Полный текст (174 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
عَلَى عِلَّاته وَفَاء بِعَهْدِهِ اَلسَّابِق وَرَجَاء لِغَدِهِ اَلْمُنْتَظَر مُحْتَمَلًا فِي سَبِيل ذَلِكَ مِنْ حُمْقه وَوَسْوَاسه وَفُسَّاد تَصَوُّرَاته وَغَرَابَة أَطْوَاره مَا لَا طَاقَة لِمَثَلِي بِاحْتِمَال مِثْله حَتَّى جَاءَنِي ذَات لَيْلَة بِدَاهِيَة اَلدَّوَاهِي وَمُصِيبَة اَلْمَصَائِب فَكَانَتْ آخِر عَهْدِي بِهِ.
دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَرَأَيْته وَاجِمًا مُكْتَئِبًا فحييته فَأَوْمَأَ إِلَى بِالتَّحِيَّةِ إِيمَاء فَسَأَلَتْهُ مَا بَاله فَقَالَ مَا زِلْت مُنْذُ اَللَّيْلَة مِنْ هَذِهِ اَلْمَرْأَة فِي عَنَاء لَا أَعْرِف اَلسَّبِيل إِلَى اَلْخَلَاص مِنْهُ وَلَا أَدْرِي مَصِير أَمْرِي فِيهِ قُلْت وَأَيّ اِمْرَأَة تُرِيد ? قَالَ تِلْكَ اَلَّتِي يُسَمِّيهَا اَلنَّاس زَوْجَتِي وَأُسَمِّيهَا اَلصَّخْرَة اَلْعَاتِيَة فِي طَرِيق مُطَالِبِي وَآمَالِي قَلَّتْ إِنَّك كَثِير اَلْآمَال يَا سَيِّدِي فَعَنْ أَيّ آمَالك تَحْدُث ? قَالَ لَيْسَ لِي فِي اَلْحَيَاة إِلَّا أَمَل وَاحِد هُوَ أَنْ أُغْمِض عَيْن ثُمَّ أَفْتَحهَا فَلَا أَرَى بُرْقُعًا عَلَى وَجْه اِمْرَأَة فِي هَذَا اَلْبَلَد قُلْت ذَلِكَ مَا لَا تَمْلِكهُ وَلَا رَأَى لَك فِيهِ قَالَ إِنَّ كَثِيرًا مِنْ اَلنَّاس يُرُونَ فِي اَلْحِجَاب رَأْيِي وَيَتَمَنَّوْنَ فِي أَمَرّه مَا أَتُمَنِّي وَلَا يَحُول بَيْنهمْ وَبَيْن نَزْعه عَنْ وُجُوه نِسَائِهِمْ إبرازهن إِلَى اَلرِّجَال يجالسنهم كَمَا يَجْلِس بَعْضهنَّ إِلَى بَعْض إِلَّا اَلْعَجْز وَالضَّعْف وَالْهَيْبَة اَلَّتِي لَا تَزَال تُلِمّ بِنَفْس اَلشَّرْقِيّ كُلَّمَا حَاوَلَ اَلْإِقْدَام عَلَى أَمْر جَدِيد فَرَأَيْت أَنْ أَكُون أَوَّل هَادِم لِهَذَا اَلْبِنَاء اَلْعَادِيّ اَلْقَدِيم اَلَّذِي وَقَفَ سَدًّا دُون سَعَادَة اَلْأُمَّة وَارْتِقَائِهَا دَهْرًا طَوِيلًا وَأَنْ يَتِمّ عَلَى يَدَيْ مَا لَمْ يَتِمّ عَلَى يَد أَحَد غَيْرِي مِنْ دُعَاة اَلْحُرِّيَّة وَأَشْيَاعهَا فَعَرَضَتْ اَلْأَمْر عَلَى زَوْجَتِي فَأَكْبَرَتْهُ وَأَعْظَمَتْهُ وَخَيْل إِلَيْهَا أَنَّنِي جُثَّتهَا بِإِحْدَى اَلنَّكَبَات اَلْعِظَام والرزايا اَلْجِسَام وَزَعَمَتْ أَنَّهَا إِنْ بَرَزَتْ إِلَى اَلرِّجَال فَإِنَّهَا لَا تَسْتَطِيع أَنْ تَبْرُز إِلَى اَلنِّسَاء بَعْد ذَلِكَ.
стр. 37
حَيَاء مِنْهُنَّ وَخَجَلًا وَلَا خَجَل هُنَاكَ وَلَا حَيَاء وَلَكِنَّهُ اَلْمَوْت وَالْجُمُود وَالذُّلّ اَلَّذِي ضَرَبَهُ اَللَّه عَلَى هَؤُلَاءِ اَلنِّسَاء فِي هَذَا اَلْبَلَد أَنْ يَعِشْنَ فِي قُبُور مُظْلِمَة مِنْ خُدُورهنَّ وَخَمْرهنَّ حَتَّى يَأْتِينَ اَلْمَوْت فَيَنْتَقِلْنَ مِنْ مَقْبَرَة اَلدُّنْيَا إِلَى مَقْبَرَة اَلْآخِرَة فَلَا بُدّ لِي أَنَّ أَبْلَغ أَمْنِيَّتِي وَأَنْ أُعَالِج هَذَا اَلرَّأْس اَلْقَاسِي اَلْمُتَحَجِّر عِلَاجًا يَنْتَهِي بِإِحْدَى اَلْحُسْنَيَيْنِ إِمَّا بِكَسْرِهِ أَوْ بِشِفَائِهِ.
فَوَرَدَ عَلَى مَنْ حَدِيثه مَا مَلَأَ نَفْسِي هَمًّا وَحُزْنًا وَنَظَرْت إِلَيْهِ نَظْرَة اَلرَّاحِم اَلرَّاثِي وَقُلْت أعالم أَنْتَ أَيُّهَا اَلصَّدِيق مَا تَقُول ? قَالَ نَعَمْ أَقُول اَلْحَقِيقَة اَلَّتِي أَعْتَقِدهَا وَأُدِين نَفْسِيّ بِهَا وَاقِعَة مِنْ نَفْسك وَنُفُوس اَلنَّاس جَمِيعًا حَيْثُ وَقَعَتْ قُلْت هَلْ تَأْذَن لِي أَنْ أَقُول لَك إِنَّك عِشْت فَتْرَة طَوِيلَة فِي دِيَار قَوْم لَا حِجَاب بَيْن رِجَالهمْ وَنِسَائِهِمْ فَهَلْ تَذْكُر أَنَّ نَفْسك حَدَّثَتْك يَوْمًا مِنْ اَلْأَيَّام وَأَنْتَ فِيهِمْ بِالطَّمَعِ فِي شَيْء مِمَّا لَا تَمْلِك يَمِينك مِنْ أَعْرَاض نِسَائِهِمْ فَنِلْت مَا تَطْمَع فِيهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُر مَالِكه ? قَالَ رُبَّمَا وَقَعَ لِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ فَمَاذَا تُرِيد قُلْت أُرِيد أَنْ أَقُول لَك إِنِّي أَخَاف عَلَى عَرْضك أَنْ يُلِمّ بِهِ مِنْ اَلنَّاس مَا أُلِمّ بِأَعْرَاض اَلنَّاس مِنْك قَالَ إِنَّ اَلْمَرْأَة اَلشَّرِيفَة تَسْتَطِيع أَنْ تَعِيش بَيْن اَلرِّجَال مِنْ شَرَفهَا وَعِفَّتهَا فِي حِصْن حَصِين لَا تَمْتَدّ إِلَيْهِ اَلْمَطَامِع فَتُدَاخِلنِي مَا لَمْ أَمْلِك مَعَهُ وَقُلْت لَهُ تِلْكَ هِيَ اَلْخُدْعَة اَلَّتِي بِالْإِغْوَاءِ بِهَا اَلشَّيْطَان أَيُّهَا اَلضُّعَفَاء والثلمة اَلَّتِي يغثر بِهَا فِي زَوَايَا رُءُوسكُمْ فَيَنْحَدِر مِنْهَا إِلَى عُقُولكُمْ وَمَدَارِككُمْ فَيُفْسِدهَا عَلَيْكُمْ فَالشَّرَف كَلِمَة لَا وُجُود لَهَا فِي قَوَامِيس اَللُّغَة وَمَعَاجِمهَا فَإِنْ أَرَدْنَا أَنْ نُفَتِّش عَنْهَا فِي قُلُوب اَلنَّاس وَأَفْئِدَتهمْ قَلَمًا نَجِدهَا وَالنَّفْس اَلْإِنْسَانِيَّة كَالْغَدِيرِ اَلرَّاكِد لَا يَزَال صَافِيًا رَائِقًا حَتَّى يَسْقُط فِيهِ حَجَر فَإِذَا هُوَ مُسْتَنْقَع كَدِر وَالْعِفَّة لَوْن مِنْ أَلْوَان اَلنَّفْس لَا جَوْهَر مِنْ
стр. 38
جَوَاهِرهَا وَقَلَّمَا تُثْبِت اَلْأَلْوَان عَلَى أَشِعَّة اَلشَّمْس اَلْمُتَسَاقِطَة قَالَ أَتُنْكِرُ وُجُود اَلْعِفَّة بَيْن اَلنَّاس قُلْت لَا أُنْكِرهَا لِأَنِّي أَعْلَم أَنَّهَا مَوْجُودَة بَيْن اَلْبُلْه اَلضُّعَفَاء وَالْمُتَكَلِّفِينَ وَلَكِنِّي أَنْكَرَ وَجَوَّدَهَا عِنْد اَلرَّجُل اَلْقَادِر المختلب وَالْمَرْأَة اَلْحَاذِقَة اَلْمُتَرَفِّقَة إِذَا سَقَطَ بَيْنهمَا اَلْحِجَاب وَخَلَا وَجْه كُلّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ.
فِي أَيّ جَوّ مِنْ أَجْوَاء هَذَا اَلْبَلَد تُرِيدُونَ أَنْ تَبْرُز نِسَاؤُكُمْ لِرِجَالِكُمْ ? أَفِي جَوّ اَلْمُتَعَلِّمِينَ وَفِيهِمْ مَنْ سُئِلَ مَرَّة لِمَ لَمْ يَتَزَوَّج فَأَجَابَ نِسَاء اَلْبَلَد جَمِيعًا نِسَائِيّ.
أَمْ فِي جَوّ اَلطَّلَبَة وَفِيهِمْ مَنْ يَتَوَارَى عَنْ أَعْيُن خُلَّانه وأتربه وَخَجَلًا أَنْ خَلَتْ مَحْفَظَته يَوْمًا مِنْ اَلْأَيَّام مَنْ صُوَر عَشِيقَاته وَخَلِيلَاته أَوْ أقفزت مِنْ رَسَائِل اَلْحُبّ وَالْغَرَام ? أَمْ فِي جَوّ اَلرُّعَاع وَالْغَوْغَاء وَكَثِير مِنْهُمْ يَدْخُل اَلْبَيْت خَادِمًا ذَلِيلًا وَيَخْرُج مِنْهُ صِهْرًا كَرِيمًا ? وَبَعْد فَمَا هَذَا اَلْوَلَع بِقِصَّة اَلْمَرْأَة والتمطق بِحَدِيثِهَا وَالْقِيَام وَالْقُعُود بِأَمْرِهَا وَأَمْر حِجَابهَا وَسُفُورهَا وَحُرِّيَّتهَا وَأَسْرَارهَا كَأَنَّمَا قَدْ قُمْتُمْ بِكُلّ وَاجِب لِلْأُمَّةِ عَلَيْكُمْ فِي أَنْفُسكُمْ فَلَمْ يَبْقَ الا أَنْ تُفِيضُوا مِنْ تِلْكَ اَلنِّعَم عَلَى غَيْركُمْ.
بِالْإِغْوَاءِ رِجَالكُمْ قَبْل أَنْ تُهَذِّبُوا نِسَاءَكُمْ فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ اَلرِّجَال فَأَنْتُمْ عَنْ اَلنِّسَاء أَعْجَز.
стр. 39
أَبْوَاب اَلْفَخْر أَمَامكُمْ كَثِيرَة فَاطْرُقُوا أَيُّهَا شئم وَدَعُوا هَذَا اَلْبَاب موصودا فَإِنَّكُمْ إِنْ فَتَحْتُمُوهُ فَتَحْتُمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ وَيْلًا عَظِيمًا وَشَقَاء طَوِيلًا.
أَرَوْنِي رَجُلًا وَاحِدًا مِنْكُمْ يَسْتَطِيع أَنْ يَزْعُم فِي نَفْسه أَنَّهُ يَمْتَلِك هَوَاهُ بَيْن يَدَيْ اِمْرَأَة يَرْضَاهَا فَأُصَدِّق أَنَّ اِمْرَأَة تَسْتَطِيع أَنْ تَمْلِك هَوَاهَا بَيْن يَدَيْ رَجُل تَرْضَاهُ.
إِنَّكُمْ تُكَلِّفُونَ اَلْمَرْأَة مَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ تَعْجِزُونَ عَنْهُ وَتَطْلُبُونَ عِنْدهَا مَالًا تَعْرِفُونَهُ عِنْد أَنْفُسكُمْ فَأَنْتُمْ تُخَاطِرُونَ بِهَا فِي مَعْرَكَة اَلْحَيَاة مُخَاطَرَة لَا تَعْلَمُونَ بِالْإِغْوَاءِ مِنْ بَعْدهَا أَمْ تَخْسَرُونَهَا وَمَا أَحْسَبكُمْ إِلَّا خَاسِرِينَ.
مَا شَكَتْ اَلْمَرْأَة إِلَيْكُمْ ظُلْمًا وَلَا تَقَدَّمَتْ إِلَيْكُمْ فِي أَنْ تَحِلُّوا قَيْدهَا وَتُطْلِقُوهَا مَنْ اسرها فَمَا دُخُولكُمْ بَيْنهَا وَبَيْن نَفْسهَا ? وَمَا تمضغكم لَيْلكُمْ وَنَهَاركُمْ بِقِصَصِهَا وَأَحَادِيثهَا ? إِنَّهَا لَا تَشْكُو إِلَّا فُضُولكُمْ وَإِسْفَافكُمْ وَمُضَايَقَتكُمْ لَهَا وَوُقُوفكُمْ فِي وَجْههَا وَحَيْثُمَا سَارَتْ وَأَيْنَمَا خَلَتْ حَتَّى ضَاقَ بِهَا وَجْه اَلْفَضَاء فَلَمْ تُجْدِ لَهَا سَبِيلًا إِلَّا أَنْ تَسْجُن نَفْسهَا بِنَفْسِهَا فِي بَيْتهَا فَوْق مَا سَجَنَهَا أَهْلهَا مِنْ دُونهَا بَابهَا وأسلبت أَسْتَارهَا تَبَرُّمًا وَفِرَارًا مِنْ فُضُولكُمْ فوا عَجَبًا لَكُمْ تَسْجُنُونَهَا بِأَيْدِيكُمْ ثُمَّ تَقِفُونَ عَلَى بَاب سِجْنهَا تُبْكُونَهَا وَتَنْدُبُونَ شَقَاءَهَا! إِنَّكُمْ لَا تَرْثُونَ لَهَا بَلْ تَرْثُونَ لِأَنْفُسِكُمْ وَلَا تَبْكُونَ عَلَيْهَا بَلْ عَلَى أَيَّام قَضَيْتُمُوهَا فِي دِيَار يَسِيل جَوّهَا تَبَرُّجًا وَسُفُورًا وَيَتَدَفَّق خَلَاعَة وَاسْتِهْتَارًا وَتَوَدُّونَ بجدع اَلْأَنْف لَوْ ظَفِرْتُمْ هُنَا
стр. 40
بِذَلِكَ اَلْعَيْش اَلَّذِي خَلَقْتُمُوهُ هُنَاكَ.
لَقَدْ كُنَّا وَكَانَتْ اَلْعِفَّة فِي سِقَاء مِنْ اَلْحِجَاب موكوء فَمَا زِلْتُمْ بِهِ تَثْقُبُونَ فِي جَوَانِبه كُلّ يَوْم ثَقْبًا وَالْعِفَّة تَسَلُّل مِنْهُ قَطْرَة قَطْرَة حَتَّى تَقْبِض وتكرش ثُمَّ لَمْ يُكَلِّفكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى جِئْتُمْ اَلْيَوْم تُرِيدُونَ أَنْ تَحِلُّوا وكاءه حَتَّى لَا تُبْقِي فِيهِ قَطْرَة وَاحِدَة.
عَاشَتْ اَلْمَرْأَة اَلْمِصْرِيَّة حِقْبَة مِنْ دَهْرهَا هَادِئَة مُطَمْئِنَة فِي بَيْتهَا رَاضِيَة عَنْ نَفْسهَا وَعَنْ عِيشَتهَا تَرَى اَلسَّعَادَة كُلّ اَلسَّعَادَة فِي وَاجِب تُؤَدِّيه لِنَفْسِهَا أَوْ وَقُفَّة تُقَفِّهَا بَيْن يَدَيْ رَبّهَا أَوْ عطفة تَعَطُّفهَا عَلَى وَلَدهَا أَوْ جَلْسَة تُجْلِسهَا إِلَى جَارَتهَا تَبُثّهَا ذَات نَفْسهَا وتستبثها سَرِيرَة قَلْبهَا وَتَرَى اَلشَّرَف كُلّ اَلشَّرَف فِي خُضُوعهَا لِأَبِيهَا وائتمارها بِأَمْر زَوْجهَا وَنُزُولهَا عِنْد رِضَاهُمَا وَكَانَتْ تَفْهَم مَعْنَى اَلْحُبّ وَتَجْهَل مَعْنَى اَلْغَرَام فَتُحِبّ زَوْجهَا لِأَنَّهُ زَوَّجَهَا كَمَا تُحِبّ وَلَدهَا لِأَنَّهُ وَلَدهَا فَإِنْ رَأَى غَيْرهَا مِنْ اَلنِّسَاء أَنَّ اَلْحُبّ أَسَاس اَلزَّوَاج رَأَتْ هِيَ أَنَّ اَلزَّوَاج أَسَاس اَلْحُبّ فَقُلْتُمْ لَهَا أَنَّ هَؤُلَاءِ اَلَّذِينَ يَسْتَبِدُّونَ بِأَمْرِك مَنْ أَهْلك لَيْسُوا بِأَوْفَر مِنْك عَقْلًا وَلَا أَفْضَل رَأْيًا وَلَا أَقْدِر عَلَى اَلنَّظَر لَك مِنْ نَظَرك لِنَفْسِك فَلَا حَقّ لَهُمْ فِي هَذَا اَلسُّلْطَان اَلَّذِي يَزْعُمُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ عَلَيْك بِالْإِغْوَاءِ أَبَاهَا وَتَمَرَّدَتْ عَلَى زَوْجهَا وَأَصْبَحَ اَلْبَيْت اَلَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ عُرْسًا مِنْ اَلْأَعْرَاس اَلضَّاحِكَة مَنَاحَة قَائِمَة لَا تَهْدَأ نَارهَا وَلَا يَخْبُو أُوَارِهَا.
وَقُلْتُمْ لَهَا لَا بُدّ لَك أَنْ تَخْتَارِي زَوْجك بِنَفْسِك حَتَّى لَا يَخْدَعك
стр. 41
أَهْلك عَنْ سَعَادَة مُسْتَقْبَلك فَاخْتَارَتْ لِنَفْسِهَا أَسْوَأ مِمَّا اِخْتَارَ لَهَا أَهْلهَا فَلَمْ يَزِدْ عُمْر سَعَادَتهَا عَلَى يَوْم وَلَيْلَة ثُمَّ اَلشَّقَاء اَلطَّوِيل بَعْد ذَلِكَ اَلْعَذَاب اَلْأَلِيم.
وَقُلْتُمْ لَهَا إِنَّ اَلْحُبّ أَسَاس اَلزَّوَاج فَمَا زَالَتْ تَقْلِب عَيْنهَا فِي وُجُوه اَلرِّجَال مُصَعِّدَة مُصَوِّبَة حَتَّى شَغَلَهَا اَلْحُبّ عَنْ اَلزَّوَاج فَعَنَيْت بِهِ عَنْهُ.
وَقُلْتُمْ لَهَا إِنَّ سَعَادَة اَلْمَرْأَة فِي حَيَاتهَا أَنْ يَكُون زَوْجهَا عَشِيقهَا وَمَا كَانَتْ تَعْرِف إِلَّا أَنَّ اَلزَّوَاج غَيْر اَلْعَشِيق فَأَصْبَحَتْ تَطْلُب فِي كُلّ يَوْم زَوْجًا جَدِيدًا يَحْيَ مِنْ لَوْعَة اَلْحُبّ مَا أَمَاتَ اَلزَّوْج اَلْقَدِيم فَلَا قَدِيمًا اِسْتَبْقَتْ وَلَا جَدِيدًا أَفَادَتْ.
وَقُلْتُمْ لَهَا لَا بُدّ أَنْ تَتَعَلَّمِي لِتُحْسِنِي تَرْبِيَة وَلَدك وَالْقِيَام عَلَى شُؤُون بَيْتك فَتَعَلَّمَتْ كُلّ شَيْء إِلَّا تَرْبِيَة وَلَدهَا وَالْقِيَام عَلَى شُؤُون بَيْتهَا.
وَقُلْتُمْ لَهَا نَحْنُ لَا نَتَزَوَّج مِنْ اَلنِّسَاء إِلَّا مِنْ نُحِبّهَا وَنَرْضَاهَا ويرئم ذَوْقهَا ذَوْقنَا وَشُعُورنَا شُعُورنَا فَرَأَتْ أَنَّ لَابُدَّ لَهَا أَنَّ تَعَرُّف مَوَاقِع بِالْإِغْوَاءِ وَمَبَاهِج أَنْظَاركُمْ لِتَتَجَمَّل لَكُمْ بِمَا تُحِبُّونَ فَرَاجَعَتْ فِهْرِس حَيَاتكُمْ صَفْحَة صَفْحَة فَلَمْ تُرِ فِيهِ غَيْر أَسْمَاء بِالْإِغْوَاءِ اَلْمُسْتَهْتِرَات وَالضَّاحِكَات اَللَّاعِبَات وَالْإِعْجَاب بِهِنَّ وَالثَّنَاء عَلَى ذَكَائِهِنَّ وَفِطْنَتهنَّ فتخلعت وَاسْتَهْتَرَتْ لِتَبْلُغ رِضَاكُمْ وَتُنْزِل عِنْد مَحَبَّتكُمْ ثُمَّ مَشَتْ إِلَيْكُمْ بِهَذَا اَلثَّوْب اَلرَّقِيق اَلشَّفَّاف تَعْرِض نَفْسهَا عَلَيْكُمْ عَرْضًا كَمَا تَعْرِض اَلْأُمَّة
стр. 42
نَفْسهَا فِي سُوق اَلرَّقِيق فَأَعْرَضْتُمْ عَنْهَا ونبوتم بِهَا وَقُلْتُمْ لَهَا إِنَّا لَا نَتَزَوَّج اَلنِّسَاء اَلْعَاهِرَات كَأَنَّكُمْ لَا تُبَالُونَ أَنْ يَكُون نِسَاء اَلْأُمَّة جَمِيعًا سَاقِطَات إِذَا سَلَّمَتْ لَكُمْ نِسَاؤُكُمْ فَرَجَعَتْ أَدْرَاجهَا خَائِبَة مُنْكَسِرَة وَقَدْ أَبَاهَا اَلْخَلِيع وَتَرَفُّع عَنْهَا اَلْمُحْتَشِم فَلَمْ تَجِد بَيْن يَدَيْهَا غَيْر بَاب اَلسُّقُوط فَسَقَطَتْ.
وَكَذَلِكَ اِنْتَشَرَتْ اَلرِّيبَة فِي نُفُوس اَلْأَمَة جَمِيعًا وَتَمَشَّتْ اَلظُّنُون بَيْن رِجَالهَا وَنِسَائِهَا فتعاجز اَلْفَرِيقَانِ وَأَظْلَمَ اَلْفَضَاء بَيْنهمَا وَأَصْبَحَتْ اَلْبُيُوت كَالْأَدْيِرَةِ لَا يَرَى فِيهَا الردائي إِلَّا رِجَالًا مترهبين وَنِسَاء عَانِسَات. ذَلِكَ بُكَاؤُكُمْ عَلَى اَلْمَرْأَة أَيُّهَا اَلرَّاحِمُونَ وَهَذَا رِثَاءَكُمْ لَهَا وَعَطْفكُمْ عَلَيْهَا! نَحْنُ نَعْلَم كَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ اَلْمَرْأَة فِي حَاجَة إِلَى اَلْعِلْم فَلْيُهَذِّبْهَا أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا فَالتَّهْذِيب أَنْفَع لَهَا مِنْ اَلْعِلْم وَإِلَى اِخْتِيَار اَلزَّوْج اَلْعَادِل اَلرَّحِيم فَلْيُحْسِنْ اَلْآبَاء اِخْتِيَار اَلْأَزْوَاج لِبَنَاتِهِمْ وَلِيَجْمُل اَلْأَزْوَاج عِشْرَة نِسَائِهِمْ وَإِلَى اَلنُّور وَالْهَوَاء تَبْرُز إِلَيْهِمَا وَتَتَمَتَّع فِيهِمَا بِنِعْمَة اَلْحَيَاة فَلْيَأْذَنْ لَهَا أَوْلِيَاؤُهَا بِذَلِكَ وَلِيُرَافِقهَا رَفِيق مِنْهُمْ فِي غدواتها وروحاتها كَمَا يُرَافِق اَلشَّاة رَاعِيهَا خَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ اَلذِّئَاب فَإِنَّ عَجْزنَا عَنْ أَنْ نَأْخُذ اَلْآبَاء وَالْإِخْوَة وَالْأَزْوَاج بِذَلِكَ فَلْنَنْفُضْ أَيْدِينَا مِنْ اَلْأُمَّة جَمِيعهَا عَلَى إِصْلَاحهَا.
أَعْجَبَ مَا جُبّ لَهُ فِي شُؤُونكُمْ أَنَّكُمْ تَعَلَّمْتُمْ كُلّ شَيْء إِلَّا
стр. 43
شَيْئًا وَاحِدًا هُوَ أَدْنَى إِلَى بِالْإِغْوَاءِ أَنْ تُعَلِّمُوهُ قَبْل كُلّ شَيْء وَهُوَ أَنَّ لِكُلّ تُرْبَة نَبَاتًا يُنْبِت فِيهَا وَلِكُلّ نَبَات زَمَنًا يَنْمُو فِيهِ! رَأَيْتُمْ اَلْعُلَمَاء فِي أُورُوبَّا يَشْتَغِلُونَ بِكَمَالِيَّات اَلْعُلُوم بَيْن أَهَمّ قَدْ فَرَغَتْ مِنْ ضَرُورِيَّاتهمْ فَاشْتَغَلْتُمْ بِهَا مَثَلهمْ فِي أُمَّة لَا يَزَال سَوَادهَا اَلْأَعْظَم فِي حَاجَة إِلَى مَعْرِفَة حُرُوف اَلْهِجَاء.
وَرَأَيْتُمْ اَلْفَلَاسِفَة فِيهَا يَنْشُرُونَ فَلْسَفَة اَلْكُفْر بَيْن شُعُوب مُلْحِدَة لَهَا مِنْ عُقُولهَا وَآدَابهَا مَا يُغَنِّيهَا بَعْض اَلْغِنَاء عَنْ إِيمَانهَا فَاشْتَغَلْتُمْ بِنَشْرِهَا بَيْن أُمَّة ضَعِيفَة سَاذَجَة لَا يُغْنِيهَا عَنْ إِيمَانهَا شَيْء إِنْ كَانَ هُنَاكَ مَا يَعْنِي عَنْهُ.
وَرَأَيْتُمْ اَلرَّجُل اَلْأُورُوبِّيّ حُرًّا مُطْلَقًا يَفْعَل مَا يَشَاء وَيَعِيش كَمَا يُرِيد لِأَنَّهُ يَسْتَطِيع أَنْ يَمْلِك نَفْسه وَخُطُوَاته فِي اَلسَّاعَة اَلَّتِي يَعْلَم فِيهَا أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إِلَى حُدُود اَلَّتِي رَسَمَهَا لِنَفْسِهِ فَلَا يَتَخَطَّاهَا فَأَرَدْتُمْ أَنْ تَمْحُوَا هَذِهِ اَلْحُرِّيَّة نَفْسهَا رَجُلًا ضَعِيف اَلْإِرَادَة وَالْعَزِيمَة يَعِيش مِنْ حَيَاته اَلْأَدَبِيَّة فِي رَأْس مُنْحَدِر زَلَق إِنْ زَلَّتْ بِهِ قَدَمه مَرَّة تَدَهْوُر مِنْ حَيْثُ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُمْسِك حَتَّى يَبْلُغ اَلْهُوَّة وَيَتَرَدَّى فِي قرارتها.
وَرَأَيْتُمْ اَلزَّوْج اَلْأُورُبِّيّ اَلَّذِي أَطْفَأَتْ اَلْبِيئَة غَيَّرَتْهُ وَأَزَالَتْ خُشُونَة نَفْسه وحرشتها يَسْتَطِيع أَنْ يَرَى زَوْجَته تُحَاضِر مَنْ يَشَاء وَتُصَاحِب مَنْ تَشَاء وَتَخْلُو بِمَنْ تَشَاء فَيَقِف أَمَام ذَلِكَ اَلْمَشْهَد مَوْقِف اَلْجَامِد اَلْمُتَبَلِّد فَأَرَدْتُمْ اَلرَّجُل اَلشَّرْقِيّ اَلْغَيُور الملتهي أَنْ يَقِف مَوْقِفه وَيَسْتَمْسِك اِسْتِمْسَاكه.
وَرَأَيْتُمْ اَلْمَرْأَة اَلْأُورُبِّيَّة وَالْجَرِيئَة المتفتية فِي كَثِير مِنْ مَوَاقِفهَا
стр. 44
مَعَ اَلرِّجَال تَحْتَفِظ بِنَفْسِهَا وَكَرَامَتهَا فَأَرَدْتُمْ مِنْ اَلْمَرْأَة اَلْمِصْرِيَّة اَلضَّعِيفَة اَلسَّاذَجَة أَنْ تَبْرُز لِلرِّجَالِ بُرُوزهَا وَتَحْتَفِظ بِنَفْسِهَا اِحْتِفَاظهَا.
وَكُلّ اَلْبَنَات يَزْرَع فِي أَرْض غَيْر أَرْضه أَوْ فِي سَاعَة غَيْر سَاعَته إِمَّا أَنْ تَأْبَاهُ اَلْأَرْض بِالْإِغْوَاءِ وَإِمَّا أَنْ يُنْشِب فِيهَا فَيُفْسِدهَا.
إِنَّا نَضْرَع إِلَيْكُمْ بِاسْم اَلشَّرَف اَلْوَطَنِيّ وَالْحُرْمَة اَلدِّينِيَّة أَنْ تَتْرُكُوا تِلْكَ اَلْبَقِيَّة اَلْبَاقِيَة مِنْ نِسَاء اَلْأُمَّة مُطَمْئِنَات فِي بُيُوتهنَّ وَلَا تزعجوهن بِأَحْلَامِكُمْ وَآمَالكُمْ كَمَا أَزْعَجْتُمْ مَنْ قَبِلَهُنَّ فَكُلّ جُرْح مِنْ جُرُوح اَلْأُمَّة لَهُ دَوَاء إِلَّا جُرْح اَلشَّرَف فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا فَانْتَظِرُوا بِأَنْفُسِكُمْ قَلِيلًا رَيْثَمَا تَنْتَزِع اَلْأَيَّام مِنْ صُدُوركُمْ هَذِهِ اَلْغَيْرَة اَلَّتِي وَرِثْتُمُوهَا عَنْ آبَائِكُمْ وَأَجْدَادكُمْ لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعِيشُوا فَغَيّ حَيَاتكُمْ اَلْجَدِيدَة سُعَدَاء آمِنِينَ.
فَمَا زَادَ اَلْفَتِيّ عَلَى أَنْ اِبْتَسَمَ فِي وَجْهَيْ اِبْتِسَامَة الهزء وَالسُّخْرِيَة وَقَالَ تِلْكَ حَمَاقَات مَا جِئْنَا إِلَّا لِمُعَالَجَتِهَا فلنصطبر عَلَيْهَا حَتَّى يَقْضِي اَللَّه بَيْننَا وَبَيْنهَا فَقُلْت لَهُ لَك أَمْرك فِي نَفْسك وَفِي أَهْلك فَاصْنَعْ بِهِمَا مَا تَشَاء وَأَذِنَ لِي أَنْ أَقُول لَك إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَنْ أَخْتَلِف إِلَى بَيْتك بَعْد اَلْيَوْم إِبْقَاء عَلَيْك وَعَلَى منفسي لِأَنِّي أَعْلَم أَنَّ اَلسَّاعَة اَلَّتِي يَنْفَرِج لِي فِيهَا جَانِب سِتْر مِنْ أَسْتَار بَيْتك عَنْ وَجْه اِمْرَأَة مِنْ أَهْلك تَقْتُلنِي جياء وَخَجَلًا ثُمَّ أنصرفت وَكَانَ هَذَا فِرَاق مَا بَيْنِي وَبَيْنه.
وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى سَمِعَتْ اَلنَّاس يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ فُلَانًا هَتَكَ اَلسِّتْر فِي مَنْزِله بَيْن نِسَائِهِ وَرِجَاله وَأَنَّ بَيْته أَصْبَحَ مَغْشِيًّا
стр. 45
لا تَزَال اَلنِّعَال خَافِقَة بِبَابِهِ فَذَرَفَتْ عَيْنَيْ دَمْعَة لَا أَعْلَم هَلْ هِيَ دَمْعَة اَلْغَيْرَة عَلَى اَلْعَرْض المذال أَوْ اَلْحُزْن عَلَى اَلصَّدِيق اَلْمَفْقُود ? مَرَّتْ عَلَى تِلْكَ اَلْحَادِثَة ثَلَاثَة أَعْوَام لَا أَزُورهُ فِيهَا وَلَا يَزُورنِي وَلَا أَلْقَاهُ فِي طَرِيقه إِلَّا قَلِيلًا فَأُحَيِّيه تَحِيَّة اَلْغَرِيب لِلْغَرِيبِ مِنْ حَيْثُ لَا يَجْرِي لِمَا كَانَ بَيْننَا ذِكْر ثُمَّ أَنْطَلِق فِي سَبِيلِي.
فَإِنِّي لِعَائِد إِلَى مَنْزِلَيْ لَيْلَة أَمْس وَقَدْ مَضَى اَلشَّرْط اَلْأَوَّل مِنْ اَللَّيْل إِذْ رَأْسِيَّته خَارِجًا مِنْ مَنْزِلَة يَمْشِي مِشْيَة الذاهل اَلْحَائِر وَبِجَانِبِهِ جُنْدِيّ مِنْ جُنُود اَلشُّرْطَة كَأَنَّمَا هُوَ يَحْرُسهُ أَوْ يَقْتَادهُ فَأَهَمَّنِي أَمْره وَدَنَوْت مِنْهُ فَسَأَلَتْهُ عَنْ شَأْنه فَقَالَ لَا اِعْلَمْ لِي بِشَيْء سِوَى أَنْ هَذَا اَلْجُنْدِيّ قَدْ طَرَقَ اَلسَّاعَة بَابِي يَدْعُونِي إِلَى مَخْفَر اَلشُّرْطَة وَلَا أَعْلَم لِمِثْل هَذِهِ اَلدَّعْوَة فِي مِثْل هَذِهِ اَلسَّاعَة سَبَبًا وَمَا أَنَا بِالرَّجُلِ اَلْمُذْنِب وَلَا اَلْمُرِيب فَهَلَّا استطيع أَنْ أَرْجُوك يَا صَدِيقِي بَعْد اَلَّذِي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنك أَنْ تَصْحَبنِي اَللَّيْلَة فِي وَجْهِي هَذَا عَلَّنِي اِحْتِجَاج إِلَى بَعْض اَلْمَعُونَة فِيمَا قَدْ يَعْرِض لِي هُنَاكَ مِنْ اَلشُّؤُون قُلْت لَا أُحِبّ إِلَى مَنْ ذَلِكَ وَمَشَيْت مَعَهُ صَامِتًا لَا أُحَدِّثهُ وَلَا يَقُول لِي شَيْئًا ثُمَّ شَعَرَتْ كَأَنَّهُ يُزَوِّر فِي نَفْسه كَلَامًا يُرِيد أَنْ يُفْضِي بِهِ إِلَيَّ فَيَمْنَعهُ اَلْخَجَل وَالْحَيَاء فَفَاتَحْته اَلْحَدِيث وَقُلْت لَهُ أَلَّا تَسْتَطِيع أَنْ تَتَذَكَّر لِهَذِهِ اَلدَّعْوَة سَبَّبَا فَنَظَرَ إِلَى نَظْرَة حَائِرَة وَقَالَ إِنْ أُخَوِّف مَا أَخَافَهُ أَنْ يَكُون قَدْ حَدَثَ لِزَوْجَتَيْ اَللَّيْلَة حَادِث فَقَدْ رَابَنِي مِنْ أَمْرهَا أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ إِلَى اَلْمَنْزِل حَتَّى اَلسَّاعَة وَمَا كَانَ ذَلِكَ شَأْنهَا مِنْ قَبْل قُلْت أَمَا كَانَ يَصْحَبهَا أَحَد ? قَالَ لَا قُلْت أَلَّا تُعَلِّم اَلْمَكَان اَلَّذِي ذَهَبَتْ إِلَيْهِ قَالَ لَا قُلْت
стр. 46
ومم تَخَاف عَلَيْهَا ? قَالَ لَا أَخَاف شَيْئًا سِوَى أَنِّي أَعْلَم أَنَّهَا اِمْرَأَة غَيُور حَمْقَاء فَلَعَلَّ بَعْض اَلنَّاس حَاوَلَ اَلْعَبَث بِهَا فِي طَرِيقهَا فشرست عَلَيْهِ فَوَقَعَتْ بَيْنهمَا وَاقِعَة اِنْتَهِي أَمْرهَا إِلَى مَخْفَر اَلشُّرْطَة وَكُنَّا قَدْ وَصَلْنَا إِلَى اَلْمَخْفَر فَاقْتَادَنَا اَلْجُنْدِيّ إِلَى قَاعَة اَلْمَأْمُور فَوَقَفْنَا وَكُنَّا قَدْ وَصَلْنَا إِلَى اَلْمَخْفَر فَاقْتَادَنَا اَلْجُنْدِيّ إِلَى قَاعَة اَلْمَأْمُور فَوَقَفْنَا بَيْن يَدَيْهِ فَأَشَارَ إِلَى جُنْدِيّ أَمَامه إِشَارَة لَمْ نُفْهِمهَا ثُمَّ استدني اَلْفَتَى إِلَيْهِ وَقَالَ لِي يَسُوءنِي أَنْ أَقُول لَك سَيِّدِي إِنَّ رِجَال اَلشُّرْطَة قَدْ عُثُورًا اَللَّيْلَة فِي مَكَان مِنْ أَمْكِنَة اَلرِّيبَة رَجُل وَاِمْرَأَة فِي مَجَال غَيْر صَالِحَة فَاقْتَادُوهُمَا إِلَى اَلْمَخْفَر فَزَعَمَتْ اَلْمَرْأَة أَنَّ لَهَا بِك صِلَة فَدَعَوْنَاك لِتَكَشُّف لَنَا اَلْحَقِيقَة فِي أَمْرهَا فَإِنْ كَانَتْ صَادِقَة اذنا لَهَا بِالِانْصِرَافِ مَعَك إِكْرَامًا لَاكَ وَإِبْقَاء عَلَى شَرَفك وَإِلَّا فَهِيَ اِمْرَأَة عَاهِرَة لَا نَجَاة لَهَا مِنْ عِقَاب اَلْفَاجِرَات وَهَا هُمَا وَرَاءَك فانظرهما وَكَانَ اَلْجُنْدِيّ قَدْ جَاءَ بِهِمَا مِنْ غُرْفَة أُخْرَى فَالْتَفَتَ وَرَاءَهُ فَإِذَا اَلْمَرْأَة زَوْجَته وَإِذَا اَلرَّجُل أَحَد أَصْدِقَائِهِ فَصَرَخَ صَرْخَة رَجَفَتْ لَهَا جَوَانِب اَلْمَخْفَر وَمَلَأَتْ نَوَافِذه وَأَبْوَابه عُيُونًا وَآذَانًا ثُمَّ سَقَطَ فِي مَكَانه مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَأَشَرْت عَلَى اَلْمَأْمُور أَنْ يُرْسِل اَلْمَرْأَة إِلَى مَنْزِل أَبِيهَا فَفَعَلَ وَأَطْلَقَ سَبِيلًا صَاحِبهَا ثُمَّ حَمَلْنَا اَلْفَتِيّ فِي مَرْكَبَة إل مُنَزَّلَة وَدَعَوْنَا لَهُ اَلطَّبِيب فَقَرَّرَ أَنَّهُ مُصَاب بحم دِمَاغِيَّة شَدِيدَة وَلُبْث سَاهِرًا بِجَانِبِهِ بَقِيَّة اَللَّيْل يُعَالِجهُ حَتَّى دِنَّا اَلصُّبْح فَانْصَرَفَ عَلَى أَنْ يَعُود مَتَى دَعَوْنَاهُ وَعَهْد إِلَيَّ بِأَمْرِهِ فَلَبِثَتْ بِجَانِبِهِ أَرْثِي لِحَالِهِ وَانْتَظَرَ قَضَاء اَللَّه فِيهِ حَتَّى رَأَيْته يَتَحَرَّك فِي مَضْجَعه ثُمَّ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَرَآنِي فَلَبِثَ شَاخِصًا إِلَى هُنَيْهَة كَأَنَّمَا يُحَاوِل أَنْ يَقُول لِي شَيْئًا فَلَا يَسْتَطِيعهُ فَدَنَوْت مِنْهُ وَقُلْت لَهُ هَلْ مِنْ حَاجَة يَا سَيِّدِي ? فَأَجَابَ بِصَوْت ضَعِيف خَافِت حَاجَتِي أَنْ لَا يَدْخُل عَلَيَّ مِنْ اَلنَّاس أَحَد قُلْت لَنْ يَدْخُل عَلَيْك إِلَّا مَنْ تُرِيد فَأَطْرَقَ هُنَيْهَة ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه فَإِذَا عَيَّنَّاهُ مخصلتان بِالدُّمُوعِ فَقُلْت:
стр. 47
مَا بُكَاؤُك يَا سَيِّدِي ? قَالَ أَتَعَلَّم أَيْنَ زَوْجَتِي اَلْآن قُلْت وَمَاذَا تُرِيد مِنْهَا ? قَالَ لَا شَيْء سِوَى أَنْ أَقُول لَهَا إِنِّي قَدْ عَفَوْت عَنْهَا قُلْت إِنَّهَا فِي بَيْت أَبِيهَا قَالَ وارحمتاه لَهَا وَلِأَبِيهَا وَلِجَمِيع قَوْمهَا فَقَدْ كَانُوا قَبْل أَنْ يَتَّصِلُوا بِي شُرَفَاء أَمْجَادًا فَأَلْبَسَتْهُمْ مذعوني ثَوْبًا مِنْ اَلْعَار وَلَا تَبُلُّوهُ اَلْأَيَّام.
مَنْ لِي بِمَنْ يَبْلُغهُمْ عَنِّي جَمِيعًا أَنَّنِي مَرِيض مُشَرِّف وَأَنَّنِي أَخْشَى لِقَاء اَللَّه إِنْ لَقِيَتْهُ بِدِمَائِهِمْ وَأَنَّنِي أُشَرِّع إِلَيْهِمْ أَنْ يَصْفَحُوا عَنِّي وَيَغْفِرُوا زَلَّتِي قَبْل أَنْ يَسْبِق إِلَيَّ أَجْلِي.
لَقَدْ كُنْت أَقْسَمْت لِأَبِيهَا يَوْم اهتدايتها أَنْ أَصُون عِرْضهَا صِيَانَتِي لِحَيَاتِي وَأَنْ أَمْنَعهَا مِمَّا أَمْنَع مِنْهُ نَفْسِيّ فَحَنِثَتْ فِي يُمْنِي فَهَلْ يَغْفِر لِي ذَنْبِي فَيَغْفِر لِي اَللَّه بِغُفْرَانِهِ ? نَعَمْ إِنَّهَا قَتَلَتْنِي وَلَكِنَّنِي أَنَا اَلَّذِي وَضَعَتْ فِي يَدهَا اَلْخِنْجَر اَلَّذِي أَغْمَدْته فِي صَدْرِي فَلَا يَسْأَلهَا أَحَد عَنْ ذَنْبِي.
اَلْبَيْت بَيْتِي وَالزَّوْجَة زَوْجَتِي وَالصَّدِيق صَدِيقِي وَأَنَا اَلَّذِي فَتَحَتْ بَاب بَيْتِيّ لِصَدِيقِي إِلَى زَوْجَتِي فَلَمْ يُذْنِب إِلَى أَحَد سِوَايَ.
ثُمَّ أَمْسَكَ عَنْ اَلْكَلَام هُنَيْهَة فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ فَإِذَا سَحَابَة سَوْدَاء تُنْشَر فَوْق جَبِينه شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى لَبَّسَتْ وَجْهه فزفر زَفْرَة خِلْت أَنَّهَا خَرَقَتْ حِجَاب قَلْبه ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُول.
آه مَا اشد اَلظَّلَام أَمَام عَيْنَيْ وَمَا أَضْيَق اَلدُّنْيَا فِي وَجْهِي فِي هَذِهِ اَلْغُرْفَة عَلَى هَذَا اَلْمَقْعَد تَحْت هَذَا اَلسَّقْف كُنْت أَرَاهُمَا
стр. 48
جَالِسَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ فَتَمْلَأ نَفْسِي عبطة وَسُرُورًا وَأَحْمَد اَللَّه عَلَى أَنْ رَزَقَنِي بِصَدِيق وَفِي يُونُس زَوْجَتِي فِي وَحْدَتهَا وَزَوْجَة سَمْحَة كَرِيمَة تُكْرِم صَدِيقِي فِي غَيْبَتِي فَقُولُوا لِلنَّاسِ جَمِيعًا أَنَّ ذَلِكَ اَلرَّجُل اَلَّذِي كَانَ يَفْخَر بِالْأَمْسِ بِذَكَائِهِ وَفِطْنَته وَيَزْعُم أَنَّهُ أكيس اَلنَّاس وَأُحَزِّمهُمْ قَدْ أَصْبَحَ يَعْتَرِف اَلْيَوْم أَنَّهُ أَبْلَه إِلَى اَلْغَايَة مِنْ اَلْبَلَاهَة وَغَبِيّ إِلَى اَلْغَايَة اَلَّتِي لَا غَايَة وَرَاءَهَا.
والهفا عَلَى أُمّ لَمْ تَلِدنِي وَأَب عَاقِر لَا نَصِيب لَهُ فِي اَلْبَنِينَ.
لَعَلَّ اَلنَّاس كَانُوا يَعْلَمُونَ مِنْ أَمْرِي مَا كُنْت أَجْهَل وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا إِذَا مَرَرْت بِهِمْ يَتَنَاظَرُونَ وَيَتَغَامَزُونَ وَيَبْتَسِم بَعْضهمْ إِلَى بَعْض أَوْ يُحَدِّقُونَ إِلَى وَيُطِيلُونَ اَلنَّظَر فِي وَجْهِي وَلِيَرَوْا كَيْفَ تَتَمَثَّل اَلْبَلَاهَة فِي وُجُوه اَلْبُلْه وَالْغَبَاوَة فِي وُجُوه اَلْأَغْبِيَاء وَلَعَلَّ اَلَّذِينَ كَانُوا يَتَوَدَّدُونَ إِلَيَّ وَيَتَمَسَّحُونَ بِي مِنْ أَصْدِقَائِي إِنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلهَا لَا مِنْ أَجْلِي وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَنِي فِيمَا بَيْنهمْ وَيُسَمُّونَ زَوْجَتِي موسا وَبَيْتِي ماخورا وَأَنَا عِنْد نَفْسَيْ أَشْرَف اَلنَّاس وَأَنْبَلهمْ!.
فوا بِالْإِغْوَاءِ لِي إِنْ بَقِيَتْ عَلَى ظَهْر اَلْأَرْض بَعْد اَلْيَوْم سَاعَة وَاحِدَة ووالهفا عَلَى زَاوِيَة مُنْفَرِدَة فِي قَبْر مُوحِش يطويني وَيَطْوِي عَارِي مَعِي.
ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَعَاد إِلَى ذُهُوله وَاسْتِغْرَاقه.
وَهُنَا دَخَلَتْ اَلْحُجْرَة مُرْضِع وَلَده تُحَمِّلهُ عَلَى يَدهَا حَتَّى وَضَعَتْهُ
стр. 49
بِجَانِب فِرَاشه ثُمَّ تَرَكْته وَانْصَرَفْت فَمَا زَالَ اَلطِّفْل يَدِبّ عَلَى أَطْرَافه حَتَّى عَلَا صَدْر أَبِيهِ فَأَحَسَّ بِهِ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ فَرَآهُ فَابْتَسَمَ لِمَرْآهُ وَضَمّه إِلَى صَدْره ضَمَّة اَلرِّفْق وَالْحَنَان وَأَدْنَى فَمه مِنْ وَجْهه لِيَقْبَلهُ ثُمَّ اِنْتَفَضَ فَجْأَة واستسر بِشَرِّهِ وَدَفْعه عَنْهُ بِيَدِهِ دَفْعَة شَدِيدَة وَأَخْذ يَصِيح أَبْعَدُوهُ عَنِّي لَا أَعْرِفهُ لَيْسَ لِي أَوْلَاد وَلَا نِسَاء سَلُوا أُمّه عَنْ أَبِيهِ مَنْ هُوَ وَاذْهَبُوا بِهِ إِلَيْهِ ? لَا أَلْبَس اَلْعَار فِي حَيَاتِي وَأَتْرُكهُ أَثَرًا خَالِدًا وَرَائِي بَعْد مَمَاتِي وَكَانَتْ اَلْمُرْضِع قَدْ سَمِعَتْ صِيَاح اَلطِّفْل فَعَادَتْ إِلَيْهِ وَحَمَّلَتْهُ وَذَهَبَتْ بِهِ فَسَمْع صَوْته وَهُوَ يَبْتَعِد عَنْهُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَأَنْصَتَ إِلَيْهِ واستعبر بَاكِيًا وَصَاحَ اِرْجِعُوهُ إِلَيَّ فَعَادَتْ بِهِ اَلْمُرْضِع فَتَنَاوَلَهُ مِنْ يَدهَا وَأَنْشَأَ يَقْلِب نَظَره فِي وَجْهه وَيَقُول:
فِي سَبِيل اَللَّه يَا بَنِي مَا خَلَّفَ لَك أَبُوك مِنْ اَلْيُتْم وَمَا خَلَّفَتْ لَك أُمّك مِنْ اَلْعَار فَاغْفِرْ لَهُمَا ذَنْبهمَا إِلَيْك فَلَقَدْ كَانَتْ أُمّك اِمْرَأَة ضَعِيفَة فَعَجَزَتْ عَنْ اِحْتِمَال صَدْمَة اَلْقَضَاء فَسَقَطَتْ وَكَانَ أَبُوك حَسَن فِي جَرِيمَته اَلَّتِي اجترمها فَأَسَاءَ مِنْ حَيْثُ أَرَادَ اَلْإِحْسَان.
سَوَاء كُنْت وَلَدِي يَا بُنِيَ أَمْ وَلَد اَلْجَرِيمَة فَإِنِّي قَدْ سَعِدْت بِك حِقْبَة مِنْ اَلدَّهْر فَلَا أَنْسَى يَدك عِنْدِي حَيًّا أَوْ مَيِّتًا ثُمَّ اِحْتَضَنَهُ إِلَيْهِ وَقَبِلَهُ فِي جَبِينه قُبْلَة لَا أَعْلَم هَلْ هِيَ قُبْلَة اَلْأَب اَلرَّحِيم أَوْ اَلْمُحْسِن اَلْكَرِيم ? وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مِنْهُ اَلْجُهْد فَعَاوَدَتْهُ اَلْحُمَّى وَغَلَتْ نَارهَا فِي رَأْسه وَمَازَالَ يَثْقُل شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى خِفْت عَلَيْهِ اَلتَّلَف فَأَرْسَلَتْ وَرَاء اَلطَّبِيب فَجَاءَ وَأَلْقَى عَلَيْهِ نَظْرَة طَوِيلَة ثُمَّ اِسْتَرَدَّهَا مَمْلُوءَة يَأْسًا
стр. 50
وَحُزْنًا.
ثُمَّ بَدَأَ يَنْزِع نَزْعًا شَدِيدًا وَيَئِنّ أَنِينًا مُؤْلِمًا فَلَمْ تَبْقَ عَيْن مِنْ اَلْعُيُون اَلْمُحِيطَة بِهِ إِلَّا ارفضت عَنْ كُلّ مَا تَسْتَطِيع أَنْ تَجُود بِهِ مِنْ مَدَامِعهَا.
فَإِنَّا لِجُلُوس حَوْله وَفْد بَدَأَ اَلْمَوْت يُسْبِل أَسْتَاره اَلسَّوْدَاء عَلَى سَرِيره وَإِذَا اِمْرَأَة مؤتزرة بِإِزَار أَسْوَد قَدْ دَخَلَتْ اَلْحُجْرَة وَتَقَدَّمَتْ نَحْوه بِبُطْء حَتَّى رَكَعَتْ بِجَانِبِهِ ثُمَّ أَكْبِت عَلَى يَده اَلْمَوْضُوعَة فَوْق صَدْره فَقَبِلَتْهَا وَأَخَذَتْ تَقُول لَهُ:
لَا تُخْرِج مِنْ اَلدُّنْيَا وَأَنْتِ مُرْتَاب فِي وَلَدك فَإِنَّ أُمّه تَعْتَرِف بَيْن يَدَيْك وَأَنْتَ ذَاهِب إِلَى رَبّك أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ دَنَتْ مِنْ اَلْجَرِيمَة وَلَكِنَّهَا لَمْ تَرْتَكِبهَا فَاعْفُ عَنِّي يَا وَالِد وَلَدِي وَاسْأَلْ اَللَّه عِنْدَمَا تَقِف بَيْن يَدَيْهِ أَنْ يُلْحِقنِي بِك فَلَا خَيْر لِي فِي اَلْحَيَاة مِنْ بَعْدك.
ثُمَّ اِنْفَجَرَتْ بَاكِيَة فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَأُلْقِي عَلَى وَجْههَا نَظْرَة بَاسِمَة كَانَتْ هِيَ آخِر عَهْده بِالْحَيَاةِ وَقَضَى.
اَلْآن عُدْت مِنْ اَلْمَقْبَرَة بَعْد مَا دَفَنَتْ صَدِيقِي بِيَدِي وَأَوْدَعَتْ حُفْرَة اَلْقُرْب ذَلِكَ اَلشَّبَاب اَلنَّاضِر والروض اَلزَّاهِر وَجَلَسَتْ لِكِتَابَة هَذِهِ اَلسُّطُور وَأَنَا لَا أَكَاد أَمَلك مَدَامِعِي وَزَفَرَاتِي فَلَا يُهَوِّن وَجَدِّي عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّ اَلْأُمَّة كَانَتْ عَلَى بَاب خَطِر عَظِيم مِنْ اخطارها فَتُقَدِّم هُوَ أَمَامهَا إِلَى ذَلِكَ اَلْخَطَر وَحْده فَاقْتَحَمَهُ فَمَاتَ شَهِيدًا فَنَجَتْ بِهَلَاكِهِ.
стр. 51
اَلذِّكْرَى
" مُتَرْجَمَة "
وَقَفَ أَبُو عَبْد اَللَّه آخَر مُلُوك غَرْنَاطَة بَعْد اِنْكِسَاره أَمَام جُيُوش اَلْمَلِك فردينايد وَالْمَلِكَة إيزابلا عَلَى شَاطِئ اَلْخَلِيج اَلرُّومِيّ تَحْت ذَيْل جَبَل طَارِق قَبْل نُزُوله إِلَى اَلسَّفِينَة اَلْمُعَدَّة لِحَمْلِهِ إِلَى أَفْرِيقْيَا وَقَدْ وَقَفَ حَوْله نِسَاؤُهُ وَأَوْلَاده وَعُظَمَاء قَوْمه مِنْ بَنِي اَلْأَحْمَر فَأَلْقَى عَلَى مِلْكه اَلذَّاهِب نَظْرَة طَوِيلَة لَمْ يَسْتَرْجِعهَا إِلَّا مُبَلَّلَة بِالدَّمْعِ ثُمَّ أَدْنَى رِدَاءَهُ مَنْ وَجَّهَهُ وَأَنْشَأَ يَبْكِي بُكَاء مُرًّا وينشج نَشِيجًا مُحْزِنًا حَتَّى بَكَى مِنْ حَوْله لِبُكَائِهِ وَأَصْبَحَ شَاطِئ اَلْبَحْر كَأَنَّهُ مَنَاحَة قَائِمَة تَتَرَدَّد فِيهَا اَلزَّفَرَات وَيَسْتَبِق اَلْعَبَرَات فَإِنَّهُ لِوَاقِف مَوْقِفه هَذَا وَقَدْ ذُهِلَ عَنْ نَفْسه وَمَوْقِفه إِذْ أَحَسَّ هَاتِفًا يَهْتِف بِاسْمِهِ بِصَوْت كَأَنَّمَا يَنْحَدِر إِلَيْهِ مِنْ عَلْيَاء اَلسَّمَاء فَرَفَعَ رَأْسه فَإِذَا شَيْخ نَاسِك مُتَّكِئ عَلَى عَصَاهُ وَاقِف عَلَى بَاب مَغَارَة مِنْ مَغَارَات اَلْجَبَل اَلْمُشْرِف عَلَيْهِ يَنْظُر إِلَيْهِ وَيَقُول:
نَعِمَ لَك أَنْ نَبْكِي أَيُّهَا اَلْمَلِك اَلسَّاقِط عَلَى مِلْكك بُكَاء اَلنِّسَاء
стр. 52
فَإِنَّك لَمْ تَحْتَفِظ بِهِ اِحْتِفَاظ اَلرِّجَال.
إِنَّك ضَحِكْت بِالْأَمْسِ كَثِيرًا فَابْكِ اَلْيَوْم بِمِقْدَار مَا ضَحَّكَتْ بِالْأَمْسِ فَالسُّرُور نَهَار اَلْحَيَاة وَالْحُزْن لَيْلهَا وَلَا يَلْبَث اَلنَّهَار اَلسَّاطِع أَنْ يُعْقِبهُ اَللَّيْل اَلْقَاتِم.
لَوْ أَنَّ مَا ذَهَبَ مِنْ يَدك مِنْ مِلْكك ذَهَبَ بِصَدْمَة مِنْ صَدَمَات اَلْقَدْر أَوْ نَازِلَة مِنْ نَوَازِل اَلْقَضَاء مِنْ حَيْثُ لَا حَوْل لَك فِي ذَلِكَ وَلَا حِيلَة لَهَانَ أَمْره عَلَيْك أَمَّا وَقَدْ أَضَعْته بِيَدِك إِلَى عَدْوك بِاخْتِيَارِك فَابْكِ عَلَيْهِ بُكَاء اَلنَّادِم المتفجع اَلَّذِي لَا يَجِد لَهُ عَنْ مُصَابه عَزَاء وَلَا سَلْوَى.
لَا يَظْلِم اَللَّه عَبَدَا مِنْ عِبَاده وَلَا يُرِيد بِأَحَد مِنْ اَلنَّاس فِي شَأْن مِنْ اَلشُّؤُون شَرًّا وَلَا ضيرا وَلَكِنَّ اَلنَّاس يَأْبَوْنَ إِلَّا أَنْ يَقِفُوا عَلَى حَافَّة اَلْهُوَّة اَلضَّعِيفَة فَتُزَلْ بِهِمْ اقدامهم وَيَمْشُوا تَحْت اَلصَّخْرَة اَلْبَارِزَة اَلْمُشْرِفَة فَتُسْقِط عَلَى رُءُوسهمْ.
لَمْ تُقْنِع بِمَا قَسَّمَ اَللَّه لَك مِنْ اَلزُّرْق فَأَبَيْت إِلَّا اَلْمَلِك وَالسُّلْطَان فَنَازَعْت عَمّك اَلْأَمْر وَاسْتَعَنْت عَلَيْهِ بَعَّدُوك وَعَدُّوهُ فَتَنَاوَلَ رَأْسَيْكُمَا مَعًا وَمَا زَالَ يَضْرِب أَحَدهمَا بِالْآخَرِ حَتَّى سَالَ تَحْت قَدَمَيْكُمَا قليب مِنْ اَلدَّم فَغَرِقْتُمَا فِيهِ مَعًا.
لِي فَوْق هَذِهِ اَلصَّخْرَة يَا بَنِي اَلْأَحْمَر سَبْعَة أَعْوَام أَنْتَظِر فِيهَا هَذَا اَلْمَصِير اَلَّذِي صِرْتُمْ إِلَيْهِ وَأَتَرَقَّب اَلسَّاعَة اَلَّتِي أَرَى فِيهَا آخِر مِلْك مَلِكًا يَرْحَل عَنْ هَذِهِ اَلدِّيَار رِحْلَة لَا رَجْعَة مِنْ بَعْدهَا لِأَنِّي أَعْلَم أَنَّ اَلْمَلِك اَلَّذِي يَتَوَلَّى أَمْره اَلْجَاهِلُونَ اَلْأَغْبِيَاء لَا دَوَام لَهُ وَلَا
стр. 53
بَقَاء.
اِتَّخَذَ بَعْضكُمْ بَعْضًا عَدُوًّا وَأَصْبَحَ كُلّ وَاحِد مِنْكُمْ حَرْبًا عَلَى صَاحِبه فَسُقْتُمْ اَلْمُسْلِمِينَ إِلَى مَيَادِين اَلْقِتَال يَضْرِب بَعْضهمْ وُجُوه بَعْض وَالْعَدُوّ رَابِض مِنْ وَرَائِكُمْ يَتَرَبَّص بِكُمْ اَلدَّوَائِر وَيَرَى أَنَّ كُلًّا مِنْكُمْ قَائِد قُوَّاده يَنْبَعِث بَيْن يَدَيْهِ لِقَتَّال أَعْدَائِهِ وَالْمُنَاضِلَة عَلَى مِلْكه حَتَّى رَآكُمْ تَتَهَافَتُونَ عَلَى أَنْفُسكُمْ ضَعْفًا وَوَهْنًا فاقتحمكم فَمَا هِيَ إِلَّا جَوْلَة أَوْ جَوْلَتَانِ حَتَّى ظَفَر بِكُمْ مَعًا.
سَتَقِفُونَ غَدًا بَيْن يَدَيْ اَللَّه يَا مُلُوك اَلْإِسْلَام وَسَيَسْأَلُكُمْ عَنْ اَلْإِسْلَام إِلَى أَضَعْتُمُوهُ وَهَبَطْتُمْ بِهِ مِنْ عَلْيَاء مَجْده حَتَّى أَلْصَقْتُمْ أَنْفه بالرغام وَعَنْ اَلْمُسْلِمِينَ اَلَّذِينَ بِالْإِغْوَاءِ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى أَعْدَائِهِمْ لِيَعِيشُوا بَيْنهمْ عَيْش اَلْبَائِسِينَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ عَنْ مُدُن اَلْإِسْلَام وَأَمْصَاره اَلَّتِي اِشْتَرَاهَا آبَاؤُكُمْ بِدِمَائِهِمْ وَأَرْوَاحهمْ ثُمَّ تَرَكُوهَا فِي أَيْدِيكُمْ لِتَذُودُوا عَنْهَا وَتَحْمُوا ذمارها فَلَمْ تُحَرِّكُوا فِي شَأْنهَا سَاكِنًا حَتَّى غَلَبَكُمْ أَعْدَاؤُكُمْ عَلَيْهَا فَأَصْبَحْتُمْ تَعِيشُونَ فِيهَا عَيْش اَلْأَذِلَّاء وَتَطْرُدُونَ مِنْهَا كَمَا يَطْرُد اَلْغُرَبَاء فَمَاذَا يَكُون جَوَابكُمْ إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ هَذَا كُلّه غَدًا ? هَا هِيَ اَلنَّوَاقِيس تَرِنّ فِي شُرُفَات اَلْمَآذِن بَدَل اَلْأَذَان وَهَا هِيَ اَلْمَسَاجِد تَطَأ نِعَال اَلصَّلِيبِيِّينَ فِي تُرْبَتهَا مَوَاقِع جِبَاه اَلْمُسْلِمِينَ وَهَا هُوَ اَلْمُسْلِم يَفِرّ بِدِينِهِ مِنْ مَكَان إِلَى مَكَان وَيَلُوذ بأكناف اَلْهِضَاب وَالشِّعَاب لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُؤَدِّي شَعِيره مِنْ شَعَائِر
стр. 54
دِينه إِلَّا فِي غَار كَهَذَا اَلْغَار اَلَّذِي أَعِيش فِيهِ:
لَيْتَ اَلْمُسْلِمِينَ عَاشُوا دَهْرهمْ فَوْضَى لَا نِظَام لَهُمْ وَلَا مَلِك وَلَا سُلْطَان كَمَا يَعِيش اَلْمُشَرَّدُونَ فِي آفَاق اَلْبِلَاد فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَنْ يَتَوَلَّى أَمْرهمْ رِجَال مَثَلكُمْ طَامِعُونَ مُسْتَبِدُّونَ يَلُفُّونَ عَلَى أَعْنَاقهمْ جَمِيعًا غِلًّا وَاحِدًا يَسُوقُونَهُمْ بِهِ إِلَى مَوَارِد اَلتَّلَف وَالْهَلَاك مِنْ حَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَوْدًا عَنْ أَنْفُسهمْ وَمَا تَفْعَل اَلْفَوْضَى وَبِأُمَّة مَا يَفْعَل بِهَا اَلِاسْتِبْدَاد.
يَسْأَلكُمْ اَللَّه يَا بَنِي اَلْأَحْمَر عَنِّي وَعَنْ أَوْلَادِي اَلَّذِينَ اِنْتَزَعْتُمُوهُمْ مِنْ يَدِي اِنْتِزَاعًا أَحْوَج مَا كُنْت إِلَيْهِمْ وسقتوهم إِلَى مَيَادِين اَلْقِتَال لِيُقَاتِلُوا إِخْوَانهمْ اَلْمُسْلِمِينَ قِتَالًا لَا شَرَف فِيهِ وَلَا فَخَار حَتَّى مَاتُوا جَمِيعًا مَوْت اَلْأَذِلَّاء اَلْأَدْنِيَاء فَلَا أَنْتُمْ تَرَكْتُمُوهُمْ بِجَانِبِي آنَس بِهِمْ فِي وَحْشَتِي وَأَلْجَأ إِلَى مَعُونَتهمْ فِي شَيْخُوخَتِي وَلَا أَنْتُمْ ذَهَبْتُمْ بِهِمْ إِلَى مَيْدَان قِتَال شَرِيف فأتعزى عَنْهُمْ مِنْ بَعْدهمْ بِأَنَّهُمْ مَاتُوا فِدَاء دِينهمْ وَوَطَنهمْ.
فَهَا أنذا عائش مِنْ بَعْدهمْ وَحْدِي فِي هَذَا اَلْغَار اَلْمُوحِش فَوْق هَذِهِ اَلصَّخْرَة اَلْمُنْقَطِعَة أَبْكِي عَلَيْهِمْ وَأَسْأَل اَللَّه أَنْ يُلْحِقنِي بِهِمْ فَمَتَى يَسْتَجِيب اَللَّه دُعَائِي ? ثُمَّ أَخْتَنِق صَوْته بِالْبُكَاءِ فَأَدَارَ وَجْهه وَمَشَى بِقَدَم مُطَمْئِنَة يَتَوَكَّأ عَلَى عَصَاهُ حَتَّى دَخَلَ مَغَارَته وَغَاب عَنْ اَلْعُيُوب فَنَالَتْ كَلِمَاته مِنْ نَفْس اَلْأَمِير مَا لَمْ يَنَلْ مِنْهَا ضَيَاع مَلِكه وَسُقُوط عَرْشه فَصَاحَ مَا هَذَا بَشَرًا إِنَّمَا صَوْت اَلْعَدْل اَلْإِلَهِيّ يُنْذِرنِي بِشَقَاء اَلْمُسْتَقْبَل فَوْق شَقَاء اَلْمَاضِي فَلْيَصْنَعْ اَللَّه بِي مَا يَشَاء فَعَدَّلَ مِنْهُ كُلّ مَا صَنَعَ.
стр. 55
ثُمَّ اِنْحَدَرَ إِلَى سَفِينَته وَانْحَدَرَ أَهْله وَرَاءَهُ فَسَارَتْ اَلسَّفِينَة بِهِمْ تَشُقّ عُبَاب لِمَاء شَقًّا فَسِجِلّ اَلتَّارِيخ فِي تِلْكَ اَلسَّاعَة أَنَّ قَدْ تَمَّ جَلَاء اَلْعَرَب عَنْ اَلْأَنْدَلُس بَعْد مَا عَمَّرُوهَا ثَمَانمِائَة عَام.
بَعْد مُرُور أَرْبَعَة وَعِشْرِينَ عَامًا عَلَى تِلْكَ اَلْحَوَادِث لَمْ يَبْقَ فِي إِفْرِيقِيَّة حَيّ مِنْ بَنِي اَلْأَحْمَر إِلَّا فَتَى فِي اَلْعِشْرِينَ مِنْ عُمْره أَسُمّهُ سَعِيد لَمْ يَرَ غَرْنَاطَة وَلَا قَصْر اَلْحَمْرَاء وَلَا اَلْمَرَج وَلَا جَنَّة اَلْعَرِيف وَلَا نَهْر شنيل وَلَا عَيْن اَلدَّمْع وَلَا جَبَل اَلثَّلْج وَلَكِنَّهُ مَا زَالَ يَحْفَظ فِي ذَاكِرَته مِنْ عَهْد اَلطُّفُولَة تِلْكَ اَلْأَنَاشِيد اَلْأَنْدَلُسِيَّة اَلْبَدِيعَة اَلَّتِي كَانَ يَتَرَنَّم بِهَا نِسَاء قَوْمه حَوْل مَهْده وَيُرَدِّدُونَ فِيهَا ذِكْر آبَائِهِ وَأَجْدَاده وَآثَار أَيْدِيهمْ وَعَزَّة سُلْطَانهمْ فِي تِلْكَ اَلْبِقَاع وَتِلْكَ اَلْمَرَاثِي اَلْمُحْزِنَة اَلْمُؤَثِّرَة اَلَّتِي بِكَيّ فِيهَا شُعَرَاء اَلْأَنْدَلُس ذَلِكَ اَلْمَجْد اَلسَّاقِط وَالْمَلِك المضاع فَكَانَ كُلَّمَا خَلَا إِلَى نَفْسه رَدَّدَ تِلْكَ اَلْمَرَاثِي بِنَغْمَة شَجِيَّة مُحْزِنَة تَسْتَثِير عِبْرَته وَتُهَيِّج أَشْجَانه فَلَا يَزَال يَبْكِي وَيَنْتَحِب حَتَّى يُشْرِف عَلَى اَلتَّلَف.
فَكَّانِ لَا يَتَمَنَّى عَلَى اَللَّه مِنْ كُلّ مَا يَتَمَنَّى اِمْرُؤ عَلَى رَبّه فِي
стр. 56
حَيَاته إِلَّا أَنْ يَرَى غَرْنَاطَة سَاعَة مِنْ زَمَان يَشْفِي بِهَا غَلَّة نَفْسه ثُمَّ لِيَصْنَع اَلدَّهْر بِهِ بَعْد ذَلِكَ مَا يَشَاء.
وَكَانَ كُلَّمَا هُمْ بِالذَّهَابِ إِلَيْهَا قَعَدَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ وَرَاءَهُ عَجُوزًا مِنْ أَهْله مَرِيضَة وَمَا كَانَ يَسْتَطِيع أَنْ يَتْرُكهَا وَلَا يَجِد مَنْ يَعْتَمِد عَلَيْهِ فِي اَلْقِيَام بِشَأْنِهَا حَتَّى وَافَاهَا أَجْلهَا فَرَكْب اَلْبَحْر مِنْ سبتة إِلَى شَاطِئ ملقة ثُمَّ اِنْحَدَرَ مِنْهَا إِلَى غَرْنَاطَة مُتَنَكِّرًا فِي ثَوْب طَبِيب عَرَبِيّ مِنْ أَطِبَّاء اَلْأَعْشَاب بِتَقَبُّل فِي جيال اَلْأَنْدَلُس وَسُهُولهَا حَتَّى بَلَغَ ضَاحِيَتهَا سَاعَة اَلْأَصِيل فَوَقَفَ عَلَى هَضْبَة مِنْ هِضَاب جَبَل اَلثَّلْج فَرَأَى اَلْأَمْوَال تَنْزَلِق عَنْهُ فِي هُدُوء وَسُكُون كَأَنَّهَا فَوْق سَطْحه اَللَّامِع اَلْمُتَلَأْلِئ قَمِيص مِنْ اَلنُّور أَوْ قُبَّة مِنْ اَلْبَلُّور حَتَّى تَصِل إِلَى سَفْحه فَإِذَا هِيَ حَيَّات بَيْضَاء مَذْعُورَة تَنْبَعِث هَهُنَا وَهَهُنَا لَا هُمْ إِلَّا اَلنَّجَاة مِنْ يَد مُطَارِدهَا حَتَّى تَعْثُر بِجَدْوَل مَاء فِي طَرِيقهَا فَتُدَعِّم فِيهِ وَتَنْسَاب فِي أَحْشَائِهِ.
ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَى اَلْمَدَنِيَّة فَرَأَى عَلَى اَلْبُعْد أَبْرَاجهَا العقيقية اَلْحَمْرَاء وَقِبَابهَا لِعَالِيَة اَلشَّمَّاء وَمَآذِنهَا اَلذَّاهِبَة فِي جَوّ اَلسَّمَاء فَوَقَفَ أَمَام هَذَا اَلْمَنْظَر اَلْجَلِيل اَلْمَهِيب مَوْقِف اَلْخَاشِع المتخضع وَضَمَّ إِحْدَى يَدَيْهِ إِلَى اَلْأُخْرَى وَوَضْعهَا عَلَى صَدْره كَأَنَّمَا هُوَ قَائِم أَمَام اَلْمِحْرَاب يُؤَدِّي صِلَاته وَلَبِثَ عَلَى ذَلِكَ بُرْهَة ثُمَّ صَاحَ بِصَوْت عَالٍ رَدَدْته اَلْغَابَات والحرجات يَقُول.
هَدَّا مِيرَاث آبَائِي وَأَجْدَادِي لَمْ يَبْقَ لِي مِنْهُ إِلَّا وَقْفَة بَيْن يَدَيْهِ كَوَقْفَة الثاكل المفجوع بَيْن أَيْدِي اَلْأَطْلَال البوالي وَالْآثَار الدوارس.
هَذِهِ مَضَاجِعهمْ يَنَام فِيهَا أَعْدَاؤُهُمْ وَهُمْ لَا مَضَاجِع لَهُمْ
стр. 57
إِلَّا رِمَال اَلصَّحْرَاء وَكُثْبَان الفلوات.
هَذِهِ قُصُورهمْ تُشَرِّف عَلَى اَلْأَرْض اَلْفَضَاء وَتُطِلّ مِنْ عُيُون نَوَافِذهَا كَأَنَّمَا تَتَرَقَّب أَنْ يَعُودُوا إِلَيْهَا فَيُعَمِّرُوهَا كَمَا كَانُوا فَلَا يَفْعَلُونَ.
هَذِهِ قبابهم بِالْإِغْوَاءِ رَافِعَة رَأْسهَا لَيْلهَا وَنَهَارهَا إِلَى اَلسَّمَوَات اَلْعُلَا تَدْعُو اَللَّه أَنْ يُعِيد إِلَيْهَا بُنَاتهَا وَحُمَاتهَا فَلَا يُسْتَجَاب لَهَا دُعَاء.
فِي هَذِهِ اَلْبَسَاتِين كَانُوا يَنْعَمُونَ وَتَحْت هَذِهِ اَلظِّلَال كَانُوا يُقِلُّونَ وَعَلَى ضِفَاف هَذِهِ اَلْأَنْهَار كَانُوا يَغْدِرُونَ وَيَرُوحُونَ وَالْيَوْم لَا غَادٍ مِنْهُمْ وَلَا رائح وَلَا سَانِح تَحْت هَذِهِ اَلسَّمَاء وَلَا بارح ثُمَّ نَظَرَ إِلَى اَلْأُفُق فَرَأَى اَلشَّمْس تَنْحَدِر إِلَى بِالْإِغْوَاءِ وَرَأَى جَيْش اَللَّيْل يَطْرُد فُلُول جَيْش اَلنَّهَار فَيُبَدِّدهَا بَيْن يَدَيْهِ تَبْدِيدًا فَتَهَافَتَ عَلَى نَفْسه وَهُوَ يَقُول:
هَكَذَا تدول الدولات وَتُسْقِط اَلتِّيجَان وَهَكَذَا تَحُلّ اَلظُّلُمَات مَحَلّ اَلْأَنْوَار وَهَكَذَا تَنْشُر سُحُب اَلْمَوْت عَلَى وَجْه اَلْحَيَاة.
ثُمَّ تَوَسَّدَ ذِرَاعه وَاسْتَغْرَقَ فِي نَوْمه بَيْن وَطَاء اَلْأَرْض وَغِطَاء اَلسَّمَاء فَلَمْ يستفق حَتَّى مَضَتْ دَوْلَة اَللَّيْل فَمَشَى إِلَى نَهْر جَارٍ فِي سَفْح اَلْجَبَل فَصَلَّى عِنْده صَلَاة اَلْفَجْر ثُمَّ اِنْحَدَرَ إِلَى اَلْمَدَنِيَّة يُفَتِّش عَنْ خَان يَأْوِي إِلَيْهِ فَلَمْ يَجِد فِي طَرِيقه مَنْ يُرْشِدهُ إِلَى طَلَبَته حَتَّى بَلَغَ نَهْر شنيل فَمَشَى عَلَى ضَفَّته يَتَفَقَّد اَلْبُذُور وَيَتَلَمَّس اَلْأَعْشَاب وَيَنْتَظِر يَقَظَة اَلْمَدِينَة بَعْد هجعتها.
وَإِنَّهُ لكذلك إِذْ اِنْفَتَحَ بَيْن يَدَيْهِ بَاب قَصْر عَظِيم وَإِذَا فَتَاة
стр. 58
إِسْبَانِيَّة خَارِجَة مِنْهُ قَدْ عَلَى وَجْههَا خِمَارًا أَسْوَد شَفَّافًا وَأَرْسَلَتْ عَلَى صَدْرهَا صَلِيبًا ذَهَبِيًّا صَغِيرًا وَمَشَى وَرَاءَهَا غُلَام يَحْمِل عَلَى يَده اَلْكِتَاب اَلْمُقَدَّس فَلَمَحْته فِي مَكَانه فَأَدْهَشَهَا مَوْقِفه فَدَنَتْ مِنْهُ وَرَفَعَتْ قِنَاعهَا عَنْ وَجْههَا فَإِذَا اَلشَّمْس طَالِعَة حِسّنَا وَبَهَاء وَقَالَتْ لَهُ بِلِسَان عَرَبِيّ تُخَالِطهُ بَعْض اَلْعُجْمَة أغريب أَنْتَ عَنْ هَذَا اَلْبَلَد أَيُّهَا اَلْفَتِيّ قَالَ نَعَمْ لَقَدْ نَزَلَتْ بِهِ اَلسَّاعَة فَلَمْ أَعْرِف طَرِيق اَلْخَان اَلَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ اَلْغُرَبَاء وَلَمْ أَجِد فِي طَرِيقِي مَنْ يَدُلّنِي عَلَيْهِ فَسَمِعَتْ فِي صَوْته رَنَّة اَلشَّرَف وَرَأَتْ بَيْن أعطافه مخائل اَلنِّعْمَة فَأَهَمَّهَا أَمْره وَأَشَارَتْ إِلَيْهِ أَنْ يُتْبِعهَا لِتَدُلّهُ عَلَى مَا يُرِيد فَمَشَى بِجَانِبِهَا حَتَّى بَلَّغَا مَوْضِع اَلْخَان فَحَيَّتْهُ بِابْتِسَامَة عَذْبَة وَقَالَتْ لَهُ لَا تَنْسَ أَنْ تَزُورنِي أَيُّهَا اَلْغَرِيب كُلَّمَا عَرَضَتْ لَك حَاجَة ثُمَّ سَارَتْ فِي طَرِيق كَنِيسَتهَا.
كَمَا أَنَّ اَلسَّمَاء فِي ظُلْمَة اَللَّيْل تَخْتَلِف إِلَيْهَا اَلنُّجُوم فَتُضِيء صَفْحَتهَا وَتَمْر بِهَا اَلشُّهُب فَتَلْمَع فِي أَرْجَائِهَا حَتَّى إِذَا طَلَعَتْ اَلشَّمْس مِنْ مَشْرِقهَا مَحَا ضوؤها ضَوْء جَمِيع تِلْكَ اَلنَّيِّرَات كَذَلِكَ اَلْقَلْب اَلْإِنْسَانِيّ لَا تَزَال تَمُرّ بِهِ مُخْتَلِف اَلْعَوَاطِف وَأَشْتَات وَالْأَهْوَاء مُجْتَمِعَة وَمُفْتَرِقَة حَتَّى إِذَا بَلَّغَ وَأَشْرَقَتْ عَلَيْهِ شَمْس اَلْحُبّ غَرَبَتْ بِجَانِبِهَا جَمِيع تِلْكَ اَلْعَوَاطِف وَالْأَهْوَاء.
فَقَدْ أَصْبَحَ اَلْأَمِير يَنْظُر إِلَى غَرْنَاطَة مُنْذُ اَلسَّاعَة بِعَيْن غَيْر اَلْعَيْن اَلَّتِي كَانَ يَنْظُر بِهَا إِلَيْهَا مِنْ قَبْل وَيَرَى فِي وَجْههَا صُورَة اَلْأُنْس بَعْد اَلْوَحْشَة وَالنُّور بَعْد اَلظُّلْمَة وَالْحَيَاة بَعْد اَلْمَوْت فَسَكَن ثَائِره وَبَرُدَتْ جَوَانِحه وَهَدَأَتْ نَفْسه ثَوْرَة اَلْغَضَب اَلَّتِي كَانَتْ
стр. 59
لَا تَزَال تَعْتَلِج بَيْن أَضْلَاعه فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِمَسْجِد مِنْ تِلْكَ اَلْمَسَاجِد اَلَّتِي اِسْتَحَالَتْ إِلَى كَنَائِس اِسْتَطَاعَ أَنْ يَقِف أَمَامه هُنَيْهَة عَلَّه يَرَى اَلْفَتَاة اَلْإِسْبَانِيَّة بَيْن اَلدَّاخِلَات إِلَيْهِ أَوْ اَلْخَارِجَات مِنْهُ وَإِذَا رَأَى اَلصَّلِيب مُشْرِفًا عَلَى رَأْس مِئْذَنَة ذِكْر اَلصَّلِيب اَلذَّهَبِيّ اَلْجَمِيل وَإِذَا سَمِعَ أَصْوَات اَلنَّوَاقِيس تَرِنّ فِي أَجْوَاز اَلْفَضَاء ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَع ذَلِكَ اَلصَّوْت اَلرَّنَّان فِي اَلسَّاعَة اَلَّتِي رَآهَا فِيهَا فَأَنِسَ بِهِ وَسَكَنَتْ نَفْسه إِلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ أَصْبَحَ هَذَا اَلْأَمِير اَلْمِسْكِين وَلَا هُمْ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَمَشَّى صَبِيحَة كُلّ يَوْم عَلَى ضِفَاف نَهْر شنيل يَقْلِب نَظَره فِي أَبْوَاب اَلْقُصُور اَلْمُشْرِفَة عَلَى ذَلِكَ اَلنَّهْر عَلَّه يَعْرِف قَصْر اَلْفَتَاة فَلَا يَعْرِفهُ وَفِي وُجُوه الغاديات والرائحات مِنْ اَلْفَتَيَات عَلَّه يَرَاهَا بَيْنهنَّ فَلَا يَرَاهَا حَتَّى إِذَا نَالَ مِنْهُ اَلْيَأْس اِنْكَفَأَ رَاجِعًا إِلَى مَقْبَرَة آبَائِهِ فِي ظَاهِر الدينة فَجَلَسَ بَيْن اَلْقُبُور يَذْرِف دُمُوعًا غزارا لَا يَعْلَم هَلْ هِيَ دُمُوع اَلذِّكْرَى اَلْقَدِيمَة أَوْ دُمُوع اَلذِّكْرَى اَلْجَدِيدَة.
نَكَبَ اَلدَّهْر فلورندا مُنْذُ عَامَيْنِ نَكْبَة لَا تَزَال لَوْعَتهَا مُتَّصِلَة بِقَلْبِهَا حَتَّى اَلْيَوْم فَقَدْ كَانَ أَبُوهَا رَئِيس جُمَيْعَة اَلْعِصَابَة اَلْمُقَدِّسَة اَلَّتِي قَامَتْ فِي وَجْه اَلْحُكُومَة أَعْوَامًا طِوَالًا تُطَالِبهَا بِالْحُرِّيَّةِ اَلدِّينِيَّة وَالشَّخْصِيَّة لِجَمِيع اَلشُّعُوب اَلْحُكُومَة عَلَى اِخْتِلَاف مَذَاهِبهَا وَأَجْنَاسهَا حَتَّى أعيار رِجَال اَلْحُكُومَة أَمْره.
اَلَّتِي مَاتَتْ عَلَى أَثَره حُزْنًا شَدِيدًا مَا كَانَ يُفَارِقهَا فِي جَمِيع غدواتها
стр. 60
وروحاتهم فَأَصْبَحَتْ وَهِيَ لَمْ تَسْلَخ اَلثَّامِنَة مِنْ عُمْرهَا تَعِيش فِي قَصْرهَا عَيْش اَلزَّاهِدَات المتبتلات فَكَّانِ لَا يَرَاهَا الرائي إِلَّا ذَاهِبَة إِلَى اَلْكَنِيسَة أَوْ عَائِدَة مِنْهَا لَا يَصْحَبهَا إِلَّا غُلَامهَا أَوْ وَاقِفَة عَلَى أَطْلَال اَلدَّوْلَة اَلْمَاضِيَة وَرُسُومهَا تَقَلَّبَ فِيهَا نَظَر اَلْعِظَة وَالِاعْتِبَار أَوْ هَائِمَة عَلَى وَجْههَا فِي مُرُوج غَرْنَاطَة وَبَسَاتِينهَا حَتَّى يَنْزِل سِتَار اَللَّيْل فَتَعُود إِلَى قَصْرهَا وَكَذَلِكَ كَانَ شَأْنهَا فِي جَمِيع أَيَّامهَا حَتَّى سَمَّاهَا أَهْل غَرْنَاطَة اَلرَّاهِبَة اَلْجَمِيلَة.
فَإِنَّهَا لِسَائِرَة يَوْمًا بِجَانِب مَقْبَرَة بَنِي اَلْأَحْمَر إِذْ لَمَحَتْ عَلَى اَلْبُعْد فَتَى عَرَبِيًّا مُكِبًّا عَلَى أَحَد اَلْقُبُور كَأَنَّمَا يُقْبَل صَفَائِحه وَيُبْلَ تُرْبَته بِدُمُوعِهِ فَرَثَتْ لِحَالِهِ وَمَشَتْ نَحْوه حَتَّى دَنَتْهُ فَأَحَسَّ بِهَا فَرَفَعَ رَأْسه فَعَرَفَهَا وَعَرَفَتْهُ فَقَالَتْ لَهُ إِنَّك تَبْكِي مُلُوكك بِالْأَمْسِ أَيُّهَا اَلْفَتِيّ فابكهم كَثِيرًا فَقَدْ جَفَّ تُرَاب قُبُورهمْ لِقِلَّة مِنْ يَبْكِي عَلَيْهِمْ قَالَ أترثين لَهُمْ يَا سَيِّدَتِي قَالَتْ نَعَمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عُظَمَاء فَنَكَبَهُمْ اَلدَّهْر وَلَيْسَ أَحَقّ بِدُمُوع اَلْبَاكِينَ مِنْ اَلْعُظَمَاء اَلسَّاقِطِينَ قَالَ شُكْرًا لَك يَا سَيِّد فَهَذِهِ أَوَّل سَاعَة شَعَرَتْ فِيهَا بِبَرْد اَلْعَزَاء يَدِبّ فِي صَدْرِي مُنْذُ وَطِئَتْ قَدَمَايَ أَرْضكُمْ هَذِهِ قَالَتْ هَلْ زُرْت قُصُورهمْ وَآثَارهمْ اَلَّتِي تَرَكُوهَا مَنْ بَعَّدَهُمْ فِي هَذِهِ اَلدِّيَار فَأَطْرَقَ قَلِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه فَإِذَا دَمْعَة تَتَرَجْرَج فِي مُقْلَتَيْهِ وَقَالَ لَا يَا سَيِّدَتِي لَقَدْ حَاوَلَتْ اَلدُّنُوّ مِنْهَا فَطَرَدَنِي عَنْهَا اَلْمُوَكَّلُونَ بِأَبْوَابِهَا كَأَنَّمَا هُمْ يَجْهَلُونَ أَنْ لَيْسَ بَيْن اَلْأَحْيَاء جَمِيعهمْ فِي هَذَا اَلْعَالَم كُلّه مِنْ هُوَ أَوْلَى بِهَا مِنِّي قَالَتْ أَتَمَّتْ إِلَيَّ أَحَد مِنْ أَصْحَابهَا بِنَسَب أَوْ رَحِم قَالَ لَا يَا سَيِّدَتِي وَلَكِنِّي عَبْدهمْ وَمَوْلَاهُمْ وصنيعة أَيْدِيهمْ وَغَرْس نِعْمَتهمْ فَلَا أَنْسَى
стр. 61
وَلَاءَهُمْ مَا حَيِيت قَالَتْ إِنْ رَأَيْتُك غَدًا فِي مِثْل هَذِهِ اَلسَّاعَة فِي هَذَا اَلْمَكَان ذَهَبَتْ بِك إِلَى مَا تُرِيد مِنْهَا قَالَ لَئِنْ فَعَلَتْ لَا يكونن اِمْرُؤ عَلَى وَجْه اَلْأَرْض أَشْكُر لِنِعْمَتِك مِنِّي فَحَيَّتْهُ وَانْصَرَفَتْ وَمَضَى هُوَ إِلَى خَانه بَيْن صَبَابَة تُقِيمهُ وَتُقْعِدهُ وَأَمَل يُمِيتهُ وَيُحْيِيه.
وَفَتْ فلورندا لِصَدِيقِهَا اَلْعَرَبِيّ بِمَا وَعَدَتْهُ بِهِ فَجَاءَتْهُ فِي اَلْيَوْم اَلثَّانِي فأزارته بَعْض اَلْآثَار ثُمَّ جَاءَتْهُ فِي لِيَوْم اَلثَّالِث فأزارته بَعْضًا آخَر مِنْهَا وَهَكَذَا مَا زَالَا يَجْتَمِعَانِ كُلّ يَوْم وَيَفْتَرِقَانِ وَيَخْتَلِفَانِ إِلَى مَا شَاءَ مِنْ اَلرُّسُوم وَالْآثَار لَا يُنْكِر اَلنَّاس مِنْ أَمْرهمَا شَيْئًا فَقَدْ كَانُوا إِذَا رَأَوْهُمَا مَعًا إِنَّ اَلرَّاهِبَة اَلْجَمِيلَة تُحَاوِل أَنَّ تَهْدِيد اَلْفَتِيّ اَلْعَرَبِيّ إِلَى دِينهَا اَلْقَوِيم حَتَّى اِسْتَحَالَ اَلْعَطْف اَلَّذِي كَانَتْ تُضْمِرهُ لَهُ فِي نَفْسهَا مَعَ اَلْأَيَّام إِلَى حُبّ شَدِيد وَكَذَلِكَ اَلْعَطْف دَائِمًا طَرِيق اَلْحُبّ أَوْ هُوَ اَلْحُبّ نَفْسه لَابِسًا ثَوْبًا غَيْر ثَوْبه إِلَّا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمَا لَمْ يَجْرُؤ أَنْ يُكَاشِف صَاحِبه بِمَا أُضْمِرهُ لَهُ فِي نَفْسه حَتَّى جَاءَ اَلْيَوْم اَلَّذِي عَزَمَ فِيهِ عَلَى زِيَادَة قَصْر اَلْحَمْرَاء وَهُوَ آخَر مَا بَقِيَ بَيْن أَيْدِيهمَا مِنْ اَلْآثَار فَلَا لِقَاء بَيْنهمَا بَعْد اَلْيَوْم.
وَقَفَ اَلْأَمِير امام قَصْر اَلْحَمْرَاء فَرَأَى سَمَاء تَطَاوُل اَلسَّمَاء وَطَوْدًا يُنَاطِح اَلْجَوْزَاء وَهَضْبَة تَشَرُّف عَلَى اَلْهِضَاب وَسَحَابَة تَمْر فَوْق اَلسَّحَاب وَجَبَلَا تَحَسُّر عَنْ قِمَّته اَلْعُيُون وَتَضِلّ فِي جَوَانِبه اَلظُّنُون وَحِصْنًا تتقاصر عَنْهُ يَد اَلْأَيَّام وَتَتَهَافَت مِنْ حَوْله اَلسُّنُونَ وَالْأَعْوَام ثُمَّ دَخَلَ فَإِذَا مَلَكَ كَبِير وَجَنَّة وَحَرِير وَقِبَاب تَقْضِي إِلَيْهَا اَلنُّجُوم بِالْأَسْرَارِ وَأَبْرَاج تَنْزَلِق عَنْ سُطُوحهَا يَد اَلْأَقْدَار وَصُحُون مَفْرُوشَة بِأَلْوَان اَلْحَصْبَاء كَأَنَّهَا اَلرِّيَاض
стр. 62
اَلزَّهْرَاء وَجُدْرَان صقيلة مَلْسَاء تَصِف مَا بَيْن يَدَيْهَا مِنْ اَلْأَشْيَاء كَمَا تَصِف اَلْمِرْآة وَجْه اَلْحَسْنَاء وَكَأَنَّ كُلّ جِدَار مِنْهَا لجة مُتَلَاطِمَة اَلْأَمْوَاج يَحْبِسهَا عَنْ اَلْجَرَيَان لَوْح مِنْ زُجَاج فَمَشَى يُقْلَب نَظَر اَلْعِظَة وَالِاعْتِبَار بَيْن تِلْكَ اَلْمَشَاهِد وَالْآثَار ويتنغم فِي نَفْسه يَقُول اَلْقَائِل.
وَقَفَتْ بِالْحَمْرَاءِ مستعبرا مُعْتَبِرًا أَنْدُب أَشْتَاتًا فَقُلْت يَا حَمْرَاء هَلْ وجعة قَالَتْ وَهَلْ يَرْجِع مَنْ مَاتَا فَلَمْ أَزَلْ أَبْكِي عَلَى رَسْمهَا هَيْهَاتَ يُغْنِي اَلدَّمْع هَيْهَاتَ كَأَنَّمَا آثَار مِنْ قَدْ مَضَوْا نوادب يَنْدُبْنَ أَمْوَاتًا حَتَّى وَصْل إِلَى اَلسَّاحَة اَلْكُبْرَى فَرَأَى صَحْنًا مَفْرُوشًا بِبِسَاط مِنْ اَلْمَرْمَر اَلْأَصْفَر قَدْ دارات بِهِ فِي جِهَاته اَلْأَرْبَع أَرْبَعَة صُفُوف مِنْ اَلْأَعْمِدَة النجاف اَلطِّوَال وَتَرَاءَتْ فِي جَوَانِبه حُجُرَات مُتَقَابِلَات تَعْلُوهَا قِبَاب مُشْرِفَات فَعَلِمَ أَنَّهَا حُجُرَات اَلْأُمَرَاء وَالْأَمِيرَات مِنْ أَهْل بَيْته فَهَاجَتْ فِي نَفْسه اَلذِّكْرَى وَشَعَرَ أَنَّ صَدْره يُحَاوِل أَنْ يَبْكِي أَمَام فلورندا فَتَرَكَهَا فِي مَكَانهَا لَاهِيَة عَنْهُ بِالنَّظَرِ إِلَى بَعْض اَلنُّقُوش وَمَشَى إِلَى بَعْض تِلْكَ اَلْقَاعَات حَتَّى دَانَاهَا فَكَانَ أَوَّل مَا تَنَاوَلَ نَظَره مِنْهَا سَطْرًا مَكْتُوبًا عَلَى بَابهَا فَمَا قَرَأَهُ حَتَّى صَبَاح صَيْحَة شَدِيدَة قَائِلًا وَا أَبَتَاهُ وَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَلَمَّ يستفيق إِلَّا بَعْد سَاعَة طَوِيلَة فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ فَوَجَدَ رَأْسه فِي حَجْر فلورندا وَوَجْد فِي عَيْنهَا آثَار اَلْبُكَاء فَقَالَتْ لَهُ لَقَدْ كُنْت اِعْلَمْ قَبْل اَلْيَوْم أَنَّك تكاتمني شَيْئًا مِنْ أَسْرَار نَفْسك وَالْآن عَرَّفَتْ أَنَّك لَسْت عَبْد بَنِي اَلْأَحْمَر وَلَا مَوْلَاهُمْ كَمَا تَقُول وَلَكِنَّك أَحَد أُمَرَائِهِمْ وَأَنَّك اَلسَّاعَة فِي قَصْر جَدّك وَأَمَام حُجْرَة
стр. 63
أَبِيك فَمَا أَسْوَأَ حَظّكُمْ يَا بَنِي اَلْأَحْمَر وَمَا أَعْظَمَ شَقَائِك أَيُّهَا اَلْأَمِير اَلْمِسْكِين فَلَمْ يَجِد سَبِيلًا بَعْد ذَلِكَ إِلَى كِتْمَان أَمْره فَأَنْشَأَ يَقُصّ عَلَيْهَا قَصَّتْهُ وَقِصَّة أَهْل بَيْته وَمَا صَنَعَتْ يَد اَلدَّهْر بِهِمْ مُنْذُ جَلُّوا عَنْ اَلْأَنْدَلُس حَتَّى اَلْيَوْم فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِصَّته نَظَرَ إِلَيْهَا نَظْرَة مُنْكَسِرَة وَقَالَ لَهَا فلورندا إِنَّ جَمِيع مَا لَقِيَتْهُ مِنْ اَلشَّقَاء بِالْأَمْسِ يَصْغُر بِجَانِب اَلشَّقَاء اَلَّذِي تَدَّخِرهُ لِي اَلْأَيَّام غَدًا قَالَتْ وَأَيّ شَقَاء يَنْتَظِرك أَكْثَر مِمَّا أَنْتَ فِيهِ فَأَطْرَقَ هُنَيْهَة ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه وَقَالَ أَنَّنِي أَسْتَطِيع أَنْ أَحْتَمِل كُلّ شَيْء فِي اَلْحَيَاة إِلَّا أَنْ أُفَارِقك فِرَاقًا لَا لِقَاء مِنْ بَعْده قَالَتْ أتحبني أَيُّهَا اَلْأَمِير ? قَالَ نِعَم حُبّ اَلزَّهْرَة اَلذَّابِلَة لِلْقَطْرَةِ الهاطلة قَالَتْ وَهَلْ تَسْتَطِيع أَنْ تُحِبّ فَتَاة مَسِيحِيَّة لَا تَدِين بِدِينِك ? قَالَ نَعَمْ لِأَنَّ طَرِيق اَلدِّين فِي اَلْقَلْب غَيْر طَرِيق اَلْحُبّ وَلَقَدْ وَجَدَتْ فِيك اَلصِّفَات اَلَّتِي أُحِبّهَا فَأَحْبَبْتُك لَهَا ثُمَّ لَا شَأْن لِي بَعْد ذَلِكَ فِيمَا تَعْتَقِدِينَ قَالَتْ وَهَلْ تَسْتَطِيع أَنْ تُحِبّ بِلَا أَمَل قَالَ وَلِمَ لَا يَكُون اَلْحُبّ نَفْسه غَايَة مِنْ اَلْغَايَات اَلَّتِي نُجِدّ فِيهَا اَلسَّعَادَة إِنَّ ظُفْرنَا بِهَا وَمَتَى كَانَ لِلسَّعَادَةِ فيهذه اَلْحَيَاة نِهَايَة مَحْدُودَة فَلَا نَجِد اَلرَّاحَة إِلَّا إِذَا وَصَلْنَا إِلَيَّ نِهَايَتهَا ? وَكَانَ اَللَّيْل قَدْ أُظِلّهَا فَبَرِحَا مَكَانهمَا وَمَشَيَا يَتَحَدَّثَانِ حَتَّى بَلَّغَا اَلْمَوْضِع اَلَّذِي اِعْتَادَا أَنْ يَفْتَرِقَا فِيهَا فَوَضَعَتْ فلورندا يَده فِي يَدهَا وَقَالَتْ لَهُ سَأُحِبُّك كَمَا أَحْبَبْتنِي أَيُّهَا اَلْأَمِير وَسَيَكُونُ حَيّ لَك بِلَا أَمَل كَحُبِّك كَمَا أَحْبَبْتنِي أَيُّهَا اَلْأَمِير وَسَيَكُونُ حَيّ لَك بِلَا أَمَل كَحُبِّك وَلَقَدْ فَرَّقَ اَلدَّيْن بَيْن جَسَدَيْنَا فَلْيَجْمَعْ اَلْحُبّ بَيْن قَلْبَيْنَا وَتَرِكَته وَانْصَرَفْت.
ثُمَّ مَرَّتْ بِهِمَا بَعْد ذَلِكَ أَيَّام سَعْدًا فِيهَا بِنِعْمَة اَلْعَيْش سَعَادَة أَنْسَتْهُمَا جَمِيع مَا لَقِيَا فِي حَيَاتهمَا اَلْمَاضِيَة مِنْ شَقَاء وَعَنَاء فَأَصْبَحَا
стр. 64
فَوْق أَرْض غَرْنَاطَة وَتَحْت سَمَائِهَا طَائِرَيْنِ جَمِيلَيْنِ يَطِيرَانِ حَيْثُ يَصْفُو لَهُمَا وَجْه اَلسَّمَاء وَتَرَقْرَقَ صَفْحَة اَلْهَوَاء وَيَقَعَانِ حَيْثُ يَطِيب لَهُمَا اَلتَّغْرِيد وَالتَّنْفِير فَلَيْتَ اَلدَّهْر يَنَام عَنْهُمَا وَيَتْرُكهُمَا وَشَأْنهمَا وَلَا يُنَفِّس عَلَيْهِمَا هَذِهِ اَلسَّاعَات اَلْقَلِيلَة مِنْ اَلسَّعَادَة اَلَّتِي اِبْتَاعَاهَا بِكَثِير مِنْ دُمُوعهمَا وَآلَامهمَا وَاَلَّتِي لَا يَمْلِكَانِ مِنْ سَعَادَة اَلْحَيَاة سِوَاهَا فَإِنْ خَسِرَاهَا خَسِرَا كُلّ شَيْء ? بَيْنَمَا هَمَّا جَالِسَانِ ذَات يَوْم عَلَى ضَفَّة جَدْوَل مِنْ جَدَاوِل عَيْن اَلدَّمْع إِذْ مَرَّ بِهِمَا اَلدُّون رودريك اِبْن حَاكِم مَدِينَة غَرْنَاطَة فَرَآهَا فِي مَجْلِسهَا هَذَا مِنْ حَيْثُ لَا يُرِيَانِهِ وَكَانَ قَدْ رَأَى فلورندا قَبْل اَلْيَوْم فَأَحَبّهَا فَاخْتَلَفَ إِلَى مَنْزِلهَا أَيَّامًا يَتَحَبَّب إِلَيْهَا وَيَدْعُوهَا إِلَى اَلزَّوَاج مِنْهُ فَأَبَتْ أَنْ تُصْغِي إِلَيْهِ وَقَالَتْ لَهُ إِنَّنِي لَا أَتَزَوَّج اِبْن قَاتِل أَبِي فَانْصَرَفَ بِلَوْعَة لَا تَزَال كَامِنَة ف يُنَفِّسهُ حَتَّى اَلْيَوْم فَلِمَا رَآهَا جَالِسَة مَجْلِسهَا هَذَا زَعَمَ فِي نَفْسه أَنَّهَا مَا أَوْصَدَتْ بَاب قَبْلهَا فِي وَجْهه إِلَّا لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ فَتَحَتْهُ مِنْ قَبْل لِذَلِكَ اَلْفَتِيّ اَلْعَرَبِيّ اَلْجَمِيل اَلَّذِي يُجَالِسهَا فَذَهَبَ إِلَى قَصْرهَا فِي اَلْيَوْم اَلثَّانِي لِيُفْضِيَ إِلَيْهَا بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسه فَأَبَتْ أَنْ تُقَابِلهُ فَخَرَجَ غَاضِبًا يُحَدِّث نَفْسه بِأَفْظَع أَنْوَاع اَلِانْتِقَام.
وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى سِيقَ اَلْأَمِير سَعِيد بْن يُوسُف بْن أَبِي عَبْد اَللَّه سَلِيل بَنِي اَلْأَحْمَر مُلُوك هَذِهِ اَلْبِلَاد بِالْأَمْسِ وَمُؤَسِّسِي مَجْدهَا وَعَظَمَتهَا وَبُنَاة قِلَاعهَا وَحُصُونهَا وَأَصْحَاب قُصُورهَا وَبَسَاتِينهَا ذَلِيلًا مُهَانًا إِلَى مَحْكَمَة اَلتَّفْتِيش مُتَّهَمًا بِمُحَاوِلَة إِغْرَاء فَتَاة مَسِيحِيَّة بِتَرْك دِينهَا وَهِيَ عِنْدهمْ أَفْظَع اَلْجَرَائِم وَأُهَوِّلهَا.
стр. 65
وَقَفَ اَلْأَمِير أَمَام قُضَاة مَحْكَمَة اَلتَّفْتِيش فَسَأَلَهُ اَلرَّئِيس عَنْ تُهْمَته فَأَنْكَرَهَا فَلَمْ يَحْفُل بِإِنْكَارِهِ وَقَالَ لَهُ لَا يُدْلِ عَلَى بَرَاءَتك إِلَّا أَمْر وَاحِد وَهُوَ أَنْ تَتْرُك دِينك وَتَأْخُذ بِدِين اَلْمَسِيح فَطَارَ اَلْغَضَب فِي دِمَاغه وَصَرَخَ صَرْخَة دَوَّتْ بِهَا أَرْجَاء اَلْقَاعَة وَقَالَ:
فِي أَيّ كِتَاب مِنْ كُتُبكُمْ وَفِي أَيّ عَهْد مَعْهُود أَنْبِيَائِكُمْ وَرُسُلكُمْ أَنَّ سَفْك اَلدَّم عِقَاب اَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِإِيمَانِكُمْ وَلَا يَدِينُونَ بِدِينِكُمْ ? مَنْ أَيّ عَالِم مِنْ عَوَالِم اَلْأَرْض أَوْ اَلسَّمَاء أَتَيْتُمْ بِهَذِهِ اَلْعُقُول اَلَّتِي تُصَوِّر لَكُمْ أَنَّ اَلشُّعُوب تُسَاق إِلَى اَلْإِيمَان سُوقًا وَأَنَّ اَلْعَقَائِد تُسْقَى لِلنَّاسِ كَمَا يُسْقَى اَلْمَاء وَالْخَمْر ? أَيْنَ اَلْعَهْد اَلَّذِي اِتَّخَذْتُمُوهُ عَلَى أَنْفُسكُمْ يَوْم وَطِئَتْ أَقْدَامكُمْ هَذِهِ اَلْبِلَاد أَنْ تَتْرُكُونَا أَحْرَارًا فِي عَقَائِدنَا وَمَذَاهِبنَا وَأَنْ لَا تُؤْذُونَا فِي عَاطِفَة مِنْ عَوَاطِف قُلُوبنَا وَلَا فِي شَعِيرَة مِنْ شَعَائِر دِيننَا ? أهذا اَلَّذِي تَصْنَعُونَ اَلْيَوْم وَاَلَّذِي صَنَعْتُمْ بِالْأَمْسِ هُوَ كُلّ مَا عِنْدكُمْ مِنْ اَلْوَفَاء بِالْعُهُودِ وَالرَّعْي لِلذِّمَمِ ? نَعِمَ لَكُمْ أَنْ تَفْعَلُوا مَا تَشَاءُونَ فَقَدْ خَلَا لَكُمْ وَجْه اَلْبِلَاد وَأَصْبَحْتُمْ اَلْقُوَّة وَالسُّلْطَان فِيهَا وَلِلسُّلْطَانِ عِزَّة وَلَا تُبَالِي بِعَهْد وَلَا وَفَاء.
إِنَّ اَلْعُهُود اَلَّتِي يُكَوِّنَّ بَيْن اَلْأَقْوِيَاء وَالضُّعَفَاء إِنَّمَا هِيَ سَيْف قَاطِع فِي يَد اَلْأَوَّلِينَ وَغِلّ مُلْتَفّ عَلَى أَعْنَاق اَلْآخَرِينَ فَلَا أَقَالَ اَللَّه عَثْرَة اَلْبَلْهَاء وَلَا أُقِرّ عُيُون اَلْأَغْبِيَاء.
أَنْتُمْ أَقْوِيَاء وَنَحْنُ ضُعَفَاء فَأَنْتُمْ أَصْحَاب اَلْحَقّ الأبلج وَالْحُجَّة
стр. 66
اَلْقَائِمَة فَاصْنَعُوا مَا شِئْتُمْ فَهَا حَقّكُمْ اَلَّذِي خَوَّلَتْكُمْ إِيَّاهُ قُوَّتكُمْ.
اسفكوا مِنْ دِمَائِنَا مَا شِئْتُمْ واسلبوا مِنْ حُقُوقنَا مَا أَرَدْتُمْ واملكوا عَلَيْنَا مَشَاعِرنَا وَعُقُولنَا حَتَّى لَا نَدِين إِلَّا بِمَا تَدِينُونَ وَلَا نَذْهَب إِلَّا حَيْثُ تَذْهَبُونَ فَقَدْ عَجَزْنَا عَنْ أَنْ نَكُون أَقْوِيَاء فَلَا بُدّ أَنْ ينالنا مَا يَنَال اَلضُّعَفَاء.
ثُمَّ حَاوَلَ اَلِاسْتِمْرَار فِي حَدِيثه فَقَاطَعَهُ اَلرَّئِيس وَأَمَرَ أَنْ يُسَاق إِلَى سَاحَة اَلْمَوْت اَلَّتِي هَلَكَ فِيهَا مِنْ قَبْله عَشَرَة آلَاف مِنْ اَلْمُسْلِمِينَ قَتْلًا أَوْ حَرْقًا فَسِيقَ إِلَيْهَا وَأَجْتَمِع اَلنَّاس حَوْل مَصْرَعه رِجَالًا وَنِسَاء وَمَا جَرَّدَ اَلْجَلَّاد سَيْفه فَوْق رَأْسه حَتَّى سَمِعَ اَلنَّاس صَرْخَة اِمْرَأَة بَيْن اَلصُّفُوف فَالْتَفَتُوا فَلَمْ يَعْرِفُوا مَصْدَرهَا وَمَا هِيَ إِلَّا غَمْضَة وَانْتِبَاهَة أَنْ سَقَطَ ذَلِكَ اَلرَّأْس اَلَّذِي لَيْسَ لَهُ مَثِيل.
يَرَى اَلْمَارّ اَلْيَوْم بِجَانِب مَقْبَرَة نَبِيّ اَلْأَحْمَر فِي ظَاهِر غَرْنَاطَة قَبْرًا جَمِيلًا مُزَخْرَفًا هُوَ قِطْعَة وَاحِدَة مِنْ اَلرُّخَام اَلْأَزْرَق اَلصَّافِي قَدْ نُحِتَتْ فِي سَطْحهَا حُفْرَة وَفَاء تَمْتَلِئ بِمَاء اَلْمَطَر فَيَهْوَى إِلَيْهَا اَلطَّيْر فِي أَيَّام اَلصَّيْف اَلْحَارّ فَيَشْرَب مِنْهَا وَنُقِشَتْ عَلَى ضِلْع مِنْ أَضْلَاعهَا هَذِهِ اَلسُّطُور:
هَذَا قَبْر آخَر بَنِي اَلْأَحْمَر مِنْ صَدِيقَته اَلْوَفِيَّة بِعَهْدِهِ حتي اَلْمَوْت فلورندا فِيلِيب
стр. 67
اَلْهَاوِيَة
مَوْضُوعَة
مَا أَكْثَرَ أَيَّام اَلْحَيَاة وَمَا اِقْلِهَا ? لَمْ أَعِشْ مِنْ تِلْكَ اَلْأَعْوَام اَلطِّوَال اَلَّتِي عِشْتهَا فيهذا اَلْعَالَم إِلَّا عَامًا وَاحِدًا مُرّ بِي كَمَا يَمُرّ اَلنَّجْم اَلدَّهْرِيّ فِي مَسَاء اَلدُّنْيَا لَيْلَة وَاحِدَة ثُمَّ لَا يَرَاهُ اَلنَّاس بَعْد ذَلِكَ.
قَضَيْت اَلشَّطْر اَلْأَوَّل مِنْ حَيَاتِي أُفَتِّش عَنْ صَدِيق يَنْظُر إِلَى أَصْدِقَائِهِ بِعَيْن غَيْر اَلْعَيْن اَلَّتِي يُنِرْ بِهَا اَلتَّاجِر إِلَى سِلْعَته وَالزَّارِع إِلَى مَاشِيَته فأعوزني ذَلِكَ حتي عَرَفَتْ فَلَانَا مُنْذُ ثَمَانِي عَشْرَة عَامًا فَعَرَفَتْ اِمْرَأ مَا شِئْت أَنْ أَرَى خلة مِنْ خِلَال اَلْخَبَر وَالْمَعْرُوف فِي ثِيَاب رَجُل إِلَّا وَجَدْتهَا فِيهِ وَلَا تَخَلَّيْت صُورَة مِنْ صُوَر اَلْكَمَال اَلْإِنْسَانِيّ فِي وَجْه إِنْسَان إِلَّا أَضَاءَتْ لِي فِي وَجْهه فَجَلَتْ مَكَانَته عِنْدِي وَنَزَلَ مِنْ نَفْسَيْ مَنْزِلَة لَمْ يَنْزِلهَا أَحَد مِنْ قَبْله وَصَفَتْ كَأْس اَلْوِدّ بَيْنِي وَبَيْنه لَا يُكَدِّرهَا عَلَيْنَا مُكَدَّر حَتَّى عُرِّضَ إِلَى مَنْ حَوَادِث اَلدَّهْر مَا أَزْعَجَنِي مِنْ مُسْتَقَرِّي فَهَجَرَتْ اَلْقَاهِرَة إِلَى مَسْقَط رَاسِي غَيْر أَسَف عَلَى شَيْء فِيهَا إِلَّا عَلَى فِرَاق ذَلِكَ اَلصَّدِيق اَلْكَرِيم فَتُرَاسِلنَا حِقْبَة مِنْ اَلزَّمَن ثُمَّ فَتَرَتْ عَيْنَيْ كُتُبه ثُمَّ اِنْقَطَعَتْ فَحَزِنَتْ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا وَذَهَبَتْ بِي اَلظُّنُون فِي شا ; هـ كُلّ مَذْهَب إِلَّا أَنْ أَرْتَاب فِي صِدْقه وَوَفَائِهِ وَكُنْت كَمَا هَمَمْت بِالْمُسَيَّرِ إِلَيْهِ لِتَعْرِف حَاله قَعَدَ بِي عَنْ ذَلِكَ هُمْ كَانَ يُقْعِدنِي عَنْ كُلّ شَأْن
стр. 68
حَتَّى شَأْن نَفْسِيّ فَلَمْ أَعُدْ إِلَى لِقَاهِرَة إِلَّا بَعْد أَعْوَام فَكَانَ أَوَّل هَمِّي يَوْم هَبَطَتْ أَرْضهَا أَنْ أَرَاهُ فَذَهَبَتْ إِلَى مَنْزِله فِي اَلسَّاعَة اَلْأَوْلَى مِنْ اَللَّيْل فَرَأَيْت مَا لَا تَزَال حَسْرَته مُتَّصِلَة بِقَلْبِي حَتَّى اَلْيَوْم.
تَرَكَتْ هَذَا اَلْمَنْزِل فِرْدَوْسًا صَغِيرًا مَنَّ فراديس اَلْجِنَان تَتَرَاءَى فِيهِ اَلسَّعَادَة فِي أَلْوَانهَا اَلْمُخْتَلِفَة وَتَتَرَقْرَق وُجُوه سَاكِنِيهِ بِشْرًا وَسُرُورًا ثُمَّ زُرْته اَلْيَوْم فَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّنِي أَمَام مَقْبَرَة مُوحِشَة سَاكِنَة لَا يعتف فِيهَا صَوْت وَلَا يَتَرَاءَى فِي جَوَانِبهَا شَبَح وَلَا يَلْمَع فِي أَرْجَائِهَا مِصْبَاح فَظَنَنْت أَنِّي أَخْطَأْت اَلْمَنْزِل اَلَّذِي أُرِيدهُ أَوْ أَنَّنِي بَيْن يَدَيْ مَنْزِل مَهْجُور حَتَّى سَمِعَتْ بُكَاء طِفْل صَغِير وَلَمَّحَتْ فِي بَعْض اَلنَّوَافِذ نُورًا ضَعِيفًا فَمَشَيْت إِلَى اَلْبَاب فَطَرَقَتْهُ فَلَمْ يُجَنِّبنِي أَحَد فَطَرَقَتْهُ أُخْرَى فَلَمَحَتْ مِنْ خصاصه نُورًا مُقْبِلًا ثُمَّ لَمْ يَلْبَث أَنْ اِنْفَرَجَ لِي عَنْ وَجْه غُلَام صَغِير فِي أَسْمَال بَالِيَة يَحْمِل فِي يَده مِصْبَاحًا ضَئِيلًا فَتَأَمَّلَتْهُ عَلَى ضَوْء اَلْمِصْبَاح فَرَأَيْت فِي وَجْهه صُورَة أَبِيهِ فَعَرَفَتْ أَنَّهُ لَك اَلطِّفْل اَلْجَمِيل اَلْمُدَلَّل اَلَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ زَهْرَة هَذَا اَلْمَنْزِل وَبَدْر سَمَائِهِ فَسَأَلَتْهُ عَنْ أَبِيهِ فَأَشَارَ إِلَيَّ بِالدُّخُولِ وَمَشَى أَمَامِيّ بِمُصَاحِبِهِ حَتَّى وَصَلَ بِي إِلَى فَأَشَارَ إِلَى بِالدُّخُولِ وَمَشَى أَمَامِيّ بِالْإِغْوَاءِ حَتَّى وَصَلَ بِي إِلَيَّ قَاعَة شَعْثَاء مُغْبَرَّة بَالِيَة اَلْمَقَاعِد وَالْأَسْتَار وَلَوْلَا نُقُوش لَاحَتْ لِي فِي بَعْض جُدْرَانهَا كَبَاقِي اَلْوَشْم فِي ظَاهِر اَلْيَد مَا عَرَفَتْ أَنَّهَا اَلْقَاعَة اَلَّتِي قَضَيْنَا فِيهَا لَيَالِي اَلسَّعَادَة وَالْهَنَاء اِثْنَيْ عَشَر هِلَالًا ثُمَّ جَرَى بَيْنِي وَبَيْن اَلْغُلَام حَدِيث قَصِير عُرِفَ فِيهِ مَنْ أَنَا وَعَرَفَتْ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَعُدْ إِلَى اَلْمَنْزِل حَتَّى اَلسَّاعَة وَأَنَّهُ عَائِد عَمَّا قَلِيل ثُمَّ تَرَكَنِي وَمَضَى وَمَا لِيَبُثّ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى عَادَ يَقُول لِي إِنَّ وَالِدَته تُرِيد أَنْ تُحَدِّثنِي حَدِيثًا يَتَعَلَّق بِأَبِيهِ فَخَفْق قَلْبِيّ خَفْقَة
стр. 69
اَلرُّعْب وَالْخَوْف وَأَحْسَسْت بِشَرّ لَا أَعْرِف مأتاه ثُمَّ اِلْتَفَّتْ فَإِذَا اِمْرَأَة مُلْتَفَّة بِرِدَاء أَسْوَد وَاقِفَة عَلَى عَتَبَة اَلْبَاب فَحَيَّتْنِي فحييتها ثُمَّ قَالَتْ لِي هَلْ عَلِمَتْ مَا صَنَعَ اَلدَّهْر بِفُلَان مَنْ بَعَّدَك قُلْت لَا فَهَذَا أَوَّل يَوْم هَبَطَتْ فِيهِ هَذَا اَلْبَلَد بَعْد مَا فَارَقَتْهُ سَبْعَة أَعْوَام قَالَتْ لَيْتَك لَمْ تُفَارِقهُ فَقَدْ كُنْت عِصْمَته اَلَّتِي يَعْتَصِم بِهَا وَحِمَاهُ مِنْ غوائل اَلدَّهْر وَشُرُوره فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ فَارَقَتْهُ حَتَّى أَحَاطَتْ بِهِ زُمْرَة مِنْ زَمْر اَلشَّيْطَان وَكَانَ فَنِّيّ كَمَا تُعَلِّمهُ غريرا سَاذَجًا فَمَا زَالَتْ تُغْرِيه بِالشَّرِّ وَتَرَيْنَ لَهُ مِنْهُ مَا يُزَيِّن اَلشَّيْطَان لِلْإِنْسَانِ حَتَّى سَقَطَ فِيهَا فَسَقَطْنَا جَمِيعًا فِي هَذَا اَلشَّقَاء اَلَّذِي تَرَاهُ قُلْت وَأَيّ شَرّ تُرِيدِينَ يَا سَيِّدَتِي وَمَنْ هُمْ اَلَّذِينَ أَحَاطُوا بِهِ بِالْإِغْوَاءِ قَالَتْ سَأَقُصُّ عَلَيْك كُلّ شَيْء فَاسْتَمِعْ لِمَا أَقُول:
مَا زَالَ اَلرَّجُل بِخَيْر اِتَّصَلَ بِفُلَان رَئِيس دِيوَانه وَعُلِّقَتْ حِبَاله وَأَصْبَحَ مِنْ خَاصَّته اَلَّذِينَ لَا يُفَارِقُونَ مَجْلِسه حَيْثُ كَانَ وَلَا تَزَال نِعَالهمْ خَافِقَة وَرَاءَهُ فِي غدواته وروحاته فَاسْتَحَالَ مِنْ ذَلِكَ اَلْيَوْم أَمْره وَتَنَكَّرَتْ صُورَة أخلافه وَأَصْبَحَ مُنْقَطِعًا عَنْ أَهْله وَأَوْلَاده لَا يَرَاهُمْ إِلَّا اَلْفَنِّيَّة بَعْد اَلْفَنِّيَّة وَعَنْ مَنْزِله لَا يَزُورهُ إِلَّا فِي أُخْرَيَات اَللَّيَالِي وَلَقَدْ اِغْتَبَطَتْ فِي مَبْدَأ اَلْأَمْر بِتِلْكَ اَلْحُظْوَة اَلَّتِي نَالَهَا عِنْد ذَلِكَ اَلرَّئِيس وَالْمَنْزِلَة اَلَّتِي نَالَهَا مِنْ نَفْسه وَرَجَوْت لَهُ مِنْ وَرَائِهَا خَيْرًا كَثِيرًا مغتفرة فِي سَبِيل ذَلِكَ مَا كُنْت أَشْعُر بِهِ مِنْ اَلْوَحْشَة وَالْأَلَم لِانْقِطَاعِهِ عَنِّي وَإِغْفَاله أَمْرِي وَأَمْر أَوْلَاده حَتَّى عَادَ فِي لَيْلَة مِنْ اَللَّيَالِي شَاكِيًا مُتَأَلِّمًا يُكَابِد غصصا شَدِيدَة وَآلَامًا جِسَامًا فَدَنَوْت مِنْهُ فَشَمَمْت مِنْ فَمه رَائِحَة اَلْخَمْر
стр. 70
فَعَلِمَتْ كُلّ شَيْء.
عَلِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ اَلرَّئِيس اَلْعَظِيم هُوَ قُدْوَة مَرْءُوسِيهِ فِي اَلْخَيْر إِنْ سَلَكَ طَرِيق اَلْخَيْر وَالشَّرّ إِنْ سَلَكَ طَرِيق اَلشَّرّ قَادَ زَوْجِي اَلْفَتِيّ اَلْمِسْكِين إِلَى شَرّ اَلطَّرِيقَيْنِ وَسَلَكَ بِهِ أَسْوَأ اَلسَّبِيلَيْنِ وَأَنَّهُ مَا كَانَ يَتَّخِذهُ صَدِيقًا كَمَا زَعَمَ بَلْ نَدِيمًا عَلَى اَلشَّرَاب فَتَوَسَّلَتْ إِلَيْهِ بِكُلّ عَزِيز عَلَيْهِ وَسَكَبَتْ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ اَلدُّمُوع كُلّ مَا تَسْتَطِيع أَنْ تَسْكُبهُ عَيْن رَجَاء أَنْ يَعُود إِلَى حَيَاته اَلْأُولَى اَلَّتِي كَانَ يحياها سَعِيدًا بَيْن أَهْله وَأَوْلَاده فَمَا أَجْدَيْت عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ عَلِمَتْ بَعْد ذَلِكَ أَنَّ اَلْيَد اَلَّتِي سَاقَتْهُ إِلَى اَلشَّرَاب قَدْ سَاقَتْهُ إِلَى اَللَّعِب فَلَمْ أَعْجَب لِذَلِكَ لِأَنِّي أَعْلَم أَنَّ طَرِيق اَلشَّرّ وَاحِدَة فَمَنْ وَقَفَ عَلَى رَأْسهَا لَابُدَّ لَهُ أَنْ يَنْحَدِر فِيهَا حَتَّى يَصِل إِلَى نِهَايَتهَا فَأَصْبَحَ ذَلِكَ اَلْفَنِّيّ اَلنَّبِيل اَلشَّرِيف اَلَّذِي كَانَ يَعِفّ بِالْأَمْسِ عَنْ شُرْب اَلدَّوَاء إِذَا اِشْتَمَّ فِيهِ رَائِحَة اَلنَّبِيذ وَيَسْتَحِي أَنْ يَجْلِس فِي مُجْتَمَع يَجْلِس فِيهِ قَوْم شَارِبُونَ سِكِّيرًا مُقَامِرًا مُسْتَهْتِرًا لَا بِالْإِغْوَاءِ وَلَا يتلوم وَلَا يُبْقِي عَارًا وَلَا مأثما وَأَصْبَحَ ذَلِكَ اَلْأَب اَلرَّحِيم وَالزَّوْج اَلْكَرِيم اَلَّذِي كَانَ يَضَنّ بِأَوْلَادِهِ أَنْ يُعَلِّق بِهِمْ الذر وَبِزَوْجِهِ أَنْ يَتَهَجَّم لَهَا وَجْه اَلسَّمَاء أَبَا قَاسِيًا وَزَوْجًا سَلِيطًا يَضْرِب أَوْلَاده كُلَّمَا دُنُوّ مِنْهُ وَيَشْتُم زَوْجَته وينتهرها كُلَّمَا رَآهَا وَأَصْبَحَ ذَلِكَ اَلرَّجُل اَلْغَيُور اَلضَّنِين بِعَرْضِهِ وَشَرَفه لَا يُبَالِي أَنْ يَعُود إِلَى اَلْمَنْزِل فِي بَعْض اَللَّيَالِي فِي جَمْع مِنْ عشرائه اَلْأَشْرَار فَيَصْعَد بِهِمْ إِلَى اَلطَّبَقَة اَلَّتِي أَنَام فِيهَا أَنَا وَأَوْلَادِي فَيَجْلِسُونَ فِي بَعْض غُرَفهَا وَلَا يَزَالُونَ يَشْرَبُونَ وَيَقْصِفُونَ حَتَّى يَذْهَب بِعُقُولِهِمْ اَلشَّرَاب فيهتاجوا وَيَرْقُصُوا بِالْإِغْوَاءِ اَلْجَوّ
стр. 71
صُرَاخًا وَهُتَافًا ثُمَّ يتعادوا بَعْضهمْ وَرَاء فِي الأبهاء وَالْحُجُرَات حَتَّى يَلِجُوا عَلَى بَاب غُرْفَتِي وَرُبَّمَا حَدَّقَ بَعْضهمْ فِي وَجْهِي أَوْ حَاوَلَ نَزْع خِمَارِي عَلَى مَرْأَى مِنْ زَوْجِي وَمَسْمَع فَلَا يَقُول شَيْئًا وَلَا يَسْتَنْكِر أَمْرًا فَأَفِرّ بَيْن أَيْدِيهمْ مِنْ مَكَان إِلَى مَكَان وَرُبَّمَا فَرَرْت مِنْ اَلْمَنْزِل جَمْعَيْهِ وَخَرَجْت بِلَا إِزَار وَلَا خِمَار غَيْر إِزَار اَلظَّلَّام وَخِمَاره حَتَّى أَصِل إِلَى بَيْت جَارَة مِنْ جَارَاتِي فَأَقْضِي عِنْدهمْ بَقِيَّة اَللَّيْل.
وَهُنَا تَغَيَّرَتْ نَغْمَة صَوْتهَا فَأَمْسَكَتْ عَنْ اَلْحَدِيث وَأَطْرَقَتْ بِرَأْسِهَا فَعَلِمَتْ أَنَّهَا تَبْكِي فَبَكَيْت بَيْنِي وَبَيْن نَفْسِيّ لِبُكَائِهَا ثُمَّ رَفَتْ رَأْسهَا وَعَادَتْ إِلَى حَدِيثهَا تَقُول: وَمَا هِيَ إِلَّا أَعْوَام قَلَائِل حَتَّى أَنْفَقَ جَمِيع مَا كَانَ فِي يَده مِنْ اَلْمَال فَكَّانِ لَابُدَّ لَهُ أَنْ يَسْتَدِين فَفَعَلَ فَأَثْقَلَهُ اَلدَّيْن فَرَهَنَ فَعَجَزَ عَنْ اَلْوَفَاء فَبَاعَ جَمِيع مَا يَمْلِك حَتَّى هَذَا اَلْبَيْت اَلَّذِي نَسْكُنهُ وَلَمْ يَبْقَ فِي يَده غَيْر رَاتِبه اَلشَّهْرِيّ اَلصَّغِير بَلْ لَمْ يَبْقَ فِي يَده شَيْء حَتَّى رَاتِبه لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكهُ إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَار ثُمَّ هُوَ بَعْد ذَلِكَ مِلْك لِلدَّائِنِينَ أَوْ غَنِيمَة لِلْمُقَامِرِينَ.
هَذَا مَا صَنَعَتْ يَد اَلدَّهْر بِهِ أَمَّا مَا صَنَعَتْ بِي وَبِأَوْلَادِي فَقَدْ مَرَّ عَلَى آخَر حلية بِعْتهَا مِنْ حَلَّايَ عَام كَامِل وَهَا هِيَ حَوَانِيت اَلْمُرَابِينَ والمسترهنين مَلْأَى بِمَلَابِسِي وَأَدَوَات بَيْتِي وَأَثَاثه وَلَوْلَا رِجْل مِنْ ذَوِي بِالْإِغْوَاءِ رَقِيق اَلْحَال يَعُود عَلَيَّ مِنْ حِين إِلَى حِين بِالنَّزْرِ اَلْقَلِيل مِمَّا يَسْتَلّهُ مِنْ أشداق عِيَاله لَهَلَكَتْ
стр. 72
وَهَلَكَ أَوْلَادِي جُوعًا.
فَلَعَلَّك تَسْتَطِيع يَا سَيِّدِي أَنْ تَكُون عَوْنًا لِي عَلَى هَذَا اَلرَّجُل اَلْمِسْكِين فَتُنْقِذهُ مِنْ شَقَائِهِ وَبَلَائِهِ بِمَا تَرَى لَهُ فِي ذَلِكَ اَلرَّأْي اَلصَّالِح وَأَحْسَب أَنَّك تَقْدِر مِنْهُ لِلْمَنْزِلَةِ اَلَّتِي تُنْزِلهَا مِنْ نَفْسه عَلَى مَا عَجَزَ عَنْهُ اَلنَّاس جَمِيعًا فَإِنْ فَعَلَتْ أَحْسَنَتْ إِلَيْهِ وَإِلَيْنَا إِحْسَانًا لَا نَنْسَى يَدك فَبِهِ حَتَّى اَلْمَوْت.
ثُمَّ حَيَّتْنِي وَمَضَتْ لِسَبِيلِهَا فَسَأَلَتْ اَلْغُلَام عَنْ اَلسَّاعَة اَلَّتِي استطيع أَنْ أَرَى أَبَاهُ فِيهَا فِي اَلْمَنْزِل فَقَالَ إِنَّك تَرَاهُ فِي اَلصَّبَاح قَبْل ذَهَابه إِلَى اَلدِّيوَان فَانْصَرَفَتْ لِشَأْنِي وَقَدْ أَضْمَرَتْ بَيْن جَنْبَيْ لَوْعَة مَا زَالَتْ تُقِيمنِي وَتُقْعِدنِي وَتَذُود عَنْ عَيْنَيْ سَنَة الكرى حَتَّى اِنْقَضَى اَللَّيْل وَمَا كَادَ يَنْقَضِي.
ثُمَّ عُدْت فِي صَبَاح اَلْيَوْم اَلثَّانِي لِأَرَى ذَلِكَ اَلصَّدِيق اَلْقَدِيم اَلَّذِي كُنْت بِالْأَمْسِ أَسْعَد اَلنَّاس بِهِ وَلَا أَعْلَم مَا مَصِير أَمْرِي مَعَهُ بَعْد ذَلِكَ وَفِي نَفْسِي مِنْ اَلْقَلَق وَالِاضْطِرَاب مَا يَكُون فِي نَفْس اَلذَّاهِب إِلَى مَيْدَان سَبَّاق قَدْ خَاطَرَ فِيهِ بِجَمِيع مَا يَمْتَلِك فَهُوَ لَا يَعْلَم أَيُكَوِّنُ بَعْد سَاعَة أَسْعَد اَلنَّاس أَمْ أَشْقَاهُمْ ? اَلْآن عَرَفَتْ أَنَّ اَلْوُجُوه مَرَايَا اَلنُّفُوس تُضِيء بِضِيَائِهَا وَتَظْلِم بِظَلَامِهَا فَقَدْ فَارَقَتْ اَلرَّجُل مُنْذُ سَبْع سَنَوَات فَأَنْسَتْنِي اَلْأَيَّام صُورَته وَلَمْ يَبْقَ فِي ذَاكِرَتِي مِنْهَا إِلَّا ذَلِكَ اَلضِّيَاء اَللَّامِع ضِيَاء اَلْفَضِيلَة وَالشَّرَف اَلَّذِي كَانَ يَتَلَأْلَأ فِيهَا تَلَأْلُؤ نُور اَلشَّمْس
стр. 73
فِي صَفْحَتهَا فِلْمَا رَايَته اَلْآن وَلَمْ أَرَ أَمَام عَيْنَيْ تِلْكَ الغلالة اَلْبَيْضَاء اَلَّتِي كُنْت أَعْرِفهَا خَيْل إِلَيَّ أَنَّنِي أَرَى صُورَة غَيْر اَلصُّورَة اَلْمَاضِيَة وَرَجُلًا غَيْر اَلَّذِي كُنْت أَعْرِفهُ مِنْ قَبْل.
لَمْ أَرَ أَمَامِي ذَلِكَ اَلْفَتِيّ اَلْجَمِيل اَلْوَضَّاح اَلَّذِي كَانَ كُلّ مَنْبَت شَعْرَة فِي وَجْهه فَمَا ضَاحَكَا تَمَوُّج فِيهِ اِبْتِسَامَة لَامِعَة بَلْ رَايْت مَكَانه رَجُلًا شَقِيًّا مَنْكُوبًا قَدْ لَبِسَ اَلْهَرَم قَبْل أَوَانه وَأُوَفِّي عَلَى اَلسِّتِّينَ قَبْل أَنْ يَسْلَخ اَلثَّلَاثِينَ فَاسْتَرْخَى حَاجِبَاهُ وَثَقُلَتْ أَجْفَانه وَجَمَّدَتْ نَظَرَاته وَتَهَدُّل عَارِضَاهُ وَتَجَعُّد جَبِينه اِسْتَشْرَفَ عَاتِقَاهُ وَهَوَى رَأْسه بَيْنهمَا هُوِيَّة بَيْن عَاتِقِي اَلْأَحْدَب فَكَانَ أَوَّل مَا قَلَّتْ لَهُ لَقَدْ تَغَيَّرَ فِيك كُلّ شَيْء يَا صَدِيقِي حَتَّى صُورَتك وَكَأَنَّمَا أَلَمَّ بِمَا فِي نَفْسِي وَعَرَفَ أَنِّي قَدْ عَلِمْت مَنْ أَرْمِهِ كُلّ شَيْء فَأَطْرَقَ بِرَأْسِهِ إِطْرَاق مَنْ يَرَى أَنَّ بَاطِن اَلْأَرْض خَيْر لَهُ مِنْ ظَهْرهَا وَلَ يُقِلّ شَيْئًا فَدَنَوْت مِنْهُ وَضَعْت يَدَيْ عَلَى عَاتِقه وَقُلْت لَهُ:
وَاَللَّه مَا ادري مَاذَا أَقُول لَك ? أأعظك وَقَدْ كُنْت وَاعِظِي بِالْأَمْسِ وَنَجْم هُدَايَ اَلَّذِي أَسْتَنِير بِهِ فِي ظُلُمَات حَيَاتِي ? أَمْ أُرْشِدك إِلَى مَا أَوْجَبَ اَللَّه عَلَيْك فِي نَفْسك وَفِي أَهْلك وَلَا أَعْرِف شَيْئًا أَنْتَ تَجْهَلهُ وَلَا تَصِل يَدِي إِلَى عِبْرَة تُقَصِّر يَدك عَنْ نِيلهَا أَمْ أَسْتَرْحِمك لِأَطْفَالِك اَلضُّعَفَاء وَزَوْجَتك اَلْبَائِسَة اَلْمِسْكِينَة اَلَّتِي لَا عَضُد لَهَا فِي اَلْحَيَاة وَلَا مُعَيَّن سِوَاك وَأَنْتَ صَاحِب اَلْقَلْب اَلرَّحِيم اَلَّذِي طَالَمَا خَفَقَ بالبعداء فَأَحْرَى أَنْ يُخْفِق رَحْمَة بِالْأَقْرِبَاءِ!. . .
إِنَّ هَذِهِ اَلْحَيَاة اَلَّتِي تحياها يَا سَيِّدِي إِنَّمَا يَلْجَأ إِلَيْهَا الهمل اَلْعَاطِلُونَ
стр. 74
اَلَّذِينَ لَا يُصْلِحُونَ لِعَمَل مِنْ اَلْأَعْمَال لِيَتَوَارَوْا فِيهَا عَنْ أَعْيُن اَلنَّاس حَيَاء وَخَجَلًا حَتَّى يَأْتِيهِمْ اَلْمَوْت فَيُنْقِذهُمْ عَنْ هارهم وَشَقَائِهِمْ وَمَا أَنْتَ بِوَاحِد مِنْهُمْ! إِنَّك تَمْشِي يَا سَيِّدِي فِي طَرِيق اَلْقَبْر وَمَا أَنْتَ بِنَاقِم عَلَى اَلدُّنْيَا وَلَا يَتَبَرَّم بِهَا فَمَا رَغَّبَتْك فِي اَلْخُرُوج مِنْهَا خُرُوج اَلْيَائِس اَلْمُنْتَحِر عَذَرْتُك لَوْ أَنَّ مَا رَبِحَتْ فِي حَيَاتك اَلثَّانِيَة يَقُوم لَك مَقَام مَا خَسِرَتْ مِنْ حَيَاتك اَلْأُولَى وَلَكِنَّك تَعْلَم أَنَّك كُنْت غَنِيًّا فَأَصْبَحَتْ فَقِيرًا وَصَحِيحًا فَأَصْبَحَتْ سَقِيمًا وَشَرِيفًا فَأَصْبَحَتْ وَضِيعًا فَإِنْ كُنْت تَرَى بَعْد ذَلِكَ أَنَّك سَعِيد فَقَدْ خَلَتْ رُقْعَة اَلْأَرْض مِنْ اَلْأَشْقِيَاء.
إِنَّ كُلّ مَا يَعْنِيك مِنْ حَيَاتك هَذِهِ أَنْ تَطْلُب فِيهَا اَلْمَوْت فَاطْلُبْهُ بِالْإِغْوَاءِ سُمّ تَشَرُّبهَا دُفْعَة وَاحِدَة فَذَلِكَ خَيْر لَك مِنْ هَذَا اَلْمَوْت اَلْمُتَقَطِّع اَلَّذِي يَكْثُر فِيهِ عَذَابك وَأَلَمك وَتُعَظِّم فِيهِ آثَامك وَجَرَائِمك وَمَا يُعَاقِبك اَللَّه عَلَى اَلْأُخْرَى بِأَكْثَر مِمَّا يُعَاقِبك عَلَى اَلْأُولَى.
حَسْبنَا يَا صِدِّيق مِنْ اَلشَّقَاء فِي هَذِهِ اَلْحَيَاة مَا يَأْتِينَا بِهِ اَلْقَدْر فَلَا نُضَمّ إِلَيْهِ شَقَاء جَدِيدًا نَجْلِبهُ بِأَنْفُسِنَا لِأَنْفُسِنَا فَهَاتِ يَدك وَعَاهَدَنِي عَلَى أَنْ تَكُون لِي مُنْذُ اَلْيَوْم كَمَا كُنْت لِي بِالْأَمْسِ فَقَدْ كُنَّا سُعَدَاء قَبْل أَنْ نَفْتَرِق قُمْ اِفْتَرَقْنَا فَشَقِينَا وَهَا نَحْنُ أُولَاءِ قَدْ اِلْتَقَيْنَا فَلِنَعْش فِي ظِلَال اَلْفَضِيلَة وَالشَّرَف سُعَدَاء كَمَا كُنَّا ثُمَّ مَدَدْت يَدَيْ إِلَيْهِ فَرَاعَنِي أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّك يَده فَقُلْت لَهُ مَالِك لَا تَمُدّ يَدك إِلَيَّ فاستعبر بَاكِيًا وَقَالَ لِأَنَّنِي لَا أُحِبّ أَنْ أَكُون
стр. 75
كَاذِبًا وَلَا حَانِثًا قُلْت وَمَا يَمْنَعك مِنْ اَلْوَفَاء ? قَالَ يَمْنَعنِي مِنْهُ أَنَّنِي رَجُل شَقِيّ لَاحَظَ لِي فِي سَعَادَة اَلسُّعَدَاء قُلْت قَدْ اِسْتَطَعْت أَنْ تَكُون شَقِيًّا فَلِمَ لَا تَسْطِيع أَنْ تَكُون سَعِيدًا قَالَ لِأَنَّ اَلسَّعَادَة سَمَاء وَالشَّقَاء أَرْض وَالنُّزُول إِلَى اَلْأَرْض أَسْهَل مِنْ اَلصُّعُود إِلَى اَلسَّمَاء وَقَدْ زَلَّتْ قَدَمِي عَنْ حَافَّة اَلْهُوَّة فَلَا قُدْرَة لِي عَلَى اَلِاسْتِمْسَاك حَتَّى أَبْلَغَ قرارتها وَشُرِبَتْ أَوَّل جُرْعَة مِنْ جُرُعَات اَلْحَيَاة اَلْمَرِيرَة فَلَا بُدّ لِي أَنْ أَشْرَبهَا حَتَّى ثُمَالَتهَا وَلَا شَيْء مِنْ اَلْأَشْيَاء يَسْتَطِيع أَنْ يَقِف فِي سَبِيلِي إِلَّا شَيْء وَاحِد فَقَطْ هُوَ ان لَا أَكُون قَدْ شَرِبَتْ اَلْكَأْس اَلْأُولَى قَبْل اَلْيَوْم وَمَا دُمْت قَدْ فَعَلْت فَلَا حِيلَة لِي فِيمَا قُضِيَ اَللَّه قَلَتْ لَيْسَ بَيْنك وَبَيْن اَلنُّزُوع إِلَّا عزمة صَادِقَة تعزمها فَإِذَا أَنْتِ مَنَّ اَلنَّاجِينَ قَالَ إِنَّ اَلْعَزِيمَة أَثَر مِنْ آثَار اَلْإِرَادَة وَقَدْ أَصْبَحَتْ رَجُلًا مَغْلُوبًا عَلَى أَمْرِي لَا إِرَادَة لِي وَلَا اِخْتِبَار فَدَعْنِي يَا صَدِيقِي واَلْقَضَاء يَصْنَع بِي مَا يَشَاء وَابْكِ صَدِيقك اَلْقَدِيم مُنْذُ اَلْيَوْم إِنْ كُنْت لَا تَرَى بَأْسًا فِي اَلْبُكَاء عَلَى اَلسَّاقِطِينَ اَلْمُذْنِبِينَ.
ثُمَّ اِنْفَجَرَ بَاكِيًا بِصَوْت عَالٍ وَتَرَكَنِي مَكَانِي دُون أَنْ يُحْيِينِي بِكَلِمَة وَخَرَجَ هَائِمًا عَلَى وَجْهه لَا أَعْلَم أَيْنَ ذَهَبَ فَانْصَرَفَتْ لِشَأْنِي وَبَيْن جَنْبِي مِنْ اَلْهَمّ وَالْكَمَد مَا لِلَّهِ بِهِ عَلِيم.
لَمْ يَسْتَطِعْ رَئِيس اَلدِّيوَان أَنْ يَحْمِل نَدِيمه بِالْأَمْسِ زَمَنًا طَوِيلًا فَأَقْصَاهُ عَنْ مَجْلِسه اِسْتِثْقَالًا لَهُ ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْ وظيفه اِسْتِنْكَارًا لِعَمَلِهِ وَلَمْ تَذْرِف عَيْنه دَمْعَة وَاحِدَة عَلَى مَنْظَر صَرِيعه اَلسَّاقِط بَيْن يَدَيْهِ وَلِمَ يَسْتَطِيع مَالِك اَلْبَيْت اَلْجَدِيد أَنْ يُمْهِل فِيهِ اَلْمَالِك اَلْقَدِيم أَكْثَر مِنْ بِضْعَة شُهُور ثُمَّ طَرَدَهُ مِنْهُ فَلَجَأَ هُوَ وَزَوْجَته
следующие страницы →