Полный текст (2 098 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
السين، وكأن الشبهة أن يصلي دالة على الحال متضمنة معنى الاستقبال حتى يقترن باللفظ ما يصبه على الغرض الواضح. وكان يكابر عند هذا البيان ويقول: لو صح هذا لصح قول الفلاسفة في الفصل بين الشيئين إن ما يكون مشتركاً بين شيئي كأنه مركب من بدنيهما. فقيل له: وهذا أيضاً كما قاله من خالفته، وأنت في ذلك أجهل من هرة فإنها تمشي على حافة الجدار غير متمكنة على سمته وتريغ مع ذلك مكاناً آخر للقصد الذي يتلوح لها، لا تمسك نفسها وترسلها، فما ظنك يا أبا المبارك بشبهة تكشفها عنك هرة؟! ويقال في المثل: الدخان وإن لم يحرق البيت سوده.
شاعر: الوافر
أسر بمر يوم بعد يوم ... وبالجولين والعام الجديد
وأفرح بالمحاق وبالدآدي ... يسقن البيض في أكناف سود
وفي تكرارهن نفاذ عمري ... ولكن كي يشيب أبو يزيد
стр. 177
غلام من سراة بني لؤي ... منافي العمومة والجدود
خليق عن تكامل خمس عشر ... بإنجاز المواعد والوعيد
في هذا البيت معنى لطيف ربما غفل عنه، وذلك أن الذين أبوا الوعيد وحققوا الإنجاز، زعموا أن الأعراب لا تتمادح بتحقيق الوعيد وإنما تتمادح بإنجاز الموعود، لأن في تحقيق الوعيد ضرباً من اللؤم وفي إنجاز الوعد كل الكرم؛ فعلى هذا، إذا قال الله تعالى في الوعيد ما قال فأمره إليه، إن شاء حقق وإن شاء صفح، ورووا بيتاً أنشده أبو عمرو بن العلاء عمرو بن عبيد في منازعة هذا المعنى وهو: الطويل
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
ونفسهم في نصرة هذا الرأي قصير؛ ولعل دليلهم من غير هذا الوجه أوكد،
стр. 178
وعذرهم بغير هذا الكلام أمهد. هذا أبو وجزة السعدي يقول مادحاً بلسانه، جارياً على فطرته: الكامل
صدق إذا وعد الرجال وأوعدوا ... فأحث بادرة وأوفى موعد
أنشدني هذا البيت أبو سعيد السيرافي وقلت له: إن أبا وجزة إسلامي، قال: فما تصنع بقول بعض الأسديين، وهو جاهلي: الطويل
رويدك يا ابن المستهل ولا تته ... بجهل فحد الجهل بين الغوائل
أنا الصاب إن شورست يوماً وإنني ... جنى النحل إن سومحت إلا لآكل
بسيط يد بالعرف والنكر إن أقل ... بوعد وإيعاد أقل قول عامل
صؤول على الصعب المنوع وممسك ... عرامي عن الواهي القوى المتضائل
وما أخلت الأيام كفي من يد ... إلى الناس في إشرافها والأصائل
إذا سنة حالت بأزم تلقحت ... بمعروفنا حتى ترى غير حائل
وقرأتها عليه في جملة أبيات من كتاب الشدة.
وأعلم بعد هذا أن الكلام من الحكيم وإن اختلفت صفاته بأن يكون مرة خبراً ومرة استخباراً، ومرة وعيداً ومرة وعجاً، ومرة نهياً ومرة أمراً، ومرة إباحة ومرة حظراً، ثم لا يكون الحظر إباحة، ولا الأمر بالشيء نهياً عنه،
стр. 179
ولا الخبر بالشيء استخباراً عنه، وهو مع هذا التفاوت الواقع فيه لا يخلو من أن يكون حقاً وصدقاً، كما لا يخلو أن يكون مفهوماً معلوماً، لأنا قد جعلناه الحكم. فإذا كان هذا البحث صحيحاً، وهذا الكلام ظاهراً، فقد وضح أن كلام الله يتضمن الحق، ويتغشى الصدق، وأن ذلك من خواص نعته، وأوائل موجبه، وإن اختلفت أقسامه، فما لا يكون قادحاً في صدقه، ولا مبطلاً لحقيقة حقه. ومتى ثبت هذا، وهو ثابت، ذهب ظن من ظن ما ظن في مدارج السيول ومهاب الرياح، وكان ربك نصيراً للحق بصيراً بالخلق.
سمعت في مجلس أبي سعيد شيخاً من أهل الأدب يقول: ومن الأفعال ما له وجهان، كشيء ينصرف على معنيين، مثل: أصاب عبد الله مالاً، وأصاب عبد الله مال، إذا أصابه مال من قسمة، ووافق زيد حديثنا إذا صادفهم يتحدثون، ووافق زيداً حديثنا إذا سره وأعجبه، وأحرز زيد سيفه إذا صانه في غمده، وأحرز زيداً سيفه إذا خلصه من القتل وشبهه؛ ولو قلت أحرز امرؤ أجله لم يجز، لأن الرجل لا يحرز أجله ولكن أجله يحرزه، إلا أن تذهب إلى قولك: أحرزت أجلي بالعمل الصالح.
انظر - فديتك - إلى أثر النحو في هذا القدر اليسير، وتعجب عنده من أبي حنيفة الصوفي حين قال لك: إن الله أمرنا بالطاعة والإيمان
стр. 180
وإن لم يأمرنا بالنحو، وإلا فهات أنه يدل على أنه أمرنا بأن نتعلم ضرب عبد الله زيداً. وقد رأيت روغانه عن تحصيل الحجة في معرفة ذلك: ألا يعلم أن الكلام كالجسم والنحو كالحيلة، وأن التمييز بين الجسم والجسم إنما يقع بالحلى القائمة والأعراض الحالة فيه، وأن حاجته إلى حركة الكلمة بأخذه وجوه الإعراب حتى يتميز الخطأ من الصواب كحاجته إلى نفس الخطاب. وليس على كلامه قياس، ولا في ركاكة بني جنسه التباس، وإنما غره من هو أنقص منه فطرة، وأخس نظراً وفكرة. أتراه يصل إلى تخليص اللفظ المبني على معنى دون اللفظ المبني على معنى آخر، إلا بحفظ الأسماء وتصريفها؟ أتراه يقف على تحصيل المعنى المدفون في هذا اللفظ دون المعنى المدفون في هذا اللفظ إلا بتمييز وجوه حركات اللفظ؟ فبان لك أن الحالف بالتورية في يمينه: والله ما رأيته، وهو يريد ما ضربت رئته، ووالله ما قلبته، وهو يريد ما ضربت قلبه، ليدفععن نفسه ضيماً نزل به بما يفهم من الرؤية والقلب الذي هو العكس، إنما يبرأ من الحنث ويتخلص من الضيم لقيامه بحفظ اللغة، كذلك من يعرف الفرق الواقع بين الإعراب الذي هو حركة آخر الكلمة في قوله: أنت طالق إن دخلت الدار، وأنت طالق أن دخلت الدار، وفي قوله: " فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون " يس: ٧٦ وأنا نعلم فرق، متى لم يقف عليه زل إلى الكفر، وكذلك في قوله " أن الله بريء من المشركين ورسوله " التوبة: ٣، فرق يتوسط بين الصواب والخطأ، صوابه إيمان وخطأه كفر. وبسبب هذا الحرف وضع النحر، لأن علياً ابن أبي طالب ﵁ سمع قارئاً يقراً على غير وجه الصواب، فساءه
стр. 181
ذلك، فتقدم إلى أبي الأسود الدؤلي حتى وضع للناس أصلاً ومثالاً وباباً وقياساً، بعد أن فتق له حاشيته، ومهد له مهاده، وضرب له قواعده؛ وإنما فشا اللحن للسبايا التي كثرت في الإسلام من الأعاجم وأولادهن، فإنهم نزعوا في اللكنة إلى الأخوال، وأما قوله: قد نقض على النحويين ابن الراوندي نحوهم، فإنه ذاهب بهذا القول عن وجه الرشد، لأن ابن الراوندي لا يلحن ولا يخطىء، لأنه متكلم بارع وجهبذ ناقد وبحاث جدل ونظار صبور، ولكنه استطال باقتداره على علل النحويين، ورآها مفروضة بالتقريب، وموضوعة على التمثيل، لأنها تابعة للغة جيل من الأجيال، ومقترنة بلسان أمة من الأمم، فلم يكن للعقل فيها مجال، إلا بمقدار الطاقة في إيضاح الأمثال وتصحيح الأقوال.
طال هذا الفصل أيضاً، وإذا كنت منقاداً للحديث كلفاً بفنونه، فأنا رهن في يديه في كل ما عثرت عليه، وأنت أولى من أخذ فائدته شاكراً، وترك ما عداها عاذراً.
يقال في مثل هذا الفن الذي كنا فيه: وقف رجل حسن الشارة حلو الإشارة على المبرد، فسأله عن مسألة وأطال ولحن وتسكع في الخطأ،
стр. 182
فقال المبرد: يا هذا، ما أنصفتنا من نفسك: إما أن تلبس على قدر كلامك، وإما أن تتكلم على قدر لباسك! فعجب الناس من بديهته في هذه الحكمة الجامعة للزجر، الباعثة على القبول، المثيرة للائمة.
قيل ليزيد بن المهلب: إنك لتلقي نفسك في المهالك، قال: إني إن لم آت الموت مسترسلاً، أتاني مستعجلاً؛ إني لست أتي الموت من حبه، إنما آتيه من بغضه، ثم تمثل: الطويل
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
شاعر: الوافر
فما منك الصديق ولست منه ... إذا لم يعنه شيء عناكا
دخل مزبد بيته يوماً وبين رجلي امرأته رجل ينيكها، وباب الدار مفتوح وقد علا نفسها، فقال: سبحان الله، أنت على هذه الحال وباب الدار مفتوح؟ لو كان غيري أليس كانت الفضيحة؟!
مر رجل بأبي الحارث جمين فسلم عليه بسوطه، فلم يرد عليه،
стр. 183
فقيل له في ذلك فقال: إنه سلم علي إيماء فرددت عليه بالضمير.
لمحمد بن طاهر: الطويل
عيون إذا عاينتها فكأنما ... دموع الندى من فوق أجفانها در
محاجرها بيض وأحداقها صفر ... وأجسامها خضر وأنفاسها عطر
بروضة بستان كأن نباته ... تفتح وشي حين باكره القطر
أتي نوفل بن مساحق بابن أخيه وقد أحبل جارية من جيرانه فقال: يا عدو الله، لما ابتليت بالفاحشة هلا عزلت؟ فقال: يا عم، بلغني أن العزل مكروه، فقال: أفما بلغك أن الزنا حرام؟! لبعض الطالبيين: الطويل
لقد فاخرتنا من قريش جماعة ... بمط خدود وامتداد أصابع
فلما تنازعنا الفخار قضى لنا ... عليهم بما نهوى نداء الصوامع
ترانا سكوتاً والشهيد بفضلنا ... عليهم جهير الصوت من كل جامع
بأن رسول الله لا شك جدنا ... ونحن بنوه كالنجوم الطوالع
стр. 184
كتب جوهر غلام المعز الفاطمي بمصر موقعاً في قصة رفعها إليه أهلها: سوء الاجترام أوقع بكم حلول الانتقام، وكفر الإنعام أخرجكم من حفظ الذمام، فالواجب فيكم ترك الإيجاب، واللازم لكم ملازمة الاجتناب، لأنكم بدأتم فأسأتم، وعدتم فتعديتم، فابتداؤكم ملوم، وعودكم مذموم، وليس بينهما فرجة تقتضي إلا الذم لكم، والإعراض عنكم، ليرى أمير المؤمنين رأيه فيكم.
سمعت من بعض النحويين يقول: الرفع في الكلام على سبعة أوجه بأربعة ألفاظ: بالواو والضمة والألف والنون؛ فالأوجه: الفاعل، وما شبه به، والمبتدأ والمبني عليه، والوصف، وما يرفعه الظرف، وأسم كان وأدواتها، وخبر إن. فالفاعل قولك: ذهب زيد؛ وما شبه به: ضرب زيد لأنه يقام مقام الفاعل؛ المبتدأ: زيد قائم، فقام مبني على زيد؛ وما يرفعه الظرف نحو: عندك أخوك، فعندك في معنى الفعل كأنه استقر عندك زيد؛ واسم كان مثل: كان زيد قائماً؛ وخبر إن وأخواتها مثل: إن زيداً قائم.
стр. 185
وموضع آخر رفع على غير الوجه المعتاد، وإنما هو بإسكان الواو والياء نحو يغزو ويرمي.
كتب علي بن الجهم إلى جارية كان يهواها: الطويل
خفي الله فيمن قد بتلت فؤاده ... وتيمته حتى كأن به سحرا
دعي البخل لا أسمع به منك إنما ... سألتك شيئاً ليس يعري لكم ظهرا
فكتبت إليه على ظهر الرقعة: إنه إن لم يعر لنا ظهراً فإنه يملأ لنا بطناً. الرجال؛ وأما التبل - بتقديم التاء - فإنه العداوة؛ وأما النبل فالسهام؛ وأما العبل فالضخم؛ وأما الكبل فالقيد؛ وأما الهبل فمصدر هبلته أمه؛ وأما الطبل فالخلق، يقال: ما أدري أي الطبل هو؛ وأما السبل فمصدر سبلت الشيء فأنسبل؛ وأما السدل فكذلك، ويقال منه انسدل؛ وأما الأبل فمصدر الأسم الذي هو الإبل، وهو من أبل إذا كان حسن القيام على الإبل؛ وأما الوبل فأشد الجود من المطر وهو المنتهى، كما أن الطرف الآخر هو الطل؛ وأما الزبل فمصدر زبل يزبل، ومنه الزبال، وكأن الزبيل منقول فيه ذلك، والزبل هو ما أخذه
стр. 186
الزبال، وفي كلام العرب: ما رزأته زبالة أي ما نقصته ما تحمله النملة.
وسألت رجلاً كان يتعاطى هذا النمط قلت: ما الفرق بين الرزان والرازن؟ فتلعثم. وأراد شيخ من سراة أذربيجان أن يخجلني فخجل، وذلك أنه قال لي: ما تقول في رجل زنا؟ فقلت: الحال معتبرة، فإن كان بكراً فالجلد، وإن كان ثيباً فالرجم، والتغريب على ما يرى الإمام، ففيه الخلاف؛ فقال لي: أخطأت، إني ما أردت إلا غير هذا المعنى، قلت: كأنك أردت رجلاً زنا بامرأة، قال: أردت صعد الجبل، قلت: فأعلم أيها المخطىء أنك مخطىء، قال: كيف؟ قلت: لأن ذاك بالهمز لا غير، ومتى حذفت الهمز فسد المعنى، فالتقم حصاة سكوتاً.
دخل الجماز على صاحب قيان وعنده عشيقته، فقال له الرجل: أتأكل شيئاً؟ قال: قد أكلت، فسقاه نبيذ عسل، فلما كظه جعل يأكل الورد كأنه ينتقل به، ففطنت الجارية فقالت لمولاها: يا مولاي أطعم هذا الرجل شيئاً وإلا خرج خراه جلنجبين معسل.
стр. 187
قال مسعر، حدثني علي بن الحسين العلوي قال: كان بهمذان رجل يعرف بأبي محمد القمي، وكان متصرفاً بها، وكان شديد الحماقة في بغضه معاوية؛ فورد البلد غلام بغدادي، وكان يكتب الحديث، وبلغ القمي خبره، وأنه صبيح الوجه موصوف بالملاحة، فوجه غلاماً له إليه بدينارين، ودعاه إلى منزله، فمضى الغلام وأحتفل القمي في المائدة والزينة والكرامة، حتى إذا كان وقت النوم قام الغلام وطرح جنبه ناحية، فنهض وراءه القمي وراوده وداوره، فلما أجاب كرهاً أقحم عليه أيره، فتأوه الغلام وصرخ وقال: أخرج أمك بظراء، فقال القمي: دعني من هذا وانزل على أحد ثلاثة أمور: إما أن تلعن معاوية، وإما أن ترد الدينارين، وإما أن تستدخل أيري كله، فقال الغلام: أما لعن معاوية فلا سبيل إليه، وأما الديناران فقد أنفقت أحدهما ولا ترضى أرتجاعه إلا مع الآخر، وأما الصبر على مرادك فأنا أستعين بالله عليه؛ فغمز عليه بالحمية، وجعل الغلام يتلوى ويقول: هذا في رضاك يا أبا عبد الرحمن قليل.
لما انصرف عبد الله بن جعفر من الحج، وقفت عليه امرأة من غطفان معها دجاجة مشوية فقالت: بأبي وأمي إن دجاجتي هذه كانت مؤنستي في
стр. 188
الخلاء، ومزينتي في الملاء، ومعينتي على الدهر، وإني شكرت لها ذلك، فحلفت ألا أدفنها إلا في أكرم بقعة، وما وجدت ذلك إلا بطنك؛ فضحك عبد الله وأمر بأخذها وقال لها: ائتني المدينة، فأتته، فأمر لها بعشرة آلاف درهم وعشرة أحمال دقيقاً وسويقاً وزيتاً، فلما رأت ذلك قالت: لا تسرف إن الله لا يحب المسرفين.
اعتل ذو الرياستين الفضل بن سهل بخراسان مدة طويلة، ثم أبل وأستقل، فجلس للناس ودخلوا عليه يهنئونه بالعافية، فأنصت لهم حتى تقضى كلامهم، ثم أندفع فقال: إن في العلل لنعماً لا ينبغي لا ينبغي للعقلاء أن يجهلوها، منها تمحيص الذنب، والتعرض لثواب الصبر، والإيقاظ من الغفلة، والإذكار بالنعمة في حال الصحة، وأستدعاء التوبة، والحض على الصدقة، وفي قضاء الله وقدره بعد الخيار؛ فأنصرف الناس بكلامه ونسوا ما قال غيره. وكان الفضل فضلاً كما هو، وكان مع ذلك يرتضخ ركاكة وضعفاً، وسأبين ذلك من بعد.
شاعر: الطويل
وما نلت منها محرماً غير أنني ... أقبل بساماً من الثغر صافيا
وألثم فاها تارة بعد تارة ... وأترك حاجات النفوس كما هيا
стр. 189
كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا كتب إلى أهل الكوفة يكتب لهم: رأس العرب ورمح الله الأطول.
قال عمرو بن دينار: توفيت فاطمة ﵂ بعد أبيها ﵊ وهي ابنة أربع وعشرين سنة.
أكل أعرابي من بني عذرة مع معاوية، فجرف ما بين يدي معاوية ثم مد يده ها هنا وها هنا، ثم رأى بين يدي معاوية ثريدة كثيرة السمن فجرها؛ فقال معاوية: " أخرقتها لتغرق أهلها " الكهف: ٧١، فقال الأعرابي: لا ولكن " سقناه لبلد ميت " الأعراف: ٥٧.
قال الحسن البصري ﵀: من وسع الله عليه في ذات يده فلم يخف أن يكون ذلك مكراً من الله فقد أمن مخوفاً، ومن ضيق الله عليه في ذات يده فلم يرج أن يكون ذلك نظراً من الله تعالى له فقد ضيع مأمولاً.
لو كان كلام الناس حجراً لكان كلام هذا الرجل ذهباً وفضة؛ لله دره فقد أوتي عقلاً وفقهاً وزهداً وبياناً. وكان شيخ لنا يحدث أن ثابت بن قرة
стр. 190
الحراني الصابىء الفيلسوف كان يقول: فضلت أمة محمد ﷺ العربي على جميع الأمم الخالية بثلاثة لا يوجد فيمن مضى مثلهم:
بعمر بن الخطاب في سياسته، فإنه قلم أظفار العجم، ولطف في إيالة العرب، وتأتى لتدبير الحروب، وأشبع بطون العرب، وألبس الدين جلباباً، وفتح له أبواباً، وهيأ له شرائط وأسباباً، ثم لم يرزأ من جميع الغنائم والفتوح شيئاً، وصحب عمره بالقناعة التي لا تجيب إليها نفس، مع القدرة والتمكين والسلطان والسطوة والهيبة والطاعة والإجابة، ومزج الدنيا بالدين، وأعان الدين بالدنيا، ودارى في موضع المداراة، ومارى في موضع المماراة، وأظهر الضعف مع قرة، وأظهر القوة مع رأفة، وأظهر الرأفة مع التقصي، فدانت له القلوب، وذلت له الرقاب، وتناجت القلوب بمحبته، وتناصرت الألسنة بالثناء عليه، نومه لليقظة، وراحته للدأب، وقسوته للرحمة، ومنعه للعطاء، وصمته للعبرة، وقوله للفائدة، ومشيه للإغاثة، ينفض الليل بنفسه، ويعترف في كل أمر بتقصيره، ولا يرضى ببذل مجهوده، نقاب يحدث بالغائب، إن آرتأى لم يقل، وإن قال لم يخل، وإن تواضع لم يذل، أحواله تتناسب، وأموره تتشابه، ليله كنهاره، وسره كإجهاره، وإبطانه كإظهاره، وعلانيته
стр. 191
كإسراره، لا يقفوه قاف وإن تقصى السداد، ولا يلحقه لاحق وإن ركض الجواد؛ والحسن البصري، فإنك إذا نظرت إلى كلامه ومواعظه وزهده وحكمته، عرفت علو درجته، وسلطان دينه، وقوة عقدته، وانفتال مريرته، ونقاء طويته، مع العفة في الدين، والصبر المتين، والأحتساب العظيم؛ وأبي عثمان الجاحظ، فإنك لا تجد مثله، وإن رأيت ما رأيت رجلاً أسبق في ميدان البيان منه، ولا أبعد شوطاً، ولا أمد نفساً، ولا أقوى منة، إذا جاء بيانه خجل وجه البليغ المشهور، وكل لسان المستحنفر الصبور، وانتفح سحر العارم الجسور؛ ومتى رأيت ديباجة كلامه رأيت حوكاً كثير الوشي، قليل الصنعة، بعيد التكلف، حلو الحلى، مليح العطل، له سلاسة كسلاسة الماء، ورقة كرقة الهواء، وحلاوة كحلاوة الناظل، وعزة كعزة كليب وائل. فسبحان من سحر له البيان وعلمه، وسلم في يده قصب الرهان وقدمه، مع الأتساع العجيب، والأستعارة الصائبة، والكتابة الثابتة، والتصريح المغني، والتعريض المنبي، والمعنى الجيد، واللفظ المفخم، والطلاوة الظاهرة، والحلاوة الحاضرة، إن جد لم يسبق، وإن هزل لم يلحق، وإن قال لم يعارض، وإن سكت لم يعرض له.
стр. 192
هذا رأي ثابت بن قرة وأعجابه، أتينا به على ما عن لنا، فإن وقع موافقاً لرأيك، مطابقاً لأختيارك، فأعتد به، وإن نفيته بحكمك، وزيفته بنظرك، فدعه لغيرك: الطويل فلا الكرج الدنيا ولا الناس قاسم كان بهلول المجنون يقول: الهزج
كم تمرض وكم تبرا ... وكم تأكل وكم تخرا
وكم تستقبل اليوم ... وكم تستدبر الشهرا
وكم تنقل من يفنى ... بمن يفنى إلى الصحرا
وقال محمد بن يزيد الأموي: الخفيف
فطمتك الأيام قبل الفطام ... وأتاك النقصان قبل التمام
بأبي أنت ظاعناً لم أمتع ... بوداع منه ولا بسلام
стр. 193
كنت أرجوك للمهم من الأم ... ر وأنسى تعرض الأيام
حاربتني فيك الليالي ولم يح ... فظن عهدي ولا رعين ذمامي
أيها القبر إن فيك لروحي ... نزعت من مفاصلي وعظامي
وبرغمي أمسيت أمنحك الود ... وأهدي إليك صوب الغمام
تقول العرب: من طال أمده نفد جلده.
دخل على معاوية رجل مرتفع العطاء، فرأى في عينيه رمصاً فحط من عطائه وقال: أيعجز أحدكم إذا أصبح أن يتعهد أديم وجهه؟ ومن جود عبد الله بن عباس أنه أرعى رجلاً من الأعراب إبلاً فأسمنها وردها كأنها قصور، أو عذارى حور، فقال: كيف تراها؟ قال: تسر الناظر، وتخصب الزائر، قال: فإنها لك، ولك أجرك، فبكى الأعرابي فقال له: ما يبكيك؟ قال: أبكي ضنا بهذا الوجه أن يعفر في التراب، فقال: هذا القول أحسن من قصيدة.
قال أعرابي: اللهم أجعل لي قلباً يخشاك كأنه يراك، إلى يوم يلقاك، وأدعوك دعاء قليلة حيلته، متظاهرة ذنوبه، ظنين على نفسه.
الظنين: المظنون، والمظنون: المتهم، وقد قرىء " وما هو على الغيب
стр. 194
بظنين " التكوير: ٢٤ أي بمتهم، وقرىء بضنين، أي ببخيل، أي لا يسأل أجراً على ما يخب به على الله ؛ وكان أبو نصر السدي يقول: بالضاد أقوى في المعنى، وأخلص إلى الحق، وذلك أن التهمة أسرعت إليه من المشركين المباينين، ومن المنافقين المخالطين، فلو كان معنى النفي صحيحاً على الإطلاق، كان لا تقع التهمة، ولا تعرض الريبة، فقيل له: وتأويله أنه غير متهم في نفسه أو عند الله، فقال - وأنا أسمع -: إن زوال التهمة عنه عند الله، أو عن نفسه، لا يصح به مدح ولا يتم به إطلاق، لأنه يبقى على المعارض أن يقول: هذا دعوى بغير برهانها. فأما الضن فهو الشح، يقال: هو به ضنين، أي بخيل، من ضن به ضنا وضنانة.
قال معاوية لقريش في خلافته: أنا أقع إذا طرتم، وأطير إذا وقعتم، ولو وافق طيراني طيرانكم للأختلفنا. هذا يحتاج إلى تفسير إلا عند من هو أعلم ممن هو في طبقتي.
وأنشد للحماني علي بن محمد الكوفي العلوي: الكامل المجزوء
стр. 195
كم منزل لك بالخور ... نق ما يوازى بالمواقف
بين الغدير إلى السدي ... ر إلى ديارات الأساقف
فمواقف الرهبان في ... أطمار خائفة وخائف
دمن كأن ؤياضها ... يكسين أعلام المطارف
وكأنما غدرانها ... فيها عشور في المصاحف
تلقى أوائلها أوا ... خرها بألوان الرفارف
بحرية شتواتها ... برية فيها المصايف
درية الحصباء كا ... فورية منها المشارف
باتت سواريها تمخ ... ض في رواعدها القواصف
وكأن لمع بروقها ... في الجو أسياف المثاقف
ثم أنبرت سحاً كبا ... كية بأربعة ذوارف
فكأنما أنوارها ... تهتز في الدرج العواصف
طرر الوصائف يلتقي ... ن بها إلى طرر الوصائف
دافعتها عن دجنها ... بالغلب والبيض الغطارف
يغنون يوم البأس شر ... أبون في يوم المعارف
سمح بحر المال وق ... افون في يوم المتالف
стр. 196
واهاً لأيام الشبا ... ب وما لبسن من الزخارف
وزوالهن بما عرف ... ت من المناكر والمعارف
أيام ذكرك في دوا ... وين الصبا صدر الصحائف
واهاً لأيامي وأي ... ام النقيات المراشف
والغارسات البان قض ... باناً على كثب الروادف
والجاعلات البدر ما ... بين الحواجب والسوالف
أيام يظهرن الخلا ... ف بغير نيات المخالف
وقف النعيم على الصبا ... وزللت عن تلك المواقف
وقال الفضيل بن عياض: قال إبليس: يا رب، الخليقة تحبك وتبغضني، وتعصيك وتطيعني، فقال الله سبحانه: لأغفرن لهم طاعتهم إياك ببغضهم لك، ولأغفرن لهم معصيتهم إياي بحبهم لي.
وأنشد لبشار بن برد: البسيط
حتى متى أنا مربوط بذكركم ... أهذي وقلبك مربوط بنسياني
لهفي عليها ولهفي من تذكرها ... يدنو تذكرها مني وتنآني
إني لمنتظر أقصى الزمان بها ... إن كان أدناه لا يصفو لحران
стр. 197
قال ابن هبيرة: الشجاعة لمن كانت معه الدولة.
وقال ناسك: ما تبالي حسنت جوراً ودخلت فيه، أو قبحت عدلاً وخرجت منه.
وصف أعرابي فرساً فقال: كأنه شيطان في أشطان.
قال الأحنف: الأدب في الإنسان نور العقل، كما أن النار في الظلمة نور البصر. وهذا بكلام الفلاسفة أشبه، ولكن كذا أصبته في كتاب ابن أبي طاهر في الحلي والحلل صاحب المنظوم والمنثور، وإنما أحكي ما أجد.
وأنشد ابن أبي طاهر لبشار: الكامل
فسد الزمان وساد فيه المقرف ... وجرى مع الطرف الحمار الموكف
فدع التبحث عن أخيك فإنه ... كسبيكة الذهب الذي لا يكلف
قال الحسن: إن من أعظم نعم الله على خلقه أن خلق لهم النار تحوشهم إلى الجنة.
وقال العتبي: لا تنازع الرأي من لا ينازعك الحظ.
стр. 198
قيل لراهب: متى عيدكم؟ قال: كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد.
قيل للنظام في علته: ما تشتهي؟ قال: أشتهي أن أشتهي.
شاعر: المتقارب
جرى والجياد فلما جرى ... حثا في وجوه الجياد الثرى
قيل لعابد: أمن أطال في القنوت أحسن أم من أطال في الصلاة أم من أطال في السجود؟ قال العابد: بل من أخلص فيها.
قيل لديوجانس، وكان يونانياً: أملك الروم أفضل أم ملك الفرس؟ فقال: من كان منهما أملك لهواه.
وقيل لصوفي: أرفع اليدين في الصلاة أفضل أم إرسالهما؟ فقال: رفع القلب إلى الله تعالى أنفع منهما.
سئل دغفل عن قومه فقال: يسمنون في الحرب ويهزلون في السلم.
стр. 199
العرب تقول: نعوذ بالله من الشظف والضفف والجفف؛ الشظف: الشدة، والضفف: أن يكون المأكول بإزاء الأكلة، والجفف: اليبس، وهو أن يكون المال دون الأكلة.
قال أعرابي في دعائه: قطع الله مفصله، وبتر مقوله.
ويقال: هؤلاء زوار هؤلاء، وزيارهم الذي يمنعهم، ومنه زيار البيطار؛ هكذا حفظت حفظك الله.
قال أبو العباس الكرخي: دب شيخ إلى غلام فأنتبه، فولى قليلاً فقال الغلام: " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً " الأحزاب: ٢٥، ثم دب إليه ثانية فقضى حاجته، وانتبه فقال الشيخ: " ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها " القصص: ١٥.
روى التوزي، قال أعرابي: الرجز
يغنيك عن سلمى وعن دهانها ... ونقطها الوجه بزعفرانها
стр. 200
مري يد لا عيب في بنانها وأنشد: الرجز
إن العجوز حين شاب صدغها ... كالحية الصماء طال لدغها
وأنشد: الرجز
إن العجوز حين شاب راسها ... وسقطت من كبر أضراسها
وطاب في خبائها اندساسها ... محقوقة بأن يخاف باسها
قال فيلسوف: العجب فضيلة يراها صاحبها في غيره فيدعيها لنفسه.
قال فيلسوف: الذي يعلم الناس الخير ولا يفعله بمنزلة الأعمى الذي في يده سراج، غيره يستضيء به وهو خال من منفعته منه.
فيلسوف: ما اخترت أن تحيا عليه فمت دونه.
شاعر: الخفيف
حي طيفاً من الأحبة زارا ... بعدما صرع الكرى السمارا
قلت ما بالنا جفينا وكنا ... قبل ذاك الأسماع والأبصار
стр. 201
ا
قال إنا كما عهدت ولكن ... شغل الحلي أهله أن يعارا
قال زاهد: من بلغ أقصى أمله فليتوقع دنو أجله.
لما غصب المعتضد منازل الناس لبناء دار عزم أن ينتقل إليها في علته، كتب إليه القطربلي: الكامل
قل للإمام مقال ذي العلم ... لا تطلبن شفاك بالظلم
لا ترحلن إلى المعاد بها ... فتصير من سقم إلى سقم
أنشد اليشكري: البسيط
لا تنكحي ابن حبيب عن مؤامرة ... ولا ابن ريطة منحوساً ولا وزرا
ثلاثة كفلوس النقد أمثلهم ... عبد تبين فيه النوك والخورا
جنباه جنبا حمار ساف محرأة ... لما قضى نهمة الصادي لها نثرا
كعتق الرأل رجته قوائمه ... يرى طويلاً وإن هزهزته انكسرا
كأنه حين تلقاه وتخبره ... عير شددت على حمائه الثفرا
стр. 202
يقال: كان من دعاء شريح: اللهم إني أسألك الجنة بلا عمل عملته. وأعوذ بك من النار بلا ذنب تركته.
قيل لإبراهيم البلخي: فيك حدة، فقال: أستغفر الله مما أملك، وأستصلحه لما لا أملك.
قال بعض العرب: من لقيك بالسؤال الملحف، فالقه بالمنع الحابس.
قال بعض العباد: أضل عباد الله من يسأل حاجة غير الله.
قيل لراهب: كيف سخت نفسك عن الدنيا، فقال: أيقنت أني خارج منها كارهاً، فأحببت أن أخرج منها طائعاً.
ذكر أعرابي مسيره فقال: خرجت حين انحدرت النجوم، وشالت أرجلها، فما زلت أصدع الليل حتى أنصدع الفجر.
стр. 203
قال أعرابي: استشر عدوك العاقل ولا تستشر صديقك الأحمق، فإن العاقل يتقي على رأيه الزلل كما يتقي الورع على دينه الحرج.
وقال أبو الدرداء: أحب ثلاثة لا يحبهن غيري: أحب المرض تكفيراً لخطيئتي، وأحب الفقر تواضعاً لربي، وأحب الموت اشتياقاً إليه. فذكر ذلك لابن سيرين فقال: لكني لا أحب واحدة من الثلاثة؛ أما الفقر فو الله للغنى أحب إلي منه، لأن الغنى به يوصل الرحم، ويحج البيت، وتعتق الرقاب، وتبسط اليد إلى الصدقة؛ وأما المرض فو الله لأن أعافى فأشكر أحب إلى من أن أبتلى فأصبر؛ وأما الموت فو الله ما يمنعنا من حبه إلا ما قدمناه وسلف من أعمالنا، فنستغفر الله .
انظر بالله إلى خروج ابن سيرين من كل ما دخل فيه أبو الدرداء، حتى كأن الصدق في جلبه أبين، والبرهان على ما قاله أقرب، ولولا أن الطرق إلى الله مختلفة، ما عرض هذا الرأي للأول ولا عارضه هذا الثاني.
وكان أبو حامد القاضي يقول: الزهد في الدنيا لا يصح، لأن الإنسان خلق منها وعمرها وسكن فيها، فلا سبيل إلى انسلاخه منها على ما يرى جفاة الصوفية وما يقولون، فإنهم يرون الجلالة له حجاباً وحجازاً، ويجعلونها مانعة من إصابة الزهد وسلوك محجته وإقامة مناره، وزعم أن الزهد إنما أريد به القيام بالأمر والنهي على قدر الطاقة، وكنه القوة، مع التقلب بين الرجاء
стр. 204
والخوف، وإصلاح القلب بحسن النية في الخير، وبذل المجهود من الموجود. لمن يحسن معه الجود.
وكان أبو بكر الفارسي صاحب كتاب الأصول بخراسان يشرب في آنية الذهب والفضة، وإذا قيل له: أما تروي في كتاب المزني أن الذي يشرب في آنية الفضة والذهب فإنما يجرجر في جوفه نار جهنم؟ يقول: إن الله يقول: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده " الأعراف: ٣٢ وإن النبي لا يحرم ما أحل الله، والخبر لا يرفع القرآن، لأن القرآن أساس والخبر بناء وفرع، على أن الخبر معتمده على حسن الظن بالرواة والنقلة، والقرآن يبرأ من رجم الظنون، ولو صح هذا المأثور لكان لاحقاً بباب النهي على التنزيه، ومحمولاً على تفخيم الأمر إشفافاً من البطر، وتذكيراً بالخبر، لأن الخبر متى لم ينطبق على علة بها يقع النهي، ومن أجلها يرد الأمر، كان الخبر موقوفاً دونه ومسكوتاً عنه؛ وإذا كان هذا الذي قتله قريباً وممكناً، وكان الخبر يتضمن معنى النهي عن البطر، فأنا وأضرابي من العلماء في نجوة من البطر، وفي مأمن من
стр. 205
السطوة والشر، ومن جرى منكم مجراي فحكمه حكمي. وكان له كلام كثير في هذا النمط، وكان إماماً من أصحاب الشافعي ﵁.
وأما أبو سعيد البسطامي، وكان من عجائب الرجال، فإنه سئل عن قوله ﷺ : اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً وأحشرني مسكيناً، فأندفع مغضباً يقول: من قال إن رسول الله ﷺ مسكين فهو كافر، وقال للسائل: والله لولا أنني أعلم أنك جاهل وغر لأمرت بك حتى تستحب على وجهك وتضرب بالسياط، ولكنك تلقفت هذا من هؤلاء الحمقى المكدين المحتالين الملحدين الذين وصموا النبي ﷺ بهذا النعت وبما يجري مجراه. إن النبي ﷺ كان غنياً، ولا أعني بقولي كان غنياً غنياً بالله، ذاك غنى مربوط بالإيمان والتوحيد والإخلاص والطهارة، وما أريد شيئاً من ذلك، فإن ذلك موفور له في العاجل ومذخور له في الآجل، إنما أعني الغنى الذي هو الأثاث والثياب والدواب والخدم، فقيل له: فإن الله يقول: " ووجدك عائلاً فأغنى " الضحى: ٨، قال: هذا حجتي، فإن العائل المثقل بالدين، وقد كان هذا قبل المبعث؛ فلما بعثه
стр. 206
الله أزاح علله فنور قلبه، وملأ من الدنيا كفه، وإلا فبم جيش الجيوش، وعقد السرايا، وهادى الملوك، ونحل الصحابة، وزود الوفود، وأنفق على النساء، وأين بغلته دلدل، وأين سيفه الصمصامة، وأين بردته وحلته، وأين ما كان يدخره لنفقة عامه، وقوت عياله؟ والله ما أتيتم إلا من تقليدكم لقوم تحلوا عندكم بأدعاء الدين، وخاتلوكم عما حوته اليمين. وأنتم أيها الأغنياء أشبه برسول الله ﷺ وبصحابته من هؤلاء الذين لبسوا الأخضر والأحمر والأصفر والأسود، ورقعوها بالتكليف.
وكان مع هذا يتعدى طبقة زمانه إلى أبي يزيد البسطامي ويقول: أبو يزيد من بلدي، وأنا أعرف به وبأصله وفصله، وحديثه عندنا غض، وأمره عندنا بين، وإنه بعيد من دين المسلمين.
وكان شديد التهور، عظيم العجرفة، وأنا سمعته يقول بأصبهان سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وقد قال له قائل: أيها الأستاذ - وكذا كان يخاطب - إن فلاناً يقول: متى عرض كلام أستاذكم أبي سعيد على كتاب الله خالفه ولم يوافقه، فقال جهلاً: كلام الله ينبغي أن يعرض على كلامي! ومضى على ذلك، فلم أجد نكراً من أحد حضر من أصحابه ولا من غيرهم، وكنت حينئذ وحيداً غريباً حديث السن، فوقذتني الحمية لله ولرسوله عند جهله. وكان اعتماده على الهذيان، ولم يكن هناك - مع طول النفس، وبلة الريق، والصبر على الكرم - شيء من التحصيل. ولقد سمعته يقول: نقضت على الفلاسفة سبعين ألف ورقة، فلما طولب بأن يذكر أسماء
стр. 207
خمسة من كتبهم أفتضح وأفحم، وكان ذلك سبب طرده من أرجان. وحديثه طويل، وكان كلامياً لا يحسن من المذهب إلا النص، فإذا نازعه الخصم أفلت وأنحص.
أنشد ابن أبي طاهر في البعوض: الرجز
أرقني وكنت بالعراق ... بعوضة ذات شوى دقاق
تسفعني بمبضع مزاق ... كأن صوت شارب مشتاق
صوت تغنيها على التراقي قيل لسعيد بن المسيب: لم صارت قريش أضعف العرب شعراً؟ قال: لأن مكان رسول الله ﷺ منها قطع متن الشعر عنها.
كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: إن الله لا يطالب خلقه بما
стр. 208
قضى عليهم وقدره، ولكنه يطالبهم من حيث نهى وأمر، فطالب نفسك من حيث يطالبك ربك تنج.
شاعر: البسيط
يا أم عتبة إني أيما رجل ... إذا النفوس أدرعن الرعب والرهبا
لا أمدح المرء أبغي من فضائله ... ولا أظل أداجيه إذا غضبا
ولا يراني على باب أراقبه ... أبغي الدخول إذا ما بابه حجبا
وذكر أعرابي الملوك فقال: أقرب ما يكون إليهم أخوف ما يكون منهم، شاهد يظهر حبك، وغائب يبتغي غيرك.
كتب علي بن الحسين ﵄ إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فإنك أعز ما تكون بالله أحوج ما تكون إليه، فإن عززت به فاعف له، فإنك به مقدر، وإليه ترجع.
ابن أبي عيينة في عيسى بن سليمان: الطويل
أفاطم قد زوجت من غير خبرة ... فتى من بني العباس ليس بطائل
فإن قلت من آل النبي فإنه ... وإن كان حر الأصل عبد الشمائل
стр. 209
بشار بن برد: الكامل
وإذا نسيبك غل ساعده ... ونأى فليس بنافع نسبه
خذ من صديقك غير متعبه ... إن الجواد يؤوده تعبه
قال أعرابي: من فاس الأخلاق بالصور حسن منه النظر.
قال أعرابي: الهرم يعدم الأطيبين، ويحدث الأخبثين؛ والأطيبان: النوم والنكاح، والأخبثان: السهر والبخر.
قال أبو روق المقراني: رأى النهدي في المنام كأنه يصلي بالناس إلى الكعبة، وكأن شريك بن عبد الله يصلي إلى غيرها، فأهتم بذلك وقال للربيع: سل عن تعبيره، قال: فسأل، فقيل له: هذا رجل مخالف لرأي الخليفة، فأمر المهدي الربيع بأن يحضر شريكاً، فمضى إليه، فرأى شريك في
стр. 210
وجه الربيع أزوراراً، فسأله عن ذلك فقال: إن أمير المؤمنين رأى رؤيا غلظ قلبه عليك لها، قال: ما هي؟ قال: سيخبرك، فلما دخل على المهدي سلم عليه فلم يرد عليه، فقال: حييت أمير المؤمنين بتحية الإسلام، فلم يرد عليه، وما كانت هذه من أفعاله، فقال: إني رأيت رؤيا دلتني على خلافك إياي وساد طويتك في طاعتي، فقال: يا أمير المؤمنين إنها ليست رؤيا يوسف ﵇؛ إن الرؤيا على أربعة أوجه: منها وحي عن الله ؛ منها حديث الرجل نفسه؛ ومنها أحلام؛ ومنها تلعب الشيطان؛ فمن أي الوجوه رؤيا أمير المؤمنين؟ قال: تلعب الشيطان، يا ربيع أخلع على شريك وأحسن إليه.
قال أبو ذر عن عبيد الله: إن أول رام رمى بسهم في سبيل الله سعد.
مجاهد عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن التحريش بين البهائم.
стр. 211
نافع قال، سئل ابن عمر: أكان النبي ﷺ يلتفت في الصلاة؟ فقال: لا، ولا في غير الصلاة.
وقال أبو مسعود الأنصاري: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أعمل العمل أستره فيظهر فأفرح به، فقال: كتب لك أجران، أجر السر وأجر العلانية.
قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : إن الدنيا لا تصفو للمؤمن، هي سجنه وبلاؤه.
بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ يقول: ليس لفاسق غيبة.
قال عبد الله بن مسعود: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفة والغنى.
стр. 212
وسمعت القاضي أبا حامد يقول: قيل لشريح: أما قول النبي ﷺ : من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين؟ قال: هذا يدل على تيسير الأمر، لأن الذي ذبح بغير سكين لا يكون كالمذبوح بسكين، فكأنه أخبر عن سلامته.
وقال أبو حامد: كان شريح لا يقبل قول من يركب البحر ويقول: هذا لا يحفظ نفسه، كيف يحفظ أمور المسلمين عليهم؟ سمعت هبة الله بن الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ : الشيخ شاب في حب اثنين: في حب الحياة وفي حب المال، ثم رواه بإسناد عن أبي هريرة، هذا سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
وروى أبو ذر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا صمت الشهر فصم ثلاث عشره، وأربع عشره، وخمس عشره؛ قال أبو بكر العلاف: إنما قال بحذف الهاء فيها وهو يريد الأيا، وهذه عبارة عن الليالي، لأن تاريخ الشهور بالعربية إنما هو بالأهلة، فأول الشهر الليلة التي يهل فيها، ولهذه العلة عبر عن الأيام بالليالي، ثم المعلوم من الصوم أنه يقع في النهار دون الليل، والمعلومات يتسع فيها ويعول على ما علم من معانيها.
стр. 213
وحكى لنا أبو بكر: قال عبد الله بن المبارك، قال سفيان: كان يقال: إذا عرفت نفسك لم يضرك ما قيل لك.
وقال سفيان: قال رجل من الأنصار: ما استوى رجلان أحدهما يشار إليه والآخر لا يشار إليه.
وقال سفيان: قال رجل لمحمد بن واسع: إني أحبك لله، قال: أحبك الله الذي أحببت له، اللهم إني أعوذ بك أن أحب لك وأنت لي ماقت.
أبو نواس: الكامل
عين الخليفة بي موكلة ... عقد الحذار بطرفها طرفي
صحت علانيتي له وأرى ... دين الضمير له على حرف
فلئن وعدتك تركها عدة ... إني عليك لخائف خلفي
سلبوا قناع الطين عن رمق ... حي الحياة مشارف الختف
فتنفست في البيت إذ مزجت ... كتنفس الريحان في الأنف
هذا أختيار ابن المعتز.
قال أعرابي يصف آخر: هو بحر يزجر عند العطاء، وأسد يزار عند اللقاء.
стр. 214
شاعر: الكامل
الله يعلم أن فرقة بيننا ... مع ما أرى شيء علي يهون
ولد لعلي بن أبي طالب ﵁ لصلبه: الحسن، والحسين، ومحسن، وزينب، ورقية، وأم كلثوم من فاطمة ﵂، وولد له من خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية: محمد؛ ومن ليلى بنت مسعود الدارمية: عبيد الله وهو أبو بكر؛ ومن أم البنين بنت حزام الكلابية: العباس، وعثمان، وعبد الله، ومحمد الأوسط؛ ومن الصهباء التغلبية: عمر، وأسماء، ويحيى، وعون؛ ومن أم ولد: محمد الأصغر؛ ومن أمامة بنت العاصي: محمد الثالث.
يقال: أقلل طعامك تحمد منامك.
стр. 215
قال أحمد بن مؤمل: قاتل الله رجالاً كنا نؤاكلهم، ما رأيت قصعة رفعت من بين أيديهم إلا وفيها فضل، وكانوا يعلمون أن الجدي إنما هو شيء من زينة المائدة الرفيعة، وإنما جعل كالخاتمة والعاقبة، وعلامة الفراغ، ولم يحضر للتمزيق، وأن أهله لو أرادوا به الأكل لقدموه قبل كل شيء حتى تقع به الحدة، ولقد كانوا يتحامون بيضة البقيلة، واليوم إن أردت أن تمتع طرفك بنظرة إليها أو إلى شيء من بيض الشلقة لم تقدر على ذلك.
سمعت شيخاً من النحويين يقول: النصب في الكلام يكون من اثني عشر وجهاً، ثم عدها، ثم قال: هذه الوجوه هي المفعول به، والمصدر، والظرف، والحال، والتعجب، والنداء، والتبييين والتفسير، والتمييز مع التبيين واحد، وإن وأخواتها، والوصف، والأستثناء، والنفي، وخبر لات وما، عملهما واحد. تقول: ضربت زيداً الظريف اليوم ضرباً شديداً قائماً، فزيد مفعول به، والظريف وصف له، واليوم ظرف، وضرباً مصدر، وشديداً وصف ضرب، وقائماً حال، وإنما يتولد الحال من المعرفة؛ وسمي المصدر مصدراً
следующие страницы →