ قَدْ فُوِّقَ السَّهْمُ وَأَمَّ الْمُقَاتِلُ، إِلَى مَتَى تَرْضَى بِاسْمِ جَاهِلٍ، إِلَى مَتَى تُؤْثِرُ لَقَبَ غَافِلٍ، كَمْ تَعِدُ بِالتَّوْبَةِ وَكَمْ تُمَاطِلُ، أَيْنَ قَلْبُكَ؟ قَلَبَكَ عَلَى مَرَاحِلَ.
كَمْ أَسْمَعَكَ الْمَوْتُ وَعِيدَكَ، فَلَمْ تَنْتَبِهْ حَتَّى قَطَعَ وَرِيدَكَ، وَنَقَضَ مَنْزِلَكَ وَهَدَمَ مَشِيدَكَ، وَمَزَّقَ مَالَكَ وَفَرَّقَ عَبِيدَكَ، وَأَخْلَى دَارَكَ وَمَلأَ بِيدَكَ، أَمَا رَأَيْتَ قَرِينَكَ؟ أَمَا أَبْصَرْتَ فَقِيدَكَ، يا ميتا عن قليل ممهد تَمْهِيدَكَ، وَانْظُرْ لِنَفْسِكَ مُجْتَهِدًا وَحَقِّقْ تَجْوِيدَكَ، لَقَدْ أَمْرَضَكَ الْهَوَى وَفِي عَزْمِهِ أَنْ يَزِيدَكَ، يَا عَجَبًا لِلْجَاهِلِ الْمَغْرُورِ كَيْفَ يَشْتَغِلُ بِعِمَارَةِ الدُّورِ، قَدْ بَعَثَ الْمَوْتُ لِلرَّحِيلِ الْمَنْشُورَ، السِّقَامُ أَقْلامُهُ وَاللُّحُودُ السُّطُورُ:
(خُذْ مَا صَفَا لَكَ فَالْحَيَاةُ غُرُورٌ ... وَالْمَوْتُ آتٍ وَاللَّبِيبُ خَبِيرُ)
(لا تَعْتِبَنَّ عَلَى الزَّمَانِ فَإِنَّهُ ... فَلَكٌ عَلَى قُطْبِ الْهَلاكِ يَدُورُ)
(تَعْفُو السُّطُورُ إِذَا تَقَادَمَ عَهْدُهَا ... وَالْخَلْقُ فِي رِقِّ الْحَيَاةِ سُطُورُ)
(كُلٌّ يَفِرُّ مِنَ الرَّدَى لِيَفُوتَهُ ... وَلَهُ إِلَى مَا فَرَّ مِنْهُ مَصِيرُ)
(فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ فَالسَّلامَةُ نُهْزَةٌ ... وَزَمَانُهَا ضَافِي الجناح يطير)
(مرآة عيشك بالشباب صَقِيلَةٌ ... وَجَنَاحُ عُمْرِكَ بِالْمَشِيبِ كَسِيرُ)
(بَادِرْ فَإِنَّ الْوَقْتَ سَيْفٌ قَاطِعٌ ... وَالْعُمْرُ جَيْشٌ وَالشَّبَابُ أَمِيرُ)
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: تَنْفَرِجُ السَّمَاءُ مِنَ الْمَجَرَّةِ لِنُزُولِ مَنْ فِيهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ﴿فَكَانَتْ
стр. 663
وردة كالدهان﴾ . فِيهَا قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا الْفَرَسُ الْوَرْدَةُ تَكُونُ السَّمَاءُ كَلَوْنِهَا. قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ وَالضَّحَّاكُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْفَرَسُ الْوَرْدَةُ تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ إِلَى الصُّفْرَةِ فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ كَانَتْ حَمْرَاءَ، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَتْ إِلَى الْغُبْرَةِ. فَشُبِّهَ تَلَوُّنُ السَّمَاءِ بِتَلَوُّنِ الْوَرْدَةِ مِنَ الْخَيْلِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: الْكُمَيْتُ الْوَرْدُ يَتَلَوَّنُ، فَيَكُونُ لَوْنُهُ فِي الشِّتَاءِ خِلافَ لَوْنِهِ فِي الصَّيْفِ، وَلَوْنُهُ فِي الْفَصْلِ خِلافَ لَوْنِهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَالسَّمَاءُ تَتَلَوَّنُ مِنَ الْفَزَعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا وَرْدَةُ النَّبَاتِ وَقَدْ تَخْتَلِفُ أَلْوَانُهَا إِلا أَنَّ الأَغْلَبَ عَلَيْهَا الْحُمْرَةُ. ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَفِي الدِّهَانِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَاحِدُ الأَدِيمِ الأَحْمَرِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَمْعُ دُهْنٍ، وَالدُّهْنُ تَخْتَلِفُ أَلْوَانُهُ بِخُضْرَةٍ وَحُمْرَةٍ وَصُفْرَةٍ. حَكَاهُ الْيَزِيدِيُّ، وَإِلَى نَحْوِهِ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: شَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّمَاءِ بِتَلَوُّنِ الْوَرْدَةِ مِنَ الْخَيْلِ، وَشَبَّهَ الْوَرْدَةَ فِي اخْتِلافِ أَلْوَانِهَا بِالدُّهْنِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا:
لا يُسْأَلُونَ لِيُعْلَمَ حَالُهُمْ، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمُ مِنْهُمْ بِذَلِكَ. وَالثَّانِي: لا يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنْ حَالِهِ لاشْتِغَالِ كُلٍّ مِنْهُمْ بِنَفْسِهِ. وَالْقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: لا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لأَنَّهُمْ يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ فَالْكَافِرُ أَسْوَدُ الْوَجْهِ وَالْمُؤْمِنُ أَغَرُّ مُحَجَّلٌ مِنْ أَثَرِ وُضُوئِهِ. قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزجاج لا يسأل عن ذنبه بسيفهم وَلَكِنَّهُ يُسْأَلُ سُؤَالَ تَوْبِيخٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم﴾ قَالَ الْحَسَنُ: بِسَوَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقِ الأَعْيُنِ ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَجْمَعُ بَيْنَ نَوَاصِيهِمْ إِلَى أَقْدَامِهِمْ مِنْ وَرَاءِ ظُهُورِهِمْ ثُمَّ يَدْفَعُونَهُمْ عَلَى
стр. 664
وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ. قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَالثَّانِي: يُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ يُسْحَبُونَ إِلَى النَّارِ. ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَرَوَى مَرْدُوَيْهِ الصَّائِغُ قَالَ: صَلَّى بِنَا الإِمَامُ صَلاةَ الصُّبْحِ فَقَرَأَ سُورَةَ الرَّحْمَنِ وَمَعَنَا عَلِيُّ ابن الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ فَلَمَّا قَرَأَ ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بسيماهم﴾ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ حَتَّى فَرَغْنَا مِنَ الصَّلاةِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قُلْنَا لَهُ أَمَا سَمِعْتَ الإِمَامَ يَقْرَأُ: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ فقال شغلني عنها: ﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا ".
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ : ﴿يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ الْحَمِيمُ: الْمَاءُ الْحَارُّ. وَالآنِي: الَّذِي قَدِ انْتَهَتْ شِدَّةُ حَرِّهِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَسْعَوْنَ بَيْنَ عَذَابِ الْجَحِيمِ وَبَيْنَ الْحَمِيمِ إِذَا اسْتَغَاثُوا مِنَ النَّارِ جَعَلَ غِيَاثَهُمُ الْحَمِيمَ الشَّدِيدَ الْحَرَارَةِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحمم حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى جَوْفِهِ حَتَّى يَمْرُقَ مِنْ قَدَمَيْهِ ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ ".
قَوْلُهُ ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ وَفِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: قِيَامُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ يَوْمَ الْجَزَاءِ. وَالثَّانِي: قِيَامُ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ بِإِحْصَاءِ مَا اكْتَسَبَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مقام ربه جنتان﴾ وَهُوَ الَّذِي إِذَا هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ ذَكَرَ مَقَامَ رَبِّهِ عَلَيْهِ فِيهَا فَانْتَهَى. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلسَّابِقِينَ وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ لِلتَّابِعِينَ.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ شَابٌّ يُلازِمُ الْمَسْجِدَ وَالْعِبَادَةَ، فَعَشِقَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَتَتْهُ فِي خَلْوَةٍ فَكَلَّمَتْهُ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ فَشَهَقَ شَهْقَةً فَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَجَاءَ عَمٌّ لَهُ فَحَمَلَهُ إِلَى بَيْتِهِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: يَا
стр. 665
عَمِّ انْطَلِقْ إِلَى عُمَرَ ﵁ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وَقُلْ لَهُ: مَا جَزَاءُ من خاف مقام ربه؟ فانطلق عمر فَأَخْبَرَ عُمَرَ ﵁ فَأَتَاهُ عُمَرُ ﵁ وَقَدْ شَهَقَ فَمَاتَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَقَالَ: لَكَ جَنَّتَانِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ".
أَخْرَجَاهُ في الصحيحين.
وقال يحيى ابن أبي كثير: لا يحمد ورع امرىء حَتَّى يَشْفِيَ عَلَى طَمَعٍ وَيَقْدِرَ عَلَيْهِ فَيَتْرُكَهُ حِينَ تَرَكَهُ للَّهِ .
آهٍ مِنْ نَفْسٍ مَا يَقِرُّ قَرَارُهَا، طَلَعَتْ شَمْسُ الشَّيْبِ وَمَا خَبَتْ نَارُهَا، مَا لاحَتْ لَهَا شَهْوَةٌ إِلا قَلَّ اصْطِبَارُهَا، مَا بَانَتْ لَهَا مَوْعِظَةٌ فَبَانَ اعْتِبَارُهَا، كَمْ وَعَظَهَا لَيْلَهَا وَنَهَرَهَا
نَهَارَهَا، الذَّنْبُ لِبَاسُهَا وَالْجَهْلُ شِعَارُهَا، كَمْ نُكْثِرُ النَّصَائِحَ وَمَا تَقِلُّ أَوْزَارُهَا، كَمْ تُقَوَّمُ وَمَا يَصْلُحُ ازْوِرَارُهَا، كَمْ تَلاءَمُ لُطْفًا وَمَا يَرْعَوِي نِفَارُهَا، كُلَّمَا جَذَبَهَا أَمَلُهَا زَادَ اغْتِرَارُهَا، إِلَى كَمْ مَعَ الْمَعَاصِي أَمَا يُلْزِمُهَا عَارُهَا، أَسَاءَ تَدْبِيرَهَا أَمْ قُبِّحَ اخْتِيَارُهَا، مَنْ يَأْخُذُ بِيَدِهَا إِذَا طَالَ عِثَارُهَا.
إِنَّ النَّفْسَ إِذَا أُطْمِعَتْ طَمِعَتْ، وَإِذَا أُقْنِعَتْ بِالْيَسِيرِ قَنَعَتْ، فَإِذَا أَرَدْتَ صَلاحَ مَرَضِهَا فَبِتَرْكِ غَرَضِهَا، احْبِسْ لِسَانَهَا عَنْ فُضُولِ كَلِمَاتِهَا، وَغُضَّ طَرْفَهَا عَنْ مُحَرَّمِ نَظَرَاتِهَا، وَكُفَّ كَفَّهَا عَنْ مُؤْذِي شَهَوَاتِهَا إِنْ شِئْتَ أَنْ تَسْعَى لَهَا فِي نَجَاتِهَا.
إِخْوَانِي: عَلامَةُ الاسْتِدْرَاجِ الْعَمَى عَنْ عُيُوبِ النَّفْسِ، مَا مَلَكَهَا عَبْدٌ إِلا عَزَّ وَمَا مَلَكَتْ عَبْدًا إِلا ذَلَّ:
стр. 666
(الْحِرْصُ فِي كُلِّ الأَفَانِينِ يَصِمْ ... أَمَا رَأَيْتَ كُلَّ ظَهْرٍ يَنْقَصِمْ)
(وَعُرْوَةٌ مِنْ كُلِّ حَيٍّ تَنْفَصِمْ ... أَمَا سَمِعْتَ الْحَادِثَاتِ تَخْتَصِمْ)
(بَلْ حُبُّكَ الأَشْيَاءِ يُعْمِي وَيُصِمّ ... )
قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: يَقُولُ اللَّهُ : وَعِزَّتِي إِنِّي لأُهِمُّ بِعَذَابِ أَهْلِ الأَرْضِ فَإِذَا نَظَرْتُ إِلَى أَهْلِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ مِنْ مَخَافَتِي صَرَفْتُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ.
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: الذِّكْرُ ذِكْرَانِ: ذِكْرٌ بِاللِّسَانِ وَأَفْضَلُ مِنْهُ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ مَا يُشْرِفُ عَلَيْهِ مِنْ مَعَاصِيهِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " كَانَ الْكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ أُرْعِدَتْ وَبَكَتْ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: هَذَا عَمَلٌ لَمْ أَعْمَلْهُ قَطُّ. فَقَالَ اذْهَبِي وَالدَّنَانِيرُ لَكِ. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لا يَعْصِي اللَّهَ الْكِفْلُ أَبَدًا فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِلْكِفْلِ.
يَا مَنْ لا يَتْرُكُ ذَنْبًا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، يَا مَنْ أَكْثَرُ عَمَلِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ، كَمْ ضَيَّعْتَ فِي الْمَعَاصِي عَصْرًا، كَمْ حَمَلْتَ عَلَى الأَزْرِ مِنَ الْوِزْرِ أُزُرًا، أَتَرْضَى أَنْ تُمْلأَ الصَّحَائِفُ عَيْبًا وَخُسْرًا، أَمَا يَكْفِي سَلْبُ الْقَرِينِ وَعْظًا وَزَجْرًا، لَقَدْ ضَيَّعْتَ شَطْرًا مِنَ الزَّمَانِ فَاحْفَظْ شَطْرًا، مَا أَبْقَتْ لَكَ الصِّحَّةُ حُجَّةً وَلا تَرَكَتْ عُذْرًا، كَمْ نِعْمَةٍ نَزَلَتْ بِكَ وَمَا قَرَنْتَهَا شُكْرًا، تُقَابِلُهَا بِالْمَعَاصِي فَتُبَدِّلُ الْعِرْفَ نُكْرًا، كَمْ سَتَرَكَ عَلَى الْخَطَايَا وَأَنْتَ لا تُقْلِعُ دَهْرًا، كَمْ نِمْتَ عَنْ صَلاةٍ وَكَمْ شَرِبْتَ خَمْرًا، كَانَ الشَّيْبُ هِلالا وَقَدْ صَارَ بَدْرًا، تُعَاهِدُ وَلا تَفِي إِلَى كَمْ غَدْرًا، أَطَالَ عَلَيْكَ الأَمَدُ فَصَارَ الْقَلْبُ صَخْرًا؟ إِنَّمَا بَقِيَ الْقَلِيلُ فَصَبْرًا يَا نَفْسُ صَبْرًا.
(صِبَا مَنْ شَابَ مَفْرِقُهُ تَصَابِي ... وَإِنْ طَلَبَ الصِّبَا وَالْقَلْبُ صَابِي)
(أَعَاذِلُ رَاضَنِي لَكَ شَيْبُ رَأْسِي ... وَلَوْلا ذَاكَ أَعْيَاكَ اقْتِضَابِي)
стр. 667
(كَفَى بِالشَّيْبِ مِنْ نَاهٍ مُطَاعٍ ... عَلَى كَرْهٍ وَمِنْ دَاعٍ مُجَابِ)
(حَطَطْتُ إِلَى النُّهَى رَحْلِي وَكَلَّتْ ... مَطِيَّةُ بَاطِلِي بَعْدَ الْهِبَابِ)
(وَقُلْتُ مُسَلِّمًا لِلشَّيْبِ أَهْلا ... بِهَادِي الْمُخْطِئِينَ إِلَى الصَّوَابِ)
(يُذَكِّرُنِي الشباب وميض برق ...
و سجع حَمَامَةٍ وَحَنِينُ نَابِ)
(أَأُفْجَعُ بِالشَّبَابِ وَلا أُعَزَّى ... لَقَدْ غَفَلَ الْمُعَزِّي عَنْ مُصَابِي)
سَجْعٌ
يَا دَائِمَ الْخَطَايَا وَالْعِصْيَانِ، يَا شَدِيدَ الْبَطَرِ وَالطُّغْيَانِ، رَبِحَ الْمُتَّقُونَ وَلَكَ الْخُسْرَانُ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ ربه جنتان﴾ . يَا مُعْتَكِفًا عَلَى زَلَلِهِ وَذَنْبِهِ، لا يُؤْثَرُ عِنْدَهُ أَلِيمُ عُتْبِهِ، أَمَا الْمُصِرُّ فَقَدْ طُمِسَ عَلَى قَلْبِهِ فَلا يَنْفَعُهُ وَعْظُ اللِّسَانِ ﴿وَلِمَنْ خاف مقام ربه جنتان﴾ .
كَمْ خُوِّفْتَ وَمَا تَخَافُ، يَا مَنْ إِذَا أُمِرَ بِالْعَدْلِ حَافَ، الْوَيْلُ لَكَ يَا صَاحِبَ الإسراف
﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ . لَوْ رَأَيْتَ أَهْلَ الزَّيْغِ وَالْعِنَادِ وَأَرْبَابَ الْمَعَاصِي وَالْفَسَادِ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ . قَدْ سُدَّتْ فِي وُجُوهِهِمُ الأَبْوَابُ وَغَضِبَ عَلَيْهِمْ رَبُّ الأَرْبَابِ، وَالنَّارُ شَدِيدَةُ الالْتِهَابِ وَالْعَذَابُ فِيهَا ألوان ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ أَعْرَضَ عَنْهُمُ الرَّحِيمُ وَمَنَعَهُمْ خَيْرَهُ الْكَرِيمُ، وَيَتَقَلَّبُونَ في الجحيم ﴿يطوفون بينهما وبين حميم آن﴾ سَعِيرُهُمْ قَدْ أَحْرَقَ، وَزَمْهَرِيرُهُمْ قَدْ مَزَّقَ، وَنُورُ الْمُتَّقِينَ قَدْ أَشْرَقَ، ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا من إستبرق وجنى الجنتين دان﴾ .
سَارَتْ بِهِمْ إِلَى الْجِدِّ الْمَطَايَا، فَأَجْزَلَتْ لَهُمْ جَزِيلَ الْعَطَايَا وَلأَرْبَابِ الْخَطَايَا النِّيرَانُ. مَنَّ عَلَيْهِمْ بِنَعِيمِ مَا مُنَّ، لا يَخْطُرُ لِمَنْ يَتَوَهَّمُ وَيَظُنُّ، وَقَدْ كَفَانَا صِفَةَ الْحُورِ مَنْ وَصَفَهُنَّ ﴿كأنهن الياقوت والمرجان﴾ .
стр. 668
أَيُّهَا الْعَاصِي قَدِ اجْتَهَدْنَا فِي صَلاحِكَ، وَعَرَضْنَا فِي التِّجَارَةِ لأَرْبَاحِكَ، وَأَنْتَ عَلَى الْمَعَاصِي فِي مسائك وصباحك، وبعد فما نيأس مِنْ فَلاحِكَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ .
стр. 669
الطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى فَضَائِلِ الْعِلْمِ وَالْمُعَامَلاتِ فيها ثمانية وعشرون مجلساً
стр. 670
الْمَجْلِسُ الأَوَّلُ
فِي فَضَائِلِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي بِيَدِهِ الإِيجَادُ وَالإِنْشَاءُ، وَالإِمَاتَةُ وَالإِحْيَاءُ، وَالإِعَادَةُ وَالإِبْدَاءُ، وَالإِنْعَامُ وَالآلاءُ، وَالرُّخْصُ وَالْغَلاءُ، وَالْحَظُّ وَالْعَلاءُ، وَالْعَافِيَةُ وَالْبَلاءُ، وَالدَّاءُ وَالدَّوَاءُ، خَلَقَ آدَمَ وَخُلِقَتْ لأَجْلِهِ الأَشْيَاءُ، فَمَنْ جَرَّاهُ كَانَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ، وَالظُّلُمَاتُ وَالأَضْوَاءُ، وَالصَّبَاحُ وَالْمَسَاءُ، وَالرِّيحُ وَالْمَاءُ، وَعَلَّمَهُ الْعِلْمَ فَانْجَلَتْ عَنْهُ الظَّلْمَاءُ، وَعَرَّفَهُ خَطَّ الْخَطِّ فَجَاءَ الْهِجَاءُ: الأَلِفُ وَالْبَاءُ، وَالتَّاءُ وَالثَّاءُ، وَالْجِيمُ وَالْحَاءُ، وَالْخَاءُ وَالدَّالُ وَالذَّالُ وَالرَّاءُ، وَالزَّايُ وَالسِّينُ وَالشِّينُ وَالصَّادُ وَالضَّادُ وَالطَّاءُ، وَالظَّاءُ وَالْعَيْنُ وَالْغَيْنُ وَالْفَاءُ، وَالْقَافُ وَالْكَافُ وَاللامُ وَالْمِيمُ وَالنُّونُ وَالْهَاءُ، وَالْوَاوُ وَلامُ الأَلِفِ وَالْيَاءُ.
وَبَثَّ مِنْ نَسْلِهِ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، فَمِنْهُمُ الْعَالِمُ الذَّاكِرُ وَمِنْهُمُ الْجَاهِلُ النَّسَّاءُ، وَأَكْثَرُهُمُ الْغَافِلُونَ وَأَقَلُّهُمُ الأَلِبَّاءُ، وَلَيْسَتْ زَرْقَاءُ الْيَمَامَةِ كَالأَعْشَى، وَلا النَّهَارُ كَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ .
أَحْمَدُهُ لَهُ بِتَوْفِيقِي لِحَمْدِهِ الآلاءَ، وَأُقِرُّ بِأَنَّهُ مَالِكُ الْمُلْكِ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ رَاكِبٍ حَوَتْهُ الْبَيْدَاءُ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مُصَاحِبِهِ إِنْ وَقَعَتِ الشِّدَّةُ أَوِ الرَّخَاءُ، وَعَلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ الَّذِي دَوَّخَ الْكُفْرَ فَذَلَّتْ لَهُ الأَعْدَاءُ، وَعَلَى عُثْمَانَ الصَّابِرِ وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَلاءُ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي حَصَلَ لَهُ دُونَ الْكُلِّ الإِخَاءُ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي سَأَلَتِ الصَّحَابَةُ بِهِ الْغَيْثَ فَسَالَتِ السَّمَاءُ.
следующие страницы →