← Адаб

Адаб · id 26423

البصائر والذخائر

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (2 098 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

٦ - قيل لعقيل بن علّفة: لم تهجو قومك؟ قال: إن الغنم إذا لم يصفّر بها لم تشرب. ٧ - لمّا أخذ عبد الحميد بن ربعي وأتي به المنصور ومثل بين يديه قال: لا عذر لي فأعتذر، وقد أحاط بي الذّنب، وأنت أولى بما ترى، قال المنصور: إنّي لست أقتل أحداً من آل قحطبة، أهب مسيئهم لمحسنهم، قال: إن لم يكن فيّ مصطنعٌ فلا حاجة بي إلى الحياة، ولست أرضى أن أكون طليق شفيعٍ وعتيق ابن عمّ، قال: اخرج فإنّك جاهل، أنت عتيقهم ما حييت. ٨ - عدا كلبٌ خلف غزالٍ فقال له الغزال: إنك لا تلحقني، قال: لم؟ قال: لأني أعدو لنفسي، وأنت تعدو لصاحبك. ٩ - قال فيلسوف: أحيوا قلوب إخوانكم ببصائر نيّاتكم كما تحيون موات البلد بنوامي البذر، فإنّ نفساً تنقذ من الشّبهات أفضل من أرضٍ تصلح للنّبات. قال بعض البلغاء: فضل العلم المسموع على المال المجموع

стр. 1682

كفضل النّصل الصنع على الغمد الوضيع. قال أعرابيّ: من كان مولى نعمتك فكن عبد شكره. قال الحكيم بن عيّاش الكلبي: الطويل صلبنا لكم زيداّ على جذع نخلةٍ ... ولم أر مهديًّا على الجذع يصلب وقستم بعثمانٍ عليًّا سفاهةً ... وعثمان خيرٌ من عليٍّ وأطيب بلغ قوله جعفراً الصادق، ﵁، فرفع يديه إلى السماء وهما ترعشان فقال: اللهمّ إن كان عبدك كاذباً فسلّط عليه كلبك. فبعثه بنو أميّة إلى الكوفة، فبينما هو يدور في سككها إذ افترسه الأسد، واتصل خبره بجعفرٍ فخرّ لله ساجداً وقال: الحمد لله الذي أنجزنا ما وعدنا. قال أعرابيّ: جليس الملوك ينبغي أن يكون حافظاً للسّمر، صابراً على السّهر. قلت لأبي النّفيس الرّياضي: كيف رأيت الدهر؟ قال: وهوباً لما سلب، سلوباً لما وهب، كالصبيّ إذا لعب.

стр. 1683

رأى فيلسوفاً إنساناً سميناً فقال له: يا هذا، ما أكثر عنايتك برفع سور جسمك. وقيل لفيلسوف: إنّ فلاناً يحكي عنك كلّ سوءٍ، فقال: لأنه لا ينتهي إلى الخير فيحكي. قال أعرابيّ: نفسك راحلتك، إن رفّهتها اضطلعت، وإن نفّهتها انقطعت. كاتب: اتصل بي خبر الفترة في إلمامها وانحسارها، ونبأ الشّكاة في حلولها وارتحالها، فكاد يشغل القلق بأوّله عن السّكون لآخره، وتذهل عادية الحيرة في ابتدائه عن عائدة المسرّة في انتهائه، وكان التصرّف في كلتا الحالتين بحسب قدرهما: ارتياعاً للأولى، وارتياحاً للأخرى. قال بعض السّلف: الأحمق إن تكلّم فضحه حمقه، وإن سكت فضحه عيّه، وإن عمل أفسد، وإن ترك ضيّع، لا يغنيه علمه، ولا ينتفع بعلم غيره، ولا يستريح زاجره، تودّ أمّه أنّها ثكلته، وتتمنى امرأته أنّها فقدته، يأخذ جليسه منه الوحشة، ويتمنّى جاره منه الوحدة، إن كان أصغر أهل بيته عنّى من فوقه، وإن كان أكبرهم أفسد من دونه.

стр. 1684

كان جرير بن إسماعيل جواداً بماله معطاءً، فلامه روح بن حاتم المهلّبي على ذلك وقال له: إّني أخاف عليك الفقر وتعس الدّهر، فقال جرير: إّني أكره أن أترك حقاً قد وقع، خوفاً لأمر لعله لا يقع. دخل أبو حنيفة على الأعمش وهو عليلٌ فجلس وأطال، ثم قال: لعلّي قد أثقلت عليك، فقال الأعمش: والله إنّي لأستثقلك وأنت في منزلك فكيف وأنت في منزلي؟! قال عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري: لا أماري صديقي، إمّا أن أكذبه وإمّا أن أغضبه. قال أعرابيّ لسيّد قومه: أنت للأحرار غياثٌ ومفزع، ولأهل النّعم محلٌّ وموضع، ولذوي الحاجات موادٌ ومنتجع. قال فيلسوف: كما أنّ البدن الخالي من النفس تفوح منه رائحة النّتن، كذلك النفس العديمة للأدب يظهر منها دليل النّقص. وقال فيلسوف: ليس المؤمن من ينقص على النفقة ماله.

стр. 1685

قال فيلسوف: لتكن عنايتك بحسن استماع ما تفهمه في وزن عنايتك بحسن استعمال ما تكسبه. قال الواقدي: أبو حنيفة النعمان بن ثابت مولى تيم الله بن ثعلبة بن بكر بن وائل؛ قال له رجلٌ من خيار بني تيم الله: ألست مولاي؟ قال أبو حنيفة: أنا والله لك أشرف منك لي. ولد أبو حنيفة سنة ثمانين، ومات سنة خمسين ومائة، وعاش أبو حنيفة سبعين سنة، ومات ببغداد، وصلّى عليه الحسن بن عمارة. قال أحمد بن الطيّب، قال بعض أصحابنا: بتّ ليلة بالبصرة مع جماعةٍ من المسجديين، فلما حان وقت السّحر حرّكهم واحدٌ فقال: كم هذا النوم عن أعراض الناس؟ قيل لعبيد ابن أبي محجن: أليس أبوك الذي يقول: الطويل

стр. 1686

إذا مت فادفني إلى جنب كرمةٍ ... تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا متّ أن لا أذوقها فقال: بل قوله أجمل من هذا حين يقول: البسيط لا تسألي القوم عن مالي وكثرته ... وسائلي القوم ما ديني وما خلقي هل يعلم القوم أنّي من سراتهم ... إذا تطيش يد الرعديدة الفرق أعطي السّنان غداة الرّوع حصّته ... وعامل الرّمح أرويه من العلق عفّ الإياسة عمّا لست نائله ... وإن ظلمت شديد الظّلم والحنق وأكشف الماقط المكروه غمّته ... وأكتم السرّ فيه ضربة العنق قيل لعبّاد بن الحصين، وكان أشدّ أهل البصرة: في أي عددٍ تحبّ أن تلقى عدوّك؟ قال: في أجلٍ مستأخر. قصد قومٌ من الطّفيليين وليمةً فقال رئيسهم: اللهمّ لا تجعل البوّاب لكّازاً في الصّدور، دفّاعاً في الظّهور، طرّاحاً للقلانس، هب لنا رأفته ورحمته ويسره، وسهّل علينا إذنه؛ فلمّا دخلوا تلقّاهم فقال متكلّمهم: غرّةٌ مباركة، موصولٌ بها الخصب، معدومٌ معها الجدب؛ فلمّا جلسوا

стр. 1687

الخوان قال: جعلك الله كعصا موسى، وخوان إبراهيم، ومائدة عيسى في البركة؛ ثم قال لأصحابه: افتحوا أفواهكم، وأقيموا أعناقكم، وأجيدوا اللّف، وأترعوا الأكفّ، ولا تمضغوا مضغ المتعلّلين الشّباع المتخمين، واذكروا سوء المنقلب، وخيبة المضطرب، كلوا على اسم الله تعالى. قال عبد الله بن المبارك: كتبت عن أفقه الناس أبي حنيفة، وأعبد النّاس الحسن بن صالح، وأزهد النّاس الثّوري، وأورع الناس عبد العزيز بن أبي رواد. قال ابن المبارك: كان أبو حنيفة آيةً، قيل: في ماذا؟ قال: اذكروا فيه من الخير ما شئتم؛ قال بعض أهل العصبيّة: إنّما أراد الشرّ، قيل له: فقال الله تعالى: " وجعلنا ابن مريم وأمّه آيةً " وما أراد الله الشر، فقبله. قال عمر بن سليمان العطّار: كنت بالكوفة أجالس أبا حنيفة، فتزوج زفر فحضر أبو حنيفة فقال له: تكلّم، فقال في خطبته: هذا زفر بن الهذيل، وهو إمامٌ من أئمة المسلمين، وعلمٌ من أعلامهم في حسبه وشرفه

стр. 1688

وعلمه، فقال بعض قومه: ما يسوءنا أن غير أبي حنيفة يخطب حين ذكر خصاله ومدحه، وكره ذلك بعض قومه وقال: حضر قومك وأشراف بني عمك، مثل أبي حنيفة يخطب؟! فقال: لو حضرني أبي لقدّمت أبا حنيفة. اشترى محمود الورّاق جاريةً، وكانت بطنها واسعةً، فلما ركب صاح: الغريق! فقالت له أخرى: أخرج المرديّ وأنت على الشطّ! تباعد ما بين يحيى بن خالد وعليّ بن عيسى بن ماهان، فوجّه عليّ أبا نوحٍ ليعرف ما في نفس يحيى، فكتب يحيى على يد أبي نوح: عافانا الله وإياك، كن على يقينٍ أنّي بك ضنين، وعلى التمسّك بما بيني وبينك حريص، أريدك ما أردتني أريدك ما نبوت عنّي، ما كان ذلك بك جميلاً، فإن جاءت المقادير بخلاف ما أحبّ نم ذلك لم أعد ما تحمد، ولم أتجاوز إلى شيءٍ مما تكره، هاجتني على الكتابة إليك مسألة أبي نوحٍ إياي إعلامك رأيي وهواي، فما تبدّلت ولا حلت، فجمعنا الله وإياك على طاعته. ولد أبو بكر الأنباري سنة سبعين ومائتين، ومات سنة ثمانٍ وعشرين وثلاثمائة.

стр. 1689

قال وهب: صفة المؤمن إيمانٌ في تقىً، وحزمٌ في يقين، وقصدٌ في لين، وقورٌ في الرّخاء، شكورٌ في البلاء صبور، إن أنعم عليه شكر، وإن ابتلي صبر، لا يحقر من دونه، ولا يزري على من فوقه. قال وهب: المؤمن من يخالط ليعلم، ويسكت ليسلم، ويتكلم ليفهم، ويخلو لينعم. قال وهب: كانت مريم عند زكريا، فلمّا نبا بطنها وحملت قال لها زكريا: هل يكون الشّجر من غير مطر؟ وهل يكون الزرع من غير بذر؟ وهل يكون الولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، الله خلق الجنّة بغير مطر، وخلق البذر قبل أن يخلق الزّرع، وخلق آدم من غير ذكر. قال الشّعبي: الجاهل حصر، والحكيم حاكم، ولم يعرف قدر الجاهل من لم يجرّعه الحلم غصص الغيظ. قال أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة: إثبات الحجّة على الجاهل سهل، ولكن إقراره بها صعب. قيل لفيلسوف: ما الكلفة؟ قال: طلبك ما لا يواتيك، ونظرك فيما لا يعينك.

стр. 1690

وقال عيسى بن مريم: الأمور ثلاثة: أمرٌ يتبيّن فيه رشده فاتّبعوه، وأمر تلبّس فيه غيّه فاجتنبوه، وأمرٌ اختلف فيه فردّوه إلى الله تعالى. قال المعتمر بن سليمان: قال لي إيّاك أن تقتدي بزلاّت أصحاب رسول الله فتقول: فلانٌ لبس المعصفر، وفلانٌ كانت له جمّة، وفلانٌ شرب النبيذ، وفلانٌ لعب الشطرنج، وفلانٌ امتخط في الكتاب، وفلانٌ انتعل السّبت. وصف رجلّ رجلاً فقال: كان والله سمحاً مرّاً سهلاً، بينه وبين القلب نسب، وبين الحياة سبب، إنّما هو عيادة مريض، وتحفة قادم، وواسطة قلادة. وقال حمّاد الراوية: شاهدنا في هذا المسجد قوماً كانوا إذا خلعوا الحذاء، وعقدوا الحبا، وقاسوا أطراف الحديث، حيّروا السامع، وأخرسوا النّاطق - يعني مسجد الكوفة. قال رجلٌ لبعض العلويّة: أنت بستان الدّنيا، فقال العلويّ وأنت النّهر الذي يشرب منه ذلك البستان. قال رجلٌ لأبي عمر الزّاهد صاحب كتاب الياقوت في اللغة: أنت والله عين الدّنيا، فقال: وأنت بؤبؤ تلك العين.

стр. 1691

سألت أبا سعيد السّيرافي عن أبي عمر فقال: لم يكن زاهداً إّلا في الدّارين، قلت: أكان يتّهم في اللغة؟ قال: كيف لا يتّهم من يكذب؟! وسمعت غير أبي سعيد يقول ما هو قريبٌ من هذا، وطائفةٌ من الناس تأبى هذا فيه، وتزعم أنّه كان ثقةً مأموناً. أخذ عبّاسيّ طالبيّاً في العسس، فأراد أن يعاقبه فقال الطّالبيّ: والله لولا أن أفسد ديني بفساد دنياك لملكت من لساني أكثر ما ملكت من سوطك؛ والله إن كلامي لفوق الشّعر، ودون السّحر، وإنّ أيسره ليثقب الخردل، ويحطٌ الجندل، فاستحيى منه وخلّى عنه. قال سوّار بن أبي شراعة، أنشدنا الرّياشي لعمرو بن حلّزة أخي الحارث بن حلّزة، قيل: وهي مصنوعة: الرمل لم يكن إّلا الذي كان يكون ... وخطوب الدّهر بالنّاس فنون ربّما قرّت عيونٌ بشجىً ... مرمضٍ قد سخنت منه عيون يلعب الناس على أقدارهم ... ورحى الأيّام للنّاس طحون يأمن الأيام مغترٌ بها ... ما رأينا قطّ دهراً لا يخون والملمّات فما أعجبها ... للملمّات ظهورٌ وبطون إنّما الإنسان صفوٌ وقذىً ... وتواري نفسه بيضٌ وجون لا تكن محتقراً شأن امرئٍ ... ربّما كانت من الشان شؤون

стр. 1692

قال فيلسوف: كما أنّ أواني الفخّار تمتحن بأصواتها فيعرف الصحيح منها من المنكسر، كذلك يمتحن الإنسان بمنطقه فتعرف حاله وطريقته. قال فيلسوف: احتمال الفقر أحسن من احتمال الذلّ، على أن الرضا بالفقر قناعة، والرّضا بالذلّ ضراعة. شاعر: الرجز سحابةٌ صادقة الأنواء ... تجرّ حضنيها على البطحاء بدت بنارٍ وثنت بماءٍ ... تثني بها الأرض على السّماء تجمع بين الضّحك والبكاء للمأمون: البسيط وصاحبٍ ونديمٍ ذي محافظةٍ ... سبط اليدين بشرب الراح مفتون نادمته ورواق الليل منخرقٌ ... تحت الصباح دفيناً في الرّياحين فقلت خذ قال كفّي لا تطاوعني ... فقلت قم قال رجلي لا تواتيني إنّي غفلت عن السّاقي فصيّرني ... كما تراني سليب العقل والدّين قال أعرابيٌّ في خطبته: الحذر الحذر، فوالله لقد ستر حتى كأنّه غفر. وقّع ابن الزيّات إلى عاملٍ له: توهمتك شهماً كافياً، فوجدتك

стр. 1693

رسماً عافياً، لا محامياً ولا وافياً. قال بعض السّلف: أفضل ما أعطيه الإنسان اللسان، وفي ترك المراء راحةٌ للبدن. قال المبرّد، قال بعض السّلف: ضوالّ الكلام أحبّ إليّ من ضوال الإبل، قيل به: نحو ماذا؟ قال: كقول الشاعر: الطويل وإنّي لأرجو الله حتى كأنّما ... أرى بجميل الظنّ ما الله صانع أنشد ثعلب لعليّ بن مالك العقيلي: الطويل أتيت مع الحدّاث ليلى فلم أبن ... فأخليت فاستعجمت عند خلائي فقمت فلم أصبر فعدت ولم أحر ... جواباً كلا اليومين يوم عياء فيا عجباً ما أشبه اليأس بالغنى ... وإن لم يكونا عندنا بسواء

стр. 1694

قال بشّار: لقد عشت في زمانٍ وأدركت أقواماً لو احتفلت الدّنيا ما تجمّلت إّلا بهم، وإنّي لفي زمانٍ ما أرى عاقلاً حصيفاً، ولا فاتكاً ظريفاً، ولا ناسكاً عفيفاً، ولا جواداً شريفاً، ولا خادماً نظيفاً، ولا جليساً طريفاً، ولا من يساوي على الخبرة رغيفاً. سأل رجلٌ أبا الهذيل فقال له: أفعال العباد مخلوقة؟ قال: لا، قال: فمن خلقها؟ قال أبو الهذيل: أنت مشجوج؟ قال: لا، قال: فمن شجّك؟ قال رجلٌ لابن سيّار: أتعجب من رجلٍ يتهيّبك مع قبح صورتك؟ قال: ليس من حسنه يهاب الأسد. قيل لصوفيّ: أين الحقّ؟ قال: لو كان له أينٌ لم تثبت له عين. قال رجلٌ لأبي الهذيل: ما الدليل على حدث العالم؟ قال: الحركة والسكون، فقال السائل: الحركة والسكون من العالم، فكأنك قلت الدليل على حدث العالم العالم دل على حدث العالم بغير العالم فقال أبو الهذيل: جئتني بسؤالٍ من غير العالم جئتك بجوابٍ من غير العالم. عثر رجلٌ على امرأته وهي على فاحشةٍ فطلّقها، فاجتمع أهلها إليه وقالوا: عرّفنا ما رأيت من زوجتك، فما رأيت فيها؟ قال: سبحان الله، امرأةٌ كان زمامها بيدي وكنت بعلاً لها لم أبح بما كان منها، فلمّا بانت منّي، وصارت غريبةً أفضحها؟! لا يكون ذلك أبداً.

стр. 1695

جاء رجلّ إلى النبي ﷺ فقال له: صف لي الجنّة؟ فقال: " فيها فاكهةٌ ونخلٌ ورمّانٌ "؛ وجاء آخر فقال بمثل قوله، فقال: " سدرٌ مخضود، وطلحٌ منضود، وفرشٌ مرفوعة، ونمارق مصفوفة "؛ وجاء آخر فسأله عن ذلك فقال: " فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين "؛ وجاء آخر فسأله فقال: " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". فقالت عائشة: ما هذا يا رسول الله؟ قال: " إنّي أمرت أن أكلم الناس على قدر عقولهم ". حضّ منصور بن عمّار الناس على الغزو في فناء دار الرشيد بالرّقة، وطرحت امرأةٌ من حاشيته صرّةً تصحبها رقعةٌ قرئ فيها: رأيتك يا ابن عمّار تحضّ على الجهاد، وقد ألقيت إليك ذؤابتي فلست أملك والله غيرها، فبالله إّلا جعلتها قيد فارس غازٍ في سبيل الله تعالى، فعسى الله ﷻ يرحمني بذلك، فارتجّ المجلس بالبكاء، وضجّ بالنّحيب، وتعجّب الناس من ذلك. قال النبيّ ﷺ : " ما تعدّون الرّقوب فيكم؟ قالوا: التي لا يبقى لها ولد، قال ﵇: " بل الرّقوب الذي لم يقدّم من ولده شيئاً ". ذبحت عائشة شاةً فتصدّقت بها، وتركت كتفاً منها، فقال النبيّ صلّى الله عليه: " ما عندك منها "؟ قالت: ما بقي إّلا كتفٌ، قال: " كلّها بقي إّلا كتف ".

стр. 1696

شاعر: الخفيف لا أعدّ الإقتار عدماً ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام كان الفضيل يعظ ابنه كثيراً على الزّهد ويقول: يا بنيّ، ارفق بنفسك؛ وكان يوماً خلف الإمام يصلّي فسمع سورة الرحمن، فظلّ يتلوّى وأبوه ينادي: أما سمعت قوله: " حورٌ مقصوراتٌ في الخيام: فقال: يا أبت، لكني سمعت قوله: " يعرف المجرمون بسيماهم ". قال ابن سيرين: سمع من النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله في تلبيته يقول: " لبّيك حقاّ حقاّ تعبداً ورقّاً ". رأى ابن عبّاس عروة بن الزّبير يوماً متنكراً فقال له: ما شأنك؟ فقال: سلقني ابن عمّ لي بلسانه، فقال: خفّض عليك، فما من قومٍ فيهم غرّةٌ إّلا وإلى جانبه عرّة، وما ذئبٌ أغبس جائع بألحّ على فريسته ولا أنهك لها من ابن عمّ دنيٍّ على ابن عمّ سريّ. سئل عبد الله بن المبارك عن معاوية وقيل به: ما تقول فيه؟ قال: ما أقول في رجلٍ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله في صلاته: " سمع الله

стр. 1697

لمن حمده "، فقال من ورائه: ربّنا لك الحمد؟ سئل بعض العلماء عن الآيات التّسع التي كانت لموسى: ما هنّ؟ قال: العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدّم، والبحر، ورفع الطور، وانفجار الحجر، وقيل بدل البحر الجبل والبحر: الطوفان والطمس. سمعت الشيخ الإسماعيلي ينشد: الطويل ألا قاتل الله الهوى ما أشدّه ... وأصرعه للمرء وهو جليد دعاني إلى ما يبتغي فأجبته ... فأصبح بي يذهب حيث يريد نظر رجلٌ من المجّان إلى رجلٍ كثير شعر الوجه فقال: يا هذا خندق على وجهك لا يتحول رأساً. قيل لفيلسوف، وكان محبوساً: أّلا تكلّم الملك في إطلاقك؟ قال: لا، قيل: ولم؟ قال: لأن الفلك أحدّ أّلا يبقي على حدّ. وقال عليّ بن أبي طالب ﵁ في دعائه: اللهمّ لا تحوجني إلى أحدٍ من خلقك، فقال رسول الله ﵌: " مهلاً يا عليّ، إنّ الله جلّ ثناؤه خلق الخلق ولم يغن بعضهم عن بعض ".

стр. 1698

قال ابن سلاّم، قال أبو حنيفة: رأيت في النوم كأنّي أنبش عظام النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله، فسألت فقيل: هذا رجلٌ يحيي سنّته. يقال في الأمثال: من يزرع خيراً يحصد غبطةً، ومن يزرع شرّاً يحصد ندامةً. شاعر: الطويل إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً ... ندمت على التقصير في زمن البذر سئل أحمد بن حنبل عن قول الناس: عليٌّ قاسم الجنّة والنار، قال: هذا صحيح، لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله قال لعليّ بن أبي طالب: " لا يحبّك إّلا مؤمنٌ ولا يبغضك إّلا منافقٌ، فالمؤمن في الجنّة والمنافق في النار ". قال رجلٌ لبعض الزهّاد: كم آكل؟ قال: فوق الجوع ودون الشّبع، قال: فكم أضحك؟ قال: حتى يسفر وجهك ولا يسمع صوتك، قال: فكم أبكي؟ قال: لا تملّ البكاء من خشية الله، قال: فكم أخفي عملي؟ قال: حتى لا يرى الناس أنّك تعمل حسنةً، قال: فكم أظهر من عملي؟ قال: حتى يأتمّ بك الحريص، وينقضي عنك قول الناس. قال بعض النّسّاك: إنّ الشيطان يلعب بالقرّاء كما يلعب الصبيان بالكرة.

стр. 1699

قال بلال بن سعد: من سبقك بالودّ فقد استرقّك بالشّكر. قال النبيّ صلّى الله عليه: " الرغبة في الدنيا تطيل الهمّ والحزن، والزّهد فيها راحة القلب والبدن ". قال بعض الصالحين: لو رأيت يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ولملت إلى الزيادة في عملك، ولقصّرت من حرصك وحيلك، فإنّما تلقى غداً ندمك، وقد زلّت قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وتبرّأ منك القريب، وانصرف عنك الحبيب، فلا أنت إلى الدّنيا عائد، ولا في عملك زائد، فاعمل يا مغرور ليوم القيامة، قبل حلول الحسرة والنّدامة. وقال بعض السّلف: من هوان الدّنيا على الله ﷻ أن لا يعصى إّلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها. وقال فيلسوف: إذا أدركت الدنيا الهارب منها جرحته، وإذا أدركها الطالب لها قتلته. سئل الزّهري عن الزّهد فقال: والله ما هو من خشونة المطعم

стр. 1700

ولا من خشونة الملبس، ولا قشف الشّعر، ولا قحل الجلد، ولكنه ظلف النفس عن محبوب الشّهوة. دعا أعرابيٌّ في الكعبة فقال: اللهمّ إني أسألك الخوف منك حين يأمنك من لا يعرفك، وأسألك الأمن منك حين يخافك من يغترّ بك. نظر رجلٌ إلى فيلسوف فقال له: ما أشدّ فقرك، فقال له: لو علمت ما الفقر لشغلك الهمّ لنفسك عن الغمّ لي. سمع أبو الدّرداء وهو يقول لبعيرٍ له: ألم أعلفك وأسقك وأحسن إليك. قيل لشعبة: ما تقول في يونس عن الحسن؟ قال: سمن وعسل، قيل: فعوف عن الحسن؟ قال: خلّ وبقل، قيل: فأبان عن الحسن: قال: دعني لا أتقيأ. قيل للحسن: إنّ ابن سيرين ما احتلم قطّ، قال: لأنّ الاحتلام عرس النّسّاك إذا علم الله تعالى منهم العفاف.

стр. 1701

قال أبو ذرٍّ لغلامه: لم أرسلت الشّاة على العلف؟ قال: أردت أن أغيظك، قال: لأجمعنّ مع الغيظ أجراً، أنت حرٌّ لوجه الله تعالى. قال قتادة في قوله : " إنّه عملٌ غير صالحٍ ": أي سؤالك إيّاي ما ليس لك به علمٌ. قال محمد بن شهاب الزّهري: كنت عند عبد الملك بن مروان فدخل عليه رجلٌ حسن الفصاحة، فقال له عبد الملك: كم عطاؤك؟ قال: مائتا دينار، قال: في كم ديونك؟ قال: في مائتي دينار، قال: أما علمت أنّي أمرت أن لا يتكلّم أحدٌ بإعراب؟ قال: ما علمت ذلك، قال: أمن العرب أنت أم من الموالي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن تكن العربية أباً فلست منها، وإن تكن لساناً فإنّي منها، قال: صدقت، قال الله تعالى: " بيلسان عربيٍّ ميبنٍ ". قال ابن عيينة: إذا كانت حياتي حياة سفيهٍ، وموتي موت جاهل، فما يغني عنّي ما جمعت من طرائف الحكماء؟ قال عبد الله ابن إدريس: قال الله تعالى في أبي بكر الصّدّيق ﵁: ثاني اثنين إذ هما في الغار، وثاني اثنين في المشورة يوم بدر، وثاني اثنين في القبر، وثاني اثنين في الخلافة، وثاني اثنين في الجنّة. قال الحسن البصري: إنّ في أحكام الدّنيا وما أنزل الله تعالى ما

стр. 1702

يستدلّ به على غيب ما لا يرى من يقين الآخرة وعدل أحكامها، فما كان أشبه من أقرّ بالنّشأة الأولى أن يستدلّ بذلك على النشأة الأخرى، وما أشبه من عرف النّشور من النوم أن يستدلّ بذلك على النّشور من الموت، وما أشبه من عرف خلق أوّله أن يستدلّ بذلك على خلق آخره، وما كان أشبه من عرف ربّه أن يعترف بما وعده من خيرٍ أو شر، وما كان أشبه من عرف رضاه أن لا يخلّ بعملٍ يعمله، وما كان أشبه من توكّل له برزقه أّلا يتهمّ برزقه، وما كان أشبه من عرف ما يضرّه أن لا يؤثره على ما ينفعه، وكان أشبه من عرف ما ينفعه إّلا يدع ما ينفعه. سأل رجلٌ ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الاستواء فقال: ويلك مجهول، والاستواء غير معقول، والإيمان به واجب. وقال النزّال بن سبرة: سمعنا حذيفة يحلف لعثمان على أشياء ما قالها، وقد سمعناه قالها، فقيل له في ذلك فقال: أشتري ديني بعضه ببعضٍ مخافة أن يذهب كلّه. قال شبيل بن عوف: من سمع بفاحشةٍ فأفشاها فهو كالذي أنشأها. قال النّباجيّ: سمعت هاتفاً يقول: عجباً لمن وجد عند المولى

стр. 1703

كلّ ما يريد كيف ينزل حاجته بالعبيد. قال أبو سليمان الدّاريّ: من طلب الدّنيا على المحبّة لها لم يعط منها شيئاً إّلا أكثر منه، ليس لهذه غاية، ولا لهذه نهاية. دعا رجلٌ فيلسوفاً فأجابه، ثم دعاه مرةً أخرى فأبى عليه، فقيل له: ما هذا؟ فقال: إنّه لم يشكرني على المرة الأولى. قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأبي سليمان: إني لا أريد من الدنيا أكثر ممّا أعطى، فقال لي: لكني أعطى منها أكثر مما أريد. قال أبو سليمان: الزّهّاد في الدّنيا على طبقتين: منهم من يزهد في الدّنيا ولا تفتح له روح الآخرة فهو يغتمّ في دنياه لأنّ نفسه قد يئست من شهواتها، وليس شيءٌ أحبّ إليه من الموت لما يرجو من نعيم الآخرة، ومنهم من يزهد وتفتح له روح الآخرة فليس شيءٌ أحبّ إليه من البقاء ليطيع. قال أحمد بن أبي الحواريّ: سمعت أبا سليمان الدّاريّ يقول في رجلين تعبّدا وهما يشتهيان شهوةً وكلاهما لها تاركٌ، فخرجت من قلب أحدهما ولم تخرج من قلب الآخر، قال: الذي خرجت من قلبه أفضل، لأنه لم يخرجها فّلا شيءٌ من الآخرة، قال أحمد: فاختلفنا في المسألة بعباّدان وخرجنا إلى البصرة ولقينا رباحاً القيسيّ فوافقني عليها.

стр. 1704

كان أبو سليمان يقول: إنّ الله تعالى أكرم من أن يعذّب قلباً بشهوةٍ تركت من أجله، وذلك أنه قال: " من صدق في ترك شهوةٍ كفي مؤونتها ". وقال أبو سليمان: أرجو أن أكون قد بلغت من الرّضا طرفاً ولو أدخلني النار لكنت بذلك راضياً. قال السّريّ السّقطيّ: إذا رأيت الله تعالى يوحشك من الخلق، فاعلم أنّه يريد أن يؤنسك بنفسه. قال إسماعيل بن زياد أبو يعقوب: قدم علينا ها هنا بعبّادان راهبٌ من الشام ونزل دير أبي كبشة، فذكروا حكمة كلامه، فحملني ذلك على لقائه، فأتيته وهو يقول: إنّ لله عباداً سمت بهم هممهم نحو عظيم الذّخائر، قالتمسوا من فضل سيّدهم توفيقاً يبلغهم سموّ الهمم، فإن استطعتم أيّها المرتحلون عن قريبٍ أن تأخذوا ببعض أمرهم فإنّهم قومٌ قد ملكت الآخرة قلوبهم فلم تجد الدّنيا فيها ملبثاً، فالحزن بثّهم، والدّمع راحتهم، والدؤوب وسيلتهم، وحسن الظنّ قربانهم، يحزنون بطول المكث في الدّنيا إذا فرح أهلها، فهم فيها مسجونون، وإلى الآخرة منطلقون. فما سمعت موعظةً أنفع لي منها. قال معاوية بن قرّة: كنّا لا نحمد ذا فضلٍ عند فضله، فصرنا

стр. 1705

اليوم نحمد ذا شرٍّ لا يفضل عنه شرٌّ. يقال إنّ يوسف ﵇ كتب على باب السجن: هذه منازل البلوى، وقبو الأحياء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء. قال بعض السّلف: معادن البهاء لا يقطع بين متّصلها تفاوت الأعمار، ولا يعفّي آثارها بلى الأبدان، وليس كلّ من يحكي الحكمة كان من أهلها، أولئك أبناء الدّنيا وخول الجهل، المحجوجون باستعارة اسمها، المسلوبون منفعة عواقبها، ولكنّ أبناء الحكمة الذين حبوا بموت الدّنيا في عقولهم، ونعموا بتخليتها من قلوبهم، الذين أخلق عندهم جديد العبر، وغيّبها عنهم مشاهدتهم غيب المعاد، وانتقالهم إلى دار اليقين. غضب الإسكندر على شاعرٍ فأقصاه وفرّق ماله في الشعراء، فقيل له: أيّها الملك بالغت في عقوبته، قال: نعم، أمّا إقصائي إياه فلجرمه، وأمّا تفريقي ماله في أصحابه فلئلاّ يشفعوا فيه. وقيل للإسكندر: إنّ فلاناً يجود في السّكر بما يسحّ به في الصّحو، قال: لا يحمد، لأنّ الصّحو عقلٌ والسّكر مباينٌ للعقل. بلغ الإسكندر موت صديقٍ له فقال: ما يحزنني موته كما يحزنني أنني لم أبلغ من برّه ما كان أهله مني، فقال له فيلسوف: ما أشبه هذا القول بقول ابني وهو يجود بنفسه: ما يحزنني موتي كما يحزنني ما فات من إظهار بأسي وبلائي في العدوّ.

стр. 1706

قال أحمد بن أبي الحواريّ، سمعت أبا سليمان يقول: أهل قيام الليل على ثلاث طبقات: فمنهم من إذا قرأ بكى، ومنهم من إذا قرأ صاح، ومنهم من إذا قرأ تفكّر ولم يبك، فبهتّ، فقلت له: ما تفسيره؟ فقال: ما أقوى على تفسيره؛ قال أحمد: كان والله عارفاً له لكنّه كان لا يطيق أن يتكلم به. كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي يدعوه إلى الأرض المقدّسة، فكتب إليه سلمان: إن بعدت الدار من الدار فإنّ الرّوح من الرّوح قريب، وطائر السماء على إلفه من الأرض يقع. كان آخر من مات من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله: بالمدينة جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر بمكّة، وأنس بن مالك بالبصرة، وعبد الله ابن أبي أوفى بالكوفة، وأبو أمامة الباهليّ بالشام. قال بعض السّلف: يقال: صفوة الله تعالى من خلقه أهل التوحيد، وصفوته من أهل التوحيد أهل السّنّة، وصفوته من أهل السّنّة أهل الورع عن محارم الله تعالى، وصفوته من أهل الورع أهل الزّهد، وصفوته من أهل الزّهد أهل البصيرة، وصفوته من أهل البصيرة أهل الخضوع والتواضع.

стр. 1707

قال محمد بن حبيب، حدّثني أبي قال: دعانا محمد بن العبّاس العتبيّ، وكان من الصالحين، وعنده جماعةٌ، وكان فيهم أحمد بن عبد الرزّاق، فقدّم إلينا خبيصٌ فأخذ أحمد لقمةً من القصعة فناولني إياها وقال: اجعلها أنت بيدك في فمي. ففعلت، قال لي: أتدري بم فعلت هذا؟ إنّه يروى: من لقّم أخاه لقمةً حلوةً وقاه الله تعالى مرارة يوم القيامة، فأحببت أن تلقمنيها حتى يوقيك الله تعالى مرارة يوم القيامة. لسعية بن غريض اليهوديّ: السريع هاجك بالروض وقريانها ... دارٌ تعفّت بعد إخوانها تسري عليها كلّ حنّانةٍ ... مولعةٍ منها بجولانها مفصّوة الأجزاع مجهولةٍ ... كأنّما أعين خزّانها جزع كعابٍ خانه سلكه ... بين تراقيها وأردانها يهدي لها الأرواح من ريحها ... نفح خزاماها وحوذانها وله أيضاً في رواية ابن حبيب: المتقارب لقد هاج نفسك أشجانها ... وعاودك اليوم أديانها بذكرّ ليلى وما ذكرها ... وقد قطعت منك أقرانها

стр. 1708

ودويّةٍ سبسبٍ مرعشٍ ... من البيد تعزف جنّانها وعيرانةٍ كأتان الثّمي ... يل تمرح في الآل أشطانها وقفت عليها فساءلتها ... وقد ذهب الحيّ ما شانها قال الصّولي: كنّا عند المبرّد يوماً فاجتاز به رجلٌ فقال له أبو العبّاس: قد كلّمتك في فلان، فقال الرجل: قد سمعت وأطعت، وشغلت بضاعته، فما كان من نقصٍ فعليّ، وما كان من زيادةٍ فله، فقال المبرّد: لله درّك، أنت كما قال زهير بن أبي سلمى: الوافر وسارٍ سار معتمداً إلينا ... أجاءته المخافة والرّجاء ضمنّا ماله فغدا سليماً ... علينا نقصه وله النّماء قال المبرّد، قال رجلٌ من الرّافضة: كان جرير والفرزذق يقولان: الحمد لله الذي شغل السيّد الحميريّ عنّا بمذهبٍ وإّلا لم نكن معه في شيء، قلت له: إنّهما لم يرياه، قال: فسمعا به، قلت: ولم يسمعا به، كان بعدهما، قال: فقدّما قولاً فيه، قلت: ما كان الوحي ينزل عليها، قال: فرأياه في النّوم فقالا هذا، فقلت: " أضغاث أحلامٍ وما نحن بتأويل

стр. 1709

الأحلام بعالمين " فقال: والله لقد تلي هذا فيه، قلت: يمينٌ فاجرةٌ، قال: أنت والله تنصب منذ اليوم. وقف أحمد بن الطّيّب السّرخسي على المبرّد يوماً مسلماً، فقال المبرّد: أنت والله كما فقال البحتري: الوافر خصال النّبل في أهل المعالي ... مفرقةٌ وأنت لها جماع قال المبرّد: قصدني رجلٌ فاستشفع بي في حاجةٍ وأنشدني لنفسه: البسيط إنّي قصدتك لا أدلي بمعرفةٍ ... ولا بقربى ولكن قد فشت نعمك فبتّ حيران مكروباً يؤرقني ... ذلّ الغريب ويغشيني الكرى كرمك ما زلت أنكب حتى زلزلت قدمي ... فاحتل لتثبتها لا زلزلت قدمك فلو هممت بغير العرف ما علقت ... به يداك ولا انقادت له شيمك قال المبرّد: فبلّغته جميع ما قدرت عليه. قال الإسكندر لمّا قتل دارا: إنّ قاتل دارا لا يعيش. قيل لديوجانس: لم تأكل في السّوق؟ قال: لأنّي جعت في السّوق.

стр. 1710

ورأى رجلاً قد خصب شيبه فقال: يا هذا أخفيت شيبك فهل تقدر أن تخفي هرمك؟ ورأى ديوجانس رجلاً يدعو ربّه أو يرزقه الحكمة فقال: لو قبلت الأدب رزقتها. ورأى غلاماً أسود يرمي بالحجارة فقال: لا ترم لعلّك تصيب أباك ولا تعلم. ورأى صبيّاً يشبه أباه فقال: نعم الشاهد أنت لأمّك. قال الرّياشي: حدّثنا أبو حفص الغفاريّ عن رجلٍ من الأنصار قال، أخبرني من سمع الأحوص بن مالك رافعاً عقيرته يقول: الطويل لعمرك ما جاورت غمدان طائعاً ... وقصر شعوبٍ أن أكون بها صبّا ولكنّ حمّى أضرعتني ثلاثةً ... فجاوزتها ثمّ استمرّت بنا غبّا ومصرع إخوانٍ كأنّ أنينهم ... أنين المكاكي أنقرت بلداً خصباً قال المفجّع: المكاكيّ جمع مكّاءٍ، وأنقرت: أقامت، والمنقر: المنزل، ومنه سمّي الرجل، ومنه قول الآخر:

стр. 1711

ونقّري ما شئت أن تنقّري قال: ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: الخفيف قلت لا بدّ أن أنقّر عنك ... نّ فحاجرنني بعبد مناف أي لا بدّ أن أعرف منزلكنّ. قال: فيروى في شعر الأحوص: وقصر شعوب بالرفع، ويقال: شعوب: المنيّة، قال المنانيّ: الكامل ذهبت شعوب بماله وبأهله ... إنّ المنايا للرجال شعوب والمرء من ريب النون كأنّه ... عودٌ تعاوره الرّعاء ركوب نصباً لكلّ مصيبةٍ يرمى بها ... حتى يصاب سواده المنصوب قال: ومن روى وقصر بالنصب قال: هو موضعٌ؛ قال ويروى: ولكنّ حمّى أضرعتني ثلاثةً ... مجرمةً ثم استمرّت بنا غبّا يعني ثالثة أشهر تامّة. قال المفجّع: حدّثنا أبو يعقوب النّحوي قال، حدّثنا الرّياشي قال، سمعت القحذميّ يحدّث عن ابن دأبٍ قال: فقدت امرأةٌ من بجيلة أخاً لها، فجعلت تنشده في قبائل العرب حتى انتهت إلى حيًّ من الأحياء فقالوا: قد وجدته ولم تجديه، وجاءوا بها إلى قبرٍ مكتوبٍ عليه: الطويل أليحا لليلى قبر من لو رأيته ... يجود وتأبى نفسه وهو ضائع سقيطٌ كجثمان الخلى لم يلطف به ... حميمٌ ولم تذرف عليه المدامع إذاً لرأيت الذّلّ والضّيم قد بدا ... لليلى ولم يدفع لك الضّيم دافع

стр. 1712

قال المفجّع: الخلى ها هنا هو العود المقطوع من النّبات؛ قال: وسمعت المبرّد يقول: الجثمان: الشخص، والجسمان - بالسين -: الجسم: والشّجى ها هنا: الغصص، وأصله عويدٌ يعترض في الحلق. وأنشد لابن دريد: الكامل نهنه بوادر دمعك المهراق ... أيّ ائتلاف لم يرع بفراق لا تغلبنك على العزاء خواطرٌ ... للشّوق هنّ رواشف الآماق كم ذا تحنّ إلى العراق وأهله ... كم تامت الدّنيا بغير عراق لقي رجلٌ داود الطّائي فقال: من أين يا داود وإلى أين؟ قال داود: استوحشت من الناس وأنست بالله تعالى، فقال: يا داود، هذا إن قبلك، فصاح صيحةً وخرّ مغشياً عليه ثم أفاق فقال: نبّهك الله إذ نبّهتني. قيل لرابعة: أيّ عملك أرجى إليك عندك؟ قالت: أرجى عملي عندي خوفي أن لا يقبل. وقال النبيّ صلّى الله عليه في دعائه: " اللهمّ ارزقني حبّك وحبّ ما ينفعني حبّه عندك؛ اللهمّ ما رزقتني ممّا أحبّ فاجعله قوةً لي فيما تحبّ، وما زويت عنّي ممّا أحبّ فاجعله فراغاً لما تحبّ ". نظر بعض العارفين إلى آخر في محفلٍ يدعو إلى الله فقال له:

стр. 1713

إنّي خفت عليك العجب من كثرة الناس، فقال: إنّما يعجب المؤمن أمرٌ هو منه، فأمّا من أمره من غيره ففيم العجب؟ وأنشد: الطويل وصفت التّقى حتى كأنّك ذو تقىً ... وريح الخطايا من ثيابك يسطع ولم تعن بالأمر الذي هو واجبٌ ... وكلّ امرئٍ يعنى بما يتوقّع قال ثعلب: الأجهر: الذي لا يبصر بالنهار، والأعشى: الذي لا يبصر بالليل، يقال: عشا يعشو إذا أصابه شيءٌ فضعف بصره، وعشي يعشى إذا كان الضعف في البصر خلقةً؛ وقال الأصمعيّ: لا يعشى إّلا من بعد ما يعشو، أي لا يعمى إّلا من بعد ما يضعف بصره. تقدّم الأشعث بن قيس إلى شريحٍ قاضي الكوفة فقال: يا أبا أميّة، لعهدي بك وإنّ شانك لشوين، فقال شريح: يا أبا محمد، أنت تعرف نعمة الله تعالى على غيرك، وتجهلها من نفسك. قيل لابن عيينة: إنّ فلاناً ينتقضك، فقال: نطيع الله فيه مقدار ما عصى الله فينا. وكان من سؤدد العبّاس في الجاهلية أن جفنته كانت تروح على فقراء عبد مناف، ودرّته على سفهائهم. قال ابن السّمّاك: ما المشتار الجنيّ، مع الرّازقيّ الشهيّ، بأحبّ إلى الفاجر الشقيّ، من أن يغتاب المؤمن التقيّ.

стр. 1714

هكذا قال: المشتار، وقد جاء في شعر عديّ بن زيد، والمشهور: شرت العسل فهو مشور. أهدي إلى عمر بن عبد العزيز تفاحٌ لبنانيّ، وكان قد اشتهاه، فردّه، فقيل له: قد بلغك أنّ النبيّ ﵌ كان يأكل الهديّة، فقال عمر: إنّ الهدية كانت لرسول الله ﵌ هديّة، ولنا رشوة. قال المبرّد: مات ابن عمٍّ لأبي محلّم السّعدي يقال له الخليل بن أوس من أهل عسكر مكرم وخلّف عشرين ألف دينار فأوصى بها لأبي محلّم، وقال: من يرثني غيره؟ فدفعوا المال إليه فأبى أن يأخذه وقال: من هذا العلج حتى أرثه؟ والله ما وشجت بنا رحمٌ، فقال أبو هفّان: يا رقيع، خذ المال وارجع قرشيّاً إن شئت أو تميمياً، فكلٌ أحدٍ يقبلك ويحلف عنك، فأبى، فقال أبو العيناء: رغبت يا أبا محلّم في الدعوة حين زهد الناس فيها، وزهدت في المال حين رغب فيه الناس، قال المبرّد: وعنّفته في ترك المال فما قبل فغاطني فقلت: الوافر المجزوء يقول دعيّ سعدٍ حي ... ن لم يرني وقد أمنا أنا السّعديّ إن سكتوا ... فقلت له وأين أنا ذكر المعتضد بين يدي المبرّد فقال: هو كما قال الأخطل: الكامل

стр. 1715

تسمو العيون إلى إمام عادلٍ ... معطى المهابة نافعٍ ضرّار وترى عليه إذا العيون رمقنه ... سمة الحليم وهيبة الجبّار قال المبرّد: قال لي عمارة بن عقيل وكانت في يدي كأسٌ مائلةٌ: إنّ كأسك لعلى عدواء. قال: قال ابن الأنباري، قال المبرّد: حذفوا الهاء من طالق لأنّه بمعنى شخص طالق، وكذلك رجلٌ ضحكة، وأبطل أصحاب الفرّاء هذا وقالوا: يلزمه أن يقول: زيدٌ قائمةٌ على معنى: نسمة قائمة، وهذا محال. قال عبد الصّمد بن المعذّل: الرجز يا ربّ إن كنت ترى المبرّدا ... إن قاس في النّحو قياساً أفسدا ويكسر الشّعر إذا ما أنشدا ... وإن تحسّى الكأس يوماً عربدا فاقدر له حيّة قفٍّ أسودا ... أنيابه عوجٌ كأمثال المدى لو نكز الفيل العظيم الأربدا ... بنابه جرّعه كأس الرّدى رأى فيلسوف معلّماً يعلّم جاريةً ويعلّمها الخطّ فقال: لا تزد الشرّ شرّاً.

стр. 1716

ورأى جاريةً تحمل ناراً فقال: نارٌ على نار، والحاملة شرٌّ من المحمولة. ورأى مرةً امرأةً قد حملها السّيل فقال: زادت على كدرٍ كدراً، والشرّ بالشرّ يهلك. ورأى امرأةً في ملعبٍ فقال: ما خرجت لترى ولكن لترى. وسمع رحلاً يذكره بسوءٍ فقال: ما علم الله منّا أكثر ممّا تقول. ورأى امرأةً تبكي على ميتٍ فقال لها: إن كان من رأيك معاودة الأكل والشّرب فلا تبكي، وإن كان رأيك الصبر عنهما فعليك بالبكاء. ورأى امرأةً عوراء تصنع نفسها فقال: نصف الشرّ شرّ. قال الزّبير بن بكّار: اسم كلّ طعام يدعى عليه الجماعة: العرس، والإعذار، والخرس، والوكيرة، والنقيعة، والعقيقة، والمأدبة؛

стр. 1717

فالعرس: طعام الوليمة، يقال: أولم على أهله؛ والإعذار: طعامٌ يتخذه الرجل لإعذار الصبيّ وهو ختانه؛ والوكيرة: طعام يتّخذه إذا بنى داراً؛ والنّقيعة: ما يتّخذ من جنب عرض المغنم قبل أن يقسم؛ والعقيقة: طعامٌ يتّخذ إذا عقّ عن الصبي أي حلقت عقيقته، والعقيقة: شعر رأس الصبيّ إذا ولد. للزّبير بن بكّار: الرجز إن مطايا الحين أشباهٌ ذلل ... وطال ما قد غرّ بالسّهو الأمل وإنّ حزب الله إخوانٌ وصل ... على الثأى لا خانةٌ ولا خذل. لأحمد بن المعذّل: الرجز أيّتها النفس اسمعي لقيلي ... أنت من الحياة في أصيل وأنت صبّ الأمل الطويل ... فلا يغرّنك مدى التأميل وقد دنت شمسك من أفول سألت السّيرافي عن الزّنباع ما هو، قال: السّيّء الخلق والنون زائدةٌ. لأبي الوليد الحارثي، وهو عبد الملك بن عبد الرحيم: الطويل لعمري لقد بلّغت قومي أناتهم ... وأمهلتهم لو يرعوون لممهل

стр. 1718

وأسمعتهم رفع النداء فأعرضوا ... بأسماعهم عن قول عانٍ مكبّل وما بهم أن لست من سرواتهم ... ولكنّ من يعثر به الدهر يخذل أساءوا فإن أشك الإساءة منهم ... أعبهم وإّلا أشكهم أتململ فما أنصفتني في الحكومة أسرتي ... ولا عدلوا عنّي هواهم بمعدل لقوا وجه إجمالي بوجه إساءتي ... وما اعتدلت حالاً مسيءٍ ومجمل قال عبد الكريم بن أبي العوجاء في وصف قوم: واله للحكمة أزلّ عن قلوبهم من المداد عن الأديم الدّهين. قال يحيى بن خالد: رأيت شرّيب خمرٍ نزع، ولصّاً أقلع، وصاحب فواحش راجع، ولم أر كاذباً رجع. وقال يحيى بن خالد: ما سقط غبار موكبي على لحية أحدٍ إّلا أوجبت حقّه. ليحيى بن خالد: الكامل اللّيل شيّب والنهار كلاهما ... رأسي بكثرة ما تدور رحاهما يتناهبان نفوسنا ودماءنا ... ولحومنا جهراً ونحن نراهما والشّيب إحدى الميتتين تقدّمت ... أولاهما وتأخّرت أخراهما وقّع يحيى بن خالد في رقعة رجلٍ مليح الخطّ، رديء الكلام:

стр. 1719

الخطّ جسمٌ روحه الكلام، ولا ينتفع بجسمٍ لا روح فيه. قيل لابن سيّابة: ما نظنّك تعرف الله، قال: وكيف لا أعرف من أجاعني وأعراني وأدخلني في حر أمّي. قال عتبة الأعور في سيّابة والد إبراهيم، وكان حجّاماً: المنسرح أبوك أوهى النّجاد عاتقه ... كم من كميٍّ أدمى ومن بطل يأخذ من ماله ومن دمه ... لم يمس من ثائرٍ على وجل قال أبو حاتم، قال الأصمعي: أخذ يحيى بن خالدٍ بيدي فأقدمني على قبرٍ بالحيرة فإذا عليه مكتوبٌ: السريع إنّ بني المنذر عام ابتنوا ... بحيث شاد البيعة الراهب تنفح بالكافور أردانهم ... وعنبرٍ يقطبه القاطب والخبز واللحم لهم راهنٌ ... وقهوةٌ راووقها ساكب والقطن والكتّان أثوابهم ... لم يجب الصّوف لهم جائب فأصبحوا أكلاّ لدود الثّرى ... والدّهر لا يبقى له صاحب كتب رجلٌ إلى يحيى بن خالد رقعةً فيها: الطويل شفيعي إليك الله لا شيء غيره ... وليس إلى ردّ الشّفيع سبيل فأمره بلزوم الدّهليز، فكان يعطيه في كلّ صباحٍ ألف درهم، فلمّا استوفى

стр. 1720

ثلاثين ألفاً مضى، فقال يحيى: والله لو أقام إلى آخر العمر ما قطعتها عنه. أنشد ثعلب: المتقارب فلمّا بصرنا به طالعاً ... حللنا الحبى وابتدرنا القياما فلا تنكرنّ قيامي له ... فإنّ الكريم يجلّ الكراما قال الصّولي: كمّأ عند ثعلب فغضب على المدائني النّحوي ثم سكن بعد إفراطٍ فقال: عوتب العتّابيّ في مخاصمة رجلٍ وقد زاد في القول فقال: إذا تشاجرت الخصوم، طاشت الحلوم، ونسيت العلوم. قال العنزي: أنشدني شيخٌ من أسارى بني نمير أيام الواثق وهو مشورٌ على بعير مع جماعةٍ: الوافر للبسي برنسي ونقاء عرضي ... أحبّ إليّ من جدد الثّياب يروح المرء مختالاً بطيناً ... نقيّ الثّوب مطبوع الإهاب فقلت له: ما مطبوع الإهاب؟ فقال: منطوٍ على بخور. قال أبو العيناء: كلام ابن المقفّع صريح، ولسانه فصيح، وطبعه صحيح، كأنّ كلامه لؤلؤٌ منثور، أو وشيٌ منشور، أو روضٌ ممطور. وقال أيضاً: حدّثني رجلٌ من قريش قال: لقيت النسّابة البكريّ بمنىً فقلت: أيّ الشعراء أغزل؟ فقال: أصدقهم وجداً الذي إن
следующие страницы →