← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 26351

التبصرة لابن الجوزي

ابن الجوزي

Полный текст (793 стр.). Показаны 771–793 · переход к 776.

стр. 771

وَاعْلَمْ أَنَّ السَّمْعَ يُوصِلُ إِلَى الْقَلْبِ خَبَرَ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْبَصَرَ خَبَرَ الْمَنْظُورَاتِ، وَرُبَّ نَظْرَةٍ نَقَشَتْ فِي الْقَلْبِ صُورَةً فَبَعُدَ مَحْوُهَا، فَإِنَّ الإِنْسَانَ لَيَمْشِيَ فِي الأَسْوَاقِ فَيَتَغَيَّرُ قَلْبَهُ، وَالْعُزْلَةُ تُوجِبُ السَّلامَةَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ كَانَ فِي الصَّالِحِينَ مَنْ إِذَا خَرَجَ لِلسُّوقِ فَكَسَبَ مَا يَكْفِيهِ قَامَ إِلَى الْمَسْجِدِ. فَالْبِدَارَ الْبِدَارَ إِلَى حِفْظِ الْقُلُوبِ بِالْعُزْلَةِ عَنْ كُلِّ مَا يُؤْذِي....... الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ (مَا عُذْرُ مَنْ جُرَّ عَاصِيًا رَسَنُهْ ... مَا عُذْرُهُ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَهْ) (أَكُلَّمَا طَالَتِ الْحَيَاةُ بِهِ ... أَطَالَ عَنْ أَخْذِ حَذَرِهِ وَسَنَهْ) (قُلْ لِي إِذَا مِتَّ كَيْفَ تَنْقُصُ مِنْ ... سَيِّئَةٍ أَوْ تَزِيدُ فِي حَسَنَهْ) يَا مَرِيضًا مَا يَعْرِفُ أَوْجَاعَهُ، يَا مُضَيِّعَ الْعُمْرِ بِالسَّاعَةِ وَالسَّاعَةِ، يَا كَثِيرَ الْغَفْلَةِ وَقَدْ دَنَتِ السَّاعَةُ، يَا نَاسِيًا ذِكْرَ النَّارِ إِنَّهَا لَنَزَّاعَةٌ، كَأَنَّهُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ قَدْ أَزْعَجَهُ وَأَرَاعَهُ، وَصَاحَ بِالنَّفْسِ صَيْحَةً فَقَالَتْ: سَمْعًا وَطَاعَةً، وَنَهَضَتْ تَعْرِضُ كَاسِدَ التَّوْبَةِ، وَهَيْهَاتَ غَلَقَ الْبَاعَةُ يَا سَيِّئَ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ فِي وَجْهِ شَمْسِ فَهْمِكَ غَيْمٌ، بَيْنَ دَائِكَ وَدَوَائِكَ حِجَابٌ، لَوْ أَهَمَّتْكَ نَفْسُكَ سَعَيْتَ لَهَا فِي الْخَلاصِ، لَوْ رَضِيتَ بِالْبُلْغَةِ مَا اسْتَرْهَنَ قَلْبَكَ كَسْبُ الْحُطَامِ، لَوْ قَنَعَتْ كِلابُ الصَّيْدِ بِالْمَنْبُوذِ مَا كَانَتِ السَّوَاجِيرُ فِي حُلُوقِهَا. (طَلَبْتُكِ يَا دُنْيَا فَأَعْدَدْتُ فِي الطَّلَبْ ... فَمَا نِلْتُ إِلا الْهَمَّ وَالْغَمَّ وَالنَّصَبْ) (فَلَمَّا بَدَا لِي أَنَّنِي لَسْتُ وَاصِلا ... إِلَى لَذَّةٍ إِلا بِأَضْعَافِهَا تَعَبْ) (وَأَسْرَعْتُ فِي ذَنْبِي وَلَمْ أَقْضِ شَهْوَتِي ... هَرَبْتُ بِدِينِي مِنْكِ إِنْ نَفَعَ الْهَرَبْ) (تَسَرْبَلْتُ أَخْلاقِي قُنُوعًا وَعِفَّةً ... فَعِنْدِي بِأَخْلاقِي كُنُوزٌ مِنَ الذَّهَبْ) (وَلَمْ أَرَ حَظًّا كَالْقُنُوعِ لأَهْلِهِ ... وَأَنْ يُجْمِلَ الإِنْسَانُ مَا عَاشَ فِي الطَّلَبْ) يَا مَنْ قَدْ مَالَ بِالآمَالِ إِلَى جَمْعِ الْمَالِ، كَأَنَّكَ بِهِ إِلَى غَيْرِكَ قَدْ مَالَ وَاعَجَبًا بِالْحِرْصِ تَجْمَعُونَهُ، وَبِالأَمَلِ تَحْفَظُونَهُ، وَبِالْغَفْلَةِ تَأْكُلُونَهُ، وَفِي الْهَوَى تَصْرِفُونَهُ،

стр. 772

الْمَالُ نِعْمَةٌ فَمَنْ أَنْفَقَ بَعْضَهُ فِي الْخَيْرِ أَقَامَ لِلْبَاقِي حَارِسًا، إِذَا سَمِعَتِ النِّعْمَةُ نَغَمَةَ الشُّكْرِ أَلَبَتْ وَلَبَّتْ...... بِالْمَزِيدِ، وَإِذَا لَمْ تَشْكُرْ وَقَدْ وَفَّرْتَ نَفَرَتْ وَمَا كُلُّ شَارِدٍ بِمَرْدُودٍ، وَاعَجَبَاهْ مِمَّنْ فَرِحَ بِلَذَّةٍ يَعْلَمُ سُرْعَةَ زَاوَلِهَا، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ الْحِسَابَ عَلَيْهَا. (أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ ... تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ زَوَالا) أَيْنَ مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ وَالْقَزَّ، وَحَرَّكَ الْجَوَادَ تَحْتَهُ وَهَزَّ، وَتَعَاظَمَ عَلَى أَبْنَاءِ جِنْسِهِ وَعَزَّ، وَقَهَرَ وَغَلَبَ وَسَلَبَ وَبَزَّ، ذَبَحَهُ سَيْفُ الْمَنُونِ وَمَا قَطَعَ وَلا حَزَّ، فَتَسَلَّبَ الْحَبِيبُ بَعْدَ فِرَاقِهِ وَجَزَّ، وَأَكَلَهُ الدُّودُ وَقَدْ كَانَ يَسْتَزْرِي الإِوَزَّ، بَيْنَا هُوَ قَدْ رَكَضَ فِي أَغْرَاضِهِ وَكَرَّ خَرَّ فَقِيلَ: كَيْفَ بَاتَ؟ قِيلَ: مَرَّ. فَأَلْبَسَهُ الْغَاسِلُ ثَوْبًا لا كَفَّهُ وَلا زَرَّ، فَرَحَلَ عَنْ دَارِهِ الَّتِي بِهَا اغْتَرَّ، وَاسْتَعْمَلَ الْحَفَّارُ لِتَمْهِيدِ لَحْدِهِ الْمَرَّ، وَاسْتَلَبَهُ جَذْبًا عَنِيفًا وَجَرَّ، وَرَجَعَ أَهْلُهُ لا يَقْدِرُونَ لَهُ عَلَى نَفْعٍ وَلا ضُرٍّ، وَنَدِمَ حِينَ سَكَنَ الْبَرَّ إِذْ مَا اتَّقَى وَلا بَرَّ، وَطُولِبَ بِمَا أَعْلَنَ مِنْ عَمَلٍ وَأَسَرَّ، وَوَجَدَ اللَّهَ وَقَدْ أَحْصَى عَلَيْهِ الذَّرَّ، وَبَقِيَ مَكَانَهُ أَسِيرًا لا يَرَى إِلا الشَّرَّ. (هَذِي مَنَازِلُهُمْ وَقَدْ رَحَلُوا ... وَعَلَى الْكَرَاهَةِ غَيْرَهَا نَزَلُوا) (رَحَلُوا وَأَبْقَوْهَا لِغَيْرِهِمُ ... إِنَّ الْمَنَازِلَ وَالْغِنَى دُوَلُ) (شَادُوا مَبَانِيهَا وَمَا سَكَنُوا ... إِلا نُزُولَ الضَّيْفِ وَانْتَقَلُوا) (وَتَفَرَّقَتْ عَنْهُمْ أَقَارِبُهُمْ ... وَجُنُودُهُمْ وَخَلَوْا بِمَا عَمِلُوا) (يَا آمِلَ الدُّنْيَا وَقَدْ عَصَفَتْ ... بِالنَّاسِ قَبْلَكَ خَانَكَ الأَمَلُ) (أَتَرُومُ جَهْلا أَنْ تُقِيمَ بِهَا ... وَوَرَاءَكَ الأَيَّامُ وَالأَجَلُ) ...... يَا هَذَا إِذَا أَسْلَمَكَ الأَتْرَابُ، تَسَلَّمَكَ التُّرَابُ، كَيْفَ يَفْرَحُ بِحَيَاتِهِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا مَطِيَّةُ مَمَاتِهِ، يَا مَنْ هَجَمَ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي بَادِيَةِ الْمُخَالَفَةِ، فَسَبَاهُ فَبَاعَهُ فَاشْتَرَاهُ الْهَوَى بِثَمَنٍ بَخْسٍ، تَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ فِي حِصْنِ التُّقَى مَا قَدَرَ عَلَيْكَ، إِلَى كَمْ يَسْتَخْدِمُكَ الْهَوَى وَأَنْتَ حُرٌّ طَالَ تَشَبُّهُكَ فِي التَّثَبُّطِ بِزُحَلَ فَانْهَضْ بِحَرَكَةِ عُطَارِدَ فِي الْهَرَبِ مما يؤذي.

стр. 773

تَعَرَّضْ لِجِيَادِ الْمُجَاهِدِينَ لَعَلَّ بَعْضَهُمْ يَسْتَصْحِبُكَ. أَمَا بَلَغَكَ لُطْفُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ أَمَا سَمِعْتَ عَفْوَ: هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟. ( ... وَتُذْنِبُونَ فَنَأْتِيكُمْ فَنَعْتَذِرُ) لا تيأس فَبَابُ الرَّجَاءِ مَفْتُوحٌ، لا تُلْقِ بِيَدِكَ فَعِلْمُ الْقَبُولِ يَلُوحُ: (عَسَى وَعَسَى مِنْ بَعْدِ طُولِ التَّفَرُّقِ ... عَلَى كُلِّ مَا نَرْجُو مِنَ الْعَيْشِ نَلْتَقِي) (وَلَوْ ظَفِرَتْ عَيْنِي بِرُؤْيَاكَ سَاعَةً ... لَكُنْتَ عَلَى عَيْنِي مِنَ الْعَيْنِ أَتَّقِي) إِخْوَانِي: لَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ: أَنَا تَائِبٌ كَانَ تَائِبًا، إِنَّمَا التَّائِبُ مَنْ صَبَرَ عَلَى فَقْدِ الأَغْرَاضِ صَبْرَ السَّحَرَةِ عَلَى الصَّلْبِ، وَاعْتَذَرَ مِنْ جِنَايَاتِهِ اعْتِذَارَ النَّابِغَةِ إِلَى النُّعْمَانِ، وَخَضَعَ خُضُوعَ الْجَرِبِ لِلطَّالِي، وَتَضَرَّعَ تَضَرُّعَ الصَّبِيِّ إِلَى الْمُؤَدِّبِ. لا تَنْأَ وَإِنْ طُرِدْتَ، وَلا تَبْرَحْ وَإِنْ زُجِرْتَ: (إِذَا هَجَرُوا عِزًّا وَصَلْنَا تَذَلُلا ... وَإِنْ بَعُدُوا يَأْسًا قَرُبْنَا تَعَلُلا) (وَإِنْ أَغْلَقُوا بِالْهَجْرِ أَبْوَابَ وَصْلِهِمْ ... وَقَالُوا ابْعُدوا عَنَّا طَلَبْنَا التَّوَصُّلا) ...... (وَإِنْ مَنَعُونَا أَنْ نَجُوزَ بِأَرْضِهِمْ ... وَلَمْ يَسْمَعُوا الشَّكْوَى وَرَدُّوا التَّوَسُّلا) (أَشَرْنَا بِتَسْلِيمٍ وَإِنْ بَعُدَ الْمَدَى ... إِلَيْهِمْ وَكَلَّفْنَا الرِّيَاحَ لِتَحْمِلا) الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ تَتَجَافَى أَيْ تَرْتَفِعُ، وَالآيَةُ فِي قَوَّامِ اللَّيْلِ. أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ قَالَ: قِيَامُ الْعَبْدِ مِنَ اللَّيْلِ. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ

стр. 774

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ثَلاثَةَ يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، وَالْقَوْمُ قَدْ صَفُّوا لِلصَّلاةِ، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا لِلْقِتَالِ ". قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا رَوْحٌ وَعَفَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَطَاءُ ابن السَّائِبِ، عَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٌ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلاتِهِ فَيَقُولُ رَبُّنَا: يَا مَلائِكَتِي انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلاتِهِ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي. وَرَجُلٌ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَانْهَزَمَ فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ في الفرار وماله الرُّجُوعِ فَرَجَعَ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ فَيَقُولُ اللَّهُ : انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَرَهْبَةً مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ ". وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال " عليكم بقيام الليل فإن دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَمَغْفِرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِثْمِ "....... وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَمْ أَجِدْ مِنَ الْعِبَادَةِ شَيْئًا أَشَدَّ مِنَ الصَّلاةِ فِي جَوْفِ هَذَا اللَّيْلِ. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: فِينَا نَزَلَتْ مَعَاشِرَ الأَنْصَارِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ فَلا نَرْجِعُ إِلَى رِحَالِنَا حَتَّى نُصَلِّيَ الْعِشَاءَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ . وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا فِي قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى سَبْعِ طَبَقَاتٍ. الطَّبَقَةُ الأُولَى: كَانُوا يُحْيُونَ كُلَّ اللَّيْلِ، وَفِيهِمْ مَنْ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي اللَّيْلَ. وَمِنَ الْقَوْمِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وصفوان

стр. 775

بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَنِيَّانِ، وَفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، وَوُهَيْبُ ابن الورد المكيان، وطاووس ووهب ابن منبه اليمنيان، والربيع بن خثيم والحكم الكوفياتن، وأبو سليمان الداراني وعلي ابن بَكَّارٍ الشَّامِيَّانِ، وَأَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوَّاصُ وَأَبُو عاصم البغداديان، ومنصور ابن زاذان وهشيم الواسطيان، وحبيب أوب محمد وأبو جابر السلماني الفارسيان، ومالك ابن دِينَارٍ وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ وَيَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَيَحْيَى الْبَكَّاءُ الْبَصْرِيُّونَ. الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ: كَانُوا يَقُومُونَ شَطْرَ اللَّيْلِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: صَحِبْتُهُ وَكَانَ يَقُومُ شَطْرَ اللَّيْلِ يُكْثِرُ فِي ذَلِكَ وَاللَّهِ التَّسْبِيحَ. الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ: كَانُوا يَقُومُونَ ثُلُثَ اللَّيْلِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " أَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةَ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ "....... وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ. وَرُوِيَ أَنَّ دَاوُدَ ﵇ قَالَ: يَا رَبِّ أَيُّ سَاعَةٍ أَقُومُ لَكَ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لا تَقُمْ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَلا آخِرَهُ، وَلَكِنْ قُمْ فِي وَسَطِ اللَّيْلِ حَتَّى تَخْلُوَ بِي وَأَخْلُوَ بِكَ وَارْفَعْ إِلَيَّ حَوَائِجَكَ. وَسَأَلَ دَاوُدُ ﵇ جِبْرِيلَ ﵇: أَيُّ اللَّيْلِ أَفْضَلُ فَقَالَ: مَا أَدْرِي، إِلا أَنَّ الْعَرْشَ يَهْتَزُّ فِي السَّحَرِ. الطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ: كَانُوا يَقُومُونَ سُدُسَ اللَّيْلِ أَوْ خُمُسَهُ. الطَّبَقَةُ الْخَامِسَةُ: كَانُوا لا يُرَاعُونَ التَّقْدِيرَ، وَإِنَّمَا كَانَ أَحَدُهُمْ يَقُومُ إِلَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ فَيَنَامُ، فَإِذَا انْتَبَهَ قَامَ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِنَّمَا هِيَ أَوَّلُ نَوْمَةٍ فَإِذَا انْتَبَهْتُ فَلا أَقِيلُهَا.

стр. 776

الطَّبَقَةُ السَّادِسَةُ: قَوْمٌ كَانُوا يُصَلُّونَ مِنَ اللَّيْلِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " صَلُّوا مِنَ اللَّيْلِ وَلَوْ أَرْبَعًا صَلُّوا وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ ". وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا جَمِيعًا رَكْعَتَيْنِ كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ ". الطَّبَقَةُ السَّابِعَةُ: قَوْمٌ يُحْيُونَ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ وَيُصَلُّونَ فِي السَّحَرِ فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ....... وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا إِلا آتَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ ". وَمَنْ أَرَادَ قِيَامَ اللَّيْلِ فَلا يُكْثِرْ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلا يُتْعِبْ أَعْضَاءَهُ فِي النَّهَارِ بِالْكَدِّ وَلا يَعْمَلْ مَعْصِيَةً، وَلْيَسْتَعِنْ بِالْقَيْلُولَةِ. وَأَمَّا آدَابُ الْبَاطِنِ: فَأَنْ يَكُونَ الْقَلْبُ سَلِيمًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلا بُدَّ لَهُ مِنْ خَوْفٍ مُقْلِقٍ أَوْ شَوْقٍ مُزْعِجٍ. كَانَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كَأَنَّهُ حَبَّةٌ عَلَى مِقْلَى ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ جَهَنَّمَ لا تَدَعُنِي أَنَامُ فَيَقُومُ إِلَى مُصَلاهُ. وَكَانَ طاووس يَفْرِشُ فِرَاشَهُ ثُمَّ يَضْطَجِعُ فَيَتَقَلَّى كَمَا تَتَقَلَّى الْحَبَّةُ عَلَى الْمِقْلَى ثُمَّ يَثِبُ فَيَتَطَهَّرُ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ حَتَّى الصَّبَاحِ وَيَقُولُ: طَيَّرَ ذِكْرُ جَهَنَّمَ نَوْمَ الْعَابِدِينَ! وَقَالَتْ بِنْتُ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ له: يا أبت مالي أَرَى النَّاسَ يَنَامُونَ وَلا أَرَاكَ تَنَامُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ إِنَّ أَبَاكِ يَخَافُ الْبَيَاتَ. وَقَالَتْ أُمُّ عُمَرَ بْنِ الْمُنْكَدِرِ: يَا بُنَيَّ أَشْتَهِي أَنْ أَرَاكَ نَائِمًا. فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ وَاللَّهِ إِنَّ اللَّيْلَ لَيَرِدُ عَلَيَّ فَيَهُولُنِي فَيَنْقَضِي عَنِّي وَمَا قَضَيْتُ مِنْهُ إِرْبِي.

стр. 777

وَكَانَ زَمْعَةُ الْعَابِدُ يَقُومُ فَيُصَلِّي لَيْلا طَوِيلا فَإِذَا كَانَ السَّحَرُ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا أَيُّهَا الرَّكْبُ الْمُعَرِّسُونَ أَكُلَّ هَذَا اللَّيْلِ تَرْقُدُونَ ألا تقومون فترحلون. فيسمع من ها هنا باك ومن هاهنا داع ومن ههنا متوضىء؟ فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَقُولُ: عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمَ السُّرَى....... أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ وَهُوَ يَبْكِي فَقُلْتُ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ لِي: يَا أَحْمَدُ وَلِمَ لا أَبْكِي وَإِذَا جَنَّ اللَّيْلُ وَنَامَتِ الْعُيُونُ وَخَلا كُلُّ حَبِيبٍ بِحَبِيبِهِ، وَافْتَرَشَ أَهْلُ الْمَحَبَّةِ أَقْدَامَهُمْ وَجَرَتْ دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ وَقَطَرَتْ فِي مَحَارِيبِهِمْ، أَشْرَفَ الْجَلِيلُ فَنَادَى جِبْرِيلَ: بِعَيْنِي مَنْ تَلَذَّذَ بِكَلامِي فَلِمَ لا تُنَادِي فِيهِمْ: مَا هَذَا الْبُكَاءُ؟ هَلْ رَأَيْتُمْ حَبِيبًا يُعَذِّبُ أَحْبَابَهُ؟! أَمْ كَيْفَ يَجْمُلُ بِي أَنْ أُعَذِّبَ قَوْمًا إِذَا جَنَّهَمُ اللَّيْلُ تَمَلَّقُونِي؟ فَبِي حَلَفْتُ إِذَا وَرَدُوا عَلَيَّ فِي الْقِيَامَةِ لأَكْشِفَنَّ لَهُمْ عَنْ وَجْهِيَ الْكَرِيمِ حَتَّى يَنْظُرُوا إِلَيَّ وَأَنْظُرَ إِلَيْهِمْ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ أَيْضًا: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا سَاجِدٌ ذَهَبَ بِيَ النَّوْمُ فَإِذَا أَنَا بِحَوْرَاءَ قَدْ رَكَضَتْنِي بِرِجْلِهَا وَقَالَتْ: حَبِيبِي أَتَرْقُدُ وَالْمَلِكُ يَقْظَانُ يَنْظُرُ فِي الْمُتَهَجِّدِينَ فِي تَهَجُّدِهِمْ! بُؤْسًا لِعَيْنٍ آثَرَتْ لَذَّةَ نَوْمَةٍ عَلَى لَذَّةِ مُنَاجَاةِ الْعَزِيزِ، قُمْ فَقَدْ دَنَا الْفَرَاغُ وَلَقِيَ الْمُحِبُّونَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا فَمَا هَذَا الرُّقَادُ حَبِيبِي وَقُرَّةَ عَيْنِي؟ أَتَرْقُدُ عَيْنَاكَ وَأَنَا أُرَبَّى لَكَ فِي الْخُدُورِ؟ فَوَثَبْتُ فَزَعًا وَقَدْ عَرِقْتُ اسْتِحْيَاءً مِنْ تَوْبِيخِهَا إِيَّايَ وَإِنَّ حَلاوَةَ مَنْطِقِهَا لَفِي سَمْعِي وَقَلْبِي. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِقِصَرِ أَمَلِهِ يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَعُمَرُ لِتَأْمِيلِ الْخِدْمَةِ يُؤَخِّرُهُ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ. وَعُثْمَانُ يَتَهَجَّدُ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ. وَعَلِيٌّ يَسْتَغْفِرُ فِي أَوَاخِرِ اللَّيْلِ. قَامَ الْقَوْمُ على أقدام ﴿قم الليل﴾ فَبَانَ فِي الْقَوْمِ سِرُّ ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي

стр. 778

الساجدين﴾ لَوْلا قِيَامُ تِلْكَ الأَقْدَامِ مَا كَانَ يُؤَدَّى حَقُّ " هَلْ مِنْ سَائِلٍ " يَا غَافِلِينَ عَمَّا نَالُوا، لَقَدْ مِلْتُمْ عَنِ التُّقَى وَمَا مَالُوا، قَامُوا فِي غَفَلاتِ الرَّاقِدِينَ فَقُوبِلُوا بِجَزَاءٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْغَيْرُ غَيْرَةً لَهُمْ....... مَا أَطْيَبَ أَمَلَهُمْ فِي الْمُنَاجَاةِ، مَا أَقْرَبَهُمْ مِنْ طَرِيقِ النَّجَاةِ، مَا أَقَلَّ مَا تَعِبُوا وَمَا أَيْسَرَ مَا نَصَبُوا، وَمَا كَانَ إِلا الْقَلِيلُ ثُمَّ نَالُوا مَا طَلَبُوا، لَوْ ذَاقَ الْغَافِلُ شَرَابَ أُنْسِهِمْ فِي الظَّلامِ أَوْ سَمِعَ الْجَاهِلُ صَوْتَ حَنِينِهِمْ فِي الْقِيَامِ، وَقَدْ نَصَبُوا لَمَّا انْتَصَبُوا لَهُ الأَقْدَامَ، وَتَرَنَّمُوا بِأَشْرَفِ الذِّكْرِ وَأَحْلَى الْكَلامِ، وضربوا على شواطىء أَنْهَارِ الصِّدْقِ الْخِيَامَ، وَرَكَزُوا عَلَى بَابِ الْيَقِينِ بِالْحَقِّ الأَعْلامَ، وَزَمُّوا مَطَايَا الشَّوْقِ إِلَى دَارِ السَّلامِ، وَسَارَتْ جُنُودُ حُبِّهِمْ وَالنَّاسُ فِي الْغَفْلَةِ نِيَامٌ، وَشَكَوْا فِي الأَسْحَارِ ما يَلْقَوْنَ مِنْ وَقْعِ الْغَرَامِ، وَوَجَدُوا مِنْ لَذَّةِ اللَّيْلِ مَا لا يَخْطُرُ عَلَى الأَوْهَامِ، وَإِذَا أَسْفَرَ النَّهَارُ تَلَقَّوْهُ بِالصِّيَامِ وَصَابَرُوا الْهَوَاجِرَ بِهَجْرِ الشَّرَابِ وَتَرْكِ الطَّعَامِ، وَتَدَرَّعُوا دُرُوعَ التُّقَى خَوْفًا مِنَ الزَّلَلِ وَالآثَامِ، فَنُورُهُمْ يُخْجِلُ شَمْسَ الضُّحَى وَيُزْرِي بَدْرَ التَّمَامِ، فَلأَجْلِهِمْ تَنْبُتُ الأَرْضُ وَمِنْ جَرَاهِمْ يَجْرِي الغمام، وبهم يسامح الخطاؤون وَيُصْفَحُ عَنْ أَهْلِ الإِجْرَامِ، فَإِذَا نَازَلَهُمُ الْمَوْتُ طَابَ لَهُمْ كَأْسُ الْحِمَامِ، وَإِذَا دُفِنُوا فِي الأَرْضِ فَخَرَّتْ بِحِفْظِهَا تِلْكَ الْعِظَامُ، فَعَلَى الدُّنْيَا إِذَا مَاتُوا مِنْ بَعْدِهِمُ السَّلامُ. (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ ... عَنْ لَذِيدِ الْمَضَاجِعِ) (كُلُّهُمْ بَيْنَ خَائِفٍ ... مُسْتَجِيرٍ وَطَامِعِ) (تَرَكُوا لَذَّةَ الْكَرَى ... لِلْعُيُونِ الْهَوَاجِعِ) (وَرَعَوْا أَنْجُمَ الدُّجَى ... طَالِعًا بَعْدَ طَالِعِ) (وَاسْتَهَلَّتْ دُمُوعُهُمْ ... بِانْصِبَابِ الْمَدَامِعِ) (فَأُجِيبُوا إِجَابَةً ... لَمْ تَقَعْ فِي المسامع) (ليس ما تصنعونه ... أو ليأتي بضائع)

стр. 779

(تَاجِرُونِي بِطَاعَتِي ... تَرْبَحُوا فِي الْبَضَائِعِ) ...... (وَابْذُلُوا لِي نُفُوسَكُمْ ... إِنَّهَا فِي وَدَائِعِي) لَوْ رَأَيْتَ رِيَاحَ الأَسْحَارِ تُحَرِّكُ أَشْجَارَ الْقُلُوبِ فَتَقَعُ ثِمَارُ الْمَحَبَّةِ! يَا لَذَّةَ خَلَوْتِهِمْ بِالْحَبِيبِ، يَا وُفُورَ نَصِيبِهِمْ مِنْ ذَلِكَ النَّصِيبِ. (هَبَّتْ رِيَاحُ وِصَالِهِمْ سَحَرًا ... لِحَدَائِقِ الأَشْوَاقِ فِي قَلْبِي) (وَاهْتَزَّ عُودُ الْوَصْلِ مِنْ طَرَبٍ ... وَتَسَاقَطَتْ ثَمَرٌ مِنَ الْحَبِّ) (وَمَضَتْ خُيُولُ الْهَجْرِ سَادِرَةً ... مَطْرُودَةً بِعَسَاكِرِ الْقُرْبِ) (وَبَدَتْ شُمُوسُ الْوَصْلِ خَارِقَةً ... بِشُعَاعِهَا لِسُرَادِقِ الْحُجُبِ) (وَصَفَا لَنَا وَقْتٌ أَضَاءَ بِهِ ... وَجْهُ الرِّضَا عَنْ ظُلْمَةِ الْعَتَبِ) (وَبَقِيتُ مَا شَيْءٌ أُشَاهِدُهُ ... إِلا ظننت بأنه حبي) السجع عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ لَوْ رَأَيْتَهُمْ بَيْنَ سَاجِدٍ وَرَاكِعٍ، وَذَلِيلٍ مَخْمُولٍ مُتَوَاضِعٍ، وَمُنْكَسِرِ الطَّرْفِ مِنَ الْخَوْفِ خَاشِعٍ، فَإِذَا جَنَّ اللَّيْلُ حَنَّ الْجَازِعُ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع﴾ . نُفُوسُهُمْ بِالْمَحَبَّةِ عَلِقَتْ، وَقُلُوبُهُمْ بِالأَشْوَاقِ فُلِقَتْ، وَأَبْدَانُهُمْ لِلْخِدْمَةِ خُلِقَتْ، يَقُومُونَ إِذَا انْطَبَقَتْ أَجْفَانُ الْهَاجِعِ: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ . يُبَادِرُونَ بِالْعَمَلِ الأَجَلَ، وَيَجْتَهِدُونَ فِي سَدِّ الْخَلَلِ، وَيَعْتَذِرُونَ مِنْ مَاضِي الزَّلَلِ، وَالدَّمْعُ لَهُمْ شَافِعٌ ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ . سَبَقَ وَاللَّهِ الْقَوْمُ، بِكَثْرَةِ الصَّلاةِ وَالصَّوْمِ، فَإِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ حَارَبُوا النَّوْمَ وَالْعَزْمَ فِي الطَّوَالِعِ ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ ...................

стр. 780

يُنَادِي مُنَادِي تَائِبِهِمْ: لا أَعُودُ، وَالْمُنْعِمُ يُنْعِمُ بِالْقَبُولِ وَيَجُودُ، هُمْ وَاللَّهِ مِنَ الْكَوْنِ الْمَقْصُودِ، فَمَا حِيلَةُ الْمَطْرُودِ وَالْمُعْطِي مَانِعٌ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عن المضاجع﴾ . كُنْ يَا هَذَا رَفِيقَهُمْ، وَلِجْ وَإِنْ شَقَّ مَضِيقُهُمْ، وَاسْلُكْ وَلَوْ يَوْمًا طَرِيقَهُمْ فَالطَّرِيقُ وَاسِعٌ ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ . اهْجُرْ بِالنَّهَارِ طِيبَ الطَّعَامِ، وَدَعْ فِي الدُّجَى لَذِيذَ الْمَنَامِ، وَقُلْ لأَغْرَاضِ النَّفْسِ: سَلامٌ، وَاللَّهُ يدعو إلى دار السلام، فَمَا يَقْعُدُ السَّامِعُ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ . يَا مَنْ يَرْجُو مَقَامَ الصَّالِحِينَ، وَهُوَ مُقِيمٌ مَعَ الْغَافِلِينَ، وَيَأْمُلُ مَنَازِلَ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُوَ يَنْزِلُ مع المذنين، دَعْ هَذَا الْوَاقِعَ. الصِّدْقَ الصِّدْقَ فِيهِ تَسْلَمُ، الْجِدَّ الْجِدَّ فِيهِ تَغْنَمُ، الْبِدَارَ الْبِدَارَ قَبْلَ أَنْ تَنْدَمَ، هَذَا هُوَ الدَّوَاءُ النَّافِعُ ﴿تَتَجَافَى جنوبهم عن المضاجع﴾ والله أعلم...................

стр. 781

المجلس التاسع في ذِكْرُ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ الْحَمْدُ للَّهِ مُدَبِّرِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ، وَمُصَرِّفِ الشُّهُورِ وَالأَعْوَامِ، الْمُنْفَرِدِ بِالْكَمَالِ وَالتَّمَامِ، الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ السَّلامِ، تَنَزَّهَ جَلالُهُ عَنْ دَرَكِ الأَفْهَامِ، وَتَعَالَى كَمَالُهُ عَنْ إِحَاطَةِ الأَوْهَامِ، لَيْسَ بِجِسْمٍ فَيُشْبِهُ الأَجْسَامَ، وَلا بِمُتَجَوِّفٍ فَيَحْتَاجُ لِلشَّرَابِ وَالطَّعَامِ، ارْتَدَى بِرِدَاءِ الْكِبْرِيَاءِ وَالإِعْظَامِ، وَأَبْصَرَ مَا فِي بَوَاطِنِ الْعُرُوقِ وَدَوَاخِلِ الْعِظَامِ، وَسَمِعَ أَخْفَى الْقَوْلِ وَأَلْطَفَ الْكَلامِ، لا يَعْزُبُ عَنْ سَمْعِهِ صَرِيفُ الأَقْلامِ، وَلا يَخْفَى عَلَى بَصَرِهِ دَبِيبُ النَّمْلِ تَحْتَ سِجْفِ الظَّلامِ، إِلَهٌ رَحِيمٌ عَظِيمُ الإِنْعَامِ، وَرَبٌّ قَدِيرٌ شَدِيدُ الانْتِقَامِ، قَدَّرَ الأُمُورَ فَأَحْسَنَ إِحْكَامَ الأَحْكَامِ، وَصَرَّفَ الْحُكْمَ فِي فُنُونِ النَّقْضِ وَالإِبْرَامِ، بِقُدْرَتِهِ هُبُوبُ الرِّيحِ وَتَسْيِيرُ الْغَمَامِ، ﴿ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام﴾ . أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ، وَأُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّتِهِ كَافِرًا بِالأَصْنَامِ. وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ شَفِيعِ الأَنَامِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ أَوَّلِ سَابِقٍ إِلَى الإِسْلامِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي كَانَ إِذَا رَآهُ الشَّيْطَانُ هَامَ، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي أَنْهَضَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ بِنَفَقَتِهِ وَأَقَامَ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْبَحْرِ الْغَطَامِطِ وَالأَسَدِ الضِّرْغَامِ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ أَبِي الْخُلَفَاءِ الأَعْلامِ. اعْلَمُوا أَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَصْلُ الدِّينِ، فَإِنَّهُ شُغُلُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ خَلَفَهُمْ فِيهِ خُلَفَاؤُهُمْ، وَلَوْلاهُ شَاعَ الْجَهْلُ وبطل العلم.

стр. 782

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهُوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ شِرَارَكُمْ عَلَى خياركم فيدعوا خِيَارُكُمْ فَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ﴾ ...... أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِسَنَدِهِ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ قَوْمٍ فِيهِمْ رَجُلٌ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي وَهُمْ أَعَزُّ مِنْهُ وَأَمْنَعُ لا يَغِيرُونَ إِلا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ ". وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اضْمَحَلَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى صَارَ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا، وَهَذَا زَمَنُ قَوْلِهِ ﵊: " بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ ". وَقَدْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَثَلا لِلْمُنْكِرِ وَالسَّاكِتِ عَنِ الإِنْكَارِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ بِسَنَدِهِ إِلَى عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ - وَأَوْمَأَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى أُذُنَيْهِ -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ مَثَلَ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا وَالْمُدَاهِنِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ رَكِبُوا سَفِينَةً فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا وَأَوْعَرَهَا وَشَرَّهَا، وَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوُا الْمَاءَ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَآذَوْهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَاسْتَقَيْنَا مِنْهُ وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَأَمْرَهُمْ هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا جَمِيعًا ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى الْخَلْقِ. وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيَفْعَلْ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِيَدِهِ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ "....... وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ: مَا أَفْضَلُ الْجِهَادِ؟ فَقَالَ: كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ".

стр. 783

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: أَشَدُّ الأَعْمَالِ ثَلاثَةٌ: الْجُودُ مِنْ قِلَّةٍ، وَالْوَرَعُ فِي خَلْوَةٍ وَكَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ مَنْ يُرْجَى وَيُخَافُ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا رَأَيْتُمْ أُمَّتِي تَهَابُ الظَّالِمَ أَنْ تَقُولَ لَهُ أَنْتَ ظَالِمٌ فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ ". وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا إِذَا عَمِلَ الْعَامِلُ مِنْهُمْ بِالْخَطِيئَةِ نَهَاهُ النَّاهِي تَعْذِيرًا، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ جَالَسَهُ وَوَاكَلَهُ وَشَارَبَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ عَلَى خَطِيئَتِهِ بِالأَمْسِ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ثُمَّ لَعَنَهُمْ عَلَى لسان داود وعيسى بن مَرْيَمَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهُوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ السَّفِيهِ فَلَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ ثُمَّ يَلْعَنُكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ ". وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ ". وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهُوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ شِرَارَكُمْ عَلَى خِيَارِكُمْ فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ "....... قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ: مَنْ كَانَ لَهُ جَارٌ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي فَلَمْ يَنْهَهُ فَهُوَ شَرِيكُهُ. وَقَالَ مِسْعَرٌ: أُمِرَ مَلَكٌ أَنْ يَخْسِفَ بِقَرْيَةٍ فَقَالَ: يَا رَبِّ فِيهَا فُلانٌ الْعَابِدُ. فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَنْ بِهِ فَابْدَأْ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ وَجْهُهُ فِي سَاعَةٍ قَطُّ. وَيَنْبَغِي لِلآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يُلْطِفَ فَقَدْ قَالَ الله تعالى: ﴿فقولا له قولا لينا﴾ .

стр. 784

وَمَرَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِرَجُلٍ قَدْ أَصَابَ ذَنْبًا وكانوا يسبونه فقال لهم: أرأرتم لَوْ وَجَدْتُمُوهُ فِي قَلِيبٍ أَلَمْ تَكُونُوا مُسْتَخْرِجِيهِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَلا تَسُبُّوا أَخَاكُمْ وَاحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي عَافَاكُمْ. قَالُوا: أَفلا تُبْغِضُهُ؟ قَالَ: إِنَّمَا أُبْغِضُ عَمَلَهُ فَإِذَا تَرَكَهُ فَهُوَ أَخِي. وَرَأَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ رَجُلا يُكَلِّمُ امْرَأَةً فِي مَوْضِعٍ خَرِبٍ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَاكُمَا سَتَرَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: كَانَ صِلَةُ بْنُ أَشْيَمَ يَخْرُجُ إِلَى الْجَبَّانِ فَيَتَعَبَّدُ فِيهَا وَكَانَ يَمُرُّ عَلَى شَبَابٍ يَلْهُونَ وَيَلْعَبُونَ فَيَقُولُ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي عَنْ قَوْمٍ أَرَادُوا سَفَرًا فَحَادُوا بِالنَّهَارِ عَنِ الطَّرِيقِ وَنَامُوا بِاللَّيْلِ مَتَى يَقْطَعُونَ سَفَرَهُمْ؟ فَكَانَ كَذَلِكَ يَمُرُّ بِهِمْ فَيَعِظُهُمْ، فَمَرَّ بِهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ لَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، فَقَالَ شَابٌّ مِنْهُمْ: يَا قَوْمُ إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا يَعْنِي بِهَذَا غَيْرَنَا، نَحْنُ بِالنَّهَارِ نَلْهُو وَبِاللَّيْلِ نَنَامُ، ثُمَّ اتَّبَعَ صِلَةَ فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَلِفُ مَعَهُ إِلَى الْجَبَّانِ وَيَتَعَبَّدُ مَعَهُ حَتَّى مَاتَ. وَمَرَّ بِصِلَةَ بْنِ أَشْيَمَ فَتًى يَجُرُّ ثَوْبَهُ فَهَمَّ أَصْحَابُ صِلَةَ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَخْذًا شَدِيدًا فَقَالَ صِلَةُ: دَعُونِي أكفكم أمره. ثم قال له: يا بن أَخِي إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً....... قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعَ إِزَارَكَ. قَالَ: نَعَمْ وَنُعْمَى عَيْنٍ! فَرَفَعَ إِزَارَهُ فَقَالَ صِلَةُ لأَصْحَابِهِ: هَذَا أَمْثَلُ مِمَّا أَرَدْتُمْ لَوْ شَتَمْتُمُوهُ وَآذَيْتُمُوهُ لَشَتَمَكُمْ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: مَا أَغْضَبْتَ أَحَدًا فَقَبِلَ مِنْكَ. وَقَالَ فَتْحُ بْنُ شخرفٍ: تَعَلَّقَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَمَعَهُ سِكِّينٌ لا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ إِلا عَقَرَهُ وَكَانَ شَدِيدَ الْبَدَنِ، فَبَيْنَا النَّاسُ كَذَلِكَ وَالْمَرْأَةُ تَصِيحُ مَرَّ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ فَدَنَا مِنْهُ وَحَكَّ كَتِفَهُ بِكَتِفِ الرَّجُلِ، فَوَقَعَ الرَّجُلُ إِلَى الأَرْضِ وَمَرَّتِ الْمَرْأَةُ وَمَرَّ بِشْرٌ، فَدَنَوْا مِنَ الرَّجُلِ وَهُو يَرْشَحُ عَرَقًا فَسَأَلُوهُ: مَا حَالُكَ؟ فَقَالَ: مَا أَدْرِي وَلَكِنْ حَاكَّنِي شَيْخٌ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ نَاظِرٌ إِلَيْكَ وَإِلَى مَا تَعْمَلُ. فَضَعُفْتُ

стр. 785

لِقَوْلِهِ وَهِبْتُهُ هَيْبَةً شَدِيدَةً لا أَدْرِي مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ. فَقَالُوا لَهُ: ذَاكَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ. فَقَالَ: وَاسَوْأَتَاهْ كَيْفَ يَنْظُرُ إِلَيَّ بَعْدَ الْيَوْمِ! وَحُمَّ مِنْ يَوْمِهِ ذَاكَ. وَمَاتَ يَوْمَ السَّابِعِ. وَيَنْبَغِي لِلآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ فِعْلِ مَا نَهَى عَنْهُ وَتَرْكِ مَا أَمَرَ بِهِ. فَقَدْ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بِسَنَدِهِ عَنْ أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلانُ مَا شَأْنُكَ، أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ....... وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا هَذَّبَ الآمِرُ نَفْسَهُ أَثَّرَ قَوْلُهُ إِمَّا فِي زَوَالِ الْمُنْكَرِ أَوْ فِي انْكِسَارِ الْمُذْنِبِ أَوْ إِلْقَاءِ الْهَيْبَةِ لَهُ فِي الْقُلُوبِ. خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ لإِنْكَارِ مُنْكَرٍ فَنَبَحَ عَلَيْهِ كَلْبٌ فَمَا قَدَرَ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى مَكَانِ الْمُنْكَرِ، فَرَجَعَ إِلَى مَسْجِدِهِ وَتَفَكَّرَ سَاعَةً ثُمَّ قَامَ فَجَعَلَ الْكَلْبُ يَتَبَصْبَصُ حَوْلَهُ وَلا يُؤْذِيهِ حَتَّى أَزَالَ الْمُنْكَرَ، فَسُئِلَ عَمَّا جَرَى لَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا نَبَحَ عَلَيَّ لِفَسَادٍ دَخَلَ عَلَيَّ فِي عَقْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ فَلَمَّا رَجَعْتُ ذَكَرْتُهُ فَاسْتَغْفَرْتُ. ( الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ) (يُسَرُّ بِصَفْوِ عِيشَتِهِ الْجَهُولُ ... وَتُعْجِبُهُ الإِقَامَةُ وَالْحُلُولُ) (وَدُونَ مُقَامِهِ حَادٍ حَثِيثٌ ... عَنِيفُ السَّوْقِ وَالْمَوْتُ السَّبِيلُ) (سَبِيلٌ مَا تَوَجَّهَ فِيهِ سَفْرٌ ... فَكَانَ لَهُمْ إِلَى الدُّنْيَا قُفُولُ) (طَرِيقِي يَسْتَوِي لِلْخَلْقِ فِيهِ ... مَسَالِكُهُمْ وَيَخْتَلِفُ الْمَقِيلُ) (تَغُرُّهُمْ زَخَارِفُ دَارِ دُنْيَا ... غَوَائِلُهَا بِمَعْمَعِهِمْ تَعُولُ)

стр. 786

(تطوف عليهم بكؤوس لهو ... ومزج كؤوسها الدَّاءُ الدَّخِيلُ) (وَتُصْقِلُ وَجْهَهَا لَهُمْ خِدَاعًا ... وَتَحْتَ صِقَالِهَا السَّيْفُ الصَّقِيلُ) يَا هَذَا قَدْ صَانَكَ بِالْحَلالِ فَلا تَبْتَذِلْ، وَبِالْقَنَاعَةِ فَلا تَذِلَّ، وَطَهَّرَكَ مِنَ الأَدْنَاسِ فَلا تَتَوَسَّخْ، وَدَعَاكَ إِلَى الأَرْبَاحِ فَلا تَتَوَقَّفْ، وَيْحَكَ إِذَا خَدَمْتَ الدُّنْيَا رَأَتْ نَفْسَهَا فَتَدَلَّلَتْ، وَإِذَا أَعْرَضْتَ عَنْهَا عَرَفَتْ قَدْرَهَا فَتَذَلَّلَتْ، " اخْدِمِي مَنْ خَدَمَنِي وَاسْتَخْدِمِي مَنْ خَدَمَكِ ". يَا جَامِعَ الدُّنْيَا لِغَيْرِهِ جَمْعًا يَعُوقُهُ عَنْ سيره. (ماذا تؤمل لا أبالك فِي ... مَالٍ تَمُوتُ وَأَنْتَ تُمْسِكُهُ) ...... (أَنْفِقْ فَإِنَّ اللَّهَ يَخْلُفُهُ ... لا تَمْضِ مَذْمُومًا وَتَتْرُكُهُ) (مَا لم يكن لك فيه قط مَنْفَعَةٌ ... مِمَّا جَمَعْتَ فَلَسْتَ تَمْلِكُهُ) يَا هَذَا: إِنَّمَا فُضِّلَ الْعَاقِلُ لِنَظَرِهِ فِي الْعَوَاقِبِ، فَأَمَّا مَنْ لا يَرَى إِلا الْحَاضِرَ فَطِفْلٌ: (تَصْفُو الْحَيَاةُ لِجَاهِلٍ أَوْ غَافِلٍ ... عَمَّا مَضَى مِنْهَا وَمَا يَتَوَقَّعُ) (وَلِمَنْ يُغَالِطُ فِي الْحَقِيقَةِ نَفْسَهُ ... وَيَسُومُهَا طَمَعَ الْمُحَالِ فَتَتْبَعُ) قَدْ أَعَدَّ لَكَ كأسا لا يشبه الكؤوس، مَوْتٌ يَسْلُبُ الأَرْوَاحَ وَيَخْتَلِسُ النُّفُوسَ، وَرِحْلَةً لا تَدْرِي بِالسُّعُودِ أَوْ بِالنُّحُوسِ، إِلَى لَحْدٍ ضَيِّقٍ وعر ما مهدته الفؤوس، تُحَطُّ فِيهِ ذَلِيلا وَأَنْتَ مَحْسُوبٌ مَنْكُوسٌ، لا يُشْبِهُ الْمَطَامِيرَ وَلا يُجَانِسُ الْحُبُوسَ، الْمَدَرُ فِيهِ فِرَاشٌ وَالتُّرَابُ فِيهِ لُبُوسٌ، أَتُرَى يَكُونُ لَكَ رَوْضَةٌ أَوْ يُشْبِهُ النَّامُوسَ، كَمْ مِحْنَةٍ يَلْقَى ذَلِكَ الْمُلْقَى الْمَرْمُوسُ، رِفْقًا إِذَا وَطِئَتِ الأَحْدَاثُ فَالأَجْدَاثَ تَدُوسُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَطِيرُ إِلَى الأَكُفِّ الطُّرُوسُ، وَتُجْنَى ثِمَارُ الْجَزَاءِ يَوْمَئِذٍ مِنْ قَدِيمِ الْغُرُوسِ، وَتَشْتَدُّ الشَّدَائِدُ فِي قَمْطَرِيرٍ عَبُوسٍ، وَتَذِلُّ الْعُتَاةُ الْجَبَابِرَةُ الْمُتَغَطْرِسُونَ الشُّوسُ، وَيَتَسَاوَى في الخضوع الأتباع والرؤوس، وَتُقَسَّمُ بَيْنَ الْخَلائِقِ خِلَعُ السُّعُودِ وَمَلابِسُ النُّحوُسِ. وَاعَجَبًا لِجُمُودِ ذِهْنِكَ وَأَنْتَ فِي الإِعْرَاضِ تَنُوسُ، كَمْ بَهْرَجٍ وَرَمْلٍ وَكَمْ تَجَلَّى عَلَيْكَ عَرُوسٌ، أَهَذَا الَّذِي تَسْمَعُهُ كَلامُ الْخَالِقِ أَوْ صَوْتُ النَّاقُوسِ، يَا مُؤْثِرًا شَهْوَةَ لَحْظَةٍ تَجْنِي لَهُ حرب

стр. 787

البسوس، يا من قد غلب الأطباء دواؤه أَمَرِيضٌ أَنْتَ أَمْ مَمْسُوسٌ، تَعَنَّى بِعِلاجِكَ " بُقْرَاطُ " وَتَحَيَّرَ " جَالِينُوسُ " سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ قَلْبَكَ...... مِنْ حِجَارَةٍ، تَعَالَى الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ، وَاعَجَبًا لِعَقْلِكَ! الْعَرْضُ مَبْذُولٌ وَالْعِرْضُ مَحْرُوسٌ، جُلُّ هَمِّكَ مَعَ الدُّنْيَا وَحَظُّ الأُخْرَى مِنْكَ مَبْخُوسٌ، ثَوْبُكَ جَدِيدٌ صَحِيحٌ وَلَكِنَّ الْقَلْبَ مَنْكُوسٌ، وَبُلُوغُ الْخَمْسِينَ مُنْذِرٌ وَفِي الستين تضرب الكوؤس، هذا قدر النصائح أفآخذك بالدنوس. (أَنْتَ فِي دُنْيَاكَ ضَيْفٌ ... وَالتَّوَانِي مِنْكَ حَيْفُ) (مَرَّ بِالْقُرِّ شِتَاءٌ ... وَأَتَى بِالْحَرِّ صَيْفُ) (خَاسِرٌ مَنْ نَقْدُهُ حِينَ ... تَقُومُ السُّوقُ زَيْفُ) (فَاغْتَنِمْ أَجْرًا وَذِكْرًا ... حَسَنًا فَالْوَقْتُ سَيْفُ) صِحْ عَلَى فَرَسِ الْجِدِّ وَقَدْ فَرَسَ الْغَايَةُ، مَجَالِسُ الذِّكْرِ فُصُولٌ وَتَعْبِئَةُ الْمَوَاعِظِ شَرَبَاتٌ، فَاصْبِرْ عَلَى مَرَارَةِ الْمَرْكَبِ لَعَلَّ الأَخْلاقَ تَحْسُنُ. وَاعَجَبًا تُفِيقُ فِي الْمَجْلِسِ فَتَنْطِقُ بِلَفْظِ تَوْبَةٍ كَمَا يَفِيقُ الْمَجْنُونُ فَيَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةِ حِكْمَةٍ، فَإِذَا عَادَتِ السَّوْدَاءُ خَلَطَ! (أَيُفِيقُ مِنْ مَرَضٍ كَئِيبٍ ... إِذَا جَنَّ الظَّلامُ عَلَيْهِ أَنَّا) مَتَى كَانَ مَرَضُ الْجَسَدِ عَنْ أَخْلاطٍ مُجْتَمِعَةٍ سَهُلَتْ مُدَاوَاتُهُ، وَمَتَى كَانَ مَرَضُ الْجَسَدِ التَّغَيُّرَ عَنْ فَسَادٍ فِي الْقَلْبِ فَيَا قُرْبَ التَّلَفِ، مُدَاوَاةُ الْعَنِيِّ مُمْكِنٌ، وَأَمَّا مُدَاوَاةُ الْجُنُونِ فَيُتَعَذَّرُ. (جَعَلْتُ لِعَرَّافِ الْيَمَامَةِ حُكْمَهُ ... وَعَرَّافِ نَجْدٍ إِنْ هُمَا شَفَيَانِي) (فَقَالا: شَفَاكَ اللَّهُ وَاللَّهِ مَا لَنَا ... بِمَا ضَمِنَتْ مِنْكَ الضُّلُوعُ يَدَانِ) حَظُّ قَلْبِكَ مِنْ هَذَا الْكَلامِ حَظُّ الصَّدَى مِنْ سَمْعِكَ، عِلَّتُكَ عِلَّةٌ طَرِيفَةٌ يَتَحَيَّرُ فِي...... مِثْلِهَا الْمُدَاوِي، تُسْرِعُ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا إِسْرَاعَ جَوَادٍ وَأَنْتَ فِي طَلَبِ الآخِرَةِ جَبَانٌ. إِنْ لاحَ لَكَ ذَنْبٌ وَثَبْتَ وَثْبَ فَهْدٍ وَإِنْ حُرِّضْتَ عَلَى طَاعَةٍ

стр. 788

أَخَذَكَ فَالِجُ ابْنِ أَبِي دُؤَادَ. (خُذِ الْوَقْتَ أَخْذَ اللِّصِّ وَاسْرِقْهُ وَاخْتَلِسْ ... فَوَائِدَهُ قَبْلَ الْمَنَايَا الدَّوَائِبِ) (وَلا تَتَعَلَّلْ بِالأَمَانِي فَإِنَّهَا ... عَطَايَا أَحَادِيثِ النُّفُوسِ الْكَوَاذِبِ) (وَدُونَكَ وِرْدُ الْعُمْرِ مَا دَامَ صَافِيًا ... فَخُذْ وَتَزَوَّدْ مِنْهُ قَبْلَ الشَّوَائِبِ) الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ فِي هَذِهِ النَّفْخَةِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا الأُولَى وَالثَّانِي: أَنَّهَا الثَّانِيَةُ. وَالْقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَمَّا الصُّورُ فَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصُّورِ فَقَالَ: " هُوَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ ". وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الصُّورُ كَهَيْئَةِ الْبُوقِ. وَحَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ الصُّورَ الْقَرْنُ فِي لُغَةِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَأَنْشَدُوا: (نَحْنُ نَطَحْنَاهُمْ غَدَاةَ الْجَمْعَيْنِ ... ) (بِالصَّائِحَاتِ فِي غُبَارِ النَّقْعَيْنِ ... ) (نَطْحًا شَدِيدًا لا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ ... ) أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ خَيْرُونٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ لَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ خَلَقَ الصُّورَ فَأَعْطَاهُ إِسْرَافِيلَ فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ...... شَاخِصٌ بِبَصَرِهِ إِلَى الأَرْضِ يَنْظُرُ مَتَى يُؤْمَرُ. قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الصُّورُ؟ قَالَ: الْقَرْنُ. قَالَ: قُلْتُ: فَكَيْفَ هُوَ؟ قَالَ: عَظِيمٌ وَالَّذِي بَعَثَنِي

стр. 789

بِالْحَقِّ إِنَّ أَعْظَمَ دَارَةٍ فِيهِ كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَيَنْفُخُ ثَلاثَ نَفَخَاتٍ: النَّفْخَةُ الأُولَى نَفْخَةُ الْفَزَعِ. وَالثَّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ. وَالثَّالِثَةُ نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَيَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولَى فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الْفَزَعِ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الْفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَيَأْمُرُهُ فَيَمُدُّهَا وَيُطِيلُهَا فَلا يَفْتُرُ وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ : ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً واحدة مالها من فواق﴾ فَيُسَيِّرُ اللَّهُ تَعَالَى الْجِبَالَ فَتَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ فَتَكُونُ سَرَابًا فَتَرْتَجُّ الأَرْضُ بِأَهْلِهَا رَجًّا فَتَكُونُ كَالسَّفِينَةِ الْمُوقَرَةِ فِي الْبَحْرِ تَضْرِبُهَا الأَمْوَاجُ تُكْفَأُ بِأَهْلِهَا، أَوْ كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ بِالْعَرْشِ تَرُجُّهُ الأَرْيَاحُ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ : ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ . فَتَمِيدُ الأَرْضُ بِالنَّاسِ عَلَى ظَهْرِهَا فَتَذْهَلُ الْمَرَاضِعُ وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ وَيَشِيبُ الْوِلْدَانُ، وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً مِنَ الْفَزَعِ حَتَّى تَأْتِيَ الأَقْطَارَ فَتَلْقَاهَا الْمَلائِكَةُ فتضرب وجوهها فترجع، ويولي الناس مدبرين مالهم مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ ﴿يَوْمَ التناد﴾ فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ تَصَدَّعَتِ الأَرْضُ فَانْصَدَعَتْ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ وَأَخَذَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْكَرْبُ وَالْهَوْلُ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ، ثُمَّ نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا هِيَ كَالْمُهْلِ ثُمَّ انْشَقَّتْ فَانْتَثَرَتْ نُجُومُهَا وَانْخَسَفَتْ شَمْسُهَا وَقَمَرُها. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالأَمْوَاتُ يَوْمَئِذٍ لا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى حِينَ قَالَ: فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ...... وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ "؟ قَالَ: أُولَئِكَ الشُّهَدَاءُ وَقَاهُمُ اللَّهُ فَزَعَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَمَّنَهُمْ مِنْهُ، وَهُوَ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى شِرَارِ خَلْقِهِ يَقُولُ اللَّهُ : " إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هم

стр. 790

بسكارى ولكن عذاب الله شديد " فَيَمْكُثُونَ فِي ذَلِكَ الْبَلاءِ مَا شَاءَ اللَّهُ إِلا أَنَّهُ يَطُولُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فَيُصْعَقُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى الْجَبَّارِ فَيَقُولُ: قَدْ مَاتَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا مَنْ شِئْتَ فَيَقُولُ اللَّهُ وَهُو أَعْلَمُ: مَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ بَقِيتَ أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لا تَمُوتُ، وَبَقِيَتْ حَمَلَةُ عَرْشِكَ، وَبَقِيَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ. فَيَقُولُ: إِنِّي كَتَبْتُ الْمَوْتَ عَلَى مَنْ تَحْتَ عَرْشِي، فَيَمُوتَانِ، ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ الْمَوْتِ فَيَقُولُ: قَدْ مَاتَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ فَيَقُولُ وَهُوَ أَعْلَمُ: مَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: بَقِيتَ أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لا تَمُوتُ وَبَقِيَتْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَبَقِيتُ أَنَا فَيَقُولُ اللَّهُ : فَلْيَمُتْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ فَيَمُوتُونَ وَيَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى الْعَرْشَ فَيَقْبِضُ الْقَرْنَ مِنْ إِسْرَافِيلَ ثُمَّ يَقُولُ: لِيَمُتْ إِسْرَافِيلُ فَيَمُوتُ. ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ الْمَوْتِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ مَاتَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ فَيَقُولُ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ: فَمَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: بَقِيتَ أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لا تَمُوتُ وَبَقِيتُ أَنَا. فَيَقُولُ اللَّهُ : أَنْتَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِي خَلَقْتُكَ لِمَا رَأَيْتَ فَمُتْ. فَيَمُوتُ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا: مُتْ ثُمَّ لا تَحْيَا. فَإِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا اللَّهُ طَوَى السَّمَاءَ وَالأَرْضَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ ثُمَّ دَحَاهَا ثُمَّ قال: أنا الجبار، لمن الملك اليوم - ثَلاثَ مَرَّاتٍ - فَلا يُجِيبُهُ أَحَدٌ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ فيقول: لنفسه: لله الواحد القهار....... ثُمَّ يَبْسُطُ الأَرْضَ بَسْطًا يَمُدُّهَا مَدَّ الأَدِيمِ لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا، ثُمَّ يَزْجُرُ اللَّهُ الْخَلْقَ زَجْرَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ عَلَى ظَهْرِهَا، ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى مَاءً مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ كَمَنِيِّ الرِّجَالِ ثُمَّ يَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى يَكُونَ الْمَاءُ فَوْقَهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ الأَجْسَادَ أَنْ تنبت كنبات الطرائيث أَوْ كَنَبَاتِ الْبَقْلِ، حَتَّى إِذَا تَكَامَلَتْ أَجْسَادُهُمْ فكانت كما

стр. 791

كانت قال الله : ليحيى حَمَلَةُ الْعَرْشِ فَيَحْيُونَ فَيَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ فَيَأْخُذُ الصُّورَ فَيَضَعُهُ عَلَى فِيهِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ : ليحي جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، فَيَحْييَانِ ثُمَّ يَدْعُو اللَّهُ الأَرْوَاحَ فَيُؤْتَى بِهَا تَتَوَهَّجُ أَرْوَاحُ الْمُسْلِمِينَ نُورًا وَالأُخْرَى ظُلْمَةً، فَيَقْبِضُهَا جَمِيعًا ثُمَّ يُلْقِيهَا فِي الصُّورِ، ثُمَّ يَأْمُرُ إِسْرَافِيلَ أَنْ يَنْفُخَ نَفْخَةَ الْبَعْثِ، فَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ كَأَنَّهَا النَّحْلُ قَدْ مَلأَتْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَيَقُولُ اللَّهُ : وَعِزَّتِي وَجَلالِي لَتَرْجِعَنَّ كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهَا. فَتَدْخُلُ الأَرْوَاحُ فِي الْخَيَاشِيمِ ثُمَّ تَمْشِي فِي الأَجْسَادِ مَشْيَ السُّمِّ فِي اللَّدِيغِ ثُمَّ تَنْشَقُّ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا. فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ فَيَخْرُجُونَ مِنْهَا سِرَاعًا مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا، ثُمَّ يَقِفُونَ مِقْدَارَ سَبْعِينَ عَامًا لا يُنْظَرُ إِلَيْكُمْ وَلا يُقْضَى بَيْنَكُمْ، فَتَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ تَدْمَعُونَ دَمًا، وَتَعْرَقُونَ حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ مِنْكُمْ أَنْ يُلْجِمَكُمْ أَوْ يَبْلُغَ الأَذْقَانَ، فَتَصِيحُونَ وَتَقُولُونَ: مَنْ يَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّنَا فَيَقْضِي بَيْنَنَا فَتَقُولُونَ: مَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ أَبِيكُمْ آدَمَ ﵇، خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَكَلَّمَهُ قَبْلا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَطْلُبُونَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَأْتِي وَيَقُولُ. مَا أَنَا بِصَاحِبِ ذَلِكَ فَيَسْتَقْرُونَ الأَنْبِيَاءَ نَبِيًّا نَبِيًّا كُلَّمَا جَاءُوا نَبِيًّا أَبَى عَلَيْهِمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : حَتَّى يَأْتُونِي فَأَنْطَلِقَ مَعَهُمْ حَتَّى آتِيَ قُدَّامَ الْعَرْشِ فَأَخِرُّ سَاجِدًا حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مَلَكًا فَيَأْخُذَ بِعَضُدِي فَيَرْفَعَنِي وَيَقُولَ لِي: يَا مُحَمَّدُ. فَأَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ. فَيَقُولُ: مَا شَأْنُكَ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ وَعَدْتَنِي...... الشَّفَاعَةَ. فَشَفِّعْنِي فِي خَلْقِكَ وَاقْضِ بَيْنَهُمْ. فَيَقُولُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ. فَأَرْجِعُ فَأَقِفُ مَعَ النَّاسِ، فَبَيْنَا نَحْنُ وُقُوفٌ إِذْ سَمِعْنَا حِسًّا مِنَ السَّمَاءِ شَدِيدًا فَهَالَنَا، فَيَنْزِلُ أَهْلُ سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَأْخُذُونَ مَصَافَّهُمْ، ثُمَّ يَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ بِمِثْلَيْ مَنْ نَزَلَ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَمِثْلَيْ مَنْ فِيهَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ حَتَّى يَأْخُذُوا مَصَافَّهُمْ، حَتَّى يَنْزِلَ الْجَبَّارُ ﵎ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية وَهُمُ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ، أَقْدَامُهُمْ فِي تُخُومِ الأَرْضِ السُّفْلَى وَالأَرْضُ إِلَى حِجْرِهِمْ

стр. 792

وَالْعَرْشُ عَلَى مَنَاكِبِهِمْ لَهُمْ زَجَلٌ مِنْ تَسْبِيحِهِمْ، يَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ سُبْحَانَ الَّذِي يُمِيتُ الْخَلْقَ وَلا يَمُوتُ، سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، سُبْحَانَ رَبِّنَا الأَعْلَى رَبِّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوحِ فَيَضَعُ اللَّهُ كُرْسِيَّهُ حَيْثُ شَاءَ مِنْ أَرْضِهِ ثُمَّ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِّي قَدْ أَنْصَتُّ لَكُمْ مُنْذُ خَلَقْتُكُمْ إِلَى يَوْمِكُمْ هَذَا أَسْمَعُ قَوْلَكُمْ وَأَنْظُرُ أَعْمَالَكُمْ، فَأَنْصِتُوا، فَإِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ وَصُحُفُكُمْ تُقْرَأُ عَلَيْكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ. ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ جَهَنَّمَ فَيَخْرُجُ مِنْهَا عُنُقٌ مُظْلِمٌ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ : ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ. ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فَيُمَيِّزُ اللَّهُ النَّاسَ وَتَجْثُو الأُمَمَ، فَيَقْضِي بَيْنَ خَلْقِهِ إِلا الثَّقَلَيْنِ الْجِنَّ وَالإِنْسَ فَيَقْضِي اللَّهُ بَيْنَ الْوَحْشِ وَالْبَهَائِمِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيُقِيدُ الْجَمَّاءَ مِنْ ذَاتِ الْقَرْنِ، فَإِذَا لَمْ تَبْقَ تَبِعَةٌ عِنْدَ وَاحِدَةٍ لأُخْرَى يُقَالُ لَهَا: كُونِي تُرَابًا فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ ترابا﴾ . فَيَقْضِي اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَكُونُ أَوَّلُ مَا يَقْضِي فِيهِ الدِّمَاءَ فَيَأْمُرُ اللَّهُ كُلَّ مَنْ قُتِلَ فَيَحْمِلُ رَأْسَهُ تَشْخُبُ أَوْدَاجُهُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟ فَلا تَبْقَى نَفْسٌ قَتَلَهَا قَاتِلٌ إِلا قُتِلَ بِهَا وَلا مَظْلَمَةٌ ظُلِمَ بِهَا إِلا أُخِذَ بِهَا، وَكَانَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ ...... إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ رَحِمَهُ، ثُمَّ يَقْضِي بَيْنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ خَلْقِهِ حَتَّى لا تَبْقَى مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ عِنْدَ أَحَدٍ إِلا أَخَذَهَا الْمَظْلُومُ مِنَ الظَّالِمِ حَتَّى إِنَّهُ لَيُكَلِّفُ شَائِبَ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَبِيعُهُ أَنْ يُخَلِّصَ اللَّبَنَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ نَادَى مُنَادٍ يُسْمِعُ الْخَلائِقَ كُلَّهُمْ فَيَقُولُ: أَلا لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِآلِهَتِهِمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَلا يَبْقَى أَحَدٌ عَبَدَ شَيْئًا مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلا مُثِّلَتْ لَهُ الآلِهَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَجْعَلُ اللَّهُ يَوْمَئِذٍ مَلَكًا مِنَ الْمَلائِكَةِ عَلَى

стр. 793

صُورَةِ عُزَيْرٍ، وَيَجْعَلُ مَلَكًا مِنَ الْمَلائِكَةِ عَلَى صورة عيسى بن مَرْيَمَ فَيَتْبَعُ هَذَا الْيَهُودُ وَيَتْبَعُ هَذَا النَّصَارَى، ثُمَّ قَادَتْهُمْ آلِهَتُهُمْ إِلَى النَّارِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا الْمُؤْمِنُونَ وَفِيهِمُ الْمُنَافِقُونَ بَدَأَهُمُ اللَّهُ فَقَالَ: يَا أُيُّهَا النَّاسُ ذَهَبَ النَّاسُ فَالْحَقُوا بِآلِهَتِكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ فَيَقُولُونَ: مَا لَنَا إِلَهٌ إِلا اللَّهُ وَمَا كُنَّا نَعْبُدُ غَيْرَهُ، فَيَكْشِفُ لَهُمْ عَنْ سَاقٍ وَيَتَجَلَّى لَهُمْ مِنْ عَظَمَتِهِ مَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُ رَبُّهُمْ تَعَالَى فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَيَخِرُّ كُلُّ مُنَافِقٍ عَلَى قَفَاهُ فَيَجْعَلُ اللَّهُ أَصْلابَهُمْ كَصَيَاصِي الْبَقَرِ، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الصِّرَاطَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ كَحَدِّ السَّيْفِ عَلَيْهِ كَلالِيبُ وَخَطَاطِيفُ وَحَسَكٌ كَحَسَكِ السَّعْدَانِ، فَيَمُرُّونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ أَوْ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ كَمَرِّ الرِّيحِ أَوْ كَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ أَوْ كَجِيَادِ الرِّجَالِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوشٌ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَهَنَّمَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَآتِي بَابَ الْجَنَّةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيُفْتَحُ لِي فَإِذَا دَخَلْتُ فَنَظَرْتُ إِلَى رَبِّي خَرَرْتُ سَاجِدًا. تَمَّ الْكِتَابُ بحمد الله تعالى.......