Полный текст (2 098 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
ورأى جاريةً تحمل ناراً فقال: نارٌ على نار، والحاملة شرٌّ من المحمولة.
ورأى مرةً امرأةً قد حملها السّيل فقال: زادت على كدرٍ كدراً، والشرّ بالشرّ يهلك.
ورأى امرأةً في ملعبٍ فقال: ما خرجت لترى ولكن لترى.
وسمع رحلاً يذكره بسوءٍ فقال: ما علم الله منّا أكثر ممّا تقول.
ورأى امرأةً تبكي على ميتٍ فقال لها: إن كان من رأيك معاودة الأكل والشّرب فلا تبكي، وإن كان رأيك الصبر عنهما فعليك بالبكاء.
ورأى امرأةً عوراء تصنع نفسها فقال: نصف الشرّ شرّ.
قال الزّبير بن بكّار: اسم كلّ طعام يدعى عليه الجماعة: العرس، والإعذار، والخرس، والوكيرة، والنقيعة، والعقيقة، والمأدبة؛
стр. 1717
فالعرس: طعام الوليمة، يقال: أولم على أهله؛ والإعذار: طعامٌ يتخذه الرجل لإعذار الصبيّ وهو ختانه؛ والوكيرة: طعام يتّخذه إذا بنى داراً؛ والنّقيعة: ما يتّخذ من جنب عرض المغنم قبل أن يقسم؛ والعقيقة: طعامٌ يتّخذ إذا عقّ عن الصبي أي حلقت عقيقته، والعقيقة: شعر رأس الصبيّ إذا ولد.
للزّبير بن بكّار: الرجز
إن مطايا الحين أشباهٌ ذلل ... وطال ما قد غرّ بالسّهو الأمل
وإنّ حزب الله إخوانٌ وصل ... على الثأى لا خانةٌ ولا خذل.
لأحمد بن المعذّل: الرجز
أيّتها النفس اسمعي لقيلي ... أنت من الحياة في أصيل
وأنت صبّ الأمل الطويل ... فلا يغرّنك مدى التأميل
وقد دنت شمسك من أفول
سألت السّيرافي عن الزّنباع ما هو، قال: السّيّء الخلق والنون زائدةٌ.
لأبي الوليد الحارثي، وهو عبد الملك بن عبد الرحيم: الطويل
لعمري لقد بلّغت قومي أناتهم ... وأمهلتهم لو يرعوون لممهل
стр. 1718
وأسمعتهم رفع النداء فأعرضوا ... بأسماعهم عن قول عانٍ مكبّل
وما بهم أن لست من سرواتهم ... ولكنّ من يعثر به الدهر يخذل
أساءوا فإن أشك الإساءة منهم ... أعبهم وإّلا أشكهم أتململ
فما أنصفتني في الحكومة أسرتي ... ولا عدلوا عنّي هواهم بمعدل
لقوا وجه إجمالي بوجه إساءتي ... وما اعتدلت حالاً مسيءٍ ومجمل
قال عبد الكريم بن أبي العوجاء في وصف قوم: واله للحكمة أزلّ عن قلوبهم من المداد عن الأديم الدّهين.
قال يحيى بن خالد: رأيت شرّيب خمرٍ نزع، ولصّاً أقلع، وصاحب فواحش راجع، ولم أر كاذباً رجع.
وقال يحيى بن خالد: ما سقط غبار موكبي على لحية أحدٍ إّلا أوجبت حقّه.
ليحيى بن خالد: الكامل
اللّيل شيّب والنهار كلاهما ... رأسي بكثرة ما تدور رحاهما
يتناهبان نفوسنا ودماءنا ... ولحومنا جهراً ونحن نراهما
والشّيب إحدى الميتتين تقدّمت ... أولاهما وتأخّرت أخراهما
وقّع يحيى بن خالد في رقعة رجلٍ مليح الخطّ، رديء الكلام:
стр. 1719
الخطّ جسمٌ روحه الكلام، ولا ينتفع بجسمٍ لا روح فيه.
قيل لابن سيّابة: ما نظنّك تعرف الله، قال: وكيف لا أعرف من أجاعني وأعراني وأدخلني في حر أمّي.
قال عتبة الأعور في سيّابة والد إبراهيم، وكان حجّاماً: المنسرح
أبوك أوهى النّجاد عاتقه ... كم من كميٍّ أدمى ومن بطل
يأخذ من ماله ومن دمه ... لم يمس من ثائرٍ على وجل
قال أبو حاتم، قال الأصمعي: أخذ يحيى بن خالدٍ بيدي فأقدمني على قبرٍ بالحيرة فإذا عليه مكتوبٌ: السريع
إنّ بني المنذر عام ابتنوا ... بحيث شاد البيعة الراهب
تنفح بالكافور أردانهم ... وعنبرٍ يقطبه القاطب
والخبز واللحم لهم راهنٌ ... وقهوةٌ راووقها ساكب
والقطن والكتّان أثوابهم ... لم يجب الصّوف لهم جائب
فأصبحوا أكلاّ لدود الثّرى ... والدّهر لا يبقى له صاحب
كتب رجلٌ إلى يحيى بن خالد رقعةً فيها: الطويل
شفيعي إليك الله لا شيء غيره ... وليس إلى ردّ الشّفيع سبيل
فأمره بلزوم الدّهليز، فكان يعطيه في كلّ صباحٍ ألف درهم، فلمّا استوفى
стр. 1720
ثلاثين ألفاً مضى، فقال يحيى: والله لو أقام إلى آخر العمر ما قطعتها عنه.
أنشد ثعلب: المتقارب
فلمّا بصرنا به طالعاً ... حللنا الحبى وابتدرنا القياما
فلا تنكرنّ قيامي له ... فإنّ الكريم يجلّ الكراما
قال الصّولي: كمّأ عند ثعلب فغضب على المدائني النّحوي ثم سكن بعد إفراطٍ فقال: عوتب العتّابيّ في مخاصمة رجلٍ وقد زاد في القول فقال: إذا تشاجرت الخصوم، طاشت الحلوم، ونسيت العلوم.
قال العنزي: أنشدني شيخٌ من أسارى بني نمير أيام الواثق وهو مشورٌ على بعير مع جماعةٍ: الوافر
للبسي برنسي ونقاء عرضي ... أحبّ إليّ من جدد الثّياب
يروح المرء مختالاً بطيناً ... نقيّ الثّوب مطبوع الإهاب
فقلت له: ما مطبوع الإهاب؟ فقال: منطوٍ على بخور.
قال أبو العيناء: كلام ابن المقفّع صريح، ولسانه فصيح، وطبعه صحيح، كأنّ كلامه لؤلؤٌ منثور، أو وشيٌ منشور، أو روضٌ ممطور.
وقال أيضاً: حدّثني رجلٌ من قريش قال: لقيت النسّابة البكريّ بمنىً فقلت: أيّ الشعراء أغزل؟ فقال: أصدقهم وجداً الذي إن
стр. 1721
سمعت شعره أويت لقائله، أما نفث في سمعك قول حجازيّكم عبد الله جدعان النهدي، واستخفّه مرةً الوجد فقال وكان فارّاً في بلاد فزارة: الوافر
بكى وأقرّه الشمل الشّتيت ... وأسعدت الجبال به المروت
حجازيّ الهوى علقٌ بنجدٍ ... جويٌّ ما يعيش ولا يموت
تغاديه الهموم لها أجيجٌ ... ويسلمه إلى الوجد المبيت
كأن فؤاده كف غريق ... يمدها بشط البحر حوتُ
لهندٍ منك عينٌ ذات سجلٍ ... وقلبٌ سوف يألم أو يفوت
إذا اكتنفا بضرهما سقيماً ... فليس على شفائهما مقيت
دعا عيسى بن علي ابن المقفّع إلى الغداء فقال: أعزّ الله الأمير لست يومي أكيلاً للكرام، قال: ولم؟ قال: لأنّي مزكومٌ، والزّكمة قبيحة الجوار، مانعةٌ من معاشرة الأحرار.
وكان ابن المقفّع يقول: إذا نزل بك مكروهٌ فانظر، فإن كان له
стр. 1722
حيلة فال تعجز، وإن كان مما لا حيلة له فلا تجزع.
قال الأصمعي: قال ابن المقفّع لبعض الكتّاب: إيّاك والتّتبّع لوحشيّ الكلام طمعاً في نيل البلاغة، فإنّ ذلك العيّ الأكبر.
قال العتبيّ: قال ابن المقفّع: إنّ مما يسخّي بنفس العاقل عن الدنيا علمه بأنّ الأرزاق لم تقسم فيها على قدر الأخطار.
قال أبو سنان الغسّاني: كنت جالساً مع وهب بن منبّه إذ جاء عطاءٌ الخراساني فجلس معنا، فقال له وهب: ويحك يا عطاء، تأتي من يغلق عليك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه، ويظهر لك غناه ويقول: ادعوني استجب لكم؟! ويحك يا عطاء، إن كان يغنيك ما يكفيك فإنّ أدنى ما فيها يغنيك ما يكفيك فإنّ أدنى ما فيها يغنيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس فيها شيءٌ يغنيك. ويحك يا عطاء، إنّما بطنك بحرٌ من البحور، ووادٍ من الأودية لا يملأه إّلا التراب.
قال وهب: وجدت في بعض الكتب: من استغنى بأموال الفقراء افتقر بها، وكلّ بيتٍ بني بقوت الضعفاء جعل آخره خراباً.
قال وهب: بينما ركبٌ يسيرون إذ هتف بهم هاتف: الطويل
стр. 1723
ألا إنّما الدّنيا مقيلٌ لرائحٍ ... قضى وطراً من حاجةٍ ثم هجّرا
ألا لا ولا يدري على ما قدومه ... ألا كلّ ما قدّمت تلقى موفّرا
قال وهب: وجدت في بعض الكتب: الدّنيا غنيمة الأكياس، وعطيّة الجهّال.
قال وهب: قرأت في بعض الكتب: كلّ حيٍّ ميتٌ، وكلّ جديدٍ بالٍ.
قال عروة بن رويم اللخمي: إنّ يهوديّاً يقال به حنين نخس بامرأةٍ مسلمةٍ حماراً فقمص فصرعها فوقعت فانكشفت، فكتب إلى عمر فكتب: ليس على هذا صالحناهم، قد خلع ربقة الذّمة من رقبته فاصلبوه حياً. فلمّا نصب على خشبةٍ أتته امرأته وعليه خفّان جديدان فقالت: الآن تموت فما تصنع بالخفّين؟ فاجترّتهما عنه فجعل الناس يقولون: انقلبت بخفّي حنين.
ويعقوب بن السّكّيت قد قال غير هذا، ولكن قرأت هذا في أخبار المفجّع.
وقال ثعلب: من قرأ " جمع مالاً " بالتخفيف جمعه مرةً واحدةً، ومن قرأ: " جمّع مالاً " جمعه مرةً بعد مرةً، ومن قرأ: " وعدّده " جعله عدّةً، ومن قرأ: " وعدده " أراد أهله وناصريه.
стр. 1724
قيل لصوفيّ: ما مثال الدنيا؟ قال: هي أقلّ من أن يكون لها مثل.
يقال: حفشت الأدوية إذا سالت كلّها، وحفشت المرأة على زوجها إذا أقامت عليه ولزمته، والحفش أيضاً: البيت القريب السّمك من الأرض.
وقال: الأسلوب: السّطر من الشّجر. هذا كلّه قاله المفجّع.
وأنشد: الوافر
أتته وهي جانحةٌ يداها ... جنوح الهبرقيّ على الفعال
والفعال بكسر الفاء: نصاب الفأس، وأما الفعال بالفتح فالكرم، هكذا قال الناس.
قيل لناسكٍ: ما الحيلة؟ ترك الحيلة.
وصف أعرابيٌّ قوماً فقال: كأنّ خدودهم ورق المصاحف، وكأنّ أعناقهم أباريق الفضّة، وكأنّ حواجبهم الأهلّة.
قال أبو حازم الأعرج: الدّنيا غرّت أقواماً فعملوا فيها بغير
стр. 1725
الحقّ، ففاجأهم الموت فخلّفوا مالهم لمن لا يحمدهم، صاروا إلى من لا يعذرهم، وقد خلفنا بعدهم، فينبغي أن ننظر إلى الذي كرهناه فنجتنبه، والذي غبطناهم به فنستعمله.
كتب الجاحظ في الملح: المزح متفاوت الأشكال في السّخف، كما أنّ الجدّ متفاوت الأقدار في الوزن، فلم نقصد إلى الباطل، ولا إلى ما لا يردّ نفعاً في عاجل، ولا مرجوع له في آجل، بل إنّما أردنا أن يكون ذلك الضحك إجماماً للقوّة، وتنشيطاً على العمل، وقد حكى الله تعالى عن اليهود قولهم " يد الله مغلولةٌ " وإنّ الله فقيرٌ وهم أغنياء، فكانت الحكاية كفراً مسخوطاً، وكذباً مرفوضاً، ولست تعرف فضل النعمة عليك في حسن البيان حتى تعرف شدّة البليّة في قبح العيّ، ومتى سمعت التهكّم في القول، عرفت فضل النّعمة في الاقتصاد، ومن لم يعرف السّوء لم يجتنبه، ومن لم يعرف الإضاعة لم يعرف الحزم. وقيل لعمر: فلانٌ لا يعرف الشرّ قال: ذاك أجدر أن يقع فيه؛ قال النابغة: الطويل
ولا يحسبون الشرّ لا شرّ بعده ... ولا يحسبون الشرّ ضربة لازب
ولآخر: الطويل
ولا يحسبون الشرّ حتى يصيبهم ... ولا يعرفون الخير إّلا تدبّرا
وكانت العرب تقول: نعوذ بالله من الرأي الدّبريّ؛ وقال جثّامة بن
стр. 1726
قيس: البسيط
وقلّما يفجأ المكروه صاحبه ... حتى يرى لوجوه الشّرّ أسبابا
كاتب: فكيف لي في دهرٍ قد درست فيه أعلام الكرم، وعفت معالم الخير، وانقطعت موادّ النّبل، وصار الشّرّ وسيلةً، والدناءة ذريعةً، واللؤم حزماً، والجود ضعفاً.
قال أعرابيّ لصاحبٍ له: لست أقتضي الوفاء بكثرة الإلحاح فأثقل عليك، ولا أقابل الجفاء بترك العتاب فأغتنم القطيعة منك.
قال أعرابيٌّ ليحيى بن خالد: لولا أنّك أمسكت من رمق المكارم لقامت عليها المآتم.
قال أعرابي: من كان لأهله كهفاً انسدّ، وجبلاً انهدّ، ونجماً انقضّ، وعزاً تقوّض.
كاتب: الحمد لله الذي أعقب العبرة بالحبرة، وأبدل التّرحة بالفرحة، ووصل المصيبة بالموهبة، وجبر الرزيّة بالعطيّة، وفي كتاب الله سلوةٌ من فقدان كلّ حبيب وإن لم تطب النفس به، وأنسٌ من كلّ فقيدٍ وإن عظمت اللّوعة به.
كاتب: كتابي عن قلبٍ باخع، وطرفٍ دامع، وفؤادٍ لائع.
стр. 1727
قيل: لم صار الأحدب أخبث الناس؟ قال: لأنه قرب فؤاده من دماغه، وقربت كبده من دماغه، فلمّا تقارب الأعضاء كان أخبث الناس.
قال بعض الصّالحين: كنّا نستعين على حفظ العلم بحسن العمل.
قال بعض الأطبّاء: اعلم أنك تأكل ما تستمري، وما لا تستمريه فهو يأكلك.
نظر أعرابيٌّ إلى رجلاً يغسل يده فقال: أنقها فإنّها ريحانة وجهك.
وقيل: أقلل طعامك، تحمد منامك.
وقال أعرابيّ: ممّا يزيد في طيب الطعام مؤاكلة الكريم الودود.
وأنشد لإسماعيل بن صالح بن علي الهاشمي: السريع
يا من رماني الدّهر من فقده ... بفرقةٍ قد شتّتت شملي
ذكرت أيام اجتماع الهوى ... وقرّةً للعين بالوصل
ونحن في غرّة دهرٍ لنا ... نطالب الأيام بالذّجل
فكدت أقضي من قضاء الهوى ... عليّ بعد العزّ بالذّلّ
стр. 1728
وليس ذكري لك عن خاطر ... بل هو موصولٌ بلا فصل
هذا البيت المعنى، وله كتبنا ما تقدّمه، فلا تضجرنّ من الشّعر، فلم نحبّ أن ينوب عنه النّثر، وإن راع ظاهره وحسن.
سمع أعرابيٌّ في الطّواف يقول: يا أنيس المفردين، حططت رحلي بفنائك، وأنفذت زادي في لقائك، واستسلمت لقضائك، فما الذي يكون من جزائك؟ اجعل حظّي من وفادتي عتق رقبتي من النّار.
قال الأوزاعي: دع لأهل البصرة خصلتين وهما: القول بالقدر، والرّخصة بالخضخضة، واللتان لأهل الكوفة: تأخير السّحور، وشرب النبيذ، ولأهل مكة خصلتين وهما: الظّرف والمتعة، لأهل المدينة: السماع وإتيان النساء في أدبارهن، واللتان لأهل الشام: إيثار السلطان وبغض بني هاشم.
يقال: من أخذ باختلاف الفقهاء في الأحكام فسق، ومن أخذ بغرائب المحدّثين كذّب، ومن أخذ بدقائق المتكلمين كفر.
قال الحسن البصري: أربعٌ قواصم للظهر: إمامٌ تطيعه ويضلّك، وزوجةٌ تأمنها وتخونك، وجارٌ إن علم خيراً ستره أو شرّاً نشره، وفقرٌ حاضرٌ لا يجد صاحبه عنه متلدّداً.
стр. 1729
سأل أعرابيٌّ الحكم بن عبد المطّلب فأوسعه خيراً، فبكى الأعرابي فقال: ما يبكيك؟ قال: إنّي والله أنفس بك على الأرض أن تأكلك.
قال أبو بكر الصدّيق: أشقى الناس في الدنيا الملوك، فتغامز القوم فقال: أما علمتم أنّ الملك إذا ملك قصر أجله، ووكّلت به الروعة والحزن، وكثر في عينه قليل ما في يد غيره، وقلّ في نفسه كثير ما عنده.
قال إسحاق: وصف أعرابيٌّ رجلاً فقال: كان والله مطلول المحادثة، ينبذ الكلام إليك على أدراجه كأنّ في كلّ ركنٍ من أركانه قلباً.
مطلول: من الطّلّ.
قال الفرّاء في النّوادر: أنشدني أبو صدقة الزّهري لفلان: الكامل
إنّي عجبت لكاعبٍ مردونةٍ ... أطرافها بالحلي والحنّاء
بيضاء تصطاد القلوب وتستبي ... بالحسن قلب المسلم القرّاء
قالت أزيدٌ أنت ما لك هكذا ... كالعبد مطليّاً بأيّ طلاء
كالقار لونك أو طليت برامكٍ ... أو مسّ جلدك هانئٌ بهناء
لا تعجبي منّي فدىً لك واسمعي ... أخبرك ما ينأى من الأنباء
أخبرك أنّ وضاءتي في ميعتي ... وغرارتي في عدّةٍ ونماء
стр. 1730
إنّ الجميل يكون وهو مقصّرٌ ... والقوم فيما تمّ غير سواء
والمرء يلحقه بفتيان النّدى ... خلق الكريم وليس بالوضّاء
الوضّاء والحسّان والكرّام والكبّار، من الوضيء والحسن والكريم والكبير.
قال ثعلب: اشتكى الوليد عبد الملك وبلغه قوارص وتعريضٌ من سليمان بن عبد الملك وتمنّ لموته لما له من لعهد بعده، فكتب إليه يعتب عليه وفي آخر كتابه: الطويل
تمنّى رجالٌ أن أموت وإن أمت ... فتلك طريقٌ لست فيها بأوحد
وقد علموا لو ينفع العلم عندهم ... لئن متّ الدّاعي عليّ بمخلد
منيّته تجري لوقتٍ وحتفه ... سيلحقه يوماً على غير موعد
فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى ... تهيّأ لأخرى مثلها فكأن قد
فكتب إليه سليمان: قد فهمت ما كتب به أمير المؤمنين، فوالله لئن تمنّيت ذلك، تأميلاً لما يخطر في النفس، إنّي لأوّل لاحقٍ به، وأول منعيّ إلى أهله، فعلام أتمنّى ما لا يلبث من تمنّاه إّلا ريثما يحلّ السّفر بمنزلٍ ثمّ يظعنون عنه؟ وقد بلغ أمير المؤمنين ما لم يظهر على لساني، ولم ير في وجهي، ومتى سمع من أهل النّميمة، ومن لا رويّة له، أسرع ذاك في فساد النيّات، والقطع بين ذوي الأرحام، وكتب في آخر كتابه: الطويل
стр. 1731
ومن يتتبّع جاهداً كلّ عثرةٍ ... يصبها ولا يسلم له الدهر صاحب
فكتب إليه الوليد: قد فهم أمير المؤمنين كتابك فما أحسن ما اعتذرت به، وحذوت عليه، وأنت الصّادق في المقال، الكامل في الفعال، وما شيءٌ أشبه بك من اعتذارك، وما شيءٌ أبعد منك من الشيء الذي قيل فيك، والسلام.
٢٢٧ب - روى هذا ثعلب في المجالسات، وكان أبو بكر ابن مقسم يرويها، وسمعتها وهي تقرأ عليه اثنتين وخمسين، وعاش بعدها وكان شيخاً مكفوفاً حين لحقته، ولم أر شيخاً أوطأ منه ولا أهدأ، وله قراءاتٌ اختارها وأنكر الناس عليه ذلك، وله ملحمةٌ، وأكثر الناس يقولون: ظلم في هذه القصّة كما ظلم ابن شنبوذ حين آذاه ابن مجاهد، وذلك أن ابن شنبوذ وابن مقسم لم يقرأا ما قرأا بالأثر والحجّة والرّواية، ولم يخترعا ولم يختلقا، ولم ينزل الله تعالى اختيار ابن مجاهد من السماء، وإنّما اجتهد كما اجتهد من تقدّم، فليت شعري ما الذي هاجه على محاربة ابن شنبوذ حين قرأ " إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت الغفور الرحيم " مكان: العزيز
стр. 1732
الحكيم، وحين قرأ ابن مقسم في وصف فرعون " إنّه كان من الغالين " بالغين معجمةً وقال: لا أصفه بالعلّو بل الغلّو، لأنّ الله تعالى قد نهى عن الغلّو في قوله " لا تغلوا في دينكم "، وهذا النّهي وإن توجّه إلى أهل الكتاب فإنّ المعنى فيه يعمّ الخلق، لأنّ العلّة قائمةٌ والحجّ بينة. ولابن مقسم في القرآن كتاب يسميه الأنوار يقدّم على كتب كثيرة.
٢٢٧ج - أما أنا فلم أر في القرآن كتاباً أبعد مرمىً، ولا أشرف معاني من كتابٍ لأبي زيد البلخي، وكان فاضلاً يذهب في رأي الفلاسفة، ولكنّه تكلّم في القرآن بكلامٍ دقيق لطيف، وأخرج سرائر ودقائق وسمّاه نظم القرآن، ولم يأت على جميع المعاني المطلوبة منه. وللكعبيّ أبي القاسم كتابٌ في التفسير يزيد حجمه على كتاب أبي زيد، ومات أبو زيد في سنّي نيّف وثلاثين وثلاثمائة، ويقال له جاحظ خراسان. لمّا ظهر أحمد بن سهلٍ أراده على الوزارة فأبى، فوزّر أبو القاسم، وكتب أبو زيد، وهلك أحمد عن عمرٍ قصير.
قال عليّ بن أبي طالب ﵁: إذا كانت في رجلٍ خلةٌ من خلال الخير غفر له ما سواها لها، ولا أعطي فقد دينٍ ولا عقل، لأنّ فقد
стр. 1733
الدين خوفٌ، ولا عيش لخائفٍ، وفقد العقل موتٌ، ولا يعايش ميت.
هذا رواه لي بعض المجوس لبزرجمهر، ورواه لي بعض العلويّة لجدّه، ورواه لي آخر مرسلاً، والله أعلم وأحكم بالصواب، فالحكمة نسبتها فيها، وأبوها نفسها، وحجّتها معها، وإسنادها متنها، لا تفتقر إلى غيرها ويفتقر إليها، ولا تستعين بشيءٍ ويستعان بها؛ نسأل الله البرّ الكريم الرؤوف بالعباد أن لا يجعل حظّنا منها القول دون الفعل، والهداية دون الاهتداء.
سئل عليّ بن الحسين ﵄: لم أوتم النبيّ ﵌ من أبويه؟ قال: لئلاّ يوجب عليه حقٌّ لمخلوق. هذا معنىً لطيف، وأظنّ أنّه يحتاج إلى تفسير.
وقال موسى بن جعفر رضوان الله عليهما: ظنّي بالله حسن، وبالنبيّ المؤتمن، وبالوصيّ ذي المنن، وبالحسين والحسن.
وقال عليّ بن أبي طالب ﵁ في قوله::أكّالون للسّحت ": هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة ثم يقبل هديّته.
وقيل عن عليٍّ ﵁ في قوله جلّ ثناؤه: " وفار التّنّور "، هو: أسفر الصبح. وهذا غريبٌ جداً وما أحبّ أن أثق بكلّ غريبٍ، لأنّ القصّة في التنّور أظهر من أن يحمل اللفظ على المجاز بغير حجةّ، ويعدل عن المعنى الظاهر بغير بيان، ولو جاز لشنع القول وشاع الظنّ.
يقال: ما العثم، والعتم، والعجم، والعذم، والكظم، والعلم، والكتم، والعظم، والقصم، والرّقم، والوقم، والوسم، والوشم، والهتم، والطّعم، والرّشم، والغشم.
стр. 1734
ويقال: ما الحقّ، والزّقّ، والدقّ، والرّقّ، والشّقّ، والعقّ، والنّقّ.
ويقال: ما الشّطّ، والبطّ، والخطّ، والحطّ، والغطّ، والقطّ، والعطّ، والمطّ، والأطّ.
نصل هذه الأحرف بالجواب قبل أن نتعرض فيها إلى ما يشغل عنها، ويبعد منها: أما العثم ففساد الجرح؛ وأما العتم - بالتاء - فهو البطء، ويقال: جاءنا عاتماً، ومنه اشتقّت العتمة؛ وأما العجم فهو العضّ - بسكون الجيم - وأما العجم فالنّوى، والعجم: ضدّ العرب، وأعجمت الكتاب - بالألف - وعجمت الكتااب إذا رزته، والعجمة: سوء الفهم؛ العذم: التّوسّع في الأكل؛ وأما الكظم فحبس النّفس عند الغيظ؛ وأمّا العلم فمصدر علمت الشيء بالعلامة وعلمت، وأمّا المعلم - بكسر اللام - فالفرس ذو العلامة، وأمّا العلم فهو سمة الشيء وعلامته، ولا يكون علماً إّلا بالإضافة إلى النّفس العالمة، والعالم هو الذي قد علم أي صار ذا علامةٍ بالحقّ، وأعلمت فلاناً خبراً كأنّك وسمته بالعلامة؛ والكلام في هذا النّمط يطول، وعن غرض الكتاب يخرج؛ وأما الكتم فمصدر كتمه، والكتمان الاسم، والكتم - بحركة التاء - ما يخصب به الشّعر، وذلك لأنّه يكتم البياض؛ وأما العظم فمعروف، وسمعت من يقول: إنّ العظم في الشيء العظيم يشار به إلى هذا، والكالم بعضه دائرٌ إلى بعض؛ وأمّا الرقم فالعلامة، والرّقيم: المرقوم، والرّقوم جمع رقيم، وهي العلامات على الثّياب وغيرها، وفي الأمثال: فلانٌ يرقم على الماء، يشار به إلى
стр. 1735
حذقه وتلطّفه وسحره واحتياله؛ وأما الوقم فمصدر وقمت عدوّك إذا ذلّلته، والأمر منه: قم يا هذا، كقولك في وجم إذا طرقته كآبةٌ: جم يا هذا، وبابه باب وعد يعد، ووصف يصف، لأنّ الواو فاتحة هذه الألفاظ فهي تزول في الأمر لضعفها، والعدوّ موقومٌ كما ترى، وأنت الواقم؛ وأمّا الوسم فالعلامة، تقول: سم يا هذا ناقتك، والسّمة: الاسم، والسّمة والسّم أيضاً - بالتخفيف - علامة، لأنّ عين الشيء توجد عاريةً من الدائر عليه المشار إليه؛ وأمّا الوشم فالغرز في الكف، وفي الخبر: لعن الله الواشمة والمستوشمة؛ وأما الهتم فمصدر هتمت فاه أي كسرته، والأهتم: الرجل، والفاعل هتمٌ، والمفعول مهتومٌ؛ وأمّا الطّعم فما يوجد في اللهوات من المآكل، وبضم الطاء هو المطعوم، وتقول: فلانٌ طيّب الطّعمة، وفلانٌ خبيث الطّعمة تريد الحلال والحرام، وإن أردت غير ذلك جاز مجازاً؛ وأمّأ الرّشم فإنّك تقول: رشمت كذا وكذا إذا جعلت عليه علامةً، وسمعت بدوياً يقول لآخر: والله لأرشمنّك بأنيابٍ، أي لأهجونّك، هكذا دلّ كلامه لأن صاحبه طالبنا بخفارةٍ فنهاه هذا القائل فلم ينته فتوعّدنا؛ وأمّا الغشم فالظّلم، والغاشم الفاعل.
ونقول في بابٍ آخر على اختصار، فإنّ الكلام مترادّ، والملل معترضٌ، والشهوة في طلب العلم فريضةٌ، والعائق قائمٌ.
يقال: ما الحقّ: هذا الاسم شهرته يغني عن الإفصاح، وسيمرّ في نظائره أوضح ممّا يمرّ ها هنا إن شاء الله؛ وأما الزّقّ فمصدر زقّه يزقّه زقّاً، والزّق لأنّه كان مزقوماً، وكذلك الزّقاق، وأما الزّقاق فجمعٌ؛ وأما الدّقّ فمشهورٌ؛ وأما الرّقّ فما يكتب فيه، والرّقّ أيضاً: ذكر السلاحف، والرّقّ - بالكسر -: خلاف العتق؛ والشّقّ: مصدر شققت
стр. 1736
الثوب والطريق والعود، وأشققت أيضاً، وأما الشّقّ: فنصب النّفس والبدن، ومنه قوله تعالى: " لم يكونوا بالغيه إّلا بشقّ الأنفس " ويقال: المال بيني وبينك شقّ الأبلمة " ومن يشاقق الله " من هذا، ويقال: في رجله شقوقٌ، ولا يقال: شقاق، والشّقائق والشّقاق معروفان، والشّقّة الطريق الذي يشقّ على سالكه لبعده؛ وأمّا العقّ: فالشّقّ أيضاً وهو كا لقطع ولهذا يقال عق فلان أمة أي شق رحمها.
والعقيقة: شعرات رأس الوليد؛ وأمّا النّقّ فمصدر نقّ الضفدع إذا صاح، وفي الخبر: إن نقيقهنّ تسبيحٌ.
ونصل الكلام بما تلاه من هذه الحروف ثمّ نخرج إلأى ما جرى الرّسم به من النّثر والنّظم، فيوشك أن يكون هذا التطويل جالياّ لضيق الصّدر ومانعاً لاستعمال العلم: وأمّا الشّطّ فحرف الوادي، وهو أيضاً شقّ السّنام، ولكلّ سنامٍ شطّان كأنهما ناحيتان، وكذلك حرف الوادي. وأمّا البطّ فالوزّ، وهو أيضاً شقّ القرحة، والقرحة مبطوطةٌ؛ وإمّا الخطّ فما يخطّ الكاتب، والفرق بين الكتابة والخطّ أنّ الخطّ قد يكون كتابةٍ، والكتابة لا تكون خطّاً. وأمّا الحطّ: فمصدر حطّ السّعر وانحطّ: إذا نزل، خلاف قولك: غلا، والسّعر سمّي سعراً للحرارة، ألا ترى أن السّعر - بفتح السين - مصدر سعرت النار إذا أضرمتها، قال الله تعالى: " وإذا الجحيم سعّرت " وفلانٌ مسعر حربٍ أي تهيج به الحرب، والمستعار: ما تحرّك به النار، كالمحراث؛ وأمّا الغطّ فمصدر غططته في الماء، وغتتّه أيضاً - بالطاء والتاء - وأنت غاطّ وغات، وهو مغتوتٌ ومغطوطٌ؛ وأمّا القطّ فالضرب، ومنه قول ابن عائشة: كانت ضربات عليٍّ أبكاراً، كان إذا اعتلى قدّ، وإذا اعترض قطّ، والقطّ - بالكسر - الكتاب، هكذا قيل في قول الله تعالى: " عجّل لنا قطّنا "؛ وأمّا العطّ فالشّقّ، يقال: أديم معطوط، ورداءٌ معطوط، وأمّا
стр. 1737
المطّ فالمدّ؛ وأما الأطّ فمصدر أطّ يئطّ: إذا تحرّك أو صاح، ومنه: أطّت بك الرّحم.
نظر رجلٌ دميمٌ في المرآة فولّى وجهه وقال: الحمد لله الذي لا يحمد على المكروه غيره.
توفي ابنٌ لأعرابيّ فعزّاه بعض إخوانه فقال: لا يتهم الله في قضائه، فقال: والله ما يتّهم غيره، ولا ذهب بابني سواه.
عري أعرابيٌّ فطلب خلقاناً فحرم، فتماوت، فجمعوا له ما اشتروا به كفناً، ووضعوه عند رأسه، وذهبوا ليسخّنوا الماء، فوثب الأعرابيّ وأخذ الثّياب ولم يلحق.
شكا مزبّدٌ ضيق حاله يوماً فقال له صاحبه: أحمد الله الذي رفع السماء بالا عمد، فقال: ليته أصلح حالي وجعل على كلّ ذراعٍ عدّة أعمدة.
قال بعض الصّوفيّة: إذا كنت تحبّ الله وهو يبتليك فاعلم أنّه سيعافيك.
يعرض من هذا المعنى عجبٌ عاجب، فلولا أنّ الله تعالى يفعل ما يفعل من وراء عقل العاقل، وفوق معرفة العارف، لكان البال يتقسّم من هذا وشبهه، ولكان من أنعم النظر علم أنّ الله تعالى أوضح ما أوضح تسويغاً إلى الاعتراف به، وستر ما ستر استئثاراً بحقائقه، فالعقول بآثاره مشوقة، وعن حقائق
стр. 1738
الغايات معوقة، فمن أهمل ما ظهر فقد جهل الممكن، ومن بحث عمّا بطن فقد حاول الممتنع، أخبرك مكنون غيبه فيك، وخبرك في ظاهر إعلامه لك، فكان الإخبار لمكان الإلهيّة، وكان الإعلام لمكان العبوديّة، فلا تدع عبوديّةً هي قائمةٌ بك ومنطويةٌ فيك، لإلاهيةٍ غائبةٍ عنك عاليةٍ عليك، فاستقين أنّك مطلق الظاهر، مأسور الباطن، مخيّر العلانية، مملوك السّرّ، ولو تمكّنت كلّ التّمكّن كنت غنيّاً بنفسك، مستقلاًّ بشأنك، ولو حصرت كلّ الحصر كنت غير مخاطب ولا مطالب، وإن أفنيت حالك بين اختيارٍ ظهر لك، واضطرارٍ بطن فيك. ثمّ قوّم اختيارك بالاحتجاج عليك، ورفع اضطرارك بالجهل عنك، وصرت ترى إساءتك فتندم، وتشهد حسنتك فتفرح، ولو جبرنا بالجبر ما وجدت ندامةٍ ولا فرحاً، ولو تمنّينا بالاختيار ما سألت التوفيق، فهو أمرٌ مسندٌ إلى الله تعالى لعلمه الغائب عنك. وقوّم - أيّدك الله - توحيدك، وصحّح عقيدتك، وصفّ فؤادك، وزكّ عملك، واثبت لربّك على قدم الصّدق، واستقص حسابك على نفسك، فإنّ من تعرضه عليه لصيرٌ بك، ومتى رأى استقصاءك أغضى، ومتى رأى إغفالك ناقش.
لأشجع: الطويل
فإن تك قد صدّت فخيرٌ من النّوى ... على كلّ حالٍ هجرها وصدودها
فكن حيث كانت من بلادٍ فإنّه ... عسى بعد يأسٍ أن ينالك جودها
تقرّب ما تهوى بحسن عداتها ... ويأبى علينا ليّها وجحودها
وأطيب ريقٍ ريقها بعد هجعةٍ ... وأحسن شيءٍ مقلتاها وجيدها
قال ثعلب: العرب تقول: رأيت حدائق وجناناً كأنّها حدائق
стр. 1739
نخل، ورأيت جمعاً كأنّه سدّ ليل، ورأيت بارق سيوفٍ في أيدي قومٍ كأنّه بارق غيم، ورأيت بكرةً كأنّها فتاة، ورأيت فتاةً كأنّها جمّارة، ورأيت رجلاً تحته بكرٌ لا قحٌ كالعقرب، ورأيت جراداً كأنّه أعصاب العجاج، ولفيفاً من الناس مثل السّيل والليل، ومررنا على إبل فلانٍ وكأنّ أسنمتها الصّوامع والهوادج، ورأيت رجلاً كأنّه رمحٌ ردينيٌّ، وكأنّه الشّطن تاماً طويلاً، ورأيت سيفاً كأنّه شهاب، وكأنّه مقباس؛ ويقال: سيفٌ كأنّه العقيقة أي البرق - وكلّ منشقٍّ منعقٌّ - ورأيت درعاً كالنّهي، وكحباب الماء؛ هذا كلّه قاله ثعلب في المجالسات.
أنشد الزّبير: البسيط
اصبر فكلّ فتىً لا بدّ مخترم ... والموت أيسر ممّا أمّلت جشم
والموت أيسر من إعطاء منقصةٍ ... من لم يمت عبطةً فالغاية الهرم
أنشد ثعلب: الرمل
بينما النّاس على عليائها ... إذ هووا في هوّةٍ منها فغاروا
إنّما نعمة قومٍ متعةٌ ... وحياة المرء ثوبٌ مستعار
وقال في قوله تعالى: " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلالٌ وهذا حرامٌ "، قال: إذا قال الكذب ردّه على الألسنة، والكذب مفعول به، قال: وقرئ الكذب ردّه على ما قال.
стр. 1740
قال ابن الأعرابيّ: لمّا وجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المرّيّ لاستباحة أهل المدينة ضمّ عليّ بن الحسن رضوان الله عليهما إلى نفسه أربعمائة امرأة يعولهنّ إلى أن انقرض جيش مسلم بن عقبة، فقالت امرأةٌ من قريش: ما عشت واله بين أبويّ بمثل ذلك التتريف.
قال: ويقال: شعرٌ حجنٌ، معقّفٌ بعضه على بعض.
قال ثعلب، قال عمرو بن عبيد عن الحسن أنه قال: أخرجوا نهدكم فإنّه أعظم للبركة، وأحسن لأخلاقكم. وقال: العرب تقول: هات نهدك بكسر النون.
وقال " طرائق قدداً "، الطرائق: السادة، والقدد: المتفرّقون.
وقال: العبدة: الجلد، يقال: ثوبٌ ذو عبدةٍ إذا كان قوياً جلداً.
стр. 1741
قال: ويقال: عنّي عن الأمر إذا منع منه.
قال: وقال الزّبير: أنشدني سليمان بن داود المجمعي لعمر بن مدبر العجلاني يرثي عبد العزيز بن مروان وأبا زبّان الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان: الطويل
أبعدك يا عبد العزيز بحاجةٍ ... وبعد أبي زبّان يستعتب الدّهر
فلا صلحت مصرٌ لخلقٍ سواكما ... ولا سقيت بالنّيل بعدكما مصر
وأصبح مجراه من الأرض يابساً ... يموت به العصفور وانجدب القطر
فمن ذا الذي يبني المكارم والعلى ... ومن ذا الذي يهدى له بعدك الشّعر
وبعدك لا يرجى وليدٌ لنفعه ... وبعدك لا ترجى عوانٌ ولا بكر
وأصبحت الزوّار بعدك أمحلوا ... وأكدى بغاة الخير وانقطع السّفر
وكنت حليف العرف والمجد والنّدى ... فمتن جميعاً حين غيّبك القبر
قال ثعلب: أنشدني عبد الله بن شبيب قال، أنشدني محمد بن الحسن العقيليّ: البسيط
ما استضحك الحسن إّلا من نواحيك ... ولا اغتدى الطّيب إلا من تراقيك
стр. 1742
عن مقلتيك رأينا الحسن مبتسماً ... دهراً كما ابتسم المرجان من فيك
يا بهجة الشّمس ردّي غير صاغرةٍ ... عليّ قلباً ثوى رهناً بحبيّك
ما استحسنت مقلتي شيئاً فأعجبها ... إّلا رأيت الذي استحسنته فيك
إذ منك يبتسم الإقبال عن غصنٍ ... لدنٍ ويضحك عن دعصٍ تولّيك
وقال: بيوت العرب ستةٌ: قبّةٌ من أدم، ومظلّةٌ من شعر، وخباءٌ من صوف، وبجادٌ من وبر، وخيمةٌ من شجر، وأقنةٌ من حجر.
قيل لأعرابيّ: أيّ شيءٍ ألذّ في العين؟ قال: نظرةٌ على خطرة، قيل: فأيّ شيء أحلى في القلب؟ قال: كسر الجفون، ومراسلة العيون.
قال سفيان بن عيينة: أكبر الكبائر الشّرك بالله تعالى، والقنوط من رحمة الله ، واليأس ن روح الله عزّ ذكره، والأمان من مكر الله جلّ ثناؤه، ثم قرأ: " فلا يأمن مكر الله إّلا القوم الخاسرون " " ومن يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنّة " " ولا ييأس من روح الله إّلا القوم الكافرون " " ومن يقنط من رحمة ربّه إّلا الضّالّون ".
وقال: ثنتان منجيتان، وثنتان مهلكتان؛ فالمنجيتان النّهي والنّيّة، قال: والنّيّة أن تنوي أن تطيع الله فيما تستقبل، والنّهي أن تنهى نفسك عمّا حرّم الله عليك؛ والمهلكتان: العجب والقنوط.
стр. 1743
سئل سفيان بن عيينة: هل حرّمت الصّدقة على أحدٍ من الأنبياء قبل محمد ﵌ وقبل عترته الطّاهرة؟ قال: ألم تسمع قول إخوة يوسف: " وتصدق علينا إنّ الله يجزي المتصدّقين " وهم لا يعرفون يوسف، يريدون أن يتصدّق عليهم وعلى يعقوب.
سئل سفيان بن عيينة عن الكراهية لرفع الصوت وكثرة الكلام عند الميت وفي الجنازة قال: لأنه الحشر إلى الآخرة، ألم تسمع قوله: " يومئذ يتّبعون الدّاعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إّلا همساً " فلتعظيم الموت استحبّ قلّة الكلام.
وسئل عن قوله صلّى الله عليه: " لا يضرّ المدح من عرف نفسه "، قال: ألم تسمع قوله " اجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظٌ عليمٌ "، وقول العبد الصالح: " إنّي لكم رسولٌ أمينٌ "، أي لكم ناصحٌ أمين، فمن عرف أنّ ما به من نعمةٍ فمن الله تعالى فال بأس " وأمّا بنعمة ربّك فحدّث "، وإن أثنى عليه غيره عرفت أنّ ذلك ستر الله تعالى ونعمته، ألم تسمع قول الله تعالى: " وجعلنا لهم لسان صدقٍ عليّاً "، وكان محمدٌ صلّى الله عليه لسانه الذي أنطقه الله تعالى عنه، فأكذب من قال فيه غير الحقّ: " إنّ إبراهيم كان أمّةً قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين "، وقال: " ما كان إبراهيم يهوديّاً ولا نصرانياً "، فهذا اللسان الصّدوق. وقال ابن مسعود: إنّي لأعلمكم بكتاب الله تعالى وما أنا بخيركم؛ وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: إنّ بين جنبيّ علماً جماً فسلوني قبل أن تفقدوني. فمن عرف أنّ الأمر من الله تعالى لم يضّره المدح، لأنّه قد عرف نفسه، ولا يضرّ ثناءٌ من أثنى عليه كقول عمر: اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً ممّا يظنّون.
стр. 1744
هذا الكلام لأبي بكرٍ وقد رواه لعمر، والله أعلم بحقيقة الخبر.
سئل سفيان بن عيينة عن قول مطّرفٍ: فإذا بدء الأمر من الله، وتمامه بالله، وملاكه الدعاء، قال: ألم تسمع قوله تعالى: " ألا له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين، ادعوا ربّكم تضّرعاً وخفيةً ".
يقال: ما الكبر، والجبر، والنّبر، والدّبر، والسّبر، والشّبر، والغبر، والعبر، والسّدر، والهتر، والغمر، والزّبر.
قال عبد الله بن جعفر: عيسى بن دأبٍ يكنى أبا الوليد، وكان من رواة الأخبار والأشعار، وكان معلّماً، وكان من علماء الحجاز.
قال أبو عبيدة: أنشد ابن دأب: الهزج
وهم من ولدوا أشبوا ... بسرّ الحسب المحض
فبلغ أبا عمر بن العلاء فقال: أخطأت استه الحفرة، إنما هو أشبوا أي كفوا، أما سمع قول الشاعر: الهزج
وذو الرّمحين أشباك ... من القوّة والحزم
لأبي غانم: الطويل
стр. 1745
أبا غانمٍ أمّا ذراك فواسعٌ ... وقبرك معمور الجوانب محكم
وهل ينفع المقبور عمران قبره ... إذا كان فيه جسمه يتهدم
للعتبي: البسيط
أين الشباب الذي كنّا تلذّ به ... هيهات مات ومات الغصن والورق
وله: الخفيف
أنا في عصبةٍ بهائم نوكى ... ما تساوي عقولهم شسع نعلي
وله: البسيط
وصاحب لي أبنيه ويهدمني ... لا يستوي هادمٌ يوماً وبنّاء
إذا رآني فعبدٌ خاف معتبةً ... وإن نأيت فثمّ الغمر والدّاء
لا يقطع العين منه عن ملاحظةٍ ... كأنّها لاستراق الطّرف حولاء
قال يعقوب: يقال: كيف سيماؤهم - محرّك ومخفّف - أي كيف هيئتهم.
ويقال: ريح الغصن يراح فهو مروحٌ إذا صفقته الريح.
لمّا اضطرّ كسرى أبرويز إلى الهرب من بين يدي بهرام شوبين اتبعه بالخيل، فجعل يقول بأعلى صوته: يا عجباً للدّهر الفاسد المنكر كيف تشتمل فضائحه حتى يصير العاقل جاهلاً، والبصير أعمى، والمحسن مسيئاً، والسّليم سقيماً، والبرّ فاجراً، والوفيّ غادراً، والشّكور كفوراً، والقاصد حائراً، والمنصور مخذولاً، والمهتدي ضالاً، والمتماسك مهتوكاً.
стр. 1746
٢٦٩ - قد تعجّب كسرى من متعجّب منه، فإنّه لو اندفع الخطباء البرعة، وأصحاب اللّسن دهرهم الأطول في القول والتّعجّب ما بلغوا شطر ما عليه حال الدّهر، وإنّي لشريك كلّ متعجّبٍ منه. وأزيد شيئاً: وذلك أنّ تعجّبي من الراكن إلى الدّنيا، والحالم بها، والنائم تحت أفيائها، والمنغمس في بحرها، والطّالب لما منع منها أشدّ جداً، وما أخلق العاقل المتصفّح أن يهجر اللؤم واللّئيم والدّنيا اللئيمة، فطلبها لؤمٌ، ولم يطلبها إّلا من هو ألأم منها، وإّلا فحدّثني لمن وفت، ولمن صفت، وعلى من بقّت، وإلى من أحسنت؟ هيهات، من ذا الذي لبس وشيها فلم يبطر، ومن ذا الذي ثمل من خمرها فلم يسكر، ومن ذا الذي حمي عنها فلم يضجر، ومن ذا الذي نظر إلى زخرفها فلم يغترّ، ومن ذا الذي سمع غناءها ولم يرقص، ومن ذا الذي تمّ عليها وبها فلم ينقص، ومن ذا الذي ربح فيها فلم يخسر؟ قال يعقوب: قد ريّث فلانٌ نظره يريّثه ترييثاً؛ نظر العتّابيّ إلى رجلٍ من أصحاب الكسائي فقال: إنّه ليريّث النّظر. وقد رنّق النّظر، وأصله من ترنيق الطّير إذا جعلت ترفرف ولا تسقط.
قال يعقوب: انتضى سيفه، وانتضله، وامتشقه، وامتشله، واخترطه، وامتلخه، وقربت السّيف: جعلته في القراب، وهو الجربّان، وتخفّف: الجربان. ولأقيمن أودك ودرأك وجنفك. وفلانٌ يتبرّض ما عند فلانٍ أي يأخذ من القليل بعد القليل، ويقال: برضت له أبرض برضاً، ونضضت له أنضَّ، أصله من البئر النّضوض والبروض، وهي التي يأتي ماؤها قليلاً قليلاً. ويقال: ذلاذل الثّوب: أطرافه. ويقال: عجمته العواجم. ويقال: رجلٌ منجّدٌ - بالذال منقوطةً - ومجرّسٌ، ومقلّسٌ، ومنقّحٌ؛ هكذا قال. وفهمت ذلك في عروض كلامه، وفي فحوى كلامه - بالمدّ والضمّ.
стр. 1747
ويقال: إنّ عليّ منه أوقاً أي ثقلاً، وقد آقني يؤوقني، قال الراجز: الرجز
إليك حتى قلّدوك طوقها ... وحمّلوك عبئها وأوقها
وقال بعض الأعراب لآخر: أنت ناخٍ وأنا راخٍ فهل من تواخٍ؟ نهى رسول الله صلّى الله عليه ان يصلّي وهو زناءٌ - مفتوح الزاي ممدود مخفّف - أي وهو حاقن.
قرع رجلٌ باب أحد الأولين فقال لجاريته: أبصري من القارع، فأتت الباب فقالت: من ذا؟ قال: أنا صديقٌ لمولاك، قال الرجل: قولي له والله إنّك لصديق، فنهض الرجل وبيده سيفٌ وكيسٌ، يسوق جاريته، وفتح الباب فقال: ما شأنك؟ قال: راعني أمر، قال: لا يك ما ساءك، فإنّي قد قسمت أمرك بين نائبةْ فهذا المال، أو عدوٍّ فهذا السيف، أو أيّمٍ فهذه الجارية.
قال فيلسوف: إنّ الشراب على طبائع الإنسان، وذلك أنّ
стр. 1748
الطّافي كالزّبد هو الصّفراء، والرّاسب كالثّفل هو السّوداء، والقوام الدم، وما رطب فهو الرّطوبة.
قال أعرابيٌّ لصاحبٍ له: أنت شرسٌ وأنا مرس، فكيف نلتبس؟ كان أفلاطون يعذل على تقديم أرسطاطاليس أيام اختلافه إليه واقتباسه منه مع تلامذته، فقال يوماً: إنّي لست أقدّمه ولكن نفسه قدّمته، وإن أردتم تصديق ذلك سألتكم الساعة عن مسألةٍ لتذاكروا فيها، فقالوا: سل، فقال: ما أعجب الأشياء؟ فقال بعضهم: السماء والكواكب، وقال: بعضهم: الأرزاق، وقال بعضهم: الإنسان، وحضر أرسطاطاليس فسأله فقال: أعجب الأشياء ما لم يعرف سببه.
اشترى عليّ بن الجعد جاريةً بثلاثمائة دينار، فقال له ابن قادم النّحويّ: أيّ شيءٍ تصنع بهذه الجارية؟ فقال: لو كان هذا ممّا يجرّب على الإخوان لجرّبناه عليك.
قال ثعلب، قال رجلٌ لابن قادم: أها هنا فرقٌ بين قام زيدٌ وعمروٌ جميعاً، وقام زيدٌ وعمروٌ معاً، فضجّ، فقلت: لم تضجّ، معاً يقع
стр. 1749
القيام في حالةٍ، وجميعاً يكون معاً في وقتين.
قدم محمد بن حسّان الضّبي على أبي المغيث الرّافقي فمدحه فوعده بثواب، فتأخّر عنه فكتب إليه ابن حسّان: البسيط
عدّيت بالمطل وعداً راق مورقه ... حتّى لقد جفّ منه الماء والعود
سقياً للفظك ما أحلى مخارجه ... لولا عقارب في أثنائه سود
للعبّاس بن الأحنف: السريع
أسأت إذ أحسنت ظنّي بكم ... والحزم سوء الظنّ بالناس
يقلقني شوقي فآتيكم ... والقلب مملوءٌ من الياس
قال الصّولي: كان عمران المؤدّب يجالس أبا سمير الكاتب مع ندمائه، فسقاهم يوماً نبيذاً جيّداً، فجعل أبو سمير يصف نبيذه ذلك، فقال له عمران: قد سقيتنا ألف زقٍّ خلاًّ ما نطقت بحرفٍ حتى كأنّك باقلٌ عيّاً، فلمّا غلطت يوماً بنبيذٍ جيّدٍ صرت ذا الرّمة مشبّباً بميّ، وجميلاً واصفاً بثنية، وكثيّراً مخبراً عن عزّة.
لإسحاق: الطويل
стр. 1750
سلامٌ على من ملّنا وتجافانا ... وأبدلنا بالودّ صرماً وهجرانا
أليس مسيئاً من نسرّ بقربه ... ونذكره في كلّ حالٍ وينسانا
فما حلّ في قلبي محلاًّ حللته ... سواك ولا أحببت حبّك إنسانا
قال الزّبير بن بكّار: سعى إسحاق بن إبراهيم التّميميّ مع بعض الرؤساء مشيّعاً فقال: المتقارب
فراقك مثل فراق الحياة ... وفقدك مثل افتقاد الدّيم
عليك السلام فكم من وفاءٍ ... أفارق منك وكم من كرم
للزّبير بن بكّار في قثم بن جعفر: الكامل
لما رأيت أميرانا متجهّماً ... ودّعت عرصة داره بسلام
ورفضت صفحته التي لم أرضها ... وأزلت عن رتب الدّناة مقامي
ووجدت آبائي الذين تقدّموا ... سنّوا الإباء على الملوك أمامي
قال عليّ بن ميثم: غضب يحيى بن خالد على بعض كتّابه، فكتب إليه الكاتب: إنّ لله تعالى قبلك تبعات، ولك قبله حاجات، فأسألك بالذي يهب لك التّبعات، ويقضي لك الحاجات، إّلا وهبت تبعتك قبلي؛ فرضي عنه.
وقال يحيى بن خالد: ما رأينا العقل قطّ إّلا خادماً للجهل.
стр. 1751
ليته فسّر وذكر الوجه والعلّة، وما أكثر ما يرسلون الكلام إرسال الآمن من التتبّع.
قال ابن شهاب الزّهري: قدمت على عبد الملك بن مروان فقال لي: من أين قدمت يا زهريّ؟ قلت: من مكة، قال: فمن خلّفت يسودها؟ قلت عطاء بن أبي رباح، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم؟ قلت: بالديّانة، قال: إنّ أهل الديّانة والرّواية لينبغي أن يسودوا. قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس بن كيسان، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء، قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول، قال: أمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبدٌ نوبيٌّ أعتقته امرأةٌ من هذيل، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران، قال: أمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت: الضّحّاك بن مزاحم، قال: أفمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن البصري، قال: أفمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النّخعيّ، قال: أفمن العرب؟ قلت: من العرب، قال: ويلك فرّجت عنّي، والله ليسودنّ الموالي العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال، قلت: يا أمير المؤمنين، إنّما هو دينٌ، من حفظه ساد، ومن ضيّعه سقط.
لابن غريضٍ اليهودي: الكامل
стр. 1752
إبلٌ تبوأ في مبارك ذلّةٍ ... إذ لا ذليل أذل من وادي القرى
أحياؤهم عارٌ على موتاهم ... والميّتون شرار من تحت الثّرى
وإذا تصاحبهم تصاحب خانةً ... ومتى تفارقهم تفارق عن قلى
لا يفزعون إلى مخافة جارهم ... وإذا عوى ذئبٌ لصاحبه عوى
إخوان صدقٍ ما رأوك بغبطةٍ ... فإذا افتقرت فقد هوى بك ما هوى
هل في السّماء لصاعدٍ من مرتقىً ... أم هل لحتفٍ راصدٍ من متّقى
وإذا رأيت معمّراً فلتعلمن ... أن سوف تعركه الخطوب فيبتلى
لله درّك من سبيلٍ واضحٍ ... سيّان فيه من تصعلك واقتنى
من يغلبوا يهلك ومن لا يغلبوا ... يلحق بأرض ثمود حتى لا يرى
الفقر يزري بالفتى عن قومه ... والعين يغضبها الكريم على القذى
والمال يبسط للّئيم لسانه ... حتّى يكون كأنّه شيءٌ يرى
فارفع ضعفيك لا تصغّر ضعفه ... يوماً فتدركه العواقب قد نمى
والمال جد بفضوله فلتعلمن ... أنّ الغنيّ يصير يوماً للثّرى
وابسط يديك لسائليك ولا تكن ... كزّ الأنامل يقفعلّ عن النّدى
إنّ الكريم إذا أردت وصاله ... لم تلف حبل إخائه رثّ القوى
أرعى أمانته وأحفظ عهده ... جهدي فيأتي بعد ذلك ما أتى
يجزيك أو يثني عليك وإنّ من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
стр. 1753
قال أبو العيناء: سبّ إبراهيم بن رستم يوماً معاوية، فقال له رجل: لم لا تقول هذا بالكرخ؟ قال: ولم لا تصلّي أنت على محمد صلّى الله عليه وعلى آله بالقسطنطينية؟ أنشد أبو العالية لامرأةٍ من الخوارج: البسيط
نجلتهم كسيوف الهيد أربعةً ... بيضاً مصاليت في الهيجاء كالأسد
حتى إذا كملوا في السّنّ واتّسقوا ... أخنى على القوم ما أخنى على لبد
لهفي عليهم فإنّي من تذكّرهم ... طويلة الحزن والإعوال والكمد
لا أفتأ الدّهر أبكيهم بأربعةٍ ... ما اجترّت النّيب أو حنّت إلى ولد
قال أبو العيناء، سمعت الأصمعي يقول: قال أبو العبّاس بن محمد: كنت بفلسطين فبنيت ظلّةً من قصبٍ فأورق، فأنشدني: الطويل
ألم تعلما أنّ المصلّى مكانه ... وأنّ العقيق ذا الظّلال وذا البرد
وأنّ به لو تعلمان أصائلاً ... وليلاً رقيقاً مثل حاشية البرد
قال أبو العيناء: حدّثني دعبل قال: لقيت عمرو بن سعيد وأنا أريد الحجّ فقلت: هل من حاجةٍ؟ قال: نعم، لا تدع لي فإنّ دعاءك إغراء.
للأعشى: البسيط
وفتيةٍ كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل
رفع هالكٌ حين خفّف النون، وكذلك: لكن الله، ولكن
стр. 1754
الشياطين. وإن الخفيفة تكون في معنى ما قال الله تعالى: " إن الكافرون إّلا في غرورٍ " أي الكافرون، وإنّ وهي مكسورةٌ لا تكون إّلا وفي خبرها اللام، يقولون: إن زيد لمنطلقٌ، ولا يقولونه بغير لامٍ مخافة أن تلتبس بالتي معناها ما، وقد زعموا أنّ بعضهم يقول: إن زيداً لمنطلقٌ يعملها على المعنى، وهي مثل قوله: " إن كلّ نفسٍ لمّا عليها حافظٌ " وما زائدةٌ بالتوكيد، واللام زائدةٌ بالتوكيد.
قال الشّعبيّ: تعايش الناس زماناً بالدّين حتى ذهب الدّين، وتعايشوا بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثمّ تعايشوا بالحياء حتى ذهب الحياء، ثمّ تعايشوا بالرّغبة والرهبة، وسيتعايشون بالجهالة زماناً طويلاً.
قيل لحكيم: صف لنا الدّنيا وأوجز، فقال: ضحكة مستعبر.
قال عيسى بن مريم ﵇: لو لم يعذّب الله تعالى على معصيته لكان ينبغي أن لا يعصى شكراً على نعمته.
قال أحمد بن أبي الحواريّ: بلغني عن رباح القيسي أنّه كان له غلامٌ أسود لا ينام الليل، فقال له: لم لا تنام يا غلام؟ قال: إنّي إذا ذكرت الجنّة اشتدّ شوقي، وإذا ذكرت النار اشتدّ خوفي، وإذا ذكرت الموت طار النعاس عنّي يا مولاي، فمن كانت هذه حالته كيف يهنيه العيش في الدّنيا؟ فبكى رباح وقال: يا غلام، حقيقٌ على من كانت له هذه المعرفة أن لا يستعبد، اذهب فأنت حرٌّ، فبكى الغلام فقال: ما يبكيك؟ قال: يا مولاي، هذا العتق الأصغر فمن لي بالعتق الأكبر؟!
стр. 1755
دعا أعرابيٌّ فقال: اللهمّ إنّي أرى من فضلك ما لم أسألك، فعلمت أنّ لديك من النّعم ما لا أعلمه، فصغرت قيمة مطلبي فيما عاينته، وقصّرت غاية أملي عمّا شاهدته.
ودعا آخر فقال: اللهمّ ما أعرف معتمداً من الزيادة فأطلب، ولا أجد غنىً فأترك، فإن ألححت في سؤالك فلفاقتي إلى ما عندك، وإن قصّرت في دعائك فلما تعودت من إسدائك.
دعا آخر فقال: اللهمّ حطني بأمانك، وأرخ عليّ سترك، ولا تصرف عنّي وجهك، ولا تسلّط عليّ من لا يخافك، ولا تولّني غيرك يا من يتولّى الصالحين.
دعا آخر: سبحان من علا فقهر، وقدر فغفر، وسبحان من يحيي الموتى ويميت الأحياء، وهو على كلّ شيءٍ قدير.
قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يدعو ويقول: اللهمّ إنّ ذنوبي تخّوفني منك، وجودك يبشرني عنك، فأخرجني بالخوف من الخطايا، وأوصلني بجودك إلى العطايا، حتى أكون غداّ في القيامة عتيق كرمك، كما أنا في الدّنيا ربيب نعمك.
كتب زاهدٌ إلى آخر: أمّا بعد فإنّك في دار تمهيد، وأمامك منزلان لا بدّ لك من سكنى أحدهما، ولم يأتك أمانٌ فتطمئنّ إليه، ولا براءةٌ فتقصّر، والسلام.
كان بمدينة السّلام رجلٌ ذو يسار، فبينما هو في منزله وقد جلس
следующие страницы →