Полный текст (2 098 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
قيل لناسك: ما السرور؟ قال: عبادة خالصة من الرياء ورضى النفس بالقضاء.
للعطوي:
يا نفس دومي على العبادة والص ... صبر فخير العلقين في يدك
إني وإن كنت لابساً سملا ... فهمتي فوق كاهل الفلك
قال بعض الأدباء: الجالي عن مسقط رأسه ومحل رضاعته كالعير الناشط عن بلده الذي هو لكل عير فريسة، ولكل رام دريئة.
قالت الفرس: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة وحلاوة، وكما تغرس الولادة رقة وجفاوة.
قال فيلسوف: فطرة الرجل معجونة بحب الوطن.
وكان بقراط يقول: يجب أن يداوى كل عليل بعقاقير أرضه، فإن الطبيعة تتطلع إلى هوائها، وتنزعو إلى غذائها.
стр. 1962
قال ابن عباس: لو قنع الناس بأرزاقهم كقناعتهم بأوطانهم ما اشتكى عبد الرزق.
شاعر:
سكر الولاية طيب ... وخمارها صعب شديد
لازلت في درك الشقا ... حتى تعاين ما تريد
قال ابن جريج: قرأت في موضع:
عش موسراً إن شئت أو معسراً ... لا بد في الدنيا من الغم
فكلما زادك في نعمة ... زاد الذي زادك في الهم
إني رأيت الناس في عصرنا ... لايطلبون العمل للعلم
إلا مباهاة لأصحابه ... وعدة للغشم والظلم
قال أعرابي: ما السيف عن الظالم بصائم، ولا الليل عن النهار بنائم.
قال فيلسوف: إنك لن تجد الناس إلا أحد رجلين: إما مؤخراً في نفسه قدمه حظه، أو مقدماً في نفسه أخره دهره، فأرض بما أنت فيه اختياراً، وإلا رضيت اضطراراً.
стр. 1963
قال رجل لسقراط: ما أقبح وجهك، قال: ما تقبيح صورتي إلى فأذم، ولا تحسين صورتك إليك فتحمد، قال: قد علمت، قال: فإذا عبت الصنعة مع علمك فقد عبت الصانع.
قيل لفيلسوف: ألا تحدثنا؟ قال: لا، قيل: لم؟ قال: لأنكم تجلون عن دقيقي وأدق عن جليلكم.
قيل لسقراط: ما تأمرنا أن نصنع بك إذا مت؟ قال: ليعن بذلك من يحتاج إلى المكان.
قال أعرابي: من لم يؤدب في صغره لم يفلح في كبره.
قال بعض الرؤساء: دع الوعد يتربص ثلاثاً، فإن كثير العطاء قبل الوعد صغير، وجليله حقير.
قال أعرابي: ما زلت أقوت عيني النوم حتى وقعت في لجته وعرقت في بحره.
стр. 1964
قال يحيى بن خالد: الوعد شبكة من شباك الكرام، يصطادون بها محامد الإخوان.
قال الموبذ بمرو: الوعد سحابة والإنجاز مطرة.
وقال آخر: لقح المعروف بالموعد، وأنتجه بالفعال، وأرضعه بالزيادة.
سئل ابن مسعود عن الوسوسة يجدها الرجل فقال: ذاك برازخ الإيمان.
يقال: عين العقل أبصر من عين الجسد.
نظر أعرابي إلى بعض أولاد الملوك فرآه سميناً فقال: لحاك الله ما ثناك الخبز.
قال قسطا بن لوقا: الخط هو مقدار ذو نعت واحد، وهو الطول
стр. 1965
بلا عرض ولا عمق، وهو لا يدرك على الانفراد بالعقل والوهم لا بالحس، وأما وجوده بالحس فإنه في البسيط إذ هو نهايته، فإن البسيط إذا ألقي منه عرضه بقي طوله فقط، وذلك هو الخط؛ ونهاية الخط نقطتان: فالنقطة هي شيء لا بعد له، أعني لا طول ولا عرض ولا عمق، وهي موجودة على الانفراد بالعقل والوهم لا بالحس، وأما وجودها بالحس فهو في الخط.
قال ابن المعتز في رسالة يذكر فيها محاسن أبي تمام ومساوئه: سهل الله لكم سبل الطلب، ووقاكم مكاره الزلل؛ ربما رأيت من تقديم بعضكم الطائي على غيره من الشعراء إفراطاً ظاهراً، وهو أوكد أسباب تأخير بعضكم إياه عن منزلته في الشعر لما يدعو إليه اللجاج، فأما قولي فيه فإنه بلغ غايات الإساءة والإحسان، فكأن شعره قوله:
إن كان وجهك لي تترى محاسنه ... فإن فعلك بي تترى مساويه
وقد جمعنا محاسن شعره ومساوئه في رسالتنا هذه، ورجونا بذلك ارتداع المسهب في امتداحه، ورد الراغب عنه إلى إنصافه، واختصرنا الكلام إشارة لقصد ما نزعنا إليه، وتوقياً لإطالة ما يكتفى بالإيجاز فيه، ولئن
стр. 1966
قدمنا مساوئه على محاسنة ففي ذلك الجور عليه، وإن قرب العهد بمحاسنه لأدعى للقلوب إليه.
قال أعرابي: إذا استشرت الشر شري.
كتب عبد الملك إلى الحجاج: أرهب أهل الخيانة وأرغب أهل الأمانة، فإن البريء، إذا لم يأمن العقوبة وخاف مثل ما يؤتى إلى أهل الخيانة، طأطأ ركضاً في السرقة.
قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: كلام ألحمه التقوى ونسجه الإخلاص.
قال عامر بن عبد القيس: الدنيا والده الموت.
قال عياض بن عبد الله: الحب أعمى.
وقال بعض الزهاد: المساجد سوق الآخرة.
قال العتبي: سئل أعرابي عن أخوين له فقيل له: أخبرنا عن
стр. 1967
زيد، فقال: أسكن الناس فوراً، وأبعدهم غوراً، وأثبتهم عند الحجة، قالوا: فأخبرنا عن الآخر، قال: كان والله شديد العقدة، لين العطفة، يرضيه أقل ما يسخطه، قالوا: فأخبرنا عن نفسك، قال: والله إن أفضل ما في معرفتي بهما.
قال رجل لعتبة بن أبي سفيان: قدمت إليك أخوض المتالف، وأقطع لجج السراب مرة، وألتحف بالليل أخرى، مضمراً حسن الظن بك، هارباً من اليأس إلى رجائك.
وصف قطري الدنيا فقال: ما نال أحد منها حبرة إلا أعقبته عبرة، ولم يملأ من سرائها بطناً إلا منحته من ضرائها ظهراً، ولم يجد منها غنيمة رخاء إلا هطلت عليه مزنة بلاء، ولم يمس منها أمرؤ في جناح أمن إلا أصبح على قوادم خوف.
ذكر المدائني في كتاب نوادر القضاة أنه حضر وليمة على مائدة
стр. 1968
وأعرابي يحاذيه على مائدة أخرى فقال: أتحول إليك يا أبا العباس؟ قال: ما بنا إليك من وحشة فلا تجعلنا سلماً للشهوة.
تقدم رجل إلى شريح ليشهد فقال: إنك لتنشط للشهادة، قال: إنها لم تحقد علي، قال: لله درك، وقبل شهادته.
سئل رجل عن اليمن فقال: سيف اليمن قضاعة، وهامتها همدان، وسنامها مذحج، وريحانتها كندة، ولكل قوم قريش، وقريش اليمن الأنصار.
كتب بعض الحكماء إلى أخ له: إنك قد أوتيت علماً فلا تطفئن نور علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنورهم.
قال النضر بن معبد: لا يتكلم أحد بكلمة حتى يزمها ويخطمها، فعسى أن يكون في القوم من هو أعلم منه، فإن سكت سكت وهو قادر عليه، وإن بكته وجد للتبكيت موضعاً.
قال داود بن علي: احمدوا الله تعالى على النعمة التي أصبحتم ترتضعون درتها، وتتفيئون ظلها، وتفترشون وسادها ومهادها.
وقال آخر: الدنيا سوق الشر.
وقال آخر: الدنيا عين تبصر بها الآخرة.
стр. 1969
ويقال: الصدق يدل على اعتدال وزن العقل.
وقال آخر: الإسناد كسوة الحديث.
وقال ابن مسعود: كونوا جدو القلوب خلقان الثياب، تجفون في الأرض وتعرفون في السماء.
قال شداد بن أوس: إني أخاف عليكم شهوة خفية ونعمة ملهية، وذاك حين تشبعون من الطعام وتجوعون من العلم.
لما ماج أهل مكة لوفاة النبي ﷺ استبشر أبو سفيان بن حرب، فقام سهيل بن عمرو فقال: والله إني لأعلم أن هذا الدين سيمتد امتداداً كالشمس في طلوعها إلى غروبها، فلا يغرنكم هذا من أنفسكم، وأشار إلى أبي سفيان، فإنه يعلم من هذا الأمر ما أعلم، ولكن حسد بني هاشم جاثم على صدره.
لما دنا خالد من أصحاب مسيلمة انتضوا سيوفهم قبل أن
стр. 1970
يلتقوا، فقال خالد، فشل قومك يا مجاعة، قال: كلا ولكنها اليمانية لا تلين حتى تشرق متونها، قال: ما أشد ما تحب قومك، قال: لأنهم حظي من ولد آدم، فقال خالد يوم ذلك:
إن السهام بالردى مفوقه ... والحرب ورهاء العقال مطلقه
وخالد من دينه على ثقه قال أبو قلابة: لا تجالسوا أصاب الأهواء فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون.
وقال: إن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما صفا ورق وصلب، فأما صفاؤها فلله، وأما رقتها فللإخوان، وأما صلابتها فعلى الكفار.
من خط ابن المعتز:
إذا رأين علماً ممتداً ... معمماً بالآل أو مردى
يحسبه الرائي حصاناً وردا ... مجللاً كتابة أو بردا
صددن عن عرنينه أو صدا آخر:
قلق لأفنان الرما ... ح للاقح منها وحائل
حتى إذا صغت المط ... ي بعيد هرولة العساقل
стр. 1971
ومعطل أشب يخر ... ق ذي الأعالي والأسافل
قد بت أدأبه إلي ... ك بغيهب هدب العياطل
آخر:
تم لوعة للندى وكم قلق ... للجود والمكرمات في قلقك
ألبسك الله منه عافية ... في نومك المعتري وفي أرقك
ينزع من جسمك السقام كما ... نزعت حبل اللئام من عنقك
ابتلع ثعلب عظماً فبقي في حلقه، فطلب من يعالجه ويخرجه، فجاء إلى كركي فجعل له أجراً على أن يخرج العظم من حلقه، فأدخل رأسه في فم الثعلب وأخرج العظم بمنقاره ثم قال للثعلب: هات الأجرة، فقال الثعلب: أنت أدخلت رأسك في فمي وأخرجته صحيحاً، لا ترضى حتى تطلب أجراً زيادة؟! قيل لثعلب: أتحمل كتاباً إلى الكلب وتأخذ مائة؟ قال: أما الكراء فواف تام، ولكن الخطر عظيم.
стр. 1972
ووقع في شرك صياد ثعلبان فقال أحدهما: يا أخي، أين نلتقي؟ فقال: في دكان الفراء بعد ثلاث.
قالت قحبة لصاحبتها: متى يكون الرجل أطيب للمرأة؟ قالت: إذا حلق هو مثل أمس، وانتفت هي مثل اليوم، فدخلت أصول شعرته في أصول شعرتها، فقالت لها الأخرى: قتلتيني، الساعة أصب!! وكانتا في غرفة تحتها خياط وقد سمع ما قالتا فصاح: يا قحاب، ثياب الناس في الدكان، لا يكف علينا!! قال الجماز: رأيت عجوزاً تسأل وتقول: من تصدق علي أطعمه الله من طيبات باب الطاق.
شاعر:
أقاموا الديدبان على يفاع ... وقالوا لا تنم للديدبان
إذا أبصرت شخصاً من بعيد ... فصفق بالبنان على البنان
تراهم خشية الأضياف عجلى ... يقيمون الصلاة بلا أذان
стр. 1973
قيل للحسن بن شهريار، وكان كاتباً لوصيف: لا تنصرف إلى منزلك إلى نصف النهار، فقال: ما أعجب هذا!! فإن لم يجيء نصف النهار إلى بعد العصر أقعد؟! رفع وكيل لبعض بني هاشم في حساب ثلاثمائة درهم في جلاء مرآة، فقال جمين: والله لو صدئ القمر لجلي بأقل من هذا.
قال بعضهم: قلت لمديني وهو محرم يتغنى على حماره: أما تتقي الله تتغنى وأنت محرم؟ فقال: إني أخاف النعاس وأن أقع عن حماري، قلت: فأين أنت عن القرآن؟ قال: جربناه فوجدناه يزيد في النوم.
قال عبد الله بن دينار: خرجت مع ابن عمر إلى السوق فرأى جارية صغيرة تغني فقال: لو ترك الشيطان شيئاً لترك هذه.
قال أعرابي لخمار: أعندك شيء يشبه قول الأعشى:
تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقا يتمطق
قال: نعم، وناوله قدحاً، فشرب وقال: ليس هذا أريد، أعندك ما قال الأخطل:
стр. 1974
صهباء قد عنست من طول ما حبست ... في مخدع بين جنات وأنهار
قال: نعم.
قال عبد الله بن المعتز، قال عبد العزيز بن مسلم: رأيت قبر أبي محجن بأرمينية عليه شجرات كرم.
قال الجماز: كنت في منظره وإذا على غلوى شيخ معه صبي في يوم بارد، فكنت أسمع الشيخ يقول للصبي: أعطني فروتي، فيناوله شيئاً لا أثبته، فنظرت عند الشيخ قنينة كلما طلب من الصبي فروته سقاه قدحاً منها، قال الشاعر:
إذا شربنا خمسة خمسة ... فقد لبسنا الفرو من داخل
قال أعرابي: من كلام العرب: نعم لباس المرء التقوى، ونعم حشو الدرع السخاء، وأنبل بالحياء خلقاً، وبالوقار مهابة، وبالبيان ارتفاعاً، وبالتواضع عزاً، وبالوفاء جمالاً، وبصدق الحديث مروءة.
قال بعض السلف: العجب ممن يشتري المماليك بالدراهم كيف
стр. 1975
لا يشتري الأحرار بالمكارم.
سرق رجل من مجلس أنوشروان جام ذهب، وأنوشروان يراه، فتفقده صاحب الشراب فقال: لا يخرجن أحد حتى يفتش، فقال أنوشروان: لا تعرضوا لأحد فقد أخذه من لا يرده، ورآه من لا ينم عليه.
زور رجل كتاباً عن المأمون إلى محمد بن الجهم في دفع مال إليه، فارتاب به محمد فأدخله على المأمون، فقال المأمون: لم أذكر هذا، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، أكل معروفك تذكر؟ قال: لا، قال: فلعل هذا مما نسيت، قال: لعله، ادفع إليه يا محمد ما في الكتاب.
مر عبد العزيز بن مروان بمصر فسمع امرأة تصيح بابنها: يا عبد العزيز، فوقف وقال: من المسمى باسمنا؟ ادفعوا إليه خمسمائة دينار؛ فما ولد في تلك الأيام ولد بمصر إلا سمي به.
مدح رجل رجلاً عند خالد بن عبد الله فقال: والله لقد دخلت
стр. 1976
إليه فرأيته أسرى الناس داراً وفرشاً وآلة وخدماً، فقال خالد: لقد ذممته، هذه حال من لم تدع فيه شهوته للمعروف فضلاً، ولا للكرم موضعاً.
قال أبو العيناء: قيل للحسن بن سهل: بالباب رجل راغب فقال: سلوه ما وسيلته؟ قال: وسيلتي أني أتيتك عام أول فبررتني، فقال: مرحباً بمن توسل إلينا بنا، ووصله.
صار عطاء بن أبي رباح إلى رجل من أشرف قريش فقال إني أتيتك بهدية فتفضل بقبولها، فقال: هاتها، قال: فلان كانت عليه نعمة فزالت فلو نظرت له، فقال: جزاك الله على هديتك خيراً، فما أحسبنا ننهض بمجازاتها، فقال عطاء: بل جزاك الله على قبولك إياها أفضل الجزاء.
وقل ما ترى في عصرنا من يقبل هدية مثل هذه، والله إني لأستحيي من رواية هذه المكارم في عصر يتباهى فيه باللؤم، ويتبجح بالسخف، ويحتج بالحزم في البخل، وقد تواصي الناس بكلام الكندي لعنة الله - حيث يوصي ابنه: يا بني، أما بعد فكن مع الناس كلاعب الشطرنج، تحفظ شاهك وتأخذ شاههم، فإن مالك إذا خرج عن يدك لم يعد
стр. 1977
إليك، وأعلم أن الدينار محموم فإذا صرفته مات، وأعلم أنه ليس شيء أسرع فناء من الدينار إذا كسر، والقرطاس إذا نشر، والجلد إذا قشر، والثوب إذا قصر. ومثل الدرهم مثل الطير الذي هو لك ما دام في يدك، فإذا طار صار لغيرك قال المتلمس:
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
لحفظ المال أيسر من بغاة ... وسير في البلاد بغير زاد
وأعرف بيتاً قد بيت أكثر من مائة ألف في المساجد، وهو قول القائل:
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
فاحذر يا بني أن تلحق بهم فتكون منهم.
لحا الله هذا الموصي وقبح هذه الوصية وأبعد قائلها والعامل بها.
قال علي كرم الله وجهه: إنما أمهل فرعون مع دعواه لسهولة إذنه وبذل طعامه.
قال بعض السلف: إذا استشرت فانصح، وإذا قدرت فاصفح
стр. 1978
قال ماجن لآخر: كم صمت من هذا الشهر؟ قال: وتدعني امرأتك أصوم منه شيئاً؟!
لعبد الصمد بن المعذل:
صرفت الود فانصرفا ... ولم ترع الذي سلفا
وبنت فلم أمت أسفا ... عليك ولم تمت أسفا
لابن أبي فنن:
وعرصة مجد يكسب الحمد ربها ... ممهدة للمجتدين قبابها
إذا صدرت عنها وفود تتابعت ... وفود تلاها بالنجاح إيابها
أرتها وجوه الصادرين بشارة ... وتصدقها أفراسها وعيابها
جعلتك حصناً دون كل ملمة ... تخاوص عيناها ويصرف نابها
ولبيت لما أن دعوت مشمراً ... ولا خير في ذي دعوة لا يجابها
وله:
أقصرت شرتي وولى العرام ... وارتجاع الشباب ما لا يرام
أخلقت مرة الليالي جديداً ... والليالي يخلقن والأيام
فعلى ما عهدته من شبابي ... وعلى الغانيات مني السلام
стр. 1979
يحرم الماجد المجد وقد ير ... زق قوم وإنهم لنيام
فدع الحرص والحريص ولا تم ... تهن النفس إنها أقسام
سر من عاش ماله فإذا حا ... سبة الله سره الإعدام
أرق المأمون ذات ليلة فوجه إلى محمد بن حازم الباهلي، فلما دخل عليه قال: قل بيتين الساعة، فقال:
أنت سماء ويدي أرضها ... والأرض قد تأمل غيث السما
فازرع يداً عندي محمودة ... تحصد بها عندي حسن الثنا
فقال المأمون: عشرة آلاف درهم، فقد أبى إلا أخذ مالنا وخديعتنا، فقال محمد:
وإذا الكريم أتيته بخديعة ... فرأيته فيما تحب يسارع
فاعلم بأنك لم تخادع جاهلاً ... إن الكريم بفضله يتخادع
فأمر له بعشرة آلاف درهم أخرى وقال: أخرجوه لا يفني بيت المال.
قال المبرد: أنشد أبو العالية الشام لنفسه:
ترحل فما بغداد دار إقامة ... ولا عند من يرجى ببغداد طائل
بلاد ملوك سمنهم في أديمهم ... وكلهم من حلية المجد عاطل
ولا غرو أن شلت يد الجود والندى ... وقل سماح من أناس ونائل
стр. 1980
إذا غضغض البحر الغطامط ماءه ... فليس عجيباً أن تغيض الجداول
أهدى عبيد الله بن السري إلى عبد الله بن ظاهر لما دخل مصر مائة مملوك، مع كل مملوك ألف دينار، وأرسلها ليلاً، فردها عبد الله وقال: لو كنت أقبل هديتك ليلاً قبلتها نهاراً، " بل أنتم بهديتكم تفرحون " النمل ٣٦.
لما خطب للمأمون على منابر خراسان، كتب إليه الحارث بن سبيع السمرقندي: قد أظلنا الله بخلافة أمير أمير المؤمنين تحت جناح الطمأنينة، وبلغنا بها مدى الأمنية، فأدام الله من كرامته ما يتظلل به أقاصي وأداني رعيته، وجعله أعز خليفة، وجعلنا أسمع وأطوع رعية، فقال المأمون للفضل بن سهل: أتعرف قيمة هذا الكلام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، يلقيك إياه بالسرور، فأعجبه قوله واستحسنه.
لأبي العالية الشامي:
من ذا الذي رد هتم الموت إذا وقعا ... أو استطاع من الأقدار ممتنعا
هيهات ما دون ورد الموت من عصر ... كل سيشرب من أنفاسه جرعا
يا عظم رزء يزيد إذ فجعت به ... لا در در الردى ماذا به فجعا
لله در أخ من زائر جدثا ... ماذا نعى منه ناعيه غداة نعى
стр. 1981
قد كنت أمنح لومي قبل مهلكه ... من استكان لريب الدهر أو خشعا
حتى رمتني المنايا من مصيبته ... بنكبة رمت فيها الصبر فامتنعا
أخي ظعنت وخلفت المقيم على ... كر الليالي لما لاقيته تبعا
ماذا أضفت إلى الإحشاء من حرق ... لما استجبت لداعي الموت حين دعا
وما منحت قلوباً فيك موجعة ... كادت تقطع من غمر الأسى قطعا
أغريت بالعين إذ هيجت عبرتها ... دمعاً إذا هيجته حرقة دفعا
يا غيبة منه ما أرجو الإياب لها ... قرعت قلبي بها إذ بنت فانصدعا
كادت توافق بي حتفاً بلا أجل ... لما طوى يأسها من أوبك الطمعا
يا حبل عز أذود الحادثات به ... دبت عليه صروف الدهر فانقطعا
أصحى صدى الترب في لحد ثويت به ... من ماء وجهك بعد الصوب قد نقعا
آليت بعدك لا أبكي على بشر ... ولا أقول له عند العثار لعا
كتب صاحب أرمينية إلى المنصور: إن الجند قد شغبوا علي، وطلبوه أرزاقهم وكسروا أقفال بيت المال وانتبهوه، فعزله ووقع في جوابه: لو عدلت لم يشغبوا، ولو قويت لم يتوثبوا.
ووقع المنصور في رقعة رجل سأله شيئاً: آتاك الله سعة تصون عرضك وتقي دينك.
стр. 1982
كتب صاحب جيش عبد الملك بن مروان يخبره بكثرة من لقي من جيش الروم، فوقع إليه: " إن ينصركم الله فلا غالب لكم " آل عمران.
ووقع المنصور في قصة رجل ذكر أن أمير المؤمنين أمر بأرزاق وأن الفضل أبطأ بها: " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها " فاطر:٢ أهدى رجل إلى عمرو بن سعيد في يوم نيروز وهو والي كسكر وكور دجلة عصافير على طبق تحت مكبة ورقعة فيها:
عصافير بعثت بها ملاحاً ... ليضحك لا ليأكلها الأمير
وما أهدى سواي إلى أمير ... عصافيراً على طبق تطير
فلما وضع بين يديه ورفع المكبة طارت العصافير، فأخذ الرقعة فقرأ الشعر وضحك وأمر له بجائزة.
نظر ثعلب إلى جمل يعدو فقال: ما وراءك؟ قال: جعلت فداك، سخرت الحمير والبغال، فقال: وما أنت والحمير والبغال؟ فقال: أخاف جور السلطان.
دخل كلب مسجداً خراباً فبال في محرابه، وفي المسجد قرد
стр. 1983
نائم، فقال للكلب: أما تستحي أن تبول في المحراب؟ فقال الكلب: ما أحسن ما صورك حتى تتعصب له! رأى كلب رغيفاً يتدحرج فتبعه فقال له: إلى أين؟ قال: إلى النهروان، قال الكلب: قل إلى عمان إن تركتك.
قيل للكلب: لماذا رأيت السبع تنبح؟ قال: أفزعه، قيل: فلم تضرط؟ قال: من فزعه.
قيل لرجل: ما بال الكلب إذا بال رفع رجله؟ قال: يخاف أن تتلوث دراعته، فهو يتوهم أنه بدراعه.
أنشد عبد الصمد:
يا غزالا لحظ عيني ... هـ لنا سم ذباح
ما ترد الطرف إلا ... وبنا منك جراح
أنت للحسن مصون ... ولك الحسن مباح
أنشد ثعلب:
стр. 1984
كيف السلو ولا أزال أرى لها ... رسما كحاشية اليماني المخلق
ربعا لواضحة الجبين غريرة ... كالشمس طالعة رخيم المنطق
قد كنت أعهدها به في غرة ... والعيش صاف العدى لم تنطق
حتى إذا نطقوا وأذن فيهم ... داعي الشتات برحلة وتفرق
خلت الديار فزرتها وكأنني ... ذو حية من سمها لم يفرق
قال ثعلب: العرب تقول: خذ على رسلك، أي على هينتك.
قال ابن أبي الرعد: لقي أبو علي البصير علي بن الجهم، فتجهمه علي في بعض ما جرى بينهما، فقال له أبو علي: لا تزد يا أبا الحسن في أعدائك فلعله أن يقع عليك مطبوع من الشعراء يسهل عليه من حوك القريض ما يعسر على غيره، واعلم أن مع الملوك ملالة فلا تأتهم من حيث لا يحبون فينبو بك منهم المطمئن، فقال ابن الجهم: نصيحة، وإن كان مخرج الكلام مخرج تهدد.
قال ابن المعتز: قال لي ابن أبي فنن: لما قال علي بن الجهم وهو محبوس في تشبيه نفسه بالسيف:
قالت حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمد
أذعن له شعراء زمانه.
стр. 1985
قال محمد بن موسى البربري: سمعت علي بن الجهم يصف أبا تمام ويمدحه، فقال له رجل: لو كان أخاك ما زاد على هذا، فقال علي: إلا يكن أخا بالنسب فإنه أخ بالأدب، أما سمعت ما خاطبني به:
إن يكد مطرف الإخاء فإننا ... نغدو ونسري في إخاء تالد
أو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذب تحدر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد
قيل للأعمش أيام زيد بن علي: ألا تخرج؟ فقال: أما والله ما أعرف أحداً أجعل عرضي دونه، فكيف دمي؟! أهدى ملك هدية إلى فيلسوف فردها إليه فقال: لم رددت هديتي؟ قال: لأن بذل الموجود وترك طلب المفقود يكونان عن غنى النفس وعزها، وأخذ الموجود وطلب المفقود يكونان عن فقر النفس وشحها، فما أحب أن تسخو وأشح، وتغنى وأفتقر.
أهدى ملك آخر إلى فيلسوف هدية فردها ولم يقبلها، فتنكد
стр. 1986
الملك من ذك وقال: لم فعلت هذا؟ قال: لم أفعله لحال رفعت نفسي عن الملك، ولا لجهل عرض بمعرفة الحظ وحسن موضعه، ولكنني قفوت في الفضل فضلك، وحثني على المكارم كرمك، فآثرتك بما آثرتني به، وسخت نفسي لك بما سخت نفسك به، ولم أحب أن أكون مظنة فضل، ورهين إحسان.
أنشد المأمون:
والله لا تختلف النجوم ... وتغرب الشمس فلا تقوم
وقمر في فلك يعوم ... إلا لأمر شأنه عظيم
تقصر دون علمه العلوم طرد أعرابي الطير عن زرعه في جدب وقال:
عجبت من نفسي ومن إشفاقها ... ومن طرادي الطير عن أرزاقها
في سنة قد كشفت عن ساقها ... حمراء تبري اللحم عن عرقاها
والموت في عنقي وفي أعناقها قال ابن درستويه، قيل للمبرد: أكنت أنت وأحمد بن يحيى جميعاً مع محمد بن عبد الله بن طاهر؟ قال: نعم، كنت معه جليساً ونديماً، وكان معه معلماً ومؤدباً.
стр. 1987
قال رجل للمبرد: أسمعني فلان في نفسي مكروهاً فاحتملته ثم أسمعني فيك فجعلتك أسوتي فاحتملته، فقال له: لسنا بسواء، احتمالك في نفسك حلم وفي صديقك غدر.
كتب المبرد إلى بشر بن سعد المرثدي: اقتضائي إياك - جعلني الله فداك - اقتضاء من تجب مطالبته لضروب: أحدها لاعتمادي عليك في الحاجة، وقصدي إياك بها مع كثرة الصديق وإمكان الشفيع، وقد قلت:
وقاك الله من إخلاف وعد ... وهضم أخوة أو نقض عهد
فأنت المرتضى أدباً وعلماً ... وبيتك في الذؤابة من معد
وتجمعنا أواصر لازمات ... شداد الأسر من سبب وود
إذا لم تأت حاجاتي سراعاً ... وقد ضمنتها بشر بن سعد
فأي الناس آمله لنفع ... وأرجوه لحل أو لعقد
وما كنت أخاف خلفاً ممن كرم أدبه، وشرف مركبه، وطاب حسبه، وإن كان قد أحوج إلى أن يعاتب بقول الشاعر:
أتناسيت أم نسيت إخائي ... والتناسي شر من النسيان
стр. 1988
ولقد كان ظني فيك علمي بك أنه لو توسل بي إليك لأضعاف ما سألتك لما احتيج فيه إلا إلى الخطاب اليسير، فلا تنكر هذا الإطناب في العتاب، فإنما يهز الصارم ويذكر المؤمن، وقد قال الشاعر:
أعاتب ليلى إنما الهجر أن ترى ... صديقك يأتي ما أتى لا تعاتبه
وأعاذني الله فيك أن تعتقد في قول الشاعر:
إذا مطلت امرءاً لحاجته ... فامض على مطله ولا تجد
قد أكثرت هازلاً في التوبيخ، واستحييت عائباً من التأنيب، والذي عندي في الحقيقة قول أبي العتاهية:
لا تكربنك حاجاتي أبا عمر ... فأنت منهن بين النجح والعذر
ما يقض منها فإن الله يسره ... وما تعذر فاحمله على القدر
احتيج أن يكتب على المعتضد كتاب ويشهد فيه عليه العدول، فكتب ابن ثوابة: في صحة من عقله، وجواز أم له وعليه؛ فلما عرضت النسخة على عبيد الله بن سليمان قال: هذا لا يجب أن يقال للخليفة، فضرب عليه وكتب: في سلامة من جسمه وأصالة من رأيه.
وقع علي بن أبي طالب إلى الحسن ابنه: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام.
كتب عمرو بن العاصي إلى معاوية يسأله أن يعطي عبد الله بن
стр. 1989
كريب نهر معقل فإنه قد سأله، فوقع: " قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين " المائدة:١٠٢ قرئ للمأمون توقيع بنقطة، وذلك أن رجلاً كان سابق الحاج فورد مرة بعدما ورد غيره وكتب قصة يطلب رزقه، فلما قرأ المأمون وقع بنقطة ثانية تحت الباء فصار: سايق الحاج.
اشتكى الأسد علة شديدة، فعاده جميع السباع إلا الثعلب، فدخل عليه الذئب فقال: أصلح الله الملك، إن السباع قد زارتك وعادتك ما خلا الثعلب فإنه مستخف بك، فبلغ ذلك الثعلب فاغتم به، فلما جاءه قال له الأسد: ما لي لم أرك يا أبا الحصين؟ فقال: أصلح الله الأمير، بلغني وجعك فلم أزل أطوف في البلدان أطلب دواء لك حتى وجدته، فقال له: وأي شيء هو؟ قال: مرارة الذئب، قال الأسد: وكيف لي بذاك؟ قال: أرسل الساعة إليه والثعلب عنده، فأتى الذئب فوثب الأسد عليه، وكان ضعيفاً من وجعه فلم يتمكن منه وسلخ جلد إسته وأفلت الذئب، وخرج الثعلب يصيح به: يا صاحب السراويل الأحمر، إذا جلست عند الملوك فاعقل كيف تتكلم؛ فعلم الذئب الثعلب دل عليه.
لقي ثعلب عراقي ثعلباً شامياً فقال: عرفني ما عندك من حيل ثعالب الشام، فقال: عندي مائة حيلة ودستان، فقال العراقي: والله لأصحبنه حتى أستفيد منه، فلزمه؛ فبينما هما كذلك وقد اصطحبا في سفر حتى قال له العراقي: يا أخي، إن لقينا الأسد كيف الحيلة في التخلص منه؟ قال: لا يهمنك
стр. 1990
أمره فإن عندي حيلاً، فما انقضى كلامه حتى طلع الأسد، فقال العراقي للشامي: خذ في الحيلة، قال: والله ما عندي حيلة في هذا الوقت، قال إنا لله، ولم أخطرت نفسك وغررت أخاك؟ الآن لا تنطق بحرف، فلما دن الأسد قال لهما: من أين أقبلتما؟ قال العراقي: إياك أردنا وإليك قصدنا، قال: في ماذا؟ قال: إن أخي هذا يكون بالشام وأنا بالعراق في مالي، وإن أبانا مات وورثنا شويهات، فجاء أخي هذا يريد أن يذهب بها فقلت له: هلم إلى سيد السباع ليحكم بيننا، فمهما قال التزمناه، وكان الأسد جائعاً فقال في نفسه: لا أعجل في أكل هذين لكن أصبر عليهما ساعة حتى أقف على أمر الغنم وهما في قبضتي، قال: أين الشاء؟ قالا: في هذا البستان، وأشارا إلى بستان حصين له مجرى ماء ضيق، وقال أحدهما: أرسل أخي حتى يخرج الغنم فيقسمها الملك، قال: نعم، فقال للشامي: ادخل وأخرج الغنم وعجل، فدخل الشامي واقبل يأكل من الثمار، فلما أبطأ قال العراقي: قد قلت للملك إنه ظالم، فتأذن لي حتى أدخل خلفه وأخرجه إليك مع الشاء قميئاً ذليلاً؟ قال: ادخل وعجل، فدخل الثعلب البستان وأقبل يأكل من الثمار حتى شبع، ثم أشرف من الحائط على الأسد فقال له: يا أبا الحارث، اعلم أنا قد اصطلحنا فامض في دعة الله، فجعل الأسد يضرب بذنبه الأرض ويستشيط، فقال له الثعلب: إنما أنت قاض وما رأيت قاضياً يغضب من الصلح غيرك.
قالت ماجنة لجارة لها: اعلمي أن صديقي يوافي غداً، قالت: ومن أين علمت؟ قالت: حري يختلج، قالت: ومتى صار حرك يعبر الرؤيا؟
стр. 1991
قال رجل لامرأة: غطي صدرك، قالت: سبحان الله، تجمش بالتقوى؟! قال الجماز: سمعت ماجنة تقول: إذا دخلت جهنم فقال لي مالك: كلي من هذا الزقوم واشربي من هذا المهل، قلت: لا وحياتك يا أبا نصر ما أشتهيه وأخاف يغثي نفسي، فيقول: الشأن في معرفتها بكنيتي.
دخل عمارة بن حمزة على المنصور فجلس مجلسه، فقام رجل فصاح فقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، قال: ومن ظلمك؟ قال: عمارة بن حمزة ظلمني وغصب ضيعتي، فقال المنصور: قم يا عمارة فاقعد مع خصمك، فقال عمارة: ما هو لي بخصم، قال: وكيف؟ قال: إن كانت الضيعة له فلست أنازعه، وإن كانت لي فقد جعلتها له، ولا أقوم من مكان شرفني به أمير المؤمنين لأجل ضيعة.
هجم قوم على زنجي ينيك شيخاً، فهرب الزنجي وعلقوا الشيخ، فقال: ما لكم؟ قالوا يا عدو الله، تتكلم؟! قال: ما لي لا أتكلم؟ ما لنا لا نناك؟ من أجل أنّا فقراء؟ احتسبوا على الفضل بن الربيع وعلى الحارث
стр. 1992
ابن زيادة وعلى غطريف بن أحمد - وعد قوماً من العسكر - إنما يحتسبون علينا لأنّا فقراء.
دخل رجل على محمد بن سليمان فقال له محمد: أين كنت فإني لم أرك منذ أيام، فأراد أن يقول التواني فقال: التهاون، فقال محمد: أنت علينا أهون.
قيل لأعرابي: صف نفسك، قال: إن كان أكل فقرب، وإن كان نبيذ فجرب، وإن كان قتال فغرب.
قال المبرد: كنت أغشى مجلس جعفر بن القاسم، وكان يتقلد إمارة البصرة للواثق، وأنا حدث السن، ليس في المجلس أصغر مني سناً، وكان يخلطني بحداثتي ويخاطبني، ثم تأخرت عنه لأسباب، فلما عدت قال لي: ما أخرك عنا؟ قلت: عله مرة وغيبة مرة، قال: وتوان مرة وتقصير مرة، فقلت: والله ما أغيب عن الأمير إلا بود حاضر، ولا أعصيه إلا بنية طائع فضحك ثم أنشد بيتين لإبراهيم بن المهدي، أحدهما:
ما إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها إلا بنية طائع
فقلت: أعز الله الأمير، إذا كان سارق لفظ لا يفوتك فكيف يفوتك سارق مال؟ فضحك وقال أنا احب حضورك.
стр. 1993
قال المبرد: وقال لي يوماً وقد استحسن كلامي: أنت اليوم عالم، ثم قال: لا تظن أن قولي لك: أنت اليوم عالم أنك لم تكن عندي قبل كذلك، إن الله تعالى يقول: " والأمر يومئذ لله " الانفطار:١٩، وقد كان له الأمر قبل ذلك.
دخل رجل على عبد الملك بن مروان فقال: إني قد تزوجت امرأة وزوجت ابني أمها، ولا غنى لي عن رفد أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: إن أخبرتني ما قرابة ما بين أولادكما إذا ولدتا فعلت ذلك، فغلب ذلك الرجل فقال: يا أمير المؤمنين، هذا حميد قد قلدته سيفك، ووليته ما وراء بابك، فسله عنها فإن أجاب لزمني الحرمان، فسأل حميداً فقال حميد: يا أمير المؤمنين، إنك ما قدمتني على العلم ولا نصبتني له، بل قدمتني على العمل بالسيف والطعن بالرمح، إلا أني أجيبه، ثم أقبل على الرجل وقال له: يا ابن المعروكة، يكون أحدهما عما للآخر والآخر خالاً له، فانخزل الرجل، فقال عبد الملك: أجاب وأصاب، وسكت وجهلت، ولكنك تستحق ما طلبت منا بامتحاننا إياك وصبرك علينا.
جاء رجل إلى سيفويه القاص فقال: إني أريد أن أتوب فأيش
стр. 1994
تشير علي؟ أحلق رأسي ولحيتي أو أشتري سلماً أو أنحدر إلى واسط؟! فر مزبد من والي المدينة وتوارى، وطلبه الوالي، فبينما هو في الطلب إذ سمع من المقابر صوت طنبور، فأقبل حتى وقف على قبر محفور وفيه سراج، وفوق القبر بواري، فكشف فإذا مزبد قائم وبيده طنبور في جوف القبر وعنده نبيذ، فقال له: اخرج يا عدو الله، قال مزبد: لا والله لا أخرج إليك ولا هذا من عملك، إنما عملك في العمارة، وليس لك علي سلطان.
كتب يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة: أما بعد يا أهل المدينة، فوالله لقد رفقت بكم حتى أخرقتكم، ولبستكم حتى أخلقتكم، والله لأبو سفيان أحلم من حرب، ولمعاوية أحلم من أبي سفيان، وليزيد أحلم من معاوية، ثم أنشد:
إذا ما حلمنا كان آخر حلمنا ... زيادة باع عن يد المتطاول
وقد كتب إليكم أمير المؤمنين كتاباً فاسمعوه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله يزيد أمير المؤمنين: سلام عليكم، أما بعد يا أهل المدينة، فوالله لقد حملتكم على رأسي ثم على عيني ثم على أنفي ثم على نحري، ووالله لئن جعلتكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة
стр. 1995
المتثاقل، ولأشردنكم عن أوطانكم، ولأتركنكم أحاديث وأيادي سبا، تنسخ فيها كتبكم ككتب عاد وثمود، ثم أنشد:
أظن الحلم دل علي قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني ... فمعوج علي ومستقيم
كتب مويس بن عمران إلى الجاحظ يدعوه: عندي قدران طبختهما بيدي يحكيان المسك الأذفر، فإن رأيت أن تصير إلي متفضلاً فعلت. فكتب إليه الجاحظ: مجلسك المجلس الذي يمنع المصر من التوبة، وينقض عزمه الأواه الحليم، وأنا علة من قرني إلى قدمي من حملي على نفسي ما ليس من عادتها، فهب لي نفسي هذا الأسبوع ثم أنا بين يديك تقتادني حيث شئت، فعلت إن شاء الله.
قام رجل إلى عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين، أنا فلان بن فلان، شهد أبي بدراً وأحداً والخندق وحنيناً - وجعل يعدد المشاهد - ولم ألبس الخز ولم أركب ولم أتزوج، فقال عمر: مشاهد والله ما تشبه مرج راهط ولا دير الجماجم، والله لأكسونك ولأزوجنك ولأحملنك، فكساه وزوجه وحمله وأثبت اسمه في شرف العطاء، وقال: بمثل هذا فليمت إلينا المتوسلون.
стр. 1996
قال مالك بن عمارة: كنت ربما جالست عبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب وعروة بن الزبير في ظل الكعبة أيام الموسم، فنخوض مرة في الفقه ومرة في المذاكرة ومرة في أخبار الناس وأشعار العرب، فكنت لا أجد عند أحد ما أجد عند عبد الملك، من اتساعه في المعرفة، وتصرفه في فنون العلم، وحسن استماعه إذا حدث، وحلاوته إذا حدث؛ قال: فتفرق أصحابنا ذات ليلة وبقيت أنا وهو، فقلت: والله إني بك لمسرور لما أرى من كثرة تصرفك، وحسن حديثك، وإقبالك على جليسك، فقال لي: إنك إن تعش قليلاً فسوف ترى العيون إلي طامحة، والأعناق إلي قاصره، فإذا كان ذلك فلا عليك أن تعمل إلى فلا ملآن يديك فلما أفضت الخلافة إليه اتيته فكان أول ما وقعت عينه علي وهو على المنبر، كشر في وجهي وبسر، فقلت: لم يثبتني معرفة، أو عرفني فأظهر لي نكره، لكني لم أبرح من مكاني حتى قضى الصلاة ودخل المقصورة، فلم يلبث إلا ريثما دخل إذ خرج آذانه فقال: أين مالك بن عمارة قلت ها أنا ذا فأخذا بيدي فادخلني إليه فلما رأني مد يده إلي ثم قال: تراءيت في موضع لم يجز فيه إلا ما رأيت من الإعراض والانقباض، فأما الآن فحي هلا بك، كيف كنت بعدي وكيف كان مسيرك؟ قلت: خير، وعلى ما يحب أمير المؤمنين، فقال: أتذكر ما كنت قلت لك؟
стр. 1997
قلت: أجل، هو أعملني إليك يا أمير المؤمنين، قال: والله ما هو ميراث ادعيناه، ولكني أخبرك عن نفسي بشيء سميت بي إلى موضعي هذا: ما داهنت ذا ود ولا قرابة قط، ولا شمت بمصيبة عدو، ولا أعرضت عن محدث حتى ينتهي، ولا قصدت لكبيرة من محارم الله تلذذاً بها ولا واثباً عليها، وكنت من عبد مناف في بيتها، ومن بيتها في واسطة قلادتها، وكنت أرجو بهذه أن يرفع الله تعالى مني وقد فعل، ثم قال: يا غلام بوئه منزلاً في منزلي، فأخذ الغلام بيدي وقال: انطلق، فكنت في أخفض حال وألين بال، حيث يسمع كلامي وأسمع كلامه، فإذا حضر طعامه أو قعد لأصحابه أتاني الغلام فقال: إن شئت صرت إلى أمير المؤمنين فإنه قاعد لبطانته، فأمشي بلا حذاء ولا رداء، فيرفع من مجلسي، ويقبل علي ويحادثني ويسألني عن الحجاز مرة وعن العراق مرة، حتى إذا مضت عشرون ليلة، تعشيت في آخرها معه وقام من حضر، ونهضت لأقوم فقال: على رسلك أيها الرجل، فقعدت، فقال: أي الأمرين أحب إليك؟ المقام قبلنا، فلك النصفة في المحافظة والمخالطةت والمعشرة، أم الشخوص فلك الحباء والكرامة؟ فقلت: خرجت من أهلي على أني زائر لأمير المؤمنين - أكرمه الله - وعائد إليهم، فإن أمرني بالمقام اخترت فناءه على المال والأهل والولد، قال: بل أرى لك الرجوع إلى أهلك فإنهم متطلعون إلى قدومك، فتحدث بهم عهداً ويحدثون بك مثله، والخيار في زيارتنا والمقام فيهم إليك، وقد أمرت لك بعشرين ألف دينار وحملتك وكسوتك، أتراني ملأت يديك؟ فقلت: أراك يا أمير المؤمنين ذاكراً ما قلت؟ قال: أجل، ولا خير فيمن لا يذكر إذاً وعد، ولا ينسى إذا أوعد، ودع إذا شئت صحبتك السلامة؛ قال: فودعته وقبضت المال وانصرفت، فكان آخر العهد به.
стр. 1998
خرج إسماعيل بن إبراهيم إلى أخيه إسحاق بن إبراهيم، ﵈، يطالبه بميراثه عن أبيه إبراهيم ﵇ فقال: أما ترضى وأنت ابن أمتنا أن لا نستعبدك حتى تأتي وتطلب ميراثاً؟! فأوحى الله إلى إسماعيل: وعزتي وجلالي لأخرجن من صلبك من يستعبد أولاد إسحاق إلى يوم القيامة.
قيل لجمعة الإيادية: أي الرجال أحب إليك؟ قالت: أحب الحر النجيب، السهل القريب، السخي الأريب، المصقع الخطيب، الشجاع المهيب.
شاعر:
أريب يغض الطرف لا من غضاضة ... ولكن كبرا أن يقال به كبر
قيل للكلب: أنت تأكل عظاماً وتخرا عظاما، فأيش ربحك؟ قال: أدولب! قال فضيل بن عياض: من لم يصلح على تدبير الله لم يصلح على تدبير نفسه.
قبل لمالك بن دينار. لو تزوجت، قال: لو استطعت لطلقت نفسي.
стр. 1999
قال عبد الملك بن مروان: الهدية السحر الحلال.
دعا أعرابي على آخر فقال: صرد الله عليك المشرب، وأفقدك الأقرب.
ودعا أعرابي فقال: إن كنت كاذباً فلا سقيت هاطل الدر، ولا وقيت حادثة الدهر.
قال أعرابي لآخر: لا جادتك السماء بقطرة، ولا باتت بفنائك ذات بعرة، ولا حلبت ذات خف درة، فأماتك الله بهم وحسرة، باذلاً خيار الأسرة، ولا دراً عنك من ذي شر شره: إن كنت ظلمتني مد شعير أو صاع بر.
قيل في قوله تعالى: " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " النمل: ٣٠، أي أنه من تعلمون؛ وقيل في قوله تعالى: " وترى الناس سكارى وما هم بسكارى " الحج:٢، فلما عرف المعنى حمل على أن قوله: " تراهم سكارى " من الهول وليسوا بسكارى من الشرب؛ وقوله: " لا يموت فيها ولا يحيا " طه:٧٤، لا يموت موت الراحة، ولا يحيا حياة المنفعة.
وقال بعض العلماء: يقوم الشيء مقام الشيء، منه قولهم: إسحاق ذبيح الله ولم يذبح قال: " والله ورسوله أحق أن يرضوه " التوبة:٦٢، ولم يقل يرضوهما إذ كان رضاه رضى رسوله.
стр. 2000
سئل عمرو بن عبيد عن النبيذ فقال: إن الأشياء المألوفة والمعروفة والمأكولة والمشروبة وجميع الأغذية حلال حتى يجيء ما يحرمها، وليست بحرام حتى يجيء ما يحللها، وكانت الخمر حلالاً حتى جاء ما حرمها، فإن وجدنا في غيرها مثل ما وجدنا فيها فسبيله سبيلها، وإلا فالحرام حرام والحلال حلال؛ إن الله تعالى حرم الخمر لعلل معروفة وعللك مجهولة، فلذلك صار تحريمها تعبداً، وقد جدنا مسكرة في وقت هي فيه حلال ومسكرة في الوقت الذي يليه وهي فيه حرام، ولم يحسوا من طبائعهم تغيراً، ولو كانت العلة الإسكار وما يصنع السكر في الأموال وما يحدث من الشغل عن الصلاة والذكر لكان هذا موجوداً في طبعها وطبائع شاربيها قبل تجريمها، فدل ذلك على أنها حرمت لعلل مجهولة كما حرمت لعلل معلومة، ولا يقيس على المجهول إلا جاهل.
وقال: الحرام حرامان: حرام في حجة العقل وحرام في حجة السمع، فالذي في حجة العقل على ضربين: أحدهما حرام بعينه وفي عينه فقط، والآخر حرام لعلة مركبة فيه؛ فالحرام في عينه كالكذب والظلم وما لا يجوز أن ننتقل عنه أبداً، والحرام الآخر كذبح البهائم وذبح إبراهيم لإسحاق، لأن الذي حرمه على الإنسان عجزه عن تعويض المذبوح وأنه ليس له امتحان غيره بشيء يحدثه، ولا نعرف مقادير الامتحان ومصالحه، فلما أمر به مالك التعويض والذي له أن يمتحن ويعرف ظاهر المصلحة وباطنها حسن ذلك وجاز.
следующие страницы →