← Адаб

Адаб · id 26423

البصائر والذخائر

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (2 098 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قال بعض الحكماء: إساءة المحسن أن يمنعك جداواه، وإحسان المسيء أن يكف عنك أذاه. وقال فيلسوف: تأميل الناس خيرك، خير لك من خوفهم نكالك. قال فيلسوف: كما يتوخى بالوديعة أهل الثقة والأمانة، فكذلك ينبغي أن يتوخى بالمعروف أهل الوفاء والشكر. وقال أعرابي: الرزق الواسع لمن لا يستمتع به بمنزلة الطعام الموضوع على فبر. كاتب: القلم صائغ الكلام، يسبك ما يفرغه القلب، ويصوغ ما يجمعه اللب. قال سهل بن هارون: الدواة منهل، والقلم ماتح، والكتاب عطن. كاتب: شددت بعنايتك ظهري، وسطوت بك على دهري، وحاربت بك الزمان بعد الأستسلام، وأرهبته بعد الرهبة منه، فلا زال معادياً، ولا زلت لي عليه معدياً.

стр. 282

قال أعرابي: أعيمتني والضرع حافل، وأقرمتني وأنت لاحم. أنشد ثعلب: الطويل رأيت اليراع ناطقاً عن فخاركم ... إذا هرمت أثباجه وتعبنا ونحن أناس ينطق الصبح دوننا ... ولم تر كالصبح الجلي مبينا أي فخركم كالريح في الزمر؛ كذا قال ثعلب. شاعر: الكامل المجزوء يا هذه الجبل الأش ... م وضيقة الباع الرحيب كم أعين ذرفت علي ... ك وأوجعت بك من قلوب ما أشرقت بك شمسنا ... حتى تدلت للغروب إن المنون إذا انتضل ... ن رمين بالسهم المصيب كان ابن الكعبي يعجب بهذه الأبيات، والبيت الأخير شقيق قول أبي يعقوب الخريمي: الطويل

стр. 283

وأعددته ذخراً لكل ملمة ... وسهم المنايا بالذخائر مولع والقصيدة غراء، وإن فسحت بالك وزدت في نشاطك رويتها لك، وإنما لقطت قصار الألفاظ من هذه البصائر والنوادر لتكون بالقلب أعلق، وإلى الحفظ أسبق. قال فيلسوف: هيبة الزلل تورث حصراً، وهيبة العافية تورث جبناً. قال أعرابي: لا ينبغي لأحد أن يدع الحزم لظفر ناله عاجز، ولا يرغب في التضييع لنكبة دخلت على حازم. قد نطق بالصواب هذا الأعرابي، لأنك متى أضعت الحزم اتكالاً واسترسالاً، جانبت الرشد، وجريت في عنان الغي، وكنت أحد لوام نفسك، وعاذلي رأيك، ومتى أخذت بالحزم ظفرت، فإن لم تظفر لم تقطع نفسك باللوم. على أن ظفر العاجز لم يكن عن تكلف العجز، ولا نكبة الحازم عن اختيار الحزم، ولكن جرياً بالعجز والحزم على ما كانا واقعين عليه،

стр. 284

ومصروفين إليه، لأنهما متحركان بمحرك، ومتصرفان بمصرف: الحازم غير مدرك ما ليس له، والعاجز غير محروم مما له، وإنما سعى الساعي وأجتهد المجتهد وكدح الكادح لأنه معلل بالتأميل، ومؤمل بالتعليل، والغاية مقصودة ولكن بالجهد، وكذلك قعد القاعد واستسلم المستسلم وأمسك الممسك لأنه يعلل بالتأميل، ويؤمل بالتعليل، وهو شريك صاحبه في آخر الحساب، وإن باينه في أول العمل. وكان أبو أحمد الجرجاني القاضي يقول: أهل الدنيا بين تأميل بتضليل، وبين تعليل بتسويل، وهذه أخلاق العالم وأعراقه، وعليه سوسه وطباعه، ولن يحول عن جوهره بكراهة كاره، وغضب غاضب. الحديث يتدافع كما ترى، وقد أنشأت هذا الكتاب على رواية ما حصلت، لأنه ثمرة العمر، وزبدة الأيام، ووديعة التجارب، وفي حفظ مضمونه، واعتبار ما اجتمع فيه، تبصرة من العمى، وتذكرة من العي، والنجاة من الله إنما تكون بالله، والأولى بالمرء اللبيب، والحازم المميز، الأنقطاع إليه، والإناحة بين يديه، فإنك متى دبرت نفسك، وأملت لها، وسقت الأماني إليها، لم تتجاوز حدك من العبودية، لأنك عبد، متى أسلمت وجهك،

стр. 285

وخنست من حولك إليه، برك بلطفه، وصرفك بإلهيته، لأنه إله، فهو خير لك منك لنفسك، لأنه أولك وآخرك، ولو كنت أولك، أو رجوت أن تكون آخرك، أو صرفت فيما بين طرفيك نفسك، كان لهربك منه وجه، ولإعراضك عنه تأويل، فأما وأنت محبوس في ملكه، مقيد بحكمه، مرتبط بعلمه، مراد بمشيئته، ملحوظ بعينه، محفوظ بعونه، فلا. وأنشد لعقيل بن علفة: البسيط تعجبت أن رأت رأسي تجلله ... من الروائع شيب ليس بالكبر ومن أديم تولى بعد جدته ... والجفن يخلق فوق الصارم الذكر يقال خلق الشيء وأخلق بمعنى، هكذا قال يونس في كتاب اللغات وقرأته على أبي سعيد السيرافي، وكأن خلق إذا لزمته الخلوقة ونبا عن الجدة، وهو يجري فيه كالصفة الحالة والنعت المصحوب، وكأن أخلق أخذ في الخلوقة وأمكنها من نفسه، كقوله أقطف العنب أي أخذ في إمكان قاطفه من نفسه، أي آن له أن يقطف، وكذلك أركب المهر.

стр. 286

أهدى جعفر بن سليمان إلى المهدي جارية فقال لها المهدي: أكان من جعفر إليك شيء؟ فكرهت أن تقول لا فتكذب، أو تقول نعم فتهجن، فقالت: كان شيء ينبغي أن يعاد عليه، فأستحسن كلامها ومال إليها. مرت امرأة يقال لها قرة بماجن، فقال لأصحابه: بارك الله على من حشا هذه، لقد جود حشوها، فقالت المرأة: إن كان قد أعجبك هذا الحشو فابعث بامرأتك إلى من حشاني حتى يحشوها، فخجل الرجل وندم على مجونه. وللنساء جواب مخوف، وإنما خيف المخنث لأنه يشبه بهن. قال رسول الله ﷺ فيما رواه ابن مسعود: لا تسبوا قريشاً فإن عالمها يملأ؟ الأرض علماً، اللهم أذقت أولها نكالاً، فأذق آخرها نوالاً. لا يعجبك رحب الذراعين بالذم، فإن له عند الله قاتلاً لا يموت، ولا يعجبك امرؤ كسب مالاً من حرام، فإنه إن أنفق لم يتقبل منه،

стр. 287

وإن أمسك لم يبارك له فيه، وإن مات وتركه كان زاده إلى النار. قال رسول الله ﷺ فيما رواه أنس بن مالك: أحسنوا جوار نعم الله ولا تنفروها، فقلما زالت عن قوم فعادت إليهم. قرأت لكاتب: والنعم تألف أهلها ما أحسنوا جوارها، وشكروا معيرها، فالله يحب الصابرين، ويزيد الشاكرين. قيل لفيلسوف: ماذا غنمت من الحكمة؟ فقال: أن صرت كالقائم على الشط أنظر إلى آخرين يتكفأون بين أمواج البحر. وأنا والله أجد بهذا الكلام وأرتاح إليه، وأراه من الحكم اليتيمة، والكلم المحتومة؛ نسأل الله تعالى ألا يجعل حظنا من الحكمة ونصيبنا من الموعظة الإعجاب بها دون المصير إلى حقها، والقيام بواجبها. قال فيلسوف: الأعداء يعيرون المرء بمساويه فيرعوي عنها، والأصدقاء يستحيون أن يستقبلوه بها فيتمادى فيها.

стр. 288

قال أعرابي: الإفراط في النصيحة يهجم بك على كثرة الظنة. قال رجل لابن ماسويه: إني أشكو إليك قصوري عن الباه، أي الجماع، فقال له: عليك بالشراب والكباب وشعر أبي الخطاب - يعني عمر بن أبي ربيعة، لغزله. قال طبيب العرب الحارث بن كلدة: من أحب أن لا يولد له فليدهن حشفته عند الجماع بدهن. أنشد جحظة: المتقارب ولي صاحب زرته للسلام ... فقابلني بالحجاب الصراح وقالوا تغيب عن داره ... لخوف غريم ملح وقاح ولو كان عن داره غائباً ... لأدخلني أهله للنكاح أستأذن جحظة على صديق له مبخل، فقال غلمانه: هو محموم، فقال: كلوا بين يديه حتى يعرق.

стр. 289

قال ثمامة: قال لي مجنون مرة: أنت تزعم أن الأستطاعة إليك؟ قلت: نعم، قال: فإن كنت صادقاً فاخرأ ولا تبل. قال جحظة: سأل رجل رجلاً عن جارة له أراد أن يتزوجها، فقال: إن كنت تريدها خالصة لك من دون المسلمين فلا تطمع. قيل للفرزدق: أي الشراب أحب إليك؟ قال: أقربه من الثمانين. قال جحظة: أكلت مرة مع بخيل، فقال لي: يا هذا، ما رأيت أذل من الرغيف في يدك. قال إسحاق الموصلي: ما جمشت الدنيا بأطيب من شرب النبيذ، ولا عوتبت بأظرف من الغناء. قال السدي للجماز: ولد لي البارحة مولود كأنه دينار منقوش، فقال له الجماز: لا عن أمه ويحك! فبلغت النادرة أبا العيناء فقال: بودي أنها لي بجميع ما قلته.

стр. 290

وأنشدت لجحظة: الطويل ولي كبد لا يصلح الطب سقمها ... من الوجد ما تنفك دامية حرى فيا ليت شعري والظنون كثيرة ... أيشعر بي من بت أرعى له الشعرى وقال الجماز: اجتزت في طريق فإذا قيان ملاح، فقلت وقد زحمتهن: الخفيف حمل الله بعضنا فوق بعض فقالت واحدة: عاجلاً في دوام عيش وخفض كان إبراهيم بن العباس الصولي بخيلاً على الطعام، فجلست معه جارية في بعض الأيام على المائدة والخبز مفرق، فقالت: يا سيدي، إبراهيم بن ميمون صديق لك؟ قال: نعم، وما سؤالك عنه؟ قالت: أستعير منه بغلاً من بغال البريد أدور عليه خلف هذا الخبز، فخجل وغير الرسم. سمعت أبا حامد المروروذي يقول، كان المزني يقول، قال الشافعي ﵁: آفة المتعلم الملل في قلة صبره على الدرس؛ وقال: الملول لا يكون حافظاً.

стр. 291

وكان أبو حامد يقول: سبيل الحدث أن يدرس، وسبيل الشاب أن يتفهم، وسبيل الكهل أن يناظر، وسبيل الشيخ أن يعلم. وسمعته يقول لأبي طاهر العباداني، وكان يتصوف ويتفقه: لا ينبغي أن تصحب ثلاثة: الجندي والعلوي والصوفي؛ أما الجندي فإنه يقول: لولا جاهي وعزي لطلبك السلطان؛ وأما العلوي فإنه يقول: متى شئت بعتك، أنت ومالك لي، والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأنا وارث النبي؛ وأما الصوفي فإنه يقول - وقد أنفقت عليه جهدك -: من أنت؟ بهذا كله أمرتم. وسمعت أبا حامد يقول، سمعت يحيى بن حرملة يقول، قال الشافعي ﵀، قال لي بشر المريسي: لوددت أنا لم نرد عليك الشاهد واليمين، وأنك لم تخرج عيوبنا. يقال: الباضع الريان، والشاهد عليه: الطويل

стр. 292

ألا ليت لي من وطب أمي شربة ... تشاب بماء من صبيح فأبضع أي أروى. وبضع أي قطع، والبضعة: القطعة من اللحم، والباء مفتوحة، فأما بضع سنين فالباء مكسورة، وهي سنون دون العشرة وفوق الخمس؛ وملك فلان بضعها أي حل له نكاحها، ومنه سمي المبضع وجمعه المباضع، والبضاعة لأنها قطعة من المال؛ والبضاع: الجماع؛ قال أبو حنيفة صاحب النبات: وحب القلقل مهيج على البضاع، بكسر القافين. سمعت ابن قريعة القاضي يقول: رفع إلى السلطان صبي قد افتض صبية، فقال الوالي: انظروا هل نبت قضيبه؟ فقالوا: لم ينبت بعد، وقضيبه صغير لا يفتض مثله جارية، فقالت الصبية: ما هكذا كان، قولوا له ينفحه كما كان، هكذا حكي، والنادرة في قلب الخاء إلى الحاء.

стр. 293

وسمعت ابن قريعة أيضاً يقول: خرجت جارية في جنازة مولاها فأرادت أن تقول: واحزناه، فلم يطاوعها لسانها، فقالت: واخراه، فأخذ الناس الضحك. كان السلف يقولون: ذهب أهل الدثور بالأجور. الدثور جمع الدثر وهو المال الكثير، كأنه من كثرته يغطي عورات الحال بعد أن يسد مفاقر النفس. والبثر: ما يخرج على جثمان الإنسان، والجثمان والجسمان هما بدن الإنسان. وكان رسول الله ﷺ إذا رأى في جسمه بثرة عاذ بالله واستكان له وجأر إليه، فيقال له: يا رسول الله، ما هو بأس، فيقول: إن الله إذا أراد أن يعظم صغيراً عظم، وإذا أراد أن يصغر عظيماً صغر. هذا يدلك منه ﷺ على خوفه، وخوفه على قدر معرفته، ومعرفته على قدر موهبته، وموهبته على قدر خصوصيته. وسمعت ابن كعب الأنصاري يقول في مجلس الزهري سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة في مناظرته: من طال خطابه واشتد لغطه، قل صوابه وكثر غلطه. قال فيلسوف: بإختلاف الحركة والسكون بادت الأمم والقرون.

стр. 294

قال الطوسي للحسن بن مخلد معزياً: جعل الله مصيبتك تأريخ ما تخشى، ومفتاح ما تحب. قيل لابن المبارك: ما التواضع؟ قال: التكبر على المتكبرين. وأنشد جحظة: المتقارب لقد مات إخواني الصالحون ... فما لي صديق ولا لي عماد إذا أقبل الصبح ولى السرور ... وإن أقبل الليل ولى الرقاد قال أعرابي: السرف في القرى من الشرف. وأنشد لبعض الشعراء: البسيط خذها أبا جعفر والنجم في الأفق ... صفراء فاقعة في ناصع يقق والشمس لم تطف أنفاس الظلام ولم ... ينشف صبيب الندى عن ناضر الورق وقع سكران في الطريق على قفاه فبال، فرجع بوله على وجهه

стр. 295

وصدره، فأقبل يقول: يا أهل الدار، هذا الماء نظيف؟! قيل لمحمد بن هارون: أيما أطيب الخريف أم الربيع؟ فقال: الربيع للعين - يعني الزهر - والخريف للفم - يعني الثمر. شيع الحسن بن سهل المأمون فقال له: حاجتك أبا محمد؟ - نصب، يريد هات حاجتك - أو اذكر حاجتك - قال: حاجتي أن تحفظ علي من قلبك ما لا أستطيع حفظه إلا بك. قال الموبذ للأسوار، وكان قليل الإفصاح بالعربية: كانت الملوك تقول: حقيق لمن غرس وعداً أن يثمر نيلا. قال عمر بن الخطاب ﵁ لعمرو بن معدي كرب - تصرفه إذا نكرته، ولا تصرفه إذا جعلته اسم قبيلة أو اسم امرأة -: أخبرني عن قومك، قال: نعم القوم والله قومي عند الطعام المأكول، والسيف المسلول، والمال المسؤول. نعم وبئس من باب أفعال لا تنصرف، وهما فعلان ماضيان يرتفع فاعلاهما بهما، والفاعلان على ضربين: مضمر ومظهر، والمضمر مفسر، ومثاله: نعم

стр. 296

رجلاً عبد الله، وبئس غلاماً زيد، أضمرت الرجل في نعم قبل أن تذكره فلزم تفسيره ليدل على الفاعل، وغلاماً انتصب بنعم، ولا يكون هذا التفسير إلا نكرة؛ فأما مثال الفاعل المظهر فضربان: أحدهما أن يدخل الفاعل الألف واللام فيكون الأسم دالاً على الجنس نحو: نعم الرجل، وبئست المرأة وبئس المرأة، والآخر أن يضاف إلى ما فيه الألف واللام نحو: نعم غلام الرجل وبئس صاحب القوم. للخباز البلدي: السريع حوشيت من صحبة خوان ... يأتي من الغدر بألوان ولعنة الله على كل من ... له لسانان ووجهان كاتب: إن عتبك لم يوعر علي مذهباً إلا كان الرجاء له مسهلاً، فرأيك في التعطف على من لا يرجع إلا إليك، ولا يعتمد إلا عليك. نصب رأيك على تقدير: فر رأيك، هكذا قال الشيوخ. يقال في اللغة: خلا العهد إذا انقضى، وخلا بعيره يخليه إذا

стр. 297

علفه الخلى وهو الرطب. ويقال: خلاه بالسيف يخليه إذا قطعه، وخلت المرأة إذا بانت من زوجها، وقد أخليته الأرض إذا أبحته خلاها، وأخليت فلاناً إذا بت له خالياً، وخليته: أرسلته، وفلان خال مال وخائل مال إذا كان حسن القيام عليه، والمال هو النعم والماشية، وكذلك في الفصيح حين تقول: نمى المال أي زاد، والمال يزيده التناسل والسمن عند الرعي. والرعي ما يرعى: الرعي مصدر رعى، وارتعى ورتع، ومضارع نمى ينمي، وينمو نمواً لغة من هذا، ونمياً من ذاك، والنماء الأسم، ونمى إلي حديثك، ونماه الله - في الدعاء - سليخ قولك: زرعه الله، وخيره الله، وزاده الله، وقد قيل: أنماه الله، وهو قليل، والعربية ما قلت لك، وهذا كله سماع بعد تحكيك ومدارسة، وتصحيح ومقايسة. نعم: وفلان ذو خال ومخيلة إذا كان ذا خيلاء، ورأيت خال السحابة، وسحابة مخيلة - بضم الميم - وذات مخيلة - بفتح الميم - إذا كانت خليقة للمطر، ورجل مخيل كذلك، وفي الأمثال: رب مخيل مخلف، وخال فلان: ظن، وخيل بالأرض إذا نصب أخيلة أي أعلاماً، والخيال خشبة تركز ويلقى عليها كساء علامة للغنم، قال الشاعر: الوافر وما شيء بأحمق من قشير ... ولا ضأن تريع إلى خيال تريع أي ترجع، ويقال راع يريع منه، أما راع فمعناه أفزع يفزع،

стр. 298

والفرس الرائع لأنه يعجب ويأخذ من النفس بمنزلة الإفزاع، وفي الحديث: هل راع عليك القيء، أي رجع، ومنه هو مروع أي خائف؛ فأما مريع فغير هذا، الميم في مريع من سنخ الكلمة لأنك تقول مرع الوادي وأمرع الجناب وذلك إذا أردت الخصب - والخاء مكسورة والفتح مردود - والجدب ضده، والجيم مفتوحة. نعم: وخول فلان فلاناً مالاً أي وهبه له، وفلان يتخول إذا دعاه خالاً، وأخذ ماله فتخوله أي جعله في ملكه، وألقى متاعه أخول أخول أي بعضه فوق بعض، والخلية: المطلقة، والخلية أيضاً: السفينة، ويقال: اترك صحبة الخالة أي ذوي الخيلاء، وكأن ذا الخيلاء - الذي هو الكبر - يظن في نفسه أنه أكثر مما فيه، فمعناه راجع إلى خال يخال أي حسب وظن؛ والخال: خال الرجل أخو أمه، وجمعه أخوال، والخال: نكتة بخد الإنسان وجمعه خيلان، ويقال منه مخيل ومخيول لصاحبه؛ هذا أكثره عن الأصمعي. قال فيلسوف: السعيد من العقل أصح طبائعه، والعلم آنق حديثه، والحكمة أجزل حظوظه، والحسنات أفضل ذخائره، ولا يغنيه إلا القناعة، ولا يؤمنه إلا البراءة، ولا يوجب له الزيادة إلا الشكر، ولا يدفع عنه المكاره إلا الدعاء.

стр. 299

اطلع معاوية ليلاً على عسكر علي فأرتاع وقال: من طلب عظيماً خاطر بعظيم. وقال معاوية: إني لأكره النكارة في الرجل، وأحب أن يكون عاقلاً. والنكارة هي فضل عقل، لكنها لا توجد إلا فيمن استفرع عقله لإحراز منافعه ولو بمضارة غيره. قال معاوية لعمرو بن عتبة: رحم الله أباك، وأحسن الخلافة عليك، لقد لصقت المصيبة بي، وإن كانت قد أخطأتني لقد أصابتني. وقال معاوية للعرب: أنتم الشعار المستبطن، والدثار المستظهر. وقال له عمرو بن العاص: لقد أعياني أن أعلم: أشجاع أنت أم جبان؟ فقال: الطويل شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... فإن لم تكن لي فرصة فجبان قال أعرابي: كفاك موبخاً على الكذب علمك بأنك كاذب.

стр. 300

قال جعفر بن يحيى: الخط سمط الحكمة يفصل شذورها، وينظم منثورها. قالت بصرية لأخرى: تعالي حتى نعد من يمر بنا ممن ناكنا، قالت لها صاحبتها: هذا يطول، ولكن نعد من لم ينكنا. قال الحسين بن فهم: قلت لجاريتي عند غيظي منها وغضبي عليها: اصبري حتى تجيء الغلة، والله لأشترين جارية مثل القمر وأستريح منك، قالت: يا مولاي، اشتر أولاً أيراً تنيك به. قال الجماز: اشتريت جارية ظريفة، فأنشدت يوماً بيت أبي نواس: الرمل المجزوء خل جنبيك لرام ... وآمض عنه بسلام مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام فقالت: ليست الرواية هكذا، قلت: كيف هي؟ قالت: خل جنبيك لرام ... وآمض عنه بسلام مت بداء النيك خير ... لك من داء الحمام

стр. 301

قال أحمد بن هشام الكوفي: تزوجت فاطمة بنت أبي زيد الحامض، فلما اجتمعنا ليلة العرس وجلس النساء على الرسم مع العروس قالت لهن: لا أعرف لقعودكن معنى، لا أنا مستوحشة فتؤنسنني، ولا محتشمة فتبسطنني، فأنصرفن في حفظ الله، فقمن، وأقبلت علي فقالت: احتشامك بغض، وأحتشامي أبغض منه، لأنك قد جربت وقد جربت، وكما أنه يكبر عليك أن تراني مع غيرك، كذلك يكبر علي أن أراك مع غيري، فخذ في أمرك، والزم الصحبة يلزمك العمل، وأنا أعطي الله عهداً يسألني عنه، ويأخذني به، لئن خالفتني إلى امرأة لأخالفنك إلى ثلاثة رجال. قيل لعبد الملك بن مروان: كم أتى عليك من السن؟ قال: أنا في معترك المنايا، أنا ابن ثلاث وستين. قال فليح بن سليمان: لقيت المنصور في الطريق سنة توفي فيها فقال: يا فليح، كم سنوك؟ قلت: ثلاث وستون سنة، قال: هذه سنو أمير المؤمنين، أتدري ما كانت العرب تسميها؟ كانت تسميها دقاقة الرقاب.

стр. 302

قال الفراء: سبعة لا يكنون - يقال: كنيت الرجل وكنوته وكنيته، وكأن الكناية في الكلام إرادة معنى بغير الأسم الموضوع له واللفظ المقصور عليه، وكأنها أخت التعريض، وفي التعريض غرض عليها - ثم قال: وهم الحجام والبيطار والكناس والحارس والسماك والدباغ والغسال. قال المأمون: خصلتان لا تصنعان على موائد الخلفاء: نكت المخ، وكثرة أكل البقل. ليته أخبر عن العلة، ولعمري إنها لمن الخصال اللئيمة، ولكن ما أكثر ما يطلق العلماء والرؤساء هذه الأحكام ويوردون هذه الشرائط معراة من العلل، أغفالاً من الحجج، وهب أن هذا جائز لأفناء الناس ومن هو مغمور في العامة وغير ضارب مع الخاصة، كيف يجوز لمن يؤثر عنه اللفظ واللحظ، ويخلف عنه الطيب والخبيث، ويحفظ عليه الحي واللي؟ ولعلهم قد طبقوا المفصل في كل ما نطقوا، وذكروا أسباب ما رتقوا وفتقوا، ولكن الحملة ساء نقلها وقلت عنايتها، وما أخص بهذا هؤلاء، فإني أجد رواة الحديث عن الرسول صلى الله

стр. 303

عليه وسلم والناظرين في أصول الأحكام والمتصفحين لغريب القرآن على هذه العادة؛ إلى الله الشكوى. قال علي ﵁: لا تكونن ممن يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، وينهى ولا ينتهي، ويأمر الناس بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل بأعمالهم، ويبغض المسيئين وهو منهم، يأخذ من الدنيا ما يفنى، ويترك من الآخرة ما يبقى، يكره الموت لذنوبه، ولا يدع الذنوب في حياته. قال ابن المبارك: قلت لرجل عاد من سفره: ما رأيت في وجهك؟ قال: رأيت رجلاً أخذ في خراج، فاعتوره رجلان يدفعه هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى خرجت نفسه، ثم قال: وهكذا أنت يدفعك الليل إلى النهار والنهار إلى الليل حتى تكون كذلك. قيل لابن المدبر يوماً: ما تقول في الشعر؟ قال: يرفع الخسيس، ويضع الشريف.

стр. 304

قال زياد بن أبيه: الشعر أدنى مروءة السري، وأسرى مروءة الدني. قال المعتمر بن سليمان: الشيب أول مراحل الموت. قال قيس بن عاصم: الشيب خطام المنية. وقال فيلسوف: الشيب توأم الموت. وقال يحيى بن خاقان: الشيب موت الشعر، وموت الشعر علة موت الجسد. وقال العتابي: الشيب تاريخ الكتاب. وقال فيلسوف: الشيب نذير الفناء. وقال أعرابي: الشيب بريد الهلاك.

стр. 305

كتب المتوكل على الله إلى عبد الرحمن بن خاقان لما توفي يحيى بن خاقان، وهو إذ ذاك بالبصرة: أما بعد، فقد جرى من قضاء الله في وفاة يحيى بن خاقان على أحسن ما توفي عليه ذو طاعة ونصيحة وقيام بحق أمانة الله في سلطانه ورعيته ما جرى على الأولين، وهو جار على الآخرين، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وإليه يرجعون؛ وإن أمير المؤمنين يأمرك بالرجوع إلى الله ، والرضا بقضائه، وتلقي النعمة برضا أمير المؤمنين عن يحيى، وما أتبعه من الدعاء وخلفه في عقبه بما يستديمها من الصبر والشكر، والشخوص إلى باب أمير المؤمنين إذا ورد عليك كتابه هذا، بعد أن تخلف في عملك من يقوم فيه مقامك، منبسط الأمل، منفسح الرجاء، واثقاً بما يرعى أمير المؤمنين منك بنفسك في طاعتك، وموالاتك في أسبابك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته؛ وكتب بإملاء أمير المؤمنين يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة أربعين ومائتين. ووقع المتوكل على الله بخطه بعد الصلاة على النبي ﷺ : يا عبد الرحمن، ثق بالله العظيم، وبالذي لك عند أمير المؤمنين، وطب نفساً ولا تحمل على نفسك من الغم ما لا ينفعك، لا بل يضرك، ويغتم به أمير المؤمنين، وهذا خط أمير المؤمنين إليك، والسلام. قال أعرابي: لا شيء أهرم للوليد، وأبلى للجديد، من ليل يسري، وقدر يجري.

стр. 306

قال علي بن أبي طالب ﵁ على المنبر: تجهزوا رحمكم الله فقد نودي بالرحيل، وأقلوا الفرحة على الدنيا، وانقلبوا بصالح ما يحضركم من الزاد، فإن قدامكم عقبة كؤوداً، ومنازل مخوفة مهولة، لا بد من الممر عليها، والوقوف عندها، فإما برحمة الله فنجوتم من فظاعتها، وشدة مختبرها، وكراهة منظرها، وإما بهلكة ليس بعدها خيار. قال فيلسوف: من عدم العقل لم يزده السلطان عزاً، ومن عدم القناعة لم يزده المال غنى. سمع هذا الكلام أبو زيد المروزي فقال، قال الربيع بن خثيم: من عدم الإيمان لم تزده الرواية فقهاً. قال صاحب المنطق: إنما الإنسان عقل في صورة، فمن أخطأه

стр. 307

العقل ولزمته الصورة لم يكن إنساناً كاملاً، ولم تكن صورته إلا كصورة تمثال لا روح فيه. كتب أرسطاطاليس إلى الإسكندر رسالة في السياسة يقول في أولها: أما التعجب من مناقبك فقد نسخة تواترها، فصارت كالشيء القديم الذي قد بسىء به، لا كالحديث الذي يتعجب منه. يقال بسأت بالشيء وبسئت إذا ألفته. أصيب الإسكندر بمصيبة، فجاءه أرسطاطاليس فقال: أيها الملك، إني لم آتك معزياً لكن متعلماً للصبر منك، لعلمي بعلمك أن الصبر على الملمات فضيلة نافية لكل رذيلة، فكيف نحض على طاعتك أو تعلم سنتك. نظر فيلسوف إلى ميت ينقل فقال: حبيب ينقله أحباؤه إلى حبس الأبد. وعزى فيلسوف آخر فقال: إن كنت تبكي لنزول الموت بمن كنت له محباً، فطالما نزل بمن كنت له مبغضاً. قال أرسطاطاليس: ليكن غايتك في طلب المال الإفضال به على

стр. 308

الإخوان، فإن الشريف الهمة لا يطلب المال ليكتنزه أو ليأكله، ولكن ليتحف الإخوان منه. قال الهندي: أول البلاغة أن يكون الخطيب رابط الجأش، ساكن الجوارح، قليل الحركات، خفي اللحظ، متخير اللفظ، لا يكلم الملوك بكلام السوقة، ويكون في قوته التصرف في كل طبقة. سئل ابن حرب عن البلاغة فقال: البلاغة أن تجعل بينك وبين الإكثار مشورة الأختصار؛ وهذا يحتاج إلى تفسير. وقال الرومي: البلاغة هي الأقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم الإطالة. وقال الأعرابي: البلاغة وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة.

стр. 309

وقال الفارسي: البلاغة معرفة الفصل من الوصل. وقال إبراهيم الإمام: يكفي من حظ البلاغة أن لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع. وهذا الحكم من إبراهيم مبتور، لأن الإفهام قد يقع من الناطق ولا يكون بما أفهم بليغاً، والفهم قد يقع للسامع ممن ليس ببليغ ولا يكون بليغاً، وليس اشتراكهما في التفاهم بلاغة. البلاغة أن يصيب الناطق بالطبع الجيد، أو الصناعة المجتلبة، أو بهما، وإن ساء فهم السامع لقصور طباعه، أو بعده عن أسباب الفضيلة. ومن ذا الذي هجا البليغ لأن السامع لم يفهم، أو هجا السامع لأن الناطق لم يفهم؟ وإنما البليغ الذي يبلغ القصد بأقرب طرق الإفهام مع حسن الغرض، وليس أقرب طرق الإفهام تقليل الحروف وأختصار المراد؛ قد يكون هذا، ولكن أقرب الطرق في الإفهام أن تكون الغاية مثالاً للعقل، ثم يكون المعنى مسوقاً إليها، واللفظ منسوقاً عليها، فهم السامع أو قصر. ثم ليس هذا المعنى مقصوراً على العربية، بل هو شائع في النفوس، مستمد من العقول، معروف

стр. 310

باللغات، لكن العربية عندنا أحسن الألفاظ مخارج، وأوسعها مناهج، وأعلقها بالقلب، وأخفها على اللسان وأوصلها إلى الآذان، وكل هذه المحاسن تابعة للشريعة التي جعلها الله تعالى تمام الشرائع، ومضافة إلى الرسول ﷺ الذي ختم الله به الأنبياء والرسل؛ جعلنا الله يوم الفزع الأكبر في زمرته، كما أخرجنا في زمرة أمته، ورزقنا شفاعته، كما ألهمنا طاعته، بمنه وجوده. أرى - أيدك الله - أن أطيل الكلام في هذا المعنى، لعلمي بأن هذا المقدار يهيجك ولا يشفيك، ويغريك بمعرفة تمامه ولا يسليك: نظام البلاغة وعقدتها والذي عليه المدار والمحار أن يكون طالبها مطبوعاً بها مفطوراً عليها، قد أعين بشهوة في النفس، وأدب من الدرس، فإنه متى اختل في أحد الطرفين بدا عواره، ولصق به عاره، والآفة فيها من الدخلاء إليها الذين يستعملون الألفاظ ولا يعرفون موقعها، أو يعجبهم الأتساع ويجهلون مقداره، أو يروقهم المجاز ويتعدون حدوده، أو يحسن في حكمهم التصريح ولعل الكناية هناك أتم، والإشارة فيه أعم. وهذه الخلال تجدها في قوم عدموا الطبع المنقاد في الأول، وفقدوا المذهب المعتاد في الثاني، والسر كله أن تكون ملاطفاً لطبعك الجيد، ومسترسلاً في يد العقل البارع، ومعتداً على رقيق الألفاظ وشريف الأعراض، مع جزولة في معرض سهولة، ورقة في حلاوة بيان، مع مجانبة المجتلب، وكراهة المستكره. وركنه الذي يعول عليه، وكنفه الذي يأوي

стр. 311

إليه، أن يكون السجع في الكلام كالملح في الطعام، فإنه متى ظفر منه بمقدار الرتبة، وحسب الكفاية، حلا منظره، وبهر بهاؤه، وسطع نوره، وانتشر ضياؤه، ومتى زاد على المقدار ضارع كلام النسأة والكهنة من العرب، أو كلام المستعربين من العجم. وسأقتص لك فنون البلاغة اقتصاصاً مجملاً تقف به على تفصيلها: أعلم أن الفن الأول منه هو الكلام الذي يسمح به الطبع، وليس يخلو هذا المطبوع من صناعة، والفن الثاني هو الكلام الذي يطلب بالصناعة، ليس يخلو هذا المصنوع أيضاً من طبع؛ والفن الثالث هو المسلسل الذي يبتدر في أثناء المذهبين، وأمثلة هذه الفنون ثابتة في هذه النوادر والبصائر، ومتى أنعمت النظر عرفت الخبر. ومهما أتيت في هذا الشأن فلا تلهجن بالسجع، فإنه بعيد المرام إذا طلب الواقع موقعه والنازل مكانه، ولا تهجرنه أيضاً كله فإنك تعدم شطر الحسن؛ والذي يجب أن يعتمد من ذلك هو مقدار يجري مجرى الطراز من الثوب، والعلم من المطرف، والخال من الوجه، والعين من الإنسان، والسواد من الحدقة، والإشارة من الحركة، وقد علمت أنه متى كثرت الخيلان في الوجه وغمرته كان ترادف أجزاء السواد ذاهباً ببهجة تمام الحسن؛ وقد يسلس السجع في مكان دون مكان، والاسترسال أدل على الطبع، والطبع أعفا، والتكلف مكروه، والمتكلف معنى، والناس بين عاشق للمعاني وتابع لها فالألفاظ تواتيه عفواً، وكلف بالألفاظ والمعاني تعصيه أبداً؛ فأما من جمع بين هذه

стр. 312

وهذه، وكان قيماً بمنثورها ومنظومها، عارفاً بأختلاف مواقع تأليفها، فإنه الحاوي قصب الرهان، والمعدود في أفاضل الزمان. فاقصد - أيدك الله تعالى - أن تكون كالصائغ الذي يصيب الشذر فيسكبه ثم يصوغه ثم ينقشه ثم يسوقه ثم يزينه ثم يعرضه. والأدب كثير، والكلام جم، والمحفوظ من ذلك أقل من الضائع، والمكتوم أكثر من الشائع، وإذا صدقت نيتك في طلب مختار العلم، ومذخور الحكمة، أصبت من ذلك ما لا يفرغك لطلب ما نأى عنك. أغناك الله عن كل ما سواه، وعرفك ما في الغنى به حين تفتقر إليه، وتقتصر عليه، فما خسر من أناخ بفنائه، ولاذ ببابه، وسعى في ابتغاء مرضاته، ولا اعتاض منه من استجاب للدنيا وانغمس في الهوى. احلولج الأمر أي التوى. قال زهير: الطويل فبتنا عراة عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله

стр. 313

عراة: مؤتزرون؛ يزاولنا: يعالجنا؛ قال أبو عبيدة: عراة، تعرونا عرواء من الزمع، لأنه إذا أراد أن يصيد أرعد، ويقال عراة بالعراء، ليس يحجبنا شيء. العرب تقول: بقي من ماله عراض أي شيء يسير، والعرض: المال، والعارض: السحاب، والعرض أيضاً: الجنون، والعرض: النفس، وفلان شديد العارضة إذا كان شديد المتن. وفعل ذلك سهواً رهواً أي ساكناً وادعاً، وأفعل ذلك في سراح ورواح أي في يسر، ومكان مروحة أي مهب للريح، والمروحة: هذه المسفوفة المعروفة، والمراح - بضم الميم - مأوى الأبل، والمراح - بفتح الميم - مصدر راح مراحاً ورواحاً، وأراح الطعام: تغيرت رائحته، وأروح أيضاَ. فلان يراح للمعروف ويرتاح له، وهو أريحي: كل هذا كرم وكريم، وكأنه إشارة إلى طيب ريحه أو إلى اهتزازه أو إلى جوده، يقال: فلان كالريح جوداً، وفلان يباري الريح جوداً، وكان النبي ﷺ كالريح المرسلة في رمضان، ويقال: شهر رمضان، وذلك أنه قيل: رمضان من أسماء الله ، والشهر منسوب إليه، ولأن القرآن نطق بذلك، وكل جائز.

стр. 314

وفلان يعاني أموراً أي يعالج، وزارنا على شحط بعيد أي على بعد. وأهجر أي هذى. والمأبوض: المشدود الرسغ بالإباض، وهو الحبل. وأجره الله يأجره أي أثابه، وأجار فلان فلاناً أي جعله في جواره، والجوار - بالضم - الأسم، والجوار مصدر جاوره مجاورة وجواراً، كقولك مخاصمة وخصاماً وقتالاً ومقاتلة وخطاباً ومخاطبة، وباب هذا القياس متلثث أي مطرد أي متتابع، ويقال لمن ينزل بحضرته: هو ملاث وهم ملاوث. وأمحلت الأرض إذا قل مطرها، والمحل: الوشاية لأنه ينفي الخير، والخير ها هنا كالمطر ثم، والمحال: المحاولة أي الطلب، والمحالة: الحيلة، والمثل: المرء يعجز - بكسر الجيم - لا محالة، أي الحيل كثيرة ولكن الإنسان عاجز؛ وفي الدعاء: اللهم لا تجعل القرآن بنا ماحلاً أي مزلاً لأقدامنا. وسمي المحل وشاية لأن الواشي يشي، أي يحسن باطله، كما يشي الواشي الثوب، أي ينسجه رائقاً في العين، وتقول في الأمر منه: شه، كما تقول: قه من الوقاية، وفه من الوفاء، والأصل حرف ولكن ضمت الهاء أخرى للسكت، ولأن الكلام بناء، والبناء لا يكون بحرف واحد، إنما يخرج من أحكام الحروف بارتدافه حرفاً آخر؛ والحرف يذكر ويؤنث. وقول الله " ومن الناس من يعبد الله على حرف " الحج: ١١ أي على جانب، وتحريف المعنى: عدلك إياه عن وجهه، فهو شبيه بتصحيف اللفظ، والمحارف كأنه مصروف عن سعة الرزق، والحريف: فعيل

стр. 315

من الحرافة وهو ما فيه حرافة ولذع، وكأنه معدول عن الحلاوة أو عن المرارة. ويقال: عذلته فأعتذل، أي قبل العذل، أس سمعه وأقلع عنه، ويقال أيضاً العذل، وهو قليل ومع قلته شائع - ولا يقال منشاع - ومع ذلك لا يقال في عذلته - بالذال منقوطة - انعذل، هذا ما لم يسمع، والقياس فيه مرذول. تقول: رذلت الشيء فهو مرذول، واسترذلته وقوم رذال حقيقة أي أنذال وتباع كذلك. ولاث عمامته يلوثها إذا كارها على رأسه أي أدارها، ولوث ثيابه إذا مرغها في الطين، والتاثت الدابة أي كلت، والدابة تذكر وتؤنث، والتذكير غريب. هذا كله عن سماع وحفظ، ولم آت فيه من عندي بشيء إلا ما جرى مجرى بيان وشرح وتشبيه، وأرجو السلامة فيه من خطإ شائن، وصواب بائن، وعلى الله التوكل في كل نائبة، فهو ملجأ القانط، وكهف الآوي، وملاذ الراجي، ومعاذ الخائف. كاتب: أنت ثمال الآمل، ومنار الواثق، وتحفة الراجي، ومعاذ الخائف، ومناخ الرغبة، ومشوع الهمم، ومعطف الوسائل، ومعرج الأماني، ومجنب الوصلات.

стр. 316

قال ابن الأعرابي: يقال ما يجنب إلى لقائك، ولا تزف نعام القلوب إلى طلعتك، ولا تثنى خناصر الشمال بك. وقال: قوله لا يجنب إلى لقائك أي لا يصيب من عرفك من الشوق إلى لقائك والمحبة لرؤيتك ما يدخل عليه من المشقة كما يدخل على هذا الجنب الذي قد عطش حتى لصقت رئته عطشاً؛ تقول قد جنب جنباً إذا صار إلى ذلك، ومنه قول ذي الرمة: البسيط كأنه مستبان الشك أو جنب وقوله: لا تزف نعام القلوب إليك، فهذا مثل، يقول: لا يشتاق إليك، ولا يتفكر في ذلك. وقوله: لا تثنى خناصر الشمال بك، يقول: إذا عد الأشراف لم تذكر أولاً ولا ثانياً، ولا بعدما ينقضي عدد أصحاب اليمين، ولا تثنى أيضاً خناصر الشمال بك، وعادة الأعراب أن يثنوا الخمس من اليمين ثم يصيروا إلى اليسار؛ هكذا قال ابن الأعرابي. قال إبراهيم ابن المهدي لأحمد بن يوسف: لعن الله زماناً أخرك عمن لا يساوي كله بعضك.

стр. 317

سمعت ابن كعب الأنصاري يقول: صار الفضل بن الربيع إلى أبي عباد في مكتبه يسأله حاجة، فأرتج عليه في الكلام، فقال له أبو عباد: بهذا اللسان دبرت خليفتين؟! فقال: يا أبا عباد، إنا اعتدنا أن نسأل ولم نعتد أن نسأل. قيل لأبي العيناء: هل بقي في دهرنا من يلقى؟ قال: نعم، في البئر. قال المأمون لقارىء: اقرأ، فقرأ " فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله " المائدة: ٢٩، فحصبه. صعد عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن منبر المدينة، وكان قد هم بالخروج، فبلغه أن بعض أصحابه تفوه بكلام فقال:

стр. 318

إنه لا يزال يبلغني أن القائل يقول: إن بن العباس فيء لنا، نرتع في أموالهم، ونخوض في دمائهم، عزم بلا علم، وفكر بلا روية، وخطة يركبها الغاوون. عجباً لمن أطلق بذلك لسانه، وبسط به يده، أطمع في ميلي معه، وبسطي يدي بالجور له؟ هيهات، فاز ذو الحق بما يهوى، وأخطأ الظالم ما تمنى، حق كل ذي حق في يده، وكل ذي دعوى على حجته؛ لم يخطىء المنصف حظه، ولم يبق الظالم على نفسه؛ حق لمن أمر بالمعروف أن ينهى عن المنكر، ولمن سلك سبيل الحق أن يصبر على مرارة العذل؛ كل نفس تسمو إلى هتمها، ونعم الصاحب القناعة، ثم توارى عن الناس وأضرب عن الرأي والخروج. هكذا يكون الشريف في دينه ونسبه وعفته وأدبه، لا كقوم نسأل الله العياذ من شرهم، والصلاح لهم في أنفسهم، فإن الإسلام لم يخلولق رسمه، ولا عفى أثره، ولا تخلخل ركنه، إلا بما ظهر من الفساد في معدن النبوة وأرض الرسالة، ولله أمر هو بالغه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. قال عبد الله بن عباس بن الحسن لأحمد بن أبي خالد الأحول: إن من العجب ضيق الملك بأموره، واختلاطه في تدبيره، وليس فوق يده يد لأحد من رعيته يدفعها، ولا دون سطوته جنة يجتنها إذا ضاق في ما لا ينازع

стр. 319

فيه، واختلط في ما لا يغالب عليه، فكيف لو لقي بمثل عزه، وغولب بمثل سلطانه، وأحترس منه بمثل مواتاة زمانه، هناك يفدحه الضيق، ويغلب عليه الأختلاط، ويؤيس له من راحة الوقار، فما اختلاطك فيما لا تدفع عنه، وما ضيقك بأمر لا تغالب دونه؟! قال فيلسوف: أصدق الناس لك في وده، من بذل لك ملك يده. قال عطاء بن أبي رباح: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: يا أيها الناس اتقوا الله ، ولا يحملكم العسر أن تطلبوا الرزق من غير حله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: اللهم احشرني في زمرة المساكين ولا تحشرني في زمرة الأغنياء، فإن الأشقياء من جمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة. هذا الحديث رواه لنا أبو بكر الشافعي ببغداد سنة أربع وخمسين وثلاثمائة،

стр. 320

وإنما أحذف الإسناد لأن الغرض يقرب والمراد يسهل، والإسناد يطيل ويمل المستفيد، على أن الإسناد زين الحديث وعلامة السنة وسبب الرواية. وقال أبو بكر الواسطي: العارفون وحش الله في أرضه، لا يستأنسون بغيره. قال ابن عباس: سمعت علياً ﵁ يحض الناس بصفين فيقول: معاشر المسلمين، استشعروا الجرأة، وغضوا الأصوات، وتجلببوا بالسكينة، وأكملوا اللأمة، وأقلقوا السيوف في الأغماد قبل السلة، وآلحظوا الخزر، وآطعنوا الشزر، وكافحوا بالظبى، وصلوا السيوف بالخطى، والبنان بالرماح. فإنكم بعين الله ومع ابن عم نبيه. يقال: علم الزمان لا يحتاج إلى ترجمان. شاعر: الطويل
следующие страницы →