← Адаб

Адаб · id 26423

البصائر والذخائر

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (2 098 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ليس إلا مستنيل ... أو منيل مستطيل أو مباه لمباه ... أو مجاز أو بخيل قال أعرابي: أحسن الغناء ما أفهم السامع وأطرب الخاشع. وقال أعرابي: إياك أن تكون صاحي اللسان سكران العقل. لمنصور الفقيه: الرجز ومغفل ذكر الأجل ... سما به طول الأمل فما ارتقى حتى نزل ... مستكرهاً؛ ولم يقل قط لشيء قد كمل ... وقد تناهى واعتدل إلا تبينت الميل ... والنقص فيه والخلل بعقب ما قيل؛ وهل ... ينجي من الله الحيل والله ما شاء فعل ... سبحانه أصبح للناس مثل ... وعبرة لمن عقل من نال من عز الدول ... ما لم ينل قط رجل كان إذا قيل رحل ... نحو بلاد وفصل تطأطأت كل الملل ... ولم تزل على وجل حتى يقال قد قفل ... أمسى منيفاً كالجبل ثم تلاشى واضمحل ... كأنه نجم أفل

стр. 352

قال فيلسوف - وهو زينون - لفتى رآه يتلهف على الدنيا: أحسب أنها بأسرها لك وأنت في لجة البحر قد أشرفت على الغرق، أكانت غايتك إلا النجاة بنفسك؟ قال: نعم، قال: فكذلك لو كنت ملكاً فنازعك في ملكك من يريد قتلك هل كنت تريد غير النجاة شيئاً؟ قال: نعم، قال له: فأنت الملك وأنت الغني، إلا أنك قد نجوت بنفسك وربحت لذة ما فاتك، ويبقى طلب ما إذا نلته كان سبيله هذا السبيل. وقال زيتون: لا تخف موت البدن، ولكن خف موت النفس، فقيل له: لم قلت: خافوا موت النفس والنفس الناطقة عندك لا تموت؟ فقال: إذا انتقلت النفس الناطقة من حد النطق إلى الحد البهيمي، وإن كان جوهرها لا يبطل فإنها قد ماتت من العيش العقلي. قال فيلسوف آخر: يا هذا لا بقليل تقنع، ولا بكثير تشبع. قال كشاجم في كتاب النديم: واللحن عندهم يتخون

стр. 353

الجمال، كما أن الفصاحة تعفي على القبح؛ وقال، قال النبي ﷺ للعباس عمه وسمع منه كلاماً فصيحاً: بارك الله لك يا عم في جمالك، أي في فصاحتك. قال: وكذلك الحديث الحسن تقبله النفس أولاً وتكرهه معادا؛ قال: وأقول أيضاً: كما أن الألحان أشرف المنطق كذلك نفس الطروب والمستخف لها أشرف النفوس. وقال أيضاً: كتبت إلى صديق لي: الكامل المجزوء إن كنت تنكر أن في ال ... ألحان فائدة ونفعا فأنظر إلى الإبل التي ... هي ويك أغلظ منك طبعا تصغي لأصوات الحدا ... ة فتقطع الفلوات قطعا ومن العجائب أنهم ... يظمونها خمساً وربعا فإذا توردت الحيا ... ض وحاولت في الماء كرعا وتشوفت للصوت من ... حاد تصيخ إليه سمعا ذهلت عن الماء الذي ... تلتذه برداً ونقعا

стр. 354

شوقاً إلى النغم التي ... أطربنها لحناً وسمعا قال فيلسوف: إذا لم تكن كما تريد فلا تبال كيف كنت. وقال أعرابي: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. يقال في العربية: أرادني بكل ريدة: والفرق بين المريد والرائد أن المريد قد تتوجه إرادته نحو ما لا يصح له ولا يدنو منه، والرائد هو الذي قد نال مراده وتمكن، ومنه راد الفرس، ومرود الفرس، وهذا مراد المال لأنه يريده أي سرح فيه؛ يقال: سرحته وسرح هو فأنسرح، وهو المنسرح في العروض، وفي قول الله " وحين تسرحون " النحل: ٦ أي ترعون ما لكم؛ قيل لمملوك في العرب يرعى إبلاً: أنت راعيها، قال: الله راعيها وأنا مرعيها؛ هكذا حكاه الأصمعي. والإرادة في الإنسان مركبة من شهوة وحاجة وأمل، والإنسان وعاء القوى، وظرف المعاني، وطينة الصور، ومعدن الآثار، وهدف

стр. 355

الأغراض، وكل شيء له فيه نصيب، ومن كل شيء عنده حيلة، وله إلى كل شيء مسلك، وبينه وبين كل شيء نسبة ومشاكلة، وهو جملة أشياء لا تنفصل، وتفصيل حقائق لا تتصل، وهو أب العالم المتوسط بين العالمين، وله نزاع إلى الطرفين: إلى ما ينحط عنه بالشوق إلى الكمال، وإلى ما يعلو عليه بالتنزه عن النقصان؛ وهو مرتهن بالأسباب العالية والدانية، وتابع للغالب، ومنجذب مع الجاذب، وفاعل فيما علا عليه وقبل أثره، وقابل مما أنحط عنه وسرى إليه أثره. وهذا فن لا يتسع القول فيه لضيق حدوده وإشكال حقائقه، وإنما نثرت ها هنا ما علق بقلبي من خلصان هذا العلم، وأفاضل هذا الشأن، وما نصيبي منه إلا كنصيب من حكى لغة لا دربة له بها، ولا عادة له في استعمالها، ولا أنس له بفهم اصطلاح أهلها، ولولا أني قد شرطت أن أصرف القول تصريفاً، حاكياً وقائلاً، لما أعرت هذا النمط من نفسي فراغاً، ولا قصدت فيه بلاغاً، فإن فيما جل عن هذا غنى عما دق من هذا. هذا كتاب الله ، وهو المقنع والمفزع، وفيه الشفاء والبيان، والهدى والنور، وإليه مرد كل مشكل، وعليه معرج كل حيران: مجمله كاف للقلوب السليمة، ومفصله شاف للصدور السقيمة، وظاهره داعيك بما أوضح لك إلى تسليم ما بطن عنك، وباطنه مناجيك بما أشار إليه لتقف مع ما ظهر

стр. 356

لك؛ هذا إن عرفت فرق ما بين الإلهية والعبودية، فأما وأنت مترجح بين الشبهة والبهتان، وبين الحجة والرهان، لا تميز جدب هذا من خصب هذا، ولا تفرق بين حقيقة هذا من تمويه هذا، فما أخوفني على ركنك أن ينثلم، وعلى وجهك أن يتوقح، وعلى نفسك أن تمرض، وعلى عاقبتك أن تكون خسراً. اللهم فلا تكلنا إلى عجز يقطعنا عنك، ولا تقطعنا عن قوة تصلنا بك، ولا تحجبنا بإملائك لنا عن عادة إحسانك إلينا، فإن الطريق إليك وعر إلا إذا نهجته، والقلب عنك ساه إلا إذا هيجته، والتوكل عليك صعب إلا إذا سهلته، والقول فيك مشوب إلا إذا خلصته، فبك قوام كل شيء ونظامه، وإليك مصيره وانسياقه، ومنك فزعه وفرقه، ولك ذله وخشوعه، وعلى قدرتك دلالته، وإلى وحدانيتك إشارته، وعن إلهيتك نطقه وعبارته، وفي غيب ملكوتك تيهه وحيرته، ولبعده عنك غرارته وخسارته، ولقربه منك علامته وأمارته، ذلك لأنك أول كل شيء وآخره، وباطنه وظاهره، ومالكه وقاهره، فلك الحمد يا مظهر الكون، ويا قديم العين، ويا علياً عنا بلا كيف وأين.

стр. 357

العرب تقول: اعتلج الرجلان، إذا اصطرعا، ومن كلامهم: سوء الأستمساك خير من حسن الصرعة، والصراع: المصارعة، مثل الدفاع المدافعة والخصام المخاصمة، فأما الصراع - بضم الصاد - فداء من خاه ثائر يهيج بالإنسان فيصرعه. والمماغثة: الممارسة. والشفا: حرف، مقصور، والحرف: جانب وطرف، ويقال: المريض على شفا أي قريب من الهلك والهلاك، والأشفية: الأدوية، وأشفى فلان أي قرب من المحذور، وبعض القبائل يقول: أشاف، فأما شاف فمعناه جلا أي نقى. وفلان ذو أسرة كريمة أي أهل بيت، كأن أسرة الرجل ما هو مأسور به، أي مشدود به، لأن الرحم والقرابة يضمان على الإنسان ويشدانه، والأسر: الشد، ومن أجله قيل للأسير أسير لأنه مأسور، أي مشدود بالإسار، أي بالقد، واستأسر فلان: أي انقاد حتى شد، واستأسر فلان فلاناً أي أخذه أسيراً، وقول الله " وشددنا أسرهم " الدهر: ٢٨ أي أحكمنا خلقهم؛ هذا كله محفوظ.

стр. 358

والطعنة النجلاء هي الواسعة. ومرد فلان الغصن إذا خرطه ورمى بما عليه من الورق، وكأن الأمرد من ذلك إذ الشعر في عارضيه نظير الورق على الغصن. ورجل هاع لاع: أي جبان خوار. ويقال: وقع في أسنانه القادح، أي الفساد. والمتمطر: السريع، وهو أيضاً المتعرض للمطر أي الطالب له حتى يصيبه. ويقال: صدر فلان أي اشتكى صدره، ولا يرفع صدره لأن الرجل اشتكاه، فأما الصدر فما اشتكي؛ هكذا قال الناشىء؛ والمصدور: الذي قد أصيب صدره، لأنك تقول بطنته فهو مبطون أي ضربت بطنه، كذلك تقول: صدرته فهو مصدور، والمصدور أيضاً الذي بصدره علة، وفي المثل: لا بد للمصدور أن ينفث، شبه المهموم الذي قد حرج بما كتمه وضاق ذرعاً بما طواه بمن أصاب صدره ما أنفثه، يقال: نفث ينفث إذا ألقى ما أجتمع في صدره، فكأن المهموم يطلب الراحة بإذاعة ما تجنه أضالعه، كما يجد المصدور الراحة بإلقاء ما قد اكتن في صدره.

стр. 359

ويقال: في صدره همهمة أي حشرجة، وهي النخس العارض، ومنه البيت لحاتم وتمثلت به عائشة ﵂ حين احتضر أبوها وشاهدت العلز وأيقنت بالفراق: الطويل أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فقال أبو بكر: لا تقولي هذا، ولكن قولي " وجاءت سكرة الموت بالحق " ق: ١٩ ويقال: سكرة الحق بالموت، هكذا قرأته، والصوفية تزعم أن هذه القراءة فيها إشارة لطيفة بتقديم الحق على الموت، وكان أبو حامد المروروذي يقول: لعله قرأه هكذا لما غمره من معالجة الموت، فإن اللسان قد يذهب في مثل تلك الحالة عن مذهب الصواب، وكيف يجوز أن يكون النبي ﷺ قد قرأ بخلاف ذلك ولقنته الصحابة عنه، وسيرته في جزيرة العرب، وقد سمعه أبو بكر أيضاً في جملة الناس، ثم ينفرد عنهم بقراءة تخالف قراءة من نزل القرآن عليه، وأرسل جبريل إليه، إن هذا لعجيب! قال: وما أقول هذا كله بسبب هذا الحرف، ولكن يذكرني هذا أيضاً ما أنفرد به ابن مسعود وغيره، وإن كان بعض هذا ليوحش النفس ويوغر الصدر ويثير سوء الظن. وكنا إذا طال

стр. 360

سماعنا منه هذا وأشباهه نقول: أيها القاضي، فكيف الوجه؟ فيقول: لعل الرواية في هذا الباب فاسدة، والإسناد إلى هؤلاء الفاضلين ضعيف، والأمر منظوم الأول والآخر، صحيح الباطن والظاهر، ولولا تكلف من تكلف، واعتراض من اعترض، لكان الأختلاف ساقطاً بواحدة، والوحشة منتفية دفعة، ولكن كثر الدخلاء في الدين، فاضطرب بهم حبل اليقين، وحجب الناس عن الصواب بالخطإ، واشتد المراء بين الجهال. قال بختيشوع: الصفراء كالصبي، ترضيه التمرة، وتسخطه اللطمة، والسوداء كالحية في الجحر إذا هاجت نكت، والبلغم كالأسد لا ينشب مخالبه في شيء إلا هتك، والدم كالشرطي يغدو مع كل أحد من أسباب السلطان، وكذلك هو في ميله مع كل مائل. وحدث أبو هفان وابن ماسويه حاضر أن جعفر بن محمد قال:

стр. 361

الطبائع أربع: الدم وهو عبد، وربما قتل العبد سيده، والبلغم وهو عدو، إن سددت له باباً أتاك من آخر، والريح وهو ملك يدارى، والمرة وهي الأرض، إذا رجفت ترجف بمن عليها، فقال: أعد علي هذا، فو الله ما يحسن جالينوس أن يرصف هذا الترصيف. قال أعرابي: كا امرىء يعمل في حظه. ويقال في المثل: كل امرىء في شأنه ساع. ويقال: أعشبت فأنزل وأوسعت فآبن: وجدت عشباً وسعة. قال علي رضوان الله عليه: الصوت للحلق، والحروف للسان، والقلب للعقل، والكبد للحزن، والرأي للكليتين. قال أعرابي لرجل أطعمه: أطعمك الله الذي أطعمتني له، فقد أحييتني بقتل جوعي، ورفعت عني سوء الظن بيومي، فحفظك الله على كل جنب، وفرج عنك كل كرب، وغفر لك كل ذنب. شاعر: البسيط

стр. 362

ما بات مذ عقدت كفاه مئزره ... قبيصة بن هلال وهو موتور لا تقرب اللفظة العوراء مجلسه ... ولا يذوق طعاماً وهو مستور قال ثعلب، قال أبو عمرو الشيباني: يقال للعين العذبة عيلم، وللعين المالحة يقال كذلك. قال يونس: الجنة واحدها جني وجمع الجمع جن. قال الزيادي، سمعت الأصمعي يقول: بيض الدجاج وبيظ النمل. العرب تقول: المرء بكده، والفرس بشده، والسيف بحده؛ لو فطن لقيل في كل هذه بجده.

стр. 363

أنشد الناجم الشاعر: الرجز رب نديم كلذيذ الغمض ... أعذب من ماء الحياة المحض عاطيته ما بين نور غض ... صافية كالكوكب المنقض قال ثعلب، قال ابن الأعرابي: العرب تقول: ساعات آخر النهار في الصيف أطول من ساعات غدواتها، وساعات غدوات الشتاء أطول من ساعات عشياتها، فلذلك قال الشاعر: الطويل ألا ليت حظي من زيارة مية ... عشيات قيظ لا عشيات أشتيه هكذا قال ثعلب، وأشتية في جمع الشتاء غريب، وإن كان كثير النظير، وباب الجمع لا أساس له ولا قياس عليه. أنشد الناجم لأعرابي: الطويل سقاك وإن سقيتني جرع الأسى ... من الغيث أنفاس غيوث هواطل سحائب في جو السماء إذا انتحت ... فهن لبطن الأرض منها مناهل بكين فأضحكن الثرى عن زخارف ... من الروض عنهن الثرى متخايل كأن عيوناً وكلت ببروقها ... إذا ابتسمت تنهل منها هوامل

стр. 364

تلقحها الأنواء ليلاً بريقها ... فتصبح أبكاراً وهن حوامل قال أبو عثمان النهدي: أتت علي مائة وثلاثون سنة وما شيء أنكرته إلا أملي، فإنه يزيد. قال السكري عن الزيادي والتوزي قالا: أخبرنا الأصمعي قال، قال أبو عمرو: تقول العرب: المبلسم، ولا تقول المبرسم إلا لما يلف عليه الإبريسم. وقال السكري عن الرياشي عن الأصمعي قال: قال أبو عمرو: إذا غطي الشيء ليدرك نحو البسر والبطيخ والموز قيل: مغمول، ولا يقال: مغموم. وقال أبو عمرو: إذا ضرب البعير الناقة قيل: قاع، فإذا قرع قيل: قعا. قال أبو عمرو أيضاً: تقول العرب: امرأة مهيرة أي حرة.

стр. 365

والعرب تقول: الاتفاق بعد الأختيار، والفراق بعد الأختيار. أنشد لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر: الطويل سقتني في ليل سبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب فأمسيت في ليلين بالشعر والدجى ... وصبحين من كأس ووجه حبيب ليم أعرابي على لؤم المكتسب فقال: الأدب ما لم يكن له حلب بمنزلة الحارد من النوق التي لا ينتفع منها بمخض حقين، ولا قارص دفين. وقال أعرابي: الأدب ما لم يجتلب قوتاً كالأرض الجدبة التي لا يمته عطشاها، ولا يخصب غرثاها. لما مات مسلمة بن عبد الملك أوصى بثلث ماله إلى أهل الأدب

стр. 366

وقال: هي صناعة مجفو أهلها. قال المنصور لرجل: ما مالك؟ قال: ما يكف وجهي، ويعجز عن بر الصديق، قال: لقد لطفت في المسألة. قالت عزة: كنت أحسن من الصلاء في الشتاء. كان عمارة بن حمزة يمضي على خطئه أنفاً من الرجوع ويقول: نقض وإبرام في ساعة واحدة؟ الخطأ أهون من هذا. هذا والله الكبر الصادر عن الجهل، كأنه ما سمع قول عمر ﵁ وهو غرة الحكماء: الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل؛ وما في نقض وإبرام في ساعة واحدة لمن لا يعلم الغيب، ولا يعدم العيب، والخطأ منه عادة، والصواب منه هفوة؟ إنه لو عرف نفسه لعلم نقصه. أنشد داود بن علي في خطبته بعد أن قال: نفعل ونصنع ثم أنشد: الكامل

стр. 367

حتى تبيد قبيلة وقبيلة ... ويعض كل مهند بالهام ويقمن ربات الخدور حواسراً ... يمسحن عرض ذوائب الأيتام قال الربيع بن زياد: من أراد النجابة فعليه بالمق الطوال، ومن أراد التلذذ فعليه بالقصار، فإنهن كنائن الجماع. يقال: إذا طال ساعد المرأة وساقها وعنقها أنجبت. يقال: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حلم، ومن عفو إلى ظلم. العرب تقول: من مل اعتل، ومن جنى تجنى. شاعر: البسيط أما ترى الأرض قد أعطتك عذرتها ... مخضرة واكتسى بالنور عاريها فللسماء بكاء في حدائقها ... وللربيع ابتسام في حواشيها يقال: من فضل الناطق على الصامت أن الناطق يهدي ضالاً ويرشد غاوياً ويعلم جاهلاً.

стр. 368

قال هشام بن الحكم: ما شهد النبي ﷺ أحد إلا أقربه من الوجه الذي جحده به، وذلك بقولهم: شاعر، فعلمنا أنه قال ما لم يعرفوه، وقال قوم: إنه ساحر، فعلمنا أنه قد أراهم الأعاجيب، وقالوا: كاهن، فعلمنا أنه قد ساحر، فعلمنا أنه قد أراهم الأعاجيب، وقالوا: كاهن، فعلمنا أنه قد أخبرهم بما يكون في غد. قال بعض السلف: كلوا اللحم فإنه يزيد السمع والبصر، وما تركه امرؤ أربعين صباحاً إلا ساء خلقه. قال عمر ﵁ لابنه: كل يوماً لحماً، ويوماً سمناً، ويوماً لبناً، ويوماً زيتاً، ويوماً قفاراً. القفار: هو البحت كأنه أخذ من القفر، وهو المكان العاري من النبات. قال معاوية: إلصاق كلمة إلى كلمة أشد من وقع عصا على عصا؛ عصا: مقصورة، وإياك أن تقول عصاة. قال الحارث: رأيت علياً يخطب قاعداً كقائم، ومحارباً كمسالم؛

стр. 369

يريد بهذا تمكنه ومضيه، وأنه لا احتفال عنده ولا تصنع، وأنه بخلاف المتصنع. ولعمري إن التصنع لبئس الخلق، والمفتضح به أكثر من المفتضح بالأسترسال لأن الله تعالى يقي المسترسل على قدر ما يكل المحتفل. مضغت أعرابية علكاً، فقيل لها: كيف ترينه؟ قالت: فيه تعب الأضراس وخيبة الحنجرة. منصور الفيه: المجتث الموت أسهل عندي ... بين القنا والأسنه والخيل تجري سراعاً ... مقطعات الأعنه من أن يكون لنذل ... علي فضل ومنه كاتب: وكان مثلي مع هذا الطبل المخرق، والدف الممزق، وصاحب الأكمام الفيوجية، والشوابر المجونية، والطاق والرواق، المتحلي بحلية أهل الغش والعيارة، التي تلحقه بأهل الخسارة، ما قال القائل: الرجز والحزم إن ضيعته ... فآبشر بطول التعب ذم أعرابي آخر فقال: إن الناس يأكلون أماناتهم لقماً، وإن

стр. 370

فلانا يحسوها حسواً، وما ميراثه من آدم إلا أنه يسمى آدمياً، ولو نازعته الخنازير لشبهه بها لقضي به لها. قال سهل بن هارون: تزيوا بزي الكتاب، فإن فيهم أدب الملوك وتواضع السوقة. وقع ذو الرياستين: إني آئتمنتك على ديني، وأشركتك في أمانتي، ووضعتك موضع الثقة، فقولك مقبول، وكتابك المعتمد عليه فيه تدبير أمور ناحيتك، فأعرف عظيم الخطر الذي أصبحت فيه، وأد أمانة الله فيما أنت بسبيله، تسعد في العاجل والآجل إن شاء الله تعالى. ووقع ذو الرياستين أيضاً: نعم الشفيع في بقاء النعمة عليك حسن سيرتك، واعتماد الصيانة والعفاف، فدم على هذه الطريقة تبق لك النعمة إن شاء الله تعالى. ووقع أيضاً: إن أسرع النيران التهاباً أسرعها خموداً، فتأن في أمرك إن شاء الله تعالى. ووقع ذو الرياستين أيضاً: لا تجعلن توليتي إياك نظراً مني لك دون رجائي فيك للكفاية والغناء والنصيحة، فتنزل بك قدم تورثك الندم.

стр. 371

ووقع أيضاً: استدم بالشكر بقاء النعمة، وبالطاعة علو المنزلة، وإياك أن يورطك هواك فيما لا بقيا معه عليك، إن شاء الله تعالى. لمنصور الفقيه: الخفيف المجزوء قل لمصر إذا ترحل ... ت عنها مودعا يا حمى ما خطا به اللي ... ث إلا مروعا قل لنا ما الذي أعا ... دك للذئب مرتعا أهلاك الحماة أم ... عجزهم أم هما معا قال حكيم: من أمسك عن الفضول، عدلت رأيه أهل العقول. وقع ذو الرياستين: أجمل في الطلب تكف كالمقادير ما هو كائن، فما كان لك أتاك على ضعفك، وما كان عليك لم تدفعه بقولك. الحرص - أيدك الله - طباع الخلق، للعجز العارض في أصل البنية، ومما ينبهك على ذلك أنك لو فاتحت الأمة البلهاء، والمرأة الوراء، والشيخ المنجذ، والشاب الغرير، والبدوي القح، الفارسي الأعجم، والهندي الأبكم، والرومي المستغلق، والكيس الذكي، والفطن والغبي، لوجدت في أثناء حديثهم، وأعراض كلمهم، تسليماً إلى غيرهم، وتفويضاً إلى سواهم، وانقطاعاً عن إصابتهم باستطاعتهم، ول ذاناً بمن يجدون المراد بتسهيله عليهم،

стр. 372

وهذا الذي هو أصل في الجوهر، وأول في الكون. فأما ادعاء القوة، وضمان الدرك، والأستبداد بالقدرة، والأستغناء عن تقلب القلب، وتصرف النفس، فما لا يقدم عليه إلا من ساء نظره لنفسه، وقل اعتباره في غيره، وحسن ظنه بما أعير من طاقته وتصرفه، ولو أنعم النظر، أو لو أعين بالتوفيق، لعلم أنه ملك أمراً ثم ملك عليه، وولي شأناً ثم استولي عليه، وأن الذي عرض له، وسيق حوه، لا يخلص بعلمه المحتاج إلى تأييده، ونظره الفقير إلى توفيقه. سئل سقراط: ما الفرق بين من له أدب وبين من لا أدب له؟ قال: كالفرق بين الحيوان الناطق، وبين الحيوان الذي هو غير ناطق. قال أرمانوس الملك - وكان من اليونانيين - إخوانه: إن عاملتموني كما يعامل الملك، عاملتكم كما تعامل الإخوة، وإن عاملتموني كما يعامل الأخ، عاملتكم كما يعامل الملك. رأى فيلسوف رجلاً يعظ سكران ويقول له: أما تستحي أن تكون سكران؟ فقال له الفيلسوف: وأنت فلا تستحي أن تعظ سكران؟ قال موزون السوفسطائي: شيخوخة البدن هي منتهى النفس.

стр. 373

فيلسوف ظلمه إنسان فشد عليه فعضه، فقيل له: فعلت ما تفعله النساء، فقال: لا، بل ما يفعله الأسد. قال رجل لفيلسوف: إنه لعظيم أن ينال الإنسان ما يشتهيه، فقال: أعظم من ذلك أن يشتهي ما لا ينبغي. دعا بطلميوس، وكان ملكاً، حكيماً إلى المصير إليه، فأستعفى الحكيم من المصير إليه وقال: إن الملوك يعرض لهم كما يعرض لمن بصر بصورة، فإنه ما دام يراها من بعد فهو يتعجب، فإذا دنا منها لم ير موضع تعجب. سئل مولون - وكان طباخاً من سقلية وقد فرغ من الألوان: إلى ماذا تحتاج؟ قال: إلى قوم جياع.

стр. 374

فيلسوف أتاه إنسان فقال له: إن ابنك قد قتل في حرب، فقال: ذاك لنسبته مني، وأتاه آخر فقال: إنه لم يقتل ولكن سبي، قال: ذاك لنسبته إلى أمه. قال أفلاطون: ينبغي إذا عوتب الحدث أن يترك له موضع الجحود لئلا يحمله المراء على المكابرة. وقع ذو الرياستين إلى طاهر بن الحسين في أمر أنكره عليه: يا نصف إنسان، والله لئن أمرت لأنفذن، ولئن أنفذت لأبرمن، ولئن أبرمت لأبالغن. فأجابه طاهر: أنا أعزك الله كالأمة السوداء، إن حمل عليها دمدمت، وإن رفه عنها أشرت، فإن عوقبت فباستحقاق، وإن غفر لها فبإحسان. شاعر: مخلع البسيط غصن من البان في وشاح ... ركب في مغرس رداح تهتز ليناً بغير ريح ... والغصن يهتز بالرياح غصن ولكنه فتاة ... بديعة الملح في الملاح

стр. 375

كأنما فرعها عليها ... قناع ليل على صباح ترنو بطرف لها مريض ... بين جفون لها صحاح تزهو بخد لها رقيق ... يكاد يدمى بلا جراح قال شيخ من المشرق في عصر ذي الرياستين لأحداث كانوا يقتبسون الأدب من مجلسه: اعشقوا وإياكم والحرام، فإن العشق يطلق لسان العبي، ويفتح جبلة البليد، ويسخي قلب البخيل، ويبعث على التنظف وتحسين الملبوس وتطييب المطعم، ويدعو إلى الحركة والذكاء وشرف الهمة. شاعر: الكامل مزجت بخمرة ريقها أكواسها ... فسقتك من يدها حياة الأنفس فكأنما قمر سقاك بكفه ... شمساً تحساها النديم المحتسي كتبت جارية للمتوكل على جبهتها: هذا ما عمل في طراز الله فتنة لعباد الله. وكتبت ماجن - وهي جارية -: افتضحنا فأسترحنا. وكتبت جارية البرمكي: لذتي في حل تكتي. وكتبت غنج جارية الخزاعي: لا كنت إن خنت.

стр. 376

قيل لابنة الخس: كيف زنيت وأنت عاقلة لبيبة؟ فقالت: طول السواد، وقرب الوساد؛ قال ابن محارب القمي، وكان فيلسوفا: لو زادت: وحب السفاد لكانت قد تممت عذرها. وقفت أعرابية على قوم فقالت: تيسروا للقاء الله تعالى فإن هذه الأيام تدرجنا إدراجا. خرج أبو عمرو الأعرج مع نوفل بن عمارة المخزومي أخي الأسود بن عمارة إلى مكة، وكان بخيلاً، فقيل لأبي عمرو: كيف وجدت صحبته؟ فقال: امرأتي طالق إن لم يكن ظن بظني أنه ضربت عنقي، وذلك أنه كان يمكث ثلاثا لا يدخل في فيه شيء. كانت أم زنين دلالة بالمدينة، وكانت عندها جارية مولدة فارهة تصنعها ترجو بها الرغائب، فلم تعلم إلا وقد أحبلها زنين ابنها، فشقت ثوبها ونتفت شعرها وصاحت، فقال لها زنين: ويلك! الذي حل بها أعظم من الذي حل بك، لأنها كانت ترجو أن تحبل من خليفة أو ابن خليفة فحبلت من ابن أم زنين القوادة.

стр. 377

سأل أعرابي قوماً، فقال رجل منهم: اللهم إن هذا سائلنا ونحن سؤالك، وأنت بالمغفرة أجود منا بالعطية، ثم أعطاه. وقع بين رجل وامرأته كلام فتهاجرا أياماً، ثم إنه وثب عليها فأخذ برجليها، فلما فرغ قالت له: أخزاك الله، كلما وقع بيني وبينك شيء جئتني بشفيع لا أقدر على رده! قالت عجوز لزوجها: أما تستحيي أن تزني ولك حلال طيب؟! فقال: أما حلال فنعم، وأما طيب فلا. قال أعرابي: من لم يكن له عند السوء صبر، لم يكن له عند الحسنى شكر. قيل لحنيف الحناتم من بني الحارث بن تيم اللات بن ثعلبة: ما

стр. 378

النشر؟ فقال: ندى الشمال في قصب الوسمي، يستأخر المطر بعد الوسمي فييبس البقل حتى تتحسحس جوانبه وتلتوي عروقه ويمصح ماء البقل وتذوي نورته، ثم إن الله يرتاح له بمطر السماك فيصبح وقد أعد وتزهو نوره زرقاً، سوى النورة الأولة، فيزراق وتنتفخ عروقه، ويعرف النشر منه، بل يرى أخضر في عرض يابس، فيكون الأخضر فوق الأبيض، فيطرد الناس عنه أموالهم مخافة السهام. قيل لابنة الخس: ما آية البرد؟ قالت: الريح تحت الغفار. الآية: العلامة، والغفار: السحاب؛ هكذا قيل، وكأن الغفار من الغفر، والغفر: الإلباس والتغطية، ومنه غفر الله له، كأن الذنب يستر، ويقال: اصبغ الثوب فإنه أغفر للوسخ. شاعر: الطويل وريان من ماء الشباب يعيره ... مراح الصبا نفي الحيا المتلبد تزودت منه نظرة فكأنها ... إذا خطرت بالقلب وقع مهند

стр. 379

عوتب الكسائي في ترك التزويج فقال: مكابدة العفة عنهن أيسر من الأحتيال لمصلحتهن؛ وقد سمعت هذا الجواب للعتابي، وهو به أليق. قال الأحنف: نزلت هذه الآية في الثقلاء " فإذا طعمتم فانتشروا " الأحزاب: ٥٣. وكان علي يقول: أنا للعاقل المدبر أرجى مني للأحمق المقبل. يقال إن أفلاطون مات مبرسماً، وأرسطاطاليس مات مجدوراً - ويقال أيضاً مات بالسل - وأبقراط مات مفلوجاً، وجالينوس مات مبطوناً. يقال إن أول من عمل الصابون سليمان بن داود، وأول من عمل القراطيس يوسف، وأول من كتب في القراطيس الحجاج بن يوسف،

стр. 380

وأول من عمل السويق ذو القرنين، وأول من خبز له الرقاق نمرود بن كنعان، وأول من لبس الخفاف الساذجة والكتان زياد. قال أبو عبيدة: قال لي أبو مهدية: أتشرب هذا النبيذ؟ قلت: لا، قال: ولم؟ قلت: إنه يذهب بعقلي، قال: ويحك! إن ذهب اليوم عاد غداً. قيل لأعرابي: ألا تمزجها؟ قال: حسبها ما شربت في كرمها. كتب طاهر إلى أبيه رقعة يستزيده فيها ويلومه في تقديم أخيه عليه - وكان أسن منه - فوقع أبوه في ظهر رقعته: أكلت خراك بعود أراك، ليت أباك أشبه أخاك. لمنصور التميمي الفقيه: الخفيف المجزوء ربما نال وادع ... حظوة الطالب الملط وله أيضاً: البسيط لا والذي جعل الدنيا مغيرة ... الشر مجتنباً والخير متبعا ما ساءني هجر من لم يرع سالفة ... ولم أكن بدنوي منه منتفعا

стр. 381

العرب تقول: وازنتني بفلان فرجحت عليه. وضع فلان على فلان أي مال. وتباين الأمر أي تباعد، وكذلك تشاخس. ومشى فلان إذا لان بطنه. والأصمعان: القلب الذكي والرأي العازم، أي المعزوم به، أو المعزوم عليه، كذا سمع. والأسودان: التمر والماء، والأيهمان: السيل والجمل الهائج، وهما الأعميان أيضاً. ويقال: خرج السهم متصمعاً إذا خرج وقد ابتلت قذذه من الدم. وقذذه: ريشه. المدان: الذي قد باع آخر شيئاً بنسيئة، والمدين: المنسىء، والدائن: صاحب الدين، وقعد منتسئاً أي متباعداً. ويقال: تعارض القوم بئرهم إذا جعل هذا يستقي نوبة وهذا نوبة. ويقال: قابل نعلك أي اجعل لها قبالاً، أي زماماً، وقبائل الرأس: قطعه المشعوب بعضها إلى بعض، وكذلك قبائل كل شيء. ويقال: مقتبل الشباب: إذا كان في أنف شبابه.

стр. 382

ويقال: قاومني فما أنصفني أي ما بلغ نصفي، وناصفني أي قاسمني، وأنصف النهار ونصف أي بلغ نصفه، والمنصف والناصف: الخادم، والنواصف: مواضع غليظة. ورجل مضبر الخلق أي ملزز الخلق. ويقال: جبيت الخراج - وجبوت أيضاً - أجبي، وجبا جباوة وجباية، والأجباء: حروف الآبار، والجابية: الحوض. ويقال: انهلت السماء واستهلت إذا سالت بالمطر، ويقال: أهللنا الهلال أي رأيناه، قال الشاعر: الطويل إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله ... كفى قاتلاً سلخي الشهور وإهلالي وأهل الرجل إذا صاح، واستهل الصبي إذا صرخ عند الولادة، وأهل الهلال واستهل، ونحن في مستهل صفر، هذا هو العربية؛ ويقال: وهل فلان إلى ذلك الأمر يهل وهولاً أي ذهب إليه وهمه إليه، ووهل يوهل وهلاً واستوهل إذا فزع. واشرأب الرجل إذا تطاول لينظر إلى الشيء، واسمأل أي ضمر، وارفأن أي سكن وارفأن أي فزع، والوقر: الحمل الثقيل، والوقر: الصمم، والوقار: السكون.

стр. 383

شاعر: الكامل المجزوء ذهب التواصل والتعاطف ... فالناس كلهم معارف لم يبق منهم بينهم ... إلا التملق والتواصف وعناق بعضهم لبع ... ض في التساير والتواقف لا تعقدن على المود ... دة للجميع ولا تكاشف وابسط لهم وجه الموا ... فق واطو كشح فتى مخالف صارفهم عند المو ... دة إنهم قوم صيارف إني انتقدت خيارهم ... فالقوم ستوق وزائف الستوق: ضرب من الزيف. قال أعرابي يصف رجلاً: هو سكيت في بطش عفريت. قيل لرجل: ما الكرم؟ قال: الاحتيال للمعروف، وقيل له: ما اللؤم؟ قال: الاستقصاء على الملهوف. قيل لمزيد: في بيتك دقيق؟ قال: لا، ولا جليل.

стр. 384

حصر خطيب عند قوله: الحمد لله، فكررها، فقال مخنث كان بجنبه: الذي ابتلانا بك. قيل لجحا: سل ربك النجاة من هول يوم القيامة. قال: ومن يبقة في هذه الدنيا إلى يوم القيامة؟! يقال: إذا أردت أن تمتحن دهن البلسان فخذ طاقة كراث واغمرها فيه وقربها من النار، فإن اشتعلت فهو غير مغشوش. سمعت ابن عبدان الأهوازي يقول: استقبال الكلب إياك عند قصدك حاجة دليل على نجاحك فيها وقضائها. وكتب آخر: لا عذر في غدر. وكتب مفلس: اصبر فالدهر دول. وقيل: كان على خاتم بزرجمهر: من لم يدار عيشه ضنك.

стр. 385

وقال قتيبة: إن الحريص ليتعجل الذلة قبل إدراك البغية. وقال عون بن عبد الله: لا تكن كمن تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن. شاعر: الوافر المجزوء ومطوي على حرق ... يكابد لوعة الأرق كأن فؤاده قلقاً ... لسان الحية الفرق تكاد غروب عبرته ... تعم الأرض بالغرق قال فيلسوف: كيف يرجو العقل النجاة، والهوى والشهوة قد اكتنفاه؟ وأنشد لابن المبارك: البسيط حتى متى لا نرى عدلاً نسر به ... ولا نرى لدعاة الحق اعوانا

стр. 386

مستمسكين بحق قائلين به ... إذا تلون أهل الجوز ألوانا يا للرجال لداء لا دواء له ... وقائد القوم أعمى قاد عميانا قال فيلسوف: قهر البطن أعظم الحلم، فكن له ربا مالكاً، وإلا صار عليك والياً قاسطاً. القاسط: الجائر، والمقسط: العادل؛ هكذا في القرآن الحكيم. كتب كشاجم إلى بعض إخوانه يصف طباخاً جمع أشياء من آداب الطبيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، كتبت - أعزك الله - من المحل الجديب، والبلد القفر الذي أنا به غريب، عن سلامة الجوارح والحواس، إلا حاسة التمييز، فإنها لو صحت لما اخترت المقام بهذه المفازة، وأحمد الله كثياً على كل نعمة ومحنة، ومن مصائبي - أعاذك الله من كل مصيبة، وجنبك كل ملمة - أن نوحاً طباخنا توفي، فأرمضتني مصيبة، والمتنى فجيعته، وكان عنوان النعمة، وترجمان المروءة، وواسطة القلادة، فلهفي عليه، فلقد كان قوام جسمي، وزيادة شهوتي، وممتع زواري وأضيافي، أحذق أهل صناعته، وأبيتهم فضلاً، وأرهفهم سكيناً وأعدلهم

стр. 387

تقطيعاً، وأذكرهاهم ناراً، وأطيبهم يداً، ما أكاد أقترح عليه شيئاً إلا وجدته قد سبقني إليه، معب للموائد، ملبك للثرائد، مع كل حار وبارد، كأن مائدته رياض مزخرفة، أو برود مفوفة، مرتب للألوان، منظف للخوان، لا يجمع بين شكلين، ولا يوالي بين طعامين، ولا يغرف اللون إلا وضده، ينضج الشواء، ويحكم الحلواء، ويخالف بين طعام الغداء والعشاء، يكتفي باللحظة، ويفهم بالإشارة، ويسبق إلى الإرادة، كأنه مطلع على الضمير من الزائر والمزور، فأودى فقيداً حميداً، ليس مثله موجوداً طريفاً ولا تلبيداً؛ فما ظنك - أعزك الله - بمبتلى تجمع عليه فقد مثل هذه العقدة النفيسة، وتطاول الأيام بهذه الناحية الممحلة الموحشة، والله لا أتقي إلا الشماتة، ولست في ثغر فأحتمل عاجل الضنك، ولا بإزاء عدو فيشغلني مقارعته وحلاوة الظفر به والنكاية فيه عن ملاذ الطعام، وأسأل الله الكريم المنان أن يختار لي ويعجل مما أنا فيه راحتي، ويبدلني خيراً منه زكاة وأقرب رحماً، بجوده ومنه. وكتابك - أعزك الله - إذا ورد علي نفى عني هذه الوحشة، وأمن غب هذه الهفوة، فإن رأيت - جعلني الله فداك - أن تهدي لي براً وصلة، ووصلة وأنسة فعلت، إن شاء الله تعالى.

стр. 388

إبراهيم بن العباس: الكامل إن الزمان وما ترين بمفرقي ... صرفاً الغواية فانصرفت كريما وصحوت إلا من لقاء محدث ... حسن الحديث يزيدني تعليما سألت فنن، وهي جارية أديبة، كانت من آدب الجواري في زمانها، سالماً المعروف باليتيم في مذاكرة جرت بينهما طويلة، فقالت: أي الأمور ألذ عندك؟ محادثة الرجال، أم استماع الغناء، ام الخلوة بالنساء؟ فقالت: سألت عن أمور لا تصلح إلا بثلاثة أشياء، فقالت: وما هي؟ قال: لا تحسن محادث الرجال إلا بحسن التفهم، ولا الغناء إلا بشرب النبيذ، ولا الخلوة مع النساء إلا بالموافقة وسعة القدرة، قالت: فما الذي تختار منهن؟ قال: محادثة الرجال. شار: السريع وصاحب أصبح من برده ... كالماء في كانون أو في شباط

стр. 389

ندمانه من ضيق أخلاقه ... كأنه في مثل سم الخياط نادمته يوماً فألقيته ... متصل الصمت قليل النشاط حتى لقد أوهمني أنه ... بعض التماثيل التي في البساط وقال كشاجم: وليجتنب النديم الحديث الطويل الذي تتعلق به النفوس، ويحبس على آخره الكؤوس، فإن ذلك بمجالس القصاص أشبه منه بمجالس الخواس. شاعر: الرجز ما حثت الكؤوس بالأوتار كحثها بالملح القصار إن الأحاديث من السمار أجلب للهو من العقار وقال علي بن الجهم: الرجز وليلة كأنها نهار سهرتها وفتية أخيار لا جاهل فيهم ولا ختار ولا على جليسه هرار

стр. 390

لهوهم الأسمار والأشعار وملح تقدح منها النار بمثلهم تعاقر العقار وتمتع الأسماع والأبصار وتدرك الآمال والأوطار قال نجاح للمتوكل لما دعاه إلى منادمته: في خصال لا تصلح معها منادمة الخلفاء، قال: ما هي؟ قال: سلس في البول، وتنحنح إذا حدثت، ولا أقدر من الشراب على أكثر من رطلين، فقال المتوكل: من حق صدقك عنها أن تسامح فيها. قال آخر: أمتع الجلساء الذي إذا أجبته عجب، وإذا فكهته طرب، وإذا أمسكت تحدث، وإذا فكرت لم يلمك. قال أبقراط: الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع. وقال آخر: خير الغداء بواكره، وخير العشاء بواصره، أي
следующие страницы →