Полный текст (793 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الَّذِي يَكْتُبُ عَلَيْهِ السَّيِّئَاتِ. وَالشَّهِيدُ: هُوَ الَّذِي كَانَ يَكْتُبُ لَهُ الْحَسَنَاتِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْعَمَلُ يَشْهَدُ عَلَى الإِنْسَانِ. قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ.
وَالثَّالِثُ: الأَيْدِي وَالأَرْجُلِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ. قَالَهُ الضَّحَّاكُ.
إِخْوَانِي احْذَرُوا مِنَ الْعَرْضِ عَلَى مَالِكِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ، وَأَعِدُّوا الْجَوَابَ إِذَا سُئِلْتُمْ عَنِ الْفَرْضِ، أَيْنَ الْحَيَاءُ مِنْ قُبْحِ الْمُضْمَرَاتِ، أَيْنَ الْبُكَاءُ عَلَى سَالِفِ الْخَطَرَاتِ، أَيْنَ الْخَوْفُ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى خَطَوَاتِ الْخَطِيئَاتِ.
كَتَبَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ إِلَى حُذَيْفَةَ الْمَرْعَشِيِّ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَالْعَمَلِ بِمَا عَلَّمَكَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمُرَاقَبَةِ حَيْثُ لا يَرَاكَ إِلا اللَّهُ ، وَالاسْتِعْدَادِ لِمَا لَيْسَ لأَحَدٍ فِيهِ حِيلَةٌ ولا يُنْتَفَعُ بِالنَّدَمِ عِنْدَ نُزُولِهِ، فَاحْسِرْ عَنْ رَأْسِكَ قِنَاعَ الْغَافِلِينَ، وَانْتَبِهْ مِنْ رَقْدَةِ الْمَوْتَى وَشَمِّرْ لِلسِّبَاقِ غَدًا، فَإِنَّ الدُّنْيَا مَيْدَانَ الْمُسَابِقِينَ، وَلا تَغْتَرَّ بِمَنْ أَظْهَرَ النُّسُكَ وَتَشَاغَلَ بِالْوَصْفِ وَتَرَكَ الْعَمَلَ بِالْمَوْصُوفِ، وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّهُ لا بُدَّ لِي وَلَكَ مِنَ الْمُقَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، يَسْأَلُنَا عَنِ الدَّقِيقِ الْخَفِيِّ وَعَنِ الْجَلِيلِ الْخَافِي، وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَسْأَلَنِي وَإِيَّاكَ عَنْ وَسْوَاسِ الصُّدُورِ وَلَحَظَاتِ الْعُيُونِ وَالإِصْغَاءِ لِلاسْتِمَاعِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لا يُجْزِي مِنَ الْعَمَلِ الْقَوْلُ وَلا مِنَ الْبَذْلِ الْعِدَةُ وَلا مِنَ التَّوَقِيِّ التَّلاوُمُ.
يَا مَنْ مَعَاصِيهِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، يَا مَنْ نَفْسُهُ بِمَنْ يَجْنِي عَلَيْهَا مَسْرُورَةٌ، أَفِي الْعَيْنِ كَمَهٌ أَمْ عَشَى أَمِ الأَمْرُ إِلَيْكَ يَجْرِي كَمَا تَشَا، أَعَلَى الْقَلْبِ حِجَابٌ أَمْ غِشَا، أَيَا مَنْ إِذَا قَعَدَ عَصَى وَكَذَا إِذَا مَشَى، كُلُّ فِعْلِكَ غَلَطٌ، كُلُّ عَمَلِكَ سَقَطَ، أَتُرَى هَذَا الْعَقْلَ اخْتَلَطَ، أَمَا قُوِّمَ بِهَذَا الشَّمَطِ، أَمَا عَلَّمَ الشَّيْبُ عَلَى حُرُوفِ الْمَوْتِ وَنَقَطَ، لَقَدْ عَزَمَ الأَجَلُ عَلَى النُّهُوضِ، وَطَالَ مَا أَقَامَ وَالدُّنْيَا قُرُوضٌ، قَصْرٌ يُبْنَى وَجِسْمٌ مَنْقُوضٌ، شَيْبٌ وَعَيْبٌ يُزَحْلِقُ الْفُرُوضَ:
(إِلَى مَتَى أَنْتَ فِي ذُنُوبٍ ... قَلْبُكَ مِنْ أَجْلِهَا مَرِيضُ)
(أُقْرِضْتَ عُمْرًا فَمَرَّ خَلْسًا ... وَآنَ أَنْ تُطْلَبَ الْقُرُوضُ)
(فَاحْذَرْ مَجِيءَ الْحِمَامِ بَغْتًا ... وَأَنْتَ فِي بَاطِلٍ تَخُوضُ)
стр. 737
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غفلة من هذا﴾
كَأَنَّكَ بِالْعُمْرِ قَدِ انْقَرَضَ، وَهَجَمَ عَلَيْكَ الْمَرَضُ، وَفَاتَ كُلُّ مُرَادٍ وَغَرَضٍ، وَإِذَا بِالتَّلَفِ قَدْ عَرَضَ أَخَّاذًا ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا﴾ .
شخص البصر وسكن الصوت، ولم يمكن التَّدَارُكُ لِلْفَوْتِ، وَنَزَلَ بِكَ مَلَكُ الْمَوْتِ فَسَامَتِ الرُّوحُ وَحَازَى ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا﴾ .
عَالَجْتَ أَشَدَّ الشَّدَائِدِ، فَيَا عَجَبًا مِمَّا تُكَابِدُ، كَأَنَّكَ قَدْ سُقِيتَ سُمَّ الأَسَاوِدِ فَقَطَعَ أَفْلاذًا ﴿لقد كنت في غفلة من هذا﴾ .
بَلَغَتِ الرُّوحُ إِلَى التَّرَاقِي، وَلَمْ تَعْرِفِ الرَّاقِيَ مِنَ السَّاقِي، وَلَمْ تَدْرِ عِنْدَ الرَّحِيلِ مَا تُلاقِي، عِيَاذًا بِاللَّهِ عِيَاذًا ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غفلة من هذا﴾ .
ثُمَّ دَرَجُوكَ فِي الْكَفَنِ وَحَمَلُوكَ إِلَى بَيْتِ الْعَفَنِ، عَلَى الْعَيْبِ الْقَبِيحِ وَالأَفَنِ، وَإِذَا الْحَبِيبُ مِنَ التُّرَابِ قَدْ حَفَنَ، وَصِرْتَ فِي الْقَبْرِ جُذَاذًا ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ .
وَتَسَرَّبَتْ عَنْكَ الأَقَارِبُ تَسْرِي، تَقُدُّ فِي مَالِكَ وَتُفْرِي، وَغَايَةُ أَمْرِهِمْ أَنْ تَجْرِيَ دُمُوعُهُمْ رَذَاذًا ﴿لقد كنت في غفلة من هذا﴾ .
قَفَّلُوا الأَقْفَالَ وَبَضَّعُوا الْبِضَاعَةَ، وَنَسُوا ذِكْرَكَ يَا حَبِيبَهُمْ بَعْدَ سَاعَةٍ، وَبَقِيتَ هُنَاكَ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، لا تَجِدُ وَزَرًا وَلا مَعَاذًا ﴿لقد كنت في غفلة من هذا﴾ .
ثُمَّ قُمْتَ مِنْ قَبْرِكَ فَقِيرًا، لا تَمْلِكُ مِنَ الْمَالِ نَقِيرًا، وَأَصْبَحْتَ بِالذُّنُوبِ عَقِيرًا، فَلَوْ قَدَّمْتَ مِنَ الْخَيْرِ حَقِيرًا صَارَ مَلْجَأً وَمَلاذًا، ﴿لقد كنت في غفلة من هذا﴾ .
وَنُصِبَ الصِّرَاطُ وَالْمِيزَانُ، وَتَغَيَّرَتِ الْوُجُوهُ وَالأَلْوَانُ، وَنُودِيَ: شَقِيَ فُلانُ بْنُ فُلانٍ، وَمَا تَرَى لِلْعُذْرِ نَفَاذًا ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ .
كَمْ بَالَغَ عَذُولُكَ فِي الْمَلامِ، وَكَمْ قَعَدَ فِي زَجْرِكَ وَقَامَ، فَإِذَا قَلْبُكَ مَا اسْتَقَامَ، قُطِعَ الْكَلامُ عَلَى ذَا ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غفلة من هذا﴾ .
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ.
стр. 738
المجلس السادس
في ذِكْرُ الْحَجِّ
الْحَمْدُ للَّهِ الْمَلِكِ الْقَدِيمِ، الْوَاحِدِ الْعَزِيزِ الْعَظِيمِ، الشَّاهِدِ سَامِعِ ذِكْرِ الذَّاكِرِ وَحَمْدِ الْحَامِدِ وَعَالِمِ ضَمِيرِ الْمُرِيدِ وَنِيَّةِ الْقَاصِدِ، لِعَظَمَتِهِ خَضَعَ الرَّاكِعُ وَذَلَّ السَّاجِدُ، وَبِهُدَاهُ اهْتَدَى الطَّالِبُ وَأَدْرَكَ الْوَاجِدُ، رَفَعَ السَّمَاءَ فَعَلاهَا وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى مُسَاعِدٍ، وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ رَاسِخَاتِ الْقَوَاعِدِ، تَنَزَّهَ عَنْ شَرِيكٍ مُشَاقِقٍ أَوْ نِدٍّ مُعَانِدٍ، وَعَزَّ عَنْ وَلَدٍ وَجَلَّ عَنْ وَالِدٍ، وَأَحَاطَ عِلْمًا بِالأَسْرَارِ وَالْعَقَائِدِ، وَأَبْصَرَ حَتَّى دَبِيبَ النَّمْلِ فِي الْجَلامِدِ، وَسَطَا فَسَالَتْ لِهَيْبَتِهِ صِعَابُ الْجَوَامِدِ، وَيَقُولُ فِي اللَّيْلِ: " هَلْ مِنْ سَائِلٍ " فَانْتَبِهْ يَا رَاقِدُ بَنَى بَيْتًا أَمَرَ بِقَصْدِهِ وَتَلَقَّى الْوَافِدَ، وَأَقْسَمَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَمَا يُنْكِرُ إِلا مُعَانِدٌ ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذكرا إن إلهكم لواحد﴾ .
أَحْمَدُهُ عَلَى الرَّخَاءِ وَالشَّدَائِدِ، وَأُقِرُّ بِتَوْحِيدِهِ إِقْرَارَ عَابِدٍ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ الَّذِي كَانَ لا يُخَيِّبُ السَّائِلَ الْقَاصِدَ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ التَّقِيِّ النَّقِيِّ الزَّاهِدِ، وَعَلَى عُمَرَ الْعَادِلِ فَلا يُرَاقِبُ الْوَلَدَ وَلا الْوَالِدَ، وَعَلَى عُثْمَانَ الْمَقْتُولِ ظُلْمًا بِكَفِّ الْحَاسِدِ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْبَحْرِ الْخِضَمِّ وَالْبَطَلِ الْمُجَاهِدِ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ أَقْرَبِ الأَقَارِبِ وَالأَبَاعِدِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حج البيت﴾ فَرَضَ اللَّهُ حَجَّ الْبَيْتَ بِهَذِهِ الآية.
وقوله: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ قال النحويون: " من " بَدَلٌ مِنَ النَّاسِ،
стр. 739
وَهَذَا بَدَلُ الْبَعْضِ كَمَا تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّسَفِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الاسْتِطَاعَةُ إِلَى الْحَجِّ؟ قَالَ: " الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ".
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُجِيبَ قَدْ يُجِيبُ عَنِ الْمُشْكِلِ وَيَتْرُكُ الظَّاهِرَ ثِقَةً بِعِلْمِ السَّامِعِ، وَإِلا فَقَدْ يَكُونُ لَهُ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ فَإِذَا خَرَجَ إِلَى الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَتْرُكُ لِعِيَالِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُدَبِّرُهُ فِي مَعَاشِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ مَوْقُوفٌ عَلَى وُجُودِ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالإِسْلامِ وَالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. وَيَشْتَرِطُ فِي وُجُودِ الرَّاحِلَةِ أَنْ تَكُونَ صَالِحَةً لِمِثْلِهِ وَرَحْلُهَا وَآلَتُهَا، لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ كَبِيرَ السِّنِّ فَلا يُمْكِنُهُ الرُّكُوبُ عَلَى الْقِتْبِ، وَأَنْ يَكُونَ وُجُودُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلا عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ، وَنَفَقَةٍ لِعِيَالِهِ إِلَى أَنْ يَعُودَ وَقَضَاءِ دَيْنٍ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ إِذَا رَجَعَ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ مِنْ عَقَارٍ أَوْ بِضَاعَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْنِ الطَّرِيقِ وَسَعَةِ الْوَقْتِ. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ قَدَرَ عَلَى الْحَجِّ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا ".
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ قَالَ: طَرِيقَ مَكَّةَ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْحَجِّ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ بِنَاءَ الْبَيْتِ وَفَضَائِلَهُ وَفَضْلَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ: " وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَمَنْ قَالَ: أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار قالوا: آمين ".
стр. 740
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ فَهُوَ عِدْلُ مُحَرَّرٍ ".
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ بِسَنَدِهِ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ للَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَحْمَةٍ تَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ: سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ ".
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ لَمْ يَرْفَعْ قَدَمًا وَلَمْ يَضَعْ أُخْرَى إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً ".
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ خَمْسِينَ مَرَّةً خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ".
وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ تُضَاعَفُ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى: الدرهم بسبعمائة دِرْهَمٍ ".
فَأَمَّا حَجُّ الْمَاشِي: فَأَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، بِسَنَدِهِمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابن أَبِي خَالِدٍ، عَنْ زَاذَانَ قَالَ: مَرِضَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَرَضًا شَدِيدًا فَدَعَا وَلَدَهُ فَجَمَعَهُمْ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَكَّةَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خطوة سبعمائة حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ. فَقِيلَ لَهُ: وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟ قَالَ: بِكُلِّ حَسَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ ".
وَرَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتُصَافِحُ رُكْبَانَ الْحَجِّ وَتَعْتَنِقُ الْمُشَاةَ ".
وَأَمَّا فَضِيلَةُ الْحَجِّ: فَأَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةَ، وَالْعُمْرَتَانِ - أَوِ الْعُمْرَةُ - إِلَى الْعُمْرَةِ تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهُمَا ".
стр. 741
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ".
الْحَدِيثَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَرَادَ دُنْيَا وَآخِرَةً فَلْيَؤُمَّ هَذَا الْبَيْتَ، مَا أَتَاهُ عَبْدٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى دُنْيَا إِلا أَعْطَاهُ مِنْهَا وَلا آخِرَةً إِلا ادَّخَرَ لَهُ مِنْهَا ".
وَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَنْ يَفْهَمَ مَعْنَى الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يُشَارُ بِهِ إِلَى التَّجَرُّدِ للَّهِ وَمُفَارَقَةِ الْمَحْبُوبَاتِ.
وَلْيَتَذَكَّرْ بِأَهْوَالِ الطَّرِيقِ الأَهْوَالَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَفِي الْقِيَامَةِ، وَبِالإِحْرَامِ الْكَفَنَ، وَبِالتَّلْبِيَةِ إِجَابَةَ الدَّاعِي، وَلْيُحْضِرْ قَلْبَهُ لِتَعْظِيمِ الْبَيْتِ، وَلْيَتَذَكَّرْ بِالالْتِجَاءِ إِلَيْهِ الْتِجَاءَ الْمُذْنِبِ، وَبِالطَّوَافِ الطَّوَافَ حَوْلَ دَارِ السَّيِّدِ لِيَرْضَى، وَبِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ التَّرَدُّدَ إِلَى فِنَاءِ الدَّارِ، وَبِرَمْيِ الْجِمَارِ رَمْيَ الْعَدُوِّ.
وَكَمَا أَنَّ لِلأَبْدَانِ حَجًّا فَلِلْقُلُوبِ حَجٌّ؛ فَإِنَّهَا تَنَهْضُ بِأَقْدَامِ الْعَزَائِمِ وَتَمْتَطِي غَوَارِبَ الشَّوْقِ، وَتُفَارِقُ كُلَّ مَحْبُوبٍ لِلنَّفْسِ، وَتُصَابِرُ فِي الطَّرِيقِ شِدَّةَ الْجَهْدِ، وَتَرِدُ مَنَاهِلَ الْوَفَاءِ لا غُدْرَانَ الْغَدْرِ، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى مِيقَاتِ الْوَصْلِ نَزَعَتْ مَخِيطَ الآمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَاغْتَسَلَتْ مِنْ عَيْنِ الْعَيْنِ، وَنَزَلَتْ بِعَرَفَاتِ الْعِرْفَانِ، وَلَبَّتْ إِذْ لَبَّتْ مِنْ لُبَابِ اللُّبِّ، ثُمَّ طَافَتْ حَوْلَ الإِجْلالِ، وَسَعَتْ بَيْنَ صَفَا الصَّفَا وَمَرْوَةِ الْمُرُوءَةِ، فَرَمَتْ جِمَارَ الْهَوَى بِأَحْجَارٍ، فَوَصَلَتْ إِلَى قُرْبِ الْحَبِيبِ فَلَوْ تَرَنَّمَتْ بِشَرْحِ حَالِهَا لَقَالَتْ:
(لا وَالَّذِي قَصَدَ الْحَجِيجُ لِبَيْتِهِ ... مِنْ بَيْنِ نَاءٍ طَارِقٍ وَقَرِيبِ)
(وَالْحِجْرِ وَالْحَجَرِ الْمُقَبَّلِ تَلْتَقِي ... فِيهِ الشِّفَاهُ وَرُكْنِهِ الْمَحْجُوبِ)
(لا كَانَ مَوْضِعُكَ الَّذِي مَلَّكْتَهُ ... مِنْ قَلْبِ عَبْدِكَ بَعْدَ ذَا لِحَبِيبِ)
(لِي أَنَّةُ الشَّاكي إِذَا بَعُدَ الْمَدَى ... مَا بَيْنَنَا وَتَنَفُّسُ الْمَكْرُوبِ)
стр. 742
وَلَمَّا عَبَرَ الْخَلِيلُ هَذِهِ الْحَالَةَ قِيلَ لَهُ: قد بقي عيك ذِبْحٌ يُجَانِسُ هَذَا الْحَجَّ لَيْسَ لَهُ إِلا الْوَلَدُ وَمَا الْمُرَادُ إِرَاقَةُ دَمِهِ بَلْ فَرَاغُ قَلْبِكَ عَنْهُ، يَا خَلِيلِي مِنَ الْمَسْنُونِ اسْتِسْمَانُ الإِبِلِ وَأَلا يَكُونَ فِي الْمَذْبُوحِ عَيْبٌ، فَاخْتَبِرْ ذِبْحَكَ هَلْ فِيهِ عَيْبٌ أَوْ هُوَ سَلِيمٌ مُسَلَّمٌ؟ فَقَالَ لَهُ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أني أذبحك﴾ فأجابه: ﴿افعل ما تؤمر﴾ فَعُلِمَ حُصُولُ الْكَمَالِ وَعَدَمُ الْعُيُوبِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: اسْتَحِدَّ مُدْيَتَكَ وَأَسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِي
وَإِذَا عُدْتَ إِلَى أُمِّي فَسَلِّمْ عَلَيْهَا عَنِّي. هَذَا قَوْلُ مَنْ لَمْ يُلِمَّ بِقَلْبِهِ خَوْفُ أَلَمٍ!
(مِحْنَتِي فِيكَ أَنَّنِي ... لا أُبَالِي بِمِحْنَتِي)
(يَا شِفَائِي مِنَ السِّقَامِ ... وَإِنْ كُنْتَ عِلَّتِي)
وَإِذَا وَصَلَ الْحَاجُّ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ فيجعل على فكره تعظيم من يقصده، وَلْيَتَخَايَلْ فِي مَسَاجِدِهَا وَطُرُقَاتِهَا نَقْلَ أَقْدَامِ الْمُصْطَفَى هُنَاكَ وَأَصْحَابِهِ، وَلْيَتَأَدَّبْ فِي الْوُقُوفِ وَلْيَسْتَشْفِعْ بِالْحَبِيبِ وَلْيَأْسَفْ إِذْ لَمْ يَحْظَ بِرُؤْيَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي صَحَابَتِهِ.
(وَمَا رُمْتُ مِنْ بُعْدِ الأَحِبَّةِ سَلْوَةً ... وَلَكِنَّنِي لِلنَّائِبَاتِ حَمُولُ)
(وَمَا شَرَقِي بِالْمَاءِ إِلا تَذَكُّرًا ... لِمَاءٍ بِهِ أَهْلُ الْحَبِيبِ نُزُولُ)
وَيَنْبَغِي لِمَنْ عَادَ مِنَ الْحَجِّ أَنْ يَقْوَى رَجَاؤُهُ لِلْقَبُولِ وَمَحْوِ مَا سَلَفَ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ تَجْدِيدِ زَلَلٍ.
وَقَدْ سُئِلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: مَا الْحَجُّ الْمَبْرُورُ؟ فَقَالَ: أَنْ تَعُودَ زَاهِدًا: فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الآخِرَةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايِخِنَا يَقُولُ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُوَفَّقِ: لَمَّا تَمَّ لِي سِتُّونَ حِجَّةً خَرَجْتُ مِنَ الطَّوَافِ وَجَلَسْتُ بِحِذَاءِ الْمِيزَابِ وَجَعَلْتُ أُفَكِّرُ لا أَدْرِي أَيُّ شَيْءٍ حَالِي عِنْدَ اللَّهِ وَقَدْ كَثُرَ تَوَدُّدِي إِلَى هَذَا الْمَكَانِ؟ فَغَلَبَتْنِي عَيْنِي فَكَأَنَّ قَائِلا يَقُولُ لِي: يَا عَلِيُّ أَتَدْعُو إِلَى بَيْتِكَ إِلا مَنْ تُحِبُّهُ؟ قَالَ: فَانْتَبَهْتُ وَقَدْ سُرِّيَ عني ما
стр. 743
كُنْتُ فِيهِ.
(
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ)
(غَفَلْتُ وَلَيْسَ الْمَوْتُ فِي غَفْلَةٍ عَنِّي ... وَمَا أَحَدٌ يَجْنِي عَلَيَّ كَمَا أَجْنِي)
(أُشَيِّدُ بُنْيَانِي وَأَعْلَمُ أَنَّنِي ... أَزُولُ، لِمَنْ شَيَّدْتُهُ وَلِمَنْ أَبْنِي)
(كَفَانِي بِالْمَوْتِ الْمُنَغِّصِ وَاعِظًا ... بِمَا أَبْصَرَتْ عَيْنِي وَمَا سَمِعَتْ أُذُنِي)
(وَكَمْ لِلْمَنَايَا مِنْ فُنُونٍ كَثِيرَةٍ ... تُمِيتُ وَقَدْ وُطِّنَتْ نَفْسِي عَلَى فَنِّ)
(وَلَوْ طَرَقَتْ مَا اسْتَأْذَنَتْ مَنْ يُحِبُّنِي ... كَمَا أَفْقَدَتْنِي مَنْ أُحِبُّ بِلا إِذْنِ)
(وَقَدْ كُنْتُ أُفْدِي نَاظِرَيْهِ مِنَ الْقَذَى ... فَغَطَّيْتُ مَا قَدْ كُنْتُ أُفْدِيهِ بِالْعَيْنِ)
(سَتَسْجِنَنِي يَا رَبِّ فِي الْقَبْرِ بُرْهَةً ... فَلا تَجْعَلِ النِّيرَانَ مِنْ بَعْدِهِ سِجْنِي)
(وَلِي عِنْدَ رَبِّي سَيِّئَاتٌ كَثِيرَةٌ ... وَلَكِنَّنِي عَبْدٌ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ)
مَنْ لِلْعَاصِي إِذَا دُعِيَ فَحَضَرَ، وَنُشِرَ كِتَابُهُ وَنَظَرَ، لَمْ يُسْمَعْ عُذْرُهُ وَقَدِ اعْتَذَرَ، وَنَاقَشَهُ الْمَوْلَى فَمَا غَفَرَ، آهٍ لِرَاحِلٍ لَمْ يَتَزَوَّدْ لِلسَّفَرِ، وَلِخَاسِرٍ إِذَا رَبِحَ الْمُتَّقُونَ افْتَقَرَ وَلِمَحْرُومٍ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ حَلَّ فِي سَقَرٍ، وَلِفَاجِرٍ فَضَحَهُ فُجُورُهُ فَاشْتَهَرَ، وَلِمُتَكَبِّرٍ بِالذُّلِّ بَيْنَ الْكُلِّ قَدْ ظَهَرَ، وَإِلَى مَحْمُولٍ إِلَى جَهَنَّمَ فَلا مَلْجَأَ لَهُ وَلا وَزَرَ، آهٍ مِنْ يَوْمٍ تُكَوَّرُ فِيهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، يَا كَثِيرَ الرِّيَاءِ قُلْ إِلَى مَتَى تَخْلُصُ، يَا نَاسِيَ الأَنْكَالِ إِنْ كَالَ فَمُتَلَصِّصٌ، مَا يَتَخَلَّصُ مِنْ مُعَامِلٍ وَلا هُوَ عِنْدَ اللَّهِ مُخْلِصٌ، الدَّهْرُ حَرِيصٌ عَلَى قَتْلِكَ يَا مَنْ يَحْرِصُ، تَفَكَّرْ فِيمَنْ أَصْبَحَ مَسْرُورًا فَأَمْسَى وَهُوَ مُتَنَغِّصٌ، وَمَتَى أَرَدْتَ لَذَّةً فَاذْكُرْ قَبْلَهَا الْمُنَغِّصَ، وَتَعَلَّمْ أَنَّ الْهَوَى ظِلٌّ وَالظِّلُّ مُتَقَلِّصٌ، وَخُذْ عَلَى نَفْسِكَ لا تُسَامِحْهَا وَلا تُرَخِّصْ، حَائِطُ الْبَاطِلِ خَرَابٌ فَإِلَى كَمْ تُجَصِّصُ، أَيْنَ الْهَمُّ الْمُجْتَمِعُ تَفَرَّقَ فَمَا يَنْتَفِعُ، يَدْعُوكَ الْهَوَى فَتَتَّبِعُ، وَتُحَدِّثُكَ الْمُنَى فَتَسْتَمِعُ، كَمْ زَجَرَكَ نَاصِحٌ فَلَمْ تُطِعْ، سَارَ الصَّالِحُونَ يَا مُنْقَطِعُ، مَا الَّذِي عَاقَكَ لَهْوٌ مُخْتَدِعٌ، شَرَوْا مَا يَبْقَى بِمَا يَفْنَى وَأَنْتَ لَمْ تَشْرِ
وَلَمْ تَبِعْ، أَيْنَ تَعَبُهُمْ؟ نُسِخَ بِالرَّوْحِ وَلَمْ يَضِعْ، تَلَمَّحِ الْعَوَاقِبَ فَلِتَلَمِهَا الْعَقْلُ وُضِعَ، كَأَنَّهُ مَا جَاعَ قَطُّ مَنْ شَبِعَ.
стр. 744
جُزْ عَلَى الشُّونِيزِيَّةِ أَوْ عَلَى قَبْرِ أَحْمَدَ، وَمَيِّزْ مَنْ أَطَاعَ مِمَّنْ أَضَاعَ فَمَنْ أَحْمَدُ؟ قُبُورُ الصَّالِحِينَ تُؤْنِسُ الزَّائِرَ، وَقُبُورُ الظُّلْمَةِ عَلَيْهَا ظلام متوافر، جذ عَلَى قُبُورِ الْعِبَادِ وَنَادِ فِي ذَلِكَ النَّادِ: أَيَّتُهَا الأَوْدِيَةُ وَالْوِهَادُ، مَا فَعَلَتْ تِلْكَ الأَوْرَادُ:
(تَعَاهَدَتْكَ الْعِهَادُ يَا طَلَلُ ... خَبِّرْ عَنِ الظَّاعِنِينَ مَا فَعَلُوا)
(فَقَالَ لَمْ أَدْرِ غَيْرَ أَنَّهُمُ ... صَاحَ غُرَابُ الْبَيْنِ فَاحْتَمَلُوا)
(لا طَابَ لَيْلِي وَلا النَّهَارُ لِمَنْ ... يَسْكُنُنِي أَوْ يَرُدُّهُمْ قَفَلُ)
(وَلا تَحَلَّيْتُ بِالرِّيَاضِ وَبِالنُّورِ ... وَمَغْنَايَ مِنْهُمُ عَطَلُ)
(خَلِّ هَذَا فَمَا عَلَيْكَ لَهُمْ ... قُلْتُ أَنِينٌ وَأَدْمُعٌ هَطَلُ)
(وَأَنَّنِي مُقْفِلُ الضَّمَائِرِ عَنْ ... حُبِّ سِوَاهُمُ مَا حَنَّتِ الإِبِلُ)
(فَقَالَ هَلا اتَّبَعْتَهُمْ أَبَدًا ... إِنْ نَزَلُوا مَنْزِلا وَإِنْ رَحَلُوا)
سُبْحَانَ مَنْ قَسَمَ الأَقْسَامَ، فَلِقَوْمٍ يَقَظَةٌ وَلِقَوْمٍ مَنَامٌ.
قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلانِ بَلَغَتْ بِهِمَا عِبَادَتُهُمَا أَنْ مَشَيَا عَلَى الْمَاءِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ فِي الْبَحْرِ إِذَا هُمَا بِرَجُلٍ يَمْشِي فِي الْهَوَاءِ فَقَالا لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بِأَيِّ شَيْءٍ أَدْرَكْتَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ؟ فَقَالَ: بِيَسِيرٍ مِنَ الدُّنْيَا: فَطَمْتُ نَفْسِي عَنِ الشَّهَوَاتِ وَكَفَفْتُ لِسَانِي عَمَّا لا يَعْنِينِي، وَرَغِبْتُ فِيمَا دَعَانِي، وَلَزِمْتُ الصَّمْتَ. فَإِنْ أَقْسَمْتُ عَلَى اللَّهِ أَبَرَّ قَسَمِي، وَإِنْ سَأَلْتُهُ أَعْطَانِي.
يَا بَعِيدًا عَنِ الصَّالِحِينَ، يَا مَطْرُودًا عَنِ الْمُفْلِحِينَ، لَقَدْ نَصَبَ الشَّيْطَانُ الأَشْرَاكَ وَجَعَلَ حَبَّ الْفَخِّ هَوَاكَ، وَكَمْ رَأَيْتَ مَأْسُورًا وَسْطَ ذَاكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الآنَ إِلاكَ، احْذَرْ فَخَّهُ فَهُوَ بَعِيدُ الْفِكَاكِ، كَمْ يَوْمٍ غَابَتْ شَمْسُهُ وَقَلْبُكَ غَائِبٌ، وَكَمْ ظَلامٍ أَسْبَلَ سِتْرَهُ وَأَنْتَ فِي عَجَائِبَ، كَمْ لَيْلَةٍ بِالْخَطَايَا قَطَعْتَهَا، وَكَمْ مِنْ أَعْمَالٍ قَبِيحَةٍ رَفَعْتَهَا، وَكَمْ مِنْ ذُنُوبٍ جَمَعْتَهَا وَالصُّحُفَ أَوْدَعْتَهَا، كَمْ نَظْرَةٍ مَا تَحِلُّ مَا خِفْتَ وَلا مَنَعْتَهَا، كَمْ مِنْ مَوْعِظَةٍ تَعِيهَا وَكَأَنَّكَ مَا سَمِعْتَهَا، وَكَمْ مِنْ ذُنُوبٍ تَعِيبُ غَيْرَكَ بِهَا أَنْتَ صَنَعْتَهَا، وَكَمْ أَمَرَتْكَ النَّفْسُ بِمَا يُؤْذِي فَأَطَعْتَهَا، يَا مُوَافِقًا لِنَفْسِهِ آذَيْتَهَا، خَالِفْهَا وَقَدْ نَفَعْتَهَا:
стр. 745
(طَوَى نَفْسَهُ عَنْكَ الشَّبَابُ الْمُزَايِلُ ... وَأَسْلَمْتَ لِلشَّيْبِ الَّذِي لا يُزَايِلُ)
(نَسِيرُ إِلَى الآجَالِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ ... وَأَيَّامُنَا تُطْوَى وَهُنَّ مَرَاحِلُ)
(وَلَمْ أَرَ مِثْلَ الْمَوْتِ حَقًّا كَأَنَّهُ ... إِذَا مَا تَخَطَّتْهُ الأَمَانِي بَاطِلُ)
(وَمَا أَقْبَحَ التَّفْرِيطَ فِي زَمَنِ الصِّبَا ... فَكَيْفَ بِهِ وَالشَّيْبُ فِي الرَّأْسِ شَامِلُ)
(تَرَحَّلْ عَنِ الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنَ التُّقَى ... فَعُمْرُكَ أَيَّامٌ وَهُنَّ قَلائِلُ)
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصلاة﴾ كَانَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: هَذِهِ آية القراء.
ومعنى يتلون: يقرؤون.
وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ".
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسٍ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ للَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ. فَقِيلَ: مَنْ أَهْلُ اللَّهِ مِنْهُمْ؟ قَالَ: أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ ".
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِإِسْنَادِهِمْ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لا يُعَذِّبُ اللَّهُ قَلْبًا وَعَى الْقُرْآنَ ".
أَخْبَرَنَا الْكَرُوخِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنِ الأَلِفُ حَرْفٌ
стр. 746
وَاللامُ حَرْفٌ وَالْمِيمُ حَرْفٌ ".
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: اقْرَأْ وَارْقَ وَرَتِّلْ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آية يقرؤها ".
وَاعْلَمْ أَنَّ لِتِلاوَةِ الْقُرْآنِ آدَابًا: مِنْهَا: أَنْ يَقْرَأَ وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ مُتَأَدِّبًا مُطْرِقًا مُرَتِّلا بِتَحْزِينٍ وَبُكَاءٍ مُسِرًّا مُعَظِّمًا لِلْكَلامِ وَالْمُتَكَلَّمِ بِهِ مُحْضِرًا لِقَلْبِهِ، مُتَدَبِّرًا لِمَا يَتْلُوهُ.
وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ مَنْ يَخْتِمُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ ﵁ يَخْتِمُ فِي الْوِتْرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَخْتِمُ خَتْمَتَيْنِ.
وَقَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ ﵁ يَخْتِمُ فِي رَمَضَانَ سِتِّينَ خَتْمَةً وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتِمُ ثَلاثَ خَتَمَاتٍ، وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمُ انْتِهَابُ الْعُمْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَخْتِمُ فِي كُلِّ
أُسْبُوعٍ اشْتِغَالا بِنَشْرِ الْعِلْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَخْتِمُ كُلَّ شَهْرٍ إِقْبَالا عَلَى التَّدَبُّرِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو ذَرٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَامَ لَيْلَةً بِآيَةٍ يُرَدِّدُهَا: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عبادك﴾ .
وَقَامَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ بِآيَةٍ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجترحوا السيئات﴾ . وَكَذَلِكَ قَامَ بِهَا الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: إِنِّي لأُقِيمُ فِي الآيَةِ أَرْبَعَ لَيَالٍ أَوْ خَمْسَ لَيَالٍ.
وَقَدْ بَقِيَ بَعْضُ السَّلَفِ سَنَتَيْنِ فِي خَتْمَةٍ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فَلَهُ دَعْوَةٌ: مُسْتَجَابَةٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ: مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ نَهَارًا غُفِرَ لَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَمَنْ خَتَمَهُ لَيْلا غُفِرَ لَهُ تلك الليلة.
стр. 747
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ النَّقُّورِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ حُبَابَةَ، حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ حَدَّثَنَا هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُطَرِّفٍ قَالَ: مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ كَانَتْ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ أَوْ أَيِّ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ كَانَتْ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ ".
وَرَوَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: " ما من امرىء يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْسَاهُ إِلا لَقِيَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ أَجْذَمُ ".
وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: " اقرؤوا الْقُرْآنَ وَابْتَغُوا بِهِ اللَّهَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ قَوْمٌ يُقِيمُونَهُ مَقَامَ الْقِدْحِ يَتَعَجَّلُونَهُ وَلا يَتَأَجَّلُونَهُ ".
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يُعْرَفَ بِلَيْلِهِ إِذِ النَّاسُ نَائِمُونَ وَبِنَهَارِهِ إِذِ النَّاسُ مُفْرِطُونَ، وَبِحُزْنِهِ إِذِ النَّاسُ يَفْرَحُونَ، وَبِبُكَائِهِ إِذِ النَّاسُ يَضْحَكُونَ، وَبِصَمْتِهِ إِذِ النَّاسُ يَخُوضُونَ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ، أَنْبَأَنَا يُوسُفُ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ يَقُولُ: يَا حَمَلَةَ الْقُرْآنِ مَاذَا زَرَعَ الْقُرْآنُ فِي قُلُوبِكُمْ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا أَنَّ الْغَيْثَ رَبِيعُ الأَرْضِ، وَقَدْ يَنْزِلُ الْغَيْثُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَيُصِيبُ الْحَشَّ فَتَكُونُ فِيهِ الْحَبَّةُ فَلا يَمْنَعُهَا نَتَنُ مَوْضِعِهَا أَنْ تَخْضَرَّ وَتَهْتَزَّ وَتَحْسُنَ، فَيَا حَمَلَةَ الْقُرْآنِ مَاذَا زَرَعَ الْقُرْآنُ فِي قُلُوبِكُمْ؟.
قَالَ الْفُضَيْلُ ﵀: حَامِلُ الْقُرْآنِ حَامِلُ رَايَةِ الإِسْلامِ، لا يَنْبَغِي أَنْ يَلْهُوَ مَعَ مَنْ يَلْهُو وَلا يَسْهُو مَعَ مَنْ يَسُهو، وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ إِلَى أَحَدٍ حَاجَةٌ، " إِلَى الْخُلَفَاءِ إِلَى مَنْ دُونَهُمْ "، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حَوَائِجُ النَّاسِ إِلَيْهِ.
стр. 748
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵁: رَأَيْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ يَا رَبِّ: مَا أَفْضَلُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْمُتَقَرِّبُونَ إِلَيْكَ؛ فَقَالَ: بِكَلامِي يَا أَحْمَدُ. فَقُلْتُ: يَا رَبِّ بِفَهْمٍ أَوْ بِغَيْرِ فَهْمٍ؟ فَقَالَ: بِفَهْمٍ وَبِغَيْرِ فَهْمٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقَامُوا الصلاة﴾ المعنى: ويقيمون الصلاة وهو إِتْمَامُهَا بِحُدُودِهَا وَفِي مَوَاقِيتِهَا.
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: رَأَيْتُ بِجَبَلِ اللُّكَامِ شَابًّا مُصْفَرًّا يُصَلِّي الْعِشَاءَ الآخِرَةَ ثُمَّ يَصُفُّ قَدَمَيْهِ فَيَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَبْكِي إِلَى الْفَجْرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية﴾ كَانُوا إِذَا قَدَرُوا عَلَى السِّرِّ لَمْ يُخْرِجُوا الصَّدَقَةَ عَلانِيَةً، لأَنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تَزِيدُ عَلَى الْعَلانِيَةِ سَبْعِينَ ضِعْفًا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أَبَا طلحة قال: أحب أموالي إلي بئرحاء وَهِيَ صَدَقَةٌ للَّهِ تَعَالَى لَوْ قَدَرْتُ أَنْ أُسِرَّهُ لَمْ أُعْلِنْهُ.
يَا مُقَصِّرًا فِي أَعْمَالِهِ بَخِيلا بِمَالِهِ، لا تَسْأَلُوا عَنْ حَالِهِ يَوْمَ تِرْحَالِهِ، يَا دَائِمَ الْخُسْرَانِ فَمَا يَرْبَحُ، يَا مُقِيمًا عَلَى الْمَعَاصِي مَا يَبْرَحُ، مَتَى رَأَيْتَ مَنْ فَعَلَ فِعْلَكَ أَفْلَحَ، تَقْبَلُ مِنَ الْعَدُوِّ وَلا تَقْبَلُ مِمَّنْ يَنْصَحُ، قُمْ عَلَى قَدَمِ الطَّلَبِ فَاقْرَعِ الْبَابَ بِالأَدَبِ يُفْتَحْ، صَاحِبْ أَهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ، وَاسْتَفِدْ خِصَالَهُمْ وَخُذْ عَنْهُمْ.
قوله تعالى: ﴿يرجون تجارة﴾ أي يرجون بفعلهم تجارة ﴿لن تبور﴾ أَيْ لَنْ تَفْسُدَ وَلَنْ تَكْسُدَ. وَهَذَا جَوَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ .
لَمَّا سَمِعُوا مُضَاعَفَةَ الأَجْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سنبلة مائة حبة﴾ . ثُمَّ سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كثيرة﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لا يَنْقَضِي عَدَدُهَا.
стр. 749
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَكْتُبُ لِلْمُؤْمِنِ بِالْحَسَنَةِ الْوَاحِدَةِ أَلْفَيْ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَلَمَّا سَمِعُوا لَفْظَ " الْقَرْضُ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ ". بَادَرُوا بِالأَمْوَالِ.
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْمدِيرُ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ : قَالَ أَبُو الدَّحْدَاحِ يَعْنِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُرِيدُ مِنَّا الْقَرْضَ؟ قَالَ: نَعَمْ: قَالَ: أَرِنِي يَدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَالَ فَنَاوَلَهُ يَدَهُ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُ رَبِّي حَائِطِي. قَالَ وَحَائِطُهُ فيه ستمائة نَخْلَةٍ، وَأُمُّ الدَّحْدَاحِ فِيهِ وَعِيَالُهَا فَجَاءَ أَبُو الدَّحْدَاحِ فَنَادَى: يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ. قَالَتْ: لَبَّيْكَ. قَالَ: اخْرُجِي مِنَ الْحَائِطِ فَقَدْ أَقْرَضْتُهُ رَبِّي وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهَا لَمَّا سَمِعَتْ ذَلِكَ عَمَدَتْ إِلَى صِبْيَانِهَا تُخْرِجُ مَا فِي أَفْوَاهِهِمْ وَتَنْفُضُ مَا فِي أَكْمَامِهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " كَمْ مِنْ عِذْقٍ رَدَاحٍ فِي الْجَنَّةِ لأَبِي الدَّحْدَاحِ ".
سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ تِلْكَ النُّفُوسَ وَاخْتَارَهَا، وَصَفَّاهَا بِالتُّقَى وَرَفَعَ أَكْدَارَهَا، وَجَعَلَ حِمَى مَعْرِفَتِهِ وَجَنَّتَهُ دَارَهَا، فَإِذَا مَرَّتْ عَلَى النَّارِ أَطْفَأَ نُورُهَا نَارَهَا، قَوْمٌ تَيَقَّظُوا فِي أُمُورِهِمْ وَعَقِلُوا، وَحَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَضَاعُوا وَلا غَفَلُوا، وَحَارَبُوا جُنُودَ الْهَوَى فَأَسَرُوا وَقَتَلُوا، وَتَدَبَّرُوا مَنَازِلَ الْيَقِينِ مَعَ سَادَةِ الْمُتَّقِينَ وَنَزَلُوا، فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا.
إِخْوَانِي: رَحَلَ مَنْ أَصِفُهُ وَبَقِيَ مَنْ لا أَعْرِفُهُ، سَلْ عَنْهُمُ الشُّعْثَ الْغُبُورَ، وَزُرْ إذا اشتقتهم القبور.
(لمن الطول كأنهن (م)
يجزع ذِي سَلَمٍ سُطُورُ)
(تَطْوِي مَعَالِمَهَا الصَّبَا ... طَوْرًا وَتَنْشُرُهَا الدَّبُورُ)
(وَكَفَتْ بِهَا مِنْ أَدْمُعِي ... فِي الرَّكْبِ غَادِيَةً دُرُورُ)
(وَلَقَلَّ مَا تُجْدِي الدُّمُوعُ ... وَيَنْفَعُ الصَّبَّ الزَّفِيرُ)
(أَقْوَتْ مِنَ الْحَيِّ الدِّيَارُ ... فَمَا لَهَا فِي الْعَيْنِ نُورُ)
стр. 750
سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تبور﴾
كَانُوا يَقُومُونَ الدَّيْجُورَ، بِبُكَاءٍ مَطْرُودٍ مَهْجُورٍ، وَرَعْدُ قُلُوبِهِمْ مُقْلِقٌ زَجُورٌ، فَامْتَلأَتْ بِالْخَيْرَاتِ الْحُجُورُ ﴿يَرْجُونَ تجارة لن تبور﴾ .
رَفَضُوا الدُّنْيَا شُغُلا عَنِ الزِّينَةِ، وَأَذَلُّوا نُفُوسَهُمْ فعادت مسكينة، وعلموا أن الدنيا سفينة فتهيأوا للعبور ﴿يرجون تجارة لن تبور﴾ .
يُؤْثِرُونَ بِالطَّعَامِ وَيُؤْثِرُونَ الصِّيَامَ، وَيَأْمُلُونَ فَضْلَ الإِنْعَامِ، فَمَا كَانَتْ إِلا أَيَّامٌ حَتَّى اخْضَرَّتِ الْبُذُورُ ﴿يرجون تجارة لن تبور﴾ بَعَثُوا الأَمْوَالَ الْحَبِيبَةَ إِلَى بِلادِ الْبَعْثِ الْغَرِيبَةِ، فَإِذَا الأَرْبَاحُ عَنْ قَرِيبٍ قَرِيبَةٌ، وَعَلَى هَذَا التجارة تدور ﴿يرجون تجارة لن تبور﴾ .
الْعَلِيلُ عَليِلٌ، وَالأَنِينُ طَوِيلٌ، وَالْعُيُونُ تَسِيلُ، وَمَا مضى إلا القليل حتى فرح الصبور ﴿ترجون تجارة لن تبور﴾ .
يَقِفُونَ وُقُوفَ مِسْكِينٍ، وَيَذِلُّونَ ذُلَّ مُسْتَكِينٍ، فَنَالُوا الْمَقَامَ الأَمِينَ، وَانْشَعَبَ قَلْبُ الْحَزِينِ بِأَكْمَلِ الْحُبُورِ ﴿ترجون تجارة لن تبور﴾ سَلِيمُهُمْ كَالسَّلِيمِ، وَحُزْنُهُمْ مُقِيمٌ، يَحْذَرُونَ الْجَحِيمَ وَيَرْجُونَ النعيم في كمال الحبور ﴿ترجون تجارة لن تبور﴾
لَلْقَلْبُ مَعَ الدُّنْيَا نَبَا، كُلَّمَا عَارَضَهُ الْهَوَى نَبَا، يَنْدُبُونَ نَدْبَ الأَسْرَى الْغُرَبَا، وَالزَّفَرَاتُ عَلَى ذُنُوبِ الصِّبَا تَزِيدُ عَلَى الصَّبَا وَالدَّبُورِ ﴿يَرْجُونَ تجارة لن تبور﴾ .
يَا مَنْ يَدْفِنُ مَالَهُ تَحْتَ الأَرْضِ وَلا يَفْهَمُ مَعْنَى الْقَرْضِ، سَيَخْرُجُ الْوَارِثُ بِالْفَرْضِ إِلَى الدرهم والدور. ﴿يرجون تجارة لن تبور﴾ .
سُبْحَانَ مَنْ قَضَى لِقَوْمٍ سُرُورًا، وَعَلَى آخَرِينَ ثُبُورًا فَمَا لَهُمْ مِنْ نُورٍ ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لن تبور﴾ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.............
стр. 751
الْمَجْلِسُ السَّابِعُ
فِي الأُخُوَّةِ وَالصَّدَاقَةِ
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَطَفَ بِالْبَرَايَا إِذْ بَرَاهُمْ وَبَرَّ، وَرَوَّحَ أَرْوَاحَ أَهْلِ الصَّلاحِ بِرَاحِ الْفَلاحِ وَسَرَّ، وَاطَّلَعَ عَلَى ضَمِيرِ مَنْ نَوَى وَسَرَّ مَنْ أَسَرَّ، وَقَدَّرَ الأَشْيَاءَ فَقَضَى الْخَيْرَ وَقَضَى الشَّرَّ، وَأَمَاتَ وَأَحْيَا وَأَفْقَرَ وَأَغْنَى وَنَفَعَ وَضَرَّ، جَفَّ الْقَلَمُ بِتَقْدِيرِهِ فَمَضَى الأَمْرُ وَاسْتَقَرَّ، بِقُدْرَتِهِ تَقْطَعُ الْمَرَاكِبُ الْبَحْرَ وَالْمَرْكُوبُ الْبَرَّ، لُطْفُهُ عَظِيمٌ وَجُودُهُ عَميِمٌ قَدِ اسْتَمَرَّ " رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّ " سَمِيعٌ يَسْمَعُ الْمُدْنِفَ الْمُضْطَرَّ، بَصِيرٌ يَرَى فِي دُجَى اللَّيْلِ الذَّرَّ، عَلِيمٌ بِانْكِسَارِ مَنْ نَدِمَ وَإِصْرَارِ مَنْ أَصَرَّ، حَلِيمٌ فَإِنْ سَطَا رَأَيْتَ الأَمْرَ الأَمَرَّ، مَا أَلْطَفَهُ بعبده يدعوه لرفع ما عر ﴿فإذا كشفنا عنه ضره مر﴾ .
يَمُدُّ رُوَاقَ الظَّلامِ فَإِذَا لاحَ الصَّبَاحُ فَرَّ، وَيُنِيرُ النَّهَارَ فَإِذَا انْقَضَى عَادَ اللَّيْلُ وَكَرَّ، فَالْقَمَرُ آيَةُ اللَّيْلِ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ ".
أَحْمَدُهُ عَلَى إِنْعَامٍ كُلَّمَا احْتُلِبَّ دَرَّ، وَأُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّتِهِ عَنْ دَلِيلٍ قَدِ اسْتَقَرَّ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي عَمَّتْ رِسَالَتُهُ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الْمُنْفِقِ حَتَّى تَخَلَّلَ وَزَرَّ، وَعَلَى عُمَرَ الزَّاهِدِ فَمَا غَرَّهُ مَا غَرَّ، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي ارْتَفَعَ بِالْكَرَمِ فَبَرَّ وَأَبَرَّ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي مَا أَقْدَمَ قَطُّ فَفَرَّ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الْمُقَدَّمِ نَسَبًا وَالْفَخْرُ قَدِ اسْتَقَرَّ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بنصره وبالمؤمنين﴾ أَيَّدَكَ بِمَعْنَى قَوَّاكَ بِنَصْرِهِ............
وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قلوبهم. التَّأْلِيفُ: الْجَمْعُ عَلَى مَا يُشَاكِلُ. وَالْمُرَادُ بِالآيَةِ
стр. 752
الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَهُمُ الأَنْصَارُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ، وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الآيَاتِ، لأَنَّهُمْ كَانُوا ذَوِي أَنَفَةٍ شَدِيدَةٍ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلا لَطَمَ رَجُلا لقاتلت عنه قبيلته حتى تدراك ثَأْرَهُ، فَآلَ لَهُمُ الإِسْلامُ إِلَى أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ ابْنَهُ وَأَبَاهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ قَالَ: هُمُ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ تَعَالَى.
اعْلَمْ أَنَّ الْمَعْنَى الْجَامِعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الإِسْلامُ، فَقَدِ اكْتَسَبُوا بِهِ أُخُوَّةً أَصْلِيَّةً، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ حُقُوقٌ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ".
وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا " وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ".
وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: لِجَارِهِ أَوْ لأَخِيهِ.......
وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطِسَ، وَيَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيَشْهَدُ جِنَازَتَهُ إِذَا مَاتَ، وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ ".
стр. 753
وَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْحُقُوقُ لِلاشْتِرَاكِ فِي الإِسْلامِ فَكُلَّمَا زَادَتِ الْمُخَالَطَةُ وَصَفَا زَادَتِ الْحُقُوقُ، مِثْلُ الْقَرَابَةِ وَالْمُجَاوَرَةِ وَالضِّيَافَةِ وَالصُّحْبَةِ وَالصَّدَاقَةِ وَالأُخُوَّةِ الْخَاصَّةِ فِي اللَّهِ .
فَأَمَّا حَقُّ الْقَرَابَةِ: فَمَعْلُومٌ: وُجُوبُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَتَقْدِيمُ الأُمِّ فِي الْبِرِّ وَوُجُوبُ صِلَةِ الرَّحِمِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوسِعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ وَيَنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ".
وَأَمَّا حَقُّ الْجَارِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ".
وَأَمَّا حَقُّ الضَّيْفِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ".
وَأَمَّا حَقُّ الصُّحْبَةِ فَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَخْدِمَهُ فَكَانَ يَخْدِمُنِي أَكْثَرَ.......
وَأَمَّا حَقُّ الصَّدَاقَةِ فَإِنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى مَا دُونَ الأُخُوَّةِ، فَالأُخُوَّةُ هِيَ الْمَرْتَبَةُ الْعُلْيَا، وَإِنَّمَا تَقَعُ الأُخُوَّةُ الصَّادِقَةُ إِذَا حَصَلَ التَّشَاكُلُ بَيْنَ الأَخَوَيْنِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ ".
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ ﵀: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: الإِخْبَارُ عَنْ مَبْدَإِ كَوْنِ الأَرْوَاحِ وَتَقَدُّمِهَا الأَجْسَادَ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأَرْوَاحَ قَبْلَ الأَجْسَادِ بِكَذَا وَكَذَا، فَأَعْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهَا خُلِقَتْ عَلَى ائْتِلافٍ وَاخْتِلافٍ فَتَأْتَلِفُ الأَجْسَادُ فِي الدُّنْيَا وَتَخْتَلِفُ عَلَى حَسَبِ مَا وَقَعَ فِي مَبْدَإِ الْخِلْقَةِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الأَرْوَاحَ لَيْسَتْ بِأَعْرَاضٍ وَأَنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأَجْسَادِ، وَأَنَّهَا تَبْقَى بَعْدَ الأَجْسَادِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ
стр. 754
وَالسَّلامُ: " أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعَلَّقُ فِي ثَمَرِ الْجَنَّةِ ".
وَهَذِهِ الأُخُوَّةُ الْخَاصَّةُ هِيَ الَّتِي عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الأُخُوَّةَ الْعَامَّةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخوة﴾ وَاقِعَةٌ قَبْلَ عَقْدِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَرَادَ الأَمْرَ الْخَاصَّ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ آخَى بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. وَقَدْ آخَى بَيْنَ خَلْقٍ كَثِيرٍ ذَكَرْتُهُمْ فِي كِتَابِ التَّلْقِيحِ.......
وَهَذِهِ الأُخُوَّةُ هِيَ الَّتِي تُوجِبُ الْمَحَبَّةَ فِي اللَّهِ ، وَهِيَ أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ. كَذَلِكَ رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ ".
وَمِنْ جُمْلَةِ ثَوَابِ الْمُتَحَابَّيْنِ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ " فَذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ".
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلِّي ".
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ.
وَبِالإِسْنَادِ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ مَسْجِدَ أَهْلِ دِمَشْقَ فَإِذَا حَلْقَةٌ فِيهَا كُهُولٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَإِذَا شَابٌّ فِيهِمْ أَكْحَلُ الْعَيْنِ بَرَّاقُ الثَّنَايَا كُلَّمَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إِلَى الْفَتَى، فَقُلْتُ لِجَلِيسٍ لِي: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هذا معاذ ابن جَبَلٍ فَجِئْتُ مِنَ الْعَشِيِّ فَلَمْ يَحْضُرْ، فَغَدَوْتُ من الغد فلم يجيء، فَخَرَجْتُ فَإِذَا أَنَا بِالشَّابِّ يُصَلِّي إِلَى سَارِيَةٍ فَرَكَعْتُ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ إِلَيْهِ، قَالَ فَسَلَّمَ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: فَمَدَّنِي إِلَيْهِ وَقَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قُلْتُ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الْمُتَحَابُّونَ في الله
стр. 755
عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ ".......
قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى لَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَذَكَرْتُ حَدِيثَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ يَقُولُ: " حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ ".
وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ مِنْ أَجْلِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَصَافُّونَ مِنْ أَجْلِي ".
وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ للَّهِ عِبَادًا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَغْبِطُهُمُ الشُّهَدَاءُ. قِيلَ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلالِ اللَّهِ ".
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الثَّوَابَ فِي هَذِهِ الْمَحَبَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَتْ للَّهِ تَعَالَى خَالِصَةً لا يَشُوبُهَا شَيْءٌ مِنَ الْكَدَرِ، وَمَتَى قَوِيَتْ مَحَبَّةُ اللَّهِ فِي الْقَلْبِ قَوِيَتْ مَحَبَّةُ أَوْلِيَائِهِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ، فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مَنْ يُؤَاخِي وَمَنْ يُحِبُّ، وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَيَّرَ إِلا مَنْ قَدْ سَلِمَ عَقْلُهُ وَدِينُهُ. وَقَدْ قَالَ ﵇: " الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ".......
فَإِذَا أَحَبَّ شَخْصًا فَلْيُعْلِمْهُ: وَرَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ.
وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ: لَقَدْ أَحْبَبْتُ فِي اللَّهِ أَلْفَ أَخٍ كُلُّهُمْ أَعْرِفُ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَقَبِيلَتَهُ وَمَكَانَ دَارِهِ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ: مَا تَحَابَّ رَجُلانِ فِي اللَّهِ إِلا
стр. 756
كَانَ أَفْضَلُهُمَا أَشَدَّهُمَا حُبًّا لِصَاحِبِهِ.
وَكَانَ يَقُولُ: اصحب من ذا صَحِبْتَهُ زَانَكَ، وَإِنْ خَدَمْتَهُ صَانَكَ، وَإِذَا أَصَابَتْكَ خَصَاصَةٌ مَانَكَ، وَإِنْ رَأَى مِنْكَ حَسَنَةً سُرَّ بِهَا، وَإِنْ رَأَى مِنْكَ سَقْطَةً سَتَرَهَا، وَمَنْ إِذَا قُلْتَ صَدَّقَ قَوْلَكَ، وَمَنْ هُوَ فَوْقَكَ فِي الدِّينِ وَدُونَكَ فِي الدُّنْيَا، وَكُلُّ أَخٍ وَجَلِيسٍ وَصَاحِبٍ لا تَسْتَفِيدُ مِنْهُ فِي دِينِكَ خَيْرًا فَانْبُذْ عَنْكَ صُحْبَتَهُ.
فَإِذَا صَفَتِ الْمَحَبَّةُ وَخَلَصَتْ وَقَعَ الشَّوْقُ وَالتَّزَاوُرُ وَصَارَ بَذْلُ الْمَالِ أَحْقَرَ الأَشْيَاءِ.
فَأَمَّا التَّزَاوُرُ فَقَدْ ذَكَرْنَا فَضِيلَتَهُ.
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَذْكُرُ الأَخَ مِنْ إِخْوَانِهِ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: يَا طُولَهَا مِنْ لَيْلَةٍ! فَإِذَا صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ غَدَا إِلَيْهِ فَاعْتَنَقَهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا مَشَى أَحَدُ الْمُتَحَابَّيْنِ إِلَى الآخَرِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَضَحِكَ إِلَيْهِ تَحَاتَّتْ خَطَايَاهُ كَمَا يَتَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ الأَزَجِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ الْعَلافُ [عَنْ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ] قَالَ: امْشِ مِيلا صَلِّ جَمَاعَةً، امْشِ مِيلَيْنِ صَلِّ جُمُعَةً، امْشِ ثَلاثَةَ أَمْيَالٍ عُدْ مَرِيضًا،......
امْشِ أَرْبَعَةَ أَمْيَالٍ شَيِّعْ جِنَازَةً، امْشِ خَمْسَةَ أَمْيَالٍ شَيِّعْ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، امْشِ سِتَّةَ أَمْيَالٍ شَيِّعْ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، امْشِ سَبْعَةَ أَمْيَالٍ بِصَدَقَةٍ مِنْ رَجُلٍ إِلَى رَجُلٍ، امْشِ ثَمَانِيَةَ أَمْيَالٍ أَصْلِحْ بَيْنَ النَّاسِ، امْشِ تِسْعَةَ أَمْيَالٍ صِلْ رَحِمًا وَقَرَابَةً، امْشِ عَشَرَةَ أَمْيَالٍ فِي حَاجَةِ عِيَالِكَ، امْشِ أَحَدَ عَشَرَ مِيلا فِي مُعَاوَنَةِ أَخِيكَ، امْشِ بَرِيدًا وَالْبَرِيدُ اثْنَا عَشَرَ مِيلا - زُرْ أَخًا فِي اللَّهِ !
وَأَمَّا بَذْلُ الْمَالِ فَلَهُ ثَلاثُ مَرَاتِبَ: أَهْوَنُهَا: الْمُسَاهَمَةُ فِي الْمَالِ، وَأَوْسَطُهَا الْمُوَاسَاةُ، وَأَعْلاهَا تَقْدِيمُ الأَخِ فِي الْمَالِ عَلَى النَّفْسِ.
وَقَدْ رُوِّينَا آنِفًا: " حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ".
стр. 757
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا أَحَدُنَا بِأَحَقَّ بِدِينَارِهِ وَدِرْهَمِهِ مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: كُنَّا نَعُدُّ الْبَخِيلَ الَّذِي يُقْرِضُ أَخَاهُ!
وَقَالَ: لَيْسَ مِنَ الْمُرُوءَةِ أَنْ يَرْبَحَ الرَّجُلُ على صديقه.
وقال أبو جعفرالباقر لأَصْحَابِهِ: هَلْ يُدْخِلُ أَحَدُكُمْ يَدَهُ فِي كُمِّ صَاحِبِهِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مَا يُرِيدُ؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فَلَسْتُمْ بِإِخْوَانٍ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَتَلَطَّفُ فِي إِيصَالِ الْبُرِّ إِلَى إِخْوَانِهِ فَيَأْتِي بِالصُّرَّةِ فيها الأربعمائة والخمسمائة فَيُودِعُهَا أَحَدَهُمْ ثُمَّ يَلْقَاهُ بَعْدُ فَيَقُولُ: انْتَفِعُوا بِهَا فَهِيَ لَكُمْ.
وَعَلَى هَذَا لا يَنْبَغِي لِلأَخٍ أَنْ يُجْحِفَ بِأَخِيهِ فِيمَا يَأْخُذُ مِنْهُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لا كُلْفَةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ زَمَنَ الْهِجْرَةِ: قَدْ عَلَفْتُ نَاقَتَيْنِ فَخُذْ إِحْدَاهُمَا فَقَالَ: بِالثَّمَنِ.
هَيْهَاتَ! رَحَلَ الإِخْوَانُ وَأَقَامَ الْخَوَّانُ، وَقَلَّ أَنْ تَرَى فِي الزَّمَانِ إِلا مَنْ إِذَا دُعِيَ مَانَ.......
(
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ)
(أَجِدُ الدِّيَارَ كَمَا عَهِدْتُ وَإِنَّمَا ... شَكْوَايَ أَنِّي أَفْقِدُ الْجِيرَانَا)
(يَا وَحْدَتِي مَا أَكْثَرَ الإِخْوَانَ لِي ... نَظَرًا وَأَكْثَرَ فِيهِمُ الْخَوَّانَا!)
(فِي كُلِّ مَطْرَحِ نَظْرَةٍ حَوْلِي أَخٌ ... صِنْوٌ إِذَا هَزَّ الْغِنَى الأَفْنَانَا)
(رَاعٍ مَعِي أَبَدًا فَإِنْ هِيَ أَعْجَفَتْ ... إِبِلِي تَقَلَّبَ أَوْ يَعُدْنَ سِمَانَا)
(أَشْرِيهِ مِنْ خَفْضِ الْمَعِيشَةِ غَالِيًا ... وَيَبِيعُنِي فِي ضَنْكِهَا مَجَّانَا)
(أَلْقَاهُمْ عَدَدَ الْكَوَاكِبِ كَثْرَةً ... حَوْلِي وَأَلْقَى وَحْدِي الْحَدَثَانَا)
إِخْوَانِي: إِنَّ الْبُخْلَ وَالْجَهْلَ لِلْقُلُوبِ قَدْ خَالَطَ، فَمَا يَعْرِفُ مَنْ يُخَالِطُ.
كَانَ السَّلَفُ يَتَعَاشَرُونَ بِنَزْعِ الْغِلِّ عَلَى مُنَاصَحَةِ النُّفُوسِ، فَصَارَتْ عِشْرَةُ
стр. 758
الْعَشِيرَةِ عَلَى مُوَافَقَةِ الْهَوَى بِدَخَنِ الضَّمِيرِ، كَانُوا يَمِيلُونَ عَلَى الدُّنْيَا بِالذَّمِّ فَصَارَ الْمَيْلُ إِلَيْهَا بِالْقَلْبِ، تَمَالَئُوا عَلَى حُبِّهَا وَمَالُوا، فَإِذَا فَرَّتْ عَنْ صَدِيقِهِمْ أَعْرَضُوا وَمَالُوا، فَافْتَحْ بَصَرَ الْبَصِيرَةِ فَعَلَى هَذَا تَرَاهُمْ، ثُمَّ الْتَفِتْ عَنْهُمْ وَإِيَّاكَ وَإِيَّاهُمْ:
(اسْمَعِي مِنِّي أَبُثَّكِ شَانِي ... إِنَّمَا يُبْدِي ضَمِيرِي لِسَانِي)
(كَمْ أَخٍ لِي كَانَ مِنِّي فَلَمَّا ... أَنْ رَأَى الدَّهْرَ جَفَانِي قَدْ جَفَانِي)
(لَمْ يُرِعْنِي غَيْرَ خِلٍّ غَادِرٍ ... مُوتِرٍ نَحْرِي لِقَوْسِ الزَّمَانِ)
(مُسْتَعِدٍّ لِي بِسَهْمٍ عِنْدَمَا ... أَنْ رَأَى الدَّهْرَ رَمَانِي قَدْ رَمَانِي)
كَانَ الأَخُ فِي اللَّهِ يَخْلُفُ أَخَاهُ فِي أَهْلِهِ إِذَا مَاتَ أَرْبَعِينَ سَنَةً! وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ شَيْنَ أَخِيهِ طَلَبَ حَاجَتَهُ مِنْ غَيْرِهِ.
خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ ﵀ فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَدَخَلُوا مَسْجِدًا فِي بَعْضِ الْمَفَاوِزِ وَالْبَرْدُ شَدِيدٌ وَلَيْسَ لِلْمَسْجِدِ بَابٌ، فَلَمَّا نَامُوا قَامَ إِبْرَاهِيمُ فَوَقَفَ عَلَى الْبَابِ إِلَى......
الصَّبَاحِ، فَقِيلَ لَهُ: لَمْ تَنَمْ؟ فَقَالَ: خَشِيتُ أَنْ يُصِيبَكُمُ الْبَرْدُ فَقُمْتُ مَقَامَ الْبَابِ!
وَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى بَيْتِ صَدِيقٍ لَهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: علي أربعمائة دِرْهَمٍ فَدَخَلَ الدَّارَ فَوَزَنَهَا ثُمَّ خَرَجَ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ عَادَ إِلَى الدَّارِ بَاكِيًا فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: هَلا تَعَلَّلْتَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ إِعْطَاؤُهُ يَشُقُّ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أَبْكِي لأَنِّي لَمْ أَفْتَقِدْ حَالَهُ فَاحْتَاجَ أَنْ يَقُولَ لِي ذَلِكَ!
(هَلْ تُحِسَّانِ لِي رَفِيقًا رَفِيقًا ... أَوْ تُصِيبَانِ لِي صَدِيقًا صَدُوقَا)
(قَدْ فَشَا الْغَدْرُ وَالْخِيَانَةُ فِي النَّاسِ ... فَمَا إِنْ رَأَى رَفِيقًا شَفِيقَا)
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ بِسَنَدِهِ عَنْ رَبَاحِ بْنِ الْجَرَّاحِ قَالَ: جَاءَ فَتْحٌ الْمَوْصِلِيُّ إِلَى مَنْزِلِ صَدِيقٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ عِيسَى التَّمَّارُ فلم يجده في المنزل، فقال للخادمة: أَخْرِجِي لِي كِيسُ أَخِي. فَأَخْرَجَتْهُ فَفَتَحَهُ فَأَخَذَ منه درهمين. وجاء عيسى فأخبرته الخادمة فَقَالَ: إِنْ كُنْتِ صَادِقَةً فَأَنْتِ حُرَّةٌ. فَنَظَرَ فَإِذَا هِيَ صَادِقَةٌ. فَعَتَقَتْ!
стр. 759
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: كَانَ لِي أَخٌ فِي اللَّهِ فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: أَعْطِنِي دَرَاهِمَ. فَقَالَ: كَمْ تُرِيدُ؟ فَسَقَطَ مِنْ عَيْنِي وَخَرَجَتْ أُخُوَّتُهُ مِنْ قَلْبِي بِقَوْلِهِ: كَمْ تُرِيدُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا عَلَتْ مَرْتَبَةُ الأُخُوَّةِ وَقَعَ فِدَاءُ الأَخِ بِالنَّفْسِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْقُرْطُبِيَّ وَأَبَا عَمْرٍو الآدَمِيَّ يَقُولانِ وَكَانَا يَتَآخَيَانِ فِي اللَّهِ تَعَالَى: خَرَجْنَا مِنْ بَغْدَادَ نُرِيدُ الْكُوفَةَ، فَلَمَّا سِرْنَا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ إِذَا نَحْنُ بِسَبُعَيْنِ رَابِضَيْنِ عَلَى الطَّرِيقِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لأَبِي عَمْرٍو: أَنَا أَكْبَرُ مِنْكَ سِنًّا فَدَعْنِي أَتَقَدَّمُكَ فَإِنْ كَانَ حَادِثَةٌ اشْتَغَلا بِي......
عَنْكَ وَجُزْتَ أَنْتَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَمْرٍو نَفْسِي مَا تُسَامِحُنِي بِهَذَا، وَلَكِنْ نَكُونُ جَمِيعًا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةٌ كُنَّا جَمِيعًا. فَجَازَا جَمِيعًا بَيْنَ السَّبُعَيْنِ فَلَمْ يَتَحَرَّكَا وَمَرَّا سَالِمَيْنِ.
وَرَكِبَ أَخَوَانِ فِي اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَحْرِ فَكُسِرَ بِهِمَا الْمَرْكَبُ فَجَعَلا يَسْبَحَانِ وَيَتَعَلَّقُ أَحَدُهُمَا بِالآخَرِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: إِنْ تَعَلَّقْتَ بِي هَلَكْنَا جَمِيعًا فَدَعْنِي فَرُبَّمَا سَلِمَ أَحَدُنَا فَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنِّي أَنَا أَنْتَ فَإِذَا وَقَعَ الْفِرَاقُ فَنَعَمْ. فَتَنَحَّى عَنْهُ، فَقُدِّرَتْ لَهُمَا السَّلامَةُ فَلَمْ يَصْحَبْهُ ذَلِكَ بَاقِيَ عُمْرِهِ.
إِخْوَانِي: نُسِخَ فِي هَذَا الزَّمَانِ رَسْمُ الأُخُوَّةِ وَحُكْمُهُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلا الْحَدِيثُ عَنِ الْقُدَمَاءِ، فَإِنْ سَمِعْتَ بِإِخْوَانٍ صِدْقٍ فَلا تُصَدِّقْ.
(مَا هَذِهِ الأَلِفُ الَّتِي قَدْ زِدْتُمْ ... فَدَعَوْتُمُ الْخُوَّانَ بِالإِخْوَانِ)
(مَا صَحَّ لِي أَحَدٌ أُصَيِّرُهُ أَخًا ... فِي اللَّهِ حَقًّا، لا وَلا الشَّيْطَانِ)
(إِمَّا مُوَلٍّ عَنْ وِدَادِي مَا لَهُ ... وَجْهٌ وَإِمَّا مَنْ لَهُ وَجْهَانِ)
стр. 760
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾
فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الذِّكْرِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ الذِّكْرُ فِي الصَّلاةِ، يُصَلِّي الإِنْسَانُ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ. هَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ ذِكْرٌ فِي الصَّلاةِ وَغَيْرِهَا.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ الْخَوْفُ. فَالْمَعْنَى يَخَافُونَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ تَصَرُّفَاتِهِمْ.......
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ : " أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ جَاءَنِي يَمْشِي جِئْتُهُ هَرْوَلَةً ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ؟ قَالَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكَرَاتِ ".
وَفِي أَفْرَادِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ".
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَا مِنْ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ لا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِلا وَجْهَ اللَّهِ إِلا نَادَاهُمْ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: قُومُوا مَغْفُورًا لَكُمْ قَدْ بَدَّلْتُ سَيِّئَاتِكُمْ حَسَنَاتٍ.
стр. 761
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِنَّ للَّهِ تَعَالَى مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ. فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ ﵎ وَهُو أَعْلَمُ بِهِمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَذْكُرُونَكَ وَيُسَبِّحُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لا وَاللَّهِ......
يَا رَبِّ مَا رَأَوْكَ. قَالَ: فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْكَ لَكَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَأَكْثَرَ تَسْبِيحًا. قَالَ: فَيَقُولُ: وَمَا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ قَالَ: فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً فَيَقُولُ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ! قَالَ: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ قَالَ: يَقُولُ: فَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لا وَاللَّهِ مَا رَأَوْهَا. قَالَ يَقُولُ: كَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ: فِيهِمْ فُلانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ ".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ ".
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ ذَكَرَنِي يَوْمًا أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامٍ ".
وَفِي حَدِيثِهِ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: " مَجَالِسُ الذِّكْرِ ".
وَكَانَ دَاوُدُ ﵊ يَقُولُ: إِلَهِي إِذَا مَرَرْتُ عَلَى مَلإٍ يَذْكُرُونَكَ فَجَاوَزْتُهُمْ فَاكْسِرِ الرِّجْلَ الَّتِي تَلِيهِمْ.......
стр. 762
وَاعْلَمْ أَنَّ الذَّاكِرِينَ تَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْثِرُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَيُقَدِّمُهُ عَلَى كُلِّ ذِكْرٍ. وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَخْتِمُ كُلَّ يَوْمٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتِمُ خَتْمَتَيْنِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَكْثَرُ ذِكْرِهِ التَّهْلِيلُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ: " لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَمَنْ قَالَ فِي يَوْمِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ".
وَقَالَ سَعِيدُ بن عبد العزيز قلت لعمر بن هانىء: أَرَى لِسَانَكَ لا يَفْتُرُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَكَمْ تُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالَ: مائة ألف إلا أن تخطىء الأَصَابِعُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ الْبُنَانِيُّ: ذَهَبْتُ أُلَقِّنُ أَبِي وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ خَلِّ عَنِّي فَإِنِّي فِي وِرْدِي السَّادِسِ أَوِ السَّابِعِ!
(ذِكْرُكَ لِي مُؤْنِسٌ يُعَارِضُنِي ... يَعِدُنِي عَنْكَ مِنْكَ بِالظَّفْرِ)
(وَكَيْفَ أَنْسَاكَ يَا مَدَى هِمَمِي ... وَأَنْتَ مِنِّي بِمَوْضِعِ النَّظَرِ)
وَمِنَ الذَّاكِرِينَ مَنْ غَلَبَ عَلَى قَلْبِهِ حُبُّ الْمَذْكُورِ فَلا يَزَالُ فِي الذِّكْرِ وَالتَّعَبُّدِ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ حَبِيبٍ بِسَنَدِهِ قَالَ: سَمِعْتُ فَاطِمَةَ أُخْتَ أَبِي عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيِّ تَقُولُ:......
سَمِعْتُ أَخِي يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَعْبَدَ للَّهِ مِنْ سري
стр. 763
السَّقَطِيٍّ، أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ سَنَةً مَا رُئِيَ مُضْطَجِعًا إِلا فِي عِلَّةِ الْمَوْتِ.
وَمِنَ الذَّاكِرِينَ مَنْ صَارَ الذِّكْرُ لَهُ إِلْفًا لا عَنْ كُلْفَةٍ، فَمَا لَهُ هَمٌّ غَيْرُهُ، فَهُوَ يذكر أبدا على جهة الحضور.
وقال مجمش الْجَلابُ: صَحِبْتُ أَبَا حَفْصٍ النَّيْسَابُورِيَّ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً فَمَا رَأَيْتُهُ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى حَدِّ الْغَفْلَةِ وَالانْبِسَاطِ، مَا كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ إِلا عَلَى سَبِيلِ الْحُضُورِ وَالْحُرْمَةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى تَغَيَّرَ عَلَيْهِ حَالُهُ حَتَّى كَانَ يَرَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ حَضَرَهُ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: صَحِبْتُ فِي طَرِيقِي رَجُلا أَسْوَدَ فَكَانَ إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى ابْيَضَّ!
(وشغلت عني فهم الحديث سوى ... ما كان منك وعندكم شغلي)
(وأديم نحو محدثي نظري ... أن قد فهت وَعِنْدَكُمْ عَقْلِي)
أَيْنَ أَهْلُ الأَذْكَارِ، أَيْنَ قُوَّامُ الأَسْحَارِ، أَيْنَ صُوَّامُ النَّهَارِ، خَلَتْ وَاللَّهِ مِنْهُمُ الدِّيَارُ، وَامْتَلأَتْ بِهِمُ الْقِفَارُ فَصِلْ إِلَيْهِمْ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ فَهُمُ الأَحْرَارُ.
(سَلامٌ عَلَى أَهْلِ الْحِمَى عَدَدَ الرَّمْلِ ... وَقُلْ لَهُ التَّسْلِيمُ مِنْ تَائِقٍ مِثْلِي)
(وَقَفْتُ وُقُوفَ الْغَيْثِ بَيْنَ طُلُولِهِ ... بِمُنْسَكِبٍ سَحَّ وَمُنْهَمِلٍ وَبِلِ)
(وَمَا رُمْتُ حَتَّى خَالَنِي الرِّيمُ رِمَّةً ... وَأَذْرَفَ أَطْيَارُ الْحِمَى الدَّمْعَ مِنْ أجلي)
(خليلي قد غدبتماني مَلامَةً ... كَأَنْ لَمْ يَطُفْ فِي دِمْنَةٍ أَحَدٌ قَبْلِي) ......
(فَلا بَرِحَتْ عَيْنِي تَنُوبُ عَنِ الْحَيَا ... بِدَمْعٍ عَلَى تِلْكَ الْمَنَاهِلِ مُنْهَلِ)
(لَيَالِي لا رَوْضَ الْكَثِيبِ بِلا نَدَى ... وَلا شَجَرَاتِ الأَبْرَقَيْنِ بلا طل)
стр. 764
السجع عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وقعودا وعلى جنوبهم﴾ .
سُبْحَانَ مَنْ قَضَى عَلَى الْغَافِلِينَ كَسَلا وَقُعُودًا، وَرَفَعَ الْمُتَّقِينَ عُلُوًّا وَصُعُودًا وَمَنَحَهُمْ مِنْ إِنْعَامِهِ فَوْزًا وَسُعُودًا بِمَطْلُوبِهِمْ ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وعلى جنوبهم﴾ .
أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ فَأَعْطَاهُمْ، وَاسْتَخْلَصَهُمْ وَاصْطَفَاهُمْ وَقَلِيلٌ مَا هم، اشْتَغَلَ النَّاسُ بِدُنْيَاهُمْ وَاشْتَغَلُوا بِذِكْرِ مَحْبُوبِهِمْ ﴿يَذْكُرُونَ الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ .
قَنَعُوا بِأَدْوَنِ الْمَطْعَمِ وَاللِّبَاسِ، وَأَلْقَوْا نُفُوسَهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ كَالأَحْلاسِ، يَمْشُونَ بِالسَّكِينَةِ بَيْنَ النَّاسِ وَمَا دَرَوْا بِهِمْ فِي دُرُوبِهِمْ ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وقعودا وعلى جنوبهم﴾ .
اكْتَفَوْا مِنَ اللَّيْلِ بِيَسِيرِ النَّوْمِ، وَاشْتَغَلُوا بِالصَّلاةِ وَبِالصَّوْمِ، وَكَانَتْ وَاللَّهِ هِمَمُ الْقَوْمِ فِي صَلاحِ قُلُوبِهِمْ ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ .
تَنَاوَلُوا لُقَمَ التَّرْتِيلِ وَقَالُوا: هَذِهِ لِلْجُوعِ تُزِيلُ، فَهُمْ يَقْنَعُونَ بِالْقَلِيلِ فِي مَطْعُومِهِمْ وَمَشْرُوبِهِمْ ﴿يَذْكُرُونَ الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ .
قَامُوا قِيَامَ الْمُسْتَعِدِّ، وَوَرَدُوا بَحْرَ الْجُودِ الْعِدِّ، وَتَسَلَّحُوا سِلاحَ الْعَزْمِ وَالْجِدِّ فِي جَمِيعِ حُرُوبِهِمْ ﴿يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ .
لَبِسُوا ثِيَابَ السَّفَرِ، وَرَحَلُوا عَلَى أَكْوَارِ السَّهَرِ، فَلَوْ سَمِعْتَ وَقْتَ السَّحَرِ تَرَنُّمَ طُرُوبِهِمْ ﴿يَذْكُرُونَ الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ .......
تناولوا كؤوس الدَّمْعِ يَتَجَرَّعُونَ، فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ فِي طَرِيقِ الْخُضُوعِ يَتَضَرَّعُونَ وَالْقَوْمُ يَقْلَقُونَ وَيَضَّرَّعُونَ فِي سَتْرِ عُيُوبِهِمْ ﴿يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ .
стр. 765
يَسْتَغِيثُونَ إِلَى الْحَقِّ وَيَشْكُونَ، وَالْيَتَامَى فِي الذُّلِّ يَحُكُّونَ، وَجُمْلَةُ الأَمْرِ أَنَّهُمْ يَبْكُونَ عَلَى قُبْحِ مَكْتُوبِهِمْ ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ .
يَعْتَذِرُونَ مِنْ زَلَلِ الْقَدَمِ، وَيَتَمَنَّوْنَ بَعْدَ الْوُجُودِ الْعَدَم، وَقَدْ بَعَثُوا رِسَالَةَ النَّدَمِ مَعَ مَنْدُوبِهِمْ ﴿يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ .
قَلَّبَتْهُمُ الأَشْجَانُ، وَغَيَّرَتْهُمُ الأَحْزَانُ، يَنْزَعِجُونَ لِمَا قَدْ كَانَ مِنْ سَالِفِ ذُنُوبِهِمْ ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وقعودا وعلى جنوبهم﴾ .
أَمَّا اللَّيْلُ فَسَهَارَى، وَأَمَّا النَّهَارُ فَأُسَارَى، وَكَأَنَّهُمْ بِالْمَحَبَّةِ سُكَارَى فِي شُرُوقِهِمْ وَغُرُوبِهِمْ ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ .
لَوْ أَصْغَيْتَ فِي الدُّجَى وَاسْتَمَعْتَ، وَأَحْضَرْتَ قَلْبَكَ عِنْدَهُمْ وَجَمَّمْتَ، وَهَيْهَاتَ لَيْتَكَ اطَّلَعْتَ عَلَى بَعْضِ كُرُوبِهِمْ ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ .
كَانَتْ رَقْدَةٌ ثُمَّ بَقِيَتِ النِّيَاحَةُ، فَانْتَقَلُوا مِنْ حَضْرَةِ الْحَظَرِ إِلَى الإِبَاحَةِ، وَاسْتَبْدَلُوا بِالرِّيَاضَةِ الرَّاحَةَ، فَلَمْ يَبْقَ أَثَرٌ لِجُدُوبِهِمْ ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وقعودا وعلى جنوبهم﴾ .......
стр. 766
المجلس الثامن
في ذِكْرُ الْعُزْلَةِ
الْحَمْدُ للَّهِ الْوَاحِدِ الْقَدِيمِ الْجَبَّارِ، الْقَادِرِ الْعَظِيمِ الْقَهَّارِ، وَالْمُتَعَالِي عَنْ دَرَكِ الْخَوَاطِرِ وَالأَفْكَارِ، الْمُنْفَرِدِ بِالْعِزِّ وَالْقَهْرِ وَالاقْتِدَارِ، الَّذِي وَسَمَ كُلَّ مَخْلُوقٍ بِسِمَةِ الافْتِقَارِ، فَأَظْهَرَ آثَارَ قُدْرَتِهِ بِتَصَرُّفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، سَمِيعٌ يَسْمَعُ لا كَالأَسْمَاعِ، بَصِيرٌ يُبْصِرُ لا كَالأَبْصَارِ، قَادِرٌ مُرِيدٌ حَكِيمٌ عَلِيمٌ بِالأَسْرَارِ، يُبْصِرُ دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ عَلَى الْقَارِ، وَيَسْمَعُ أَنِينَ الْمُدْنِفِ يَشْكُو مَا بِهِ مِنْ أَضْرَارٍ، كَلَّمَ مُوسَى كِفَاحًا لَمَّا قَضَى الأَجَلَ وَسَارَ، وَرَآهُ نَبِيُّنَا ﷺ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ وَالأَخْبَارُ، وَيَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ إِذَا نَزَلُوا دَارَ القرار، صفاته كذاته والمشبهة كفار، نقر وغر وَأَرْبَابُ الْبَحْثِ فِي خَسَارٍ، هَذَا سَيْفُ السُّنَّةِ فَتَنَاوَلْهُ بِالْيَمِينِ لا بِالْيَسَارِ، وَاضْرِبْ بِهِ كَفَّ " كَيْفَ " وَرَأْسَ " لَمْ " وَعُنُقَ " ثُمَّ " وَخُذْ لِلتَّنْزِيهِ من التشبيه بالثار ﴿أمن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جرف هار﴾ .
أَحْمَدُهُ فِي الإِعْلانِ وَالإِسْرَارِ، وَأَشْهَدُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ بِأَصَحِّ إِقْرَارٍ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ الأَطْهَارِ، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ رَفِيقِهِ فِي الدَّارِ وَالْغَارِ، وَعَلَى عُمَرَ قَامِعِ الْكُفَّارِ، وَعَلَى عُثْمَانَ شَهِيدِ الدَّارِ، وَعَلَى عَلِيٍّ قَسِيمِ النَّارِ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ آخِذِ الْبَيْعَةِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ عَلَى الأَنْصَارِ.......
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بِسَنَدِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: رَجُلٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ من
стр. 767
الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَزَّارُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا رِزْقُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ مِنْ خَيْرِ مَعَايِشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ قَرْعَةً طَارَ عَلَى مَتْنِ فَرَسِهِ يَلْتَمِسُ الْمَوْتَ وَالْقَتْلَ مَكَانَهُ، وَرَجُلٌ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنَ الشِّعَافِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الأَوْدِيَةِ يُقِيمُ الصَّلاةَ وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلا فِي سَبِيلِ خَيْرٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْهَيْعَةُ: الصَّوْتُ. قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
(أَنَا ابْنُ حُمَاةِ الْمَجْدِ مِنْ آلِ مَالِكٍ ... إِذَا جَعَلَتْ خُورُ الرِّجَالِ تَهِيعُ)
وَالْخُورُ جَمْعُ خَوَّارٍ وَهُوَ الضَّعِيفُ. والشعفة واحدة الشعاف وهي رؤوس الْجِبَالِ، وَهِيَ الشَّمَارِيخُ وَالشَّنَاخِيبُ وَاحِدُهَا شُنْخُوبَةٌ.
وَرُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: " امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ ".......
قَالَ الشَّيْخُ: وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْعُزْلَةِ.
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يُؤْثِرُونَهَا وَيَمْدَحُونَهَا فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: خُذُوا بِحَظِّكُمْ مِنَ الْعُزْلَةِ
وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ بَابًا مِنْ حَدِيدٍ لا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ وَلا أُكَلِّمُهُ حَتَّى أَلْحَقَ بِاللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لأَصْحَابِهِ: كُونُوا يَنَابِيعَ الْعِلْمِ مَصَابِيحَ اللَّيْلِ أَحْلاسَ الْبُيُوتِ، جُدُدَ الْقُلُوبِ خُلْقَانَ الثِّيَابِ، تُعْرَفُونَ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَتَخْفُونَ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ.
стр. 768
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: نِعْمَ صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ بَيْتُهُ يَكُفُّ فِيهَا بَصَرَهُ وَلِسَانَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَالسُّوقَ فَإِنَّهَا تُلْهِي وَتُلْغِي.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلا مَخَافَةُ الْوَسْوَاسِ لَرَحَلْتُ إِلَى بِلادٍ لا أَنِيسَ بِهَا، وَهَلْ يُفْسِدُ النَّاسَ إِلا النَّاسُ!
كَانَ أَبُو جَهْمٍ الأَنْصَارِيُّ بَدْرِيًّا وَكَانَ لا يُجَالِسُ النَّاسَ وَكَانَ يَعْتَزِلُ فِي بَيْتِهِ، فَقَالُوا لَهُ: لَوْ جَالَسْتَ النَّاسَ وَجَالَسُوكَ؟ فَقَالَ: وَجَدْتُ مُقَارَبَةَ النَّاسِ شَرًّا.
وَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي إِنْسَانًا يَكُونُ فِي مَالِي ثُمَّ أُغْلِقُ عَلَيَّ بَابًا فَلا يَدْخُلُ عَلَيَّ أَحَدٌ حَتَّى أَلْحَقَ بِاللَّهِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ: صَوَامِعُ الْمُؤْمِنِينَ بُيُوتُهُمْ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ سِيرِينَ: الْعُزْلَةُ عِبَادَةٌ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يُطِيلُ الصَّمْتَ وَيَهْرُبُ مِنَ النَّاسِ فَاقْرُبُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلَقَّى الْحِكْمَةَ.......
وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي دَهْرَشٍ إِذَا رَأَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بَثُّهُ وَقَالَ: الآنَ أَصِيرُ مَعَ النَّاسِ فَلا أَدْرِي مَا أَجْنِي عَلَى نَفْسِي!
وَقَالَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ: فِرَّ مِنَ النَّاسِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ.
وَأَوْصَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا تُخَالِطَ فِي زَمَانِكَ هَذَا أَحَدًا فَافْعَلْ، وَلْيَكُنْ هَمُّكَ مَرَمَّةَ جَهَازِكَ.
وَكَانَ يَقُولُ: هَذَا زَمَانُ السُّكُوتِ وَلُزُومِ الْبُيُوتِ.
وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْفُضَيْلِ فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكَ إِلَيَّ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُكَ وَحْدَكَ. فَقَالَ: إِمَّا أَنْ تَقُومَ عَنِّي وَإِمَّا أَنْ أَقُومَ عَنْكَ. فَقَالَ: أَنَا أَقُومُ أَوْصِنِي. فَقَالَ: أَخِفَّ مَكَانَكَ وَاحْفَظْ لِسَانَكَ.
стр. 769
وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ فَقَالَ: جِئْتُ أُونِسُكَ. فَقَالَ: أَنَا أُعَالِجُ الْوَحْدَةَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً!
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: كَانَ النَّاسُ الَّذِينَ مَضَوْا يُحِبُّونَ الْعُزْلَةَ وَالانْفِرَادَ مِنَ النَّاسِ.
وَقَالَ بِشْرٌ الْحَافِي: مَنْ عَامَلَ اللَّهَ بِالصِّدْقِ اسْتَوْحَشَ مِنَ النَّاسِ.
وَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُحِبُّ الْعُزْلَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ وَسُلَيْمَانُ الْخَوَّاصُ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَحُذَيْفَةُ الْمَرْعَشِيُّ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُزْلَةَ لا يَنْبَغِي أَنْ تَقْطَعَ عَنِ الْعِلْمِ وَالْجَمَاعَاتِ وَمَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالاحْتِرَافِ لِلْعَائِلَةِ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَزِلَ الإِنْسَانُ مَا يُؤْذِي، وَقَدْ يُخَافُ مِنَ الْمُخَالَطَةِ الْمُبَاحَةِ أَذًى فَيَجْتَهِدُ الإِنْسَانُ فِي تَرْكِ مَا يَخَافُ عَوَاقِبَهُ.......
وَيُبْعِدُ حُضُورَ الْقَلْبِ مَعَ الْمُخَالَطَةِ لِلنَّاسِ، إِلا أَنْ يَكُونَ لِمَعْنًى.
وَقَدْ قَالَ شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ: النَّاسُ ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ تُعَلِّمُهُ فَيَقْبَلُ مِنْكَ، وَرَجُلٌ تَتَعَلَّمُ مِنْهُ، وَاهْرُبْ مِنَ الثَّالِثِ.
وَقَدْ كَانَ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: أَقِلَّ مِنْ مَعْرِفَةِ النَّاسِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: لا تَتَعَرَّفْ إِلَى مَنْ لا تَعْرِفُ وَأَنْكِرْ مَنْ تَعْرِفُ!
(إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى الزَّمَانِ ... وَأَهْلَهُ نَظَرًا كَفَانِي)
(فَعَرَفْتُهُ وَعَرَفْتُهُمْ ... وَعَرَفْتُ عِزِّي مِنْ هَوَانِي)
(فَحَمَلْتُ نَفْسِي بِالْقَنَاعَةِ ... عَنْهُمُ وَعَنِ الزَّمَانِ)
(وَتَرَكْتُهَا بِعَفَافِهَا ... وَالزُّهْدُ فِي أَعْلَى مَكَانٍ)
(فَلِذَاكَ أَجْتَنِبُ الصَّدِيقَ ... فَلا أَرَاهُ وَلا يَرَانِي)
(فَتَعَجَّبُوا لِمُغَالِتٍ ... وُهِبَ الأَقَاصِيَ وَالأَدَانِي)
(وَانْسَلَّ مِنْ بَيْنِ الزِّحَامِ ... فَمَا لَهُ فِي الخلق ثاني)
стр. 770
وَفَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذَا: أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: عَالِمٌ وَعَابِدٌ. فَالْعَالِمُ لا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْقَطِعَ عَنْ نَفْعِ النَّاسِ فَإِنَّهُ خَلَفُ الأَنْبِيَاءِ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ هِدَايَةَ الْخَلْقِ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ عِبَادَةٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لعلي ﵇: " وَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ". فَمَتَى مَا جَاءَ الشَّيْطَانُ فَحَسَنٌ لِلْعَالِمِ الانْقِطَاعُ عَنِ الْخَلْقِ فِي الْجُمْلَةِ فَذَاكَ خَدِيعَةٌ مِنْهُ، وَلَقَدْ حَسُنَ لِكَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ......
دَفْنُ كُتُبِهِمْ وَمَحْوُ عِلْمِهِمْ وَهَذَا مِنَ الْخَطَإِ الْعَجِيبِ، بَلْ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَعْتَزِلَ عَنْ شَرِّ مَنْ يُؤْذِي وَيُبْرِزُ لِمَنْ يَسْتَفِيدُ، فَظُهُورُهُ أَفْضَلُ مِنْ إِخْفَائِهِ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ عَابِدًا فَالْعَابِدُ لا يُنَافَسُ فِي هَذَا، فَإِنَّ مِنَ الْقَوْمِ مَنْ شَغَلَتْهُ الْعِبَادَةُ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ رَأَى رَجُلا مُتَعَبِّدًا فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا يَمْنَعُكَ مِنْ مُجَالَسَةِ النَّاسِ؟ قَالَ: مَا أَشْغَلَنِي عَنِ النَّاسِ. قَالَ: فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ الْحَسَنَ؟ فَقَالَ: مَا أَشْغَلَنِي عَنِ الْحَسَنِ. قَالَ: فَمَا الَّذِي شَغَلَكَ عَنِ الْحَسَنِ؟ قَالَ: إِنِّي أُمْسِي وَأُصْبِحُ بَيْنَ ذَنْبٍ وَنِعْمَةٍ، فَرَأَيْتُ أَنْ أَشْغِلَ نَفْسِي بِالاسْتِغْفَارِ لِلذَّنْبِ وَالشُّكْرِ للَّهِ تَعَالَى عَلَى النِّعْمَةِ. فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ عِنْدِي أَفْقَهُ مِنَ الْحَسَنِ!
وَقَالَ رَجُلٌ لِعَامِرِ بْنِ قَيْسٍ: قِفْ فَكَلِّمْنِي. فَقَالَ: أُمْسِكُ الشَّمْسَ!
وَمِنَ الْقَوْمِ مَنِ اسْتَغَرَقَتْهُ مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى وَالأُنْسُ بِهِ فَاسْتَوْحَشَ مِنَ الْخَلْقِ. قِيلَ لِغَزْوَانَ الزَّاهِدِ: لَوْ جَالَسْتَ إِخْوَانَكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي أُصِيبُ رَاحَةَ قَلْبِي فِي مُجَالَسَةِ مَنْ عِنْدَهُ حَاجَتِي.
(تَعَبِي رَاحَتِي وَأُنْسِي انْفِرَادِي ... وَشِفَائِي الضَّنَا وَنَوْمِي سُهَادِي)
(لَسْتُ أَشْكُو بِعَادَ مَنْ صَدَّ عَنِّي ... أَيُّ بُعْدٍ وَقَدْ ثَوَى فِي فُؤَادِي)
(هُوَ يَخْتَالُ بَيْنَ قَلْبِي وَعَيْنِي ... هُوَ ذَاكَ الَّذِي يَرَى فِي السَّوَادِ)
فَهَؤُلاءِ عُزْلَتُهُمْ أَصْلَحُ لَهُمْ، بَلْ لا يَنْبَغِي أَنْ تَشْغَلُهُمُ الْعُزْلَةُ عَنِ الْجَمَاعَاتِ وَمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنْ فَعَلُوا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَإِنَّمَا نَأْمُرُ الْعَوَامَّ بِاعْتِزَالِ الشَّرِّ، فَحَسْبُ فَإِنَّهُ الْجِهَادُ في حقهم.
стр. 771
وَاعْلَمْ أَنَّ السَّمْعَ يُوصِلُ إِلَى الْقَلْبِ خَبَرَ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْبَصَرَ خَبَرَ الْمَنْظُورَاتِ، وَرُبَّ نَظْرَةٍ نَقَشَتْ فِي الْقَلْبِ صُورَةً فَبَعُدَ مَحْوُهَا، فَإِنَّ الإِنْسَانَ لَيَمْشِيَ فِي الأَسْوَاقِ فَيَتَغَيَّرُ قَلْبَهُ، وَالْعُزْلَةُ تُوجِبُ السَّلامَةَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ كَانَ فِي الصَّالِحِينَ مَنْ إِذَا خَرَجَ لِلسُّوقِ فَكَسَبَ مَا يَكْفِيهِ قَامَ إِلَى الْمَسْجِدِ.
فَالْبِدَارَ الْبِدَارَ إِلَى حِفْظِ الْقُلُوبِ بِالْعُزْلَةِ عَنْ كُلِّ مَا يُؤْذِي.......
الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
(مَا عُذْرُ مَنْ جُرَّ عَاصِيًا رَسَنُهْ ... مَا عُذْرُهُ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَهْ)
(أَكُلَّمَا طَالَتِ الْحَيَاةُ بِهِ ... أَطَالَ عَنْ أَخْذِ حَذَرِهِ وَسَنَهْ)
(قُلْ لِي إِذَا مِتَّ كَيْفَ تَنْقُصُ مِنْ ... سَيِّئَةٍ أَوْ تَزِيدُ فِي حَسَنَهْ)
يَا مَرِيضًا مَا يَعْرِفُ أَوْجَاعَهُ، يَا مُضَيِّعَ الْعُمْرِ بِالسَّاعَةِ وَالسَّاعَةِ، يَا كَثِيرَ الْغَفْلَةِ وَقَدْ دَنَتِ السَّاعَةُ، يَا نَاسِيًا ذِكْرَ النَّارِ إِنَّهَا لَنَزَّاعَةٌ، كَأَنَّهُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ قَدْ أَزْعَجَهُ وَأَرَاعَهُ، وَصَاحَ بِالنَّفْسِ صَيْحَةً فَقَالَتْ: سَمْعًا وَطَاعَةً، وَنَهَضَتْ تَعْرِضُ كَاسِدَ التَّوْبَةِ، وَهَيْهَاتَ غَلَقَ الْبَاعَةُ يَا سَيِّئَ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ فِي وَجْهِ شَمْسِ فَهْمِكَ غَيْمٌ، بَيْنَ دَائِكَ وَدَوَائِكَ حِجَابٌ، لَوْ أَهَمَّتْكَ نَفْسُكَ سَعَيْتَ لَهَا فِي الْخَلاصِ، لَوْ رَضِيتَ بِالْبُلْغَةِ مَا اسْتَرْهَنَ قَلْبَكَ كَسْبُ الْحُطَامِ، لَوْ قَنَعَتْ كِلابُ الصَّيْدِ بِالْمَنْبُوذِ مَا كَانَتِ السَّوَاجِيرُ فِي حُلُوقِهَا.
(طَلَبْتُكِ يَا دُنْيَا فَأَعْدَدْتُ فِي الطَّلَبْ ... فَمَا نِلْتُ إِلا الْهَمَّ وَالْغَمَّ وَالنَّصَبْ)
(فَلَمَّا بَدَا لِي أَنَّنِي لَسْتُ وَاصِلا ... إِلَى لَذَّةٍ إِلا بِأَضْعَافِهَا تَعَبْ)
(وَأَسْرَعْتُ فِي ذَنْبِي وَلَمْ أَقْضِ شَهْوَتِي ... هَرَبْتُ بِدِينِي مِنْكِ إِنْ نَفَعَ الْهَرَبْ)
(تَسَرْبَلْتُ أَخْلاقِي قُنُوعًا وَعِفَّةً ... فَعِنْدِي بِأَخْلاقِي كُنُوزٌ مِنَ الذَّهَبْ)
(وَلَمْ أَرَ حَظًّا كَالْقُنُوعِ لأَهْلِهِ ... وَأَنْ يُجْمِلَ الإِنْسَانُ مَا عَاشَ فِي الطَّلَبْ)
يَا مَنْ قَدْ مَالَ بِالآمَالِ إِلَى جَمْعِ الْمَالِ، كَأَنَّكَ بِهِ إِلَى غَيْرِكَ قَدْ مَالَ وَاعَجَبًا بِالْحِرْصِ تَجْمَعُونَهُ، وَبِالأَمَلِ تَحْفَظُونَهُ، وَبِالْغَفْلَةِ تَأْكُلُونَهُ، وَفِي الْهَوَى تَصْرِفُونَهُ،
стр. 772
الْمَالُ نِعْمَةٌ فَمَنْ أَنْفَقَ بَعْضَهُ فِي الْخَيْرِ أَقَامَ لِلْبَاقِي حَارِسًا، إِذَا سَمِعَتِ النِّعْمَةُ نَغَمَةَ الشُّكْرِ أَلَبَتْ وَلَبَّتْ......
بِالْمَزِيدِ، وَإِذَا لَمْ تَشْكُرْ وَقَدْ وَفَّرْتَ نَفَرَتْ وَمَا كُلُّ شَارِدٍ بِمَرْدُودٍ، وَاعَجَبَاهْ مِمَّنْ فَرِحَ بِلَذَّةٍ يَعْلَمُ سُرْعَةَ زَاوَلِهَا، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ الْحِسَابَ عَلَيْهَا.
(أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ ... تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ زَوَالا)
أَيْنَ مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ وَالْقَزَّ، وَحَرَّكَ الْجَوَادَ تَحْتَهُ وَهَزَّ، وَتَعَاظَمَ عَلَى أَبْنَاءِ جِنْسِهِ وَعَزَّ، وَقَهَرَ وَغَلَبَ وَسَلَبَ وَبَزَّ، ذَبَحَهُ سَيْفُ الْمَنُونِ وَمَا قَطَعَ وَلا حَزَّ، فَتَسَلَّبَ الْحَبِيبُ بَعْدَ فِرَاقِهِ وَجَزَّ، وَأَكَلَهُ الدُّودُ وَقَدْ كَانَ يَسْتَزْرِي الإِوَزَّ، بَيْنَا هُوَ قَدْ رَكَضَ فِي أَغْرَاضِهِ وَكَرَّ خَرَّ فَقِيلَ: كَيْفَ بَاتَ؟ قِيلَ: مَرَّ. فَأَلْبَسَهُ الْغَاسِلُ ثَوْبًا لا كَفَّهُ وَلا زَرَّ، فَرَحَلَ عَنْ دَارِهِ الَّتِي بِهَا اغْتَرَّ، وَاسْتَعْمَلَ الْحَفَّارُ لِتَمْهِيدِ لَحْدِهِ الْمَرَّ، وَاسْتَلَبَهُ جَذْبًا عَنِيفًا وَجَرَّ، وَرَجَعَ أَهْلُهُ لا يَقْدِرُونَ لَهُ عَلَى نَفْعٍ وَلا ضُرٍّ، وَنَدِمَ حِينَ سَكَنَ الْبَرَّ إِذْ مَا اتَّقَى وَلا بَرَّ، وَطُولِبَ بِمَا أَعْلَنَ مِنْ عَمَلٍ وَأَسَرَّ، وَوَجَدَ اللَّهَ وَقَدْ أَحْصَى عَلَيْهِ الذَّرَّ، وَبَقِيَ مَكَانَهُ أَسِيرًا لا يَرَى إِلا الشَّرَّ.
(هَذِي مَنَازِلُهُمْ وَقَدْ رَحَلُوا ... وَعَلَى الْكَرَاهَةِ غَيْرَهَا نَزَلُوا)
(رَحَلُوا وَأَبْقَوْهَا لِغَيْرِهِمُ ... إِنَّ الْمَنَازِلَ وَالْغِنَى دُوَلُ)
(شَادُوا مَبَانِيهَا وَمَا سَكَنُوا ... إِلا نُزُولَ الضَّيْفِ وَانْتَقَلُوا)
(وَتَفَرَّقَتْ عَنْهُمْ أَقَارِبُهُمْ ... وَجُنُودُهُمْ وَخَلَوْا بِمَا عَمِلُوا)
(يَا آمِلَ الدُّنْيَا وَقَدْ عَصَفَتْ ... بِالنَّاسِ قَبْلَكَ خَانَكَ الأَمَلُ)
(أَتَرُومُ جَهْلا أَنْ تُقِيمَ بِهَا ... وَوَرَاءَكَ الأَيَّامُ وَالأَجَلُ) ......
يَا هَذَا إِذَا أَسْلَمَكَ الأَتْرَابُ، تَسَلَّمَكَ التُّرَابُ، كَيْفَ يَفْرَحُ بِحَيَاتِهِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا مَطِيَّةُ مَمَاتِهِ، يَا مَنْ هَجَمَ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي بَادِيَةِ الْمُخَالَفَةِ، فَسَبَاهُ فَبَاعَهُ فَاشْتَرَاهُ الْهَوَى بِثَمَنٍ بَخْسٍ، تَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ فِي حِصْنِ التُّقَى مَا قَدَرَ عَلَيْكَ، إِلَى كَمْ يَسْتَخْدِمُكَ الْهَوَى وَأَنْتَ حُرٌّ طَالَ تَشَبُّهُكَ فِي التَّثَبُّطِ بِزُحَلَ فَانْهَضْ بِحَرَكَةِ عُطَارِدَ فِي الْهَرَبِ مما يؤذي.
стр. 773
تَعَرَّضْ لِجِيَادِ الْمُجَاهِدِينَ لَعَلَّ بَعْضَهُمْ يَسْتَصْحِبُكَ.
أَمَا بَلَغَكَ لُطْفُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ أَمَا سَمِعْتَ عَفْوَ: هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟.
( ... وَتُذْنِبُونَ فَنَأْتِيكُمْ فَنَعْتَذِرُ)
لا تيأس فَبَابُ الرَّجَاءِ مَفْتُوحٌ، لا تُلْقِ بِيَدِكَ فَعِلْمُ الْقَبُولِ يَلُوحُ:
(عَسَى وَعَسَى مِنْ بَعْدِ طُولِ التَّفَرُّقِ ... عَلَى كُلِّ مَا نَرْجُو مِنَ الْعَيْشِ نَلْتَقِي)
(وَلَوْ ظَفِرَتْ عَيْنِي بِرُؤْيَاكَ سَاعَةً ... لَكُنْتَ عَلَى عَيْنِي مِنَ الْعَيْنِ أَتَّقِي)
إِخْوَانِي: لَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ: أَنَا تَائِبٌ كَانَ تَائِبًا، إِنَّمَا التَّائِبُ مَنْ صَبَرَ عَلَى فَقْدِ الأَغْرَاضِ صَبْرَ السَّحَرَةِ عَلَى الصَّلْبِ، وَاعْتَذَرَ مِنْ جِنَايَاتِهِ اعْتِذَارَ النَّابِغَةِ إِلَى النُّعْمَانِ، وَخَضَعَ خُضُوعَ الْجَرِبِ لِلطَّالِي، وَتَضَرَّعَ تَضَرُّعَ الصَّبِيِّ إِلَى الْمُؤَدِّبِ.
لا تَنْأَ وَإِنْ طُرِدْتَ، وَلا تَبْرَحْ وَإِنْ زُجِرْتَ:
(إِذَا هَجَرُوا عِزًّا وَصَلْنَا تَذَلُلا ... وَإِنْ بَعُدُوا يَأْسًا قَرُبْنَا تَعَلُلا)
(وَإِنْ أَغْلَقُوا بِالْهَجْرِ أَبْوَابَ وَصْلِهِمْ ... وَقَالُوا ابْعُدوا عَنَّا طَلَبْنَا التَّوَصُّلا) ......
(وَإِنْ مَنَعُونَا أَنْ نَجُوزَ بِأَرْضِهِمْ ... وَلَمْ يَسْمَعُوا الشَّكْوَى وَرَدُّوا التَّوَسُّلا)
(أَشَرْنَا بِتَسْلِيمٍ وَإِنْ بَعُدَ الْمَدَى ... إِلَيْهِمْ وَكَلَّفْنَا الرِّيَاحَ لِتَحْمِلا)
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾
تَتَجَافَى أَيْ تَرْتَفِعُ، وَالآيَةُ فِي قَوَّامِ اللَّيْلِ.
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ قَالَ: قِيَامُ الْعَبْدِ مِنَ اللَّيْلِ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ
стр. 774
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ثَلاثَةَ يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، وَالْقَوْمُ قَدْ صَفُّوا لِلصَّلاةِ، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا لِلْقِتَالِ ".
قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا رَوْحٌ وَعَفَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَطَاءُ ابن السَّائِبِ، عَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٌ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلاتِهِ فَيَقُولُ رَبُّنَا: يَا مَلائِكَتِي انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلاتِهِ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي. وَرَجُلٌ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَانْهَزَمَ فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ في الفرار وماله الرُّجُوعِ فَرَجَعَ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ فَيَقُولُ اللَّهُ : انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَرَهْبَةً مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ ".
وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال " عليكم بقيام الليل فإن دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَمَغْفِرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِثْمِ ".......
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَمْ أَجِدْ مِنَ الْعِبَادَةِ شَيْئًا أَشَدَّ مِنَ الصَّلاةِ فِي جَوْفِ هَذَا اللَّيْلِ.
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: فِينَا نَزَلَتْ مَعَاشِرَ الأَنْصَارِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ فَلا نَرْجِعُ إِلَى رِحَالِنَا حَتَّى نُصَلِّيَ الْعِشَاءَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ .
وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا فِي قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى سَبْعِ طَبَقَاتٍ.
الطَّبَقَةُ الأُولَى: كَانُوا يُحْيُونَ كُلَّ اللَّيْلِ، وَفِيهِمْ مَنْ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي اللَّيْلَ. وَمِنَ الْقَوْمِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وصفوان
стр. 775
بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَنِيَّانِ، وَفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، وَوُهَيْبُ ابن الورد المكيان، وطاووس ووهب ابن منبه اليمنيان، والربيع بن خثيم والحكم الكوفياتن، وأبو سليمان الداراني وعلي ابن بَكَّارٍ الشَّامِيَّانِ، وَأَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوَّاصُ وَأَبُو عاصم البغداديان، ومنصور ابن زاذان وهشيم الواسطيان، وحبيب أوب محمد وأبو جابر السلماني الفارسيان، ومالك ابن دِينَارٍ وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ وَيَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَيَحْيَى الْبَكَّاءُ الْبَصْرِيُّونَ.
الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ: كَانُوا يَقُومُونَ شَطْرَ اللَّيْلِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: صَحِبْتُهُ وَكَانَ يَقُومُ شَطْرَ اللَّيْلِ يُكْثِرُ فِي ذَلِكَ وَاللَّهِ التَّسْبِيحَ.
الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ: كَانُوا يَقُومُونَ ثُلُثَ اللَّيْلِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " أَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةَ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ ".......
وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ.
وَرُوِيَ أَنَّ دَاوُدَ ﵇ قَالَ: يَا رَبِّ أَيُّ سَاعَةٍ أَقُومُ لَكَ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لا تَقُمْ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَلا آخِرَهُ، وَلَكِنْ قُمْ فِي وَسَطِ اللَّيْلِ حَتَّى تَخْلُوَ بِي وَأَخْلُوَ بِكَ وَارْفَعْ إِلَيَّ حَوَائِجَكَ.
وَسَأَلَ دَاوُدُ ﵇ جِبْرِيلَ ﵇: أَيُّ اللَّيْلِ أَفْضَلُ فَقَالَ: مَا أَدْرِي، إِلا أَنَّ الْعَرْشَ يَهْتَزُّ فِي السَّحَرِ.
الطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ: كَانُوا يَقُومُونَ سُدُسَ اللَّيْلِ أَوْ خُمُسَهُ.
الطَّبَقَةُ الْخَامِسَةُ: كَانُوا لا يُرَاعُونَ التَّقْدِيرَ، وَإِنَّمَا كَانَ أَحَدُهُمْ يَقُومُ إِلَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ فَيَنَامُ، فَإِذَا انْتَبَهَ قَامَ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِنَّمَا هِيَ أَوَّلُ نَوْمَةٍ فَإِذَا انْتَبَهْتُ فَلا أَقِيلُهَا.
следующие страницы →