← Адаб

Адаб · id 26423

البصائر والذخائر

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (2 098 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال ابن الأعرابي: يقال ما يجنب إلى لقائك، ولا تزف نعام القلوب إلى طلعتك، ولا تثنى خناصر الشمال بك. وقال: قوله لا يجنب إلى لقائك أي لا يصيب من عرفك من الشوق إلى لقائك والمحبة لرؤيتك ما يدخل عليه من المشقة كما يدخل على هذا الجنب الذي قد عطش حتى لصقت رئته عطشاً؛ تقول قد جنب جنباً إذا صار إلى ذلك، ومنه قول ذي الرمة: البسيط كأنه مستبان الشك أو جنب وقوله: لا تزف نعام القلوب إليك، فهذا مثل، يقول: لا يشتاق إليك، ولا يتفكر في ذلك. وقوله: لا تثنى خناصر الشمال بك، يقول: إذا عد الأشراف لم تذكر أولاً ولا ثانياً، ولا بعدما ينقضي عدد أصحاب اليمين، ولا تثنى أيضاً خناصر الشمال بك، وعادة الأعراب أن يثنوا الخمس من اليمين ثم يصيروا إلى اليسار؛ هكذا قال ابن الأعرابي. قال إبراهيم ابن المهدي لأحمد بن يوسف: لعن الله زماناً أخرك عمن لا يساوي كله بعضك.

стр. 317

سمعت ابن كعب الأنصاري يقول: صار الفضل بن الربيع إلى أبي عباد في مكتبه يسأله حاجة، فأرتج عليه في الكلام، فقال له أبو عباد: بهذا اللسان دبرت خليفتين؟! فقال: يا أبا عباد، إنا اعتدنا أن نسأل ولم نعتد أن نسأل. قيل لأبي العيناء: هل بقي في دهرنا من يلقى؟ قال: نعم، في البئر. قال المأمون لقارىء: اقرأ، فقرأ " فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله " المائدة: ٢٩، فحصبه. صعد عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن منبر المدينة، وكان قد هم بالخروج، فبلغه أن بعض أصحابه تفوه بكلام فقال:

стр. 318

إنه لا يزال يبلغني أن القائل يقول: إن بن العباس فيء لنا، نرتع في أموالهم، ونخوض في دمائهم، عزم بلا علم، وفكر بلا روية، وخطة يركبها الغاوون. عجباً لمن أطلق بذلك لسانه، وبسط به يده، أطمع في ميلي معه، وبسطي يدي بالجور له؟ هيهات، فاز ذو الحق بما يهوى، وأخطأ الظالم ما تمنى، حق كل ذي حق في يده، وكل ذي دعوى على حجته؛ لم يخطىء المنصف حظه، ولم يبق الظالم على نفسه؛ حق لمن أمر بالمعروف أن ينهى عن المنكر، ولمن سلك سبيل الحق أن يصبر على مرارة العذل؛ كل نفس تسمو إلى هتمها، ونعم الصاحب القناعة، ثم توارى عن الناس وأضرب عن الرأي والخروج. هكذا يكون الشريف في دينه ونسبه وعفته وأدبه، لا كقوم نسأل الله العياذ من شرهم، والصلاح لهم في أنفسهم، فإن الإسلام لم يخلولق رسمه، ولا عفى أثره، ولا تخلخل ركنه، إلا بما ظهر من الفساد في معدن النبوة وأرض الرسالة، ولله أمر هو بالغه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. قال عبد الله بن عباس بن الحسن لأحمد بن أبي خالد الأحول: إن من العجب ضيق الملك بأموره، واختلاطه في تدبيره، وليس فوق يده يد لأحد من رعيته يدفعها، ولا دون سطوته جنة يجتنها إذا ضاق في ما لا ينازع

стр. 319

فيه، واختلط في ما لا يغالب عليه، فكيف لو لقي بمثل عزه، وغولب بمثل سلطانه، وأحترس منه بمثل مواتاة زمانه، هناك يفدحه الضيق، ويغلب عليه الأختلاط، ويؤيس له من راحة الوقار، فما اختلاطك فيما لا تدفع عنه، وما ضيقك بأمر لا تغالب دونه؟! قال فيلسوف: أصدق الناس لك في وده، من بذل لك ملك يده. قال عطاء بن أبي رباح: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: يا أيها الناس اتقوا الله ، ولا يحملكم العسر أن تطلبوا الرزق من غير حله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: اللهم احشرني في زمرة المساكين ولا تحشرني في زمرة الأغنياء، فإن الأشقياء من جمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة. هذا الحديث رواه لنا أبو بكر الشافعي ببغداد سنة أربع وخمسين وثلاثمائة،

стр. 320

وإنما أحذف الإسناد لأن الغرض يقرب والمراد يسهل، والإسناد يطيل ويمل المستفيد، على أن الإسناد زين الحديث وعلامة السنة وسبب الرواية. وقال أبو بكر الواسطي: العارفون وحش الله في أرضه، لا يستأنسون بغيره. قال ابن عباس: سمعت علياً ﵁ يحض الناس بصفين فيقول: معاشر المسلمين، استشعروا الجرأة، وغضوا الأصوات، وتجلببوا بالسكينة، وأكملوا اللأمة، وأقلقوا السيوف في الأغماد قبل السلة، وآلحظوا الخزر، وآطعنوا الشزر، وكافحوا بالظبى، وصلوا السيوف بالخطى، والبنان بالرماح. فإنكم بعين الله ومع ابن عم نبيه. يقال: علم الزمان لا يحتاج إلى ترجمان. شاعر: الطويل

стр. 321

ظللنا بيوم عند أم محمد ... نشاوى ولم نشرب طلاء ولا خمرا إذا صمتت عنا صحونا لصمتها ... وإن نطقت هاجت لألبابنا سكرا قال فيلسوف: لا ينتفع بالعقل إلا مع العلم، ولا ينتفع بالعلم إلا مع العقل، ولا ينتفع بالعلم والعقل إلا مع الأدب، ولا ينتفع بالأدب إلا مع الأجتهاد، ولا ينتفع بالأجتهاد إلا مع التوفيق. قال يونس لا يقبل منه صرف ولا عدل هو الحيلة والفداء؛ وقال الحسن، وكان خيراً منه: هو الفريضة والنافلة. أتى وائل بن حجر النبي ﷺ فأقطعه أرضاً وقال لمعاوية: أعرض عليه هذه الأرض وأكتبها له؛ وكان معاوية كاتب النبي ﷺ ، فخرج مع وائل في هاجرة شاوية، ومشى في ظل ناقة وائل، فقال له: أردفني على عجز راحلتك، فقال له: لست من أرداف الملوك، قال: فأعطني نعليك، فقال: ما بخل يمنعني يا ابن أبي سفيان، ولكن أكره أن يبلغ أقيال اليمن أنك لبست نعلي، ولكن أمش في ظل الراحلة فحسبك بها شرفاً. ثم إنه لحق زمان معاوية ودخل عليه، فأجلسه معه على سريره وتحدث

стр. 322

بهذا الحديث. قال عكرمة الأعرابي: بنى أعرابي على أهله ولم يولم، فأجتمع الحي بفنائه وصاحوا: الرجز أولم ولو بيربوع أو بقراد مجدوع قتلتنا من الجوع فاحتال لهم وأطعمهم. رأى بعض الصالحين ابناً له قد أطال السجود فقال: يا بني أرفع رأسك فإنك صبي، فقال: يا أبت كم من زرع أصابته الآفة من قبل أن يدرك؛ كان يونس يعجب من هذا الكلام. قيل للنبي ﷺ يوم فتح مكة حين صفح: فعلوا بك وفعلوا، فقال: إني سميت محمداً لأحمد. استعرض الحسن بن وهب غلاماً فقال له: اكشف عن ساقيك وذراعيك وكذا وكذا، والغلام يخجل من ذلك، فقال نجاح الكاتب للغلام: لا تخف، إنك أنت الأعلى.

стр. 323

وجهت سحاقة إلى حبيبتها: ابعثي لي بكندرك الذي تمضغين بين دينارين، فبعثت به إليها وقالت للرسول: قولي لمولاتك ردي الطبق والمكبة. قيل لبهلول المجنون: أتشتم فاطمة وتأخذ درهماً؟ قال: لا، ولكني أشتم عائشة وآخذ نصف درهم. العرب تقول: إن أعطيت فأجزل، وإن منعت فأجمل. يقال إن مما فضل به كسرى أن منطقته كانت ستة عشر شبراً، وجيبه كان سبعة أشبار، وكان يأكل كل يوم مهراً مشوياً من الخيل، وعناقاً زرقاء حمراء مغذاة بألبان النعاج، يذبحان بسكين من ذهب، ويسجر له التنور بالعود حتى ينتهي منتهاه، ويسمط ما يسمط بالخمر المغلي بالمسك، ويطلى بالعنبر والمسك والملح، ويعلق في سفود من ذهب، ويارجين من ذهب، وسكين من ذهب، فإذا برد حمل ووضع على خوان من ذهب، فيه أربعة آلاف دينار، ويقدم إليه فيتناول منه ما أحب، ثم يتحف به من أحب من ندمائه، ويكسر

стр. 324

التنور، ويجدد كل يوم مثله. وكان له في كل يوم لون ينفق عليه اثني عشر ألف درهم يخرج لؤلؤة صفراء قد شريت باثني عشر ألف درهم وتسحق في ذلك اللون، يتداوى به للجماع، فكان يجامع كل يوم وليلة ستين مرة. نزل أبو دلامة بدهقان يكنى أبا بشر، فسقاه شراباً أعجبه فقال: الطويل سقاني أبو بشر من الراح شربة ... لها لذة ما مثلها لشراب وما طبخوها غير أن غلامهم ... سعى في نواحي كرمها بشهاب قال عبيد الله بن محمد بن عبد الملك الزيات: بنو هاشم ملح الأرض، وزينة الدنيا، وحلي العالم، والسنام الأعظم، والكاهل الأضخم، ولباب كل جوهر كريم، وسر كل عنصر شريف، والطينة البيضاء، والمغرس المبارك، وهم النصاب الوثيق، ومعدن الفهم، وينبوع العلم، وثهلان ذو الهضبات في الحلم، والسيف الحسام في العزم، مع الأناة والحزم، والصفح

стр. 325

عن الجرم، والقضية بعد المعرفة، والصفح بعد المقدرة، وهم الأنف المقدم، والسنام الأكوم، والعز المشمخر، والصيابة والسر، وكالماء لا ينجسه شيء، وكالشمس لا تخفى بكل مكان، وكالذهب لا يعرف بالنقصان، وكالنجم للحيران، والبارد للظمآن، ومنهم الثقلان، والأطيبان، والسبطان، والشهيدان، وأسد الله، وذو الجناحين، وذو قرنيها، وسيد الوادي، وساقي الحجيج، وحليم البطحاء، والبحر والحبر، والأنصار أنصارهم، والمهاجرون من هاجر إليهم ومعهم، والصديق صديقهم، والفاروق من فرق بين الحق والباطل منهم، والحواري حواريهم، وذو الشهادتين لأنه شهد لهم. وكيف لا تكون العرب على ما ذكرنا، وقريش على ما بينا، وبنو هاشم على ما وصفنا، ومنهم رسول رب العالمين سيد المرسلين، وإمام المتقين، وهادي المؤمنين، والداعي إلى صراط مستقيم، نبي الرحمة والمنقذ من الهلكة، والمبشر بالجنة،

стр. 326

صلى الله عليه وسلم وأعلى ذكره، وجعل أمته خير أمة، وجعل رهطه يؤتون من كل فج عميق، وأوب سحيق، إليهم ترد الأخلاق الجميلة، والعقول الكاملة، وكل خلق وكل عقل من كل صنف من أصناف الناس، ومن الآداب واللغات والعادات والصور والشمائل، عفواً بلا كلفة ولا مؤونة، وعلم رسول الله ﷺ ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، ولم يخصص بذلك أحد من الأنبياء غيره، وختم الله به النبوة والرسالة، ليستكمل كل فضيلة، والرجل من أهله يوزن بأمة من الأمم، وهو ﵊ يوزن بجميع الأمم، وصير أمته خير الأمم ليكونوا أعلم الأمم، بما عرفوا من شؤون الأمم الخالية، والقرون الماضية، فلا شبيه له ولا نظير، وهو خير البرية، وأكرمهم على الله ، فصلوات الله عليه وسلامه وبركاته ورحمته. قد تضمن - أيدك الله - هذا الكلام كتاب النحل لأبي عثمان، إلا أني نقلت من كتاب الرتب هذا الفصل والفصل المتقدم في الجزء الأول، وعليه سمة كلام أبي عثمان ونوره، ثم لا أدري كيف الحال فيما عدا هذا الظاهر من الباطن، لأن الباطن لا يستقر معه اليقين، ولا تثبت عليه الشهادة، وإنما ينقسم فيه الظن والتوهم والحقيقة من ذلك على بعد. نسأل الله عز وجل

стр. 327

أن يصل رأينا بالإصابة، وعلمنا باليقين، وعملنا بالإخلاص، وأعتقادنا بالحق، ولساننا بالصدق، وطويتنا بالخير، وعاقبتنا بالسعادة، فلا مأمول غيره، ولا مرجو سواه. قال العباس بن محمد: قلت لرقاق: كم تروجين؟ قالت: أنفقه ما نفق، فإذا كسد أطعمته ما كسب. تزوجت امرأة زباء رجلاً أصلع، فرآها تنظر إليه وتفكر، فقال لها: ما لك؟ قالت: كنت أشتهي أن تكون صلعتك على حري ويكون شعر حري على صلعتك حتى أستريح من النتف ويكون لك جبهة. سأبت بنت زيات بنت سمان، فقالت لهما أخرى: لا تكثرا، فما الزيات والسمان إلا سلح قطع بنصفين. العرب تقول: لا تيأس أرض من عمران، وإن عفاها الزمان. قالت جارية قاسم التمار: لا تفلح امرأة خشنة الشفرين، ولا رابية المنكبين.

стр. 328

قالت امرأة لبشار الأعمى: يا أبا معاذ، هل رأيت وجهك قط؟ قال: لا، قالت: لو رأيت وجهك لا تزرت عليه كما تأتزر على آستك من قبحه، فقال لها بشار: اغربي قبحك الله. قال أبو عبيدة: أوصى علي بن عبد الله بن عباس إلى سليمان بن علي وترك محمداً، وكان أسن ولده، وقال له: يا بني إني أنفس بك أن أدنسك بالوصية. وضرط ابن سيابة في جماعة ولم يتشور، وقال غير مكترث: ذلك تقدير العزيز العليم. وقال أبو بكر الواسطي: العارف ينظر إلى الخلق فيرى فيه ربوبيته، وينظر إلى الدنيا فيرى فيها خيال آخرته. وقال أبو بكر أيضاً: هيبة العارف بالله تعالى ممزوجة بسروره، وخوف مفارقته ممزوج برجاء اتصاله، وشوقه إلى لقائه ممزوج بالحياء منه، فلا

стр. 329

هيبته تذهب بسروره، ولا خوف مفارقته يغلب رجاء اتصاله، ولا الحياء منه ينفره عن الشوق إلى لقائه. العرب تقول: فلان شمري أحوذي، ويقال سمري أيضاً؛ هكذا وجدت بخط منسوب. سمعت أبا بكر ابن الأمام المقرىء البغدادي يقول: كان عندنا ببغداد رجل يهوى امرأة جار له، فقال لها ليلة وقد علاها يحشوها: علمت يا فلانة أن الناس يتهمونني بك، قالت: وما عليك أن يأثموا وتؤجر، فقال لها وهو يغوص فيها: الله حسيب الظالم. نزل ابن أبي فنن الشاعر في جوار زريات المغنية، فكايدته جارية من جواريها، فقالت له: يا شيخ، تحول من جوارنا لا يقول الناس إن هذا الهجاء أبو هذه المغنية، فقال لها: الذي يلزمني من العار أكبر، لأن الناس يقولون: هذا الشاعر أبو هذه القحبة.

стр. 330

أنشدنا أبو سعيد السيرافي لأبي هفان يخاطب إبراهيم بن المدبر وقد خرج مصعداً إلى بغداد من البصرة: الرمل يا أبا إسحاق سر في دعة ... وامض مصحوباً فما منك خلف إنما أنت ربيع باكر ... حيث ما صرفه الله انصرف ليت شعري أي قوم أجدبوا ... فأغيثوا بك من بعد العجف ساقك الله إليهم رحمة ... وحرمناك لذنب قد سلف وأنشدنا هذه الأبيات المرزباني لأبي شراعة. قال ذو النون المصري ﵀: سألت حكيماً عن العقل فقال: العقل شجرة أصلها العلم، وفرعها العمل، وثمرتها السنة. وحدث الحسن البصري بحديث، فقال له رجل: عمن

стр. 331

أصلحك الله؟ فقال: وما تصنع بعمن؟ أما أنت فقد نالتك موعظته، وقامت عليك حجته. قال السري السقطي: كل معصية في شهوة يؤمل غفرانها، وكل معصية في كبر لا يؤمل غفرانها، لأن معصية إبليس كانت من كبر، ومعصية آدم كانت من شهوة. قال الزجاج: إنما سمي الخل خلاً لأنه اختل بالحموضة، قيل له: فإن العسل أيضاً خل لأنه أخل بالحلاوة عن الحموضة، فقال: هذا لا يلزم، لأن الأصطلاح سبق بالمعنى الذي دل على الاشتقاق، ولم يسبق المعنى فيقع عليه قياس. شاعر: الكامل ذهب الزمان برهط حسان الألى ... أضحت منازلهم كأمس الدابر وبقيت في خلف تحل ضيوفهم ... منهم بمنزلة اللئيم الغادر

стр. 332

سود الوجوه لئيمة أحسابهم ... فطس الأنوف من الطراز الآخر يقال: من أخذ نملة حمراء من المقابر وجعلها في داره خرج النمل منها. اجتمع الرضا والمأمون والفضل بن سهل على مائدة، فقال الرضا مبتدئاً: إن رجلاً من بني إسرائيل سألني: النهار خلق قبل الليل، أم الليل خلق قبل النهار، فما عندكما؟ فقال الفضل للرضا: قل أنت، فقال الرضا: من القرآن أو من الحساب؟ فقال الفضل: من الحساب، فقال: قد علمت أن طالع الدنيا السرطان، والكواكب في مواضع شرفها، وزحل في الميزان، والمشتري في السرطان، والشمس في الحمل، والقمر في الثور، وذلك يدل على أن كينونة الشمس في الحمل في العاشر من الطالع في وسط السماء؛ يوجب ذلك أن النهار خلق قبل الليل. وأما دليل ذلك من القرآن فقوله تعالى " لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار " يس: ٤٠. أنشد: الطويل غنيت زماناً بالشباب ولم أزل ... بودي أبقى بالشباب ممتعا فلما تفرقنا كأن الذي مضى ... من العيش لم ننعم به ساعة معا

стр. 333

دعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك من الفاجر وجدواه، والغريم وعدواه، والعمل الذي لا ترضاه؛ اللهم إني أعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك. قال يحيى بن كامل: متى دفع رجل إلى صاحبه دراهم ليقضي بها عن نفسه دينه، ويشتري ببعضها خمراً، إن تلك الحركة واحدة وهما فعلان: طاعة ومعصية كانتا لخذلان وعصمة. وقال سعيد المقرىء: بل هي فعل واحد، طاعة من جهة ومعصية من جهة. وقال يحيى: قد كان يجوز أن يجعل الله الصغائر كبائر والكبائر صغائر. وقال برغوث: لا يجوز أن يخلق الله إلا جزءين ليكون أحدهما مكان الآخر. وقال يحيى: يجوز أن يخلق جزءاً لا في مكان، كما خلق العالم لا في مكان. وقال برغوث: ليس يجوز أن يعلم الإنسان كل ما يجهله. وقال يحيى: يجوز أن يكون ذلك. وقال يحيى: الطول مقدار الجزء وليس هو عين الطويل. فقال برغوث: يجوز أن يبقى بعض الخلق ولا يفنى البتة. وقال آخر: الأشياء تفنى على معنى

стр. 334

تفرق الأجزاء. وقال آخر: بل على التلاشي. وقال آخر، قال برغوث: يجوز أن يخلق الله صحيحاً بالغاً ولا يخطر بباله شيئاً. وقال يحيى: ثواب الله أكثر من تفضله، وعقابه أشد من بلائه. وأنشد: البسيط يا أكرم الناس في ضيق وفي سعة ... وأنطق الناس في نظم وفي خطب إنا وإن لم يكن ما بيننا نسب ... فرتبة الود تعلو رتبة النسب كم من صديق يراك الشهد عن بعد ... ومن عدو يراك السم عن قرب دخل محمد بن كعب القرظي على سليمان بن عبد الملك في ثياب رئة، فقال له سليمان: ما يحملك على لبس هذا؟ قال: أكره أن أقول الزهد فأطري نفسي، أو أقول الفقر فأشكو ربي.

стр. 335

نظر أعرابي إلى رجل جيد الكدنة فقال له: يا هذا إني لأرى عليك قطيفة من نسج أضراسك محكمة. يقال: حصب في الأرض إذا ذهب. العرب تقول: شر النساء الحميراء المحياض، والسويداء الممراض. يقال: ليس على مختف قطع، أي ليس على النباش قطع، يقال خفاه واختفاه إذا أظهره، فكأنه يظهر الكفن، كذا قيل. السمهري: الرمح الشديد، يقال اسمهر الأمر إذا اشتد، وكذلك ازمهر، ويقال ازمهر الحر أيضاً. المذلق: المحدد، وفلان ذليق اللسان وذلق كما قالوا: رهيف اللسان، ويشار بذلاقة اللسان إلى استمرار اللفظ، ويشار بها أيضاً إلى شدة الجواب وإصابته. والربل: نبت، ويقال ربل القوم إذا كثر مالهم وهي الربالة. إناء روي: إذا كان يروي من يشربه، وماء روي ورواء إذا كان لا ينزح؛ جفالة الضائنة: صوفها، وجفالة الناقة: وبرها. قيل لأعرابي: أي الناس أشد؟ قال: الأعجف الضخم،

стр. 336

يعني الذي فيه عبالة، خفيف. هذا كله من كلام ابن السكيت في كتب مختلفة. قيل لفيلسوف: أي الأشياء ينبغي أن تعلم الصبيان؟ فقال: الأشياء التي إذا صاروا رجالاً استعملوها. قيل للإسكندر إن داراً قد عبأ جيشاً فيه ثلاثون ألف مقاتل وهو على أن يستقبلك به، قال: إن القصاب لا تهوله الغنم وإن كثرت. قال فيلسوف: الحساد منهم مناشير لأنفسهم. قال أرسطاطاليس: محبة المال وتد الشر كله، لأن الشر كله متعلق به. قال فيلسوف: من القبيح أن يتولى امتحان الصناع من ليس بصانع. رأى ديوجانس - وكان محمقاً في اليونانيين - زنجياً يأكل خبزاً أبيض محوراً، فقال: يا قوم انظروا إلى الليل كيف يأكل النهار.

стр. 337

رأى ديوجانس رجلاً في الحمام حوله جماعة يخدمونه ويدلكونه ويصبون عليه الماء وهو لا يتحرك، فقال: إني لأعجب كيف لم تعد من يدخل الأبزن مكانك. ورأى رجلاً حسن الوجه كثير الشر، فقال: أما البيت فحسن، وأما الساكن فيه فخبيث. ورأى امرأة قد حملها الماء فقال: على هذا جرى المثل: دع الشر يغسله الشر. ورأى ديوجانس قملة تدب على رأس أصلع فقال: انظروا إلى اللص كيف يروم القطع في قفر. وقيل له: ما المرأة؟ قال: مسح وخسران. قال ديوجانس: من أراد أن يكون مذهبه جيداً فلتكن طريقته على ضد طريقة أكثر الناس.

стр. 338

وقال جالينوس: من أصابه قولنج فليأت كلباً نائماً، وليثره عن موضعه وليبل فيه. قال جعفر بن محمد: من أنصف من نفسه، رضي به حكماً لغيره. العرب تقول: شر الجيران من عينه تراك، وقلبه يرعاك، إن رأى حسنة سترها، وإن سمع سيئة نشرها. لأعرابية في زوجها: المتقارب يحب النكاح أبو مسهر ... وليس يطاوعه أيره وقد أمسك البخل من كفه ... فأصبح لا يرتجى خيره فيا ليت ما بحري في آسته ... ويملكني رجل غيره قيل لأعرابية: ما للبرق البعيد أشوق من القريب؟ قالت: لأن القريب أرجى، والبعيد أيأس. قال ابن الكلبي: الأقوال والأقيال من العرب: الملوك، والقمامسة: الأشراف، الواحد قمس، والبطارقة من الروم، الواحد بطريق، والمرازبة من الفرس، والطراخنة من الترك، والتكاكرة من السند والهند، الواحد تكرك، والأقاصرة - كذا قال، والسماع القياصرة - ملوك الروم،

стр. 339

والأكاسرة مملوك الفرس، والتبايعة ملوك اليمن. قال الحارث بن كلدة: إذا أردت أن تحبل منك المرأة فمشها في عرصة الدار عشرة أشواط، فإن رحمها ينزل ولا تكاد تخلف. سمعت أشياخاً يقولون: من أمثال الفرس: ما دخل مع اللبن لا يخرج إلا مع الروح، والعرب تقول: آطبع الطين ما دام رطباً، واغرس العود ما كان لدناً قيل لأعرابي: ما اللذة؟ قال: قبلة على غفلة. قيل لملك: فيم لذتك؟ قال: في ظفر، بعد دور، وليالي سمر. وقيل لطفيلي: فيم لذتك؟ قال: في مائدة منصوبة، ونفقة غير محسوبة، عند رجل لا يضيق صدره من البلع، ولا تجيش نفسه من الجرع. وقيل لتاجر: فيم لذتك؟ قال: في ربح على السوم، ونقد في اليوم. وقيل لعالم: فيم لذتك؟ قال: في حجة تنبختر اتضاحاً، وشبهة تتضاءل افتضاحاً.

стр. 340

وقيل لراع: فيم لذتك؟ قال: في واد عشيب، ولبن حليب. وقيل لأبي مزاحم الصوفي: فيم لذتك؟ قال: في سياحة البلاد، وطي البواد، وحضور النواد، ومفاكهة الأنداد، ومنافرة الأضداد. وقيل لعابد: فيم لذتك؟ قال: في عمل يخلص، ورياء ينقص، وقلب عن الدنيا يسلو، وهمة إلى الله تعلو. وقيل لكاتب: فيم لذتك؟ قال: في معنى أنهيته، وكلام أنشيته. وقيل لغاز: فيم سرورك؟ قال: في سرية مقبلة، وغنيمة مستقبلة. وقيل لفقير: فيم لذتك؟ قال: في إزاحة العلل، وقضاء الوطر عللاً بعد نهل. ساوم أشعب بقوس بندق، فقيل له: هي بدينار، فقال: والله لو كنت إذا رميت عنها الطائر سقط مشوياً بين رغيفين ما اشتريتها بدينار. قال رجل لصاحب منزله: أصلح خشب هذا السقف فإنه

стр. 341

يقرقع، قال: لا تخف إنما هو يسبح، فقال: أخاف أن تدركه رقة فيسجد. صعد مخنث جبل لكام ليتعبد، فلما صعد فيه أعيا فقال: واشماتتي بك يوم أراك كالعهن المنفوش. العرب تقول: كان كراعاً فصار ذراعاً، إذا ارتفع. قال الأصمعي: رؤي أعرابي في حزيران على شاطىء نهر يغوص غوصة ثم يخرج فيعقد عقدة في حبل، فقيل له: ما هذا؟ قال: جنابات الشتاء أقضيها في الصيف. قال صعصعة: أكلت عند معاوية لقمة فقام بها خطيباً، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت آكل معه فهيأ لقمة ليأكلها وأغفلها، فأخذتها، فسمعته بعد ذلك يقول في خطبته: أيها الناس أجملوا في الطلب، فرب رافع لقمة إلى فيه تناولها غيره.

стр. 342

العرب تقول: زج نضوك يبلغ بك. دخلت جارية على راشد لتسأله عن مولاتها، فرأت حماراً أدلى، فشغلت بالنظر إليه فقالت: تقول لكم مولاني: كيف أير حماركم؟ فقال لها راشد: قائم والحمد لله. قال طفيلي لرجل على المائدة: ما ألأمك! فقال الرجل - وكان صاحب المائدة -: سب النفس أهون من وقع الضرس. قالت جارية عمرو بن العاص للأحنف: ما بال أستاه الرجال ينبت عليها الشعر وأستاه النساء لا ينبت عليها؟ فقال: أستاه ارجال حمى، وأستاه النساء مرعى. العرب تقول في أمثالها: ويله كيلاً بلا ثمن لو أن له وعاء. قال الجماز: أردت أن أتزوج جارية بصرية فقالت لرسولي: أريد أن أسمع كلامه، فقعدت قريباً منها فقالت لي: اذكر ما عندك، قلت: عندي دنانير ودراهم وثياب، قالت: ما سألتك عن هذا، إنما سألتك عن

стр. 343

الفراش، قلت: واحدة في أول الليل، وأخرى في السحر، قالت: قم رحمك الله، فإنك إلى قبر أحوج منك إلى امرأة. جازت امرأة بشيخ مؤذن وهو يمرس أيره بيده، فقال له: يا شيخ خله من يدك وعلي ضمانه. العرب تقول: من احمر قرقر. قال أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل: كانت لنا جارية مغنية فاحتضرت فقلت لها: قولي لا إله إلا الله، فقالت: الكامل حضر الرحيل وشدت الأحداج ... وحدا بهن مشمر مزعاج يقال: الأيكة من الأراك، والعيص من السدر، والغيطلة

стр. 344

من الشجر، والعضهة من الطرفاء، والأجمة من القصب، والوشيجة من القنا، والغيصة من العشب، والوهط من العوسج. يقال: فلان شديد العارضة وفلان شديد الأبهر إذا كان شديد الظهر، وشديد الأخدع إذا كان شديد العنق، وشديد النسا إذا كان شديد الساق. لما توفي النبي ﷺ ارتفعت الواعية بمكة، فقال أبو قحافة: ما هذا؟ قالوا: توفي رسول الله ﷺ ، قال: خطب جلل، فمن الخليفة بعده؟ قالوا: ابنك، قال: أرضيت بذلك بنو أمية وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم، قال: سبحان الله! يعارضون النبوة ويسلمون الخلافة، إن هذا لأمر يراد. قال رسول الله ﷺ : إن الرجل ليكون من أهل الصلاة والزكاة والحج والعمرة، وما يجزى يوم القيامة إلا بمقدار عقله، وفي رواية الطبراني لنا: إلا بمقدار عقله.

стр. 345

وقال أبو الدرداء: قال النبي ﷺ : قال الله تعالى: إني والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري. قال الشعبي: الكبائر: الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتل النفيس. قال أحمد بن حابط: ابتدأ الله الخلق جملة في دار غير هذه الدار، وأسبغ عليهم نعمه، ولم يكلفهم فيها شكره، ثم نقلهم إلى دار أخرى فوجاً بعد فوج، يأمرهم فيها ويختبرهم، فمن أطاعه فيها ولم يعصه رده إلى تلك الدار، ومن عصاه ولم يطعه رده إلى دار العقاب وهي جهنم، ومن عصاه في بعض وأطاعه في بعض أخرجه إلى هذه الدار.

стр. 346

قال الإسكافي وأبو عيسى الوراق: يجوز أن يكون الإنسان قاعدا قائماً، ومتحركاً ساكناً؛ هكذا حكى الكعبي وهو ثقة، وهذا من شنيع القول وفاحش الأعتقاد. وما أدري ما أقول في هذه الطائفة التي تبعت آراء مشوبة، وأهواء فاسدة، وخواطر لم تختمر، وفروعاً لم يؤسس لها أصول، وأصولاً لم تشرع على محصول، لا جرم اتسع الخرق على الراقع، واشتبه الأمر على المستبصر، وخاست بضائع العلماء، وعاد الأمر إلى الهزل المقوى بجد، والباطل المزين بحق، وذهب التقى، وسقط الورع، وهجر التورع والتخرج، وصار الجواب في كل مسألة دقت أو جلت، أو اتضحت أو أشكلت، لا أو نعم، كأنهم لا يعلمون أنهم لا يعلمون كل شيء، ولا يحيطون بكل شيء، وأن الدين مشروع

стр. 347

على التسليم والتعظيم والعمل الصالح، واعتقاد ما عري من الرأي المنقوص والعقل المنقوص، وأن رسول الله ﷺ لم يجب في كل شيء، ولا أثار ما لم يكن مأموراً بإثارته، وأنه أمر بالكف والسكوت إلا فيما عم نفعه، وشملت عائدته، وأمنت عاقبته، بذلك بعث، وعليه حث وحث. إلى الله أشكو عصرنا وعلماءنا، وطالبي العلم منا، فإنه قد دب فيهم داء الحمية، واستولى عليهم فساد العصبية، حتى صار الغي متبوعاً، والرشد مقموعاً، والهوى معبوداً، والحق منبوذاً، كل يزخرف بالحيلة ولا ينصف، ويموه عليه بالخداع ولا يعرف. ولقد رأيت شيخاً من أبناء ستين سنة وهو يقول: ما ناظرت قط في إثبات الرؤية من ينفيها إلا انقطعت، ولا أتيت بحجة إلا زوحمت، ولا عولت على أصل إلا نوزعت، وما أمدي في ذلك إلا هواي في أني أحب إثبات الرؤية، وأستوحش من نفيها، فأنا أتبع ما يقوى في نفسي، لأن الله قاذف تلك المحبة في نفسي، ومتوليها دوني، ولو كان العمل على بيان الخصم واحتجاج النظير وشواهد المناظر، لقد كنت تحولت في ألف مقالة، فإني لا أسمع خطبة مقالة، ولا ألحظ ظاهر نحلة، إلا وأرى له من البهاء والحلاوة والحسن والشارة ما لا أجد لغيره، فإن ذهبت إلى تكافؤ الأدلة قهرت العقل، وفارقت

стр. 348

المحجة، وإن ملت إلى تخليص الحجة من عوارض الشبهة رمت كؤوداً، ورهقت صعوداً، لكني مع ما ألقي في روعي لأني واثق به، وذلك أني لم أجلبه ولم أكسبه، وإنما هو شيء سبق إلي سوقاً، وشوقت إليه شوقاً، ولأن أكون مع هذه الدواعي أحب إلي من أن أطيل المنازعة وأكثر البحث، فإن آفة المنازعة ثوران الطباع وهيج النفس وعصبية الهوى، وآفة البحث التردد بين الاستيحاش والتحير على غير يقين يمسك الفؤاد، ولا عمل يزود إلى المعاد. هذا كلام هذا الرجل، ولعل فتنته فيما ذهب إليه، وعقد إصبعه عليه، أخف من فتنة غيره، وإذا كان بعض ما يعتري خائض هذا العمر، وراكب هذا البر، فما نقول بأمور أدق من هذا وأخفى؟! ولهذا قال بندار بن الحسين، وكان شيخ فارس علماً وفضلاً ونبلاً: ما نظرت في الكلام قط إلا رأيت في قلبي منه قسوة، وعلى لساني منه سطوة، وفي أخلاقي مع خصومي جفوة. وكان أبو زيد المروزي يقول - وشاهدته بمكة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة -: كنت أقرأ علم الكلام على الأشعري أيام حداثتي بالبصرة،

стр. 349

فرأيت في المنام كأني قد فقدت عيني جميعاً، فأستعبرت حاذقاً بعلم الرؤيا فقال لي: لعل هذا الرائي قد سلخ دينه، وفارق حقاً كان عليه، فإن أوضح دلائل البصر على الدين والعقيدة. قال: فأستوحشت من هذه العبارة، وأنقبضت عن المجلس، فسأل عني وجد في تعرف خبري وألح على نظرائي، فلم أرتح ولم أهتز، فبينا أنا على انقباضي إذ جمعني وإياه طريق، فبدأني بالسلام، وأطال طرف الحديث، وشهد تعسري في الإجابة، وأستيحاشي من الطريقة، فقال لي عند آخر كلامه: إن كنت تنفر من مقالتنا التي شاهدناها ونصرناها، فاحضر واقرأ أي مقالة أحببت فإني أدرسها لك. قال أبو زيد: فأزددت في نفسي نفوراً، وكان سبب إلحافه وتشدده أني كنت حديث السن، وكان للعين في مجال، ثم ثبتني الله تعالى على هجران هذا الفن، وأقبل بي على الحق والفقه، وبلغني هذه الحال التي أسأل الله تمامها وخير عاقبتها. هذا نص ما حفظته عنه، وإن كنت قدمت بعض اللفظ وأخرت، فإني لم أحرف المعنى، ولم أزد فيه من عندي شيئاً، ولقد سمع هذا ابن المرزبان الشافعي سنة تسع وخمسين مع أصحابه بعد أن عاد أبو زيد من الحجاز والشام إلى مدينة السلام قاصداً إلى خراسان. قامت امرأة تصلي بلا سراويل، فرآها ماجن، فانتظر بها حتى

стр. 350

سجدت ثم وثب عليها وألقى ذيلها وحشا يطنها وهي لا تتحرك، فلما صب وقام أقبلت عليه وقالت: يا جاهل، قدرت أني أقطع صلاتي بسببك؟! قال رجل لجارية أراد أن يشتريها: لا يريبنك هذا الشيب فإني قوي على النيك، فقالت: يا هذا، حدثني: أيسرك أن تبتلى بعجوز مغتلمة؟! قال المقتدر لجارية عرضت عليه: أتشتهين أن أشتريك؟ قالت: إن اشتهيت أن تنيك! فاستظرفها واشتراها. قال فيلسوف: لا تغتر بحسن الكلام إذا كان الغرض الذي يقصد به ضاراً، فإن الذين يسمون الناس إنما يقدمونه في ألذ طعام، ولا تستجفين الكلام الغليظ إذا كان الغرض سليماً نافعاً، فإن أكثر الأدوية الجالبة للصحة يشعة. قال فيلسوف في رجل: عنف الناصح به أرضى عنده من ملق الكاشح. وأنشد لمنصور التميمي المصري: الرمل المجزوء

стр. 351

ليس إلا مستنيل ... أو منيل مستطيل أو مباه لمباه ... أو مجاز أو بخيل قال أعرابي: أحسن الغناء ما أفهم السامع وأطرب الخاشع. وقال أعرابي: إياك أن تكون صاحي اللسان سكران العقل. لمنصور الفقيه: الرجز ومغفل ذكر الأجل ... سما به طول الأمل فما ارتقى حتى نزل ... مستكرهاً؛ ولم يقل قط لشيء قد كمل ... وقد تناهى واعتدل إلا تبينت الميل ... والنقص فيه والخلل بعقب ما قيل؛ وهل ... ينجي من الله الحيل والله ما شاء فعل ... سبحانه أصبح للناس مثل ... وعبرة لمن عقل من نال من عز الدول ... ما لم ينل قط رجل كان إذا قيل رحل ... نحو بلاد وفصل تطأطأت كل الملل ... ولم تزل على وجل حتى يقال قد قفل ... أمسى منيفاً كالجبل ثم تلاشى واضمحل ... كأنه نجم أفل

стр. 352

قال فيلسوف - وهو زينون - لفتى رآه يتلهف على الدنيا: أحسب أنها بأسرها لك وأنت في لجة البحر قد أشرفت على الغرق، أكانت غايتك إلا النجاة بنفسك؟ قال: نعم، قال: فكذلك لو كنت ملكاً فنازعك في ملكك من يريد قتلك هل كنت تريد غير النجاة شيئاً؟ قال: نعم، قال له: فأنت الملك وأنت الغني، إلا أنك قد نجوت بنفسك وربحت لذة ما فاتك، ويبقى طلب ما إذا نلته كان سبيله هذا السبيل. وقال زيتون: لا تخف موت البدن، ولكن خف موت النفس، فقيل له: لم قلت: خافوا موت النفس والنفس الناطقة عندك لا تموت؟ فقال: إذا انتقلت النفس الناطقة من حد النطق إلى الحد البهيمي، وإن كان جوهرها لا يبطل فإنها قد ماتت من العيش العقلي. قال فيلسوف آخر: يا هذا لا بقليل تقنع، ولا بكثير تشبع. قال كشاجم في كتاب النديم: واللحن عندهم يتخون

стр. 353

الجمال، كما أن الفصاحة تعفي على القبح؛ وقال، قال النبي ﷺ للعباس عمه وسمع منه كلاماً فصيحاً: بارك الله لك يا عم في جمالك، أي في فصاحتك. قال: وكذلك الحديث الحسن تقبله النفس أولاً وتكرهه معادا؛ قال: وأقول أيضاً: كما أن الألحان أشرف المنطق كذلك نفس الطروب والمستخف لها أشرف النفوس. وقال أيضاً: كتبت إلى صديق لي: الكامل المجزوء إن كنت تنكر أن في ال ... ألحان فائدة ونفعا فأنظر إلى الإبل التي ... هي ويك أغلظ منك طبعا تصغي لأصوات الحدا ... ة فتقطع الفلوات قطعا ومن العجائب أنهم ... يظمونها خمساً وربعا فإذا توردت الحيا ... ض وحاولت في الماء كرعا وتشوفت للصوت من ... حاد تصيخ إليه سمعا ذهلت عن الماء الذي ... تلتذه برداً ونقعا

стр. 354

شوقاً إلى النغم التي ... أطربنها لحناً وسمعا قال فيلسوف: إذا لم تكن كما تريد فلا تبال كيف كنت. وقال أعرابي: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. يقال في العربية: أرادني بكل ريدة: والفرق بين المريد والرائد أن المريد قد تتوجه إرادته نحو ما لا يصح له ولا يدنو منه، والرائد هو الذي قد نال مراده وتمكن، ومنه راد الفرس، ومرود الفرس، وهذا مراد المال لأنه يريده أي سرح فيه؛ يقال: سرحته وسرح هو فأنسرح، وهو المنسرح في العروض، وفي قول الله " وحين تسرحون " النحل: ٦ أي ترعون ما لكم؛ قيل لمملوك في العرب يرعى إبلاً: أنت راعيها، قال: الله راعيها وأنا مرعيها؛ هكذا حكاه الأصمعي. والإرادة في الإنسان مركبة من شهوة وحاجة وأمل، والإنسان وعاء القوى، وظرف المعاني، وطينة الصور، ومعدن الآثار، وهدف

стр. 355

الأغراض، وكل شيء له فيه نصيب، ومن كل شيء عنده حيلة، وله إلى كل شيء مسلك، وبينه وبين كل شيء نسبة ومشاكلة، وهو جملة أشياء لا تنفصل، وتفصيل حقائق لا تتصل، وهو أب العالم المتوسط بين العالمين، وله نزاع إلى الطرفين: إلى ما ينحط عنه بالشوق إلى الكمال، وإلى ما يعلو عليه بالتنزه عن النقصان؛ وهو مرتهن بالأسباب العالية والدانية، وتابع للغالب، ومنجذب مع الجاذب، وفاعل فيما علا عليه وقبل أثره، وقابل مما أنحط عنه وسرى إليه أثره. وهذا فن لا يتسع القول فيه لضيق حدوده وإشكال حقائقه، وإنما نثرت ها هنا ما علق بقلبي من خلصان هذا العلم، وأفاضل هذا الشأن، وما نصيبي منه إلا كنصيب من حكى لغة لا دربة له بها، ولا عادة له في استعمالها، ولا أنس له بفهم اصطلاح أهلها، ولولا أني قد شرطت أن أصرف القول تصريفاً، حاكياً وقائلاً، لما أعرت هذا النمط من نفسي فراغاً، ولا قصدت فيه بلاغاً، فإن فيما جل عن هذا غنى عما دق من هذا. هذا كتاب الله ، وهو المقنع والمفزع، وفيه الشفاء والبيان، والهدى والنور، وإليه مرد كل مشكل، وعليه معرج كل حيران: مجمله كاف للقلوب السليمة، ومفصله شاف للصدور السقيمة، وظاهره داعيك بما أوضح لك إلى تسليم ما بطن عنك، وباطنه مناجيك بما أشار إليه لتقف مع ما ظهر
следующие страницы →