Полный текст (60 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
رسالة في تفسير قوله تعالى
إن إبراهيم كان أمة
تأليف
شمس الدين محمد بن علي بن طولون الصالحي
المتوفى سنة (٩٥٣ هـ)
تحقيق
محمد خير رمضان يوسف
دار ابن حزم
١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله تعالى:
﴿إن إبراهيم كان أمةً قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين. شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراطٍ مستقيمٍ. وآتيناه في الدنيا حسنةً وإنه في الآخرة لمن الصالحين. ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين.﴾ .
стр. 3
[النبي الأمة]
قال الراغب: الأمة: كل جماعةٍ يجمعهم أمرٌ ما: إما دينٌ واحد، أو زمانٌ واحد، أو مكان [واحد] . سواءٌ كان ذلك الأمر الجامع تسخيراً، أو اختياراً.
ثم قال بعد ذلك: وقوله: ﴿إن إبراهيم كان أمةً﴾ أي: قائماً مقام جماعةٍ في عبادة الله، نحو قولهم: فلانٌ في نفسه قبيلةٌ. وكما روي أنه ((يحشر زيد بن عمرو أمةً وحده)) .
стр. 4
وذكر صاحب الكشاف في معنى قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمةً﴾ وجهين:
أحدهما نحو الذي أشار إليه الراغب، أي: كان وحده أمةً من الأمم، لكماله في جميع صفات الخير، كقول بعضهم:
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
قال مجاهد: كان مؤمناً وحده، والناس كلهم كفار.
والوجه الثاني: أن يكون أمةً بمعنى مأموم، أي: يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير، أبو بمعنى مؤتم به، كالرحلة وما أشبهها، مما جاء من ((فعلة)) بمعنى مفعول، فيكون مثل قوله تعالى: ﴿قال إني جاعلك للناس إماماً﴾ .
وقال ابن مسعود عند ذكر معاذ – ﵄: ((إن معاذاً كان أمةً قانتاً لله)) . ثم قال: ((الأمة)) معلم الخير.
стр. 5
[القانت]
والقانت: المطيع لله ورسوله، وأصل القنوت: لزوم الطاعة والخضوع. وفسر بكل منهما قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ .
وقيل: القنوت: القيام، وبه فسر قوله ﷺ لما سئل: أي الصلاة أفضل؟ قال: ((طول القنوت)) . لكنه ليس مطلق القيام، بل القيام مع الخضوع. فيكون هنا معنى القانت: القائم بما أمره الله به.
стр. 6
[الحنيف]
والحنيف: المائل إلى ملة الإسلام، غير الزائل عنه.
والحنف: هو الميل عن الضلال إلى الاستقامة.
.. ..: تحنف الرجل: إذا تحرى طريق الاستقامة.
وكانت العرب تسمي كل من اختتن أو حج: حنيفاً، تنبيهاً على أنه على دين إبراهيم ﵊.
ومنه ما جاء في بعض روايات بدء الوحي: ((كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء، في كل سنة شهراً)) .
وكان ذلك ما تحنف به قريش في الجاهلية. والتحنف: التبرر.
стр. 7
قال السهيلي: لأنه من الحنيفية، دين إبراهيم ﵇.
ثم أكد ذلك بنفي الشرك عنه، رداً على قريش في زعمهم أنهم على ملة إبراهيم ﵇، وهم مشركون، وهو ﵊، لم يكن مشركاً، بل كان حنيفاً على دين الإسلام.
أخبرنا شيخنا أبو الفضل سليمان بن حمزة، وعيسى بن عبد الرحمن المقدسيان، بقراءتي على كل منهما، قالا: أخبرنا جعفر بن علي المقرئ، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد الحافظ، أخبرنا أحمد بن عبد الغفار بن أشتة، حدثنا محمد بن علي الحافظ، أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الفقيه، حدثنا القاسم بن زكريا، حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، وأحمد بن سفيان، وفياض بن
стр. 8
زهير، قالوا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر.
ح: وأخبرنا أعلى من هذا بدرجة: البرهاني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الطبري بقراءتي عليه بمنى شرفها الله تعالى، أخبرنا علي بن هبة الله بن سلامة الفقيه، أخبرتنا الكاتبة شهدة بنت أحمد الإبري، أخبرنا الحسين بن أحمد بن طلحة، أخبرنا علي بن محمد بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس –﵄:
أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت –يعني الكعبة- لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام، فقال:
((قاتلهم الله! والله ما استقسما بالأزلام قط)) .
هذا لفظ الرواية الثانية.
стр. 9
[ولفظ] الرواية الأولى: ((قاتلهم الله! أم والله لقد علموا أنهما لم يستقسما قط)) .
أخرجه البخاري في صحيحه، عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن معمر به.
ورواه أيضاً بنحوه من حديث كريب، عن ابن عباس.
وهو في صحيح مسلم من هذا الوجه.
وتحتمل الآية هنا الرد أيضاً على اليهود والنصارى، في دعوى كل طائفة منهم أن إبراهيم ﵇ كان منهم، كما في قوله تعالى: ﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين﴾ . لأن كلاً من ملة اليهود والنصارى مشتملةٌ على الشرك، كما أخبر الله سبحانه عنهم.
قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، وغيرهم من أهل التفسير: اجتمع يهود المدينة ونصارى نجران عند رسول الله ﷺ ، فتنازعوا في إبراهيم ﵇، فقالت اليهود: ما كان إلا
стр. 10
يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانياً. فأنزل الله هذه الآية: ﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً﴾ الآية.
стр. 11
[الشاكر المضياف]
وقوله تعالى: ﴿شاكراً لأنعمه﴾ .
الشكر: تصور النعمة وإظهارها.
وقيل: هو مقلوبٌ من ((الكشر)) أي: الكشف.
والشكر يكون بالقلب، وهو تصور النعمة كما ذكرنا. وباللسان، وهو الثناء على المنعم. وبسائر الجوارح، وهو مكافأة النعمة بالطاعات، ومنه قوله ﷺ : ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) لما عذل في كثرة الصلاة.
قال بعض المفسرين: كان شكر إبراهيم ﵊ أنه كان لا يتغذى إلا مع ضيف، فلم يجد ذات يومٍ ضيفاً، فأخر غداءه، فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر. فدعاهم إلى الطعام، فتجملوا له، وخيلوا له أن بهم جذاماً، فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم، شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم.
أخبرنا أبو الربيع بن قدامة الحاكم، أخبرنا جعفر الهمداني،
стр. 12
أخبرنا أبو طاهر السلفي، أخبرنا الهيثم بن الفضل، أخبرنا علي بن محمد العكبري، أخبرنا أحمد بن محمد الجوزي، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك، حدثنا أبو أسامة، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال:
((كان أول من ضيف الضيف إبراهيم ﵊) .
هذا حديث حسن.
وأخبرنا إسحاق بن يحيى الأموي، أخبرنا يوسف بن خليل
стр. 13
الحافظ، أخبرنا خليل بن أبي.. ... الرازي، ومحمد بن أحمد.. .. قالا: أخبرنا الحسن بن أحمد المقرئ، والثاني.. ... أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن جعفر بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الجرمي حدثنا.. ... الأصبهاني، حدثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال:
كان إبراهيم ﵊ يأتيه الله بالضيف ليأجره، قال: فاحتبس عليه الضيف ثلاثاً، فقال لسارة: لقد احتبس عنا الضيف، وما نراه احتبس عنا إلا لما يرى مني.. .. على خدمنا. افعلوا وافعلوا، فإن جاء ضيف لا يخدمه غيري وغيرك.. ...
حدثنا محمد بن سهل، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا أبي، أن عمير بن زيد أخبره، عن عمرو بن دينار قال:
لما تضيفت الملائكة إبراهيم ﵇، قدَّم العجل،
стр. 14
فقالوا: لا نأكل إلا بثمن! قال: فكلوه وأدوا ثمنه. قالوا: وما ثمنه؟ قال: تسمون الله إذا أكلتم، وتمجدونه إذا فرغتم.
قال: فنظر بعضهم إلى بعضهم فقالوا: بهذا اتخذك الله خليلاً!.
стр. 15
[الخليل المجتبى]
والاجتباء: اصطفاء الله سبحانه إياه وتخصيصه بأنواع النعم، من النبوة، والرسالة، والخلة، وغير ذلك.
والهداية: الدلالة والإرشاد.
والمراد بالصراط المستقيم: ملة الإسلام.
واختلف في المراد بالحسنة، من قوله: ﴿وآتيناه في الدنيا حسنةً﴾ .
فقيل: البركة في الأموال والأولاد.
وقيل: هي الخلة التي اصطفاه الله بها. قال: الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ .
стр. 16
وقال قتادة: هي تنويه الله بذكره، حتى ليس من أهل دين إلا وهم يقولونه.
وقيل: هي صلاة الله عليه، وهي المعنية بقول المصلي منا: ((كما صليت على إبراهيم)) ،
كما أخبرنا عبد القادر بن يوسف الخطيري، ومحمد بن عبد الرحيم القرشي، قال الأول: أخبرنا عبد الوهاب بن ظافر، وقال الثاني: أخبرنا يوسف الشاوي، قالا: أخبرنا أحمد بن محمد الأصبهاني الحافظ، أخبرنا نصر بن أحمد بن البطر، أخبرنا عبد الله بن عبيد الله بن الحسن بن إسماعيل، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جرير ومحمد بن فضيل –واللفظ لجرير- قالا: حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة ﵁ قال:
стр. 17
لما نزلت: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ الآية، سألنا النبي ﷺ عن الصلاة، قال:
((قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد)) .
هذا حديث صحيح، اتفقوا على إخراجه من طرق كثيرة بنحو هذا إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة.
واتفقا على إخراجه من رواية أبي حميد الساعدي.
وانفرد به البخاري من حديث أبي سعيد الخدري.
ومسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري.
стр. 18
[الصالح]
وقوله تعالى: ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ يعني من أهل الجنة.
أخبرنا يوسف بن محمد بن إبراهيم، ومحمد بن أبي بكر بن مشرف بقراءتي عليهما، قال الأول: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم التنوخي، أخبرنا بركات بن إبراهيم المقدسي، أخبرنا عبد الكريم بن حمزة، أخبرنا الحافظ أحمد بن علي الخطيب.
ح: وقال شيخنا الثاني: أنبأنا علي بن أبي عبد الله البغدادي، عن الفضل بن سهل، عن الخطيب، أخبرنا القاسم بن جعفر الهاشمي، أخبرنا محمد بن أحمد اللؤلؤي، حدثنا سليمان بن الأشعث الحافظ، حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن مختار بن فلفل، يذكر عن أنس بن مالك ﵁ قال:
قال رجل لرسول الله ﷺ : يا خير البرية.
فقال رسول الله ﷺ : ((ذاك إبراهيم ﵇) .
أخرجه مسلم، والترمذي أيضاً من هذا الوجه، وزاد: ((ذاك إبراهيم خليل الله)) .
стр. 19
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال:
((أنا سيد ولد آدم، ولا فخر)) .
وطريق الجمع بينه وبين هذا الحديث من وجهين:
أحدهما: أنه ﷺ قال ذلك قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من سائر الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ ثم لما أعلمه الله بذلك نبه الناس.
والثاني: وهو الأقوى: أنه ﷺ قال ذلك على وجه التواضع والاحترام لإبراهيم ﷺ ، لخلته، وأبوته، ولبيان ما يجب له من التوقير والاحترام. ولذلك لما قال ﷺ : ((أنا سيد ولد آدم)) أتبعه بقوله: ((ولا فخر)) ليبين ﷺ أنه لم يقل ذلك على وجه الافتخار والتطاول على من تقدمه، بل قاله بياناً لما أمر ببيانه، والله سبحانه أعلم.
стр. 20
[صاحب الملة الحنيفية]
وقوله تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾ الآية.
ثم في هذه إعلامٌ بتعظيم منزلة نبينا ﷺ ، وإجلال محله، والإيذان بأن من أشرف ما أوتي خليل الله إبراهيم ﵊ اتباع نبينا ﷺ أباه، واقتداءه به. فهذا وجه تعلق المعطوف بالمعطوف عليه.
وذكر بعض المفسرين أن أمر النبي ﷺ في هذه الآية باتباع إبراهيم ﵇؛ أريد به اتباعه إياه في مواقف الحج، وذكر في ذلك حديثاً في إسناده ضعف: عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال:
((جاء جبريل ﵇ إلى إبراهيم ﷺ ، فراح به إلى منى)) . فذكر كيفية مناسك الحج، وقال في آخره: ((فأوحى الله إلى محمد ﷺ : ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾ )) .
стр. 21
وهذا الحديث غير ثابت، لما بينا من ضعف إسناده.
والأقرب حمل الأمر هنا على العموم، في اتباع إبراهيم ﵊ في كل شيء، إلا ما نسخه الله من ذلك، لأنه تقدم أن هذه الآيات بين الله بها أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً ولم يكن مشركاً؛ رداً على المشركين في دعواهم أنهم على دين إبراهيم ﵊، وهم مشركون، وهو –صلوات الله عليه- لم يكن مشركاً، فناسب ذلك الأمر النبي ﷺ باتباع ملة إبراهيم في دين الإسلام والتوحيد وأعماله. وتندرج أفعال الحج تحت ذلك. وحملُ اللفظ على العموم مهما أمكن أولى. والله أعلم.
أخبرنا أبو بكر بن إبراهيم بن عبد الدائم، أخبرنا محمد بن إبراهيم الإربلي، أخبرتنا شهدة بنت أحمد الإبري. (ح) : وقرأت على محمد بن عبد الرحيم، أخبرك يوسف بن محمود الصوفي، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي قالا: أخبرنا نصر بن البطر، أخبرنا عبد الله بن البيع، حدثنا الحسين المحاملي، حدثنا علي بن شعيب، حدثنا سفيان بن عيينة قال: سمع عمرو –يعني ابن دينار- عمرو بن عبد الله بن صفوان يحدث عن يزيد بن شيبان ﵁ قال:
стр. 22
كنا وقوفاً بعرفة في مكان بعيد من الموقف، يباعده عمرو، فأتانا ابن مربع الأنصاري ﵁ فقال: إني رسول رسول الله إليكم، يقول: ((كونوا على مشاعركم هذه، فإنكم على إرث إبراهيم ﵇) .
أخرجه أبو داود عن عبد الله بن محمد النفيلي.
والترمذي، والنسائي عن قتيبة بن سعيد.
وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة.
ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة به، فوقع بدلاً لهم عالياً.
وقال الترمذي: حديث حسن، وابن مربع اسمه يزيد بن مربع الأنصاري، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد.
قلت: وذكر غيره أن اسم مربع هذا: زيد، وقيل: عبد الله. وهو من الأوس. ﵁.
ومربع: بكسر الميم، ثم راء ساكنة، ثم باء موحدة مفتوحة، وعين مهملة.
أخبرنا علي بن محمد البنديجي، أخبرنا محمد بن علي
стр. 23
البغدادي.. .. أخبرنا عبد العزيز بن الأخضر الحافظ، أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي. (ح) : قال شيخنا: وأنبأنا عبد الخالق بن أنجب، عن الكروخي هذا، أخبرنا محمود بن القاسم الأزدي، وعبد العزيز بن محمد الترياقي، وأحمد بن عبد الصمد الغورجي، قالوا: أنبأنا عبد الجبار بن محمد الجراحي. (ح) : وقرأت على القاسم بن مظفر الدمشقي، أخبرك القاضي أبو نصر محمد بن هبة الله بن سميل حضوراً، أخبرنا نصر بن سيار كتابة، أخبرنا أبو عامر الأزدي، أخبرنا الجراحي، أخبرنا محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا محمد بن عيسى الحافظ، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو أحمد –يعني الزبيري-، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله –هو ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
((إن لكل نبيٍ ولاةً من النبيين، وإن وليي أبي وخليل ربي)) .
стр. 24
ثم قرأ: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾ .
هكذا أخرجه الترمذي في جامعه.
ثم رواه من حديث أبي نعيم، عن سفيان الثوري، ولم يذكر فيه مسروقاً، وقال: هذا أصح.
стр. 25
[وصفه]
أخبرنا العلامة أبو إسحاق العباس أحمد بن إبراهيم الفزاري الخطيب قراءة عليه وأنا أسمع سنة ٧٥٣هـ، أخبرنا العلامة أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح، أخبرنا المؤيد بن محمد الطوسي، أخبرنا محمد بن الفضل الساعدي، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا أحمد بن عمرويه، حدثنا إبراهيم بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث. (ح) : قال: وحدثنا محمد بن رمح، أخبرنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال:
((عرض علي الأنبياء ﵈، فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه، وإذا أقرب من رأيت به شبهاً صاحبكم.
стр. 26
يعني نفسه صلى الله عليهما وسلم)) . وذكر بقية الحديث.
كذا أخرجه مسلم في الصحيح.
ورواه أيضاً من حديث أبي هريرة:
أخبرنا أبو محمد بن أبي غالب العساكري سماعاً عليه، عن أبي الوفاء محمود بن إبراهيم العبدي، أخبرنا الحسن بن العباس الرستمي، أخبرنا عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن مندة، أخبرنا أبي، أخبرنا محمد بن الحسين بن الحسن، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي. (ح) : قال: وأخبرنا علي بن العباس، حدثنا محمد بن حماد، قالا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ :
((حين أسري بي لقيت موسى ﵊، فنعته، قال رجلٌ: حسبته قال: مضطربٌ، رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة. ولقيت عيسى ﵊، قال: ربعةٌ، أحمر، كأنما خرج من ديماس. قال: ورأيت إبراهيم ﵊، وأنا أشبه ولده به ﷺ ) .
أخرجه البخاري عن محمود. ومسلم عن محمد بن
стр. 27
رافع، وعبد بن حميد، والترمذي عن محمود بن غيلان، كلهم عن عبد الرزاق به على البدلية.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي العز بن بيان وآخرون قالوا: أخبرنا الحسين بن المبارك، أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا عبد الله بن أحمد، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا الإمام محمد بن إسماعيل، حدثنا مؤمل، حدثنا إسماعيل، حدثنا عوف، حدثنا أبو رجاء، حدثنا سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
((أتاني الليلة آتيان، فأتينا على رجلٍ طويلٍ، لا أكاد أرى رأسه طولاً، وإنه إبراهيم ﵊) .
كذا رواه مختصراً.
стр. 28
[أول من اختتن]
وبهذا الإسناد إلى الإمام البخاري قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
((اختتن إبراهيم ﵊ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم)) .
وبه قال: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد به، وقال: بالقدوم، مخففة. كذا وقع في صحيح البخاري بالروايتين.
ورواة صحيح مسلم متفقون على رواية هذا الحديث فيه بالقدوم مخففة.
стр. 29
وهذه اللفظة تحتمل أن تكون الآلة التي للنجار، فيكون إبراهيم –صلوات الله عليه- اختتن بها، ويحتمل أن يكون موضعاً اختتن به. قالوا: وهو مكان بالشام، ويقال له ((قدوم)) بالتشديد والتخفيف. وأما آلة النجار فيقال بالتخفيف لا غير، وجمهور الرواة على التخفيف. والأكثرون على أن المراد به الآلة. والله أعلم.
والختان هذا من جملة الكلمات التي أخبر الله سبحانه عنها بقوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ الآية، في قول جمهور المفسرين. والمعنى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بإقامة كلمات، أو بتوفية كلمات.
قال ابن عباس ﵄:
أوحى الله تعالى إلى إبراهيم: يا خليلي تطهر. فتمضمض.
فأوحى إليه: أن تطهر. فاستاك.
فأوحى إليه: أن تطهر. فأخذ من شاربه.
فأوحى إليه: أن تطهر. ففرق شعره.
فأوحى إليه: أن تطهر. فحلق عانته.
فأوحى إليه: أن تطهر. فنتف إبطيه.
فأوحى إليه: أن تطهر. فقلم أظافره.
стр. 30
فأوحى إليه: أن تطهر. فأقبل بوجهه على جسده ينظر ماذا يصنع. فاختتن وهو ابن عشرين ومائة سنة.
أخبرنا سليمان بن حمزة الحاكم، وعيسى بن إبراهيم، وأحمد بن أبي طالب، بقراءاتي على كل منهم، قالوا: أخبرنا عبد الله بن عمر الحريمي، أخبرنا مسعود بن محمد بن عبد الواحد، أخبرنا الحسين بن محمد السراج، ومحمد بن محمد العطار، قالا: أخبرنا الحسن بن أحمد بن شاذان، أخبرنا علي بن محمد بن الزبير، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال:
اختتن إبراهيم خليل الله –﵊ وهو ابن عشرين ومائة سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة.
قال سعيد بن المسيب: وكان إبراهيم ﵊ أول من اختتن، وأول من رأى الشيب، قال: فقال: يا رب، ما هذا؟ قال: فقيل له: وقار. قال: رب زدني وقاراً. وأول من أضاف الضيوف، وأول من قص أظافيره، وأول من جز شاربه، وأول من استحد.
كذا وقع في هذه الرواية أنه اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنة.
стр. 31
وكذلك رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، كما رويناه وهو موقوف أيضاً.
والصحيح ما تقدم مرفوعاً في الصحيحين، أنه ﵇ اختتن وهو ابن ثمانين سنة. والله سبحانه أعلم.
стр. 32
[الاطمئنان]
أخبرنا سليمان بن حمزة الحاكم، ومحمد بن محمد بن الشيرازي، ويحيى بن محمد بن سعد، قالوا: أنبأنا الحسن بن يحيى بن صباح، وقال الأول أيضاً: أنبأنا محمد بن عماد الحراني، قالا: أخبرنا عبد الله بن رفاعة السعدي، أخبرنا علي بن الحسن الخلعي، أخبرنا عبد الرحمن بن عمر بن النحاس. (ح) : وأخبرنا القاسم بن مظفر، وأبو نصر محمد بن محمد المزي، كلاهما عن محمود بن إبراهيم بن مندة، أخبرنا الحسن بن العباس الفقيه، أخبرنا أبو عمرو عبد الوهاب، أخبرنا أبي الحافظ محمد بن إسحاق، قالا: حدثنا أبو طاهر أحمد بن عمرو المديني. (ح) : وأخبرنا أبو الربيع بن قدامة الحنبلي، وأبو نصر بن سميل، وأبو محمد بن أبي غالب الدمشقيان، قالوا: أنبأنا محمد بن عبد الواحد المديني، أخبرنا محمد بن أحمد الباغبان، أخبرنا إبراهيم بن محمد الطيان، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله
стр. 33
الناجر، حدثنا الإمام أبو بكر عبد الله بن زياد النيسابوري، قالا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن أبي شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب. عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال:
((نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ )) .
قال: ((ويرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديدٍ. ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف؛ لأجبت الداعي)) . لفظهم واحد.
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري عن أحمد بن صالح، ومسلم عن حرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب، فوقع بدلاً لهما عالياً.
ورواه ابن ماجه، عن يونس بن عبد الأعلى به، فوافقناه بعلو.
стр. 34
قال الإمام أبو إبراهيم المزني وجماعة من العلماء: هذا الحديث يدل على نفي الشك في إحياء الموتى عن إبراهيم، واستحالته في حقه. ومعناه: إنه لو كان الشك في إحياء الموتى متطرقاً إلى الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- لكنت أنا أحق به من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أن إبراهيم ﵇ لم يشك.
ويكون قال ﷺ هذا إما على وجه الأدب، كما تقدم في حديث ((خير البرية)) - أو أرادا منه الذين يجوز عليهم الشك.
وذكر في الحديث وجهان آخران.
أحدهما: أنه خرج مخرج العادة في الخطاب، من غير تصور شك من أحد منهما، كما يقول من يريد المدافعة عن إنسان لم يقصده: ما كنت قائلاً لفلان أو فاعلاً معه من مكروه فقله لي وافعله معي. ومقصوده أن لا يقع شيء له ولا لذاك.
стр. 35
والوجه الثاني: أن هذا الذي يظنونه شكاً أنا أولى به، فإنه ليس بشك، ولكنه طلب لمزيد اليقين.
وهذا على أحد التأويلات المذكورة في قول إبراهيم ﵇: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ ، قالوا: فسأل زيادة اليقين، وقوة الطمأنينة، وإن لم يكن في الأول شك، إذ العلوم النظرية والضرورية قد تتفاضل في قوتها، فأراد الانتقال من النظر إلى المشاهدة، والترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، فليس الخبر كالمعاينة.
قال سهل بن عبد الله التستري ﵀: سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين تمكناً في حاله.
وفي الآية وجوهٌ أخر لأهل التفسير، منها –وهو أظهرها- أنه ﵇ أراد الطمأنينية بعلم كيفية الإحياء مشاهدةً، بعد العلم بها استدلالاً، فإن علم الاستدلال قد تطرق إليه الشكوك، بخلاف علم المعاينة فإنه ضروري.
ويكون معنى قوله تعالى: ﴿أولم تؤمن﴾ استفهام الإيجاب، كقول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا
стр. 36
يعني أنتم كذلك.
ومنها ما روي عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير، والسدي، أن ملك الموت ﵇ استأذن ربه أن يأتي إبراهيم ﵇، فيبشره بأن الله اتخذه خليلاً. فأتاه، وبشره بذلك، فحمد الله وقال: ما علامة ذلك؟
فقال: أن يجيب دعاءك، ويحيى الموتى بسؤالك.
فقال إبراهيم ﵊ بعد ذلك: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى﴾ . وأراد بذلك زيادة الطمأنينية في أنه هو الخليل. ويكون معنى قوله تعلى: ﴿أولم تؤمن﴾ أي: ألم تصدق بعظم منزلتك عندي، واصطفائك، وخلتك؟
وفيه أيضاً وجوه أخر غير ذلك. والله سبحانه أعلم.
стр. 37
[الصحف]
أخبرنا محمد بن أبي الهيجاء بقراءتي عليه، أخبرنا الحسن بن محمد بن محمد بن البكري، أخبرنا عبد المعز بن محمد الهروي، أخبرنا تميم بن أبي سعيد الجرجاني، أخبرنا علي بن محمد البحاثي، أخبرنا محمد بن أحمد الزوزني، أخبرنا محمد بن حبان الحافظ، أخبرنا الحسن بن سفيان، والحسين بن عبد الله القطان، وابن قتيبة، قالوا: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حدثنا أبي، عن جدي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر ﵁ قال:
стр. 38
دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالسٌ وحده. فذكر الحديث بطوله، وفيه:
قلت: يا رسول الله، كم كتاباً أنزله الله؟
قال: ((مائة كتاب وأربعة كتبٍ، أنزل على شيث خمسين صحيفةً، وأنزل على أخنوخ ثلاثين صحيفةً، وأنزل على إبراهيم ﵇ عشر صحائف، وأنزل التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان)) .
قال: قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟
قال: ((كانت أمثالاً كلها:
أيها الملك المسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر.
وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات: ساعةٌ يناجي فيها ربه، وساعةٌ يحاسب فيها نفسه، وساعةٌ يتفكر فيها في صنع الله، وساعةٌ يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب.
وعلى العاقل أن لا يكون ظاعناً إلا لثلاثٍ: تزود لمعادٍ، أو مرمةٍ لمعاشٍ، أو لذةٍ في غير محرمٍ.
стр. 39
وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه.
ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.
قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى؟
قال: ((كانت عبراً كلها:
عجيبٌ لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح!
عجيبٌ لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك!
عجيبٌ لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب!
عجيبٌ لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم هو يطمئن إليها!
وعجيبٌ لمن أيقن بالحساب غداً ثم لا يعمل)) .
وذكر بقية الحديث بطوله.
كذا أخرجه ابن حبان في صحيحه بتمامه.
стр. 40
[أول من يكسى يوم القيامة]
أخبرنا شيخنا أبو الفضل سليمان بن حمزة، وعيسى بن معالي، وعبد الأحد بن أبي القاسم الحنبليون، بقراءاتي، قالوا: أخبرنا عبد الله بن اللتي، أخبرنا سعيد بن أحمد بن البنا حضوراً، أخبرنا محمد بن محمد الزينبي، أخبرنا محمد بن عمرو بن زنبور، حدثنا عبد الله بن سليمان الحافظ، حدثنا علي بن محمد بن أبي الخصيب، حدثنا وكيع، عن مسعر، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال:
قام فينا رسول الله ﷺ بالموعظة فقال:
((إنكم محشورون عراةً غرلاً. فأول الخلائق يكسى إبراهيم ﵊. ألا وإنه يجاء برجالٍ منكم، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب، أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما
следующие страницы →