← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 26458

التحديد في الإتقان والتجويد لأبي عمرو الداني

أبو عمرو الداني

Полный текст (112 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان المقرئ، ﵁ وأرضاه: الحمد لله المتفرد بالنعماء، المتوحد بالآلاء، ذي العزة الغالب، والدين الواصب، أحمده على نعمائه التي لا تخفى، وآلائه التي لا تحصى. وصلى الله على سيدنا محمدٍ، خاتم الأنبياء، وسيد الأصفياء، وعلى أهله الطيبين، وأصحابه المنتجبين، وسلم تسليماً. أما بعد فقد حداني ما رأيته من إهمال قراء عصرنا ومقرئي دهرنا تجويد التلاوة وتحقيق القراءة، وتركهم استعمال ما ندب الله تعالى إليه، وحث نبيه ﷺ وأمته عليه، من تلاوة التنزيل بالترسل والترتيل -أن أعملت نفسي في رسم كتابٍ خفيف المحمل، قريب المأخذ، في وصف علم الاتقان والتجويد، وكيفية الترتيل والتحقيق، على السبيل التي أداها المشيخة من الخلف، عن الأئمة من السلف، واجتهدت في بيان ذلك، وبذلت طاقتي، وبالغت في إيضاحه عنايتي، وأفصحت عن جليه وظاهره، ودللت على خفيه وداثره، وأودعته الوارد من السنن والأخبار في

стр. 2

معناه، على حسب ما إلينا أداه من لقيناه من العلماء، وشاهدناه من الفهماء، عن الأئمة الماضين والقراء السالفين، لتتوفر بذلك فائدته ويعم نفعه من رغب حفظه وأراد معرفته من المتناهين والمقصرين، إن شاء الله تعالى. قال أبو عمرو: وقراء القرآن متفاضلون في العلم بالتجويد والمعرفة بالتحقيق، فمنهم من يعلم ذلك قياساً وتمييزاً، وهو الحاذق النبيه، ومنهم من يعلمه سماعاً وتقليداً، وهو الغبي الفهيه، والعلم فطنةً ودرايةً آكد منه سماعاً وروايةً. وللدراية ضبطها ونظمها، وللرواية نقلها وتعلمها، والفضل بيد لله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

стр. 3

باب ذكر البيان عن معنى التجويد وحقيقة الترتيل والتحقيق وما جاء من السنن والآثار في الحث على استعمال ذلك والأخذ به اعلموا -أيدكم الله بتوفيقه- أن التجويد مصدر جودت الشيء. ومعناه انتهاء الغاية في إتقانه، وبلوغ النهاية في تحسينه، ولذلك يقال: جود فلان في كذا، إذا فعل ذلك جيداً، والاسم منه الجودة. فتجويد القرآن هو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها مراتبها، ورد الحرف من حروف المعجم إلى مخرجه وأصله وإلحاقه بنظيره وشكله، وإشباع لفظه، وتمكين النطق به على حال صيغته وهيئته من غير إسرافٍ ولا تعسفٍ، ولا إفراطٍ ولا تكلفٍ، وليس بين التجويد وتركه إلا رياضة من تدبره بفكه.

стр. 4

والترتيل مصدر رتل فلانٌ كلامه: أتبع بعضه بعضاً على مكثٍ وتؤدةٍ، والاسم منه الرتل، والعرب تقول: ثغرٌ رتلٌ إذا كان متفرقاً. وهو صفةٌ من صفات التحقيق وليس به، لأن الترتيل يكون بالهمز وتركه والقصر لحرف المد والتخفيف والاختلاس، وليس ذلك في التحقيق. وقال الله تعالى مؤدباً لنبيه وحاثاً لأمته على الاقتداء به: ﴿ورتل القرآن ترتيلاً﴾، أي تلبث في قراءته، وافصل الحرف من الحرف الذي بعده، ولا تستعجل فتدخل بعض الحروف في بعض. واشتقاقه من الرتل. قال صاحب العين: رتلت الكلام تمهلت فيه. وثغرٌ رتلٌ حسن التنضيد. وقال الأصمعي: وفي الأسنان الرتل وهو أن يكون بين الأسنان الفرج، لا يركب بعضها بعضاً. ولم يقتصر على الأمر بالفعل حتى أكده بمصدره تعظيماً لشأنه، وترغيباً في ثوابه، وقال تعالى: ﴿ورتلناه ترتيلاٍ﴾. أي أنزلناه على الترتيل،

стр. 5

وهو التمكث، وهو ضد العجلة. وقال : ﴿وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكثٍ﴾. أي على ترسلٍ. والتحقيق مصدر حققت الشيء، أي عرفته يقيناً. والعرب تقول بلغت حقيقة هذا الأمر، أي بلغت يقين شأنه والاسم منه الحق، فمعناه أن يؤتى بالشيء على حقه من غير زيادةٍ فيه ولا نقصانٍ منه. والترتيل يكون للتدبر والتفكر والاستنباط، والتحقيق لرياضة الألسن وترقيق الألفاظ الغليظة وإقامة القراءة، وإعطاء كل حرفٍ حقه من المد والهمز والإشباع والتفكيك، ويؤمن معه تحريك ساكنٍ واختلاس حركة متحرك. وتفكيك الحروف وفكها: بيانها وإخراج بعضها من بعضٍ بتيسرٍ وترسلٍ، ومن ذلك فك الرقبة وفك الأسير، لأنه إخراجهما من الرق والأسر، وكذلك فك الرهن هو إخراجه من الارتهان، وفك الأعضاء هو إخراجها من مواضعها، وفك الكتاب هو استخراج ما فيه. وكتاب الله تعالى يقرأ بالترتيل والتحقيق، وبالحدر والتخفيف، وبالهمز وتركه، وبالمد وقصره، وبالبيان والإدغام، وبالإمالة والتفخيم.

стр. 6

وإنما يستعمل القارئ الحدر والهذرمة، وهما سرعة القراءة مع تقويم الألفاظ وتمكين الحروف، لتكثر حسناته، إذ كان له بكل حرفٍ عشر حسناتٍ، وذلك بعد معرفته بالهمز من غير لكزٍ، والمد من غير تمطيطٍ، والتشديد من غير تمضيغٍ، والإشباع من غير تكلف. فهذا معنى التجويد وحقيقة الترتيل والتحقيق، على ما توجبه اللغة وما حكاه أهل العلم بالقراءة والمعرفة بالأداء. فنحن نورد من الآثار ما يدل على صحة ما نقلناه، ويحث على استعمال ما وصفناه، إن شاء الله تعالى. ذكر ذلك .. حدثنا محمد بن خليفة الإمام، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى، حدثنا مالك بن سعير، حدثنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، في هذه الآية ﴿ورتل القرآن ترتيلاً﴾، قال بينه بياناً.

стр. 7

حدثنا خلف بن إبراهيم المقرئ، حدثنا أحمد بن محمد المكي، حدثنا علي ابن عبد العزيز، حدثنا القاسم بن سلام، حدثنا حجاج، عن ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ورتل القرآن ترتيلاً﴾ قال: ترسل فيه ترسلاً. حدثنا محمد بن خليفة، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا جعفر بن محمد، حدثنا أبو بكر بن زنجويه، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن عبيد المكتب، عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿لتقرأه على الناس على مكثٍ﴾، قال: على تؤدة. حدثنا خلف بن أحمد بن هشام، حدثنا زياد بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن يحيى بن حميد، عن محمد بن يحيى بن سلام، عن أبيه، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود القرشي، أن رسول الله ﷺ كان يفسر ويرتل إذا قرأ. حدثنا علي بن خلف المكي، حدثنا علي بن مسرور، حدثنا أحمد بن علي

стр. 8

ابن أبي سليمان، عن سحنون، عن عبد الرحمن، عن مالك، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، عن المطلب بن أبي وداعة، عن حفصة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي في سبحته قاعداً قط حتى [كان] قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سبحته قاعداً، ويقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. حدثنا خلف بن حمدان، حدثنا أبو بكر المكي، حدثنا علي عن أبي عبيد، حدثنا أحمد بن عثمان، عن عبد الله بن المبارك، عن الليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك، عن أم سلمة ﵂ أنها نعتت قراءة رسول الله ﷺ مفسرةً حرفاً حرفاً. حدثنا فارس بن أحمد بن موسى المقرئ، حدثنا أحمد بن محمد وعبيد بن محمد، قالا: حدثنا علي بن الحسن القاضي، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا

стр. 9

وكيع، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن بعض أزواج النبي ﷺ ورضي عنهن -أنها سئلت عن قراءة النبي ﷺ فقالت: إنكم لا تستطيعونها. فقالوا: إنها أخبرتنا فقرأت قراءة ترسلت بها. حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن عفان القشيري، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا جرير بن حازم، عن قتادة، قال: سألت أنس بن مالك عن قراءة رسول الله ﷺ قال: كان يمد صوته مداً. حدثنا الخاقاني خلف بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا القاسم بن سلام، حدثنا يزيد عن يحيى بن سعيد، عن رجل حدثه عن أبيه أنه سأل زيد بن ثابت عن قراءة القرآن في سبع، فقال: حسنٌ، ولأن أقرأه في عشرين أو في النصف أحب إلي من أن أقرأه في سبعٍ، وسألني عن ذلك، أردده وأقف عليه. حدثنا فارس بن أحمد حدثنا أحمد بن محمد، وعبيد الله بن محمد، قالا: حدثنا علي بن حرب، حدثنا يوسف بن موسى، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل،

стр. 10

عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود، عن عبد الله، قال: أتاه رجل فقال: أقرأ القرآن، بالمفصل في ركعة، فقال: هذا كهذ الشعر، ونثراً كنثر الدقل. حدثنا خلف بن حمدان، حدثنا أحمد بن محمد حدثنا علي، حدثنا أبو عبيد، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: قرأ علقمة على عبد الله فكأنه عجل، فقال عبد الله: فداك أبي وأمي رتل فإنه زين القرآن. قال: وكان علقمة حسن الصوت بالقرآن. حدثنا محمد بن خليفة، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا حماد بن شعيب، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارق في الدرجات، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آيةٍ كنت تقرأها. حدثنا الخاقاني، حدثنا أحمد المكي، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو عبيد، حدثنا أبو نعيم، عن بشير بن المهاجر، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: كنت عند رسول الله ﷺ فسمعته يقول: إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة كالرجل الشاحب، وذكر الحديث، وفي آخره: ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج

стр. 11

الجنة وغرفها، فقال: فهو في صعودٍ ما دام يقرأ، هذا كان أو ترتيلاً. قال أبو عمرو: والأخبار الواردة لدينا بهذا المعنى كثيرة، اختصرنا هذه منها، إذ فيها كفاية ومقنع، وبالله التوفيق.

стр. 12

باب ذكر الوارد في قراءة التحقيق وتجويد الألفاظ ورياضة الألسن بالحروف حدثنا أبو الفتح شيخنا، حدثنا عمر بن محمد، حدثنا الحسن بن أبي الحسن العسكري، حدثنا محمد بن الحسن بن عمير، حدثنا عبد الرحمن بن داود بن أبي طيبة، قال: قرأت على أبي التحقيق، وأخبرني أنه قرأ على ورش التحقيق، قال: وأخبرني ورش أنه قرأ على نافع التحقيق، قال نافع: إنه قرأ على الخمسة التحقيق، قال: وأخبرني الخمسة أنهم قرأوا على عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة التحقيق، وأخبرهم عبد الله أنه قرأ على أبي بن كعب ﵁ التحقيق، وأخبره أنه قرأ على رسول الله ﷺ التحقيق، قال: وقرأ النبي ﷺ علي التحقيق.

стр. 13

قال أبو عمرو: هذا الخبر الوارد بتوقيف قراءة التحقيق من الأخبار الغريبة والسنن العزيزة التي لا توجد روايته إلا عند المكثرين الباحثين، ولا يكتب إلا عن الحفاظ الماهرين، وهو أصل كبير في وجوب استعمال قراءة التحقيق وتعلم الاتقان والتجويد، لاتصال سنده وعدالة نقلته، ولا أعلمه يأتي متصلاً إلا من هذا الوجه. حدثنا عبد الرحمن بن خالد الفرائضي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا البخاري، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام، عن قتادة، قال: سئل أنس ﵁ كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ -قال: كانت مداً، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد (بسم الله)، ويمد (الرحمن)، ويمد (الرحيم). قال أبو عمرو: وهذا حديث مخرج من الصحيح، وهو أصل في تحقيق القراءة، وتجويد الألفاظ، وإخراج الحروف من مواضعها، والنطق بها على مراتبها، وإيفائها صيغتها، وكل حق هو لها، من تلخيصٍ وتبيينٍ ومد وتمكينٍ وإطباقٍ

стр. 14

وتفش وصفيرٍ وغنةٍ وتكريرٍ واستطالة وغير ذلك، على مقدار الصيغة وطبع الخلقة، من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ، وسترى ذلك محدوداً ممثلاً مشروحاً في ما بعد، إن شاء الله تعالى. حدثنا محمد بن أحمد بن علي البغدادي، حدثنا أبو بكر بن مجاهد، قال: حدثني محمد بن سهل، حدثني إسحاق بن أحمد بن إبراهيم المروزي، عن عمر بن عمران العدوي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عاصم بن بهدلة، قال: قلت للطفيل بن أبي بن كعب ﵃ إلى أي معنى ذهب أبوك في قول رسول الله ﷺ : أمرت أن أقرأ عليك القرآن، قال: ليقرأ علي فآخذ ألفاظه. قال أبو عمرو: وهذا الحديث أيضاً أصل كبير في وجوب معرفة تجويد الألفاظ وكيفية النطق بالحروف على هيئتها وصيغتها، وأن ذلك لازم لكل قراء القرآن أن يطلبوه ويتعلموه وواجبٌ على جميع المتصدرين أن يأخذوه ويعلموه، اقتداء

стр. 15

برسول الله ﷺ في ما أمر به، واتباعاً له على ما أكده بفعله، ليكون سنة يتبعها القراء، ويقتدي بها العلماء. حدثنا عبد الرحمن بن عثمان الزاهد، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن أبي خيثمة، حدثنا محمد بن أبي غالب، حدثنا هشام، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن أبيه، عن جده، أنه كان عند عمر بن الخطاب ﵁ فسمع رجلاً يقرأ في سورة يوسف ﴿ليسجننه عتى حين﴾، فقال له عمر: من أقرأكها؟ قال أقرأنيها ابن مسعود، فكتب عمر إلى ابن مسعود ﵁ سلامٌ عليك، أما بعد فإن الله أنزل هذا القرآن فجعله قرآناً عربياً مبيناً، وأنزله بلغة هذا الحي من قريشٍ، فإذا جاءك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريشٍ، ولا تقرئهم بلغة هذيلٍ، والسلام. قال أبو عمرو: وهذا الخبر أصل كبير، ومعناه تعليم عمر عبد الله ﵄ رياضة الألسنة، وأمره إياه أن يأخذ من يقرئه بالتفرقة بين الحروف المتشابهة في اللفظ المتقاربة في المخرج، حتى يؤدي القرآن على ما أنزل عليه من القراءات

стр. 16

واللغات دون ما يجوز من ذلك من كلام العرب ولغاتها، إذا كان مخالفاً لما أنزل عليه من الأحرف، ألا ترى أن الفرق بين العين والحاء بحة الحاء، لولا هي لكانت عيناً. وإنما كانت ذات بحةٍ لهمسها وجهر العين، فقد ميز عمر ﵁ الفرق بينهما، وأمر عبد الله ﵁ بتتبع ذلك على القارئين وتلخيص بيانه للتالين. فيلزم سائر القراء وجميع أهل الأداء استعمال ذلك وتفقده، حتى يلفظه بالحروف على هيئتها، وينطق بها على مراتبها. حدثنا علي بن محمد الربعي، حدثنا عبد الله بن مسرور، حدثنا يوسف بن يحيى، حدثنا عبد الملك بن حبيب، قال حدثني طلق بن السمح وأسد بن موسى، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن عفان، حدثنا أحمد بن ثابت، حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا نصر بن مرزوق، حدثنا علي بن معبد. وحدثنا خلف بن حمدان، حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو عبيد، حدثنا نعيم بن حماد، قالوا: حدثنا بقية بن الوليد، واللفظ لأبي عبيد، عن حصين بن مالك

стр. 17

الفزاري، قال سمعت شيخاً يكنى أبا محمد، يحدث عن حذيفة بن اليمان، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها. قال أبو عمرو: وهذا الخبر أصلٌ لصحة افتراق طباع أئمة القراءة في الترتيل والتحقيق والحدر والتخفيف، واختلاف مذاهبها في ما تلقته من أئمتها ونقلته عن سلفها، من الهمز وتركه، والمد وقصره، والإمالة والتفخيم، والبيان والإدغام، والروم والإشمام، إلى سائر ما ورد عنها استعماله والأخذ به من المطرد من الأصول والمفترق من الفروع، إذ معنى قول النبي ﷺ بلحون العرب وأصواتها يريد طباعها ومذاهبها، وذلك إجماع باتفاق من أهل العلم باللسان من طباعها ومذاهبها. ولكل ضربٍ منه حد ينتهي إليه لا يتجاوز، وغاية يبلغ إليها لا تخالف، وسنوضح ذلك ونبينه في ما بعد، إن شاء الله تعالى. أخبرت عن محمد بن الحسن النقاش، حدثنا محمد بن جعفر الإمام، عن أبي هشام الرفاعي، عن سليم عن حمزة، قال: إن الرجل يقرأ القرآن فما يلحن حرفاً، أو قال: ما يخطئ حرفاً، وما هو من القراءة في شيء. قال أبو عمرو: يريد أنه لا يقيم قراءته على حدها، ولا يؤدي ألفاظه على

стр. 18

حقها ولا يوفي الحروف صيغتها، ولا ينزلها منازلها من التلخيص والتبيين والإشباع والتمكين، ولا يميز ما بين سينٍ وصادٍ ولا ظاءٍ ولا ضاد، ولا يفرق بين مشددٍ ومخففٍ، ومدغمٍ ومظهرٍ، ومفخمٍ ومرققٍ، ومفتوحٍ وممالٍ، وممدودٍ ومقصورٍ، ومهموزٍ وغير مهموزٍ، وغير ذلك من غامض القراءة وخفاء التلاوة الذي لا يعلمه إلا المهرة من المقرئين، ولا يميزه إلا الحذاق من المتصدرين الذين تلقوا ذلك أداءً، وأخذوه مشافهة، وضبطوه وقيدوه، وميزوا جليه، وأدركوا خفيه، و [هم] قليل في الناس. وأخبرت عن محمد بن الحسن أيضاً، حدثنا علي بن عباس، حدثنا محمد ابن عمر بن وليد، حدثنا إسحاق بن منصور، عن الحسن بن صالح، قال: ربما قرأ الرجل على عاصم فيقول: ما قرأت حرفاً. قال محمد: وحدثنا الحسن بن [أبي] مهران الجمال والحسين بن علي الأزرق قالا: حدثنا الحلواني، حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا هشام بن بكير، وكان هو وأبوه من القراء. قال: كنت عند عاصمٍ ورجلٌ يقرأ عليه، قال: فما أنكرت من قراءته شيئاً، قال: فلما فرغ قال له عاصمٌ: والله ما قرأت حرفاً. قال أبو عمرو: يريد أنك لم تقم القراءة على حدها، ولم توف الحروف

стр. 19

حقها، ولا احتذيت منهاج الأئمة من القراء، ولا سلكت طريق أهل العلم بالأداء. وهذا وما قدمناه دال على توكيد علم التجويد والأخذ بالتحقيق، والله ولي التوفيق.

стр. 20

باب ذكر الأخبار الواردة عن أئمة القراءة في استعمال التحقيق حدثنا محمد بن أحمد الكاتب، حدثنا ابن مجاهد، حدثنا الحسن بن أبي مهران الجمال، حدثنا الحلواني، حدثنا قالون، عن نافع أنه كان يمد ويحقق القراءة، ولا يشدد، ويقرب من المدود وغير الممدود. قال ابن مجاهد: وكذلك كان مذهب ابن كثير وأبي عمرو. حدثنا عبد العزيز بن جعفر، حدثنا عبد الواحد بن عمر، حدثنا الحسن بن المهلب، حدثنا محمد بن هشام، حدثنا أحمد بن يزيد، عن هشام بن عمار بإسناده عن ابن عامر أنه كان يقرأ بالمد والهمز والإدغام. حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا ابن مجاهد، حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا منجاب، حدثنا شريكٌ، قال: كان عاصمٌ صاحب همزٍ ومد وقراءةٍ شديدةٍ.

стр. 21

حدثنا محمد بن علي حدثنا أحمد بن موسى، حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: قال ابن الهيثم محمد: أخبرني إبراهيم [بن] الأزرق. قال: كان حمزة يقرأ في الصلاة كما يقرأ، لا يدع شيئاً من قراءته، فذكر الهمز والمد والإدغام. حدثنا فارس بن أحمد، حدثنا عبد الله بن الحسين، حدثنا إسماعيل بن شعيب، حدثنا أحمد بن سلمويه، حدثنا محمد بن يعقوب، حدثنا العباس ابن الوليد، حدثنا قتيبة بن مهران، قال: كان الكسائي صاحب همزٍ شديدٍ وتحقيق القراءة. قال قتيبة: وسمعت ابن جمازٍ يقرئ، بالمدينة الناس، يأخذ عليهم أخذاً شديداً. قال: وعامة من رأيت من القراء كانوا يهمزون ويثقلون.

стр. 22

باب ذكر الإفصاح عن مذاهب الأئمة في حد التحقيق ونهاية التجويد وما جاء عنهم من الكراهة في التجاوز عن ذلك اعلموا أن التحقيق الوارد عن أئمة القراءة حده أن توفى الحروف حقوقها، من المد إن كانت ممدودة، ومن التمكين إن كانت ممكنة، ومن الهمز إن كانت مهموزة، ومن التشديد إن كانت مشددة، ومن الإدغام إن كانت مدغمة، ومن الفتح إن كانت مفتوحة، ومن الإمالة إن كانت ممالة، ومن الحركة إن كانت متحركة ومن السكون إن كانت مسكنة، من غير تجاوز ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف، على ما نبينه في ما بعد، إن شاء الله تعالى. فأما ما يذهب إليه بعض أهل الغباوة من أهل الأداء من الإفراط في التمطيط والتعسف في التفكيك والإسراف في إشباع الحركات وتلخيص السواكن، إلى غير ذلك من الألفاظ المستبشعة والمذاهب المكروهة -فخارج عن مذاهب الأئمة وجمهور سلف الأمة، وقد وردت الآثار عنهم بكراهة ذلك، وبكيفية حقيقته، ونحن نذكر ما رويناه من ذلك ليعمل على ما حددناه ووصفناه، إن شاء الله تعالى. ذكر ذلك: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا ابن مجاهد، حدثنا علي بن الحسن، قال:

стр. 23

سمعت محمد بن الهيثم يقول: حدثني عبد الرحمن بن أبي حماد قال: سمعت حمزة يقول: إن لهذا التحقيق منتهى ينتهي إليه ثم يكون قبيحاً، مثل البياض له منتهى ينتهي إليه، فإذا زاد صار برصاً، ومثل الجعودة لها منتهىً تنتهي إليه، فإذا زادت صارت قططاً. أخبرنا عبد العزيز بن جعفر، حدثنا عبد الواحد بن عمر، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: قال لي حمزة: إني أكره ما تجيئون به، يعني من التشديد. حدثنا عمر بن علي، حدثنا أحمد بن موسى، قال: حدثني علي بن الحسن، قال محمد بن الهيثم: واحتج من عاب قراءة حمزة بعبد الله بن إدريس أنه طعن فيها، وإنما كان سبب هذا أن رجلاً ممن قرأ على سليم حضر مجلس عبد الله بن إدريس فقرأ، فسمع ابن إدريس ألفاظاً فيها إفراط في الهمز والمد وغير ذلك من التكلف المكروه، فكره ذلك ابن إدريس وطعن فيه. وقال محمد: وهذا الطريق عندنا مكروه مذموم، وكان حمزة يكره هذا وينهى عنه، وكذلك من أتقن القراءة من أصحابه.

стр. 24

حدثنا أبو القاسم الفارسي، حدثنا أبو طاهر بن أبي هاشم، قال: حدثني عبد الله، يعني ابن أبي داود، عن أبيه، عن شيخ له، عن آخر، قال: قال رجل لحمزة: يا أبا عمارة رأيت رجلاً من أصحابك همز حتى انقطع زره. فقال: لم آمرهم بهذا كله. حدثنا عبد العزيز بن جعفر، حدثنا عبد الواحد بن عمر، حدثنا ابن فرح، حدثنا أبو عمر، قال: سمعت سليماً يقول: وقف الثوري على حمزة، فقال: يا أبا عمارة ما هذا الهمز والمد والقطع الشديد؟ فقال: يا أبا عبد الله هذه رياضة للمتعلم. قال: صدقت. قال أبو عمرو: ولهذا المعنى الذي ذكره حمزة ﵀ يرخص في المبالغة في التحقيق من يرخص من الشيوخ المتقدمين والقراء السالفين لترتاض به ألسنة المبتدئين وتتحكم فيه طباع المتعلمين، ثم يعرفون بعد حقيقته ويوقفون على المراد من كيفيته. فأما استعماله على غير ذلك فلا سبيل إليه البتة، للمتقدم من الأخبار عن الأئمة بكراهته والعدول عنه. وقد حدثني الحسين بن علي بن شاكر

стр. 25

البصري، حدثنا أحمد بن نصر المقرئ، قال: فأما الإسراف في التحقيق الخارج عن التجويد فمعيب مذموم. قال: سمعت ابن مجاهد وقد سئل عن وقف حمزة على الساكن قبل الهمزة، وإفراطه في المد، إلى غير ذلك، قال: كان حمزة يأخذ بذلك على المتعلم، ومراده أن يصل إلى ما نحن عليه من إعطاء الحروف حقوقها. قال أبو عمرو: وقد جاء هذا عن حمزة منصوصاً، فحدثنا به عبد العزيز بن جعفر المقرئ، أن عبد الواحد بن عمر حدثهم، قال: حدثني أحمد بن عبيد الله، حدثنا عبد الله بن شعيب. قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم المقرئ، عن خلف بن هشام، قال: سألت سليم بن عيسى عن التحقيق. فقال: سمعت حمزة يقول: إنا جعلنا هذا التحقيق ليستمر عليه المتعلم. أخبرني محمد بن عبد الواحد البغدادي، أن أحمد بن نصر حدثهم، قال: حدثنا ابن شنبوذ، قال: حدثنا محمد بن حيان، حدثنا أبو حمدون، حدثنا سليم، قال: سمعت حمزة يقول: إنما أزيد على الغلام في المد ليأتي بالمعنى. حدثنا فارس بن أحمد، حدثنا عبد الله بن الحسين، حدثنا أبو بكر الأدمي، عن أبي أيوب الضبي، عن رجاء بن عيسى، عن إبراهيم بن زربي أنه قرأ على سليمٍ وأنه قرأ على حمزة بمد بين مدين، وكسر بين كسرتين. حدثني الحسين بن علي بن شاكر، حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا شيخنا -يعني ابن مجاهد- حدثنا محمد بن عيسى المقرئ، حدثنا محمد بن يزيد بن رفاعة، قال:

стр. 26

سمعت أبا بكر بن عياش يقول: إمامنا يهمز (مؤصدة) فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته يهمزها. قال أبو عمرو: وقول أبي بكر إمامنا يعني إمام مسجدهم، مسجد بني السيد بالكوفة، كان يقرأ بحرف حمزة. حدثنا خلف بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أشتة حدثنا إبراهيم بن جعفر، عن يوسف بن جعفر، عن إبراهيم بن الحسن، حدثنا علي بن بشر، حدثنا جعفر بن شكل، قال: جاء رجل إلى نافع فقال: تأخذ علي الحدر، فقال نافع: ما الحدر؟ ما أعرفها، أسمعنا. قال: فقرأ الرجل، فقال نافع: الحدر، أو قال حدرنا، أن لا نسقط الإعراب، ولا ننفي الحروب، ولا نخفف مشدداً، [ولا نشدد مخففاً]، ولا نقصر ممدوداً، ولا نمد مقصوراً، قراءتنا قراءة أكابر أصحاب رسول الله ﷺ سهلٌ جزلٌ، لا نمضغ ولا نلوك، ننبر ولا نبتهر، نسهل ولا نشدد، نقرأ على أفصح اللغات وأمضاها، ولا نلتفت إلى أقاويل الشعراء وأصحاب اللغات، أصاغر عن أكابر، ملي عن وفي، ديننا دين العجائز، وقراءتنا قراءة المشايخ، نسمع في القرآن، ولا نستعمل فيه بالرأي، ثم تلا نافع: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن .. ﴾ إلى آخر الآية.

стр. 27

قال أبو عمرو: وهذا كلام من أيد ووفق ونصر وفهم وجعل إماماً عالماً، وعلماً يقتفى أثره، ويتبع سننه. وهذه الطريقة التي وصفها وبينها وأوضحها وعرف أن الصحابة -رضوان الله عليهم- احتذوها، هي التي يجب على قراء القرآن أن يمتثلوها في التحقيق، ويسلكوها في التجويد، وينبذوا ما سواها مما هو مخالف لها وخارج عنها. وعلى ذلك وجدنا الأئمة من القراء والاكابر من أهل الأداء: حدثنا أبو محمد سليمان بن أبي الوليد الإمام وغيره، قالوا: حدثنا محمد بن علي المقرئ، قال: حدثني محمد بن سعيد، عن أبي جعفر أحمد بن هلال، قال: حدثني محمد بن سلمة العثماني، قال: قال أبي: قلت لورش: كيف كان يقرأ نافع؟ قال: كان يقرأ لا مشدداً ولا مرسلاً، بيناً حسناً. قال ابن هلال. والذي أقرأه وأقرئ به الوسط من اللفظ، ما يصلح للمحاريب. وهو مذهب أبي يعقوب عن ورش عن نافع. حدثنا محمد بن علي، حدثنا ابن مجاهد، قال: كان أبو عمرو يسهل القراءة، غير متكلف، يؤثر التخفيف ما وجد إليه السبيل. حدثني الحسين بن علي، حدثنا أحمد بن نصر بن منصور، ووصف قراءة أئمة القراءة السبعة، قال:

стр. 28

فأما صفة قراءة من انتحل ابن كثير فحسنةٌ، مجهورةٌ بتمكين بينٍ. وأما وصف قراءة من ينتحل نافعاً فسلسلةٌ لها أدنى تمديد. وأما صفة قراءة من ينتحل عاصماً فمترسلةٌ جريشةٌ، ذات ترتيل وكان عاصم نفسه موصوفاً بحسن الصوت وتجويد القراءة. وأما صفة من ينتحل قراءة حمزة فأكثر من رأينا منهم ما ينبغي أن تحكى قراءته لفسادها ولأنها مصنوعة من تلقاء أنفسهم، وأما من كان منهم يعدل في قراءته حدراً أو تحقيقاً فصفتها المد العدل والقصر والهمز المقوم والتشديد المجود، بلا تمطيط ولا تشديقٍ ولا تعلية صوتٍ ولا ترعيدٍ، فهذه صفة التحقيق. وأما الحدر فسهل التكلف في أدنى ترتيل وأيسر تقطيع. وأما وصف قراءة من ينتحل قراءة الكسائي فبين الوصفين، في اعتدال. وأما أصحاب قراءة ابن عامر فيضطربون في التقويم، ويخرجون عن الاعتدال. وأما صفة من ينتحل قراءة أبي عمرو فالتوسط والتدوير وهمزها سليمٌ من اللكز. وتشديدها خارج عن التمضيغ، بترسلٍ جزلٍ وحدرٍ بينٍ سهلٍ يتلو

стр. 29

بعضها بعضاً. قال: وإلى هذا كان يذهب ابن مجاهد، في هذه القراءة وغيرها، وبه قرأنا عليه، وبه كان يختار، وبمثله كان يأخذ ابن المنادي، رحمة الله عليهما. والله الهادي.

стр. 30

باب ذكر البيان عن حقائق الألفاظ وحدود النطق بالحروف اعلموا أن التجويد لا يتمكن والتحقيق لا يتحصل إلا بمعرفة حقيقة النطق بالمتحرك، والمسكن، والمختلس، والمرام، والمشم، والمهموز، والمسهل، والمحقق، والمشدد، والمخفف، والممدود، والمقصور، والمبين، والمدغم والمخفى، والمفتوح، والممال. وأنا أبين ذلك كله، وأدل على حقيقته، وأكشف عن خاص سره، وأنبه على موضع غموضه، من غير إطناب ولا إسهاب، إن شاء الله تعالى. فأما المحرك من الحروف بالحركات الثلاث: الفتحة والكسرة والضمة فحقه أن يلفظ به مشبعاً، ويؤتى بالحركات الثلاث كوامل، من غير اختلاسٍ ولا توهينٍ يؤولان إلى تضعيف الصوت بهن، ولا إشباعٍ زائدٍ ولا تمطيطٍ بالغٍ يوجبان الإتيان بعدهن بألف وياء وواو غير ممكناتٍ فضلاً عن الإتيان بهن ممكنات. وأما المسكن من الحروف فحقه أن يخلى من الحركات الثلاث ومن بعضهن، من غير وقفٍ شديدٍ، ولا قطعٍ مسرفٍ عليه سوى احتباس اللسان في موضعه قليلاً في حال الوصل. وأما المختلس حركته من الحروف فحقه أن يسرع اللفظ به إسراعاً يظن السامع

стр. 31

أن حركته قد ذهبت من اللفظ لشدة الإسراع، وهي كاملة في الوزن، تامةً في الحقيقة، إلا أنها لم تمطط لا ترسل بها، فخفي إشباعها ولم يتبين تحقيقها. وأما المرام حركته من الحروف عند الوقف أو في حال الوصل فحقه أن يضعف الصوت بحركته، أي حركةٍ كانت، ولا يتم النطق بها، فيذهب بذلك معظمها، ويسمع لها صويتٌ خفي، يدركه الأعمى بحاسة سمعه، وهو مع ذلك في الوزن محركٌ. وكذا المخفى حركته من الحروف سواء، قال سيبويه: المخفى بوزن المظهر. وقال غيره: هو بزنته إلا أنه أنقص صوتاً منه. وحقيقته في اللغة السترة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إن الساعة آتيةٌ أكاد أخفيها﴾، أي أسترها. والمخفى شيئان حرفٌ وحركةٌ، فإخفاء الحرف نقصان صوته، وإخفاء الحركة نقصان تمطيطها. وأما المشم من الحروف في حال الوصل أو الوقف فحقه أن يخلص سكون الحرف ثم يومى بالعضو، وهما الشفتان، إلى حركته ليدل بذلك عليها من غير صوت خارج إلى اللفظ، وإنما هو تهيئةٌ بالعضو لا غير، ليعلم بالتهيئة أنه يراد المهيأ له، ولا يعرف ذلك الأعمى، لأنه لرؤية العين. ويختص به من الحركات الرفع والضم، لا

стр. 32

غير، لأنهما من الواو، والواو تخرج من الشفتين وفيهما تعالج. قال أبو عمرو: فأما الإشمام في قوله: قيل: وسيء، ونظائرهما، على مذهب من أشم أوله الضم دلالةً على الأصل، فحقه أن ينحى بكسرة فاء الفعل المنقولة من عينه نحو الضمة، كما ينحى بالفتحة من قوله: (من النار) و (من نهار) وشبههما، إذا أريدت الإمالة المحضة نحو الكسرة، فكذلك ينحى بالكسرة إذا أريد الإشمام نحو الضمة، لأن ذلك كالممال سواء. وهذا الذي لا يجوز غيره عند العلماء من القراء والنحويين. وأما المهموز فحقه أن تخرج همزته مع النفس إخراجاً سهلاً، بغير شدةٍ ولا كلفةٍ ولا عنفٍ ولا صعوبة، وذلك لا يتحصل للقراء إلا بالرياضة الشديدة والدرس المشبع. والهمزة إذا سهلت وجعلت بين بين أشير إليها بالصدر إن كانت مفتوحة، وإن كانت مكسورة جعلت كالياء المختلسة الكسرة، وإن كانت مضمومةً جعلت كالواو المختلسة الضمة، من غير إشباعٍ. وتلك الكسرة والضمة هي التي كانت مع الهمزة، إلا أنها مع الهمزة أشبع منها مع الحرف المجعول خلفاً منها. ومعنى بين بين أي بين الهمزة المحققة وبين الحرف الساكن الذي منه حركتها، فالمفتوحة بين الهمزة والألف، والمكسورة بين الهمزة والياء الساكنة، والمضمومة بين الهمزة والواو الساكنة، فهي ضعيفةٌ ليس لها تمكن المحققة ولا خلوص الحرف الذي منه حركتها، وهي في الوزن محققةٌ، إلا أنها بالتوهين والتضعيف تقرب من

стр. 33

الساكن، ولذلك لا يبتدأ بها كهو، فإن أبدلت ثبت المبدل منها دونها إما مظهراً وإما مدغماً، وإن ألقي حركتها على ساكن قبلها تحرك بها، وذهبت هي من اللفظ رأساً، لسكونها وتقدير سكون الحرف المحرك بحركتها، فكانت بالحذف أولى لاستثقالها وزوال حركتها. وأما الممدود فعلى ضربين: طبيعي ومتكلفٍ، فالطبيعي حقه أن يؤتى بالألف والياء والواو التي هي حروف المد واللين ممكناتٍ على مقدار ما فيهن من المد الذي هو صيغتهن، من غير زيادة ولا إشباع. وذلك إذا لم تلق واحدة منهن همزةً ولا حرفاً ساكناً، ويسمي هذا الضرب القراء مقصوراً، لأنه قصر عن الهمزة الموجبة لزيادتها في الإشباع لخفائها وشدتها، أي حبس عنها ومنع منها. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿حورٌ مقصوراتٌ في الخيام﴾، أي محبوسات. ويقدرونه مقدار ألفٍ إن كان ألفاً، ومقدار ياء إن كان ياء، ومقدار واو إن كان واواً. والمتكلف حقه أن يزاد في تمكين الألف والياء والواو على ما فيهن من المد الذي لا يوصل إلى النطق بهن إلا به، من غير إفراط في التمكين ولا إسراف في التمطيط. وذلك إذا لقين الهمزات والحروف السواكن لا غير. وحقيقة النطق بذلك أن تمد الأحرف الثلاثة ضعفي مدهن في الضرب الأول. والقراء يقدرون ذلك مقدار ألفين إن كان حرف المد ألفاً، ومقدار ياءين إن كان ياء، ومقدار واوين إن كان واواً، لما دخلته من زيادة التمكين، وإشباع المد دلالةً على تحقيقه وتفاضله.

стр. 34

أما المبين من الحروف فحقه إذا التقى بمثله وهما متحركان أو بمقاربه وهو متحركٌ أو ساكنٌ أن يفصل بينهما، ويبان عنهما، من غير قطعٍ مسرفٍ ولا سكتٍ شديدٍ، مع إخلاص سكون الساكن وإشباع حركة المتحرك. وأما المدغم من الحروف فحقه إذا التقى بمثله أو مقاربه، وهو ساكن، أن يدخل فيهما إدخالاً شديداً، فيرتفع اللسان بالحرفين ارتفاعةً واحدة، لا فصل بينهما بوقف ولا بغيره، ويعتمد على الآخر اعتمادةً واحدة، فيصيرا بتداخلهما كحرف واحد لا مهلة بين بعضه وبعضه، ويشد الحرف ويلزم اللسان موضعاً واحداً، غير أن احتباسه في موضع الحرف، لما زيد فيه من التضعيف، أكثر من احتباسه فيه بالحرف الواحد. والحرفان المتقاربان إذا أدغم أحدهما في الآخر قلب الأول منهما إلى لفظ الثاني قلباً صحيحاً، وأدغم فيه إدغاماً تاماً، هذا ما لم يكن للأول صوتٌ يبقى، نحو صوت النون والتنوين إذا أدغم في الياء والواو، وصوت الطاء إذا أدغمت في التاء، وبقي ذلك الصوت مع الإدغام، فإن الأول لا يقلب قلباً صحيحاً، ولا يدغم إدغاماً

стр. 35

تاماً، إذ لو فعل ذلك به لذهب ذلك الصوت بذهابه لعدم وجوده في غيره. ويخرج كل حرف مدغم من مخرج المدغم فيه، لا من مخرجه، وذلك من حيث القلب إلى لفظه، فاعتمد اللسان عليه دونه. ومعنى الإدغام إدخال شيء في شيء وتغييبه فيه، مأخوذٌ من قول العرب: أدغمت الفرس اللجام، إذا أدخلته في فيه. وقال بعض أهل اللغة: الدغم التغطية وقد دغمه إذا غطاه. وأما المخفى فعلى نوعين: إخفاء الحركات، وإخفاء النون والتنوين. فأما إخفاء الحركات فحقه أن يضعف الصوت بهن ولا يتم، وقد بينا ذلك قبل. وأما إخفاء النون والتنوين فحقه أن يؤتى بهما لا مظهرين ولا مدغمين، فيكون مخرجهما من الخياشيم لا غير، ويبطل عمل اللسان بهما، ويمتنع التشديد لامتناع قلبهما، وذلك إذا لقيا حروف اللسان غير الراء واللام، وسترى هذا مبيناً ممثلاً -إن شاء الله- في موضعه. وقال لي الحسين بن علي، قال لنا أحمد بن نصر: المخفى ما تبقى معه غنة. وأما المفتوح فحقه أن يؤتى به بين منزلتين، بين التفخيم الشديد الذي يستعمله أهل الحجاز في نحو: الصلاة والزكاة فينحون بالألف نحو الواو، من شدة التفخيم، وهذه اللغة لا تستعمل في القرآن لأنه لا إمام لها، وبين الإمالة المحضة

стр. 36

التي يستعملها القراء، وهي التي دون الكسر الصحيح. وأما الممال فعلى ضربين: مشبعٍ وغير مشبع. فالمشبع حقه أن يؤتى به بين الكسر الشديد الذي يوجب القلب لشدته وليس له إمامٌ، وبين الفتح الوسط الذي ذكرناه ووصفنا حقيقته. وغير المشبع حقه أن يؤتى به بين الفتح الوسط وبين الإمالة التي دون الكسر. ويسمي القراء هذا الضرب بين اللفظين، وهما المذكوران. قال أبو عمرو: فجميع ما ذكرناه ووصفنا حقيقته من الأصول التي تتكرر، والفروع التي تتردد، فالقراء مضطرون إلى علمه ومعرفته، ولا يتحقق لهم ذلك بالمشافهة ورياضة الألسن، لغموضه وخفي سره، وبالله التوفيق.

стр. 37

باب ذكر مخارج الحروف المعجمة وتفصيلها اعلموا أن قطب التجويد وملاك التحقيق معرفة مخارج الحروف وصفاتها التي بها ينفصل بعضها من بعض، وإن اشترك في المخرج. وأنا أذكر ذلك على مذهب سيبويه خاصة، إذ هو الصحيح المعول عليه، إن شاء الله تعالى. فأما حروف المعجم فهي تسعةٌ وعشرون حرفاً، ولها ستة عشر مخرجاً، ومعنى المخرج أنه الموضع الذي ينشأ منه الحرف، وتقرب معرفته أن يسكن الحرف وتدخل همزة الوصل عليه، ليتوصل إلى النطق به، فيستقر اللسان بذلك في موضعه فيتبين مخرجه. فللحلق منها ثلاثة مخارج وسبعة أحرف: فأقصاها مخرجاً الهمزة والألف والهاء، فالهمزة في أول الصدر وآخر الحلق ثم الألف تليها، وهي صوت لا يعتمد اللسان فيها على شيء من أجزاء الفم. ثم الهاء فوق الألف وهو آخر المخرج الأول. وأوسطها العين والحاء، لأنهما من وسط الحلق. وأدناها إلى الفم الغين والخاء. وللسان منها عشرة مخارج، وثمانية عشر حرفاً، فأقصى اللسان له مخرجان وحرفان، وهما القاف والكاف. فالقاف من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك. والكاف من أسفل من موضع القاف من اللسان قليلاً وما يليه من الحنك.

стр. 38

ومن وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك مخرجٌ واحدٌ وثلاثة أحرف، وهي الجيم والشين والياء. ولطرف اللسان خمسة مخارج وأحد عشر حرفاً: فالطاء والتاء والدال من مخرج واحد، وهو بين طرف اللسان وأصول الثنايا العليا. مصعداً إلى الحنك. والظاء والذال والثاء من مخرج واحد، وهو ما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا. والصاد والزاي والسين من مخرج واحد، [وهي الفرجة التي] بين طرف اللسان والثنايا العليا. والنون من طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا العليا، ويتصل بالخياشيم، وهي المبينة والمدغمة. والراء من طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا العليا، غير أنه أدخل من النون في ظهر اللسان لانحرافه إلى اللام. ولحافة اللسان مخرجان وحرفان، وهما الضاد واللام. فالضاد من بين أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، فبعض الناس يجري له في الشدق الأيمن، وبعضهم يجري له في الشدق الأيسر، ومخرجها من هذا

стр. 39

كمخرجها من هذا. واللام من أدنى حافة اللسان إلى ما يليها من الحنك الأعلى، مما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية. وللشفة مخرجان وأربعة أحرفٍ، وهي الفاء والباء والواو والميم: فالفاء من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا. والباء والواو والميم من مخرجٍ واحدٍ، وهو ما بين الشفتين، غير أن الشفتين تنطبقان في الباء والميم ولا تنطبقان في الواو، بل تنفصلان. المخرج السادس عشر مخرج التنوين، وهو يخرج من الخياشيم خالصاً، وكذا مخرج النون الساكنة المخفاة عند حروف الفم نحو (منك وعنك) من الخياشيم. فأما النون المتحركة فمخرجها من الفم مع صويت من الأنف. وزعم الفراء وقطرب والجرمي وابن كيسان أن مخارج الحروف أربعة عشر مخرجاً، فجعلوا اللام والراء والنون من مخرج واحد، وهو طرف اللسان، وجعلهن سيبويه من ثلاثة مخارج، على ما بيناه، وبالله التوفيق.

стр. 40

باب ذكر أصناف هذه الحروف وصفاتها اعلموا أن أصناف هذه الحروف التي تتميز بها بعد خروجها من مواضعها التي بيناها ستة عشر صنفاً: المهموسة، والمجهورة، والشديدة، والرخوة، والمطبقة، والمنفتحة، والمستعلية، والمستفلة، وحروف المد واللين، وحروف الصفير، والمتفشي، والمستطيل، والمتكرر، والمنحرف، والهاوي، وحرفا الغنة. فالمهموسة عشرة أحرف، يجمعها قولك: كسف شخصه تحث: الهاء والحاء والخاء والكاف والسين والشين والصاد والتاء والثاء والفاء. ومعنى المهموس أنه حرفٌ أضعف الاعتماد في موضعه، فجرى معه النفس. والمجهورة هي ما عدا المهموسة، وهي تسعة عشر حرفاً، يجمعها قولك: ظل قيد بضغم زر بطا واذ نعج، ومعنى المجهورة أنه حرفٌ قوي الاعتماد في موضعه، فمنع النفس أن يجري معه. والهمس الإخفاء، والجهر الإعلان. والشديد ثمانية أحرف، يجمعها: أجدك قطبت، الهمزة والقاف والكاف والجيم والدال والتاء والطاء والباء. ومعنى الشديد أنه حرفٌ اشتد لزومه لموضعه حتى منع الصوت أن يجري معه، نحو أج والحج، فليس يجري في الجيم
следующие страницы →