Полный текст (174 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
صُرَاخًا وَهُتَافًا ثُمَّ يتعادوا بَعْضهمْ وَرَاء فِي الأبهاء وَالْحُجُرَات حَتَّى يَلِجُوا عَلَى بَاب غُرْفَتِي وَرُبَّمَا حَدَّقَ بَعْضهمْ فِي وَجْهِي أَوْ حَاوَلَ نَزْع خِمَارِي عَلَى مَرْأَى مِنْ زَوْجِي وَمَسْمَع فَلَا يَقُول شَيْئًا وَلَا يَسْتَنْكِر أَمْرًا فَأَفِرّ بَيْن أَيْدِيهمْ مِنْ مَكَان إِلَى مَكَان وَرُبَّمَا فَرَرْت مِنْ اَلْمَنْزِل جَمْعَيْهِ وَخَرَجْت بِلَا إِزَار وَلَا خِمَار غَيْر إِزَار اَلظَّلَّام وَخِمَاره حَتَّى أَصِل إِلَى بَيْت جَارَة مِنْ جَارَاتِي فَأَقْضِي عِنْدهمْ بَقِيَّة اَللَّيْل.
وَهُنَا تَغَيَّرَتْ نَغْمَة صَوْتهَا فَأَمْسَكَتْ عَنْ اَلْحَدِيث وَأَطْرَقَتْ بِرَأْسِهَا فَعَلِمَتْ أَنَّهَا تَبْكِي فَبَكَيْت بَيْنِي وَبَيْن نَفْسِيّ لِبُكَائِهَا ثُمَّ رَفَتْ رَأْسهَا وَعَادَتْ إِلَى حَدِيثهَا تَقُول: وَمَا هِيَ إِلَّا أَعْوَام قَلَائِل حَتَّى أَنْفَقَ جَمِيع مَا كَانَ فِي يَده مِنْ اَلْمَال فَكَّانِ لَابُدَّ لَهُ أَنْ يَسْتَدِين فَفَعَلَ فَأَثْقَلَهُ اَلدَّيْن فَرَهَنَ فَعَجَزَ عَنْ اَلْوَفَاء فَبَاعَ جَمِيع مَا يَمْلِك حَتَّى هَذَا اَلْبَيْت اَلَّذِي نَسْكُنهُ وَلَمْ يَبْقَ فِي يَده غَيْر رَاتِبه اَلشَّهْرِيّ اَلصَّغِير بَلْ لَمْ يَبْقَ فِي يَده شَيْء حَتَّى رَاتِبه لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكهُ إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَار ثُمَّ هُوَ بَعْد ذَلِكَ مِلْك لِلدَّائِنِينَ أَوْ غَنِيمَة لِلْمُقَامِرِينَ.
هَذَا مَا صَنَعَتْ يَد اَلدَّهْر بِهِ أَمَّا مَا صَنَعَتْ بِي وَبِأَوْلَادِي فَقَدْ مَرَّ عَلَى آخَر حلية بِعْتهَا مِنْ حَلَّايَ عَام كَامِل وَهَا هِيَ حَوَانِيت اَلْمُرَابِينَ والمسترهنين مَلْأَى بِمَلَابِسِي وَأَدَوَات بَيْتِي وَأَثَاثه وَلَوْلَا رِجْل مِنْ ذَوِي بِالْإِغْوَاءِ رَقِيق اَلْحَال يَعُود عَلَيَّ مِنْ حِين إِلَى حِين بِالنَّزْرِ اَلْقَلِيل مِمَّا يَسْتَلّهُ مِنْ أشداق عِيَاله لَهَلَكَتْ
стр. 72
وَهَلَكَ أَوْلَادِي جُوعًا.
فَلَعَلَّك تَسْتَطِيع يَا سَيِّدِي أَنْ تَكُون عَوْنًا لِي عَلَى هَذَا اَلرَّجُل اَلْمِسْكِين فَتُنْقِذهُ مِنْ شَقَائِهِ وَبَلَائِهِ بِمَا تَرَى لَهُ فِي ذَلِكَ اَلرَّأْي اَلصَّالِح وَأَحْسَب أَنَّك تَقْدِر مِنْهُ لِلْمَنْزِلَةِ اَلَّتِي تُنْزِلهَا مِنْ نَفْسه عَلَى مَا عَجَزَ عَنْهُ اَلنَّاس جَمِيعًا فَإِنْ فَعَلَتْ أَحْسَنَتْ إِلَيْهِ وَإِلَيْنَا إِحْسَانًا لَا نَنْسَى يَدك فَبِهِ حَتَّى اَلْمَوْت.
ثُمَّ حَيَّتْنِي وَمَضَتْ لِسَبِيلِهَا فَسَأَلَتْ اَلْغُلَام عَنْ اَلسَّاعَة اَلَّتِي استطيع أَنْ أَرَى أَبَاهُ فِيهَا فِي اَلْمَنْزِل فَقَالَ إِنَّك تَرَاهُ فِي اَلصَّبَاح قَبْل ذَهَابه إِلَى اَلدِّيوَان فَانْصَرَفَتْ لِشَأْنِي وَقَدْ أَضْمَرَتْ بَيْن جَنْبَيْ لَوْعَة مَا زَالَتْ تُقِيمنِي وَتُقْعِدنِي وَتَذُود عَنْ عَيْنَيْ سَنَة الكرى حَتَّى اِنْقَضَى اَللَّيْل وَمَا كَادَ يَنْقَضِي.
ثُمَّ عُدْت فِي صَبَاح اَلْيَوْم اَلثَّانِي لِأَرَى ذَلِكَ اَلصَّدِيق اَلْقَدِيم اَلَّذِي كُنْت بِالْأَمْسِ أَسْعَد اَلنَّاس بِهِ وَلَا أَعْلَم مَا مَصِير أَمْرِي مَعَهُ بَعْد ذَلِكَ وَفِي نَفْسِي مِنْ اَلْقَلَق وَالِاضْطِرَاب مَا يَكُون فِي نَفْس اَلذَّاهِب إِلَى مَيْدَان سَبَّاق قَدْ خَاطَرَ فِيهِ بِجَمِيع مَا يَمْتَلِك فَهُوَ لَا يَعْلَم أَيُكَوِّنُ بَعْد سَاعَة أَسْعَد اَلنَّاس أَمْ أَشْقَاهُمْ ? اَلْآن عَرَفَتْ أَنَّ اَلْوُجُوه مَرَايَا اَلنُّفُوس تُضِيء بِضِيَائِهَا وَتَظْلِم بِظَلَامِهَا فَقَدْ فَارَقَتْ اَلرَّجُل مُنْذُ سَبْع سَنَوَات فَأَنْسَتْنِي اَلْأَيَّام صُورَته وَلَمْ يَبْقَ فِي ذَاكِرَتِي مِنْهَا إِلَّا ذَلِكَ اَلضِّيَاء اَللَّامِع ضِيَاء اَلْفَضِيلَة وَالشَّرَف اَلَّذِي كَانَ يَتَلَأْلَأ فِيهَا تَلَأْلُؤ نُور اَلشَّمْس
стр. 73
فِي صَفْحَتهَا فِلْمَا رَايَته اَلْآن وَلَمْ أَرَ أَمَام عَيْنَيْ تِلْكَ الغلالة اَلْبَيْضَاء اَلَّتِي كُنْت أَعْرِفهَا خَيْل إِلَيَّ أَنَّنِي أَرَى صُورَة غَيْر اَلصُّورَة اَلْمَاضِيَة وَرَجُلًا غَيْر اَلَّذِي كُنْت أَعْرِفهُ مِنْ قَبْل.
لَمْ أَرَ أَمَامِي ذَلِكَ اَلْفَتِيّ اَلْجَمِيل اَلْوَضَّاح اَلَّذِي كَانَ كُلّ مَنْبَت شَعْرَة فِي وَجْهه فَمَا ضَاحَكَا تَمَوُّج فِيهِ اِبْتِسَامَة لَامِعَة بَلْ رَايْت مَكَانه رَجُلًا شَقِيًّا مَنْكُوبًا قَدْ لَبِسَ اَلْهَرَم قَبْل أَوَانه وَأُوَفِّي عَلَى اَلسِّتِّينَ قَبْل أَنْ يَسْلَخ اَلثَّلَاثِينَ فَاسْتَرْخَى حَاجِبَاهُ وَثَقُلَتْ أَجْفَانه وَجَمَّدَتْ نَظَرَاته وَتَهَدُّل عَارِضَاهُ وَتَجَعُّد جَبِينه اِسْتَشْرَفَ عَاتِقَاهُ وَهَوَى رَأْسه بَيْنهمَا هُوِيَّة بَيْن عَاتِقِي اَلْأَحْدَب فَكَانَ أَوَّل مَا قَلَّتْ لَهُ لَقَدْ تَغَيَّرَ فِيك كُلّ شَيْء يَا صَدِيقِي حَتَّى صُورَتك وَكَأَنَّمَا أَلَمَّ بِمَا فِي نَفْسِي وَعَرَفَ أَنِّي قَدْ عَلِمْت مَنْ أَرْمِهِ كُلّ شَيْء فَأَطْرَقَ بِرَأْسِهِ إِطْرَاق مَنْ يَرَى أَنَّ بَاطِن اَلْأَرْض خَيْر لَهُ مِنْ ظَهْرهَا وَلَ يُقِلّ شَيْئًا فَدَنَوْت مِنْهُ وَضَعْت يَدَيْ عَلَى عَاتِقه وَقُلْت لَهُ:
وَاَللَّه مَا ادري مَاذَا أَقُول لَك ? أأعظك وَقَدْ كُنْت وَاعِظِي بِالْأَمْسِ وَنَجْم هُدَايَ اَلَّذِي أَسْتَنِير بِهِ فِي ظُلُمَات حَيَاتِي ? أَمْ أُرْشِدك إِلَى مَا أَوْجَبَ اَللَّه عَلَيْك فِي نَفْسك وَفِي أَهْلك وَلَا أَعْرِف شَيْئًا أَنْتَ تَجْهَلهُ وَلَا تَصِل يَدِي إِلَى عِبْرَة تُقَصِّر يَدك عَنْ نِيلهَا أَمْ أَسْتَرْحِمك لِأَطْفَالِك اَلضُّعَفَاء وَزَوْجَتك اَلْبَائِسَة اَلْمِسْكِينَة اَلَّتِي لَا عَضُد لَهَا فِي اَلْحَيَاة وَلَا مُعَيَّن سِوَاك وَأَنْتَ صَاحِب اَلْقَلْب اَلرَّحِيم اَلَّذِي طَالَمَا خَفَقَ بالبعداء فَأَحْرَى أَنْ يُخْفِق رَحْمَة بِالْأَقْرِبَاءِ!. . .
إِنَّ هَذِهِ اَلْحَيَاة اَلَّتِي تحياها يَا سَيِّدِي إِنَّمَا يَلْجَأ إِلَيْهَا الهمل اَلْعَاطِلُونَ
стр. 74
اَلَّذِينَ لَا يُصْلِحُونَ لِعَمَل مِنْ اَلْأَعْمَال لِيَتَوَارَوْا فِيهَا عَنْ أَعْيُن اَلنَّاس حَيَاء وَخَجَلًا حَتَّى يَأْتِيهِمْ اَلْمَوْت فَيُنْقِذهُمْ عَنْ هارهم وَشَقَائِهِمْ وَمَا أَنْتَ بِوَاحِد مِنْهُمْ! إِنَّك تَمْشِي يَا سَيِّدِي فِي طَرِيق اَلْقَبْر وَمَا أَنْتَ بِنَاقِم عَلَى اَلدُّنْيَا وَلَا يَتَبَرَّم بِهَا فَمَا رَغَّبَتْك فِي اَلْخُرُوج مِنْهَا خُرُوج اَلْيَائِس اَلْمُنْتَحِر عَذَرْتُك لَوْ أَنَّ مَا رَبِحَتْ فِي حَيَاتك اَلثَّانِيَة يَقُوم لَك مَقَام مَا خَسِرَتْ مِنْ حَيَاتك اَلْأُولَى وَلَكِنَّك تَعْلَم أَنَّك كُنْت غَنِيًّا فَأَصْبَحَتْ فَقِيرًا وَصَحِيحًا فَأَصْبَحَتْ سَقِيمًا وَشَرِيفًا فَأَصْبَحَتْ وَضِيعًا فَإِنْ كُنْت تَرَى بَعْد ذَلِكَ أَنَّك سَعِيد فَقَدْ خَلَتْ رُقْعَة اَلْأَرْض مِنْ اَلْأَشْقِيَاء.
إِنَّ كُلّ مَا يَعْنِيك مِنْ حَيَاتك هَذِهِ أَنْ تَطْلُب فِيهَا اَلْمَوْت فَاطْلُبْهُ بِالْإِغْوَاءِ سُمّ تَشَرُّبهَا دُفْعَة وَاحِدَة فَذَلِكَ خَيْر لَك مِنْ هَذَا اَلْمَوْت اَلْمُتَقَطِّع اَلَّذِي يَكْثُر فِيهِ عَذَابك وَأَلَمك وَتُعَظِّم فِيهِ آثَامك وَجَرَائِمك وَمَا يُعَاقِبك اَللَّه عَلَى اَلْأُخْرَى بِأَكْثَر مِمَّا يُعَاقِبك عَلَى اَلْأُولَى.
حَسْبنَا يَا صِدِّيق مِنْ اَلشَّقَاء فِي هَذِهِ اَلْحَيَاة مَا يَأْتِينَا بِهِ اَلْقَدْر فَلَا نُضَمّ إِلَيْهِ شَقَاء جَدِيدًا نَجْلِبهُ بِأَنْفُسِنَا لِأَنْفُسِنَا فَهَاتِ يَدك وَعَاهَدَنِي عَلَى أَنْ تَكُون لِي مُنْذُ اَلْيَوْم كَمَا كُنْت لِي بِالْأَمْسِ فَقَدْ كُنَّا سُعَدَاء قَبْل أَنْ نَفْتَرِق قُمْ اِفْتَرَقْنَا فَشَقِينَا وَهَا نَحْنُ أُولَاءِ قَدْ اِلْتَقَيْنَا فَلِنَعْش فِي ظِلَال اَلْفَضِيلَة وَالشَّرَف سُعَدَاء كَمَا كُنَّا ثُمَّ مَدَدْت يَدَيْ إِلَيْهِ فَرَاعَنِي أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّك يَده فَقُلْت لَهُ مَالِك لَا تَمُدّ يَدك إِلَيَّ فاستعبر بَاكِيًا وَقَالَ لِأَنَّنِي لَا أُحِبّ أَنْ أَكُون
стр. 75
كَاذِبًا وَلَا حَانِثًا قُلْت وَمَا يَمْنَعك مِنْ اَلْوَفَاء ? قَالَ يَمْنَعنِي مِنْهُ أَنَّنِي رَجُل شَقِيّ لَاحَظَ لِي فِي سَعَادَة اَلسُّعَدَاء قُلْت قَدْ اِسْتَطَعْت أَنْ تَكُون شَقِيًّا فَلِمَ لَا تَسْطِيع أَنْ تَكُون سَعِيدًا قَالَ لِأَنَّ اَلسَّعَادَة سَمَاء وَالشَّقَاء أَرْض وَالنُّزُول إِلَى اَلْأَرْض أَسْهَل مِنْ اَلصُّعُود إِلَى اَلسَّمَاء وَقَدْ زَلَّتْ قَدَمِي عَنْ حَافَّة اَلْهُوَّة فَلَا قُدْرَة لِي عَلَى اَلِاسْتِمْسَاك حَتَّى أَبْلَغَ قرارتها وَشُرِبَتْ أَوَّل جُرْعَة مِنْ جُرُعَات اَلْحَيَاة اَلْمَرِيرَة فَلَا بُدّ لِي أَنْ أَشْرَبهَا حَتَّى ثُمَالَتهَا وَلَا شَيْء مِنْ اَلْأَشْيَاء يَسْتَطِيع أَنْ يَقِف فِي سَبِيلِي إِلَّا شَيْء وَاحِد فَقَطْ هُوَ ان لَا أَكُون قَدْ شَرِبَتْ اَلْكَأْس اَلْأُولَى قَبْل اَلْيَوْم وَمَا دُمْت قَدْ فَعَلْت فَلَا حِيلَة لِي فِيمَا قُضِيَ اَللَّه قَلَتْ لَيْسَ بَيْنك وَبَيْن اَلنُّزُوع إِلَّا عزمة صَادِقَة تعزمها فَإِذَا أَنْتِ مَنَّ اَلنَّاجِينَ قَالَ إِنَّ اَلْعَزِيمَة أَثَر مِنْ آثَار اَلْإِرَادَة وَقَدْ أَصْبَحَتْ رَجُلًا مَغْلُوبًا عَلَى أَمْرِي لَا إِرَادَة لِي وَلَا اِخْتِبَار فَدَعْنِي يَا صَدِيقِي واَلْقَضَاء يَصْنَع بِي مَا يَشَاء وَابْكِ صَدِيقك اَلْقَدِيم مُنْذُ اَلْيَوْم إِنْ كُنْت لَا تَرَى بَأْسًا فِي اَلْبُكَاء عَلَى اَلسَّاقِطِينَ اَلْمُذْنِبِينَ.
ثُمَّ اِنْفَجَرَ بَاكِيًا بِصَوْت عَالٍ وَتَرَكَنِي مَكَانِي دُون أَنْ يُحْيِينِي بِكَلِمَة وَخَرَجَ هَائِمًا عَلَى وَجْهه لَا أَعْلَم أَيْنَ ذَهَبَ فَانْصَرَفَتْ لِشَأْنِي وَبَيْن جَنْبِي مِنْ اَلْهَمّ وَالْكَمَد مَا لِلَّهِ بِهِ عَلِيم.
لَمْ يَسْتَطِعْ رَئِيس اَلدِّيوَان أَنْ يَحْمِل نَدِيمه بِالْأَمْسِ زَمَنًا طَوِيلًا فَأَقْصَاهُ عَنْ مَجْلِسه اِسْتِثْقَالًا لَهُ ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْ وظيفه اِسْتِنْكَارًا لِعَمَلِهِ وَلَمْ تَذْرِف عَيْنه دَمْعَة وَاحِدَة عَلَى مَنْظَر صَرِيعه اَلسَّاقِط بَيْن يَدَيْهِ وَلِمَ يَسْتَطِيع مَالِك اَلْبَيْت اَلْجَدِيد أَنْ يُمْهِل فِيهِ اَلْمَالِك اَلْقَدِيم أَكْثَر مِنْ بِضْعَة شُهُور ثُمَّ طَرَدَهُ مِنْهُ فَلَجَأَ هُوَ وَزَوْجَته
стр. 76
وَوَلَدَاهُ إِلَى غُرْفَة حَقِيرَة فِي بَيْت قَدِيم فِي زُقَاق مَهْجُور فَأَصْبَحَتْ لَا أَرَاهُ بَعْد ذَلِكَ إِلَّا ذَاهِبًا إِلَى اَلْحَانَة أَوْ عَائِدًا مِنْهَا فَإِنْ رَأَيْته ذَاهِبًا زويت وَجْهِي عَنْهُ أَوْ عَائِدًا دَنَوْت مِنْهُ فَمَسَحَتْ عَنْ وَجْهه مَا لَصِقَ بِهِ مِنْ اَلتُّرَاب أَوْ عَنْ جَبِينه مَا سَالَ مِنْهُ مِنْ اَلدَّم ثُمَّ قُدْته إِلَى بَيْته.
وَهَكَذَا مَا زَالَتْ اَلْأَيَّام وَالْأَعْوَام تَأْخُذ مِنْ جِسْم اَلرَّجُل وَمِنْ عَقْله حَتَّى أَصْبَحَ مَنْ يَرَاهُ يَرَى ظَلَّا مِنْ اَلظِّلَال اَلْمُتَنَقِّلَة أَوْ حُلْمَا مِنْ اَلْأَحْلَام اَلسَّارِيَة يَمْشِي فِي طَرِيقَة مِشْيَة الذاهل اَلْمَشْدُوه لَا يَكَاد يَشْعُر بِشَيْء مِمَّا حَوْله وَلَا يَتَّقِي مَا يَعْتَرِض سَبِيله حَتَّى يُدَانِيه وَيَقِف حِينًا بَعْد حِين فَيَدُور بِعَيْنَيْهِ حَوْل نَفْسه كَأَنَّمَا يُفَتِّش عَنْ شَيْء أَضَاعَهُ وَلَيْسَ فِي يَده شَيْء يَضِيع أَوْ بِقَلْب نَظَره فِي أَثْوَابه وَمَا فِي أَثْوَابه غَيْر الرقاع وَالْخُرُوق وَيَنْظُر إِلَى كُلّ وَجْه يُقَابِلهُ نَظْرَة شزراء كَأَنَّمَا يَسْتَقْبِل عَدُوًّا بَغِيضًا وَلَيْسَ لَهُ عَدُوّ وَلَا صِدِّيق وَرُبَّمَا تُعَلِّق بَعْض اَلصِّبْيَان بِعَاتِقِهِ فَدَفَعَهُمْ عَنْهُ بِيَدِهِ دَفْعًا لَيِّنًا غَيْر آبِه وَلَا مُحْتَفِل كَمَا يَدْفَع اَلنَّائِم اَلْمُسْتَغْرِق عَنْ
عَاتِقه يَد مُوقِظه حَتَّى إِذَا خَلَا جَوْفه مِنْ اَلْخَمْر وَهَدَأَتْ سُورَتهَا فِي رَأْسه اِنْحَدَرَ إِلَى الحان فَلَا يَزَال يَشْرَب وَيَتَزَايَد حَتَّى يَعُود إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَزَلْ هَذَا شَأْنه حَتَّى حَدَثَتْ مُنْذُ بِضْعَة شُهُور اَلْحَادِثَة اَلْآتِيَة عَجَزَتْ تِلْكَ اَلزَّوْجَة اَلْمِسْكِينَة أَنْ تَجِد سَبِيلًا إِلَى اَلْقُوت وَأَبْكَاهَا أَنْ تَرَى وَلَدَاهَا وَابْنَتهَا بَاكِينَ بَيْن يَدَيْهَا تَنْطِق دُمُوعهَا بِمَا يَصْمُت عَنْهُ لِسَانهمَا فَلَمْ تَرَ لَهَا بُدًّا مِنْ أَنْ تَرْكَب تِلْكَ اَلسَّبِيل اَلَّتِي يَرْكَبهَا كُلّ مُضْطَرّ عَدِيم فَأَرْسَلَتْهُمَا خَادِمَيْنِ فِي بَعْض اَلْبُيُوت يَقْتَاتَانِ فِيهَا ويقيتانها فَكَانَتْ لَا تَرَاهُمَا إِلَّا قَلِيلًا وَلَا تَرَى
стр. 77
زَوْجهَا إِلَّا فِي اَللَّيْلَة اَلَّتِي تَغْفُل فِيهَا عَنْهُ عُيُون اَلشُّرْطَة وَقَلَّمَا تَغْفُل عَنْهُ فَأَصْبَحَتْ وَحِيدَة فِي غُرْفَتهَا لَا مُؤْنِس لَهَا وَلَا مُعَيَّن إِلَّا جَارَة عَجُوز تَخْتَلِف إِلَيْهَا مِنْ حِين الى حِين فَإِذَا فَارَقَتْهَا جَارَتْهَا وَخَلَتْ بِنَفْسِهَا ذَكَرَتْ تِلْكَ اَلْأَيَّام اَلسَّعِيدَة اَلَّتِي كَانَتْ تَتَقَلَّب فِيهَا فِي أعطاف اَلْعَيْش اَلنَّاعِم وَالنِّعْمَة اَلسَّابِغَة بَيْن زَوْج كَرِيم وَأَوْلَاد كَالْكَوَاكِبِ اَلزَّهْر حُسْنًا وَبَهَاء ثُمَّ تَذْكُر كَيْفَ أَصْبَحَ اَلسَّيِّد مُسْوَدًّا وَالْمَخْدُوم خَادِمًا وَالْعَزِيز اَلْكَرِيم ذَلِيلًا مُهِينًا وَكَيْفَ اِنْتَثَرَ ذَلِكَ اَلْعَقْد بِالْإِغْوَاءِ اَلْمَنْظُوم اَلَّذِي كَانَ حلية بَدِيعَة فِي جِيد اَلدَّهْر ثُمَّ اِسْتَحَالَ بَعْد انتثاره إِلَى حصيات مَنْبُوذَات عَلَى سَطْح اَلْغَبْرَاء تَطَؤُهَا اَلنِّعَال وَتَدُوسهَا اَلْحَوَافِر وَالْأَقْدَام فَتَبْكِي بُكَاء الواله فِي إِثْر قَوْم ظاعنين حَتَّى تُتْلِف نَفْسهَا أَوْ تَكَاد عَلَى أَنَّهَا مَا أَضْمَرَتْ قَطُّ فِي قَلْبهَا حِقْدًا لِذَلِكَ اَلْإِنْسَان اَلَّذِي كَانَ سَبَبًا فِي شَقَائِهَا وَشَقَاء وَلَدَيْهَا لَا حَدَّثْتهَا نَفْسهَا يَوْمًا مِنْ اَلْأَيَّام بمغاضبته أَوْ هِجْرَانه لِأَنَّهَا اِمْرَأَة شَرِيفَة وَالْمَرْأَة اَلشَّرِيفَة لَا تَغْدِر بِزَوْجِهَا اَلْمَنْكُوب بَلْ كَانَتْ تَنْظُر إِلَيْهِ نَظْرَة اَلْأُمّ اَلْحَنُون إِلَى طِفْلهَا اَلصَّغِير فَتَرْحَمهُ وَتَعْطِف عَلَيْهِ وَتَسْهَر بِجَانِبِهِ إِنْ كَانَ مَرِيضًا وتأسو جِرَاحه إِنَّ عَاد جَرِيحًا وَرُبَّمَا طَرَدَهُ اَلْحِمَار فِي بَعْض لَيَالِيه مِنْ حَانَة حِينَمَا لَا يَجِد مَعَهُ ثَمَن اَلشَّرَاب فَيَعُود إِلَيَّ بَيْته ثَائِرًا مهتاجا يَطْلُب اَلشَّرَاب طَلَبًا شَدِيدًا فَلَا تَجِد بُدًّا مِنْ أَنْ تُعْطِيه نَفَقَة طَعَامهَا أَوْ تَبْتَاع لَهُ مِنْ اَلْخَمْر مَا يَسْكُن بِهِ نَفْسه رَحْمَة بِهِ وابقاء عَلَى تِلْكَ اَلْبَقِيَّة اَلْبَاقِيَة مِنْ عَقْله.
وَكَأَنَّ اَلدَّهْر لَمْ يَكُفّهُ مَا وَضَعَ عَلَى عَاتِقهَا مِنْ اَلْأَثْقَال حَتَّى أَضَافَ إِلَيْهَا ثِقْلًا جَدِيدًا فَقَدْ شَعَرَتْ فِي يَوْم مِنْ أَيَّامهَا بِنَسَمَة نَتَحَرَّك فِي أَحْشَائِهَا فَعَلِمَتْ أَنَّهَا حَاوَلَ وَأَنَّهَا سَتَأْتِي إِلَى دَار اَلشَّقَاء بِشَقَاء جَدِيد فَهَتَفَتْ صَارِخَة رَحْمَتك اَللَّهُمَّ فَقْد اِمْتَلَأَتْ اَلْكَأْس حَتَّى مَا تَسَع قَطْرَة وَاحِدَة وَمَا زَالَتْ تُكَابِد مِنْ آلَام اَلْحَمْل
стр. 78
مَا يَجِب أَنْ تُكَابِدهُ اِمْرَأَة مَرِيضَة مَنْكُوبَة حَتَّى جَاءَتْ سَاعَة وَضْعهَا فَلَمْ يَحْضُرهَا أَحَد الا جَارَتهَا اَلْعَجُوز فَأَعَانَهَا اَللَّه عَلَى أَمْرهَا فَوَضَعَتْ ثُمَّ مَرِضَتْ بَعْد ذَلِكَ بِحُمَّى اَلنِّفَاس مَرَضًا شَدِيدًا فَلَمْ تُجْدِ طَبِيبًا يَتَصَدَّق عَلَيْهَا بِعِلَاجِهَا لِأَنَّ اَلْبَلَد اَلَّذِي لَا يَسْتَحِي أَطِبَّاؤُهُ أَنْ يُطَالِبُوا أَهْل اَلْمَرِيض بَعْد مَوْته بِأُجْرَة عِلَاجهمْ اَلَّذِي قَتَلَهُ لَا يُمْكِن أَنْ يُوجَد فِيهَا طَبِيب مُحْسِن أَوْ مُتَصَدِّق فَمَا زَالَ اَلْمَوْت يَدْنُو مِنْهَا رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتَّى ادركتها رَحْمَة اَللَّه فَوَافَاهَا أَجْلهَا فِي سَاعَة لَا يُوجَد فِيهَا بِجَانِبِهَا غَيْر طِفْلَتهَا اَلصَّغِيرَة عَالِقَة بِثَدْيهَا.
فِي هَذِهِ اَلسَّاعَة دَخْل اَلرَّجُل ثَائِرًا مهتاجا يَطْلُب اَلشَّرَاب وَيُفَتِّش عَنْ زَوْجَته لِتَأْتِيَ لَهُ مِنْهُ بِمَا يُرِيد فَدَار بِعَيْنِهِ فِي أَنْحَاء اَلْغُرْفَة حَتَّى رَآهَا مُمَدَّدَة عَلَى حَصِيرهَا وزاى اِبْنَتهَا تَبْكِي بِجَانِيهَا فَظَنَّهَا نَائِمَة فَدَنَا مِنْهَا وَدَفْع اَلطِّفْلَة بَعِيدًا عَنْهَا وَأَخْذ يُحَرِّكهَا تَحْرِيكًا شَدِيدًا فَلَمْ يُشْعِر بِحَرَكَة فَرَابَهُ اَلْأَمْر وَأَحَسَّ بِالْإِغْوَاءِ تَتَمَشَّى فِي أَعْضَائِهِ حَتَّى أَصَابَتْ قَلْبه فَبَدَأَ صَوَابه يَعُود إِلَيْهِ شَيْئًا فَشَيْئًا فأكب عَلَيْهَا يُحَدِّث فِي وَجْههَا تَحْدِيقًا شَدِيدًا وَيَزْحَف نَحْوهَا رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتَّى رَأَى شَبَح اَلْمَوْت يُحَدِّق إِلَيْهِ مَنْ عَيْنهَا اَلشَّاخِصَتَيْنِ اَلْجَامِدَتَيْنِ فَتَرَاجَعَ خَوْفًا وَذُعْرًا فَوَطِئَ فِي تَرَاجُعه صَدْر اِبْنَته فَأَنْتَ أَنَّة مُؤْلِمَة لَمْ تَتَحَرَّك بَعْدهَا حَرَكَة وَاحِدَة فَصَرَخَ صَرْخَة شَدِيدَة وَقَالَ اشقاءاه وَخَرَجَ هَائِمًا عَلَى وَجْهه يَعْدُو فِي اَلطُّرُق وَيَضْرِب رَأْسه بِالْعُمَدِ وَالْجُدْرَان وَيَدْفَع كُلّ مَا يَجِد فِي طَرِيقه مِنْ إِنْسَان أَوْ حَيَوَان وَيَصِيح اِبْنَتَيْ زَوْجَتِي هَلُمُّوا إِلَيَّ ادركوني حتي أَعْيَا فَسَقَطَ عَلَى اَلْأَرْض وَأَخَذَ يَفْحَص اَلتُّرَاب بِرِجْلَيْهِ وَيَئِنّ أَنِين اَلذَّبِيح وَالنَّاس مِنْ حَوْله آسِفُونَ عَلَيْهِ لأ لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَهُ بَلْ لِأَنَّهُمْ قَرَءُوا فِي وَجْهه آيَات شَقَائِهِ.
стр. 79
فَكَانَتْ تِلْكَ اَللَّحْظَة اَلْقَصِيرَة اَلَّتِي استفاق فِيهَا مِنْ ذُهُوله اَلطَّوِيل سَبَبًا فِي ضَيَاع مَا بَقِيَ مِنْ عَقْله.
وَمَا هِيَ إِلَّا سَاعَة أَوْ سَاعَتَانِ حَتَّى أَصْبَحَ مُقَيَّدًا مَغُولًا فِي قَاعَة مِنْ قَاعَات البيمارستان فوا بِالْإِغْوَاءِ لَهُ وَلِزَوْجَتِهِ اَلشَّهِيدَة وَلِطِفْلَتِهِ اَلصَّرِيعَة وَلِأَوْلَادِهِ اَلْمُشَرَّدِينَ اَلْبُؤَسَاء.
стр. 80
اَلْجَزَاء
مُتَرْجَمَة
جَلَسَتْ عَلَى ضَفَّة اَلْبُحَيْرَة لِتَمْلَأ جَرَّتهَا وَكَانَ اَلْمَاء سَاكِنًا هَادِئًا كَأَنَّمَا قَدْ أمتدت فَوْق سَطْحه طَبَقَة لَامِعَة مِنْ اَلْجَلِيد فَعَزَّ عَلَيْهَا أَنْ تَكْسِر بِيَدِهَا هَذِهِ اَلْمِرْآة اَلنَّاعِمَة الصقيلة وَلَا شَيْء أَحَبّ إِلَى اَلْمَرْأَة مِنْ اَلْمَرْأَة فَظَلَّتْ تَقْلِب نَظَرهَا فِيهَا فَلَمَحَتْ فِي صَفْحَتهَا وَجْهًا أَبْيَض رَائِقًا يَنْظُر إِلَيْهَا نَظَرًا عَذْبًا فَاتِرًا فَابْتَسَمَتْ لَهُ فَابْتَسَمَ لَهَا فَعَلِمَتْ أَنَّهُ اَلْوَجْه اَلَّذِي أَفْتِن بِهِ خَطِيبهَا لِقَرَوِيّ اَلْجَمِيل.
أَنِسَتْ بِهَذَا اَلْمَنْظَر سَاعَة ثُمَّ رَاعَهَا أَنْ رَأَتْ بِجَانِب خَيَالهَا فِي اَلْمَاء خَيَالًا آخَر فَتَبَيَّنَتْهُ فَإِذَا بِهِ خَيَال رَجُل فَذُعِرَتْ وَلَكِنَّهَا لَمْ تَلْتَفِت وَرَاءَهَا وَمَدَّتْ يَدهَا إِلَى اَلْمَاء فَمَلَأَتْ جَرَّتهَا ثُمَّ نَهَضَتْ لِتَحَمُّلِهَا فَتَقَدَّمَ إِلَيْهَا ذَلِكَ اَلْوَاقِف بِجَانِيهَا وَقَالَ لَهَا هَلْ تَأْذَنِينَ لِي يَا سَيِّدَتِي أَنْ أُعِينك عَلَى حَمْل جَرَّتك فَالْتَفَتَ فَإِذَا فَتِيّ حَضَرِيّ غَرِيب حَسَن اَلصُّورَة وَالْبِزَّة لَا تُعَرِّفهُ وَلَا تَعْرِف أَنَّ هَذِهِ اَلْأَرْض مِمَّا تَنْبُت مِثْله فَرَابَهَا أَمْره وَاتَّقَدَ وَجْههَا حَيَاء وَخَجَلًا وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا وَاسْتَلْقَتْ جَرَّتهَا وَمَضَتْ فِي سَبِيلهَا.
نَشَأَتْ سُوزَان وَابْن عَمّهَا جلبرت فِي بَيْت وَاحِد كَمَا تَنْشَأ اَلزَّهْرَتَانِ اَلْمُتَعَانِقَتَانِ فِي مغرس وَاحِد فَرَضَعَتْ مَعَهُ وَلِيدَة وَلَعِبَتْ مَعَهُ طِفْلَة وَأَحَبَّتْهُ فَتَاة وَمَرَّتْ بِهِمَا فِي جَمِيع تِلْكَ اَلْأَدْوَار.
стр. 81
سَعَادَة لَمْ يَسْتَمِدّهَا مِنْ اَلْقُصُور وَالْبَسَاتِين وَالْأَرَائِك وَالْأُسْرَة وَالْحِيَاد وَالْمُرَكَّبَات وَالْأَكْوَاب والدنان والمزاهر وَالْعِيدَانِ وَالذَّهَب اَللَّامِع وَاللُّؤْلُؤ اَلسَّاطِع وَالْأَثْوَاب اَلْمُطَرَّزَة وَالْغَلَائِل اَلْمُرَصَّعَة لِأَنَّهُمَا كَانَا قريين فَقِيرَيْنِ بَلْ اِسْتَمَدَّهَا مِنْ مَطْلَع اَلشَّمْس وَمَغْرِبهَا وَإِقْبَال اَللَّيْل وَإِدْبَاره وَتَلَأْلُؤ اَلسَّمَاء بِنُجُومِهَا اَلزَّاهِرَة وَالْأَرْض بِأَعْشَابِهَا اَلنَّاضِرَة وَمِنْ اَلْوَقَفَات اَلطِّوَال فَوْق اَلصُّخُور اَلْبَارِزَة عَلَى ضِفَاف اَلْبُحَيْرَة اَلْهَادِئَة وَالْجَلَسَات اَلْحُلْوَة اَلْجَمِيلَة عَلَى اَلْأَعْشَاب اَلنَّاعِمَة تَحْت ظِلَال اَلْأَشْجَار الوارقة وَمِنْ سَمَاع أَنَاشِيد اَلْحَيَاة وَأَغَانِي اَلرُّعَاة وَضَوْضَاء اَلسَّمَاء فِي غُدُوّهَا وَرَوَاحهَا وَبُكَاء اَلنَّوَاعِير فِي مَسَائِهَا وَصَبَاحهَا وَمِنْ اَلْحُبّ اَلطَّاهِر اَلشَّرِيف اَلَّذِي يُشْرِق عَلَى اَلْقُلُوب اَلْحَزِينَة فَيُسْعِدهَا وَالْأَفْئِدَة اَلْمُظْلِمَة فَيُنِيرهَا وَالْأَجْنِحَة اَلْكَسِيرَة فيريشها وَاَلَّذِي هُوَ اَلْعَزَاء اَلْوَحِيد عَنْ كُلّ فَائِت فِي هَذِهِ اَلْحَيَاة وَالسَّلْوَى عَنْ كُلّ مَفْقُود وَلَمْ يَزَلْ هَذَا شَأْنهَا حَتَّى كَانَ يَوْم اَلْبُحَيْرَة.
لَا تَعْرِف اَلْمَرْأَة لَهَا وُجُودًا إِلَّا فِي عُيُون اَلرِّجَال وَقَلَبُوهُمْ فَلَوْ خَلَتْ رُقْعَة اَلْأَرْض مِنْ وُجُوه اَلنَّاظِرَيْنِ أَوْ أَقْفَرَتْ حَنَايَا اَلضُّلُوع مِنْ خوافق اَلْقُلُوب لِأُصْبِح اَلْوُجُود وَالْعَدَم فِي نَظَرهَا سَوَاء وَلَوْ أَنَّ وَرَاءَهَا أَلْف عَيْن تَنْظُر إِلَيْهَا ثُمَّ لَمَحَتْ فِي كَوْكَب مِنْ كَوَاكِب اَلسَّمَاء نَظْرَة حُبّ أَوْ سَمِعَتْ فِي زَاوِيَة مِنْ زَوَايَا اَلْأَرْض أَنَّة وَجِدّ لِأَعْجَبِهَا ذَلِكَ اَلْغَرَام اَلْجَدِيد وَمَلَأَ قَبْلهَا غِبْطَة وَسُرُورًا.
стр. 82
فَقَدْ عَادَتْ اَلْفَتَاة إِلَى بَيْتهَا طَيِّبَة اَلنَّفْس قَرِيرَة اَلْعَيْن مَزْهُوَّة مُخْتَالَة لَا لِأَنَّ حُبًّا جَدِيدًا حَلَّ فِي قَلْبهَا مَحَلّ اَلْحَبّ اَلْقَدِيم وَلَا لِأَنَّ نَفْسهَا حَدَّثْتهَا أَنْ تَصِل حَيَاتهَا بِحَيَاة أَحَد غَيْر خَطِيبهَا بَلْ لِأَنَّهَا وَجَدَتْ فِي طَرِيقهَا بُرْهَانًا جَدِيدًا عَلَى جَمَالهَا فَأَعْجَبَهَا فَكَانَتْ لَا تَزَال تَخْتَلِف بَعْد ذَلِكَ بِجَرَّتِهَا إِلَى اَلْبُحَيْرَة غَيْر خَائِفَة وَلَا مُرْتَابَة فَتَرَى ذَلِكَ اَلسَّيِّد اَلْحَضَرِيّ فِي غُدُوّهَا أَوْ رَوَاحهَا يُحَيِّيهَا أَوْ يَبْتَسِم إِلَيْهَا زَهْرَة جَمِيلَة أَوْ يُلْقِي فِي اذنها كَلِمَة عَذْبَة حَتَّى اِسْتَطَاعَ فِي يَوْم مِنْ اَلْأَيَّام أَنْ يَجْلِس بِجَانِبِهَا لَحْظَة قَصِيرَة فِي ظِلّ صَخْرَة مُنْفَرِدَة فَكَانَتْ هَذِهِ اَللَّحْظَة آخِر عَهْدهَا بِحَيَاتِهَا اَلْقَدِيمَة وَأَوَّل عُهَدهَا بِحَيَاتِهَا اَلْجَدِيدَة.
هَبَّطَ اَلْمَرْكَز جُوسْتَاف روستان هَذِهِ اَلْأَرْض مُنْذُ أَيَّام لِتَفَقُّد مَزَارِعه فِيهَا وَكَانَ لَا يَزَال يَخْتَلِف إِلَيْهَا مِنْ حِين إِلَى حِين فَيَقْضِي فِي قَصْره اَلْجَمِيل اَلَّذِي بَنَاهُ فِيهَا عَلَى بُعْد سَاعَتَيْنِ مِنْ اَلْبُحَيْرَة بِضْعَة أَيَّام ثُمَّ يَعُود إِلَى بَلْدَته نيس حَتَّى رَأَى هَذِهِ اَلْمَرَّة هَذِهِ اَلْفَتَاة فِي بَعْض غدواته إِلَى ضِفَاف اَلْبُحَيْرَة فاستلهاه حُسْنهَا وَمَا زَالَ بِهَا يَفِيض عَلَى قَلْبهَا مِنْ حُبّه وَعَلَى أُذُنهَا مِنْ سِحْره وَعَلَى جِيدهَا بِالْإِغْوَاءِ مِنْ لَآلِئه وَجَوَاهِره وَيُصَوِّر لَهَا جَمَال اَلْحَيَاة اَلْحَضَرِيَّة فِي أَجْمَل صُوَرهَا وَأَبْهَاهَا اَلْأَمَانِي اَلْكِبَار فِي حَاضِرهَا وَمُسْتَقْبَلهَا حَتَّى أَذْعَنَتْ واستقادت وَخَضَعَتْ لِلَّتِي تَخْضَع لَهَا كُلّ أُنْثَى نَامَتْ عَنْهَا عَيْن رَاعِيهَا وَأُسَلِّمهَا حَظّهَا إِلَى أَنْيَاب اَلذِّئَاب.
стр. 83
اِسْتَيْقَظَ اَلْفَتِيّ جلبرت فِي اَلسَّاعَة اَلَّتِي يَسْتَيْقِظ فِيهَا مِنْ صَبَاح كُلّ يَوْم فَعَمَدَ إِلَى بَقَرَته فَحَلَّ عِقَالهَا ثُمَّ هَتَفَ بِاسْم سُوزَان يَدْعُوهَا إِلَى اَلذَّهَاب مَعَهُ إِلَى اَلْمَرْعَى فَلَمْ تَجُبّهُ فَصَعِدَ إِلَى غُرْفَتهَا فِي سَطْح اَلْمَنْزِل لِيُوقِظهَا فَلَمْ يَجِدهَا فَسَأَلَ عَنْهَا أُمّه فَلَمْ تَعْلَم مَنْ أَمْرهَا أَكْثَر مِمَّا يَعْلَم فَظَنَّ أَنَّهَا خَرَجَتْ لِقَضَاء بَعْض اَلشُّؤُون ثُمَّ تَعُود فَلَبِثَ يَنْتَظِرهَا وَقْتًا طَوِيلًا فَلَمْ تَعُدْ فَرَابَهُ اَلْأَمْر وَأَعَادَ اَلْبَقَرَة إِلَى معتلفها وَخَرَجَ يُفَتِّش عَنْهَا فِي كُلّ مَكَان وَيُسَائِل عَنْهَا اَلنَّاس جَمِيعًا غاديهم ورائحهم فِلْمَيْ جَدّ مَنْ يَدُلّهُ عَلَيْهَا حَتَّى أَظَلَّهُ اَللَّيْل فَعَادَ حرينا مُكْتَئِبًا لَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا عَلَى وَجْه اَلْأَرْض أَعْظَم لَوْعَة مِنْهُ وَلَا أَشْقَى أُمّه قَابِعَة فِي كَسْر اَلْبَيْت مِطْرَقَة بِرَأْسِهَا تفلي اَلتُّرَاب بِعُود فِي يَدهَا فَدَنَا مِنْهَا فَرَفَعَتْ رَأْسهَا إِلَيْهِ وَقَالَتْ لَهُ أَيْنَ كُنْت يَا جلبرت ? قَالَ فَتَّشْت عَنْ سُوزَان فِي كُلّ مَكَان فَلَمْ أَجِدهَا فَأَلْقَتْ عَلَيْهِ نَظْرَة مَمْلُوءَة حُزْنًا وَدُمُوعًا وَقَالَتْ خَيْر لَك يَا بَنِي أَلَّا تَنْتَظِرهَا بَعْد اَلْيَوْم فَانْتَفَضَ اِنْتِفَاضَة شَدِيدَة وَقَالَ لِمَاذَا قَالَتْ قَدْ دَخَلَتْ عَلَى اَلسَّاعَة جَارَتنَا فُلَانَة فَحَدَّثَتْنِي أَنَّهَا مَا زَالَتْ تَرَاهَا مُنْذُ لَيَالِي تَخْتَلِف إِلَى اَلْبُحَيْرَة لِلِاجْتِمَاعِ عَلَى ضِفَافهَا بِفَتِيّ حَضَرِيّ غَرِيب عَنْ هَذِهِ اَلْمُدِرَّة أَحْسَبهُ اَلْمَرْكَز جُوسْتَاف صَاحِب هَذِهِ اَلْمَزَارِع اَلَّتِي تَلِينَا وَالْقَصّ اَلْأَحْمَر اَلَّذِي يَلِيهَا وَقَالَتْ لِي إِنَّهَا رَأَتْهَا لَيْلَة أَمْس بَعْد مُنْتَصَف اَللَّيْل رَاكِبَة وَرَاءَهُ عَلَى فَرَس أَشْهَب يَعْدُو بِهَا فِي طَرِيق اَلْقَصْر اَلْأَحْمَر وَلَا بُدّ أَنَّهَا فَرَّتْ مَعَهُ فَصَرَخَ جلبرت صَرْخَة جَادَتْ لَهَا نَفْسه أَوْ كَادَتْ وَخِدْر فِي مَكَانه صَعِقَا فَلَمْ تَزَلْ أُمّه جَاثِيَة بِجَانِبِهِ اَللَّيْل كُلّه تَبْكِي عَلَيْهِ مَرَّة وَتَمْسَح جَبِينه بِالْمَاءِ أُخْرَى حَتَّى استفاق فِي مَطْلَع اَلْفَجْر فَنَظَرَ حَوْله نَظْرَة حَائِرَة فَرَأَى أُمّه مكبة عَلَى وَجْههَا تَبْكِي فَذَكَرَ كُلّ ذَلِكَ فَأَطْرُق هُنَيْهَة ثُمَّ
стр. 84
رَفَعَ رَأْسه وَوَضْع يَده عَلَى عَاتِقهَا وَسَأَلَهَا مَا بُكَاؤُك يَا أُمَّاه ? قَالَتْ أَبْكِي عَلَيْك يَا بَنِي وَعَلَيْهَا قَالَ إِنْ كُنْت بَاكِيَة قَبْلك عَلَى غَيْرِي أَمَّا أَنَا فَلَسْت بِحَزِين وَلَا بَاكٍ فَقَدْ كُنْت أَحْبَبْت هَذِهِ اَلْفَتَاة لِأَنَّهَا كَانَتْ تُحِبّنِي وَقَدْ اِسْتَحَالَ قَلْبِي اَلْآن إِلَى اَلصَّخْرَة عَاتِيَة لَا يَنَال مِنْهَا شَيْء فَلَا رَجْعَة لِي إِلَيْهَا بَعْد اَلْيَوْم ثُمَّ مَسَحَ عَنْ خَدّه آخَر دَمْعَة كَانَتْ تَنْحَدِر فِيهِ وَقَامَ إِلَى بَقَرَته فَأَخَذَ بِزِمَامِهَا وَمَضَى بِهَا إِلَى اَلْمَزْرَعَة وَحْده.
لَقَدْ كَذَّبَتْ اَلْمِسْكِين نَفْسه فَإِنَّهُ مَا سَلَّا سُوزَان وَلَا هَدَأَتْ عَنْ قَلْبه لَوْعَة حُبّهَا وَلَكِنَّهَا الغضبة اَلَّتِي يُغْضِبهَا اَلْمُحِبّ اَلْمَهْجُور تُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ نَفَضَ يَده مِنْ اَلْمُحِبّ أَشَدّ مَا يَكُون بِهِ عَالِقًا فَإِنَّهُ مَا وَصَلَ إِلَى اَلْمَزْرَعَة وَأَرْسَلَ سائمته فِي مَرْعَاهَا حَتَّى رَأَى كَوْكَب اَلشَّمْس يتناهض مِنْ مَطْلَعه قَلِيلًا قَلِيلًا وَيُرْسِل أَشِعَّته اَلْيَاقُوتِيَّة اَلْحَمْرَاء عَلَى هَذِهِ اَلْكَائِنَات فَتُنِير ظَلَامهَا وَتَجْلُو صَفْحَتهَا وَتَتَرَقْرَق مَا بَيْن خضرائها وغبرائها فَأَعْجَبَهُ مَنْظَر هَذِهِ اَلطَّبِيعَة اَلْمُتَلَأْلِئَة بَيْن يَدَيْ هَذَا اَلْكَوْكَب اَلْمُنِير وَدَار بِنَظَرِهِ فِي اَلْفَضَاء مِنْ مُشْرِقَة إِلَى مغربة فَلَمَّحَ فِي اَلْأُفُق اَلْغَرْبِيّ بارقا يَخْطِف اَلْبَصَر بِلَآلِئِهِ فَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّ اَلْمَغْرِب قَدْ أَطْلَعَ فِي أَفْقَه شَمْسًا كَتِلْكَ اَلَّتِي اطلعها اَلْمَشْرِق حَتَّى تُبَيِّنهُ فَإِذَا هُوَ لَوَّحَ كَبِير مِنْ اَلزُّجَاج أَصْفَر مُسْتَدِير تعابثه أَشِعَّة اَلشَّمْس فِيمَا تعابث مِنْ اَلْكَائِنَات فالتمع التماعا شَدِيدًا فَاسْتَرَدَّ بَصَره إِلَيْهِ سَرِيعًا وَوَضْع يَده عَلَى يُسْرَى أَضْلُعه كَأَنَّمَا يَحُول بَيْن قَلْبه وَبَيْن اَلْفِرَار لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ اَللَّوْح اَلزُّجَاجِيّ اَلْأَصْفَر إِنَّمَا يُلَوِّح فِي بُرْج مِنْ أَبْرَاج اَلْقَصْر اَلْأَحْمَر.
هُنَا عَلِمَ أَنَّ نَفْسه قَدْ كَذَّبَتْهُ فِيمَا حَدَّثَتْهُ وَأَنَّ تِلْكَ اَلْبَارِقَة.
стр. 85
اَلَّتِي كَانَتْ تُضِيء مَا بَيْن جَنْبَيْهِ مِنْ اَلْحُبّ قَدْ اِسْتَحَالَتْ إِلَى جَذْوَة نَار مُشْتَعِلَة تَقْضِم فُؤَاده قَضْمًا وَتَمْشِي فِي نَفْسه مَشْي اَلْمَوْت فِي اَلْحَيَاة فَأَطْلَقَ لِعِبْرَتِهِ سَبِيلهَا وَأَنْشَأَ بَيْن أَنِينًا يَئِنّ مُحْزِنًا تَرَدُّده اَلرِّيَاح فِي جَوّهَا وَالْأَمْوَاج فِي بَحْرهَا وَالْأَعْشَاب فِي مغارسها والسائمة فِي مَرَابِضهَا حَتَّى سَمْع أَصْوَات اَلرُّعَاة وَضَوْضَاء السائمة فَكَفْكَفَ عَبَرَاته وَأَسْلَمَ رَأْسه إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَذَهَب مَعَ هُمُومه وَأَحْزَانه إِلَى حَيْثُ شَاءَ اَللَّه أَنْ تَذْهَب.
هَكَذَا لَمْ يَنْتَفِع اَلْمِسْكِين بِنَفْسِهِ بَعْد اَلْيَوْم فَقَدْ ذَهَبَ مِنْ اَلْحُزْن إِلَى أَبْعَد مَذَاهِبه حَتَّى نَالَ مِنْهُ مَا لَمْ يَنَلْ كَرّ اَلْغَدَاة وَمَرَّ اَلْعَشِيّ فَأَصْبَحَ مَنْ يَرَاهُ فِي طَرِيقه يَرَى رَجُلًا يَائِسًا مَنْكُوبًا مُشَرَّد اَلْعَقْل مُشْتَرِك اَللُّبّ مذهوبا بِهِ كُلّ مَذْهَب يَهِيم عَلَى وَجْهه آنَاء اَللَّيْل وَأَطْرَاف اَلنَّهَار بَيْن اَلْغَابَات والحرجات وَفَوْق ضِفَاف اَلْأَنْهَار وَتَحْت مَشَارِف اَلْجِبَال يَأْنَس بِالْحَوْشِ أَنَس العشير بعشيره وَيَفِرّ مِنْ اَلنَّاس إِنَّ دُنُوًّا مِنْهُ فِرَار اَلْإِنْسَان مِنْ اَلْوَحْش وَيَرُدّ اَلْمَنَاهِل مَعَ اَلظِّبَاء واليعافير ثُمَّ يُصَدِّر إِذَا صَدَّرَتْ مَعَهَا وَرُبَّمَا تَرَامَى بِهِ اَلسَّيْر أَحْيَانًا إِلَى أفنية اَلْقَصْر اَلْأَحْمَر مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُر فَإِذَا رَأَى أبراحه بَيْن يَدَيْهِ ذُعِرَ ذُعْرًا شَدِيدًا وَصَاحَ صَيْحَة عَظِيمَة وانكفا رَاجِعًا إِلَى قِرْبَته لَا يَلْوِي عَلَى شَيْء وَكَثِيرًا مَا قَضَتْ أُمّه اَلنَّهَار كُلّه حَامِلَة عَلَى يَدهَا اَلطَّعَام تُفَتِّش عَنْهُ فِي كُلّ مَكَان حَتَّى تَرَاهُ مُلْقَى بَيْن اَلْأَحْجَار عَلَى ضَفَّة نَهْر أَوْ فِي سَفْح جَبَل فَتَضَع اَلطَّعَام بَيْن يَدَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُر بِمَكَانِهَا ثُمَّ تَرْفَع يَدَيْهَا إِلَى اَلسَّمَاء ضارعة متخشعة تَسْأَل اَللَّه بِدُمُوعِهَا وَزَفَرَاتهَا أَنْ يَرُدّ إِلَيْهَا وَحَيَّدَهَا ثُمَّ تَعُود أَدْرَاجهَا.
стр. 86
مَضَى اَللَّيْل إِلَّا أُقِلّهُ وَسُوزَان جَالِسَة إِلَى نَافِذَة قَصْرهَا اَلْمُشْرِفَة عَلَى اَلنَّهْر تَلْتَفِت إِلَى سَرِير اِبْنَتهَا مَرَّة وَتَقَلَّبَ وَجْههَا فِي اَلسَّمَاء أُخْرَى وَكَانَ اَلْقَمَر فِي لَيْلَة تمه فَظَلَّتْ تُنَاجِيه وَتَقُول:
أَيُّهَا اَلْقَمَر اَلسَّارِي فِي كَبِد اَلسَّمَاء هَا أنذا فِي لَيْلَة تمك وَحْدِي لِلْمَرَّةِ اَلرَّابِعَة وَالْعِشْرِينَ فَهَلْ يَعُود إِلَى خَطِيبِي جُوسْتَاف فَيَنْظُر إِلَيْك مَعِي كَمَا كَانَ يَفْعَل مِنْ قَبْل.
لَقَدْ كُنْت لِي أَيُّهَا اَلْكَوْكَب اَلْمُنِير نِعَم اَلْمُعَيَّن فِي لَيَالِي اَلْمُوحِشَة عَلَى هُمُومِي وَأَحْزَانِي فَهَلْ تَسْتَطِيع أَنْ تُحَدِّثنِي عَنْ جُوسْتَاف أَيْنَ مَكَانه وَمَتَى يَعُود وَهَلْ نَلْتَقِي قَرِيبًا فَيَتِمّ بِذَلِكَ يَدك عِنْدِي ? حَدَّثَنِي عَنْهُ. . هَلْ يُذَكِّرنِي كَمَا أَذْكُرهُ وَهَلْ يَحْفَظ عَهْدِي كَمَا أَحْفَظ عَهْده ? وَهَلْ يَجْلِس إِلَيْك حِينًا فَيَسْأَلك عَنِّي كَمَا أَسْأَلك عَنْهُ ? فَإِنَّ فِعْل فَقُلْ لَهُ إِنَّ اِبْنَته جَمِيلَة جِدًّا جِمَال اَلِابْتِسَامَة اَلْحَائِرَة فِي فَم اَلْحَسْنَاء وَبَيْضَاء بَيَاض اَلْقَطْرَة اَلصَّافِيَة فِي اَلزَّنْبَقَة اَلنَّاصِعَة تَحْت اَلْأَشِعَّة اَلسَّاطِعَة وَقُلْ لَهُ إِنَّهَا لَا تَهْتِف بِاسْم غَيْر اِسْمه وَلَا تَبْتَسِم لِرَسْم غَيْر رَسْمه وَإِنَّهُ إِنْ رَآهَا أَغْنَتْهُ رُؤْيَتهَا عَنْ اَلْمِرْآة اَلْمَجْلُوَّة لِأَنَّهُ يَرَى صُورَته فِي وَجْههَا كَمَا تَتَشَابَه اَلدُّمْيَتَانِ اَلْمُصَوِّبَتَانِ فِي قَالَب وَاحِد.
وَلَمْ تَزَلْ تُنَاجِي اَلْقَمَر بِمِثْل هَذَا النجاء حَتَّى رَأَتْهُ يَنْحَدِر إِلَى مَغْرِبه فَوَدَّعَتْهُ وَدَاعًا جَمِيلًا وَقَالَتْ إِلَى اَلْغَد يَا صَدِيقِي اَلْعَزِيز. . .
ثُمَّ قَامَتْ إِلَى سَرِير اِبْنَتهَا فَحَنَّتْ عَلَيْهَا بِرِفْق وَقَبِلَتْهَا فِي جَبِينهَا قُبْلَة اَلْمَسَاء وَذَهَبَتْ إِلَى مَضْجَعهَا وَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ عَبِثَتْ بِجَفْنِهَا اَلسَّنَة اَلْأُولَى مِنْ اَلنَّوْم حَتَّى أسلمتها أَحْلَامهَا إِلَى أَمَانِيهَا وَآمَالهَا فَرَأَتْ كَأَنَّ جُوسْتَاف قَدْ عَادَ مَنْ سِفْره فَاسْتَقْبَلَتْهُ هِيَ وَابْنَتهَا
стр. 87
عَلَى بَاب اَلْقَصْر فَنَزَلَ مِنْ مَرْكَبَته وَضَمَّهُمَا مَعًا إِلَى صَدْره ضَمًّا شَدِيدًا وَظَلَّ يَقْبَلهُمَا وَيَبْكِي فَرَحًا وَسُرُورًا.
فَإِنَّهَا بِالْإِغْوَاءِ فِي حَمْلهَا هَذَا إِذْ شَعَرَتْ بِيَد تَحَرُّكهَا فَانْتَبَهَتْ فَإِذَا صَدَرَ اَلنَّهَار قَدْ عَلَا وَإِذَا خَادِمَتهَا وَاقِفَة عَلَى رَأْسهَا ضَاحِكَة متطلقة تَقُول لَهَا بِشِرَاك يَا سَيِّدَتِي فَقَدْ حَضَرَ سَيِّدِي فاستطيرت فَرَحًا وَسُرُورًا وَقَالَتْ أَحْمَدك اَللَّهُمَّ فَقْد صَدَقَتْ أَحْلَامِي وَأَسْرَعَتْ إِلَى غُرْفَة مَلَابِسهَا فَبَدَّلَتْ أَثْوَابهَا ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي غُرْفَته بَاسِمَة مُتَهَلِّلَة تَحْمِل اِبْنَتهَا عَلَى يَدهَا فَرَأَتْهُ وَاقِفًا فِي وَسَط اَلْغُرْفَة مُتَّكِئًا عَلَى كُرْسِيّ بَيْن يَدَيْهِ فَهَرِعَتْ إِلَيْهِ وَلَكِنَّهَا مَا دَنَتْ مِنْهُ حَتَّى تَرَاجَعَتْ جَائِرَة مدهوشة لِأَنَّهَا رَأَتْ أَمَامهَا رَجُلًا لَا تَعَرُّفه وَلَا عَهْد لَهَا بِهِ مِنْ قَبْل لَا بَلْ هُوَ بِعَيْنِهِ وَلَكِنَّهَا رَأَتْ وَجْهًا صَامِتًا مُتَحَجِّرًا لَا تَلْمَع فِيهِ بَارِقَة اِبْتِسَام وَلَا تَجْرِي فِيهِ نَظْرَة بِشَاشَة فَأَنْكَرَتْهُ إِلَّا أَنَّهَا تَمَاسَكَتْ قَلِيلًا وَمَدَّتْ إِلَيْهِ يَدهَا تُحْيِيه فَمَدَّ إِلَيْهَا يَده بِتَثَاقُل وَفُتُور كَأَنَّمَا يَنْقُلهَا مِنْ مَكَانهَا نَقْلًا وَلَمْ يَلِقْ عَلَى وَجْه اَلطِّفْلَة وَكَانَتْ تَبْتَسِم إِلَيْهِ وَتَمُدّ نَحْوه ذِرَاعَيْهَا نَظْرَة وَاحِدَة وَكَانَتْ أَوَّل كَلِمَة قَالَهَا لَهَا أباقية أَنْتِ فِي اَلْقَصْر حَتَّى اَلْيَوْم فَازْدَادَتْ دَهْشَة وَحَيْرَة وَلَمْ تُفْهِم مَاذَا يُرِيد وَقَالَتْ لَهُ وَأَيْنَ كُنْت تُرِيد أَنْ تَرَانِي يَا سَيِّدِي قَالَ فِي هَذَا اَلْقَصْر كَمَا تَرَكَتْك وَلَكِنِّي أَظُنّ أَنَّك لَا تَسْتَطِيعِينَ اَلْبَقَاء فِيهِ بَعْد اَلْيَوْم قَالَتْ: لِمَاذَا قَالَ لِأَنَّ زَوْجَتِي قَادِمَة إِلَيْهِ اَلْيَوْم رُبَّمَا كَانَتْ لَا تُحِبّ أَنْ تَرَى فِيهِ مَنْ يُزْعِجهُ وُجُودهَا.
هُنَالِكَ شَعَرَتْ أَنَّ جَمِيع مَا كَانَ يَنْبَعِث فِي عُرُوقهَا مِنْ اَلدَّم قَدْ تَرَاجَعَ كُلّه دُفْعَة وَاحِدَة إِلَى قَلْبهَا فَأَصْبَحَ وَحْده اَلْوَاجِب
стр. 88
اَلْخَفَّاق مِنْ دُون أَغْصَانهَا وَأَوْصَالهَا جَمِيعًا وَلَكِنَّ اَلْمُصِيبَة إِذَا عَظُمَتْ خَلَتْ عَنْ اَلْبُكَاء وَالْأَنِين فَلَمْ تَصِحّ وَلَمْ تَضْطَرِب بَلْ نَظَرَتْ إِلَيْهِ نَظْرَة طَوِيلَة هَادِئَة ثُمَّ اِلْتَفَتَتْ إِلَى اِبْنَتهَا وَقَالَتْ لَهُ وَمَا تَرَى فِي اِبْنَتك هَذِهِ ? قَالَ لَيْسَ لِي اِبْنَة أَيَّتُهَا اَلسَّيِّدَة وَلَا وَلَد لِي لِأَنِّي لَمْ أَتَزَوَّج إِلَّا مُنْذُ ثَلَاثَة أَيَّام فَخْذَيْ اِبْنَتك مَعَك وَعَيْشِي مَعَهَا حَيْثُ تَشَائِينَ وَقَدْ تَرَكَتْ لَك هَذَا اَلْكِيس عَلَى اَلْمِنْضَدَة فَخُذِيهِ وَاسْتَعِينِي بِهِ عَلَى عَيْشك وَتَرْكهَا وَمَضَى.
لَمْ تُلْقِ عَلَى اَلْمِنْضَدَة نَظْرَة وَاحِدَة وَمَشَتْ تَتَحَامَل عَلَى نَفْسهَا حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى غُرْفَتهَا وَهُنَالِكَ اِنْفَجَرَتْ بَاكِيَة وَقَالَتْ واسوأتاه إِنَّهُ يُعْطِنِي ثَمَن عَرَضِيّ وَسَقَطَتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا فَلَمْ تستفق حَتَّى أَظَلَّهَا اَللَّيْل فَفَتَحَتْ عَيْنَيْهَا فَإِذَا اِبْنَتهَا تَبْكِي بَيْن ذِرَاعَيْ اَلْخَادِمَة وَإِذَا اَلْخَادِمَة تَبْكِي لِبُكَائِهَا فَضَمَّتْهَا إِلَى صَدْرهَا سَاعَة ثُمَّ قَامَتْ إِلَى غُرْفَة مَلَابِسهَا وَأَخَذَتْ تُفَتِّش عَنْ أَثْوَابهَا القورية اَلَّتِي دَخَلَتْ بِهَا هَذَا اَلْقَصْر مُنْذُ ثَلَاثَة أَعْوَام وَكَانَتْ تُخْفِيهَا عَنْ أَعْيُن اَلنَّاس حَيَاء وَخَجَلًا فَخَلَعَتْ أَثْوَابهَا وَلَبِسَتْهَا وَلَمْ تُبْقَ فِي مِعْصَمَيْهَا وَلَا فِي جِيدهَا لُؤْلُؤَة وَلَا مَاسَة إِلَّا أَلْقَتْ بِهَا تَحْت قَدَمَيْهَا وَاحْتَمَلَتْ طِفْلَتهَا وَخَرَجَتْ تَحْت سِتَار اَللَّيْل تَتَرَنَّح فِي مِشْيَتهَا كَأَنَّمَا تَمَشَّى عَلَى رملة ميثاء.
وَمَا جَاوَزَتْ عِنَبَة اَلْبَاب وَوَصَلَتْ إِلَى اَلْمَوْضِع اَلَّذِي كَانَتْ وَاقِفَة فِيهِ فِي حَمْلهَا هِيَ وَابْنَتهَا مُنْذُ سَاعَات تَنْظُر خَطِيبهَا حَتَّى لَمَّحَتْ عَلَى اَلْبُعْد مَرْكَبَة فَخْمَة مُقْبِلَة عَلَى اَلْقَصْر تَحْمِل المركيز وَاِمْرَأَة بِجَانِبِهِ فَأَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا وَتَسَلَّلَتْ تَحْت جِدَار اَلْقَصْر وَمَضَتْ فِي سَبِيلهَا.
стр. 89
لَا يَعْلَم إِلَّا اَللَّه مَا كَانَتْ تَحْمِل هَذِهِ اَلْفَتَاة اَلْمِسْكِينَة بَيْن جَنْبَيْهَا فِي تِلْكَ اَلسَّاعَة مِنْ هُمُوم وَأَحْزَان فَقَدْ خَرَجَتْ مَطْرُودَة مِنْ اَلْقَصْر اَلَّتِي كَانَتْ تَظُنّ مُنْذُ سَاعَات أَنَّهَا صَاحِبَته وَتَوَلَّى طَرْدهَا مَنْ كَانَتْ تَزْعُم فِي نَفْسهَا أَنَّهَا أَحَبّ اَلنَّاس إِلَيْهِ وَآثَرَهُمْ عِنْده وَاسْتَحَالَتْ فِي سَاعَة وَاحِدَة مِنْ فَتَاة شَرِيفَة ذَات خَطِيب شَرِيف إِلَى اِمْرَأَة عَاهِرَة ذَات وَلَد مُرِيب وَأَصْبَحَ مُسْتَحِيلًا عَلَيْهَا أَنْ تَعُود إِلَى بَيْتهَا اَلْقَدِيم بِعَارِهَا فَتَرَى وَجْه ذينك اَلشَّخْصَيْنِ اَللَّذَيْنِ أَحْسَنَا إِلَيْهَا كَثِيرًا وَأَحَبَّاهَا حُبًّا جَمًّا فَأَسَاءَتْ إِلَيْهِمَا وَغَدَرَتْ بِهِمَا فَقَدْ سَدَّتْ دُونهَا اَلسُّبُل وَأَظْلَم مَا بَيْنهَا وَبَيْن اَلْعَالَم بِأَجْمَعِهِ فَمَا مِنْ رَحْمَة لَهَا فِي اَلْأَرْض وَلَا فِي اَلسَّمَاء.
ذَلِكَ مَا كَانَتْ تُحَدِّث نَفْسهَا بِهِ وَهِيَ سَائِرَة تَحْت سُوَار اَلْقَصْر سَيْر الذاهل اَلْمَشْدُوه وَلَا تَعَرُّف لَهَا مُذَهَّبًا وَلَا مُضْطَرِبًا حَتَّى رَأَتْ رَأْس اِبْنَتهَا يَمِيل بِهِ الكرى فَمَشَتْ إِلَى رَبْوَة عَالِيَة عَلَى ضَفَّة اَلنَّهْر اَلْجَارِي عَلَى مَقْرُبَة مِنْ اَلْقَصْر فأضجعتها فَوْق عُشْبهَا وَأَسْبَلَتْ عَلَيْهَا رِدَاءَهَا وَجَلَسَتْ بِجَانِبِهَا تُفَكِّر فِي مَصِيرهَا.
فَإِنَّهَا اَلْجَالِسَة مَجْلِسهَا وَهَذَا وَقَدْ سَكَنَ اَللَّيْل وَسَكَن كُلّ شَيْء فِيهِ إِلَّا ضَوْء اَلْقَمَر اَلْمُنْبَعِث فِي أَجْوَاز اَلْفَضَاء وَنَسَمَات اَلْهَوَاء اَلْمُتَرَقْرِقَة عَلَى صَفَحَات اَلْمَاء إِذْ شَعَرَتْ كَأَنَّهَا تَسْمَع بِالْقُرْبِ مِنْهَا هُتَافًا يَهْتِف بِاسْمِهَا مُمْتَدّ بَيْن صَخْرَتَيْنِ عَلَى ضَفَّة اَلنَّهْر كَأَنَّهُ إِنْسَان نَائِم فَارْتَاعَتْ وَفَزِعَتْ ثُمَّ سَمِعَتْ اَلصَّوْت يَتَكَرَّر بِنَغْمَة وَاحِدَة فَأَهَمّهَا اَلْأَمْر وَنَهَضَتْ مِنْ مَكَانهَا وَأَخَذَتْ تَدْنُو مِنْ اَلشَّيْخ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتَّى دَانَته فَإِذَا هُوَ إِنْسَان فِي زِيّ اَلْمَسَاكِين مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْره شَاخِص بِبَصَرِهِ إِلَى جِدَار اَلْقَصْر فَذَهَبَتْ بِنَظَرِهَا فَإِذَا عَيَّنَهُ
стр. 90
عَالِقَة بِنَافِذَة غُرْفَتهَا اَلَّتِي كَانَتْ تَجْلِس إِلَيْهَا كُلّ لَيْلَة فَعَجِبَتْ لِذَلِكَ كُلّ اَلْعَجَب وَخَفَقَ قَلْبهَا خَفْقًا مُتَدَارِكًا وَرَأَتْهُ يَضُمّ إِلَى صَدْره هنة بَيْضَاء أَشْبَه بِالرُّقْعَةِ ضَمًّا شَدِيدًا فَأَكْبِت عَلَيْهِ لِتَتَبَيَّنهُ وَتَرَى مَا يَضُمّ إِلَى صَدْره فَإِذَا اَلرُّقْعَة رَسَمَهَا وَإِذَا هُوَ جلبرت يَجُود بِنَفْسِهِ وَيُرَدِّد بِصَوْت خَافِت مُتَغَلْغِل كَأَنَّهُ أَصْوَات اَلْمُعَذَّبِينَ فِي أَعْمَاق اَلْقُبُور الوادع يَا سُوزَان اَلْوَدَاع يَا سُوزَان فَفَهِمَتْ كُلّ شَيْء فَصَرَخَتْ صَرْخَة عُظْمَى دَوَّى بِهَا اَلْفَضَاء وَقَالَتْ:
آه لَقَدْ قَتَلَتْك يَا اِبْن عَمِّي ثُمَّ سَقَطَتْ عَلَى يَده تَقْبَلهَا وَتُبَلِّلهَا بِدُمُوعِهَا وَتَقُول هَا أنذا يَا جلبرت جَاثِيَة تَحْت قَدَمَيْك فَارْحَمْنِي وَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَدْ أَصْبَحَتْ اِمْرَأَة بَائِسَة شَقِيَّة لَيْسَ عَلَى وَجْه اَلْأَرْض مَنْ هُوَ أَحَقّ بِالرَّحْمَةِ مِنِّي وَكَأَنَّمَا أَحَسَّ بِنَغْمَة صَوْتهَا فَارْتَعَدَ قَلِيلًا ثُمَّ مَالَ بِنَظَرِهِ نَحْوهَا حَتَّى رَآهَا فَسَقَطَتْ مِنْ جَفْنه دَمْعَة حَارَّة عَلَى يَدهَا كَانَتْ آخِر عَهْده بِالْحَيَاةِ وَقَضَى.
وَلِمَا دَنَا مِنِّي اَلسِّيَاق تَعَرَّضَتْ
إِلَى وَدُونِي مِنْ تَعَرُّضهَا شَغَلَ
أَتَتْ وَحِيَاض اَلْمَوْت بَيْنِي وَبَيْنهَا
وَجَادَتْ بِوَصْل حِين لَا يَنْفَع اَلْوَصْل
جَثَتْ سُوزَان بِجَانِب جُثَّة جلبرت سَاعَة قَضَتْ فِيهَا مَا يَجِب عَلَيْهَا لِابْن عَمّهَا وَخَطِيبهَا وعشيرها اَلَّذِي أُحِبّهَا حُبًّا لَمْ يُحِبّهُ أَحَد مِنْ قَبْله أَحَدًا حَتَّى مَاتَ حَسْرَة عَلَيْهَا ثُمَّ استفاقت فَذَكَرَتْ اِبْنَتهَا وَأَنَّهَا تَرَكَتْهَا عَلَى تِلْكَ اَلرَّبْوَة نَائِمَة وَحْدهَا فَعَادَتْ إِلَيْهَا مُسْرِعَة
стр. 91
وَقَدْ قَرَّرَتْ فِي نَفْسهَا أَمْرًا. .
لَا أَعْرِف أَحَدًا مِنْ اَلنَّاس أُوصِيه بِك يَا بُنِيَ لِأَنَّ أَبَاك بِالْإِغْوَاءِ وَلِأَنَّ اَلرَّجُل اَلْوَحِيد اَلَّذِي كَانَ يُحِبّنِي فِي هَذَا اَلْعَالِم ذَهَب لِسَبِيلِهِ وَلَكِنِّي أَعْلَم أَنَّ لِهَذَا اَلْكَوْن إِلَهًا رَحِيمًا يَعْلَم دَخَائِل اَلْقُلُوب وَسَرَائِر اَلنُّفُوس وَيَرَى لَوْعَة اَلْحُزْن فِي أَفْئِدَة اَلْمَحْزُونِينَ ولاعج اَلشَّقَاء بَيْن جَوَانِح اَلْأَشْقِيَاء فَأَنَا أَكِلّ أَمْرك إِلَيْهِ وَأَتْرُكك بَيْن يَدَيْهِ فَهُوَ أَرْحَم بِك مِنْ جَمِيع اَلرُّحَمَاء لَا أَسْتَطِيع أَنْ أَعِيش لَك يَا بُنِّيَّتِي فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ اَلنَّاس لَا يُغْتَفَر لِي اَلذَّنْب اَلَّذِي أذنبته حَتَّى اَلَّذِي أَغْرَانِي بِهِ وَشَارَكَنِي فِيهِ فَأَنَا ذَاهِبَة إِلَى ذَلِكَ اَلْعَالَم اَلْعُلْوِيّ اَلْمَمْلُوء عَدْلًا وَرَحْمَة لَعَلِّي أَجِد فِيهِ مَنْ يَغْفِر لِي ذَنْبِي إِنْ كُنْت بَرِيئَة وَيَرْحَمنِي إِنْ كُنْت مُذْنِبَة.
لَا أُحِبّ ان تَكُون حَيَاتِي يَا بِنْيَة شُؤْمًا عَلَى حَيَاتك وَلَا أَنْ يَأْخُذك اَلنَّاس بِذَنْبِي كُلَّمَا رَأَوْك بِجَانِبِي فَأَنَا اتركك وَحْدك فِي هَذَا اَلْمَكَان لَعَلَّ رَاحِمًا مِنْ اَلنَّاس يَمُرّ بِك فَيَعْطِف عَلَيْك وَيَضُمّك إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَم شَيْئًا مِنْ أَمْرك فَتَعِيشِينَ فِي بَيْته سَعِيدَة هَانِئَة لَا تَعْرِفِينَ أَبَاك فَيُخْجِلك مَرْآهُ وَلَا أُمّك فَتُؤْلِمك ذِكْرَاهَا.
اَللَّهُمَّ إِنْ كُنْت تَعْلَم أَنَّ هَذِهِ اَلطِّفْلَة ضَعِيفَة عَاجِزَة تَحْتَاج إِلَى مَنْ يَرْحَمهَا وَيَكْفُل أَمْرهَا وَأَنَّنِي قَدْ أَصْبَحَتْ عَاجِزَة عَنْ اَلْبَقَاء بِجَانِبِهَا أَرْعَاهَا وَأَحْنُو عَلَيْهَا وَأَنَّهَا بَرِيئَة طَاهِرَة لَا يَد لَهَا فِي اَلَّذِي أذنبه أَبُوهَا فَارْحَمْهَا وَأَسْبَلَ عَلَيْهَا سِتْر مَعْرُوفك وَإِحْسَانك وهيء لَهَا صَدْرًا حَنُونًا وَمَهْدَا لَيِّنَا وَعَيْشًا رغيدا.
ثُمَّ بَدَأَتْ تَسُرّ ثِيَابهَا عَنْ جِسْمهَا وَتُغَطِّي بِهَا جِسْم اِبْنَتهَا وِقَايَة
стр. 92
لَهَا مِنْ بَرْد اَللَّيْل حَتَّى لَمْ يُبْقَ عَلَى جَسَدهَا إِلَّا قَمِيص وَاحِد تَرِكَته لِيَكُونَ سَتْرًا لِعَوْرَتِهَا عِنْد اِنْتِشَال جُثَّتهَا ثُمَّ حَنَّتْ عَلَى اَلطِّفْلَة بِرِفْق فَلَثَمَتْهَا فِي جَبِينهَا لثمة أَوْدَعَتْهَا كُلّ مَا فِي صَدْرهَا مِنْ حُبّ وَرَحْمَة وَرِفْق وَحَنَان ثُمَّ هَتَفَتْ قَائِلَة اَلْوَدَاع يَا مَارِي سَنُلْقِي عَمَّا قَلِيل يَا جلبرت اَلْمَغْفِرَة يَا كَاتْرِين وَأَلْقَتْ بِنَفْسِهَا فِي اَلْمَاء.
قُضِيَ المركيز اَللَّيْلَة اَلْأُولَى مِنْ لَيَالِي شَهْر اَلْعَسَل مَعَ عَرُوسه فِي شُرْفَة اَلْقَصْر يُسَمِّرَانِ وَيَتَنَاجَيَانِ وَيَذْهَبَانِ بِنَظَرِهِمَا حَيْثُ تَذْهَب خَضِرَة اَلْأَرْض وَتَمْتَدّ زُرْقَة اَلسَّمَاء وَتَطْرُد مِيَاه اَلنَّهْر وَيَتَقَلَّبَانِ بَيْن سَعَادَة حَاضِرَة وَأُخْرَى مَرْجُوَّة وَيَرْشُفَانِ مِنْ كُلّ كَأْس مِنْ تِلْكَ اَلْكُؤُوس رَشْفَة تُكْثِرَا بِمَا عِنْدهمَا مِنْهَا حَتَّى ثَمِلَا وَاسْتَغْرَقَا وَأَصْبَحَا لَا يَشْعُرَانِ بِشَيْء مِمَّا حَوْلهمَا فَلَمْ يستفيقا حَتَّى سَمِعَا دَوِيّ اَلرِّيح فِي أَبْرَاج اَلْقَصْر وَفِي ذوائب اَلْأَشْجَار فَعَلِمَا أَنَّهَا اَلزَّوْبَعَة فَنَهَضَا مِنْ مَكَانهَا لِيَذْهَبَا إِلَى مَضْجَعهَا.
فَإِنَّهُمَا لواقفان مَوْقِفهمَا هَذَا إِذْ لَمَّحَتْ المركيزة فِي وَجْه المركيز دَهْشَة وَاضْطِرَابًا وَرَأَتْهُ يَلْتَفِت اِلْتِفَاتًا شَدِيدًا كَأَنَّمَا يَتَسَمَّع لِصَوْت غَرِيب فَسَأَلَتْهُ مَا بَاله فَلَمْ يُجِبْهَا وَأَطَلَّ مِنْ اَلشُّرْفَة عَلَى اَلنَّهْر فَرَأَى كَمَا رَأَتْ هِيَ عَلَى نُور اَلْقَمَر طِفْلَة وَاقِفَة عَلَى اَلضَّفَّة تَصِيح وَتُعَوِّل وَتُشِير بِيَدِهَا نَحْو اَلْمَاء وَتَقُول أُمَّاه أُمَّاه فَنَظَرَا حَيْثُ تُشِير فَإِذَا اِمْرَأَة عَارِيَة إِلَّا قَلِيلًا تَتَخَبَّط فِي لجج اَلْمَاء تَخَبُّط اَلْغَرْقَى فَتَرَكَ المركيز مَكَانه وَنَزَلَ يَعْدُو إِلَى اَلنَّهْر وَهُوَ يَقُول والهفتاه إِنْ كَانَتْ هِيَ وَصَاحَ بِخَدَمِهِ أَنْ يَتْبَعُوهُ فَفَعَلُوا حَتَّى بَلَغَ مَوْقِف اَلطِّفْلَة فَعَرَفَ أَنَّهَا اِبْنَته وَأَنَّ اَلْغَرِيقَة سُوزَان فَأَظْلَمَ اَلْفَضَاء فِي عَيْنَيْهِ وَأَشَارَ إِلَى أَحَد خَدَمه أَنْ
يُعَوِّد بِالطِّفْلَةِ إِلَى اَلْقَصْر وَأَمْر
стр. 93
اَلْبَاقِينَ أَنْ يَسْبَحُوا وَرَاء اَلْغَرِيقَة ثُمَّ سَقَطَ فِي مَكَانه وَاهِنًا مُتَهَالِكًا وَكَانَ قَدْ اِجْتَمَعَ عَلَى اَلضَّفَّة خَلْق كَثِير مِنْ اَلْفَلَّاحِينَ رِجَالًا وَنِسَاء فَسُبَح بَعْضهمْ وَرَاء اَلسَّابِحِينَ وَوَقَفَ اَلْبَاقُونَ حَوْل المركيز يَنْتَظِرُونَ رَحْمَة اَللَّه وَإِحْسَانه.
اِنْتَشَرَ اَلسَّابِحُونَ فِي كُلّ مَكَان وَمَشَتْ وَرَاءَهُمْ عُيُون اَلنَّاظِرَيْنِ وَقُلُوبهمْ فَقَامَتْ بَيْنهمْ وَبَيْن اَلْأَمْوَاج اَلْمُتَلَاطِمَة مَعْرَكَة هَائِلَة كَانُوا يَظْفَرُونَ فِيهَا مَرَّة وَيَتَرَاجَعُونَ أُخْرَى وَكَادُوا إِذَا لَاحَ لَهُمْ عَلَى اَلْبُعْد قَمِيص اَلْغَرِيقَة أَوْ شَعْرهَا عَظُمَ عِنْدهمْ اَلْأَمَل فَانْدَفَعُوا وَرَاءَهَا مُسْتَبْسِلِينَ مُسْتَلْقِينَ يغالبون جِبَال اَلْأَمْوَاج اَلْمُعْتَرِضَة فِي طَرِيقهمْ حَتَّى إِذَا دُنُوّ مِنْ اَلْمَكَان اَلَّذِي لَمَحُوهَا فِيهِ لَا يَجِدُونَ أَمَامهمْ شَيْئًا ثُمَّ لَا يَلْبَث اَلْمَوْج أَنْ بَكَّرَ عَلَيْهِمْ فَيَدْفَعهُمْ إِلَى اَلشَّفَة كَمَا كَانُوا.
وَمَا زَالَتْ اَلْفَتَرَات بَيْن ظُهُور اَلْغَرِيقَة وَاخْتِفَائِهَا تَتَّسِع شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى غَابَتْ عَنْ اَلْأَعْيُن وَلَمْ تَظْهَر فَهَبَطَ اَلسَّابِحُونَ وَرَاءَهَا وَلَبِثُوا سَاعَة يَرْسُبُونَ وَيَطْفُونَ ثُمَّ ظَهَرُوا عَلَى وَجْه اَلْمَاء يَحْمِلُونَهَا عَلَى أَيْدِيهمْ وَلَا يَعْلَم اَلنَّاس أحية أَمْ مَيِّتَة وَمَا زَالُوا يَسْبَحُونَ بِهَا وَأَصْوَات اَلدُّعَاء لَهَا وَالْبُكَاء عَلَيْهَا تَرِنّ فِي اَلضَّفَّتَيْنِ فَتَرَدَّدَ رَنِينهَا آفَاق اَلسَّمَاء حَتَّى وَصَلُوا بِهَا إِلَى اَلضَّفَّة فَأَلْقَوْهَا عَلَى اَلْأَرْض فَإِذَا هِيَ مَيِّتَة. وَمَا هِيَ إِلَّا سَاعَة أَوْ بَعْض سَاعَة حَتَّى كَانَتْ اَلضَّفَّة مَأْتَمًا قَائِمًا يَبْكِي فِيهِ اَلنِّسَاء عَلَى اَلشَّهِيدَة وَالرِّجَال عَلَى اَلشَّهِيد.
لَمْ يَنْتَفِع المركيز بِنَفْسِهِ بَعْد هَذَا اَلْيَوْم كَمَا لَمْ يَنْتَفِع جلبرت بِنَفْسِهِ مِنْ قَبْل فَقْد مَرِضَتْ اِبْنَته أَثَر تِلْكَ اَلْحَادِثَة مَرَضًا شَدِيدًا
стр. 94
فَلَمْ تَلْبَث أَنْ لَحِقَتْ بَعْد ثَلَاث لَيَالٍ وَاسْتَحَالَ اَلْحُبّ اَلَّذِي كَانَتْ تُضْمِرهُ لَهُ زَوْجَته إِلَى بَعْض وَاحْتِقَار فَهَجَرَتْهُ وَسَافَرَتْ إِلَى نيس وَلَزِمَهُ خَيَال ذَلِكَ اَلْمَنْظَر اَلَّذِي رَآهُ مِنْ شُرْفَة اَلْقَصْر لَيْلَة اَلْغَرَق لَا يُفَارِقهُ لَيْله وَنَهَاره فَكَانَ كُلَّمَا مَشَى فِي طَرِيق تَوَهُّم أَنَّ أَمَامه نَهْرًا هَائِجًا تَتَخَبَّط سُوزَان فِي لجته وَتَصِيح مَارِي عَلَى ضَفَّته فَيَصْرُخ قَائِلًا لَبَّيْكَ يَا سُوزَان وَيَنْدَفِع إِلَى اَلْأَمَام كَأَنَّمَا يُرِيد أَنْ يُلْقِي بِنَفْسِهِ فِي اَلنَّهْر اَلَّذِي تَوَهَّمَهُ لِيُنْجِيَ اَلْغَرِيقَة اَلَّتِي تُخَيِّلهَا فَيَنْأَى عَنْهُ اَلْمُنَظِّر كُلَّمَا دَنَا مِنْهُ حَتَّى يَنَال مِنْهُ اَلتَّعَب فَيُسْقِط حَسِيرًا طَرِيحًا وَكَانَ يَهِيم عَلَى وَجْه أَحْيَانًا حَتَّى يَصِل إِلَى ضَاحِيَة قِرْبَة لِينِي فَيَرَى اِمْرَأَة عَجُوز مكبة عَلَى قَبْر بَيْن يَدَيْهَا تُبْكِي وتنحب فَيَعْلَم أَنَّهَا كَاتْرِين وَأَنَّ اَلْقَبْر قَبْر قَتْلَاهُ فَيَتَرَاجَع خَائِفًا مَذْعُورًا وَيَصْرُخ قَائِلًا اَلرَّحْمَة اَلرَّحْمَة اَلْعَفْو اَلْعَفْو وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَرَاهُ نِسَاء اَلْفَلَّاحِينَ سَاقِطًا فِي بَعْض اَلْأَمَاكِن اَلَّتِي كُنَّ يَرَيْنَ فِيهَا جلبرت فَيَقُلْنَ لَقَدْ اُنْتُقِمَ اَللَّه لِلشَّهِيدِ اَلْمِسْكِين وَالشَّهِيدَة اَلْمَظْلُومَة وَكَانَ مَنْظَر اَلْمَاء يُهَيِّجهُ أَكْثَر مِنْ كُلّ مَنْظَر سِوَاهُ فَإِذَا رَآهُ اثار وَاضْطَرَبَ وَتَهَافَتَ عَلَيْهِ يُرِيد اِقْتِحَامه لَوْلَا أَنْ يَتَدَارَكهُ مَنْ يَرَاهُ مِنْ اَلْمَارَّة.
وَلَمْ يَزَلْ هَذَا شَأْنه حَتَّى رَأَى اَلنَّاس جُثَّته فِي صَبَاح يَوْم مِنْ اَلْأَيَّام طَافِيَة عَلَى وَجْه اَلنَّهْر فِي اَلْمَكَان اَلَّذِي غَرِقَتْ فِيهِ سُوزَان فَعَلِمُوا أَنَّهَا نِهَايَة اَلْجَزَاء.
مَرَّتْ عَلَى هَذِهِ اَلْحَادِثَة أَعْوَام طِوَال وَلَا يَزَال عَجَائِز قِرْبَة لِينِي وَالْقِرْد اَلْمُحِيطَة بِهَا يحفظنها حَتَّى اَلْيَوْم وَيَبْكِينَ كُلَّمَا ذكرنها ويروينها لِبَنَاتِهِنَّ وَحَفِيدَاتهنَّ عِبْرَة يَعْتَبِرْنَ بِهَا كُلَّمَا طَافَ بِهِنَّ مِنْ شُرُور اَلرِّجَال.
стр. 95
اَلْعِقَاب
" مَوْضُوعَة "
رَأَيْت فِيمَا يَرَى اَلنَّائِم فِي لَيْلَة مِنْ لَيَالِي اَلصَّيْف اَلْمَاضِي كَأَنِّي هَبَطْت مَدَنِيَّة كُبْرَى لَا عِلْم لِي بِاسْمِهَا وَلَا بِمَوْقِعِهَا مِنْ اَلْبِلَاد وَلَا بِالْعَصْرِ اَلَّذِي يَعِيش أَهْلهَا فِيهِ فَمَشَيْت فِي طُرُقهَا بِضْع سَاعَات فَرَأَيْت أَجْنَاسًا مِنْ اَلْبَشَر لَا عِدَاد لَهُمْ يَنْطِقُونَ بِأَنْوَاع مِنْ اَللُّغَات لَا حَصْر لَهَا فَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّ اَلدُّنْيَا قَدْ اِسْتَحَالَتْ إِلَى مَدَنِيَّة وَأَنَّ اَلَّذِي أَرَاهُ بَيْن يَدِي إِنَّمَا هُوَ اَلْعَالِم بِأَجْمَعِهِ مِنْ أَدْنَاهُ إِلَى أَقْصَاهُ فَلَمْ أَزَلْ أَتَنَقَّل مِنْ مَكَان إِلَى مَكَان وَأُدَاوِل بَيْن اَلْحَرَكَة وَالسُّكُون حَتَّى اِنْتَهَى بِي اَلْمُسَيَّر إِلَى بِنْيَة عَظِيمَة لَمْ أَرَ بَيْن اَلنَّبِيّ أَعْظَم مِنْهَا شَأْنًا وَلَا أُهَوِّل مَنْظَرًا وَقَدْ اِزْدَحَمَ عَلَى بَابهَا خَلْق كَثِير مِنْ اَلنَّاس وَمَشَى فِي أَفْنَيْتهَا وأبهائها طَوَائِف مِنْ اَلْجُنْد يُخْطِرُونَ بِسُيُوفِهِمْ وحمائلهم جِيئَة وذهوبا فَسَأَلَتْ بَعْض اَلْوَاقِفِينَ مَا هَذِهِ اَلْبِنْيَة وَمَا هَذَا اَلْجَمْع اَلْمُحْتَشِد عَلَى بَابهَا فَعَلِمَتْ أَنَّهَا قَصْر اَلْأَمِير وَأَنْ اَلْيَوْم يَوْم اَلْقَضَاء بَيْن اَلنَّاس وَالْفَصْل فِي خُصُومَاتهمْ وَمَا هِيَ إِلَّا سَاعَة حَتَّى نَادَى مُنَادٍ فِي اَلنَّاس أَنَّ قَدْ اِجْتَمَعَ مَجْلِس اَلْقَضَاء فَاشْهَدُوهُ فَدَخْل اَلنَّاس وَدَخَلَتْ عَلَى أَثَرهمْ وَجَلَسَتْ حَيْثُ اِنْتَهَى بِي اَلْمَجْلِس فَرَأَيْت جَالِسًا عَلَى كُرْسِيّ مِنْ اَلذَّهَب يَتَلَأْلَأ فِي وَسَط اَلْفَنَاء تَلَأْلُؤ اَلشَّمْس فد دَارَتْهَا وَقَدْ جَلَسَ عَلَى يَمِينه
стр. 96
رَجُل يَلْبَس مُسُوحًا وَعَلَى يَسَاره آخَر يَلْبَس طيلسانا فَسَأَلَتْ عَنْهُمَا فَعَرَفَتْ أَنَّ اَلَّذِي عَلَى يَمِينه كَاهِن اَلدَّيْر وَأَنَّ اَلَّذِي عَلَى يَسَاره قَاضِي اَلْمَدِينَة وَرَايَته يَنْظُر فِي وَرَقَة بَيْضَاء بَيْن يَدَيْهِ فأكب عَلَيْهَا سَاعَة ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه وَقَالَ لِيُؤْتَ بِالْمُجْرِمِينَ فَفَتَحَ بَاب اَلسِّجْن وَكَانَ عَلَى يَسَار اَلْفِنَاء فَتَكْشِف عَنْ مِثْل خَلْق اَللَّيْث مَنْظَرًا وَزَئِيرًا وَخَرَجَ مِنْهُ اَلْأَعْوَان يَقْتَادُونَ شَيْخًا هَرِمًا تَكَاد تُسَلَّمهُ قَوَائِمه ضَعْفًا وَوَهْنًا فَسَأَلَ اَلْأَمِير مَا جَرِيمَته فَقَالَ اَلْكَاهِن إِنَّهُ لِصّ دَخْل اَلدَّيْر فَسَرَقَ مِنْهُ غرارة مِنْ غرائر اَلدَّقِيق اَلْمَحْبُوسَة عَلَى اَلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين فَضَجَّ اَلنَّاس ضَجِيجًا عَالِيًا وَصَاحُوا وَيْل لِلْمُجْرِمِ اَلْأَثِيم أَيُسْرَقُ مَال اَللَّه فِي بَيْت اَللَّه ? ثُمَّ نُودِيَ بِالشُّهُودِ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رُهْبَان اَلدِّين فتسار اَلْأَمِير مَعَ اَلْكَاهِن هُنَيْهَة ثُمَّ صَاحَ يقاد اَلْمُجْرِم إِلَى سَاحَة اَلْمَوْت فَتَقْطَع يُمْنَاهُ ثُمَّ يَسَّرَاهُ ثُمَّ بَقِيَّة أَطْرَافه ثُمَّ يَقْطَع رَأْسه وَيَقْطَع طَعَامًا لِلطَّيْرِ اَلْغَادِي وَالْوَحْش الساغب فَجَثَا اَلشَّيْخ بَيْن يَدَيْ اَلْأَمِير وَمَدَّ إِلَيْهِ يَده اَلضَّعِيفَة اَلْمُرْتَعِشَة يُحَاوِل أَنْ يَسْتَرْحِمهُ فَضَرْب اَلْأَعْوَان عَلَى فَمه وَاحْتَمَلُوهُ إِلَى مَحْبِسه ثُمَّ عَادُوا وَبَيْن أَيْدِيهمْ فَتَى فِي اَلثَّامِنَة عَشْرَة مِنْ عُمْره أَصْفَر نَحِيل يَضْطَرِب بَيْن أَيْدِيهمْ خَوْفًا وَفَرْقًا حَتَّى وَقَفُوا بِهِ بَيْن يَدَيْ اَلْأَمِير فَسَأَلَ مَا جَرِيمَته فَقَالَ إِنَّهُ قَاتِل ذَهَب أَحَد قُوَّاد اَلْأَمِير إِلَى قَرْيَته لِجَمْع اَلضَّرَائِب فَطَالَبَهُ بِأَدَاء مَا عَلَيْهِ مِنْ اَلْمَال فَأَبِي وتوقح فِي إِبَائِهِ فَانْتَهَزَهُ اَلْقَائِد فَاحْتَدَمَ غَيْظًا وَجَرَّدَ سَيْفه مِنْ غِمْده وَضَرْبه بِهِ ضَرْبَة ذَهَبَتْ بِحَيَاتِهِ فَصَاحَ اَلنَّاس يَا لِلْفَظَاعَةِ وَالْهَوْل إِنَّ مَنْ يَقْتُل نَائِب اَلْأَمِير فَكَأَنَّمَا قَتْل اَلْأَمِير نَفْسه ثُمَّ جىء بِأَعْوَان اَلْقَائِد اَلْمَقْتُول فَأَدَّوْا شَهَادَتهمْ.
стр. 97
فَأَطْرَقَ اَلْأَمِير لَحْظَة ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه وَقَالَ يقاد اَلْمُجْرِم إِلَى سَاحَة اَلْمَوْت فَيُصْلَب عَلَى أَعْوَاد شَجَرَة ثُمَّ تَفَصَّدَ عُرُوقه كُلّهَا حَتَّى لَا يَبْقَى فِي جِسْمه قَطْرَة وَاحِدَة مِنْ اَلدَّم فَصَرَخَ اَلْغُلَام صَرْخَة حَال اَلْأَعْوَان بَيْنه وَبَيْن إِتْمَامهَا وَاحْتَمَلُوهُ إِلَى اَلسِّجْن وَمَا لَبِثُوا أَنْ عَادُوا بِفَتَاة جَمِيلَة كَأَنَّهَا اَلْكَوْكَب المشبوب حُسْنًا وَبَهَاء لَوْلَا سَحَابَة غَبْرَاء مِنْ اَلْحُزْن تتدجى فَوْق جَبِينهَا فَقَالَ اَلْأَمِير مَا جَرِيمَتهَا فَقَالَ اَلْقَاضِي إِنَّهَا اِمْرَأَة زَانِيَة دَخَلَ عَلَيْهَا رَجُل مِنْ أَهْلهَا فَوَجَدَهَا خَالِيَة بِفَتِيّ غَرِيب كَانَ يُحِبّهَا وَيَطْمَع فِي اَلزَّوَاج مِنْهَا قَبْل اَلْيَوْم فَهَاجَ اَلنَّاس واحتدموا وَهَتَفُوا اَلْقَتْل اَلْقَتْل اَلرَّجْم اَلرَّجْم!! إِنَّهَا اَلْجَرِيمَة اَلْعُظْمَى وَالْخِيَانَة اَلْكُبْرَى فَقَالَ اَلْأَمِير أَيْنَ شَاهَدَهَا ? فَدَخَلَ قَرِيبهَا اَلَّذِي كَشَفَ أَمْرهَا فَشَهِدَ عَلَيْهَا فَهَمْس اَلْقَاضِي فِي إِذَنْ اَلْأَمِير سَاعَة ثُمَّ قَالَ اَلْأَمِير تُؤْخَذ اَلْفَتَاة إِلَى سَاحَة اَلْمَوْت فَتَرْجَمَ عَارِيَة حت يَبْقَى عَلَى لَحْمهَا قِطْعَة جِلْد وَلَا عَلَى عَظْمهَا قِطْعَة لَحْم فَهَلَّلَ اَلنَّاس وَكَبَرُوا إِعْجَابًا بِعَدْل اَلْأَمِير وَحَزْمه وَإِكْبَارًا لِسَطْوَتِهِ وَقُوَّته وَهَتَفُوا لَهُ وَلِكَاهِنِهِ وَقَاضِيه بِالدُّعَاءِ ثُمَّ نَهَضَ فَنَهَضَ اَلنَّاس بِنُهُوضِهِ وَمَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ فَرَحَيْنِ مُغْتَبِطَيْنِ وَخَرَجَتْ عَلَى أَثَرهمْ حرينا مُكْتَئِبًا أُفَكِّر فِي هَذِهِ اَلْمُحَاكَمَة اَلْغَرِيبَة اَلَّتِي لَمْ يَسْمَع فِيهَا دِفَاع اَلْمُتَّهَمِينَ عَنْ أَنْفُسهمْ وَلَمْ يَشْهَد فِيهَا عَلَى اَلْمُتَّهَمِينَ غَيْر خُصُومهمْ وَلَمْ تَقْدِر فِيهَا اَلْعُقُوبَات عَلَى مِقْدَار اَلْجَرَائِم وَأَعْجَب لِلنَّاسِ فِي ضَعْفهمْ واستخذائهم أَمَام اَلْقُوَّة اَلْقَاهِرَة وَغُلُوّهُمْ فِي تَقْدِيسهَا وإعظامها وَإِغْرَاقهمْ فِي اَلثِّقَة بِهَا وَالنُّزُول عَلَى حُكْمهَا عَدْلًا كَانَ أَوْ ظُلْمًا رَحْمَة أَوْ قَسْوَة وَأُرَدِّد فِي نَفْسَيْ هَذِهِ اَلْكَلِمَات.
لَيْتَ شِعْرِي أَلَّا يُوجَد بَيْن هَذِهِ اَلْجَمَاهِير لِصّ أَوْ قَاتَلَ أَوْ زَانَ يَعْلَم عُذْرهمْ فَيَرْحَمهُمْ وَيَنْظُر إِلَى جَرَائِمهمْ بِالْعَيْنِ اَلَّتِي
стр. 98
يَنْظُر بِهَا إِلَى جَرِيمَته وَيَتَمَنَّى لَهُمْ مِنْ اَلرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة مَا يَتَمَنَّى لِنَفْسِهِ إِنْ قَدَّرَ لَهُ أَنْ يَقِف فِي مَوْقِفهمْ أَمَام قُضَاة مِثْل قُضَاتهمْ ? أَلَّا يَجُوز أَنْ تَكُون اَلزَّانِيَة غَيْر زَانِيَة وَالْقَاتِل إِنَّمَا قَتَلَ دِفَاعًا عَنْ عِرْضه أَوْ مَاله وَاللِّصّ إِنَّمَا سَرَقَ مَا يَسُدّ بِهِ جَوَّعَتْهُ أَوْ جوعة أَهْل بَيْته ? أَلَمْ يَرْتَكِب اَلْأَمِير جَرِيمَة اَلْقَتْل مَرَّة وَاحِدَة فِي حَيَاته فَيَرْحَم اَلْقَاتِلِينَ عِنْد اَلنَّظَر فِي جَرَائِمهمْ ? أَلَمْ يُسْقِط إِلَى يَد اَلْكَاهِن يَوْمًا مِنْ اَلْأَيَّام ينار مِنْ غَيْر حَلّه فَتَخِفّ لَوْعَة أَسَفه عَلَى الغرارة اَلْمَسْرُوقَة مِنْ دَيْره وَيُغْتَفَر هَذِهِ لِتِلْكَ ? أَلَمْ تَزَلْ قَدَم اَلْقَاضِي مَرَّة وَاحِدَة فِيمَا مَرَّ بِهِ أَيَّام حَيَاته فَتَهْدَأ ثَوْرَة غَضَبه عَلَى اَلسَّاقِطِينَ وَالسَّاقِطَات ? مَنْ هُمْ هَؤُلَاءِ اَلْجَالِسُونَ عَلَى هَذِهِ اَلْمَقَاعِد يَتَحَكَّمُونَ فِي أَرْوَاح اَلْعِبَاد وَأَمْوَالهمْ كَمَا يشاؤون وَيُقَسِّمُونَ اَلسُّعُود والنحوس بَيْن اَلْبَشَر كَمَا يُرِيدُونَ ? إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاء مَعْصُومِينَ وَلَا بِأَمْلَاك مُطَهَّرِينَ وَلَا يَحْمِلُونَ فِي أَيْدِيهمْ عَهْدًا مِنْ اَللَّه تَعَالَى بِالنَّظَرِ فِي أَمْر عِبَاده وَتَوْزِيع حُظُوظهمْ وَأَنْصِبَتهمْ بَيْنهمْ فَبِأَيّ حَقّ يَجْلِسُونَ هَذِهِ اَلْجِلْسَة عَلَى هَذِهِ اَلصُّورَة ? وَمِنْ أَيّ قُوَّة شَرْعِيَّة يَسْتَمِدُّونَ هَذِهِ اَلسُّلْطَة اَلَّتِي يَسْتَأْثِرُونَ بِهَا مِنْ دُون اَلنَّاس جَمِيعًا.
مَنْ هُوَ اَلْأَمِير أَلَيْسَ هُوَ اَلْمُسْتَبِدّ اَلْأَعْظَم فِي اَلْأُمَّة أَوْ سُلَالَة
стр. 99
اَلْمُسْتَبِدّ اَلْأَعْظَم فِيهَا اَلَّذِي اِسْتَطَاعَ بِقُوَّتِهِ وَقَهْره أَنْ يَتَّخِذ مِنْ أَعْنَاق اَلنَّاس وَكَوَاهِلهمْ سَلَّمَا يَصْعَد عَلَيْهَا إِلَى اَلْعَرْش اَلَّذِي يَجْلِس عَلَيْهِ ?
مَنْ هُوَ اَلْكَاهِن ? أَلَيْسَ هُوَ أَرْبَع اَلنَّاس وَأَمْهَرَهُمْ فِي اِسْتِغْلَال اَلنُّفُوس اَلضَّعِيفَة وَالْقُلُوب اَلْمَرِيضَة ?
مَنْ هُوَ اَلْقَاضِي أَلَيْسَ هُوَ أَقْدَر اَلنَّاس عَلَى إِلْبَاس اَلْحَقّ صُورَة اَلْبَاطِل وَالْبَاطِل صُورَة اَلْحَقّ ?
وَمَتَى كَانَ اَلْمُسْتَبِدُّونَ وَاللُّصُوص وَالظُّلْمَة أَخْيَارًا صَالِحَيْنِ طَاهِرَيْنِ.
عَجِيب جِدًّا أَنْ يَقْتُل اَلرَّجُل اَلرَّجُل لغضبة يُغْضِبهَا أَوْ شَرَفه فَيُسَمَّى مُجْرِمًا فَإِذَا قَتَلَ اَلْأَمِير اَلْقَاتِل سُمِّيَ عَادِلًا وَأَنْ يَسْرِق اَلسَّارِق اَللُّقْمَة يَقْتَات بِهَا أَوْ يقيت بِهَا عِيَاله فَيُسَمَّى لِصًّا فَإِذَا أَمَرَ اَلْقَاضِي بِقَطْع أَطْرَافه وَالتَّمْثِيل بِهِ سُمِّيَ حَازِمًا وَأَنْ تُسْقِط اَلْمَرْأَة سَقْطَة رُبَّمَا سَاقَتْهَا إِلَيْهَا خُدْعَة مِنْ خِدَاع اَلرِّجَال أَوْ نَزْعَة مِنْ نَزَعَات اَلشَّيْطَان فَيَسْتَنْكِر اَلنَّاس أَمْرهَا وَيَسْتَبْشِعُونَ مَنْظَرهَا فَإِذَا رَأَوْهَا مَشْدُودَة إِلَى بَعْض اَلْأَنْصَاب عَارِيَة تَتَسَاقَط عَلَيْهَا حِجَارَة مِنْ كُلّ صَوْب أَنِسُوا بِمَشْهَدِهَا وَأَعْجَبَهُمْ مَوْقِفهَا وَمَصِيرهَا.
كَمَا أَنَّ اَلنَّار لَا تُطْفِئ اَلنَّار وَشَارِب اَلسُّمّ لَا يُعَالِج بَشَر بِهِ مَرَّة أُخْرَى وَكَمَا أَنَّ مَقْطُوع اَلْيَد اَلْيُمْنَى لَا يُعَالِج بِقَطْع اَلْيَد اَلْيُسْرَى كَذَلِكَ لَا يُعَالَج اَلشَّرّ بِالشَّرِّ وَلَا يُمْحَى اَلشَّقَاء فِي هَذِهِ اَلدُّنْيَا بِالشَّقَاءِ. . .
وَلَمْ أَزَلْ أَحْدَث نَفْسِي بِمِثْل هَذَا اَلْحَدِيث حَتَّى أَقْبَلَ اَللَّيْل فَمَرَرْت بِسَاحَة مُظْلِمَة مُوحِشَة تَتَطَايَر فِي جَوّهَا أَسْرَاب مِنْ اَلطَّيْر غَادِيَة
стр. 100
رَائِحَة بِالْإِغْوَاءِ حَتَّى بَلَّغَتْ أَبْعَد بِقَاعِهَا فَرَأَيْت مَنْظَرًا هَائِلًا لَا يَزَال أَثَره عَالِقًا بِنَفْسِي حَتَّى اَلسَّاعَة.
رَأَيْت اَلشَّيْخ جُثَّة مُعَفَّرَة بِالتُّرَابِ لَا رَأْس لَهَا وَلَا أَطْرَاف ثُمَّ رَأَيْت رَأْسه وَأَطْرَافه مُبَعْثَرَة حَوَالَيْهِ مأنها نوادب يَنْدُبْنَهُ حَاسِرَات وَرَأَيْت اَلْفَتَى مَشْدُودًا إِلَى شَجَرَة فرعاء كَأَنَّهُ بَعْض أَغْصَانهَا وَقَدْ سَالَ جَمِيع مَا فِي عُرُوقه مِنْ اَلدَّم حَتَّى أَصْبَحَ شَبَحًا مَاثِلًا أَوْ خَيَالًا سَارِيًا وَرَأَيْت اَلْفَتَاة كُتْلَة حَمْرَاء مِنْ اَللَّحْم لَا يَسْتَبِين لَهَا رَأْس وَلَا قَدَم وَقَدْ أَحَاطَتْ بِهَا أَكْوَام مِنْ اَلْحِجَارَة اَلْمُخَضَّبَة بِدِمَائِهَا ثُمَّ رَأَيْت بِجَانِب هَذِهِ اَلْجُثَث اَلثَّلَاث حُفْرَة جَوْفَاء تفهق بِالدَّمِ فَعَلِمَتْ أَنَّهَا مَجْمَع دِمَاء هَؤُلَاءِ اَلْمَسَاكِين فَشَعَرَتْ كَأَنَّ سَحَابَة سَوْدَاء تَهْبِط عَلَى عَيْنِي قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى غَابَ عَنْ نَظَرَيْ كُلّ شَيْء فَسَقَطَتْ فِي مَكَانِي لَا أَشْعُر بِشَيْء مِمَّا حَوْلِي فَلَمْ أستفق حَتَّى مَضَتْ دَوْلَة مِنْ اَللَّيْل فَفَتَحَتْ عَيْنِي فَإِذَا شَبَح أَسْوَد يَدْنُو مِنَى رُوَيْدًا رُوَيْدًا فَارْتَعْت لِمَنْظَرِهِ وَفَزِعْت إِلَى سَاق اَلشَّجَرَة فَاخْتَبَأَتْ وَرَاءَهُ فَمَا زَالَ يَتَقَدَّم حَتَّى صَارَ بِجَانِبِي فَأُشْعِل مِصْبَاحًا صَغِيرًا كَانَ فِي يَده فَتُبَيِّنهُ عَلَى نُوره فَإِذَا عَجُوز شَمْطَاء فِي زِيّ اَلْمَسَاكِين وَسَحْنَتهمْ فَمَشَتْ تَتَصَفَّح وُجُوه اَلْقَتْلَى حَتَّى بَلَغَتْ مَصْرَع اَلشَّيْخ فَجَثَتْ بِجَانِبِهِ سَاعَة تُبْكِيه وَتَنْدُبهُ ثُمَّ مَشَتْ إِلَى رَأْسه وَأَشْرَافه فَجَمَعَتْهَا وَضَمَّتْهَا إِلَى جُثَّته ثُمَّ بِالْإِغْوَاءِ لَهُ حُفْرَة تَحْت سَاق اَلشَّجَرَة فَدَفَنَتْهُ فِيهَا وَقَامَتْ عَلَى قَبْره تُوَدِّعهُ وَتَقُول فِي سَبِيل اَللَّه مَا لَقِيَتْ فِي سَبِيلِي وَسَبِيل أَحْفَادك اَلْبُؤَسَاء أَيُّهَا اَلشَّهِيد اَلْمَظْلُوم وَفِي ذِمَّة اَللَّه وَكَفَنه رَوْح طَارَ عَنْ جَسَدك وَجَسَد ضَمّه قَبْرك فَقَدْ كُنْت خَيْر اَلنَّاس زَوْجًا وَأَبَا وَأَطْهَرهمْ لِسَانًا وَيَدًا وَأَشْرَفهمْ قَلْبًا وَنَفْسًا فَاذْهَبْ إِلَى رَبّك لِتُلْقِيَ جَزَاءَك عِنْده وَاطْلُبْ إِلَيْهِ اَلرَّحْمَة لِجَمِيع اَلنَّاس حَتَّى لِقَاتِلِيك وَظَالِمِيك وَاسْأَلْهُ أَنْ يُلْحِقنِي
стр. 101
بِك وَشِيكًا فَلَا شَيْء يُعَزِّينِي عَنْك بَعْد فِرَاقك إِلَّا اَلْأَمَل فِي لِقَائِك فَأَبْكَانِي بُكَاؤُهَا وَأَحْزَنَنِي مَنْظَرهَا وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا صَادِقَة فِيمَا تَقُول وَأَنَّ سِيخهَا شَهِيد مِنْ شُهَدَاء اَلْقَضَاء وَأَحْبَبْت أَنْ أَقِف عَلَى قِصَّتهَا وَقِصَّته فَبَرَزْت مِنْ مَخْبَئِي وَمَشَيْت إِلَيْهَا فَارْتَاعَتْ لِمَرْآيَ عِنْد اَلنَّظْرَة اَلْأُولَى ثُمَّ سَكَتَتْ كَأَنَّمَا ذَكَرَتْ أَنْ لَا قِيمَة لِمَصَائِب اَلْحَيَاة بَعْد مُصَابهَا اَلَّذِي نَزَلَ بِهَا فابتدرتها بِقَوْلِي لَا تُرَاعِي يَا سَيِّدَتِي فَإِنَّنِي رَجُل غَرِيب مِنْ هَذَا اَلْبَلَد لَا أَعْرِف مِنْ شَأْنه وَلَا مَنْ شَان أَهْله شَيْئًا وَقَدْ رَأَيْت اَلسَّاعَة مَوْقِفك عَلَى هَذَا اَلْقَبْر وَتُفْجِعك عَلَى سَاكِنه فَرَثَيْت لَك وَبَكَيْت لِبُكَائِك وَتَمَنَّيْت لَوْ أَفْضَيْت إِلَى بِذَات نَفْسك عَلَنِيّ استطيع أَنْ أَكُون لَك عَوْنًا عَلَى هَمّك فاستعبرت بَاكِيَة وَأَنْشَأَتْ تُحَدِّثنِي وَتَقُول:
إِنَّ زَوْجِي لَمْ يَكُنْ فِي يَوْم مِنْ أَيَّام حَيَاته لِصًّا وَلَا سَارِقًا بَلْ قُضِيَ أَيَّام شَبَابه وَكُهُولَته عَامِلًا مُجِدًّا لَا يَفْتُر سَاعَة وَاحِدَة عَنْ اَلسَّعْي فِي طَلَب رِزْقه وَرِزْق أَهْل بَيْته حَتَّى كَبَرَ وَلَده وَكَانَ وَاحِده فَاشْتَدَّ بِهِ سَاعَدَهُ وَاحْتَمَلَ عَنْهُ بَعْد مَا كَانَ يَسْتَقِلّ بِحَمْلِهِ مِنْ اَلْهَمّ وَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ نَعِمْنَا بِهِ وَبِمَعُونَتِهِ حِقْبَة مِنْ اَلدَّهْر حَتَّى نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَة اَلْمَوْت فَذَهَبَتْ بِحَيَاتِهِ أَحْوَج حا كُنَّا إِلَيْهِ وَخَلْف وَرَاءَهُ حمسة أَوْلَاد صِغَار لَا يَتَجَاوَز أَكْبَرهمْ اَلْعَاشِرَة مِنْ عُمْره وَكَانَتْ قَدْ أَدْرَكَتْ أَبَاهُ اَلشَّيْخُوخَة فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ هُمْ اَلْكِبَر وَهُمْ الثكل فَأَصْبَحَ عَاجِزًا عَنْ اَلْعَمَل لَا يَسْتَطِيعهُ إِلَّا فِي اَلْفَنِّيَّة بَعْد اَلْفَنِّيَّة وَأَصْبَحْنَا جَمِيعًا فِي حَالَة مِنْ اَلشَّقَاء وَالْبُؤْس لَا يَعْرِف مَكَانهَا مِنْ نُفُوسنَا إِلَّا مَنْ أَلَمَّ بِهِ فِي حَيَاته طَرَف مِنْهَا حَتَّى طَلَعَتْ عَلَيْنَا شَمْس يَوْم مِنْ اَلْأَيَّام وَلَيْسَ فِي يَدنَا مَا نَقُوم بِهِ أصلاب صِغَارنَا
стр. 102
وَلَا مَا نعللهم بِهِ تَعْلِيلًا فَأَسْقُط فِي يَدنَا وَعَلَمنَا أَنَا هَالِكُونَ جَمِيعًا إِنْ لَمْ يَتَدَارَكنَا اَللَّه بِرَحْمَة مِنْ عِنْده فَلَمْ أَرَ بُدًّا مِنْ أَنْ أَلْجَأ إِلَى اَلْخُطَّة اَلَّتِي يَلْجَأ إِلَيْهَا كُلّ مُضْطَرّ عَدِيم فَبَرَزَتْ إِلَى اَلنَّاس أَتَعْرِضُ لِمَعْرُوفِهِمْ وأستندي مَاء أَكُفّهمْ فَلَمْ أَجُدْ بَيْنهمْ مَنْ يُحْسِن إِلَى بِجُرْعَة أَوْ مُضْغَة وَلَا مَنْ يَدُلّنِي عَلَى سَبِيل ذَلِكَ وَكَانَ أَكْبَر مَا حَالَ بَيْنِي وَبَيْنهمْ وَصَرْف وُجُوههمْ عَنِّي أَنِّي أَلْبَس مُرَقَّعَة اَلشَّحَّاذِينَ وَلَا أَحْمِل ركوتهم فَعُدْت إِلَى مَنْزِلِي وَبَيْن جَنْبِي مِنْ اَلْهَمّ مَا اَللَّه بِهِ عَلِيم فَرَايْت اَلْأَطْفَال سهدا يتضاغون جُوعًا وَرَأَيْت اَلشَّيْخ جَالَسَا بَيْنهمْ يَبُلّ تُرْبَة اَلْأَرْض بِدُمُوعِهِ وَيَقْرَع كَفّه بِكَفِّهِ لَا يَعْلَم مَاذَا يَصْنَع وَلَا يَكْفِ يَحْتَال وَلَوْ أَنَّ شَخْص اَلْمَوْت بَرَزَ إِلَيَّ فِي تِلْكَ اَلسَّاعَة لَكَانَ مَنْظَره أَهْوَن عَلَى نَفْسِي مِنْ مَنْظَر هَؤُلَاءِ اَلصِّبْيَة وَهُمْ يُحَدِّقُونَ فِي وَجْهِي عِنْد دُخُولِي وَيَدُورُونَ حَوْلِي لِيَرَوْا هَلْ عُدْت إِلَيْهِمْ بِمَا يَسُدّ جَوَّعَتْهُمْ وَمَا عُدْت إِلَيْهِمْ إِلَّا بِالْيَأْسِ اَلْقَاتِل وَالْكَمَد اَلشَّامِل فَتَقَدَّمْت نَحْو اَلشَّيْخ وَقُلْت لَهُ أَنَّ فِي دَيْر اَلْمَدَنِيَّة كَمَا يَزْعُمُونَ مَالًا لِلصَّدَقَاتِ يَتَوَلَّى اَلْكَاهِن الأظم إِنْفَاقه عَلَى اَلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين فَلَوْ ذَهَبَتْ إِلَيْهِ وَكَشَفَتْ لَهُ خَلَّتْك وَسَأَلَتْهُ أَنْ يَمْنَحك علالة تَسْتَعِين بِهَا عَلَى أَمْرك لَرَجَوْنَا أَنْ نُطْفِئ لَوْعَة هَؤُلَاءِ اَلْأَطْفَال اَلْمَسَاكِين فَاسْتَنَارَ وَجْهه بِنُور اَلْأَمَل وَقَامَ إِلَى عَصَاهُ فَاعْتَمَدَ عَلَيْهَا وَمَشَى إِلَى اَلدَّيْر حَتَّى بَلَّغَهُ فَصَعِدَ إِلَى حُجْرَة اَلْكَاهِن حَتَّى وَقَفَ بَيْن يَدَيْهِ فَنَفَضَ لَهُ جُمْلَة حَاله وَسَكَبَ تَحْت قَدَمَيْهِ جَمِيع مَا أَبْقَتْ اَلْأَيَّام فِي جَفْنَيْهِ القريحين مِنْ دُمُوع فَاسْتَقْبَلَهُ اَلْكَاهِن بِأَقْبَح مَا يَسْتَقْبِل بِهِ مَسْئُول سَائِلًا وَقَالَ لَهُ اَلدَّيْر لَا يُحْسِن إِلَّا إِلَى اَلَّذِينَ أَسْلَفُوهُ اَلْإِحْسَان مِنْ
стр. 103
قَبْل وَمَا كُنْت فِي يَوْم مِنْ أَيَّام رَغَدك وَرَخَاءَك مِنْ اَلْمُحْسِنِينَ إِلَيْهِ فَاذْهَبْ لِشَأْنِك فَأَبْوَاب اَلْعَيْش وَاسِعَة بَيْن يَدَيْك فَإِنْ ضَاقَتْ بِك فَأَبْوَاب اَلْجَرَائِم أَوْسَع مِنْهَا فَخَرَجَ مِنْ حَضَرْته كَئِيبًا مَحْزُونًا لَا يَرَى فَضَاء اَلدُّنْيَا فِي نَظَره إِلَّا كَكِفَّة اَلْحَابِل أَوْ أفحوص اَلْقَطَاة حَتَّى نَزَلَ إِلَى سَاحَة اَلدَّيْر فَلَمَحَ فِي إِحْدَى زَوَايَاهُ غرارة دَقِيق فَحَدَّثَتْهُ نَفْسه بِهَا وَمَا كَانَتْ تُحَدِّثهُ لَوْلَا اَلْعَوَز وَالْفَاقَة ثُمَّ أَدْرَكَهُ اَلْحَيَاء فأغضى عَنْهَا وَاسْتَمَرَّ سَائِرًا فِي طَرِيقه حَتَّى صَارَ بِجَانِبِهَا فَوَقِّعْ نَظَره عَلَيْهَا مَرَّة أُخْرَى فَعَاوَدَهُ حَدِيثه اَلْأَوَّل فَحَاوَلَ دَفْعه فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَجَلَسَ بِجَانِبِهَا يَحْدُث نَفْسه وَيَقُول إِنَّ اَلطَّعَام طَعَام اَلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَأَنَا فَقِير مِسْكِين لَا أَعْلَم أَنَّ بَيْن أَسْوَار هَذِهِ اَلْمَدَنِيَّة وَلَا فِي جَمِيع أرباضها رَجُلًا أَحْوَج وَلَا أَفْقَر مِنِّي فَإِنْ كَانَ اَلطَّمَع فِي هَذِهِ الغرارة جَرِيمَة فَقَدْ أَذِنَ لِي اَلْكَاهِن بِارْتِكَاب اَلْجَرَائِم فِي سَبِيل اَلْعَيْش ثُمَّ مَشَى إِلَيْهَا فَاحْتَمَلَهَا عَلَى ظَهْره وَمَشَى بِهَا جَاهِدًا مترجحا فَمَا تج - اوز عَتَبَة اَلدَّيْر حَتَّى أَثْقَلَهُ اَلْحَمْل وَشَعَرَ أَنَّهُ عَاجِز عَنْ اَلسَّمِير فَحَدَّثَتْهُ نَفْسه بِإِلْقَائِهِ عَنْ ظَهْره ثُمَّ تمقل لَهُ مَنْظَر أَحْفَاده اَلصِّغَار وَهُمْ ألقاء تَحْت جُدْرَان اَلْبَيْت يَتَضَوَّرُونَ جُوعًا فَحِمْل عَلَى نَفْسه وَمَشَى يَعْتَمِد عَلَى عَصَاهُ مَرَّة وَعَلَى اَلْجِدَار مَرَّة وَعَلَى اَلْجِدَار كُرَة أُخْرَى حَتَّى نَالَ مِنْهُ اَلْجُهْد فَأَحَسَّ كَأَنَّ أَنْفَاسه قَدْ جَمَّدَتْ فِي صَدْره لَا تَهْبِط وَلَا تَعْلُو وَأَنَّ مَا كَانَ بَاقِيًا فِي عَيْنَيْهِ مِنْ نُور قَدْ أنطفأ دُفْعَة وَاحِدَة فَأَصْبَحَ لَا يَرَى شَيْئًا مِمَّا حَوْله وَإِذَا نفثة مِنْ دَم دفقت مِنْ صدرة فَانْحَدَرَتْ
стр. 104
عَلَى رِدَائِهِ فَسَقَطَ فِي مَكَانه مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَلَمْ يَزَلْ عَلَى حَاله تِلْكَ حَتَّى مَرَّ بِهِ اَلْعَسَس فَرَأَوْهُ وَرَأَوْا الغرارة بِجَانِبِهِ فَارْتَابُوا بِهِ وَكَانَ رُهْبَان اَلدَّيْر قَدْ أَخَذُوا يَتَصَايَحُونَ فِيمَا بَيْنهمْ الغرارة الغرارة وَيَنْشُدُونَهَا فِي أَنْحَاء اَلدَّيْر حَتَّى يَئِسُوا مِنْهَا فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَهَا فِي كُلّ مَكَان حَتَّى اِلْتَقَوْا بِالْعَسَسِ حَوْل مَصْرَع اَلشَّيْخ فَعَرَفُوا ضَالَّتهمْ وَمَا هِيَ إِلَّا سَاعَة حَتَّى كَانَتْ الغرارة فِي اَلدَّيْر وَكَانَ اَلشَّيْخ فِي اَلسِّجْن ثُمَّ كَانَ بَعْد ذَلِكَ مَا رَأَيْت مِنْ أَمْره فوا أسفاه عَلَيْهِ لَقَدْ مَاتَ شَهِيدًا مَظْلُومًا ووارحمتاه لِي وَلِأَطْفَالِي اَلْبُؤَسَاء اَلْمَسَاكِين مِنْ بَعْده! ثُمَّ نَهَضَتْ مِنْ مَكَانهَا وَمَسَحَتْ عَبْرَتهَا بِطَرَف رِدَائِهَا وَنَظَرَتْ إِلَى اَلْقَبْر نَظْرَة طَوِيلَة وَقَالَتْ اَلْوَدَاع يَا رَفِيق صِبَايَ وَعِمَاد شَيْخُوخَتِي اَلْوَدَاع يَا خَيْر اَلْأَزْوَاج وَأَبِرّ العشراء اَلْوَدَاع حَتَّى يَجْمَع اَللَّه بَيْنِي وَبَيْنك فِي دَار جَزَائِهِ ثُمَّ اِنْكَفَأَتْ رَاجِعَة فِي اَلطَّرِيق اَلَّتِي جَاءَتْ مِنْهَا.
وَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَغَلْغُل شَخْصهَا فِي أَعْمَاق اَلظَّلَام حَتَّى رَأَيْت شَبَحًا آخَر يَتَرَاءَى مِنْ حَيْثُ اِخْتَفِي اَلشَّبَح اَلْأَوَّل وَمَا زَالَ يَتَقَدَّم نَحْوِي مُتَسَلِّلًا يَخْتَلِس خُطُوَاته اِخْتِلَاسًا فَاخْتَبَأَتْ وَرَاء اَلشَّجَرَة لِأَرَى مَا هُوَ صَانِع وَكَانَ اَلْقَمَر قَدْ بَدَأَ يُشَرِّف عَلَى اَلْوُجُود مِنْ مَطْلَعه وَيُرْسِل اَلْخُيُوط اَلْأُولَى مِنْ أَشِعَّته عَلَى تِلْكَ اَلسَّاحَة اَلْكُبْرَى فَرَأَيْت اَلشَّبَح عَلَى نُوره فَإِذَا فَتَاة جَمِيلَة بَاكِيَة لَمْ أَرَ فِي حَيَاتِي دَمْعَة عَلَى خَدّ أَجْمَل مِنْ دَمْعَتهَا عَلَى خَدّهَا فَدَارَتْ بِعَيْنَيْهَا لَحْظَة حَتَّى وَقَعَ نَظَرهَا عَلَى جُثَّة اَلْمَصْلُوب بَيْن أَعْوَاد اَلشَّجَرَة فَمَشَتْ إِلَيْهِ وَمَدَّتْ يَدهَا إِلَى اَلْحَبْل اَلْمَشْدُود بِهِ فَعَالَجَتْ عُقْدَته حَتَّى اِنْحَلَّتْ ثُمَّ اِحْتَمَلَتْهُ
стр. 105
عَلَى يَدهَا وأضعجته عَلَى اَلْأَرْض وَوَقَفَتْ بِجَانِيهِ سَاعَة تَنْظُر إِلَيْهِ جَامِدَة سَاكِنَة كَأَنَّهَا غَيْر آبِهَة وَلَا حَافِلَة ثُمَّ هَتَفَتْ صَارِخَة واشقيقاه! وَسَقَطَتْ فوقة تَضُمّهُ وَتَقْبَلهُ وَتَلْثِم شِعْره وَجَبِينه وتزفر فِيمَا بَيْن ذَلِكَ زَفِيرًا مُتَدَارِكًا كَأَنَّمَا تَنْفُث أَفْلَاذ كَبِدهَا نَفَثَا حَتَّى نَالَ مِنْهَا اَلْجُهْد فَتَرَنَّحَتْ قَلِيلًا ثُمَّ هَوَتْ بِجَانِبِهِ هَوَى اَلْ﴾ دَعْ اَلسَّاقِط لَا حَرَاك بِهَا فَأَهَمَّنِي أَمَرَهَا وَخَفَتَ أَنْ يَكُون قَدْ اَلْحَقّ بِهَا مَكْرُوه فَمَشَيْت إِلَيْهَا حَتَّى صِرْت بِجَانِبِهَا فَشَعَرَتْ بِأَنْفَاسِهَا اَلضَّعِيفَة تَتَرَدَّد فِي صَدْرهَا فَعَمِلَتْ أَنَّهَا حَيَّة فَجَلَسَتْ فَوْق رَأْسهَا أَنْدُبهَا وَأَدْعُو اَللَّه لَهَا حَتَّى استفاقت بَعْد هُنَيْهَة فَرَأَيْتنِي بِجَانِبِهَا فَنَظَرَات إِلَى نَظْرَة حَائِرَة ثُمَّ تَقَدَّمَتْ نَحْوِي وَقَالَتْ عَلَى مَنْ تَبْكِي أَيُّهَا اَلرَّجُل اَلْغَرِيب ? قُلْت أَبْكِي عَلَيْك يَا سَيِّدَتِي وَعَلَى فَقِيدك اَلْبَائِس اَلْمِسْكِين قَالَتْ نَعَمْ إِنَّهُ بَائِس مِسْكِين فَابْكِ عَلَيْهِ يَا سَيِّدِي كَثِيرًا فَقَدْ كَانَ زِينَة اَلشَّبَاب وَزَهْرَة اَلْحَيَاة وَرَيْحَانَة اَلنُّفُوس وَمُتْعَة اَلْأَفْئِدَة وَالْقُلُوب وَلَقَدْ ظَلَمُوهُ إِذْ قَتَلُوهُ فَمَا كَانَ قَاتِلًا وَلَا مُجْرِمًا وَلَكِنَّهُ رَجُل رَأَى عَرْضه فَرِيسَة فِي يَد مَنْ يُرِيد تَمْزِيقه فَقَطْع تِلْكَ اَلْيَد اَلْمُمْتَدَّة إِلَيْهِ وَانْتَقَمَ لِنَفْسِهِ وَلِلشَّرَفِ وَالْفَضِيلَة مِنْهَا وَلَوْ أَنْصَفُوهُ لَا ستبقوه رَحْمَة بِهِ وَيُسَابّهُ فَمَا أَجْرَمَ مَنْ ذَادَ عَنْ عَرْضه وَلَا أَثِمَ مِنْ قَتْل قَاتِله قُلْت هَلْ لَك أَنْ تَقُصِّي عَلَيَّ قِصَّته يَا سَيِّدَتِي ? قَالَتْ نَعَمْ.
نَزَلَ قَرْيَتنَا صَبَاح يَوْم مِنْ اَلْأَيَّام قَائِد مِنْ قُوَّاد اَلْأَمِير اَلَّذِينَ يَطُوفُونَ اَلْبِلَاد لِجَمْع اَلضَّرَائِب فَمَرَّ بِأَبْيَات اَلْقَرْيَة بَيْتًا بَيْتًا حَتَّى بَلَغَ مَنْزِلنَا وَكُنْت وَاقِفَة عَلَى بَابه فَنَظَر إِلَيَّ نَظْرَة مُرِيبَة طَارَ لَهَا قَلْبِي رَعَبَا وَفَرَّقَا ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْ أَخِي فَأَرْشَدَتْهُ إِلَى مَكَانه فَسَأَلَهُ عَنْ اَلْمَال فأستنسأه إِيَّاهُ قَلَائِل حَتَّى يَبِيع غَلَّته فَأَبَى إِلَّا
стр. 106
أَنْ يَنْقُدهُ اَلسَّاعَة أَوْ يَأْخُذنِي رَهِينَة عِنْده إِلَى يَوْم اَلْوَفَاء وَغَمْز بِي بَعْض أَعْوَانه فَدَارُوا حَوْلِي وَكُنْت أَسْمَع قَبْل اَلْيَوْم حَدِيث أُولَئِكَ اَلْفَتَيَات اَلشَّقِيَّات اَللَّوَاتِي يُدْخِلْنَ رَهَائِن فِي قَصْر اَلْأَمِير فَلَا يَخْرُجْنَ مِنْهُ إِلَّا سَاقِطَات أَوْ مَحْمُولَات فَفَزِعَتْ إِلَى أَخِي وَلَصِقَتْ بِهِ فَوَقَفَ بَيْنِي اَلرَّجُل وَقَالَ لَهُ لَا شَأْن لَك مَعَ اَلْفَتَاة إِنَّمَا أَنَا صَاحِب اَلْمَال وَأَنَا اَلْمَأْخُوذ بِهِ مِنْ دُون اَلنَّاس جَمِيعًا فَإِنْ كَانَ لَا بُدّ لَك مِنْ رَهِينَة فَأَنَا رَهِينَة مَالِي حَتَّى يَصِل إِلَيْك فَقَالَ لَهُ لَابُدَّ مِنْ اَلْمَال أَوْ اَلرَّهِينَة وَلَا بُدّ أَنْ تَكُون اَلرَّهِينَة كَمَا أُرِيد فَإِنْ أَبَيْت فَحَيَاتك فِدَاء عَنْهَا فَغَضِبَ أَخِي غضبة اِنْتَفَضَ لَهَا جَبِينه عَرَق وَلَمْ أَرَهُ فِي سَاعَة مِنْ سَاعَات غَضَبه قَبْل اَلْيَوْم وَقَالَ لَهُ فَلْتَكُنْ حَيَاتِي فَدَاء لِشَرَفِي ثُمَّ جَرَّدَ سَيْفه وَضَرْبه بِهِ ضَرْبَة طَارَتْ بِرَأْسِهِ وَوَقَفَ فِي مَكَانه لَا يَبْرَحهُ وَسَيْفه يَقْطُر دَمًا حَتَّى غِلّه اَلْأَعْوَان وَاحْتَمَلُوهُ إِلَى اَلسِّجْن فَتِلْكَ حَيَاته يَا سَيِّدِي وَذَاكَ مَمَاته فَلَئِنْ بَكَيْته أَنَا أَبْكِي فَتِيّ اَلْفِتْيَان هِمَّة وَنَجْدَة وَنَادِرَة اَلرِّجَال عِزَّة واباء وَأَفْضَل اَلْأُخُوَّة رَحْمَة وَحَنَانًا.
ثُمَّ قَالَتْ هَلْ لَك أَنْ تُعِيننِي يَا سَيِّدِي عَلَى مواراته قَبْل أَنْ يَحُول اَلنَّهَار بَيْنِي وَبَيْنه فَقَدْ أَصْبَحَتْ وَاهِيَة متضعضعة لَا أَقْوَى عَلَى شَيْء فَقُمْت إِلَى اَلشَّجَرَة فاحتفرت حَوْل سَاقهَا حُفْرَة بِجَانِب حُفْرَة اَلشَّيْخ فَوَارَيْته فِيهَا فَتَقَدَّمَتْ اَلْفَتَاة نَحْو اَلْقَبْر وَجَثَتْ بِجَانِيهِ سَاعَة مِطْرَقَة سَاكِنَة لَا أَعْلَم هَلْ هِيَ بَاكِيَة أَوْ ذاهلة حَتَّى فَارَقَتْ مَكَانهَا فَرَأَيْت تُرْبَة اَلْقَبْر مخصله بِدُمُوعِهَا ثُمَّ مَدَّتْ يَدهَا إِلَيَّ وَقَالَتْ:
شَكَرَا لَك يَا سَيِّدِي فَقَدْ أَعَنْتنِي عَلَى مَوْقِف قَلَّمَا يَجِد فِيهِ مُسْتَعِين مُعَيَّنًا وَمَضَتْ لِسَبِيلِهَا.
стр. 107
فَأَتْبَعَتْهَا نَظَرِيّ حَتَّى اِخْتَفَتْ آخِر طَيَّة مِنْ طَيَّات رِدَائِهَا فَعُدْت إِلَى نَفْسِي فَإِذَا جُثَّة اَلْفَتَاة المرجومة لَا تَزَال مَكَانهَا فَهَاجَمَنِي مُنَظِّرهَا وَقُلْت فِي نَفْسِي إِنَّنِي لَا أَدَّخِر لِنَفْسِي عَمَلًا أَرْجُو فِيهِ رَحْمَة اَللَّه وَإِحْسَانه يَوْم جَرَّائِهِ أَفْضَل مِنْ مواراة هَذِهِ اَلْمِسْكِينَة اَلتُّرَاب فاحتفرت لَهَا حُفْرَة بِجَانِب حُفْرَة اَلشَّهِيدَيْنِ ثُمَّ أَلْقَيْت عَلَيْهَا رِدَائِي وَاحْتَمَلْتهَا عَلَى يَدَيْ حَتَّى أضجعتها فِي حُفْرَتهَا فَإِنِّي لِأَجْثُوَ عَلَيْهَا اَلتُّرَاب سَوْدَاء لَا يَسْتَبِين مِنْهَا غَيْر بَيَاض وَجْهه فابتدرني بِقَوْلِهِ مِنْ صَاحِب هَذَا اَلْقَبْر اَلَّذِي تَجْثُو تُرَابه يَا سَيِّدِي قَلَّتْ فَتَاة مرجومة رَأَيْت جُثَّتهَا اَلسَّاعَة مَنْبُوذَة فِي هَذَا اَلْعَرَاء فَرَحِمَتْ مَصْرَعهَا واحتفرت لَهَا هَذَا اَلْقَبْر اَلَّذِي تَرَاهُ فَقَالَ إِنَّ لِي يَا سَيِّدِي مَعَ هَذِهِ اَلْفَتَاة شَأْنًا فَهَلْ تَأْذَن لِي أَنْ أُوَدِّعهَا اَلْوَدَاع اَلْأَخِير قَبْل أَنْ يَحُول اَلتُّرَاب بَيْنِي وَبَيْنهَا قَلَّتْ نِعَم شَأْنك وَمَا تُرِيد وَتَنَحَّيْت قَلِيلًا فَدَنَا مِنْ اَلْقَبْر وَجَثَا فَوْق تُرْبَته وَظَلَّ يُنَاجِي اَلدَّفِينَة نجاء خِلْت أَنَّ اَلْكَوَاكِب تَرَدُّده فِي سَمَائِهَا وَالرِّيَاح تُرْجِعهُ فِي أَجْوَائِهَا حَتَّى اشتفت نَفْسه فَقَامَ إِلَى اَلتُّرَاب يُهِيلهُ عَلَيْهَا حَتَّى وراها ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ اَلْفَتَاة اَلْمَظْلُومَة بِسَتْر مَا كَشَفَ اَلنَّاس عَنْ عَوْرَتهَا وَحَفِظَ مَا أَضَاعُوا مِنْ حُرْمَتهَا فَجَزَاك اَللَّه خَيْرًا بِمَا فَعَلَتْ وَأَحْسَن إِلَيْك كُمًّا أَحْسَنَتْ إِلَيْهَا وَأَرَادَ اَلرُّجُوع فَاسْتَوْقَفْته وَقُلْت لَهُ وَهَلْ مَاتَتْ هَذِهِ اَلْفَتَاة مَظْلُومَة كَمَا تَقُول ? فَانْفَجَرَتْ شَفَتَاهُ عَنْ اِبْتِسَامَة مَرَّة وَنَظَر إِلَى نَظْرَة هَادِئَة مُطَمْئِنَة وَقَالَ نَعَمْ يَا سَيِّدِي وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا رَأَيْتنِي اَلسَّاعَة وَاقِفًا عَلَى حَافَّة قَبْرهَا أَنْدُبهَا.
أَنَا اَلرَّجُل اَلَّذِي اِتَّهَمُوهَا بِهِ وَأَسْتَطِيع أَنْ أَقُول لَك كَمَا أَقُول لِرَبِّي يَوْم أَقِف بَيْن يَدَيْهِ رَافِعًا إِلَيْهِ ظلامتها إِنَّهَا بَرِيئَة مِمَّا رَمَوْهَا بِهِ
стр. 108
وَإِنَّهَا أَطْهَر مِنْ اَلزَّهْرَة المطلولة وَأَنْقَى مِنْ اَلْقَطْرَة اَلصَّافِيَة.
لَقَدْ أَحْبَبْت هَذِهِ اَلْفَتَاة مُنْذُ كَانَتْ طِفْلَة لَاعِبَة وَأَحَبَّتْنِي كَذَلِكَ ثُمَّ شَبَبْنَا وَشَبَّ اَلْحُبّ مَعَنَا فَتَعَاقَدْنَا عَلَى اَلْوَفَاء وَالْإِخْلَاص ثُمَّ خَطَبْتهَا إِلَى أَبِيهَا فأخطبني رَاضِيًا مَسْرُورًا حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ بَيْنِي وَبَيْن اَلْبِنَاء بِهَا إِلَّا أَيَّام مَعْدُودَات إِذْ نَزَلَتْ بِأَبِيهَا نَازِلَة اَلْمَوْت فَعَلِمْنَا أَنْ لَا بُدّ لَنَا مِنْ اَلِانْتِظَار بِأَنْفُسِنَا عَامًا كَامِلًا فَفِعْلنَا حَتَّى إِذَا اِنْقَضَى اَلْعَام أَوْ كَادَ حَدَث أَنْ ذَهَبْت اَلْفَتَاة إِلَى قَاضِي اَلْمَدَنِيَّة فِي أَمْر يَتَعَلَّق بِمِيرَاثِهَا فَرَآهَا اَلْقَاضِي فَتَبِعْتهَا نَفْسه فَأَرْسَلَ وَرَاء عَمّهَا وَكَانَ وَلِيّ أَمْرهَا بَعْد أَبِيهَا وَهُوَ رَجُل مِنْ اَلطَّامِعِينَ اَلْمُدَاهِنِينَ اَلَّذِينَ لَا يُبَالُونَ أَنْ يَخُوضُوا بَحْرًا مِنْ اَلدَّم إِذَا تَرَاءَى لَهُمْ عَلَى شَاطِئه اَلْآخَر دِينَار لَامِع فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَغْبَته فِي اَلزَّوَاج مَعَ اِبْنَة أَخِيهِ فَطَارَ بِهَذِهِ اَلْمِنْحَة فَرَحًا وَسُرُورًا وَلَمْ يَتَرَدَّد فِي إِجَابَة طَلَبَهُ وَعَادَ إِلَى اَلْفَتَاة يَحْمِل إِلَيْهَا هَذِهِ اَلْبُشْرَى فَاسْتَقْبَلَتْهُ بِوَجْه بَاسِر وَقَالَتْ لَهُ إِنَّنِي لَا أَسْتَطِيع أَنْ أَكُون خَطِيبَة رَجُلَيْنِ فِي آن وَاحِد فَلَمْ يُبْلَ بِقَوْلِهَا وَقَالَ لَهَا سَتَتَزَوَّجِينَ مِمَّنْ أُرِيد طَائِعَة أَوْ كَارِهَة فَلَا خِيَار لَك فِي نَفْسك إِنَّمَا اَلْخِيَار لِي فِي أَمْرك وَحْدِي وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى أَعَدُّوا لَهَا عُدَّة زَوَاجهَا وَسُمُوًّا يَوْمًا لِزِفَافِهَا فَمَا غَرَبَتْ شَمْس ذَلِكَ اَلْيَوْم حَتَّى جَمَعَتْ مَا كَانَ لَهَا فِي بَيْتهَا مِنْ ثِيَاب وَحِيلَة وَخَرَجَتْ تَحْت سِتَار اَللَّيْل هَائِمَة عَلَى وَجْههَا لَا تَعْلَم أَيْنَ تَذْهَب وَلَا أَيّ طَرِيق تَسْلُك وَكَانَ عَمّهَا قَدْ رَفَعَ إِلَى اَلْقَاضِي أَمْر فِرَارهَا فَبَثَّ عَلَيْهَا عُيُونه وَأَرْصَاده يَطْلُبُونَهَا فِي كُلّ مَكَان حَتَّى لَمَحَهَا بَعْضهمْ جَالِسَة تَحْت بَعْض اَلْجُدْرَان فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا فَذُعِرَتْ لِمَرْآهُ وَتَرَكَتْ حَقِيبَتهَا مَكَانهَا وَفَّرَتْ بَيْن يَدَيْهِ
стр. 109
تَعْدُو عَدُوًّا سَرِيعًا وَكُنْت عَائِدًا فِي تِلْكَ اَلسَّاعَة إِلَى مَنْزِلِي فَرَأَتْنِي فَأَلْقَتْ نَفْسهَا عَلَيَّ وَقَالَتْ إِنَّهُمْ يُتْبِعُونَنِي وَإِنَّهُمْ إِنْ ظَفِرُوا بِي قَتَلُونِي فَارْحَمْنِي يَرْحَمك اَللَّه فَأَهَمّنِي أَمْرهَا وَذَهَبْت بِهَا إِلَى مَنْزِلِي وَأَخْفَيْتهَا فِي بَعْض حُجُرَاته وَمَا هِيَ إِلَّا سَاعَة حَتَّى دَخَلَ عَمّهَا وَوَرَاءَهُ أَعْوَان اَلْقَاضِي يَطْلُبهَا طَلَبًا شَدِيدًا فَأَنْكَرَتْ رُؤْيَتهَا فَلَمْ يُصَدِّقنِي وَأَخَذَ يَضْرِب أَبْوَاب اَلْحُجُرَات بَابًا بَابًا حَتَّى ظَفِرَ بِهَا فَصَاحَ هَا هِيَ اَلْفَتَاة اَلزَّانِيَة وَهَذَا صَاحِبهَا فَأَقْسَمَتْ لَهُ بِكُلّ مُحْرِجَة مِنْ اَلْأَيْمَان أَنَّهَا بَرِيئَة مِمَّا يَرْمِيهَا بِهِ فَلَمْ يُصْغِ إِلَيَّ وَأَمْر اَلْأَعْوَان فَاحْتَمَلُوهَا وَحَاوَلَتْ أَنْ أَحُول بَيْنهمْ وَبَيْنهَا فَضَرَبَنِي أَحَدهمْ عَلَى رَأْسِي ضَرْبَة طَارَتْ بِصَوَابِي فَسَقَطَتْ مَغْشِيًّا عَلَيَّ فَلَمْ أستفق إِلَّا بَعْد سَاعَة فَوَجَدَتْ اَلْحُمَّى قَدْ أَخَذَتْ مَأْخَذهَا مِنْ جِسْمِي فَلَزِمَتْ فَرَّاشِي بِضْعَة أَيَّام لَا أُفِيق سَاعَة حَتَّى يَتَمَثَّل لِي ذَلِكَ اَلْمَنْظَر اَلَّذِي رَأَيْته فَأَشْعُر بالرعدة تَتَمَشَّى فِي أَعْضَائِي فَأَعُود إِلَى ذُهُولِي وَاسْتِغْرَاقِي حَتَّى أَدْرَكَتْنِي رَحْمَة اَللَّه فأبللت مُنْذُ اَلْأَمْس تَمَّ مِنْ أَمْر تِلْكَ اَلْمِسْكِينَة فَجِئْت كَمَا تَرَانِي أُوَدِّعهَا اَلْوَدَاع اَلْأَخِير وَأُوَارِي جُثَّتهَا اَلتُّرَاب وَمَا أَنَا بالسالي عَنْهَا وَلَا بِالذَّائِقِ حَلَاوَة اَلْعَيْش مِنْ بَعْدهَا حَتَّى أَلْحَق بِهَا.
ثُمَّ أَلْقِي عَلَى قَبْرهَا نَظْرَة جَمَعَتْ فِي طَيَّاتهَا جَمِيع مَعَانِي اَلنَّظَرَات اَلْبَائِسَات مِنْ حُزْن وَبَأْس وَلَوْعَة وَشَقَاء وَمَضَى لِسَبِيلِهِ.
فَمَا أَبْعَدَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى رَأَيْت اَلْقَمَر يَنْحَدِر إِلَى مَغْرِبه ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ اِخْتَفَى فَإِذَا اَلْفَضَاء ظُلْمَة وَسُكُون وَإِذَا اَلسَّاحَة وَحْشَة وَانْقِبَاض فَصَعِدَتْ عَلَى رَبْوَة عَالِيَة مُشْرِفَة عَلَى اَلْقُبُور اَلثَّلَاثَة ثُمَّ تلفعت بِرِدَائِي وَأُلْقِيَتْ رَأْسِيّ عَلَى بَعْض اَلصُّخُور وَأَنْشَأَتْ
стр. 110
أَحْدَث نَفْسِي وَأَقُول:
لَيْتَ شِعْرِي أَلَّا يُوجَد فِي هَذِهِ اَلدُّنْيَا عَادِل وَلَا رَاحِم فَإِنْ خَلَتْ مِنْهُمَا رُقْعَة اَلْأَرْض فَهَلْ خَلَتْ مِنْهُمَا سَاحَة اَلسَّمَاء ? أَجْرَمَ اَلزَّعِيم اَلدِّينِيّ لِأَنَّهُ ضَنَّ عَلَى ذَلِكَ اَلشَّيْخ اَلْمِسْكِين بِدِرْهَم مِنْ مَال يَسُدّ بِهِ جَوَّعَتْهُ وجوعة أَهْل بَيْته فَاضْطَرَّ اَلرَّجُل إِلَى اِرْتِكَاب جَرِيمَة اَلسَّرِقَة فَعُوقِبَ اَلسَّارِق عَلَى سَرِقَته وَلَمْ يُعَاقَب اَلْقَاسِي عَلَى قَسْوَته وَلَوْلَا قَسْوَة اَلْقَاسِي مَا كَانَتْ سَرِقَة اَلسَّارِق.
وَأُجَرِّم اَلْأَمِير لِأَنَّهُ أَرْسَلَ قَائِده لِاخْتِطَاف فَتَاة حُرَّة لَا تُؤَثِّر أَنْ تَجُود بِعَرْضِهَا فَاضْطَرَّ أَخُوهَا إِلَى اَلذَّوْد عَنْهَا فَارْتَكَبَ جَرِيمَة اَلْقَتْل فَعُوقِبَ اَلْفَتَى عَلَى جَرِيمَته وَسُلَّم مِنْ اَلْعُقُوبَة مَنْ دَفَعَهُ إِلَى اَلْإِجْرَام.
وَأُجَرِّم اَلْقَاضِي لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُكْرِه فَتَاة لَا تُحِبّهُ عَلَى اَلزَّوَاج مِنْهُ فَفَرَّتْ مِنْ وَجْهه فَعَاقَبُوهَا عَلَى فِرَارهَا وَلَمْ يُعَاقِبُوا اَلْقَاضِي عَلَى ظُلْمه وَاسْتِبْدَاده.
وه: ذَا أَصْبَحَ اَلْمُجْرِم بَرِيئًا وَالْبَرِيء مُجْرِمًا بَلْ أَصْبَحَ اَلْمُجْرِم قَاضِي اَلْبَرِيء وَصَاحِب اَلْحَقّ فِي مُعَاقَبَته فَهَلْ تَسْقُط اَلسَّمَاء عَلَى اَلْأَرْض بَعْد اَلْيَوْم أَمْ لَا تَزَال تُنِيرهَا بِكَوَاكِبِهَا وَنُجُومهَا وَتُمْطِرهَا غيثها مزنها.
ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَى مَصْرَع اَلْمَقْبُورِينَ فَوَقْع نَظَرِيّ عَلَى بِرْكَة اَلدَّم اَلَّتِي اِجْتَمَعَتْ فِيهَا دِمَاء هَؤُلَاءِ اَلشُّهَدَاء فَرَأَيْت خَيَال نَجْم فِي اَلسَّمَاء يَتَلَأْلَأ فَوْق صَفْحَتهَا فَرَفَعَتْ نَظَرِيّ إِلَى اَلنَّجْم فَإِذَا هُوَ اَلْمِرِّيخ
следующие страницы →