Полный текст (112 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
التي يستعملها القراء، وهي التي دون الكسر الصحيح.
وأما الممال فعلى ضربين: مشبعٍ وغير مشبع. فالمشبع حقه أن يؤتى به بين الكسر الشديد الذي يوجب القلب لشدته وليس له إمامٌ، وبين الفتح الوسط الذي ذكرناه ووصفنا حقيقته. وغير المشبع حقه أن يؤتى به بين الفتح الوسط وبين الإمالة التي دون الكسر. ويسمي القراء هذا الضرب بين اللفظين، وهما المذكوران.
قال أبو عمرو: فجميع ما ذكرناه ووصفنا حقيقته من الأصول التي تتكرر، والفروع التي تتردد، فالقراء مضطرون إلى علمه ومعرفته، ولا يتحقق لهم ذلك بالمشافهة ورياضة الألسن، لغموضه وخفي سره، وبالله التوفيق.
стр. 37
باب ذكر مخارج الحروف المعجمة وتفصيلها
اعلموا أن قطب التجويد وملاك التحقيق معرفة مخارج الحروف وصفاتها التي بها ينفصل بعضها من بعض، وإن اشترك في المخرج. وأنا أذكر ذلك على مذهب سيبويه خاصة، إذ هو الصحيح المعول عليه، إن شاء الله تعالى.
فأما حروف المعجم فهي تسعةٌ وعشرون حرفاً، ولها ستة عشر مخرجاً، ومعنى المخرج أنه الموضع الذي ينشأ منه الحرف، وتقرب معرفته أن يسكن الحرف وتدخل همزة الوصل عليه، ليتوصل إلى النطق به، فيستقر اللسان بذلك في موضعه فيتبين مخرجه.
فللحلق منها ثلاثة مخارج وسبعة أحرف:
فأقصاها مخرجاً الهمزة والألف والهاء، فالهمزة في أول الصدر وآخر الحلق ثم الألف تليها، وهي صوت لا يعتمد اللسان فيها على شيء من أجزاء الفم. ثم الهاء فوق الألف وهو آخر المخرج الأول.
وأوسطها العين والحاء، لأنهما من وسط الحلق.
وأدناها إلى الفم الغين والخاء.
وللسان منها عشرة مخارج، وثمانية عشر حرفاً، فأقصى اللسان له مخرجان وحرفان، وهما القاف والكاف. فالقاف من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك. والكاف من أسفل من موضع القاف من اللسان قليلاً وما يليه من الحنك.
стр. 38
ومن وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك مخرجٌ واحدٌ وثلاثة أحرف، وهي الجيم والشين والياء.
ولطرف اللسان خمسة مخارج وأحد عشر حرفاً:
فالطاء والتاء والدال من مخرج واحد، وهو بين طرف اللسان وأصول الثنايا العليا. مصعداً إلى الحنك.
والظاء والذال والثاء من مخرج واحد، وهو ما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا.
والصاد والزاي والسين من مخرج واحد، [وهي الفرجة التي] بين طرف اللسان والثنايا العليا.
والنون من طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا العليا، ويتصل بالخياشيم، وهي المبينة والمدغمة.
والراء من طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا العليا، غير أنه أدخل من النون في ظهر اللسان لانحرافه إلى اللام.
ولحافة اللسان مخرجان وحرفان، وهما الضاد واللام.
فالضاد من بين أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، فبعض الناس يجري له في الشدق الأيمن، وبعضهم يجري له في الشدق الأيسر، ومخرجها من هذا
стр. 39
كمخرجها من هذا.
واللام من أدنى حافة اللسان إلى ما يليها من الحنك الأعلى، مما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية.
وللشفة مخرجان وأربعة أحرفٍ، وهي الفاء والباء والواو والميم:
فالفاء من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا. والباء والواو والميم من مخرجٍ واحدٍ، وهو ما بين الشفتين، غير أن الشفتين تنطبقان في الباء والميم ولا تنطبقان في الواو، بل تنفصلان.
المخرج السادس عشر مخرج التنوين، وهو يخرج من الخياشيم خالصاً، وكذا مخرج النون الساكنة المخفاة عند حروف الفم نحو (منك وعنك) من الخياشيم. فأما النون المتحركة فمخرجها من الفم مع صويت من الأنف.
وزعم الفراء وقطرب والجرمي وابن كيسان أن مخارج الحروف أربعة عشر مخرجاً، فجعلوا اللام والراء والنون من مخرج واحد، وهو طرف اللسان، وجعلهن سيبويه من ثلاثة مخارج، على ما بيناه، وبالله التوفيق.
стр. 40
باب ذكر أصناف هذه الحروف وصفاتها
اعلموا أن أصناف هذه الحروف التي تتميز بها بعد خروجها من مواضعها التي بيناها ستة عشر صنفاً: المهموسة، والمجهورة، والشديدة، والرخوة، والمطبقة، والمنفتحة، والمستعلية، والمستفلة، وحروف المد واللين، وحروف الصفير، والمتفشي، والمستطيل، والمتكرر، والمنحرف، والهاوي، وحرفا الغنة.
فالمهموسة عشرة أحرف، يجمعها قولك: كسف شخصه تحث: الهاء والحاء والخاء والكاف والسين والشين والصاد والتاء والثاء والفاء. ومعنى المهموس أنه حرفٌ أضعف الاعتماد في موضعه، فجرى معه النفس.
والمجهورة هي ما عدا المهموسة، وهي تسعة عشر حرفاً، يجمعها قولك: ظل قيد بضغم زر بطا واذ نعج، ومعنى المجهورة أنه حرفٌ قوي الاعتماد في موضعه، فمنع النفس أن يجري معه. والهمس الإخفاء، والجهر الإعلان.
والشديد ثمانية أحرف، يجمعها: أجدك قطبت، الهمزة والقاف والكاف والجيم والدال والتاء والطاء والباء. ومعنى الشديد أنه حرفٌ اشتد لزومه لموضعه حتى منع الصوت أن يجري معه، نحو أج والحج، فليس يجري في الجيم
стр. 41
الصوت.
وما عدا هذه الشديدة على نوعين: شديد يجري فيه الصوت ورخو:
أما الشديد الذي يجري فيه الصوت فخمسة أحرف، يجمعها قولك: لم نرع، العين والنون واللام والراء والميم، اشتد لزومها لموضعها، ثم تجافى بها اللسان عن موضعها فجرى فيها الصوت لتجافيها. أما العين فتجافى بها اللسان فجرى فيها الصوت لشبهها بالحاء. وأما الراء فتجافى بها اللسان عن موضعها للتكرير الذي فيها، فجرى فيها الصوت. وأما اللام فتجافى ما فوق حافة اللسان بها عن موضعها لانحرافها، فجرى فيها الصوت لا من موضع اللام ولكن من ناحيتي مستدق اللسان فويق ذلك. وأما النون والميم فتجافى اللسان بهما إلى موضع الغنة، وهو الأنف، فجرى فيها الصوت.
وأما الرخوة فثلاثة عشر حرفاً، يجمعها قولك: خس حظ شص هز ضغث فذ، الهاء والحاء والغين والخاء والشين والصاد والزاي والسين والظاء والذال والثاء والضاد والفاء. ومعنى الرخو أنك إذا قلت: الظش والغض أجريت فيه الصوت إن شئت.
والمطبقة أربعة أحرف: الصاد والضاد والطاء والظاء، ومعنى الإطباق أنك تطبق اللسان على الحنك، والمنفتحة ماعدا هذه المطبقة، سميت منفتحة لأنك لا تطبق بشيء منها لسانك على الحنك.
والمستعلية سبعة أحرف، يجمعها قولك: ضغط خص قظ، الخاء والغين والقاف والصاد والضاد والطاء والظاء، سميت مستعلية لأن اللسان يعلو بها إلى جهة
стр. 42
الحنك، ولذلك تمنع الإمالة، إلا أنها على ضربين: منها ما يعلو اللسان به وينطبق، وهي حروف الإطباق الأربعة، ومنها ما يعلو ولا ينطبق، وهي ثلاثة: الغين والخاء والقاف.
والمستفلة ما عدا هذه المستعلية، سميت مستفلةً لأن اللسان لا يعلو بها إلى جهة الحنك.
والممدودة ثلاثة أحرف: الياء والواو والألف، سميت ممدودةً لأن الصوت يمتد بها بعد إخراجها من موضعها، إلا أن المد الذي في الألف أكثر من المد الذي في الياء والواو، لأن اتساع الصوت بمخرج الألف أشد من اتساعه لهما، لأنك قد تضم شفتيك في الواو، وترفع لسانك قبل الحنك في الياء، وتسمى أيضاً حروف اللين لضعفها وخفائها وأن الحركات مأخوذة منها، فالفتحة من الألف، والكسرة من الياء، والضمة من الواو.
وحروف الصفير ثلاثة: الصاد والزاي والسين، سميت بذلك لأنك تسمع فيها شبيهاً بالصفير عند إخراجها من مواضعها.
والمتفشي حرفٌ واحد وهو الشين، تفشت في الفم لرخاوتها حتى اتصلت
стр. 43
بمخرج الظاء، وكذلك الفاء تفشت حتى اتصلت بمخرج الثاء، ولذلك تبدل منها، فيقال: جدفٌ وجدثٌ.
والمستطيل حرفٌ واحد، وهو الضاد، استطالت في الفم لرخاوتها حتى اتصلت بمخرج اللام، ولذلك أدغمت اللام فيها وفي الشين في نحو: ولا الضالين والشاكرين.
والمكرر حرفٌ واحدٌ، وهو الراء، ويتبين ذلك فيه إذا وقف عليه وأخلص سكونه، وهو حرفٌ شديدٌ جرى فيه الصوت لتكريره وانحرافه إلى اللام.
[والمنحرف حرف واحد، وهو اللام. وقال الكوفيون: ] المنحرف المكرر هو الراء، لأنه ينحرف عن مخرج النون إلى مخرج اللام، ولأن الناطق به كأنه ناطق براءين.
والهاوي حرفٌ واحدٌ، وهو الألف، وهو حرفٌ اتسع مخرجه لهواء الصوت أشد من اتساع غيره.
стр. 44
وحرفا الغنة الميم والنون، لأنهما غنة في الخيشوم، ألا ترى أنك إذا أمسكت بأنفك ثم نطقت بهما لم يجر فيهما صوت الغنة. والخيشوم الخرق المنجذب إلى داخل الفم. ويسمى الميم الحرف الراجع، لأنها ترجع إلى الخيشوم، لما فيها من الغنة، وهي أقوى من النون، لأن لفظها لا يزول، ولفظ النون قد يزول عنها، فلا يبقى منها إلا غنةٌ، ولذلك لم تدغم الميم فيها ولا في شيء من مقاربها.
فصل
ومن الحروف حروف مشربةٌ ضغطت من مواضعها، فإذا وقف عليها خرج معها من الفم صويتٌ ونبا اللسان عن مواضعه، وهي خمسة أحرف، يجمعها قولك (جد بطق) القاف والجيم والطاء والدال والباء، وتسمى هذه الحروف حروف القلقلة، لأنه إذا وقف عليها لم يستطع أن يوقف دون الصويت، وذلك قولك: الخرق وقط وشبهه.
والحروف الزوائد عشرةٌ، يجمعها قولك: سألتمونيها، وحروف البدل اثنا عشر حرفاً، يسقط من الزوائد السين وحدها، ويزاد فيها الطاء والجيم والدال، ويجمعها قولك: طال يوم أنجدته.
وحروف الاعتلال أربعةٌ، حروف المد واللين الثلاثة والهمزة ويقال لها حروف الجوف، لخروجها من الجوف، واحدها أجوف.
والحروف التي تمنع من الإدغام في مقاريها لزيادة صوتها ثمانيةٌ، يجمعها
стр. 45
قولك: فزم ضرس شص، الشين والضاد والسين والصاد والزاي والراء والفاء والميم وبالله التوفيق والعصمة.
стр. 46
باب ذكر أحوال النون الساكنة والتنوين
[اعلموا أن للنون الساكنة والتنوين] عند جميع حروف المعجم أربعة أحوال: فالحال الأول: أن يكونا مظهرين، وذلك عند حروف الحلق الستة: الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء، نحو قوله تعالى: ﴿من آمن﴾، و ﴿من شيء إلا﴾، و ﴿من هاجر﴾، و ﴿جرفٍ هارٍ﴾، و ﴿من عمل﴾، و ﴿يومئذ عليها﴾، و ﴿من حاد الله﴾، و ﴿نارٌ حاميةٌ﴾، و ﴿من غل﴾، و ﴿قوماًُ غيركم﴾، و ﴿من خيلٍ﴾، و ﴿يومئذٍِ خاشعةٌ﴾، وما أشبهه.
فأما الألف فلا يكون ما قبلها إلا متحركاً، فلذلك خرجت عن نظائرها. وإنما بينت النون والتنوين عند هذه الحروف لبعد المسافة التي بينهما وبينهن، إلا أن بيانهما عندهن على ضربين: بتعملٍ وغير تعملٍ، والتي يتعمل بيانهما عندهن ثلاثة: الهمزة والغين والخاء، لأنه متى لم يتعمل ذلك عندهن ولم يتكلف انقلبت حركة الهمزة عليهما وسقطت من اللفظ، وخفيا عند الغين والخاء، لأن ذلك قد يستعمل فيهن، كما رواه ورش عن نافع في الهمزة لجسوها، ورواه المسيبي عنه في الغين والخاء، لقربهما من حرفي أقصى اللسان.
стр. 47
والتي لا يتعمل بيانهما عندهن، إذ لا بد منه ضرورةً ثلاثةٌ أيضاً: الهاء والعين والحاء، كما حدثني الحسين بن علي، حدثنا أحمد بن نصر، قال: سمعت ابن مجاهد يقول: النون الساكنة والتنوين تبينان عند الحاء والهاء والعين ضرورة من غير تعملٍ.
والحال الثانية: أن يكونا مدغمين، وذلك في خمسة أحرف، يجمعها قولك: (لم يرو) اللام والراء والياء والواو الميم، نحو قوله: ﴿ومن لم يتب﴾، و ﴿خيراً لهم﴾، و ﴿من ربهم﴾، و ﴿من أنصار ربنا﴾، ﴿ومن يقل﴾، ﴿وبرقٌ يجعلون﴾، و ﴿من والٍ﴾، و ﴿يومئذ واهيةٌ﴾، و ﴿من مال الله﴾، و ﴿نارٌ مؤصدةٌ﴾ وما أشبهه.
قال أبو عمرو: والقراء يزيدون حرفاً سادساً وهو النون، نحو ﴿من نورٍ﴾، و ﴿يومئذٍ ناعمةٌ﴾. ولا معنى لذكرها معهن. لأنها إذا التقت بمثلها لم يكن غير إدغامها كسائر المثلين.
وإنما أدغمت النون والتنوين في هذه الحروف للقرب الذي بينهما وبينهن
стр. 48
والتشاكل والمشابهة، فأدغما في الراء واللام لقرب مخرجهما من مخرجهما على طرف اللسان، وقد قيل إنهن من مخرج واحد.
وأدغما في الميم للمشاركة التي بينهما وبينها في الغنة، حتى كأنك تسمع النون كالميم والميم كالنون لنداوة صوتهما.
وأدغما في الواو للمؤاخاة التي بين الواو والميم في المخرج، إذ كانا يخرجان من بين الشفتين، وأيضاً فإن المد الذي في الواو بمثابة الغنة التي في الميم.
وأدغما في الياء لمؤاخاتها الواو في المد واللين، ولقربها أيضاً من الراء، لأنه ليس يخرج من طرف اللسان أقرب إلى الراء من الياء، ولذلك يجعل الألثغ الراء ياءً.
قال أبو عمرو: فأما الراء واللام فيدغم النون والتنوين فيهما بغير غنة، هذا المأخوذ به في الأداء، فينقلبان من جنسهما قلباً صحيحاً، ويدغمان إدغاماً تاماً، ويصير مخرجهما من مخرجهما وذلك باب الإدغام.
وأما الياء والواو فيدغمان فيهما وتبقى غنتهما، هذا مذهب الجماعة من القراء غير حمزة، فإنه اختلف عنه في ذلك، وإذا بقيت غنتهما لم ينقلبا قلباً صحيحاً، ولا أدغما إدغاماً تاماً، وإنما يتمكن ذلك فيهما إذا ذهبت تلك الغنة بالقلب الصحيح.
стр. 49
قال لي فارس بن أحمد شيخنا، قال لنا عبد الباقي بن الحسن المقرئ: والغنة إذا ثبتت في الوصل لم يشدد الحرف، ولفظ به بتشديد يسيرٍ، وإذا حذفت الغنة شدد الحرف.
وقال الإمام أحمد بن يعقوب التائب: النون في مذهب نافع وموافقيه عند الياء والواو تصير غنة مخفاة غير مدغمة. لأنهم لو أدغموها لذهبت الغنة، فصارت الياء والواو مشددتين لانقلاب النون ياء وواواً لاندغامهما فيهما.
وأما الميم فيدغمان فيها إدغاماً تاماً، ويقلبان من جنسها قلباً صحيحاً، مع الغنة الظاهرة. وإنما خصت الميم بذلك لأن فيها غنة كهما، فإن ذهبت غنة النون والتنوين بالقلب بقيت غنتها، وكذا حالهما مع النون كالميم سواء.
حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا ابن مجاهد، قال: لا يقدر أحدٌ أن يأتي بـ (عمن) بغير غنة، لعلة غنة الميم.
قال ابن كيسان: إذا أدغمت النون في الميم فالغنة غنة النون. وقال غيره: الغنة للميم، وبذلك أقول، لأن النون قد زال لفظها بالقلب، فصار مخرجها من مخرج الميم، فالغنة لا شك للميم لا لها.
قال أبو عمرو: هذا الذي ذكرناه من الإدغام في حروف (لم يرو) إنما يكون ذلك إذا كانت النون معهن من كلمتين، فإن كانت معهن من كلمة لم يجز الإدغام، نحو ﴿قنوان﴾، و ﴿صنوان﴾، و ﴿بنيانه﴾، و ﴿الدنيا﴾
стр. 50
وكذا شاة زنماء، وما أشبهه. وذلك مخافة أن يشتبه ذلك إذا أدغم بالمضاعف الذي على مثال فعال، نحو صوان وحيان وشاة جماء، فعدل عن الإدغام لذلك.
والحال الثالثة: أن يقلبا ميماً من غير إدغام، وذلك إذا لقيا الباء نحو ﴿أن بورك﴾، و ﴿أنبئهم﴾، و ﴿جددٌ بيضٌ﴾، و ﴿ظلماتٌ بعضها﴾ وما أشبهه. وإنما قلبا ميماً عندها خاصة من أجل مؤاخاة الميم للنون في الغنة، ومشاركتها للباء في المخرج فقلبا ميماً من أجل ذلك.
والحال الرابعة: أن يكونا مخفيين، وذلك عند باقي حروف المعجم، نحو ﴿أنفسكم﴾، و ﴿قوماً فاسقين﴾، و ﴿إن كنتم﴾، و ﴿عاداً كفروا﴾، ﴿ولئن قلت﴾، و ﴿قوماً قلنا﴾، وما أشبهه. والفاء من حيث اتصلت بالتفشي بالثاء بمنزلة الثاء في الإخفاء.
وإنما أخفيا عندهن لأنهما لم يبعدا منهن كبعدهما من حروف الحلق، فيجب الإظهار للتراخي، ولم يقربا منهن كقربهما من حروف (لم يرو) فيجب الإدغام للمزاحمة، فأخفيا فصارا عندهن لا مظهرين ولا مدغمين، وغنتهما مع ذلك باقية، ومخرجهما من الخيشوم خاصة، ولا عمل للسان فيهما، والخيشوم خرق الأنف المنجذب إلى داخل الفم. وإخفاؤهما على قدر قربهما وبعدهما، فما قربا منه كانا عنده أخفى مما بعدا عنه. والفرق بين المخفى والمدغم أن المخفى مخففٌ والمدغم مشدد، والله أعلم.
стр. 51
باب ذكر الحروف التي يلزم استعمال تجويدها وتعمل بيانها وتلخيصها لتنفصل بذلك من مشبهها على مخارجها
قال أبو عمرو: اعلموا أن كل حرف من حروف القرآن يجب أن يمكن لفظه، ويوفى حقه من المنزلة التي هو مخصوص بها، على ما حددناه وما نحدده، ولا يبخس شيئاً من ذلك، فيتحول عن صورته ويزول عن صيغته، وذلك عند علمائنا في الكراهة والقبح كلحن الإعراب الذي يتغير فيه الحركات وينقلب به المعاني. كما حدثني الحسين بن شاكر السمسار، قال: حدثنا أحمد بن نصر، قال: سمعت ابن مجاهد يقول: اللحن في القرآن لحنان: جلي وخفي، فالجلي لحن الإعراب، والخفي ترك إعطاء الحرف حقه من تجويد لفظه.
стр. 52
قال الحسين، قال لنا أحمد: كان ابن مجاهد، ﵀، لعلمه بتفاوت الناس في العلم بالقراءة وقصور أفهامهم يستثبت كثيراً ممن يقرأ عليه في قوله ﴿قمطريرا﴾ وأشباهه، لأن منهم من يجعل الميم نوناً، قال: وغنة الميم والنون عند الباء تشتبه، ولا يكاد من لا يعرف أن يفرق بينهما في قوله تعالى: ﴿من أنبأك هذا﴾، وقوله ﴿كنتم به﴾ ونحوها في اللفظ.
قال لي الحسين، قال لي أحمد: وجدت جماعةٌ قرأوا على شيخنا وعلى غيره من القراء لا يفرقون بين (ألنا) و (أسلنا). قال أبو عمرو: والفرق بينهما أن لام الفعل في (ألنا) نون، وفي (أسلنا) لام. وكانتا قبل اتصالهما بالضمير الذي هو النون والألف متحركتين، وقبلهما ألف منقلبة عن ياء، لأن الأصل كان فيهما (ألان وأسال)، فلما اتصلتا بالضمير سكنتا تخفيفاً وسقطت الألف قبلهما لسكونها وسكونهما، واندغمت في النون في (ألنا) لتماثلهما، كما اندغمت فيها كذلك في (لعنا، وآمنا، ولكنا) وشبهه، ولم يندغم فيها لذلك في (أسلنا) لاختلافهما وكون سكون اللام عارضاً، كما لم يندغم فيها لذلك في (أرسلنا، وبدلنا، وقلنا) وشبهه، فتشديد النون في (ألنا) وتخفيفها في (أسلنا) هو الفرق بينهما في اللفظ كما بيناه، ومثلهما في البيان والإدغام والتخفيف والتشديد في
стр. 53
قوله: ﴿فزيلنا بينهم﴾ و ﴿كذلك زينا﴾ سواء، فاعلمه.
قال أبو عمرو: وقد أودعت هذا الباب من حروف التجويد جملةً سائرةً، وألفاظاً دائرةً، تخفى حقيقتها على أكثر القراء، وتعزب كيفية النطق بها على جماعة من أهل الأداء، ورتبتها على مخارجها حرفاً حرفاً، وكشفت عن خاص سرها، ونبهت على موضع غموضها ليقاس ما لم أذكره عليها، وترد نظائرها إليها، إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.
ذكر الهمزة:
وهي حرف مجهورٌ، بعيد المخرج، شديدٌ، لا صورة له، وإنما تعلم بالشكل والمشافهة، ولبعد مخرج الهمزة لا يكون قارئاً من لا يستشعر بيانها في قراءته، ولثقلها صار فيها التحقيق والتخفيف بين بين والبدل والحذف، وليس ذلك لشيء من الحروف غيرها، فينبغي للقارئ إذا همز الحرف أن يأتي بالهمزة سلسلةً في النطق، سهلةً في الذوق، من غير لكزٍ ولا ابتهارٍ لها، ولا خروجٍ بها عن حدها، ساكنةً كانت أو متحركةً.
والناس يتفاضلون في النطق بالهمزة على مقدار غلظ طباعهم ورقتها فمنهم من يلفظ بها لفظاً تستبشعه الأسماع وتنبو عنه القلوب، ويثقل على العلماء بالقراءة، وذلك مكروهٌ، معيبٌ من أخذ به، وقد حدثني الحسين بن علي البصري، حدثنا
стр. 54
أحمد بن نصر، حدثنا ابن مجاهد، حدثنا محمد بن عيسى المقرئ، حدثنا محمد بن يزيد، قال: سمعت أبا بكر بن عياشٍ يقول: إمامنا يهمز (مؤصدة) فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته يهمزها.
حدثنا عبد العزيز بن أبي غسان، حدثنا عبد الواحد بن عمر، حدثنا أحمد بن إسحاق التنوخي، قال حدثنا أبي، حدثنا موسى بن داود عن ابن المبارك، عن سفيان، عن الأعمش، أنه كان يكره شدة النبر، يعني الهمز في القراءة.
ومنهم من يخرج الهمزة مع النفس إخراجاً سهلاً، بغير كلفة، يألفه طبع كل أحدٍ، ويستحسنه أهل العلم بالقراءة، وذلك المختار، ولا يقدر القارئ عليه إلا برياضة شديدة.
وحدثني الحسين بن علي السمسار، حدثنا أبو بكر الشذائي، قال: سمعت ابن مجاهدٍ قال: حفظت عن عبد الله بن محمد بن شاكر، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: سمعت الحسين بن علي الجعفي يقول: سمعت حمزة يقول:
стр. 55
إنما الهمز رياضة. قال: قال أبان بن تغلب: فإذا أحسنها الرجل سهلها، أي تركها بعد، إن شاء الله تعالى.
ذكر الألف:
وهو حرفٌ هاوٍ، مجهورٌ، لا معتمد له في شيء من أجزاء الفم، كالنفس، وإنما هو صوتٌ في الهواء، ولذلك نسب إلى الجوف.
فإذا لم يلق همزةً ولا حرفاً ساكناً، مظهراً أو مدغماً، أشبع اللفظ به، وأعطي من المد والتمكين بمقدار ما فيه من ذلك، مما هو صيغته من غير زيادة في الإشباع ولا تكلفٍ في التمطيط. وذلك نحو قوله: ﴿وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾، و ﴿الحمد لله رب العالمين ﴿، و ﴿أوذينا﴾، و ﴿أوتينا﴾، و ﴿العادون﴾، و ﴿العالين﴾، و ﴿من القالين﴾، وما أشبهه.
وكذلك إن وقع في حروف الهجاء طرفاً نحو الراء من (الر)، و (المر)، والهاء والياء من ﴿كهيعص﴾، والطاء والهاء من ﴿طه﴾، والياء من ﴿يس﴾ والحاء من ﴿حم﴾، وما أشبهه.
стр. 56
وإن لقي همزةً أو حرفاً ساكناً، مظهراً أو مدغماً، زيد في تمكينه وإشباع مده، بياناً للهمزة لخفائها، وليتميز بذلك الساكنان أحدهما من الآخر ولا يجتمعا.
وكذلك حكم الياء المكسور ما قبلها، والواو المضموم ما قبلها، مع الهمزة والساكن ومع غيرهما كحكم الألف سواء. وذلك نحو قوله: ﴿أولئك﴾، و ﴿خائفين﴾، و ﴿شاء الله﴾، و ﴿يا أيها﴾، و ﴿ثلاثة قروءٍ﴾، و ﴿قالوا آمنا﴾، و ﴿بريءٌ﴾، و ﴿بريئون﴾، و ﴿يا بني إسرائيل﴾، وما أشبهه، هذه الهمزة.
وأما الحرف الساكن المظهر فنحو: الكاف والصاد والعين في ﴿كهيعص﴾، واللام والميم في ﴿الم﴾، والسين من ﴿يس﴾، والنون من ﴿ن والقلم﴾، وما أشبهه من حروف الهجاء إذا كان الحرف على ثلاثة أحرف، والأوسط منها ألف أو واو أو ياء.
وأما الساكن المدغم فنحو ﴿ولا الضالين﴾ و ﴿العادين﴾ و ﴿لا آمين﴾، ﴿ولا جان﴾، و ﴿الدواب﴾، و ﴿صواف﴾، و ﴿من يشاق الله﴾، و ﴿ومن حاد الله﴾ وما أشبهه. وكذلك ﴿واللذان﴾، و ﴿أتعدانني﴾،
стр. 57
و ﴿أتحاجوني﴾، و ﴿فبم تبشرون﴾، و ﴿أتمدونن﴾، و ﴿تأمروني﴾، وما أشبهه، على قراءة من شدد. وقد زعم بعض أهل الأداء أن هذا الضرب من الممدود أنقص مداً، لأنه يعدل حركة.
وبعض أهل الأداء يجعل ما كان مدغماً من حروف الهجاء في غيره أشبع مداً مما هو مظهر منها بحال الإدغام، إذ كان الصوت يتصل فيه وينقطع في المظهر، وذلك نحو اللام من (الم، والمر، والمص) وكذلك السين والنون من (طسم) و ﴿يس والقرآن﴾ و ﴿ن والقلم﴾ في مذهب من أدغمه في الميم والواو. وكذلك الصاد من ﴿كهيعص﴾، في مذهب من أدغم الصاد في الذال.
وبعضهم يسوي بين المدغم والمظهر في الإشباع لكون الموجب له موجوداً في الضربين، وهو التقاء الساكنين.
стр. 58
ومن أهل الأداء أيضاً من يشبع مد الميم في قوله ﴿الم الله﴾، في أول آل عمران، على مذهب الجميع، غير عاصم من رواية الأعشى، عن أبي بكر عنه. وفي أول العنكبوت، على مذهب ورش عن نافع، اعتماداً على تقدير سكونها، ومنهم من لا يشبع مدها اعتداداً بحركتها. وكذا منهم من لا يبالغ في إشباع مد العين في قوله ﴿كهيعص﴾، و ﴿عسق﴾ لانفتاح ما قبل يائها، ومنهم من يبالغ في إشباع مدها لأجل الساكنين، والمذهبان في الكل جيدان صحيحان.
قال أبو عمرو: وقد جاء عن حمزة في تمييز المد مع الهمزة ما لا يؤخذ به، إذ لا يصح عنه أداء.
ذكر الهاء:
وهي حرفٌ خفيٌ، مهموسٌ، فإذا أتت ساكنةٌ أو متحركةٌ فينبغي للقارئ أن ينعم بيانها، من غير تكلف ولا ابتهار، وذلك نحو قوله: ﴿مستهزؤون الله يستهزئ بهم﴾، و ﴿عهداً﴾، و ﴿من اهتدى﴾، و ﴿ليهلك من هلك﴾، و ﴿زهرة﴾، و ﴿جهرةً﴾، و ﴿اهتزت﴾، و ﴿كالعهن﴾، وما أشبهه.
وكذا إن وقع بعدها حرف من حروف الحلق، نحو قوله: ﴿إن الله على﴾، و ﴿ما قدروا الله حق قدره﴾، و ﴿آلله خير أما﴾، ﴿ولله غيب السماوات﴾، وما أشبهه. وكذلك ﴿كتابيه إني
стр. 59
ظننت﴾، و ﴿سلطانيه خذوه﴾، على مذهب من أثبت الهاء في الوصل، بناء على الوقف.
فإن سكنت والتقت بمثلها من كلمة أو كلمتين أدغمت من غير تكلف شديد، وذلك نحو قوله ﴿أينما يوجهه﴾، ﴿ومن يكرههن﴾، وكذا ﴿ماليه. هلك عني سلطانيه﴾ على مذهب من جعلها كالأصلية وأثبتها في الحالين.
فإن جاءت ضمير المذكر ولم تلق ساكناً وانضمت وصلت بواو في اللفظ، وإن انكسرت وصلت بياءٍ تقويةً لها لخفائها، ثم حذفت تلك الصلة، إذا وقف عليها، لأنها زائدة، فلو أثبتت لاشتبهت بالحرف الأصلي اللازم، وذلك كالتنوين الذي يصحب الاسم في الوصل ويفارقه في الوقف، لذلك المعنى. فالموصولة بالواو نحو قوله ﴿خلقه﴾، و ﴿أمره﴾، و ﴿رسله﴾، و ﴿نجعله﴾، و ﴿يخلفه﴾، وما أشبهه. والموصولة بالياء نحو ﴿بمزحزحه﴾، و ﴿أمه﴾، و ﴿به﴾، و ﴿برسوله﴾ وما أشبهه.
فإن كانت غير ضمير لم يجز أن توصل، نحو ﴿ما نفقه﴾، و ﴿فواكه﴾ وما أشبهه.
وحال الهاء من قوله (هذه) حال هاء المذكر، توصل بياء، وتحذف عند الوقف،
стр. 60
لشبهها من جهة الإضمار والزيادة.
والمثلان إذا التقيا في كلمة أو كلمتين وتحركا أنعم تفكيكهما، ولخص بيانهما من غير هذرمةٍ ولا تمطيطٍ، كقوله تعالى: ﴿جباههم﴾ و ﴿على وجهها﴾، و ﴿وجهه﴾، و ﴿فيه هدى﴾. وكذا ﴿لا أبرح حتى﴾، و ﴿وقع عليهم﴾، و ﴿من يبتغ غير الإسلام﴾، وكذا ما أشبه من سائر الحروف.
ذكر العين:
وهو حرف مجهور، فإذا جاء ساكناً أو متحركاً أنعم بيانه وأشبع لفظه، من غير شدة ولا تكلف، نحو قوله: ﴿يعمهون﴾ و ﴿فرجعناك﴾، و ﴿رفعناه﴾، و ﴿لا تعتذروا﴾، و ﴿الأعمى﴾، و ﴿فاخلع نعليك﴾، و ﴿يعرفونه﴾، و ﴿تعرفهم﴾، وما أشبهه.
وكذا إن التقى بشيء من حروف الحلق، نحو قوله: ﴿ولا تتبع أهواءهم﴾ و ﴿ارجع إليهم﴾، ﴿ودع أذاهم﴾، و ﴿فاتبعها﴾، و ﴿فلا تطعهما﴾، و ﴿ولا تطعه﴾، و ﴿ألم أعهد إليكم﴾، و ﴿كأن لم يسمعها﴾، و ﴿فأتبعه﴾، و ﴿ومن يتبع خطوات الشيطان﴾، و ﴿فبايعهن﴾، ﴿ويتبع غير﴾، ﴿واسمع غير مسمعٍ﴾ وما أشبهه.
وكذا إن التقى بالثاء والفاء والتاء والشين والصاد وسائر حروف الهمس لخص وبين، وإلا ربما انقلب حاء، لما بين الحاء وبينهن من المشاركة في الهمس، نحو
стр. 61
قوله تعالى: ﴿يوم البعث﴾، و ﴿لا بعثكم﴾، و ﴿ولا تعثوا﴾، و ﴿أعثرنا﴾، و ﴿فاعفوا﴾، ﴿وليعفوا﴾، و ﴿يعفون﴾، و ﴿فاعترفوا﴾، و ﴿فاعتلوه﴾، و ﴿يعتدون﴾، و ﴿ولا تعتدوا﴾، و ﴿يا معشر﴾، ﴿ومن يعش﴾، و ﴿معشار﴾، ﴿ومن يعص﴾، و ﴿إعصار﴾، و ﴿المعصرات﴾، و ﴿يعصرون﴾، و ﴿أمتعكن﴾، و ﴿يمتعكم﴾، وشبهه.
فإن التقى بمثله، وهو ساكن، أدغم من غير تكلف، كقوله: ﴿ما لم تستطع عليه﴾، وشبهه.
ذكر الحاء:
وهو حرف مهموس، فإذا التقى بشيء من حروف الحلق، ساكناً كان أو متحركاً، لخص وبين، [لشبهه بها]، كقوله: ﴿لا تفرح إن الله﴾ ﴿واصفح إن الله﴾، و ﴿فاصفح عنهم﴾، ﴿وسبحه ليلاً﴾، و ﴿فأصبح هشيماً﴾، و ﴿زحزح عن النار﴾، و ﴿لا يصلح عمل المفسدين﴾، و ﴿المسيح عيسى﴾، وما أشبهه.
وحروف الحلق لا يدغم منها شيءٌ، إلا ما تماثل في اللفظ لا غير لقلتها.
стр. 62
ذكر الغين:
وهو حرف مجهورٌ، مستعلٍ، فإن التقى بشيء من حروف الحلق أنعم بيانه وتكلف إشباعه وتلخيصه، من غير شدةٍ ولا تعسفٍ، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ربنا أفرغ علينا صبراً﴾، و ﴿أفرغ عليه قطراً﴾، ﴿ثم أبلغه﴾، وما أشبهه.
وكذا إن أتى بعده قاف، أو سين، أو شين، أو تاء، أو ثاء، أو فاء، فينبغي أن ينعم بيانه ولا يتساهل في ذلك فربما انقلب مع الحروف المذكورة غير القاف خاء، لما بين الخاء وبينهن من الاشتراك في الهمس، واندغم في القاف للمقاربة التي بينهما، كقوله تعالى: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾، و ﴿فاغسلوا﴾، و ﴿يستغشون﴾، و ﴿استغشوا﴾، ﴿والليل إذا يغشى﴾، و ﴿كالذي يغشى عليه﴾، و ﴿نظر المغشي عليه﴾، و ﴿فأغشيناهم﴾، و ﴿مغتسل﴾، و ﴿بغتةً﴾، و ﴿إلا من اغترف﴾، و ﴿فإذا فرغت﴾، و ﴿ولا يغتب بعضكم﴾، و ﴿لو تغفلون﴾، و ﴿من أغفلنا﴾، و ﴿يغفر لكم﴾، و ﴿يغفرون﴾، و ﴿فاغفر لنا﴾، و ﴿ضغثاً﴾، وشبهه.
وكذا حكمه في جميع القرآن، نحو ﴿بغياً بينهم﴾، و ﴿فأغرينا﴾، و ﴿فأغرقناه﴾، و ﴿لا يغني﴾، و ﴿فأغنى﴾، ﴿وأغلالاً﴾، ﴿وأغطش ليلها﴾، وما أشبهه. والله
стр. 63
الموفق والمعين.
ذكر الخاء:
وهو حرف مهموس، مستعلٍ، وحكمه في إنعام البيان والتلخيص حكم الغين.
فإن التقى بالشين أو التاء تعمل بيانه، وإلا ربما انقلب غيناً، كقوله: ﴿ولا تخشى﴾، و ﴿مختلفٌ﴾، و ﴿أن تخشاه﴾، ﴿واختار موسى﴾، ﴿ويختار﴾، و ﴿مختالاً﴾، و ﴿ما اختلط بعظمٍ﴾، و ﴿يختم على قلبك﴾، ﴿ولقد اخترناهم﴾، وما أشبهه.
ذكر القاف:
وهو حرفٌ مجهورٌ، مستعلٍ، فيلزم تعمل بيان جهوره واستعلائه، وإلا صار كافاً، وذلك نحو ﴿فيقتلون ويقتلون﴾، و ﴿أقسموا﴾، ﴿وليقترفوا ما هم مقترفون﴾، و ﴿مقرنين﴾، و ﴿من يقطين﴾، و ﴿لو أنفقت﴾، و ﴿لمن خلقت﴾، و ﴿مقتحمٌ﴾، و ﴿مقتاً﴾، و ﴿اقترب﴾، و ﴿لا تقنطوا﴾، و ﴿يقنطون﴾، و ﴿مقتصدٌ﴾، ﴿واقصد﴾، و ﴿فاقصص﴾، و ﴿لا تقصص﴾، و ﴿فلا تقهر﴾، و ﴿ليقض﴾، و ﴿أن يقضى﴾، و ﴿تقشعر﴾، وما أشبهه. ألا ترى أنه متى لم ينعم بيانه في قوله تعالى: ﴿فالموريات
стр. 64
قدحاً﴾ صار اللفظ بها كاللفظ بقوله تعالى: ﴿إلى ربك كدحاً﴾، وكذا ﴿ومن يقتل﴾، و ﴿أخانا نكتل﴾، و ﴿مشرقين﴾، و ﴿مشركين﴾، ﴿ولا تقف﴾، و ﴿أو لم يكف﴾، و ﴿كتابٌ مرقومٌ﴾، و ﴿سحابٌ مركومٌ﴾، وشبهه، فتغير اللفظ وانقلب المعنى.
فإن التقت القاف بالكاف وهي ساكنةٌ قلبت مثلها، وأدغمت فيها، وذهبت قلقلتها بالقلب والإدغام، وذلك في قوله تعالى: ﴿ألم نخلقكم﴾، وإن التقت بمثلها وهي مشددة أو مخففة أنعم بيان جهورها واستعلائها، نحو ﴿حق قدره﴾، و ﴿إلا الحق قد جئتكم﴾، ﴿وهو الحق قل﴾. و ﴿فلما أفاق قال﴾، وما أشبهه.
ذكر الكاف:
وهو حرفٌ مهموسٌ، مستفلٌ، وحكمه في تعمل البيان والتلخيص كحكم القاف، لئلا ينقلب إلى لفظه، فيزول عن صورته ويتغير معناه، كقوله: ﴿يكسبون﴾، و ﴿ما اكتسب﴾، و ﴿اكتتبها﴾، و ﴿يكتمون﴾، و ﴿يكتبون﴾، ﴿ولا نكتم﴾، وما أشبهه.
فإن التقى بمثله وهو ساكن أدغم بتسهيل وتيسير، كقوله تعالى: ﴿يدرككم الموت﴾، وكذلك حكم سائر المثلين إذا التقيا وسكن الأول منها، ما لم يكن ياء مكسوراً ما قبلها، أو واواً مضموماً ما قبلها، فإن إدغامهما في مثلهما في المنفصل لا يجوز للمد فيهما، كقوله تعالى: ﴿الذي يوسوس﴾، و ﴿في يوسف﴾، و ﴿آمنوا واتقوا﴾، و ﴿فولوا وجوهكم﴾
стр. 65
، وشبهه. فإن انفتح ما قبلهما أدغما في مثلهما لنقصان مدهما، كقوله: ﴿اتقوا وآمنوا﴾، و ﴿عصوا وكانوا﴾، و ﴿آووا ونصروا﴾، و ﴿أو وزنوهم﴾. وكذلك في الكلام: اخشي يحيى، وتعالي يا امرأة، إذا أمرت المؤنث [وكذلك ما أشبهه].
ذكر الجيم:
وهو حرفٌ مجهور، فإذا أتى ساكناً وبعده زاي أو سين فينبغي أن يبين جهوره، وإلا اندغم، وينبغي أن يلخص الزاي والسين بعده بتؤدة، وإلا انقلبت الزاي سيناً والسين زاياً، وذلك في نحو قوله تعالى: ﴿رجزاً من السماء﴾، و ﴿الرجز فاهجر﴾، و ﴿ليجزي الذين﴾، و ﴿يجزيهم﴾، و ﴿لنجزينهم﴾، و ﴿لتجزى﴾، و ﴿تجزون﴾، و ﴿رجساً إلى رجسهم﴾، و ﴿عنكم الرجس﴾، و ﴿رجسٌ وغضبٌ﴾، و ﴿أجسامهم﴾ وما أشبهه.
وكذلك ينبغي أن يتعمل بيانه عند التاء والحاء والدال، ومتى لم يفعل ذلك صار شيناً لما بين التاء والشين من الهمس، ولمؤاخاة التاء الدال في المخرج، وذلك في نحو قوله: ﴿فاجتباه﴾، و ﴿اجتبيناهم﴾، و ﴿اجتنبوا﴾، و ﴿حاججتم﴾، و ﴿خرجتم﴾، و ﴿مجتمعون﴾، ﴿ولو اجتمعوا﴾، و ﴿يجحدون﴾، ﴿وما يجحد﴾، و ﴿من الأجداث﴾، ﴿وأجدر﴾،
стр. 66
و ﴿النجدين﴾، و ﴿من وجدكم﴾، وما أشبهه.
وكذلك يبين ويلخص في نحو قوله: ﴿تجري من تحتهم الأنهار﴾، و ﴿زجرةٌ واحدةٌ﴾، و ﴿أجرموا﴾، و ﴿لخرجنا معكم﴾، و ﴿على وجه أبي﴾، و ﴿مجذوذٍ﴾، وما كان مثله.
ذكر الشين:
وهو حرفٌ متفش، مهموسٌ، فإن أتى ساكناً فيلزم تلخيصه وبيان تفشيه، وذلك نحو قوله: ﴿لمن اشتراه﴾، ﴿ولا تشتروا﴾، و ﴿لا نشتري﴾، ﴿ولا تشطط﴾، و ﴿يشربون﴾، و ﴿في مشيك﴾، و ﴿اشدد﴾، و ﴿الرشد﴾، وما أشبهه.
وكذا إن كان مشدداً فليشبع تفشيه كقوله: ﴿فبشرناه﴾، و ﴿بشرناك﴾، و ﴿نبشرك﴾، ﴿وبشروه﴾، وما أشبهه.
والحروف المهموسة إذا لقيت الحروف المجهورة، والحروف المجهورة إذا لقيت الحروف المهموسة فيلزم تعمل تلخيصها وبيانها، لئلا ينقلب المهموس إلى لفظ المجهور، والمجهور إلى لفظ المهموس، فتختل بذلك ألفاظ التلاوة وتتغير معانيها.
ذكر الياء:
وهو حرفٌ مد مجهورٌ، يخرج من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك، ثم يهوي إلى الحلق، فينقطع آخره عند مخرج الألف، فإذا لم يلق همزة ولا حرفاً ساكناً مد
стр. 67
على مقدار ما فيه من المد الذي هو صيغته من غير زيادة، كقوله تعالى: ﴿ميراث﴾، و ﴿ميقات﴾، و ﴿الميعاد﴾، و ﴿الميثاق﴾، و ﴿الميزان﴾، وكذلك ما أشبهه.
وإن لقي همزةٌ أو حرفاً ساكناً زيد في تمكينه، كما بيناه في الألف، وكذا حكم الواو المضموم ما قبلها في التمكين وزيادة المد سواء، فإن انفتح ما قبلهما زال عنهما معظم المد وأنبسط اللسان بهما، وصارا بمنزلة سائر الحروف الجامدة، وألقي عليهما حركات الهمزات، في مذهب من رأى ذلك، وأدغما في مثلهما بإجماع كما شرحناه قبل.
وإذا تحركت الياء بالكسر والواو بالضم، وسواء كانت تلك الحركة عارضة أو أصلية، فينبغي أن يشبعا من غير زيادة ولا اختلاس، فالياء نحو ﴿ووحينا﴾، و ﴿بالوحي﴾، و ﴿في مشيك﴾، و ﴿كغلي الحميم﴾، و ﴿عذاب الخزي﴾، و ﴿البغي﴾، و ﴿الرأي﴾، و ﴿من الهدي﴾، و ﴿لسعيه﴾، و ﴿لسعيها﴾، و ﴿يبايعونك﴾، و ﴿يبايعنك﴾، و ﴿يبايعون الله﴾، و ﴿فإما ترين﴾، و ﴿من ثلثي الليل﴾، و ﴿معايش﴾، و ﴿يا صاحبي السجن﴾، و ﴿طرفي النهار﴾، وما أشبهه.
стр. 68
والواو نحو قوله ﴿ووفيت﴾، ﴿وتشاور﴾، و ﴿تحاوركما﴾، و ﴿من تفاوتٍ﴾، و ﴿الوحوش﴾، و ﴿الوجوه﴾، و ﴿ولد﴾، و ﴿لتبلون﴾، و ﴿لترون﴾، و ﴿ثم لترونها﴾، و ﴿اشتروا الضلالة﴾، و ﴿لولوا الأدبار﴾، و ﴿رأوا العذاب﴾، وما أشبهه.
وكذا إن تحركتا بالفتح. نحو ﴿سعياً﴾، و ﴿بغياً﴾، و ﴿عمياً﴾، و ﴿تعيها﴾، و ﴿سعيها﴾، و ﴿سعيكم﴾، و ﴿فأذاقهم الله الخزي﴾، و ﴿معه السعي﴾، و ﴿خذ العفو﴾، و ﴿فأدلى دلوه﴾، و ﴿سمعوا اللغو﴾، و ﴿لهواً﴾، و ﴿عدواً﴾، وما أشبهه.
وكذا إن انضمت الياء وانكسرت الواو نحو ﴿إنما بغيكم على أنفسكم﴾، و ﴿إليك وحيه﴾، و ﴿حتى يبلغ الهدي﴾، و ﴿لهم خزيٌ﴾، و ﴿عميٌ﴾، و ﴿باللغو﴾، و ﴿من اللهو﴾، و ﴿من البدو﴾، وما أشبهه.
فإن أتى بعد الياء المتحركة ياء ساكنةٌ وبعد الواو المتحركة واوٌ ساكنةٌ، وحذفتا من الخط اختصاراً أو أثبتتا فيه على الأصل، أشبعت حركتهما، وأتي بالياء والواو بعدهما ممكنتين، فالياء نحو: ﴿لا يستحي﴾، و ﴿يحيي ويميت﴾، و ﴿يحيين﴾، و ﴿يحييكم﴾، و ﴿يحييها﴾،
стр. 69
و ﴿الأميين﴾، و ﴿الربانيين﴾، و ﴿للحواريين﴾، و ﴿لفي عليين﴾، و ﴿أفعيينا﴾. وما أشبهه. والواو نحو ﴿يا داود﴾، و ﴿ما ووري﴾، و ﴿الغاوون﴾، و ﴿لا تلوون﴾، و ﴿هل يستوون﴾، و ﴿لتستووا﴾، و ﴿إن تلووا﴾، و ﴿فأووا إلى الكهف﴾، وما أشبهه.
فإن التقيا مع مثلهما من كلمتين، وهما متحركتان، فيلزم تفكيكهما بتسهيلٍ وبيانٍ، من غير تمطيطٍ ولا عجلةٍ، نحو ﴿ومن خزي يومئذٍ﴾، و ﴿البغي يعظكم﴾، و ﴿إلا هو والملائكة﴾، ﴿وهو وليهم﴾، و ﴿من اللهو ومن التجارة﴾، و ﴿خذ العفو وأمر﴾.
وكذلك إن كانتا مشددتين نحو ﴿علي يوم ولدت﴾، و ﴿إلي يدك﴾، و ﴿الغي يتخذوه﴾، و ﴿لأي يومٍ أجلت﴾، و ﴿العشي يريدون﴾، و ﴿بالغدو والآصال﴾، وما أشبهه.
стр. 70
وكذلك إن كانتا في كلمة واحدة، نحو ﴿لنحيي به﴾، و ﴿على أن يحيي الموتى﴾، و ﴿فلنحيينه﴾، و ﴿إن وليي الله﴾، ﴿ووفيت﴾، ﴿ووضع﴾، ﴿وورثه﴾، ﴿وودوا﴾، وما أشبهه.
وكذلك إن كانت الثانية منهما ساكنة، نحو ﴿الحسنيين﴾، و ﴿الأنثيين﴾، و ﴿فأحييناه﴾، و ﴿أحييناها﴾، و ﴿آووا﴾، و ﴿لووا﴾، وما أشبهه، فيلزم بيان الياءين والواوين من غير مد.
وكذا حكم المثلين من سائر الحروف، فإن كان الأول من المثلين مشدداً فينبغي أن يؤتى به على حقه، وأن يلخص من غير قطع شديد عليه، كقوله: ﴿وأحل لكم﴾، و ﴿مس سقر﴾، و ﴿من اليم ما﴾، و ﴿صواف فإذا﴾، و ﴿الحق قالوا﴾، و ﴿لتعلمن نبأه بعد حينٍ﴾، و ﴿أسس﴾، وما أشبهه.
وكذا إن كان راءً فلينعم تشديده من غير تكريرٍ ولا عسرٍ، كقوله ﴿وخر راكعاً﴾، و ﴿محرراً﴾. وكذا حكم سائر الراءات المشددات كقوله: ﴿مر كأن لم﴾، و ﴿إلى ضر﴾، و ﴿ضراء﴾، و ﴿الرحمن﴾، و ﴿الرحيم﴾، وما أشبهه.
وكذا ينبغي أن يعطى كل مشدد حقه من الإدغام، من غير إفراط ولا سكتٍ وقطعٍ على أول المدغم، نحو ﴿من ورائهم محيطٌ﴾، و ﴿من نور﴾، و ﴿اتقوا وآمنوا﴾، و ﴿عصوا وكانوا﴾، و ﴿إياك﴾،
стр. 71
و ﴿إياي﴾، و ﴿إياه﴾، و ﴿أيام﴾، و ﴿أيما الأجلين﴾، و ﴿أيا ما تدعوا﴾، و ﴿وليهم﴾، و ﴿أي منقلب﴾، و ﴿يدعون﴾، و ﴿يدع اليتيم﴾، و ﴿دعاً﴾، و ﴿دكاً﴾، و ﴿غلاً﴾، و ﴿كلاً﴾، وما أشبهه.
وكذلك يلزم إنعام الإدغام نحو قوله: ﴿في بحرٍ لجيٍ يغشاه﴾، و ﴿ولياً يرثني﴾، وهي أربع ياءات، أصليها ومنقلبها.
وكذا ﴿عدواً وحزناً﴾، و ﴿عدو ولكم﴾، وهي أربع واوات، أصليها ومنقلبها.
وكذا ﴿من رب رحيمٍ﴾، وهي أربع راءات، أصليها ومنقلبها ..
وكذا ﴿على أممٍ ممن معك﴾، وهي ثماني ميمات، أصليها ومنقلبها.
وكذا ﴿ممن منع﴾، وهي خمس ميمات، أصليها ومنقلبها.
وكذا ﴿فويلٌ للذين﴾، وهي خمس لامات، أصليها ومنقلبها.
وكذا ﴿غلاً للذين آمنوا﴾، وهي ست لامات، أصليها ومنقلبها.
وكذا يلزم إنعام التشديد في قوله ﴿لنصدقن﴾ وشبهه، وفي ذلك ثلاثة شدات، شدة الصاد وشدة الدال والنون.
стр. 72
وكذا ﴿الربانيون﴾، وكذا ﴿إن مكناهم﴾، و ﴿أن من الله﴾، و ﴿أن يصدقوا﴾، وكذا ﴿أن يطوف﴾، و ﴿أن يذكر﴾، و ﴿يومئذٍ يصدعون﴾ وشبهه، وفيه ثلاث شدات.
[وكذلك أيضاً ﴿بحرٍ لجيٍ يغشاه﴾، وفي ذلك أربع شدات] متصلات، وكذلك ما أشبهه.
وإذا توالت الحركات ترسل بهن من غير تمطيط ولا هذرمةٍ، كقوله: ﴿أحد عشر كوكباً﴾، وهي ست فتحات، وفتحة الكاف سابعة. وكذا ﴿تسعة عشر وما﴾، ﴿ووجدك﴾، ﴿ويذرك﴾، و ﴿لفسدتا﴾، وهي خمس فتحات، سوى فتحة الحرف المتصل بهن، وكذا ﴿رسلهم﴾، و ﴿رسلكم﴾، و ﴿نزلهم﴾، وهي أربع ضمات في قراءة من أسكن الميم، وخمسٌ في قراءة من ضمها، وكذا ما أشبهه.
ذكر الطاء:
وهو حرفٌ مجهورٌ، مستعلٍ، مطبقٌ، فيلزم إنعام بيانه وبسط اللسان به، كقوله: ﴿يلتقطه﴾، و ﴿من نطفةٍ﴾، و ﴿قطراٍ﴾،
стр. 73
و ﴿ليطغى﴾، و ﴿نطمع﴾، و ﴿بطشاً﴾، و ﴿البطشة﴾، وشبهه.
وكذا حكم سائر حروف الإطباق، ولولا الإطباق الذي في الطاء لصارت دالاً، ولولا الجهر الذي في الدال لصارت تاء.
فإن التقت الطاء، وهي ساكنةٌ بتاءٍ أدغمت فيها بيسرٍ وبين إطباقها مع الإدغام، وإذا بين امتنعت من أن تنقلب تاءً خالصة. لأنها بمثابة النون والتنوين، إذا أدغما وبقيت غنتهما، هذا مذهب القراء.
وقد يجوز إدغامها وإذهاب صوتها كما جاز ذلك في النون والتنوين، وذلك نحو ﴿فرطتم﴾، و ﴿أحطت﴾، و ﴿بسطت﴾، وما أشبهه.
ذكر الدال:
وهو حرفٌ مجهورٌ، فإذا التقى بالتاء في كلمة وهو ساكن أدغم من غير عسرٍ، كقوله: ﴿حصدتم﴾، و ﴿عدتم﴾، و ﴿راودته﴾، و ﴿راودتن﴾، و ﴿مهدت له﴾، وما أشبهه، وكذا إن التقى بها من كلمتين نحو ﴿قد تبين﴾، و ﴿لقد تاب الله﴾، ﴿وقد تعلمون﴾، ﴿لقد تركناها﴾، وما أشبهه.
وكذلك إن التقى باللام والراء لخص بيانه، وإلا ربما اندغم فيهما، نحو ﴿لقد لقينا﴾، و ﴿لقد لبثتم﴾، و ﴿لقد راودته﴾، و ﴿لقد رأى﴾، وما أشبهه.
стр. 74
وكذلك إن التقى بالنون فيلزم أن يمكن جهوره، ولا يتساهل في ذلك، فيصير غنةٌ مدغمةٌ في النون، نحو ﴿قد نرى تقلب﴾، ﴿ولقد نصركم الله﴾، ﴿ولقد نادانا﴾، وما أشبهه.
وكذا إن التقى بالحاء والخاء والراء والقاف والفاء وغيرهن، فينبغي أن يتعمل جهوره، وإلا صار تاء، كقوله ﴿يدخلون﴾، و ﴿ندخلهم﴾، و ﴿مدخلاً﴾، و ﴿مدخل صدق﴾، و ﴿لا تدري﴾، و ﴿يدرؤون﴾، و ﴿يدرأ عنها﴾، و ﴿المدحضين﴾، و ﴿ليدحضوا﴾، و ﴿مدحوراً﴾، و ﴿كدحاً﴾، و ﴿الودق﴾، و ﴿يدمغه﴾، و ﴿ادفع﴾، وما أشبهه.
ذكر التاء:
وهو حرفٌ مهموسٌ، فإن التقى بالطاء أو بالدال أدغم فيها إدغاماً سهلاً من غير عنف، كقوله: ﴿وقالت طائفةٌ﴾، و ﴿إذ همت طائفتان﴾، و ﴿أجيبت دعوتكما﴾، و ﴿فلما أثقلت دعوا الله﴾، وما أشبهه.
وإذا اجتمع مع حروف الإطباق في كلمة فيلزم تعمل بيانه وتلخيصه من لفظة الطاء، وإلا انقلب طاء، كقوله تعالى: ﴿فاختلط﴾، و ﴿ما اختلط﴾، و ﴿فإن استطعت﴾، ﴿وما استطاعوا﴾، و ﴿أفتطمعون﴾، و ﴿تطلع﴾، ﴿ولا تطغوا﴾،
стр. 75
و ﴿لا تطرد﴾، و ﴿تطمئن﴾، و ﴿تطهيراً﴾، و ﴿تطلع﴾، و ﴿استطعما﴾، و ﴿يتطهرون﴾، و ﴿المتطهرين﴾، و ﴿مستطيراً﴾، وما أشبهه.
وإن سبقت الطاء التاء لخص صوت الطاء، وإلا صار تاء، نحو ﴿فرطت﴾، و ﴿أحطت﴾، و ﴿أحاطت﴾، و ﴿كشطت﴾، و ﴿حبطت﴾، وشبهه.
فإن التقى بالقاف تعمل تلخيصهما معاً، وإلا زال كل واحد منهما عن صورته، وانقلب إلى غير لفظه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فلم تقتلون﴾، و ﴿فلم تقتلوهم﴾، و ﴿لا تقربوا﴾، و ﴿لتقرأه﴾، ﴿وإذ نتقنا الجبل﴾، و ﴿تقديراً﴾، وشبهه.
وكذلك إن جاء ساكناً قبل القاف تعمل بيانه وتلخيصه، وإلا انقلب طاء لما بين القاف والطاء من الاشتراك في الجهر والاستعلاء، وذلك نحو قوله: ﴿كانتا رتقاً﴾، و ﴿أتقاكم﴾، و ﴿الأتقى﴾، و ﴿الذي أتقن كل شيء﴾، وشبهه.
وكذا إن وقع قبله سين وبعده حرف مجهور فينبغي أن يلخص ويبين ويمنع من الإطباق، لئلا يصير طاء، كقوله تعالى: ﴿نستعين﴾، و ﴿المستقيم﴾، و ﴿فإن استطعت﴾، ﴿وأن لو استقاموا﴾، وما أشبهه
следующие страницы →