← Адаб

Адаб · id 26423

البصائر والذخائر

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (2 098 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

هل أنت ابن سلمى إن نظرتك رائح ... مع الركب أو غاد غداة غد معي قال ثعلب، يقال: طعام شديد العلقمة إذا كان مراً. قيل لابنة الخس: ما أحسن شيء؟ قالت: ديمة على أثر ديمة، على عهاد غيرقديمة، قيل: فما أحد شيء؟ قالت: ضرس جائع، ألقى في معاء ضائع. قيل: فما أشفى شيء؟ قالت: قليل مني، من ابن عم حفي، على فراش وطي. عزى رجل الرشيد فقال: آجرك الله بالباقي، وأمتعك بالفاني، قال: ويحك ما تقول؟ وظن أنه غلط فقال: ألم تسمع ما يقول الله " ما عندكم ينفذ وما عند الله باق " النحل: ٩٦ فسري عنه. بعث الجنيد بن عبد الرحمن المري إلى خالد بن عبد الله

стр. 877

القسري بسبي من الهند، فجعل خالد يهب أهل البيت كما هو للرجل من قريش ومن وجوه الناس، حتى بقيت جارية منهن جميلة أراد أن يدخرها وعليها ثياب أرضها، فقال لأبي النجم: هل عندك فيها شيء حاضر وتأخذها الساعة، قال: نعم أصلحك الله، فقال العريان بن الهيثم النخعي: كذب والله ما يقدر على ذلك - وكان على شرطة خالد - حتى يروي فيه؛ فأنشأ أبو النجم يقول: الرجز علقت خوداً من بنات الزط ... ذات جهاز مضغط ملط رابي المجس جيد المحط ... كأنما قط على مقط إذا بدا منها الذي تغطي ... كأن تحت ثوبها المنعط شطاً رميت فوقه بشط ... لم ينز في البطن ولم ينحط فيه شفائي من أذى التمطي ... كهامة الشيخ اليماني الثط ثم أوما بيده إلى رأس العريان، فضحك خالد وقال للعريان: هل تراه يحتاج إلى أن يروي؟ فقال: لا والله، ولكنه ملعون ابن ملعون. لابن أبيض العلوي الأفطسي: الكامل وأنا ابن معتلج البطاح يضمني ... كالدر في أصداف بحر زاخر

стр. 878

ينشق عني ركنها ومقامها ... كالجفن يفتح عن سواد الناظر كجبالها شرفي ومثل سهولها ... خلقي ومثل ظبائهن مجاوري هذا والله كلام فاخر ومعنى عجيب وسلاسة حلوة. أنشد: الوافر لهم همم يجاورن الثريا ... وحال قد تعرقها الصروف جواد في مكارمه شجاع ... ولكن الثراء به قطوف وأنشد: السريع وحية في رأسها درة ... تسبح في بحر قصير المدى إذا تناءت فالعمى حاضر ... وإن بدت بان طريق الهدى يعني الفتيلة في المصباح؛ وأصحابنا يرون هذين البيتين غاية في الإصابة. خطب رجل امرأة فقالت: إن في تقززاً، وإني أخاف أن أرى منك بعض ما أتقزز منه فتنصرف نفسي عنك، فقال الرجل: أرجو أن لا تري ذلك، فتزوجها؛ فمكث أياماً ثم قعد معها يتغدى، فلما رفع الخوان تناول ما سقط من الطعام تحت الخوان فأكله، فنظرت إليه وقالت: أما كان يقنعك ما على ظهر الخوان حتى تلتقط ما تحته؟ قال: إنه بلغني أنه يزيد في القوة على النيك، فكانت بعد ذلك تغافله وتفتت له الخبز كما تفتت للفروج. يقال: ما البر وما البر أيضاً، وما التر وما الثر، وما الجر والحر والخر، وما الدر وما الذر وما الزر وما السر والشر، وما الصر والضر، وما الطر وما الغر، وما القر والكر، والمر والهر والأر، والعر؟

стр. 879

جواب هذه الكلمات يأتي من بعد، وإنما أتباعد قليلاً، وأتقارب قليلاً، وأذكر فصلاً نحوياً، وفصلاً كتابياً، وفصلاً كلامياً، وفصلاً فقهياً، وفصلاً فلسفياً، وفصلاً لغوياً، وفصلاً شعرياً، وأوشح ذلك كله بما احتمل من الأعتراض والبحث والتفسير لشيئين: أحدهما - وهو أكبرهما - أنك أيها القارىء إن تثبت على الكتاب، وتبرأ من الملالة، فستجد حرصاً على الأستكثار من العلم، وتنخدع للحكمة، وتصل إلى حظك بخفة المؤونة؛ والآخر: أني عرفت زماناً وحالاً لا يعينان على تقريب الباب في فن من الباب في فن آخر، وهذا عجز إلى الله أرفعه، وعليك أعرضه. قال ابن دريد عن أبي عثمان الأشنانداني عن التوزي عن أبي عبيدة، قال: ولم يقل رؤبة شعراً غير هذين البيتين: الوافر إذا ما الموت أقبل قبل قوم ... أكب الحظ وانتقص العديد أرانا لا يفيق الموت عنا ... كأن الموت إياناً يكيد آخر: الخفيف أيها الشامت المعير بالشي ... ب أقلن بالشباب افتخارا قد لبست الشباب غضاً جديداً ... فوجدت الشباب ثوباً معارا قال الكعبي: قال جعفر بن محمد بن حرب، سألت أبا الهذيل

стр. 880

عمن لم يقل من العامة: القرآن مخلوق، أيكفر؟ قال: لا، قلت: فإن قال: السماء ليست مخلوقة، أيكفر؟ قال: نعم، قلت: وما الفرق؟ قال: لأن الأول مختلف فيه والثاني مجمع عليه. هذا قول أبي الهذيل، وأرى المعتزلة في دهرنا يتسارعون إلى التكفير كتسارع الورد إلى المنهل، وما أدري ما يبعثهم على ذلك إلا سوء الرعة، وقلة المراقبة، وأكثرهم قذفاً لخصمه بالتكفير أعلقهم بأسباب الفسق والهتك، والله تعالى لهم، ولكل من سلك سبيلهم. قال الكعبي، قال محمد بن شبيب: المشبه كافر والمجبر ليس بكافر، لأن التشبيه غلط في صفات الله وفي نفسه، والجبر غلط في فعله. لو حرر الكلام على ابن شبيب لما انفك في التشبيه من مثل ما أحاله على الخصم، ولكن من ينظر في مذهبه بنفس عاشقة فيتخطى مساوية إما جهلاً بها أو متسمحاً فيها فينظر في مقالة خصمه بنفس قامعة مزيفة لقوله واختياره فيستخرج الدر. قال الكعبي، قال بعض الإباضية: ليس المنافق بريئاً من الشرك، وأحتج بقوله تعالى " لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء " النساء: ١٤٣. سئل بزرجمهر في نكبته عن حاله فقال: إني لما دفعت إلى

стр. 881

المحنة بالأقدار السالفة، والخفيات السماوية، إلى العقل الذي به يعتدل كل مزاج، وإليه يرجع كل علاج، فركب لي شربة أنا أتحساها وأتمزز بها؛ قيل له: عرفناها، قال: هي مركبة من أشياء: أولها أني قلت: القضاء والقدر لا بد من جريانه؛ والثاني أني قلت: إن لم أصبر فما أصنع؟ والثالث أني قلت: يجوز أن يكون أشد من هذا؛ والرابع أني قلت: لعل الفرج قريب وأنت لا تدري؛ قال، فقلت: أورثني هذا سكوناً، ووكل بي راحة، وعلى الله أعتمد في تمام المأمول. سمعت الشيخ المجتبى يقول: كان عندنا بالشام مجنون يستظرف حديثه، قال: رأيته يوماً وقد رفع رأسه إلى السماء وهو يقول: الناس كذا يعلمون، وهذياناً كثيراً، فقيل له: ما تقول ويحك؟ قال: أعاتب ربي، قيل له: فكذا تخاطب الله؟ قال: وما علمكم بمخاطبة الملوك؟ قيل له: فما قلت؟ قال، قلت: بدل ما خلقت مائة وجوعتهم كنت تخلق عشرة وتشبعهم. وهذا كلام مجنون لا يحاج فيما يقول، ولا يرد عليه ما يأتي به، وإنما يستطرف فقط لأنه يخرج منه ما لا يتوقع من مثله. وعلى هذا يتعجب من الصبي إذا أجاب وفطن وأهتدى وتكايس، ومن وهب الله له عقلاً، وكلفه الإقرار، وألزمه الأمر والنهي، فهو صحيح العقيدة، ثابت الأساس، وإنما يخرج بطبعه الذي بني على العجز، وعجن من الخور، وأسس للفناء، وعلى أن الله تعالى لا يخليه في هذه الصفات من ثواب كريم، ونعيم مقيم، في دار الرضوان؛ كفانا الله تعالى وساوس الصدور، وغمر أسرارنا بالمعرفة والخوف، إنه جواد كريم واحد أحد. قيل لراهب: ما لك إذا تكلمت بكينا، وإذا تكلم غيرك لم

стр. 882

نبك؟ فقال: ليس النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة. قال قاص بالمدينة في قصصه: ود إبليس أن لكل رجل منكم خمسين ألف درهم يطغى بها، فقال رجل من القوم: اللهم أعط إبليس سؤله فينا. قيل لجمين: ما فعلت مولاتكم فلانة؟ قال: ماتت، قال: فما ورثتموها؟ قال: العار، كفنها غيرنا. أنشد لمنصور بن باذان في عقبة: الكامل المجزوء قالوا يسود فقلت لا ... هم الفتى جمع الدراهم إن كنت تطمع أن تسو ... د ولا تنيل فأنت ظالم يبغي العلاء وماله ... أبداً من الآفات سالم وقصاعه مجلوة ... قد علقت منها التمائم قال رجل لشيخ بدوي: تمرنا أجود من تمركم، قال: تمرنا جرد فطس عراض كأنها ألسن الطير، تضع التمرة في شدقك فتجد حلاوتها في عنقك. وسمع قاص يقول: المؤمن قوته علقة، ومرقته سلفة،

стр. 883

وحذاؤه فلقة، ورداؤه خرقة. وأنشد: الطويل لكل كريم من ألائم قومه ... على كل حال حاسدون وكشح وأنشد في تشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء: الخفيف شبه الغيث فيه والليث والبد ... ر بسمح ومحرب وجميل وأنشد لأعرابية: الرجز إن حريحي حسن مشقه يغلظه الصك فلا يرقه كأن من يصكه يزقه سئل بعض الأدباء عن قول الشاعر: الخفيف مرحباً بالذي إذا جاء جاء ال ... خير أو غاب غاب عن كل خير أهو مدح أم هجو؟ فأطرق ثم قال: هو مدح، فخطىء، وبيانه أنه هجو في بسط نظمه؛ قال: وذلك أن القائل عنى أنه يغيبه عن كل خير، جاء الخير أو غاب. وأنشد لأبي يعلى العلوي القزويني، وكان داهية، يقول في أخيه، وكان جلفاً: الوافر أبوك أبي وأنت أخي ولكن ... أبي قد كان يزرع في السباخ تجاريني فلا تجري كجريي ... وهل تجري البياذق كالرخاخ

стр. 884

وأنشد علي بن الحسين العلوي في أخيه: السريع مثلك لا يطعن في مثلي ... لأنني فوقك في الفضل لي فضل سني وغنائي الذي ... تعرفه في الجد والهزل حكى أبو سعيد السيرافي أنه دخل إلى مسجد ابن دريد ورجل ينشد: الوافر تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح فقال أبو بكر: هذا والله عجب، أول من قال الشعر أقوى؛ قال، قلت: له مخرج في النحو إذا ترك الإقواء، قال: ما هو؟ قلت: وقل بشاشة الوجه الصبيح، بحذف التنوين وبنصب، والتنوين يراد، ويكون نصبه على مذهب التمييز؛ قال: فجمع أبو بكر نفسه مني وزاد في تكرمتي. حدثني بهذا الحديث بعض أصحابنا ولم أسمعه منه. أنشد لشاعر في البخر: الرمل المجزوء أنت لو جزت ببيت ... رض فيه المسك رضا وتنفست لقال الن ... اس فيه متوضا

стр. 885

وأنشد العلوي لنفسه في مثله: الرمل المجزوء أنا في موت صراح ... من فم كالمستراح طال نتني منه حتى ... خلت أني من سلاح لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن ﵃ على المنصور، رأى المنصور فيما يرى النائم كأنه قد صارع محمداً وأن محمداً قد صرعه وقعد على صدره، فأهمه ذلك وبقي واجماً، وجمع العابرين، فكل وقف، فسأل جد أبي العيناء فقال: إنك تغلبه وتظهر عليه، قال: وكيف؟ قال: لأنك كنت تحته والأرض لك، وكان من فوقك والسماء له، فسري عنه. قال بعض المجان: وقف مخنث في بعض العشيات يطلب من يشفيه مما به، فاجتاز به تركي وهو سكران ملتخ، فتعرض المخنث وهو في هيئة امرأة، فظنه التركي امرأة قد هويته، فاستجره، فلما حصلا في المنزل قال التركي بسكره: نامي يا بظراء، فنام المخنث على وجهه، فقال التركي: أيش هذا؟ قال: الله الله إن زوجي قد حلف ألا أنام إلا كذا، ومتى خالفته فأنا طالق، وليس في طلاقي فائدة، خذ شهوتك من ها هنا ودعني في حبال الرجل؛ قال: فأقحم عليه التركي ودفع بقوته، وبقي يتلمس بيده ما تحته، فوقعت كفه على أير المخنث فقال: هذا أيش؟ قال: هذا أيرك قد نفذ، فقال التركي: هذا وأبيك الشجاعة، أدخلت من ها هنا وأنفذت إلى ثم! فطار من الفرح وهو يظن أن أيره نفذ في جسمها.

стр. 886

قال أبو الهندي: تحرشت بشجاع فخرج يطردني كأنه سهم زالج، ثم سكت كأنه كفة، فرميته فانتظمت أنثاويه أخذاً ورأسه. قيل لبني الحارث: كيف تعملون؟ قالوا: كنا لا نبدأ أحداً بظلم، ولم نك بالكثير فتتخاذل، ولا بالقليل فنتواكل، وكنا نصبر بعد الناس بساعة. قال أبو عمرو بن العلاء، سمعت أعرابياً يقول: مكثت ثلاثاً لا أذوق فيهن شيئاً، فقلت: انعت لي، فقال: أما أول يوم فكان شهوة، وكان الثاني جوعاً، والثالث مرضاً. قال الأصمعي: حدثني شيخ عن رجل من الأعراب قال: مكثت ثلاثاً لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى خوى رأسي فسمعت له دوياً، فلما أصابني الجهد دعوت الله تعالى، وإذا دعا الله العبد بقلب صادق كانت معه من الله عين بصيرة، فأتيت جفراً فيه ذئبان فرميتهما فأصبتهما، ثم أتيت جفراً آخر فيه ماء فاستقيت، ثم رجعت وهما على مهيديتيهما وإذا لهما نخفة يعني شبه الزفير، فأكلت وادهنت.

стр. 887

للبرقعي: الوافر ألا لله ما صنعت برأسي ... صروف الدهر والحقب الخوالي تركن مفارقي سطراً بياضاً ... وسطراً للسواد من النزال فما جاشت لطول الأنس نفسي ... علي ولا بكت لذهاب مالي ولم أخضع لريب الدهر يوماً ... ولم أستخذ للأمر العضال ولكني لدى اللزبات آوي ... إلى قلب أشد من الجبال وأصبر للشدائد والرزايا ... وأعلم أنها محن الرجال وأن وراءها خفضاً وعيشاً ... وعطفاً للمديل من المدال فيوماً في السجون مع ابن أبزى ... ويوماً في القصور رخي بال ويوماً للسيوف تعاورتني ... ويوماً للتعانق والدلال كذا عيش الفتى ما دام حياً ... دوار لا يدوم على مثال وأنشد: الرمل المجزوء عش نقي العرض ما عش ... ت وإن كنت مقلا وأرض بالقوت ولا تح ... مل على الإخوان كلا إن فيهم من إذا حم ... لته كلك ملا وأخو الإقلال إن كا ... ن له عقل تسلى مر مزبد بقوم وهو على حماره فقالوا: انزل إلينا يا أبا إسحاق، فقال: هذا عرض سابري، قالوا: فانزل يا ابن الزانية.

стр. 888

كاتب: وإنه ليتربص بك الدوائر، ويتمنى لك الغوائل، ولا يؤمل صلاحاً إلا بفساد حالك، ولا رفعة إلا بسقوط قدرك. تمثل يزيد عند غشية معاوية عند موته: المنسرح لو فات شيء يرى لفات أبو ... حيان لا عاجز ولا وكل الحول القلب اللبيب وهل ... تدفع ريب المنية الحيل كاتب: ورأيته لا ينفك في جاه يبذله، وفضل يفعله، فهو الدهر إما شاكر لمن شفعه، أو مشكور بما اصطنعه، كما قال الشاعر: السريع أفدي أبا اسحاق من شافع ... ومنعم إحسانه ينشر يعطيك أو يهديك نحو امرىء ... فؤاده بالجود مستهتر فهو طوال الدهر لا يأتلي ... يشكر في العالم أو يشكر قال أعرابي: سألت فلاناً حاجة أقل من قيمته فردني رداً أقبح من خلقته.

стр. 889

للحارث المخزومي: الطويل تبعتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما أنجلت قطعت نفسي ألومها فما بي إذا أقصيتني من ضراعة ... ولا أفتقرت نفسي إلى من يسومها عطفت عليك النفس حتى كأنما ... بكفيك بؤسي أو لديك نعيمها قال فيلسوف: أشد الناس مصيبة مغلوب لا يعذر، ومبتلى لا يرحم. الجواب عن حروف اللغة التي تقدمت، فاسمع وأحفظ فإنها قد تلقفت من أفواه العلماء بعد الخدمة والصبر. أما البر فخلاف البحر، وهي بلاد لا حيطان فيها، ولا نعتقد أن البلد لا تكون إلا ما فيها حيطان، ولم أقل لا أبنية فيها لأن جزيرة العرب بر وفيها أبنية وهي أخبيتهم، والبلد يقال له الملزم، ومنه تبلد في أمره أي تلازم في نفسه أي تجمع؛ ويقال البلد الأبر. والبحر معروف، وكأنه من السعة، ومن أجله قيل: فلان بحر، إذا وصف بغزارة الندى أو العلم، وأجرى النبي ﷺ فرساً وقال: إنا وجدناه بحراً، أي واسع الجري جواداً، ومنه تبحر

стр. 890

الإنسان في العلم، والبحيرة: المشقوقة الأذن من الشاء؛ وأما قول الناس: البحران، فليس من كلام العرب. والبر أيضاً هو البار فاعل البر، وفي صفات الله أنه البر الرحيم، فكأن معنى الأشتقاق يجمع اللفظين إذا اعتبرت السعة؛ والحج المبرور الذي قبل على وجه البر، كأنه قبل كما يقبل البر. والأمر من البر: بريا هذا، بفتح الباء على مذهب الجمع، والمضارع منه يبر، وبررت بكسر الراء، والفتح مردود؛ قال أبو حاتم، يعني صاحب الأصمعي: فأما أبر فلان على فلان، فكأنه قريب من هذا ومعناه زاد عليه، والمصدر منه الإبرار - بالكسر؛ فأما الأبرار - بالفتح - فجمع بر؛ فأما البر نفسه فما سمع له جمع، وهم يتبارون - بشدة الراء - يبر بعضهم بعضاً، فأما يتبارون - بخفة الراء - فليس من قبيل هذا، إنما هو على معنى المباهاة، كأن هذا بذاه وذاك بذاه أي يحثه، أي جريه في المحاكاة؛ والمبار جمع مبرة. وأما بريت القلم فلا يهمز، وأما برئت إليك من كذا فصحيح الهمز، ويقال برأت من المرض وبرئت جميعاً، هكذا قال أبو زيد، وثعلب يختار برأت، ويزعم أنه أفصح، وإذا كان اللفظان من كلام العرب ولم يكن للمعنى فيه شاهد على مزية أحدهما فكلاهما صحيح، يقال: فصيح، وفصيحان، مرة يرد على اللفظ ومرة على المعنى، هكذا المحفوظ عن العلماء. وأما البارىء فيكون من المرض، الناجي منه؛ وأما البارىء في أسماء الله الكريم هو الخالق؛ ويقال: ليس بيننا براء ولا مبارأة، ولا يبرأ أحدنا من الآخر ولا ينافسه، وقول الله " من قبل أن نبرأها " الحديد: ٢٢ معناه نخلقها، كذا قال اليزيدي وهو معنى قول البارىء؛ وفلان برور وصدوق، وصدقت وبررت. وقد طمعت فيك السآمة فأصرفها بما يعرض في جملة هذه النوادر.

стр. 891

جرى بين عمرو الجوهري وبين أمه كلام فقالت: قد والله شيبتني وبيضت رأسي، قال عمرو: إن كنت أنا بيضت رأسك فمن قلع أضراسك؟ وجاء بعض الخلعاء إلى باب الجوهري هذا فدق فقالت امرأته: من هذا؟ قال: أنا فلان، قالت: ما تريد؟ قال: افتحي حتى أدخل وأنظر أنت أطيب في النيك أم امرأتي؟ قالت: وما أحوجك إلى ذلك؟ سل عمراً عن ذلك فإنه قد ناكني وناكها، فخجل الرجل وانصرف. وجاء جراب الريح راكباً حماراً فقال له رجل: هذا الحمار كله لك؟ فقال: كله لي إلا أيره فإنه لك، فخجل الرجل. وأما التر - بالتاء - فهو كثرة اللحم في جسم الإنسان، يقال: أما ترى ترارته أي امتلاءه؛ ويجيء: ما تر شيء على هذا. وأما الثر - بالثاء - فالماء الغزيز. وأما الجر فمصدر جر، وبئر جرور إذا كانت طويلة الرشاء كأنها تجر الماتح - بالتاء - لأن المائح يكون في البئر والماتح فوقها، متح أي أي نزع، هذا مثل: أعلم به من المائح بأست الماتح إذا كان المستقي يعالج به، فإذا استقى بالبكرة فليس بمائح، هكذا قال الثقة. قال أصحاب الأشتقاق: الجرجير في البقل أخذ من الجر، أخذ فيه بالتضعيف، قال: وسمي به لأنه يجرجر من الأرض، فقيل لأبي بكر

стр. 892

المروزي الفقيه هذا فقال: ينبغي أن تكون لحيته جرجرى لأنها تتجرجر من ذقنه، فضحك من نادرته. وكان قليل الهزل كثير الصمت على ناموس المشايخ؛ وسمعت ابن المرزبان يقول: لم أر أشد نفاقاً منه، فرغب في مال حصل عندي في سبيل من السبل، فانتقض معنى الوصية بعد وفاة الموصي، ولم يكن إنفاذ ذلك المنصوص على الوجه المخصوص إليه، فقال لي بعد كلام كثير: إن ضقت به ذرعاً فسق المال إلي حتى أتولاه عنك، وخلاك إثم من الله، فراعني ذلك وخرجت من عنده ولم أعد إليه؛ هكذا قال المرزباني، وكان عالماً ثقة، عاشرته وأطلعت على سره فما أنكرت شيئاً، وما أدري ما أقول بعد. وأما ابن سيار فإنه حدثنا أنه ورد الأهواز على القاضي التنوخي بمرقعة، وأنه أنزله وبره، وكان أبو بكر لا يظهر عليه من إحسان التنوخي شيء، ويشكو مع ذلك ويستزيد؛ قال: فلما كثر ذلك قال له التنوخي: ما قصة هذا المروزي، أما يكفيه ما يصير إليه من جهتنا؟ قال بعض حاضري المجلس: أيها القاضي، إن الرجل يتبع الصبيان، وشغفه فهو يحمله على تبذير ما ينال من جهة القاضي؛ قال: فكره ذلك وأقبل علي في الخلوة فقال: أتعرف هذا الغلام بشيء مما قرنه به فلان؟ قلت: أكره أن أهتك ستره، وأكره أن أكذبك، فقال: حسبك؛ وطرده من المجلس. هذا قول ابن سيار، وقد قضى ببغداد، وكان نبيلاً جليلاً أديباً مفوهاً؛ وهذا أيضاً عجيب، وأصحابنا يقولون إنه بلغ من زهده في الدنيا أنه عرض عليه

стр. 893

القضاء بمدينة السلام فتنزه عنه. أما أبو حامد فإنه أربى على أصحاب هذه الحكايات، زعم أنه ثنوي، وأنه يعتقد ذلك، وبسببه طرده الكرخي من مجلسه، وذلك أنه كان صحب رجلاً مشهوراً بهذا المذهب، فلما وقف الكرخي على ملازمته ذلك الرجل نهاه عنه وقال له: لعلك أحسنت به الظن، وأنت بجهلك بحاله مغرور، فأما الآن وقد عرفناك ما تتابع إلينا فلا خير لك في خلطته، قال: فضمن للكرخي أن لا يلقاه ولا يغشاه وحلف على ذلك، ثم إن الكرخي أذكى عليه عيناً فبلغه أنه يخالطه في السر وأنه لقن عنه مذهب الثنوية فطرده. هذا أيضاً غريب، ولو كان ما قلته مسموعاً من أنذال الناس لم أعج به ولم أعرج عليه، ولكن هؤلاء هم كالشمس إذا أشرقت، والسماء إذا زهرت، والأودية إذا زخرت بهاء وعلواً وغزارة وفضلاً ونبلاً، وأصحابنا بالري يزيدون على جميع ما حكيته، ونعوذ بالله من قالة الناس، وفتنة الناس بالناس، فهو خالق الخلق ومالك الأزمة. انظر إلى هذا الحديث كيف يلتبس بعضه ببعض، ويتراكم بعضه على بعض. ويقال: الحر أيضاً أسفل الجبل، وضد البرد، يقال: حر يومنا، وحر الغلام؛ والحرة: عطش الكبد؛ والحرارة في الجوف وفي الهواجر؛ والحرور: الريح الحارة بالليل كهبة السموم بالنهار، ويقال: السموم قد تمون بالليل أيضاً؛ قال بعض أصحاب الأشتقاق: السموم سمي به لدخولها في مسام البدن، هكذا رأيته في كتاب عتيق فيه أراجيز رؤبة بتفسير أبي عمرو، ولا أدري من أبو عمرو ولعله المازني أو الشيباني.

стр. 894

وأما الخر فمصدر خر عليه السقف، وقد سأل سائل عن هذه الآية " فخر عليهم السقف " النحل: ٢٦ وقال: قد علم من خر هذا المعنى ثم صح ذلك بقوله: عليهم، ثم معلوم أن السقف هو ما علا رأس الإنسان، فما معنى بعد هذا المعلوم " من فوقهم "؟ والجواب عن هذا يمر مع نظائره في موضعه إن شاء الله، فقد أجاب عنه ابن مهدي الطبري، وشاهدته، ولعلي أحكيه على وجهه، فإضافة الصواب إلى العلماء أحمد من التفرد بالأدعاء. وقال بعض العاشقين للكلام في الأشتقاق: إن خرير الماء مأخوذ منه. وأما الدر فاللبن، وقولهم: لله دره يقال معناه: لله خيره وفضله، مثل قولهم: لله أبوه، إذا وقع ترجيح وأستحسان، ولما يكون من المثنى عليه بهذا اللفظ. وأما الذر فصغار النمل، والذرة واحدة لقول الله تعالى: " فمن يعمل مثقال ذرة " الزلزلة: ٧ الآية، من ذلك يقال إنه لا وزن للذر وإنما يضرب به المثل، يقال: سميت الذرة بذلك لصغر أجزائها ومعنى قولهم: ذر عليه في الشيء يعرف بالتبر، إنما أراه أريد الشبيه بالذر؛ قال بعض العلماء: إنما قدم الخير في ذلك لأنه في الأول مبشر وفي الآخر منذر، ومتى وقعت الإجابة في الأول ثبت السوق إلى الجزاء ووقع النهي عن مواقعة المنهي عنه، فإن عرض قام سلطان الوعيد بالسطوة، فمنع من إيثار الشر بعد ترك الخير. هذه لطائف قوم لهم بكلام الله تعالى عناية دينية، وليس من نمط الغريب المفسر، والنحو المقدم، ولعل ترك هذا الفن أعم، والعاقبة فيه أسلم، والله أسأل نفعاً بالقرآن العظيم وإجابة إلى دار السلام. وأما الزر فهو نهيق الحمار.

стр. 895

وأما السر فهو من سررت الصبي إذا قطعت سرره، والسرة وهي الباقية؛ وأما السر فهو إصلاح الزند الإجوف، وكأن السرور من سررته أي فرجت عن قلبه فأزال منه الضيق، والسرور فرج من الكرب، والكرب ثقل، والسرور خفة وأنها ترقص، ولهذا ترى الفرحان يرقص ويخف، وصاحب الغم يثقل ويذبل، ويقال: رجل فرحان غير مصروف، وامرأة فرحى. وأما الشر فضد الخير، والشر أيضاً مصدر شررت الشيء أي بسطته، وتشرير النبات منها، كأنها من شررت بتشديد الراء؛ وأما أشررت فقيل: لغة في شررت، ويقال: هو أظهرت، ومنه قول الشاعر في صفين: الطويل وحتى أشرت بالأكف المصاحف ويقال: كلما كبرت شررت، ولا يقال: كلما تكبر، كذا قال بعض العلماء: والمشهور قلته. وكأن الشرارة من النار منه، وهذا مأخوذ منها، والشرار جمع واحدته شرارة، وأما الشرة فحال الشرير، والشرير صاحب الشر المعتاد له، وجمع الشر شرور، وحكى أبو زيد في الخير: خيور، وهو شر من فلان، لا ألف في اللفظ على قياس الباب، وهو خير منه، وروي: ما أشره - في التعجب - وما أخيره، والدائر: ما خيره وما شره. وأما الصر فجمع الدراهم في صرة، والصرة ما صررت فيه، والصر: البرد، وقال: قيل في قوله تعالى " فأقبلت امرأته في صرة " الذاريات: ٢٩. والضر ضد النفع، والضر بالضم: الهزال وسوء الحال، وفلان ضرير أي

стр. 896

مضرور، ولا يختص بالأعمى بل لمن عرته هذه الحال، يقال: ضررتني وأضررت بي، ولا يقال: ضررت بي ولا أضررتني. أحكم أيها السامع هذه الأبنية والأصول، وفيها تكون إنساناً على الحقيقة، وأريد بقولي على الحقيقة لأن عادم الفضائل إنسان أيضاً ولكن على التوسع، كأنه إنسان بالخلقة والتخطيط، أي كأنه من هذه الأمة وهذا الجمهور بالنسبة؛ فأما تمييز الأمر من الأمر، وتخليص الشيء من الشيء، وإضافة الشيء إلى الشيء، فلا. حدثنا السيرافي أن رجلاً من المتكلمين الكلابية ببغداد بلغ من نقصه في معرفة العربية أنه قال في مجلس مشهور بين جماعة حضور: إن العبد مضطر بفتح الطاء، والله مضطر بكسر الطاء، وزعم أن القائل: الله مضطر كافر. فانظر أين يذهب به جهله، وعلى أي رذيلة دله نقصه، ونعوذ بالله من فضيحة الجهل فإنها بعد ادعاء العلم مشمتة، وفضيحة الحال مع التجمل مستعطفة، فكم بين العدمين، هذا يعان عليه ويواسى فيه وهذا يرفض به ويهان معه. والضرة: لحمة تحت الإبهام، والضرة امرأة يتزوجها الرجل على امرأة، فإحداهما ضرة للأخرى، كأنها مضارة، ويقال: الضرة: الثدي، وما أدري ما يقول صاحب الأشتقاق. وأما الغر فمصدر فغررته، ويقال: تغررت الرجل أي أتيته على غرة، والغر أيضاً تكسر الثوب في غره، والغر: الحد. وقد مر هذا في موضع على إشباع، وأكره التكرار لسوء ظني بالسامع، وإلا فلا مصنف إلا وهو يلهج بالتكرير والإعادة: هذا يعقوب ابن السكيت في كتبه وأبو عثمان عمرو الجاحظ وأبو زيد وغيرهم.

стр. 897

وسمعت بعض الرافضة يحكي عن علي بن يقطين أنه قال يوماً: قد والله حرجت من سبي لأبي بكر وعمر ﵄ ولمزي بفي لأعراضهما، وبرمت، فقال له من حضره: بين يديك مصحف، افتح على هذا الخاطر، فإن خرج ما دل على تمسكك به أعرضت عن تحرجك، وإن خرج ما دل على ما خطر لك استمررت عليه، قال: ففتح المصحف فخرج " ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس " فصلت: ٢٩ فقال: اللهم إني أستغفرك من ندمي على شتمهما. وهذا والله طريف، ولا شك أنه مفتعل لا حقيقة له. وقد ابتليت برجلين: رجل يقول: ما سمعنا حقاً ولا باطلاً، ورجل شيخ يعرف بيحيى له مع أهل الكرخ مواقف، وكثيراً ما يقول: خلفاء الله في الأرض ثلاثة: آدم ﵇ لقول الله تعالى " إني جاعل في الأرض خليفة " البقرة: ٣٠ وداود لقوله تعالى: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض " ص: ٢٦، وأبو بكر لقول جميع الأمة: يا خليفة رسول الله؛ ويقول: الأمناء ثلاثة: جبريل ﵇ لأنه يحمل عن الله تعالى، ومحمد ﷺ لأنه بلغ الأمة، ومعاوية لأنه كتب الوحي. وإذا سئل عمن خرج على أبي بكر وعمر رحمهما الله قال: حلال الدم، وإذا سئل عمن يخرج على علي ﵁ قال: الله أولى به وأعلم؛ ومن غفلته أنه رأى عقرباً في داره فقال لها: يا مشؤومة أخرجي لا تقتلي أمي؛ وهو مولع بإطعام الكلاب ويقول: إنما أطعمها لأنها أذل من الرافضة؛ وبين هذين الرجلين رمي الرامي.

стр. 898

وكان أبو حامد يقول: لولا أن الخوارج قالت: علي كافر، لما قالت الغالية: علي إله، عز الله وجل وتعالى، ولولا أن المعتزلة قالت: الأمر كله إلينا، لما قالت الجهمية: نحن كالشجر إن هبت الريح تحركت، وإن ركدت سكنت، وكان يعد من هذه الأمثال شيئاً كثيراً. وأما الطر فالقطع، وقد مر هذا الحرف. وأما القر فصب الكلام في الأذن، وصب الماء أيضاً، والقر أيضاً الهودج، والقرار: السكون، والقارورة لسكون الماء فيها. وأرى هذا يطول، وعلى قدر طوله يمل. والكر: الرجوع، والكر: حبل يصعد الرجل إلى النخل عليه، والكر أيضاً قطعة من خيش. والمر: جميع مرة، والمر كالنبل. والهر: الكراهة، ولا يقال الكراهية، ولا بد من التخفيف، والهر مصدر هر الكلب، كأنه كرهك فنبحك، ولا يقال: نبح عليك؛ وهرت الهرة وهرهرت إذا بغمت مستعطفة. والأر: النكاح. وأما العر فاللطخ، والعر الجرب. وقد مر جواب كل حرف على ما اقتضاه، والزيادة على هذا إبرام وخروج عن الحد المحتمل والأدب المرضي، على أنني وصلت كل ذلك بما يفتق شهوتك، ويبعث راحتك، ويقوي عزمك، فهذا عادة الرفيق من الأطباء بالعليل المضرور بالأدواء، نفعك الله بالخير. قال وهب بن منبه: من لم يسخط نفسه في شهوته لم يرض ربه في طاعته.

стр. 899

وقال: مكتوب في التوراة: المال يفنى، والبدن يبلى، والعمل يحصى، والذنب لا ينسى. وقال بعض النساك: ابن آدم، ما لك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت، وتفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت؟ يقال: الإناث من الإبل والخيل تحمل بمآخرها، والذكور تحمل بصدورها؛ وعلامة الفرس الجواد أن تراه رقيق الشعر لين الجلد طيب الريح. شاعر: الرمل المجزوء أنا في كل سحير ... في مداراة لأيري أبداً يطلب مني ... قمراً في بيت غيري قلت: نك ويلك من ير ... تع في خيري وميري قال: من يقوى على ني ... ك كسير وعوير للطرمي: البسيط للخبز أحسن شيء في الزنابيل ... والزيت أجمل شيء في القناديل والنيك خذ لا تسل يغشى علي لذا ... من شدة الشهو أخرى في السراويل للطرمي ديوان كبير، كان في أيام المعتمد، وله ترخيم طريف، وسمع المعتمد شعره فنال به هباته، وأمر فكتب ديوانه بالذهب، وديوانه مشهور، وإنما دللت في هذا المكان عليه تعجباً منه. قرىء من حجر: ابن آدم، لو عاينت يسير ما بقي من أجلك

стр. 900

لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ولقل حرصك وختلك، ولرغبت في الزيادة من عملك، فأعمل ليوم القيامة، قبل الحسرة والندامة. وكان الحسن يقول: فضح الموت الدنيا، ولم يترك لذي لب فيها فرحاً. قال أعرابي: إن في السكوت ما هو أبلغ من الكلام، فإن السفيه إذا أعرضت عنه تركته في أغتمام. قال أعرابي: مواقعة الرجل أهله من غير عبث من الجفاء. قال بعض السلف: قد أسمعك الداعي، وأعذر فيك الطالب، وانتهت الأمور فيك إلى الرجاء، ولا أحد أعظم رزية ممن ضيع اليقين، وأخطأ الأمل. قال الكندي: كان فيما مضى رجل زاهد وقع عليه من السلطان طلب، بقي مدلهاً لا يدري ما يصنع، وذلك أنه أذكيت عليه العيون، وأخذت المراصد، فجاء إلى طنبور فأخذه ولبس ثياب البطالين وتعرض للخروج من باب البلد، فجاء إلى الباب وهو يتهادى في مشيته كالسكران، فقالت العيون له عند الباب: من أنت؟ فقال: من أنا، ومن ترى أكون؟ أنا فلان الزاهد، ومال منهزماً، فقال القوم متضاحكين: ما أحمقه!! وخلوا سبيله، فخرج ونجا، وإنما فعل ذلك لئلا يكذب. وقال سهل بن هارون: اللسان الجيد والشعر لا يكادان يجتمعان

стр. 901

في أحد، قال: وأعسر من ذلك أن تجتمع بلاغة القلم وبلاغة الشعر. قال حذيفة بن اليمان: الحسد أهلك الجسد. قال بشر بن المعتمر: إذا كان العقل تسعة أجزاء احتاج إلى جزء من الجهل ليقدم على الأمور، فإن العاقل أبداً متوان متوقف، مترقب متخوف. قيل لأعرابية في البادية: من أين معاشكم؟ فقالت: لو لم نعش إلا من حيث يعلم لم نعش. قال بعض الشجعان لرفيق له، وقد أقبل العدو: أشدد قلبك، قال: أنا أشده وهو يسترخي. قال أعرابي: الصبر قطب الأمر الذي عليه تدور الأمور، وليس علم من أعلام الفضل إلا والصبر سببه ومسببه. سمع النبي ﷺ يقول لمسافر: وجهك الله في الخير، وزودك التقى، وجعلك مباركاً أينما كنت. شاعر: المتقارب

стр. 902

وكم من نؤوم على غبطة ... أتته المنية في نومته وكم من مقيم على لذة ... أتته الحوادث في لذته وكل جديد على ظهرها ... سيأتي الزمان على جدته وأنشد: السريع أصبحت الدنيا لنا غرة ... والحمد لله على ذلكا وأجمع الناس على ذمها ... وما نرى فيهم لها تاركا قال النبي ﷺ : مثل الفقير المؤمن كمثل فرس مربوط بحكمته إلى أخيه، كلما رأى شيئاً مما يهوى ردته حكمته. وقال ابن بكار، سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: نحن نسل من نسل الجنة سبانا منها إبليس بالمعصية، وحقيق على ابن آدم ألا يهنأ بعيشه حتى يرجع إلى وطنه. قال محمد بن وهب عن عمه: رأيت ميلاً في بلاد الروم عليه كتاب فقرأته فإذا هو شعر: الطويل صريع رماح تحجل الطير حوله ... شهيد أصابت نفسه ما تمنت وقيل لمحمد بن واسع: هؤلاء زهاد، فقال: وما قدر الدنيا حتى يحمد من يزهد فيها؟

стр. 903

قال أحمد بن حنبل ﵀: هب المسيء قد عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين؟! قال ابن عباس: إن صغار هذه الأمة تعلموا من كبارها في صدر الإسلام، وسيجيء زمان يتعلم كبارها من صغارها. وقال معاوية يوماً على المنبر: يا أهل الشام، ما أنتم بخير من أهل العراق، ثم ندم فتداركها فقال: إلا أنكم أعطيتم بالطاعة وحرموا بالمعصية. قال المدائني: كان ملك له وزير صالح في قديم الزمان لا يأمر إلا بالخير ولا يحض إلا على الجميل، وكان الملك عاتياً جباراً يمقت النسك ويقلي النساك، وكان الوزير بخلاف ذلك يقربهم ويصلهم ويتلبس بهم، فحسده قرابة الملك، فأتوا الملك وقالوا: إن هوى وزيرك في إخراجك من ملكك، فقال الملك: وما آية ذلك؟ قالوا: شاوره وقل: إني عزمت على أن أخلع ملكي وألحق بالعزاز والشعاب، وأصحب النساك وأعبد الله رب الخلق، فإنك ستجد عنده قبولاً لهذا الرأي وتحسيناً له ورضى به، وإنما ينتهز لذلك الفرصة التي هو راقبها، وحينئذ تقف على صدق مقالنا؛ ففعل الملك ذلك فرأى غير ما كانوا قالوا، وبان للوزير في وجه الملك، وعلم أنه دهي من حيث لا يعلم، فانصرف على حزن قد خامره، وكآبة قد أخذت بكظمه. وقد كان مر في بعض مسيره برجل ظاهر الزمانة فقال: أيها الوزير ضمني إليك فإن لك عندي ما تحب، قال: وما ذاك؟ قال: أنا رجل أرتق الكلام، قال: وما رتق الكلام؟ قال: إذا وجدت فتقاً رتقته، قال: أنا أفعل ذلك، وإن لم يكن عندك نفع،

стр. 904

فذكر الوزير قوله فدعا به فقال: فافعل الذي وعدت، قال: قص علي قصتك وما دهاك، ففعل، فقال: أيها الوزير، قد حسدك عنده بعض أقاربه، وسبعك بحضرته، قال: فما الطريق إلى تحقق هذا من نفس الملك وصرفه على أحسن وجه؟ قال: الوجه في ذلك أن تلبس مسحاً وتأتي باب الملك في غلس، فإذا علم بمكانك وسأل عن قصتك فقل: إن الملك دعاني إلى أمر الموت أهون علي منه، ولكن كرهت خلافه، ففعل الوزير ذلك فتحلل ما كان عرض في نفس الملك. استأذن رجل على عبد الملك بن مروان فأذن له فوقف بين يديه ووعظه، فقال عبد الملك بن مروان لرجل: قل للحاجب: إذا جاء هذا لا تمنعه، قال: وإنما أراد أن يعرفه الحاجب فلا يأذن له. قال الأصمعي: كان رجل من ألأم الناس على اللبن، وكان كثير الرسل، فقال بعض الظرفاء: الموت أو أشرب من لبنه؛ وكان معه صاحب له فجاء وتغاشى على باب صاحب اللبن فخرج فقال: ما باله؟ فقال صاحبه: أتاه أمر الله تعالى، وهو أشرف بني تميم، أما إن آخر كلامه: أسقني اللبن، فقال اللئيم: يا غلام جىء بعلبة من لبن، فأتاه بها وأسنده إلى ظهره فسقاه فأتى عليها ثم تجشأ، فقال الظريف صاحب اللئيم: أرى هذه الجشأة راحة الموت، فقال اللئيم: أماتك الله وإياه. أتي الحجاج بدواب لابن الأشعث فإذا سماتها عدة فوسم تحت ذلك للفرار.

стр. 905

أنشد: الكامل نجل العيون سواحر اللحظات ... هيجن منك سواكن الحركات أقبلن يرمين الجمار تنسكاً ... فجعلن قلبك موضع الجمرات فكأنهن غصون بان ناعم ... يحملن تفاحاً على الوجنات كاتب: إن لم يكن في اعتذار زماننا ما يفي بإساءتنا، ففي جنب فضلك ما يجوز حظنا منك ومن يحاذرك، والسلام. قال فيلسوف: العقل أمور بالمعروف، نهو عن المنكر، فمن لم ينهه عقله نهاه أدبه، ومن لم ينهه أدبه نهته التجارب. قال فيلسوف: من عرف من نفسه الكذب لم يصدق الصادق. قيل لأبي غانم التنوخي: كيف تجدك؟ قال: أجد ما علي من البلاء أقل مما قضيت من لذة الهوى، ولو أصابني من البلاء بقدر ما قضيت من لذة الهوى لتجمع البلاء. مرض قيس بن سعد بن عبادة فأبطأ إخوانه عنه، فسأل عنهم فقيل له: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين، فقال: أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر منادياً ينادي: ألا من كان لقيس عليه حق فهو منه في حل وسعة، فكسرت درجته بالعشي لكثرة من عاده.

стр. 906

قال الأصمعي، قيل لأعرابي: إنك تموت، قال: فإلى أين يذهب بي؟ قالوا: إلى الله تعالى، قال: فما أكره أن أذهب إلى من لم أر الخير قط إلا منه. قال الأصمعي: سمعت أعرابياً وهو متعلق بأستار الكعبة يقول: إلهي، من أولى بالزلل والتقصير مني، وقد خلقتني ضعيفاً؛ إلهي، من أولى بالعفو منك، وقضاؤك علي نافذ، وعلمك بي محيط؛ أطعتك بإذنك والمنة لك علي، وعصيتك بعلمك، فالحجة لك علي، فبثبات حجتك وانقطاع حجتي، وبفقري إليك وغناك عني، إلا غفرت لي ذنوبي. قال منذر الثوري: مررت بعلي بن الحسين ﵁ فرأيته في حائط له يتفكر فقلت: ما وقوفك ها هنا؟ قال: وقفت أفكر، فهتف بي هاتف فقال: يا ابن الحسين! ما هذا الفكر، أفي الدنيا والرزق حاضر للبر والفاجر؟ أم في الآخرة والوعد صادق من ملك قادر؟ قلت: لا في هذا ولا في هذا، قال: ففيم؟ قلت: فيما يخوفنا الناس من فتنة ابن الزبير؛ قال: فأعاد الصوت فقال له: أرأيت رجلاً خاف الله فلم يكفه؟ أو توكل عليه فوكله إلى غيره؟ قال: ثم قال: أنا الخضر يا ابن الحسين. قيل لأعرابي: ما أشد البرد؟ قال: إذا دمعت العينان، وقطر المنخران، ولجلج اللسان.

стр. 907

قيل لأعرابي: ما تصنع بالبادية إذا اشتد القيظ وحمي ومتع الحر؟ قال: يمشي أحدنا ميلاً حتى يرفض عرقاً ثم ينصب عصاه، ويلقي عليها كساءه ويجلس في قبة يكتال الريح، فكأنه في إيوان كسرى. قال عتبة بن أبي سفيان لابن عباس: ما منع علي ابن أبي طالب ﵁ أن يبعثك مكان أبي موسى؟ فقال عبد الله: منعه من ذلك حاجز القدر، وقصر المدة، ومحنة الابتلاء، أما والله لو بعثني مكانه لاعترضت في مدارج نفس عمرو، ناقضاً لما أبرم، ومبرماً لما نقض، أسف إذا طار، وأطير إذا أسف، ولكن مضى قدر وبقي أسف، ومع يومنا غد، وللآخرة خير لأميرالمؤمنين ﵁. أنشد: المتقارب أبى الناس أن يدعوا موسراً ... سليم الأديم سليم النشب فقد خيروك فإن لم تطب ... بعرضك نفساً فطب بالذهب ويقال: من تمنى طول العمر فليوطن نفسه على المصائب.

стр. 908

وأنشد: الطويل فما سرت من ميل ولا بت ليلة ... من الدهر إلا أعتادني لك طائف ولا مر يوم مذ تراخت بي النوى ... ولا ليلة إلا هوى منك رادف أهم سلوا عنك ثم يردني ... إليك وتثنيني عليك العواطف فلا تحسبن النأي أبلى مودتي ... ولا أن عيني ردها عنك طارف وكم من نريل قد وجدناه طرفة ... فتأبى عن التعبير تلك الطرائف كان مسروق بن الأجدع ينهى عن السلطان، فدعاه زياد فولاه السلسلة، فقيل له في ذلك فقال: اجتمع علي زياد وشريح والسلطان، فكانوا ثلاثة وكنت وحدي فغلبوني. قال هشام الكلبي: قدمت ليلى الأخيلية على الحجاج فامتدحته فقال: قد أمرت لك بمائة، فقالت: زدني، حتى بلغت ثلاثمائة، فقال بعض جلسائه: إنما أمر لك بغنم، قالت: الأمير أكرم من ذلك، فجعلها إبلاً؛ قال هشام: وإنما كان أمر لها بغنم، فلما سمع ما قالت استحيا فجعلها إبلاً. وقدم يزيد بن قيس الأرحبي، وكان والياً لعلي بن أبي طالب

стр. 909

رضي الله عنه، فبعث إلى الحسن والحسين ﵄ بهدايا، وترك ابن الحنفية، ودخل يزيد على علي ﵁ وعنده محمد بن الحنفية فضرب علي على جنب ابن الحنفية وأنشده: الوافر وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا ثم رجع يزيد إلى منزله فبعث بهدية إلى ابن الحنفية. هذا رواية المدائني، وما أدري ما أقول فيه. وأنشد للعليمي: الطويل ولست بهياب الأمور ولا الذي ... إذا مكنته جاء للصلح خاضعا وقد يصبر الحر الكريم على الأذى ... ولا يظهر الشكوى وإن كان موجعا وقد يأنف المرء الكريم ويستحي ... وإن ذاق طعم الموت أن يتوجعا قال عبد الملك: من كل شيء قضيت وطراً إلا محادثة الإخوان في الليالي الزهر، على التلال العفر. أنشد: الوافر إذا لم تحظ في أرض فدعها ... وحث اليعملات على سواها ولا يغررك حظ أخيك منها ... إذا صفرت يمينك من جداها قال الحسن: من أحسن في نهاره كوفىء في ليلته، ومن أحسن في ليلته كوفىء في نهاره، ومن صدق في ترك شهوته كفي مؤونتها، إن الله تعالى أكرم من أن يعذب قلباً ترك له شهوة.

стр. 910

قيل لأعرابي: إنكم لتكثرون الرحل والتحول وتهجرون الأوطان، فقال: إن الوطن ليس بأب والد ولا أم مرضع، فأي بلد طاب فيه عيشك، وحسنت فيه حالك، وكثر فيه دينارك ودرهمك، فاحطط به رحلك، فهو وطنك وأبوك وأمك ورحلك. قال الأحنف: ما عرضت الإنصاف على أحد فقبله إلا هبته، ولا أباه إلا طمعت فيه. قال ابن المقفع: العقول رسل الله تعالى إلى أهلها، والألسنة ترجمانها، والأقلام بردها. هذا تمام الجزء الرابع، والخامس يقفوه على أثره، على المذهب المألوف في تحبير الكلام على فنونه، ورواية ما متح السماع به، وذكر ما تمت الشهادة عليه، فقدم مراقبة ربك على جميع أربك، وأعلم أنك بمرأى منه ومسمع، يعلم خائنة طرفك، وخافية صدرك، ولاحظ نعمة التي قد أكتنفتك، من شباب وجدة، وكفاية وراحة، وأرتبطها بالشكر، وأستدمها بالمواساة، وودعها بالحمد، وشرف نفسك بالعلم، وزينها بالحلم، تنل خير الدارين، وشرف المنزلتين.

стр. 911

والحمد الله وحده وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليماً. أكمل في ثاني شهر ذي حجة سنة ثمان وعشرين وستمائة، أحسن الله مبتدأه وخاتمته وحسبي الله ونعم الوكيل.

стр. 912

//بسم الله الرحمن الرحيم رب عونك بمنك الجزء الخامس اللهم اجعل عدونا إليك مقرونا بالتوكل عليك، ورواحنا عنك موصولاً بالنجاح منك. وإجابتنا لك راجعة إلى التهالك فيك، وذكرنا إياك منوطاً بالسكون معك، وثقتنا بك هادية إلى التفويض إليك، ولا تخلنا من يد تستوعب الشكر، ومن شكر يمترى خلف المزيد، ومن مزيد يسبق اقتراح المقترحين، وصنع هو من ذرع الطالبين، حتى نلقاك مبشرين بالرضا، محكمين في الحسنى، غير مناقشين ولا مطرودين. اللهم أعذنا من جشع الفقير، وريبة المنافق، وتجليح المعاند، وطيشة العجول، وفترة الكسلان، وحيلة المستبد، وتهور الغافل، وحيرة المحرج، وحسرة المحوج، وفلتة الذهول، وحرقة النكول، ورقبة الخائف، وطمأنينة المغرور، وغفلة الغرور، واكفنا مؤونة أخ يرصد

стр. 913

مسكوناً إليه، ويمكر موثوقاً به، ويخيس معتمداً عليه، وصل الكفاية بالسلوة عن هذه الدنيا، واجعل التهافنا عليها حنيناً إلى دار السلام ومحل القرار، وغلب إماننا بالغيب على يقيننا بالعيان، أحرسنا من أنفسنا فإنها ينابيع الشهوة ومفاتيح البلوى، وأرنا من قدرتك ما يحفظ علينا هيبتك، وأوضح لنا من حكمتك ما يقلبنا في ملكوتك، وأسبغ علينا من نعمتك ما يكون لنا عوناً على طاعتك، وأشع في صدورنا من نورك ما تتجلى به حقائق توحيدك، واجعل ديدننا ذكرك، وعادتنا الشوق إليك، وعلمنا النصح لخلقك، واجعل غايتنا الاتصال بك، واحجبنا عن قول يبرأ من رضاك، وعمل يعمى صاحبه عن هداك، وألف بيننا وبين الحق، وقربنا من معادن الصدق، واعصمنا من بوائق الخلق، وانقلنا من مضايق الرزق، واهدنا إلى فوائد العتق. اللهم إنك بدأت بالصنع، وأنت أهله، فأنعم بالتوفيق فإنك أهله. اللهم إنا نتضاءل عند مشاهدة عظمتك، وندل عليك عند تواتر برك، ونذل لك عند ظهور آياتك، نلح عليك عند علمنا بحودك، ونسألك من فضلك ما لا يرزأك ولا ينكأك، ونتوسل إليك بتوحيد لا ينتمي إليه خلق، ولا يفارقه حق.

стр. 914

هذا الجزء الخامس من البصائر، وهو صنو ما سلف منه، فاجعله درسك ليلك ونهارك، واجعله تلاوتك سرك وجهارك، واختلس حظك من المعارف فيه تتخلص من المناكر، وخض بحر المعارف تنج من المجاهل، واعلم أن عملك لا يزكو، وسرك لا يصفو، وعاقبتك لا تحلو، حتى تقف بين أمر الله ونهيه، غير محتج بإرادة الله تعالى وعمله، متوقفاً عما وقفك عنه، متخففاً إلى ما أنهضك إليه، عالماً بأن البدء منه، والحجة منه عليك، وان الذي عليك بنسبتك إليه أن تكون عبداً ذليلاً، والذي لك عنده أن يجعلك ملكاً عزيزاً، ولا تفوتن نفسك فإنك حظها، ولا تفوتنك نفسك فإنها حظك، واتق عذاباً يستغرقك، وخف حساباً يأتي عليك، وافتح ديوان نفسك، وكن رقيب أمرك، قبل أن يشركك من لا يوطئ عشوة، ولا يقبل رشوة، واعلم انك في هذه الدار بين طيب وخبيث وقديم وحديث وقول وعمل وعذر وعذل وإضرار واختيار، وشكر وصبر، ووفاء وغدر، وعزاء وجزع، وأمان وفزع، وظلمة ونور وترحة وسرور، وغمة وانجلاء، وهبطة واعتلاء، وعافية وابتلاء، وصحوة وسكر، ولذة وحسرة، ويقين وحيرة، واجتماع وفرقة، وإمتاع وحرقة، ووحشة وانس، وهم وعرس، وإطلاق وحبس، واستقلال ونكس، وسعادة ونحس، ونزاهة وحرص، وحفظ وإضاعة، وكتمان وإذاعة، ودرك وفوت، وحياة وموت، فخذ نفسك بالإعراض عن زهرة تحول، ونعم تيلى، ومدة تنصرم، وشهوة تنقضي، وتبعة تبقى، وندم يصير لزاماً، والزم الصمت إلى أن ترى هلكك فيه، والزم النطق إلى أن ترى ضياعه عنك

стр. 915

عند مستمعيه، وعاشر ما قبل نصحك في العشرة، وتفرد ما رأيت الخلل في الخلة، واعمل ما دام الإخلاص صاحبك، واعتقد ما صحب اليقين عقيدتك، واصرف غاية اجتهادك ونهاية سعيك وبليغ كدحك في اقتباس العلم فإنه نور وضياء، وبر وشفاء، وحلية وجمال، ومتعة وراحة، وهدي وبيان، وسعادة ونجاة، ودنيا وآخرة، وغنى ويسار، إن لم يغنك بالبضاعة أغناك بالقناعة، وإن لم يبلغك منزلة النيل به لم يخلك من الاستراحة إليه. وقف متعلم بباب عالم فقال: واسونا مما رزقكم الله؛ فأخرجوا له طعاماً فقال: فاقتي إلى كلامكم أشد من حاجتي إلى طعامكم؛ اعلموا أن فلاناً طالب هدى لا سائل ندى. فأذن له وأوسعه فوائد، فخرج وهو يقول: علم أوضح لبساً، خير من مال أغنى نفساً. نظر عالم إلى تلامذته فقال: ما كل ذي تحصيل يرجع إلى تفصيل، وما كل ذي سماع يأوي إلى قلب يراع، وما كل ذي اقتباس يستند إلى قياس، وأنشد: البسيط لا تبخلن بفضل العلم تمنحه ... ما كل قابس علم حلف مقباس إن النجوم يراها كل ذي بصر ... وليس يعرفها جيل من الناس وكن من مصيرك إلى الله على فرق، فإن ذلك يسهل عليك الكد في طلب الراحة، ولا يغرنك ظاهر ما ترى من هذا العالم عن باطن ما تغفل عنه، فإن ناظم هذا الفلك، ومزين هذه السماء، وساطح هذه الأرض، وجاسي هذا الجو، وفالق هذا البحر، وبارئ هذه النسمة، لم يخلقها عبثاً، ولم يتركها سدى؛ فاعرفه معرفة تنسيك ما سواه، واعتصم بحبل من حسن الظن به فإنه يجزيك، وتحبب إليه بالتحبب إلى خلقه، وتطامن للحق، وأعز الحق،
следующие страницы →