Полный текст (811 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وأقام الحجَّ للناس في سنة ثمان عُتَّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية: وهو أول أمير أقام الحجُّ في الإسلام. وحجَّ المشركون على مشاعرهم، وكان عتاب شابا خيِّرا فاضلا ورعا. وآخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ غزوة تبوك غزاها في الحرّ الشديد. وفيها افتُخح المنافقون واعتذروا، فلم يقبل الله عذرهم، وتاب الله فيها على الثلاثة الذين خُلِّفوا؛ وهم: كعب بن مالك السَّلميُّ الخزرجيُّ من بني سَلَمَة بن سعد، وهلال بن أميَّة الواقفيُّ الأوسيُّ، ومُرارة بن الربيع العَمريُّ من بني عمرو بن عوف الأوسي ﵃. وكانت غزوة تبوك في رجب سنة تسع.
وفي سنة تسع حجَّ أبو بكر الصدّيق بالناس، وأنزلت سورة براءة بعد ما سار أبو بكر فبعث النبيُّ ﵇ عليّا ﵁ في إثره، فقرأها على الناس في تلك الحجَّة، وأعطى لكلِّ ذي عهد عهده إلى مُدَّته.
أزواجه ﷺ
وتزوج الرسول الله ﷺ عدداً كثيراً من النساء، خص بذلك دون أمه بجمع أكثر من أربع، وأحل له منهن ما شاء. فالمجتمع عليه من زوجه إحدى عشرة امرأة. وهن: خديجةُ بنتُ خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصيِّ بن كلاب بن مُرّة ابن كعب بن لؤي. وأُمُّها فاطمة بنت زائدة بن الأصمِّ. والأصمِّ اسم جُندَب ابن رواحة بن حَجَر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي. وكانت خديجة أبي هالة زُرارة بن تَبَّاش بن عَدي بن حبيب بن صُرَد بن سلامة بن جروة بت أسيَّد بن عمرو بن تميم التميميُّ. فولدت له هند بن أبي هالة، وهالة بن أبي هالة، وقد تقدَّم ذكرها في بني تميم. ثم خلف عليها بعد أبي هالة عتيق بن عائذ ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم. ثم خَلَفَ عليها بعد عتيق المخزومي رسول الله
стр. 527
صلى الله عليه وسلم. ولم يَنكِح عليها امرأة حتى ماتت، وربَّى ابنها هنداً وهالة. وكان هند يقول أنا أكرم الناس أبا وأما وأخا وأختا، أبي رسول الله، وأمي خديجة، وأختي فاطمة، وأخي القاسم.
وخديجة أول مؤمن بالله من الرجال والنساء، قال الزهريُّ وقتادة وابن إسحاق. وروى هشام بن عروة عن أبيه قال: أوّل من آمن بالنبيِّ ﵇ من الرجال والنساء خديجة بنت خويلد ﵂. وكانت للنبيِّ ﷺ وزير صدق عندما بُعث فكان لا يسمع من المشركين شيئا يكرهه من ردٍّ عليه وتكذيب له، إلاَّ فرَّج الله بها عنه، تثبِّته وتُصدِّقه وتُخفِّف عنه وتُهوِّن عليه ما يلقى من قومه. واختارها الله لنبيه ﷺ لما أراد بها من كرامته. وروي من وجوه صحاح أن النبيّض ﷺ قال: " يا خديجة هذا جبريل يُقرئك من ربك السلام ". فقالت خديجة: الله السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام. وبشَّرها رسول الله ﷺ عن الله ببيت من قصب لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب. والقصبُ: اللؤلؤ المجوَّف، قاله ابن هشام. وقال النبيُّ ﷺ : " خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وابنة مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد "، روى هذا الحديث أبو هريرة، وروى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: ما غرتُ على امرأة ما غرتُ على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، ولكنَّ ذلك لكثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها، وإن كان ليذبح الشاة فيتتبَّع به صدائق خديجة يُهديها لهنَّ. وروى الشعبيُّ عن مسروق عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكرها فيُحسن الثناء عليها. فذكرها يوم من الأيام فأدركتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزا؟ فقد أبدلك الله خيرا منها، فغضِبَ حتّى اهتزَّ مُقدَّمُ شعره من الغضب، ثم قال: " لا والله ما أبدلني خيرا منها؛ آمنت إذ كفر الناس، وصدقتني وكذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولادا إذ حرمني أولاد النساء ". قالت عائشة: فقلتُ في نفسي: لا أذكرها بسُبَّة أبدا.
стр. 528
وولده ﵇ كلُّهم من خديجة إلا إبراهيم، فإنه من مارية القِبطيَّة. ولدت له أربع بنات لا خلاف في ذلك، وأكبرهنَّ زينب بلا خلاف ورقيَّة وأمُّ كلثوم وفاطمة، رضي الله عن جميعهنَّ. وكُلُّهُنَّ أدركن الإسلام، فأسلمن وهاجرن معه ﷺ .
وولدت له من الذكور القاسم، وبه كان يُكنى، والطاهر والطيِّب، كذا قال ابن إسحاق. وقال مصعب الزُّبيريُّ: ولد لرسول الله ﷺ القاسم، وبه كان يُكنى، وعبد الله وهو الطيِّب، والطاهر لأنه وُلِدَ بعد الوحي.
وتوفيت خديجة وهي بنت خمس وستين سنة في شهر رمضان، ودُفِنت بالحَجُون، ذكر ذلك محمد بن عمر الواقديُّ وغيره. ولم تمت خديجة ﵂ إلا بعد الإسراء، وبعد أن صلت الفريضة مع رسول الله ﷺ .
ثم سَودة بنتُ زَمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودِّ بن نصر بن مالك ابن حِسْل بن عامر بن لؤي. وأمُّها الشَّموس بنت قيس بن زيد بن عمرو بن لبيد من بني عديِّ بن النجَّار. وزيدُ جدُّ الشَّموس أخو سلمى بنت عمرو أمِّ عبد المطلب. وكانت قبل رسول الله ﷺ عند السَّكران بن عمرو أخي سُهيل بن عمرو، فخلف عليها بعده، تزوَّجها في قول الزّهريُّ قبل عائشة بمكة في سنة عشر من النبوّة. ولمَّا أسنَّت أراد رسول الله ﷺ طلاقها. فقالت له: لا تُطلِّقني، وأنت في حِلٍّ من شأني، فإنما أُريد أن أُحشر في أزواجك، وإني قد وهبتُ يومي لعائشة، وإني لا أريد ما يريد النساء. فأمسكها رسول الله ﷺ حتى توفي عنها مع سائر من توفي منهنَّ من أزواجه.
وروى عروة بن الزبير عن عائشة قالت: ما من الناس أحبُّ إليَّ أن أكون في مِسلاخه من سودة بنت زمعة إلا أن بها حِدَّة. قال ابن أبي
стр. 529
خيثمة: توُفِّيَت سودة بنت زمعة في آخر خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق، وأمُّها وأمُّ شقيقها عبد الرحمن أمُّ رومان، يقال بفتح الراء وضمِّها. واسمها زينب بنت عبد دهمان من بني فراس بن غَنِم ابن مالك بن كنانة، كذا قال ابن هشام في نسبها. وتُوفِّيَت أمُّ رومان سنة ستٍّ من الهجرة في ذي الحجة، قاله الواقديُّ. فنزل النبيُّ ﵇ في قبرها، واستغفر لها وقال: " اللهمَّ لم يخف عليك ما لقيت أمَّ رومان فيك وفي رسولك ". وروي عنه ﵇ أنه قال: " مَن سرَّه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أمِّ رومان ". وكانت قبل أبي بكر قبل الإسلام، فولدت له الطُّفيل. ثم توفي عن أمِّ رومان ثم خلف عليها أبو بكر بعده. فالطفيل أخو عائشة وعبد الرحمن لأمهما.
ولم يتزوج رسول الله ﷺ بكرا غير عائشة. وكان ﷺ قد أُري عائشة في المنام في سَرَقةٍ من حرير متوفَّى خديجة. فقال: " إن يكن هذا من عند الله يُمضِه ". فتزوجها في شوَّال على ما ذكر الزبير بن بكار قبل الهجرة بثلاث سنين، وأعرس بها بالمدينة في شوال. وكانت تُحبُّ أن يدخل النِّساء من أهلها في شوَّال على أزواجهنَّ.
وقال الطبري: حدثنا ابن وكيع قال: نا عن إسماعيل بن أميَّة، عن عبد الله بن عروة، وعن عروة، عن عائشة قالت: " تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبَنى بها في شوَّال. فأيُّ نساء رسول الله ﷺ كانت أحظى عنده مني؟ ". وكانت عائشة تستحب أن تُدخِل نساءها في شوال. وقيل: إن رسول الله ﷺ بنى بها في شوال يوم الأربعاء في منزل أبي بكر بالسُّنح. وتُفي عنها ﷺ وهي بنت ثمان عشرة، وكان مكثُها معها تسع سنين. وروت عن رسول الله ﷺ حديثا كثيرا. وكان مسروق إذا حدَّثت عن عائشة يقول: حدَّثتني الصادقة ابنة الصِّديق والبريئة المبرَّأة بكذا وكذا.
стр. 530
وقال عمرو بن العاصي: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال " عائشة ". قلت: فمن الرجال؟ قال " أبوها ". رواه أبو عثمان النَّهديُّ عن عمرو بن العاصي. وقال ﵇: " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام "، رواه أبو موسى الأشعريُّ وأنس. وقال لها رسول الله ﷺ : " هذا جبريل يقرأ عليكِ السلام ". قالت: وعليه السلام ورحمة الله، ترى ما لا أرى! تريد رسول الله ﷺ . وقال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا في العامة. وقال عروة بن الزبير: ما رأيت أحد أعلم بفقه ولا بطبٍّ ولا بشعر من عائشة. وقال الزهريُّ: لو جُمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي ﷺ وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. ونزل صدر سورة النور ببراءتها حين قالوا فيها أهل الإفك ما قالوا، فإنه يُتلى إلى يوم القيامة لكرامتها على الله. وفيها يقول حسان بن ثابت:
حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ برِيبةٍ ... وتصبح غَرثى من لحوم الغَوافِل
عَقيلةُ أصلٍ من لؤيِّ بن غالبٍ ... كرامِ المساعي مجدُهم غيرُ زائلِ
مُهذَّبةٌ قد طيَّب اللهُ خِيمَها ... وطهَّرها من كلِّ بَغْيٍ وباطلِ
وفضائلها ﵂ أكثر من أن تُحصى. وتوفيت سنة ثمان وخمسين للهجرة في آخر خلافة معاوية، وقد قاربت السبعين، وذلك ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان. وأمرت أن تُدفن ليلا، فدُفنت بعد الوتر بالبقيع. وصلى
стр. 531
عليها أبو هريرة، ونزل في قبرها خمسة: عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن أبي بكر. ذكر ذلك صالح بن الوجيه وجماعة من أهل السِّير.
ومن موالي عائشة مَرجانة: وهي أمُّ علقمة بن أبي علقمة أحد شيوخ مالك. واسم أبيه أبي علقمة بلال، وهو مولى عائشة أيضا. وقيل: هو مولى مصعب بن عبد الرحمن.
ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب: وأمُّها زينب بنت مظعون أخت عثمان وعبيد الله وقُدامة والسائب بني مظعون الجمحي. وكانت حفصة من المهاجرات، وكانت قبل رسول الله ﷺ تحت خُنَيس بن حُذافة السِّهمي. فلما تأيَّمت ذكرها عمر لأبي بكر وعرضها عليه، فلم يُرجع إليه أبو بكر كلمة. فغضب من ذلك عمر، فعرضها على عثمان حين ماتت رُقية بنت رسول الله ﷺ . فقال عثمان: ما أريد أن أتزوج اليوم. فانطلق عمر إلى رسول الله ﷺ ، فشكا إليه عثمان، وأخبره بعرضه حفصة عليه. فقال رسول الله ﷺ " يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هو خير من حفصة ". ثم خطبها إلى عمر، فتزوجها رسول الله ﷺ فلقي أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب فقال: لا تجِدنَّ عليَّ في نفسك، فإن رسول الله ﷺ كان ذكر حفصة، فلم أكن لأُفشي سرَّ رسول الله ﷺ ، ولو تركها لتوَّجتها.
وتزوج رسول الله ﷺ في شعبان سنة ثلاث. وطلَّقها رسول الله تطليقة لأنها أفشت سرَّه، ثم ارتجعها. وذلك أن جبريل ﵇ قال له: راجع حفصة، فإنها صوَّامة قوَّامة، وأنها زوجتك في الجنة. وروى موسى بن علي ابن رباح عن أبيه، عن عقبة بن عامر قال: طلَّق رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر، فبلغ ذلك عمر، فحثا على رأسه التراب وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعد هذا. فنزل جبريل من الغد على النبي ﵇ وقال: إنَّ الله يأمرك أن تُرتجع حفصة بنت عمر رحمة لعمر. وقال عبد الله بن عباس: سألت عمر بن الخطاب، بعدما هِبتُهُ سنة، عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ فقال: عائشة وحفصة.
стр. 532
وأوصى عمر بعد موته إلى حفصة، أوصت حفصة إلى عبد الله بن عمر بما أوصى إليها عمر بصدقة تصدَّقت بها بمال وقفته بالغابة. وتوفيت في جمادى سنة إحدى وأربعين، كذا قال أبو معشر. وقال غيره: تُوفيت حفصة سنة خمس وأربعين.
ثم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية العامرية لم يختلفوا في نسبها كانت تُدعى أمَّ المساكين في الجاهلية. وكانت تحت عبد الله بن جحش قُتل عنها يوم أحد. قال ذلك ابن شهاب. وقال أبو الحسن عليُّ بن عبد العزيز الجُرجانيُّ النسَّابة: كانت زينب بنت خزيمة عند طُفيل بن الحارث بن عبد المطَّلب، ثم خلف عليها أخوه عُبيدة بن الحارث قال: وكانت زينب بنت خُزيمة أخت ميمونة بنت الحارث لأمها. وتزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث. ولم تلبث عنده إلا بسيرا شهرين أو ثلاثة. وتوفيت في حياته.
ثم أمُّ سَلَمَة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظَة ابن مُرَّة بن كعب بن لؤي، وأبوها أبو أمية اسمه حُذيفة، وكان يقال له زاد الراكب لأنه كان إذا سافر في ركب ينفق من ماله على كلِّ من فيه يجعل زادهم عليه. وكان أخوتها لأبيها خمسة: زهير والمهاجر وعبد الله وعامر ومسعود.
فأما زهير بن أبي أمية فكان أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة التي كتبت قريش بينهم وبين أهل الشِّعب بني هاشم وبني المطَّلب. وكان من المؤلفة قلوبهم. أعطاه رسول الله ﷺ من غنائم حُنين مئة بعير. وأما المهاجر بن أبي أمية فكان رسول الله ﷺ إلى الحارث بن عبد كُلال الحميريِّ ملك اليمن. وأما عبد الله بن أبي أمية فكان شديد العداوة لرسول الله ﷺ . وهو الذي قال: لن نؤمن حتى تُفجِّر لنا من الأرض ينبوعا، إلى: أو يكون لك بيت من زخرف.. الآية. ثم خرج إلى النبي
стр. 533
صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فلقيه في الطريق بين السُّقيا والعَرْج، وهو يريد مكة، فتلقَّاه، فأعرض عنه رسول الله ﷺ مرة بعد مرة. فسأل أخته أم سَلَمَة أن تشفع له عند رسول الله فشفَّعها رسول الله ﷺ فيه. وأسلم وحسُن إسلامه، وشهِدَ رسول الله ﷺ فتح مكة مسلما وشهد حُنينا والطائف. ورُمي يوم الطائف بسهم فقتله يومئذ. وأم زهير والمهاجر وعبد الله بن أمية المزكورين عاتكة بنت عبد المطلب.
وأما عامر بن أبي أُمية فأسلم عام الفتح، ولا تُحفظ له رواية عن النبي ﷺ . روى عن أمِّ سَلَمَة وروى عنه سعيد بن المُسيَّب. وأما مسعود بن أمية فكان من أهل القليب ببدر. وقتله مبارزة يوم بدر عليُّ بن أبي طالب، فيما قال ابن هشام.
وأمُّ أمِّ سَلَمَة عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك بن خزيمة بن علقمة بن فراس. وكانت أمُّ سلمة، واسمها هند، تحت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزوميِّ، فولدت له سلمة وعمرو وأمَّ كلثوم وزينب.
واسم أبي سلمة عبد الله، وأمَّه برَّة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ ، وهو أخوه من الرَّضاع. وأبو سلمة ممّن هاجر الهجرتين، وشهد بدرا، ومات من جرح أصابه يوم أُحد، اندمل، ثم انتقض عليه. وكان موته منه بالمدينة لثلاث مضين من جمادى الآخرة سنة أربع بعد أُحد بسبعة أشهر.
وخَلَفَ رسول الله ﷺ أمَّ سلمة بعده وكفل ابنيها وبناتها. قال عمر بن أبي سلمة: كنت في حجر النبي ﷺ وكانت يدي تطيش في الصَّحفة، فقال لي: " يا غُلام سَمِّ الله، وكُل بيمينك وكُل ممَّا يليك ". أخرج هذا الحديث مسلم بن أبي شيبة وابن أبي عمر، مسندا إلى عمر بن أبي سلمة.
وتوفي عمر بن أبي سلمة، ويُكنى أبا حفص سنة ثلاث وثمانين في خلافة
стр. 534
عبد الملك بن مروان، وحفظ عن النبي ﵇ وروى عنه التي قالت فيها أمُّ حبيبة لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إنّا قد تحدَّثنا أنك ناكح دُرَّة بنت أبي سلمة. فقال رسول الله ﷺ : " أَعَلى أمِّ سلمة؟ لو أني لم أنكح أمَّ سلمة لم تحِلَّ لي، إن أباها أخي من الرضاعة ".
وولدت أمُّ سلمة زينب بنت أبي سلمة بأرض الحبشة، وقدِمَت بها. وكان اسمها برَّة، فسمَّاها النبيُّ ﷺ زينب، وحفظت عن النبيّ ﷺ . ويُروى أنها دخلت على النبي ﷺ . وهو يغتسل، فنضح في وجهها. قالوا: فلم يزل ماء الشباب حتى كبرت وعجّزت. وكانت من أفقه من نساء زمانها. وبقين حتى شهدت وقعة الحرَّة، وقُتل لها فيها ابنان من عبد الله بن زمعة بن الأسود الأسدي. أحدهما يزيد، وذلك أنه أُتي به مُسرف أسيرا، فقال له: بايع على أنك خَوَل لأمير المؤمنين، يعني يزيد يحكم في دمِل ومالِك. فقال: أبايعك على الكتاب والسُّنة، وإني ابن عم أمير المؤمنين، يحكم في دمي وأهلي ومالي. وكان صديقا ليزيد وصفيّاً له. فلما قال ذلك قال مُسرف: اضربوا عنقه. فوثب مروان فضمَّه إليه لما كان يعرف بينه وبين يزيد. فقال مروان: نعم يبايع على من أحببت. فقال مسلم: والله لا أُقيلُهُ أبدا. وقال: إن تنحَّى عنه مروان، وإلا فاقتلوهما معا. فتركه مروان وضُربت رقبة يزيد بن عبد الله بن زمعة. وأما الآخر فجلس في بيته وكفَّ يده، فدُخل عليه فقُتل مظلوما.
وأما سلمة بن أبي سلمة فكان أسنَّ من أخيه عمر، وعاش إلى خلافة عبد الملك بن مروان، ولا تُحفظ له رواية عن رسول الله ﷺ . وهو الذي عقد للنبيِّ ﵇ علة أمِّه أمِّ سلمة. فلما زوَّجه رسول الله ﷺ أُمامة بنت حمزة بن عبد المطلب أقبل على أصحابه فقال: " تَرُوني كافأته ".
стр. 535
وتوفيت أمُّ سلمة سنة تسع وخمسين في شهر رمضان أو شوال. وقيل: أنها توفيت سنة ستين في أول خلافة معاوية ... وصلى عليها أبو هريرة ودُفنت بالبقيع، ودخل ابناها ابناها عُمر وسلمة وابن أخيها عبد الله بن عبد الله بن أبي أميَّة وعبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد. وهي آخر أجزاء النبيِّ ﷺ موتا.
ومن موالي أمِّ سلمة خَيرةُ أم الحسن بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يَسار مولى الأنصار. وكانت أمُّه ربما غابت فيبكي، فتُعطيه أمُّ سلمة ثديها تُعلِّله به إلى أن تجيء أمُّه. فدرَّ عليه ثديها فشربه. فيروون أن تلك الحكمة والفصاحة من بركة ذلك. ونشأ الحسن بِوادي القُرى. وروى الأصمعيّ عن حماد بن زيد وحماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان قال: ... عن قتادة أن أمَّ الحسن كانت مولاة أمِّ سلمة. وقال أبو اليقظان: يسار أبو الحسن البصري من سبي ميسان. وروى الأصمعيُّ عن أبيه قال: ما رأيت أعرض زندا من الحسن، وكان عرضه شبرا. وكان يُشَبَّه برؤية بن العجاج في فصاحة لهجته وعربيَّته. وكان مولده لسنتين بقيتا من خلافة عمر. وروي أن أمَّ سلمة أخرجته إلى عمر فقال: اللهمَّ فقِّهه في الدين وحبِّبه إلى الناس. وسئل أنس بن مالك عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن، فإنه سمع وسمعنا، فحفظ ونسينا. ومات سنة عشر ومئة. ولم يشهد ابن سيرين جنازته لشيء كان بينهما. وقيل ليونس بن عُبيد: أتعرف أحدا يعمل بعمل الحسن؟ فقال: والله ما أعرف أحدا يقول بقوله، فكيف يعمل عمله؟ ثم وصفه فقال: كان إذا أقبل فكأنه أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس فكأنه أسيرٌ أُمِرَ بضرب عنقه، وإذا ذُكرت النار فكأنها لم تُخلَق إلا له.
ثم زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبيرة بن مرة بن كبير بن غثم بن داودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. وأمها أميمة بنت عبدر المطلب عمة رسول الله ﷺ ولا خلاف أنها كانت قبله تحت زيد بن حارثة الكلبيِّ. وكان زيد يقال له زيد بن محمد؛ تبنَّاه رسول الله ﷺ حين قدم والده حارثة إلى مكة في فدائه، فخيَّره رسول الله ﷺ في المكث معه أو السير مع أبيه. فاختار المقام مع رسول الله ﷺ لما أراد الله من كرامته بالإسلام. وكان حكيم
стр. 536
ابن حزام بن خويلد قدم من الشام برقيق فيهم زيد بن حارثة، وهو صبي صغير، فدخلت عليه عمَّته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله ﷺ قبل النبوة، فخيَّرها في الرقيق فاختارت زيدا فأخذته، فرآه النبي ﷺ عندها فاستوهبه منها فوهبته له، فتبنَّاه بعدما أعتقه.
ولما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش بعدما طلقها زيد، وانقضت عدَّتها تكلم في ذلك المنافقون، وقالوا: حرَّم محمد نساء الولد، وتزوج امرأة ابنه. فأنزل الله ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين (. وقال) ادعوهم لآبائهم هو أقسط لكم عند الله. فإن لم تعلموا آباءهم فأخوانكم في الدِّين ومواليكم (. فنسب إلى أبيه، ودعي من يومئذ زيد بن حارثة. وهو كلبي، وكلب فخذ من قضاعة.
وكان يقال لزيد: حبُّ رسول الله ﷺ ولابنه أسامة: الحبُّ بن الحبِّ. ولم يذكر الله تعالى أحدا باسمه في القرآن، ما عدا الأنبياء، غير زيد في قوله) فلمَّا قضى زيدٌ منها وَطراً زوَّجناكها (. وقوله تعالى:) وإذ تقول للذي أنعم اللهُ عليه وانعمتَ عليه (يعني زيدا أنعم الله عليه بالإسلام وأنعم عليه النبيُّ ﵇ بالعتق. وقال رسول الله ﷺ : " أنت أخونا ومولانا "، ذكر هذا الخبر البخاري في حديث الحديبية. واستشهد زيد في مؤته. وتوفي أسامة سنة أربع وخمسين. روى عنه أبو عثمان النَّهديُّ وعروة وعبيد الله بن عبد الله وجماعة. وابنه محمد بن أسامة روى عنه.
وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش في سنة خمس من الهجرة ̧ قاله قتادة، وقال أبو عبيدة: تزوجها سنة ثلاث. وكانت زينب رضي الله ذات دين وورع وصدقة. ذكر مسلم بن الحجاج قال: نا محمود بن غيلان قال: نا الفضل بن موسى السِّنانيُّ قال: نا يحيى بن طلحة عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه
стр. 537
وسلم: " أسرعكنَّ لحاقا بي أطولكنَّ يدا ". قالت: فكانت أطولنا يدا زينب، لأنها كانت تعمل بيديها وتتصدَّق.
وكانت لها حُسن منزلة عند رسول الله ﷺ ، وصحَّ أنها أول نسائه لحاقا به. وروي من وجوه عن عائشة أنها قالت: كانت زينب بنت جحش تساميني في المنزلة عند رسول الله ﷺ ، وما رأيت امرأة قطٌّ خيرا في الدِّين من زينب أتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرَّحم وأعظم صدقة. وعن عبد الله بن شدَّاد أن رسول الله ﷺ قال لعمر بن الخطاب: " إنَّ زينب بنت جحش جحش أوَّاهة ". فقال رجل: أي رسول الله، ما الأوَّاه؟ قال: " الخاشع المتضرِّع، وإنَّ إبراهيم لحليم أوَّاه منيب ". وكانت تفخر على نساء النبيِّ ﵇، وتقول: إنَّ آبائكنَّ أنكحوكنَّ، وإنَّ الله أنكحني إيَّاه من فوق سبع سماوات.
وتوفيت في خلافة عمر سنة عشرين، وفيها افتتحت مصر. وقيل: بل توفيت سنة إحدى وعشرين، وفيها افتتحت الإسكندرية.
ثم أمُّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. واسمها رملة، وهي من المهاجرات من أرض الحبشة مع زوجها عبيد الله ابن جحش، وهو أبو ابنتها حبيبة، وبها كانت تكنى. فتنصَّر عبيد الله ومات نصرانيا بأرض الحبشة. وهو القائل بها للمسلمين: فقَّحنا وصأصأتم، أي: أبصرنا الدين وعميتم عنه. قيل: الصأصأة أن لا يقدر الجرو أن يفتح عينه عندما تلده الكلبة. فإذا فتح عينيه قيل: فقَّح.
وخطبها رسول الله ﷺ لنفسه، وهي بأرض الحبشة، وأصدقها عنه النجاشيُّ أربعمئة دينار. وولي عقد نكاحها عند النجاشيّ خالد بن سعيد بن العاصي. وقيل عثمان بن عفان ﵁. وتزوَّجها سنة ستٍّ، وبنى بها سنة سبع. بعث إليها رسول الله ﷺ شرحبيل بن حسنة فجاءه بها. وقيل لأبي سفيان، وهو يحارب رسول الله ﷺ : إن محمدا قد نكح ابنتك. فقال: ذاك الفحل لا يُقدعُ أنفه. ودخل عليها بيتها، ﵂، أبوها أبو سفيان قبل فتح مكة حين بَعَثته قريش ليشدَّ العقد لمَّا صنعوا
стр. 538
بخُزاعة ما صنعوا. فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه. فقال: يل بُنيَّة، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحبَّ أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ . قال: والله يا بُنيَّة لقد أصابك شرٌّ.
وبنتها حبيبة: روت عنها زينب بنت أمِّ سلمة عن أمِّها أمِّ حبيبة: روى سفيان بن عُيينة عن الزهريُّ، عن عروة، عن زينب بنت أمِّ سلمة، عن حبيبة بنت أمِّ حبيبة، عن أمِّ حبيبة، عن زينب بنت جحش قالت: استيقظ رسول الله ﷺ من نوم محمرّاً وجهه وهو يقول " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وعقد تسعين أو مئة ". قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم، إذا كثُر الخبث ". قال سفيان: أحفظ عن الزهريُّ في هذا الحديث أربع نسوة تروي كلُّ واحدة منهنَّ عن الأخرى، كلُّهنَّ رأين النبيَّ ﵇، ثنتين من أزواجه: أمُّ حبيبة وزينب بنت جحش، وثنتين ربيبتيه: زينب بنت أمِّ سلمة وحبيبة بنت أمِّ حبيبة.
وتوفيت أمُّ حبيبة في خلافة أخيها معاوية سنة أربع وأربعين. وأمُّها صفيّة بنت أبي العاصي عمّة عثمان بن عفان ﵁.
ثم جويرة بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة، وجذيمة هو المصطلق بن سعد بن عمرو بن لُحي. وعمرو بن لُحي هو أبو خزاعة، وهي من سبي بني المصطلق. قالت عائشة: كانت جويرة عليها حلاوة وملاحة، لا يكاد يراها أحد إلا وقعت بنفسه. قالت: فأتت رسول الله ﷺ تستعينه على كتابتها. قالت: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب الحجرة. فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت. فقالت: يا رسول الله جويرة بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما لم يخفَ عليك. فوقعت في السَّهم لثابت بن قيس، أو لابن عمٍّ له. فكاتبته على نفسي، وجئتك أستعينك. فقال لها: " هل لك في خير من ذلك؟ " قالت: ما هو يا رسول الله؟ قال: " أقضي كتابتك وأتزوَّجك ". قالت: نعم. قال: " قد فعلت ".
стр. 539
وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوَّج جويرة بنت الحارث. فقال الناس: صهر رسول الله! فأرسلوا ما في أيديهم من سبايا بني المصطلق. قالت عائشة: فلا نعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها.
وروى الليث عن عقيل، عن ابن شهاب قال: سبى رسول الله ﷺ جويرة بنت الحارث بن أبي ضرار أحد بني المصطلق يوم المريسيع، فحجبها وقسم لها. وكان اسمها بَرَّة، فغيّر رسول الله ﷺ اسمها وسمَّاها جويرة. هكذا رواه شُعبة ومسعر وابن عُيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن كُريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس. مسلم: حدثنا عمرو الناقد وابن أبي عمر، واللفظ لعمرو، قالا: نا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن كُريب، عن عباس قال: كانت جُويرة اسمها برَّة، فحوَّل رسول الله ﷺ اسمها جويرة. وكره أن يقال: خرج من عند برَّة. وحفظت عن النبي ﵇ وروت عنه.
وأسلم أخوها عبد الله بن الحارث، وهو مذكور في الصحابة. وكانت قبل النبي ﵇ تحت مُسافع بن صفوان المصطلقيِّ. وتوفيت سنة ستٍّ وخمسين.
وأختها عمرة بنت الحارث بن أبي ضرار. روت عن النبي ﷺ : " الدنيا خضرة حلوة "، الحديث.
ثم ميمونة بنت الحارث بن حَزن بن بُجير بن الهزم بن رؤيبة بن عبد الله ابن هلال بن عامر بن ضعضعة الهلاليَّة العامرية. وهي خالة عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد. وأخواتها لأبيها وأمِّها لُبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب، ولُبابة الصغرى زوج الوليد بن المغيرة أمُّ خالد سيف الدولة. وعصماء كانت تحت أُبَيِّ بن خلف الجمحيّ، فولدت له أبا أُبيّ وغيره، وعزَّة كانت تحت زياد بن عبد الله بن مالك الهلاليِّ. وأخوات ميمونة لأمِّها: أسماء بنت عُميس، كانت تحت جعفر بن أبي طالب. ثم خلف عليها أبو بكر الصدِّيق، ثم خلف عليها علي بن أبي طالب، ولكلِّهم ولدت.
стр. 540
وسلمى بنت عُميس: أخت أسماء، وكانت تحت حمزة بن عبد المطَّلب، ثم خلف عليها بعده شدَّاد بن الهادي، فولدت له عبد العزيز وغيره.
وزينب بنت خزيمة أخت ميمونة لأمِّها. وأمُّهنَّ كلُّهنَّ هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة من حِمير. وهي العجوز التي قيل فيها: أكرم الناس أصهارا. وكان اسم ميمونة بَرَّة، فسماها رسول الله ﷺ ميمونة. خرَّج الحديث مسلم.
تزوَّجها رسول الله ﷺ وهو محرم بمكة في عمرة القضاء. وابتنى بها حلالا بِسَرِف. وقيل: أنَّه تزوَّجها حلالا، وهو الصحيح. وكانت قبل النبيَّ ﷺ عند أبي رُهم بن عبد العزى من بني عامر بن لؤي. وفي سَرِف دُفنت، حيث ابتنى بها ﷺ ، وهو موضع قريب من مكة. وَصَّت عند موتها أن تُدفن فيه، ﵂.
وكانت وفاتها سنة ثمان وثلاثين، ذكر ذلك في " المعارف " ابن قتيبة. وقال غيره: توفيت بسرِف سنة إحدى وخمسين، وصلى عليها ابن عباس، ودخل قبرها هو ويزيد بن الأشمِّ وعبد الله بن شدّاد بن الهادي، وهم بنو أخواتها.
ومن موالي ميمونة ﵂ يسار والد عطاء بن يسار. ووُلد ليسار عطاء وسليمان ومسلم وعبد الملك وعبد الله، كلُّهم فقهاء، ويكنى عطاء أبا محمد، ومات سنة ثلاث ومئة. وهو ابن أربع وثمانين سنة.
ثم صفيَّةُ بنتُ حُيَيِّ بن أخطب اليهودي. وقتل أبوها عدوُّ الله حيي صبرا مع بني قريظة، وكذلك عمها أبو ياسر بن أخطب. وهي من سبي خيبر. وكانت تحت كنانة أبي الربيع أبي الحقيق مع أبي النَّضير. وكان شاعرا، وقتل يوم خيبر بعدما عذبه الزُّبير عل جحده الكنز دفعه رسول الله ﷺ إلى محمد بن مسلمة. فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة وروى عبد العزيز بن صهيب وغيره عن أنس أن رسول الله ﷺ لمَّا جمع سبي خيبر، جاءه دحية فقال: أعطني جارية من السَّبي. فقال: " أذهب فخذ جارية ". فأخذ صفية بنت حيي. فقيل: يا رسول الله إنها سيدة قريظة ما تصلح إلا لك. فقال لي النبي ﵇: " خذ جارية من السبي غيرها ". وقال ابن
стр. 541
شهاب: كانت ممَّا أفاء الله عليه، فحجبها وأولم عليها وقسم لها. وكانت أحد أمهات المؤمنين. وقال غيره: استصفاها رسول الله ﷺ ، وصارت في سهمه ثم اعتقها، وجعل عتقها صداقها، ويختلفون في ذلك. وهو خصوص عند أكثر الفقهاء له ﷺ ، إذ كان حكمه في النساء مخالفا لحكم أُمَّته.
وأعرس رسول الله ﷺ بصفيه بخيبر أو ببعض الطريق. وكانت التي جمَّلتها ومشَّطتها لرسول الله ﷺ وأصلحت من أمرها أمُّ سليم بنت ملحان أُمُّ أنس بن مالك. فبات بها رسول الله ﷺ في قبَّة له، وبات أبو أيوب خالد بن زيد أخو بني النجار متوشِّحا سيفه يحرس رسول الله ﷺ ، يطيف بالقبِّة حتى أصبح رسول الله ﷺ . فلما رأى مكانه قال: " مالك يا أبا " أيوب "؟. قال: يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك: فقال رسول الله ﷺ : " اللَّهم احفظْ أبا أيوب كما بات يحفظني ".
ويروي أن رسول الله ﷺ دخل على صفية وهي تبكي. فقال لها: " ما يُبكيكِ؟ ". قالت: بلغني أن عائشة وحفص تنالان مني، وتقولان: نحن خير من صفية، نحن بنات عمّ رسول الله وأزواجه. قال: " ألا قلتِ لهنَّ: كيف تكنَّ خيرا مني وأبي هارون وعميِّ موسى وزوجي محمد؟ " رسول الله ﷺ . وكانت صفية حليمة عاقلة فاضلة. وتوفيت سنة ست وخمسين.
فهؤلاء أزواجه اللواتي لم يختلف فيهنَّ، وهنَّ إحدى عشر امرأة، ومنهنَّ ست من قريش وأربع من سادات العرب وواحدة من بني إسرائيل من ولد هارون. توفي في حياته منهن اثنتان: خديجة بنت خويلد بن أسد بمكة وزينب بنت خزيمة بالمدينة.
وتزوج غير هؤلاء، ولم يدخل بهنَّ. منهن: أسماء بنت النعمان بن الجون بن شراحيل الكندية التي استعاذت منه فقال لها: " قد عذت بمعاذ ". وفي رواية: " الحقي بأهلك ".
стр. 542
قال ابن الجارود في " المنتقي ": حدَّثنا محمد بن عوف بن سفيان الطائي قال: نا دحيم قال: نا الوليد قال: نا الأوزاعيُّ قال: سألت الزُّهريَّ: أيُّ أزواج النبي ﷺ استعاذت منه؟ فقال: أخبرني عروة بن الزُّبير عن عائشة أن بنت الجون لمَّا دخلت على النبي ﷺ : " عذت بعظيم، الحقي بأهلك " قال الزهريُّ: الحقي بأهلك تطليقه. محمد بن عوف بن سفيان الطائي الحمصُّي الذي روى عنه ابن الجارود هذا الحديث. سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: صدوق. روى عنه هو وأبو زرعة. ودحيم اسمه عبد الرحمن بن إبراهيم، والوليد الذي روى عنه دحيم هو الوليد بن مسلم.
ومنهنَّ فُتيلَة بنت قيس أخت الأشعث بن قيس: تزوَّجها سنة عشر، وتُوفي قبل أن يدخل بها ﷺ . وقال أبو اليقظان: خطب رسول الله ﷺ من بني مُرَّة بن عوف بن سعد بن ذيبان إلى أبيها فقال له: إنَّ بها برصا، وهو كاذب. فرجع فوجد فيها برصا. وهي أمُّ شبيب بن البرصاء. وأبوه الحارث ابن عوف المُرَّي صاحب الحمالة بين عبس وذبيان في حرب داحس والغبراء.
وعرض عليه ﷺ رجل ابنته وَوَصَفَهَا، ثم قال له الرجل: وأزيدك يا رسول الله إنها لم تمرض قطُّ. فقال: " ما لهذه عند الله من خير ". وفي رواية " لا خير في بدن لا يسقم "، فطلَّقها ولم يَبْنِ بها. قال أبو اليقظان: اسم هذه المرأة عَمْرَة: وهي من القُرَطاء، وهم من آل بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
ومنهنَّ أمُّ شَريك خولة بنت حكيم السُّلميَّة: وهي التي وهبت نفسها للنبي في قول بعضهم. وقد تقدَّم ذكرها مع زوجها عثمان بن مظعون في بني جُمح من قريش. وقيل إنها أمُّ شَريك القرشية العامرية، واسمها غزيةُ بنت دُودَان. وقيل: إنها أمُّ شريك الأزدية، والاختلاف فيها كثير، والله الموفق للصواب.
وكان له من السَّراري ﷺ اثنتان، إحداهما مارية القبطية
стр. 543
أهداها له المقوقس ملك مصر والأسكندرية، وأهدى معها أختها سيرين. وخَصِياً يُقال له مابُور. فوهب ﷺ سيرين لحسان بن ثابت، فولدت له عبد الرحمن، فهو ابن خالة إبراهيم بن رسول الله ﷺ . وكان عبد الرحمن بن حسان شاعرا. وأمسك ﵇ مارية، فولدت له إبراهيم، وكانت مرضعته أمُّ بَردَة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش من بني النجار وعمها عمرو بن زيد جدُّ عبد المطلب لأمِّه سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد ابن خداش، وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجَعْد بن عوف بن مبذول ابن عمرو بن غَنْم بن مازن بن النجار، وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله ﷺ فأخبرت أبا رافع، فبَشَّر النَّبي، فوهبت له مملوكا. ولما مات قال النبي ﵇: " إنَّ له مرضعة في الجنة، ولو بقي لكان صِدِّيقا نبيا، ولو بقي لأعتقتُ كلَّ قبطي ".
وروى عبد الله بن وهب عن عبد الله بن لهيعة، عن عمر مولى غْفرَة أنَّ رسول الله ﷺ قال: " الله الله في أهل الذِّمة، أهل المدرة السوداء، السُّحم الجِعاد، فإن لهم نسبا وصهرا ". قال عمر: مولى غُفرة نَسَبَهُم أن أُمَّ إسماعيل النبيِّ منهم وصهرهم أن رسول الله ﷺ تسرَّرَ فيهم. مسلم: نا زهير بن حرب ومحمد بن عبد الله بن نُمير. واللفظ لزهير قالا: نا إسماعيل، وهو ابن عُلية عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أنَس بن مالك قال: ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ قال: كان إبراهيم مُسترضعا له في عوالي المدينة. فكان ينطلق، ونحن معه فيدخل البيت، وإنه ليُدَخِّن، وكان ظِئرُهُ فينا، فيأخذ فيقبِّله، ثم يرجع. قال عمرو: فلما توفيَ إبراهيم قال رسول الله ﷺ : " إنَّ إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين يُكْملان رضاعة في الجنة ".
وتوفيت مارية في خلافة عمر بن الخطاب وذلك في المحرَّم من سنة ستَّ عشرة وكان عمر يحشر الناس بنفسه لشهود جنازتها، وصلى عليها عمر، ودفنت بالبقيع.
стр. 544
وأما مابور فإنه كان ابن عم مارية، وكان يهتم بها، فقال رسول الله ﷺ لعلي: " اذهب فاضرب عنقه ". فأتاه علي فإذا هو في ركيٍّ يتبرَّد فيها. فقال له علي: اخرج. فناوله يده، فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر. فكفَّ عنه علي، ثم أتى النبيَّ ﵇ فقال: يارسول الله: والله إنه لمجبوب. وروى الأعمش هذا الحديث فقال فيه: قال علي: يارسول الله أكون كالسِّكَّة المحماة، أو الشاهد يرى مالا يرى الغائب. فقال: بل الشاهد يرى مالايرى الغائب والثانية ريحانة بنت شمعون بن زيد بن قنافة: كذا نسبها ابن عبد البر في الاستيعاب.. إحدى نساء بني قريظة، اصطفاها لنفسه من نسائهم حين سباهنَّ، وكانت عند رسول الله ﷺ حتى توفي عنها وهي في ملكه. وذكرها ابن إسحاق وسمَّاها فقال: هي ريحانة بنت عمرو بن خنافة. وقال غيره: كانت وفاتها قبل وفاة النبي ﵇ سنة عشر، مرجعه من حجَّة الوداع.
وقد كان رسول الله ﷺ عرض عليها أن يتزوَّجها ويضرب عليها الحجاب. فقالت: يارسول الله، بل تتركني في ملكك، فهو أخفُّ عليَّ وعليك، فتركها وقد كانت حين سباها قد تعصَّت بالإسلام، وأبت إلا اليهودية. فعزلها رسول الله ﷺ ، ووجد في نفسه لذلك من أمرها. فبينما هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال: " إنَّ هذا لثعلبة بن سعية يبشرني بإسلام ريحانة ". فجاءه فقال: يارسول الله قد أسلمت ريحانة. فسره ذلك من أمرها.
وأبوها أبو ريحانة شمعون، وبها كني. وهو حليف الأنصار، ويقال له: مولى رسول الله ﷺ . وهو مشهور بكنيته، وله صحبة وسماع ورواية. وكان من الفضلاء الزاهدين في الدنيا. نزل الشام، وروى عنه الشاميون.
стр. 545
خدمه ﷺ
أميمةُ: كانت مولاة رسول الله ﷺ ، وروى عنها جبير بن نفير الحضرمُّي حديثها عند أهل الشام.
بركة بنت ثعلبة: بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان وهي أمُّ أيمن غلبت عليها كُنيتُها بابنها أيمن بن عبيد كما تقدّم قبل، وهي بعد أمُّ أسامة بن زيد، تزوجها زيد بن حارثة بعد عبيد الحبشي، فولدت له أسامة. ويقال لها أمُّ الظِّباء. هاجرت الهجرتين إلى أرض الحبشة وإلى المدينة جميعا. وقال الواقديُّ: كانت أمُّ أيمن اسمها بركة، وكانت لعبد الله بن عبد المطلب وصارت للنَّبي ﷺ ميراثا، وهي أمُّ أسامة بن زيد.
خولةُ: خادم رسول الله ﷺ ، جدَّة حفص بن سعيد. يروى حديثها حفصّ هذا عن أمه عنها في تفسير قول الله :) والضُّحى والليل إذا سَجى، ما ودَّعك ربُّك وما قَلى (. وليس إسناد حديثها في ذلك مما يحتجُّ به.
رَزينةُ: خادم رسول الله ﷺ ، حديثها عنه ﷺ في فضل يوم عاشوراء، رواه أهل البصرة.
ميمونةُ بنت أبي عَنبسة: مولاة النبي ﷺ ، روت عنه في الدعاء.
ميمونة بنت سعدٍ: مولاته أيضا ﵇. روى عنها أبو يزيد الضَّبيُّ أيوب بن خالد حديثا مرفوعا في قُبلة الصائم وعتق ولد الزِّنى، وهو حديث ليس بالقوي.
ميومنة أخرى: من خدمه رسول الله ﷺ حديثها عن أهل الشام في فضل بيت المقدس، وإنَّ أشدَّ عذاب القبر في الغيبة والبول. روى عنها زياد بن أبي سودة والقاسم بن عبد الرحمن.
стр. 546
مارية: خادم النبي ﷺ جدة المثَّنى بن صالح بن مِهران مولى عمرو بن حُريث، لها حديث واحد من حديث أهل الكوفة، رواه أبو بكر ابن عياش عن المثنَّى بن مِهران، عن جدَّته ماريا قالت: صافحتُ رسول الله ﷺ ، فلم أرَ كفا ألين من كفِّه ﷺ .
مارية: من خدمه ﵇ أيضا، وتُكنى أمَّ الرباب. حديثها عند أهل البصرة أنها تطأطأت للنبي ﵇، حتى صعد حائط ليلة فرَّ من المشركين والشكُّ فيها أهي التي قبلها أم لا؟.
سلمى: خادم رسول الله ﷺ ومولاته. وكانت قبلُ مولاة صفية بنت عبد المطلب. وزوَّجها رسول الله ﷺ أبا رافع مولاه فولدت له عبد الله بن أبي رافع. وكانت قابلة إبراهيم بن رسول الله ﷺ وقابلت بني فاطمة بنت رسول الله ﷺ . وهي التي غسلت فاطمة حين ماتت مع علي وأسماء بنت عُميس ﵃. وشهدت سلمى هذه خيبر مع رسول الله ﷺ . وروت أن رسول الله ﷺ وصَّى بالهرِّ، وقال: " إن امرأة عُذَّبت في هرِّة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض "
مواليه ﷺ
زيد بن حارثة: وابنه أسامة وبه كان يكنى، وقد مضى ذكرهما.
ثَوبانُ: كان يكنى أبا عبد الله، وهو من أهل السراة. وذكروا أنه من حِمير أصابه سِباء فاشتراه النبيُّ وأعتقه. ولم يزل معه حتى قُبض، ثم تحوَّل إلى الشام، ونزل حمص وله بها دار صدقة. ومات سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية.
شُقران: ورثه النبيُّ ﷺ عن أبيه، وكان من الفُرس، فأعتقه بعد بدر، وأوصى به رسول الله ﷺ عند موته. وكان فيمن حضر غسْل النبي ﷺ لما مات. وقيل: كان عبدا لعبد الرحمن بن عوف، فوهبه للنبي ﵇. وهو حبشي واسمه صالح بن عدي.
стр. 547
أبو رافع: اسمه أسلم، وقيل: اسمه إبراهيم، قاله ابن معين. وقيل: اسمه هُرمز، وكان قبطيا. والأشهر الأصحُّ في اسمه أسلم، وكذلك سماه النبي ﵇ في عقد عِتقِه. وكان للعبَّاس فوهبه للنبيَّ ﷺ . فلما أسلم العباس بشَّر أبو رافع رسول الله ﷺ بإسلامه فأعتقه. وقيل: كان لأبي أُحيحة سعيد بن العاصي، فورثه عنه بنوه، وهم ثمانية، وقد قيل: عشرة، فأعتقوه كلُّهم إلا واحد منهم يقال إنه خالد بن سعيد بن العاصي تمسَّك بنصيبه منه. فكلمه رسول الله ﷺ في عتق نصيبه منه فأبى. وطلبه منه بيعا وهبة فأبى. قال: فأنت على حقِّك منه. ثم وهب نصيبه بعد ذلك للنبي ﵇ فأعتقه رسول الله ﷺ بعد فبول الهبه. فكان أبو رافع يقول: أنى مولى رسول الله ﷺ . وابنه البهيُّ اسمه رافع. وأخو البهيِّ عبيد الله بن أبي رافع، كان كاتبا وخازنا لعلي ﵁. وحديثه عنه أثبت الحديث. وكان عبد الله أخوهما شريفا جوادا. وأعقب أبو رافع بالمدينة وغيرها أشرافا. وروى عن أبي رافع ابناه عبيد الله وعبد الله والحسن وعطاء بن يسار. وكان إسلامه قبل بدر بمكة، ولم يشهد بدرا، وشهد ما بعدها من المشاهد. وقال الواقديُّ: مات أبو رافع بالمدينة قبل قتل عثمان بيسير. وقيل: مات في خلافة علي ﵁.
أبو بكرة: اسمه نُفيع بن مسروح. وقيل: نُفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي، طبيب العرب وحكيمها في زمنه. وأمُّ أبي بكرة سُميَّة جارية الحارث ابن كَلَدَة، وهي أمُّ زياد بن أبيه. وكان أبو بكرة يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ ، ويأبى أن ينتسب. وكان قد نزل يوم الطائف إلى رسول الله ﷺ من حصن الطائف، فأعتقهم رسول الله ﷺ . وهو معدود في مواليه، ﵀ ورضي عنه. قال أحمد بن زهير: سمعت يحيى بن معين يقول: أملى عَلَي هَوذَة بن خليفة البكراويّ نسبة إلى أبي بكرة. فلما بلغ إلى أبي بكرة قُلت: ابنُ مَن؟ قال: دَعْ لا تَزِدْهُ. وكان أبو بكرة يقول: أنا من إخوانكم في الدين، وأنا مولى رسول الله ﷺ ، فإن أبى الناس إلا أن يُنسبوني فأنا نُفَيع بن مسروح. وكان من فضلاء الصحابة، وهو الذي شهد على المغيرة بن شُعبة، فبتَّ الشهادة وجلده عمر حدَّ القذف إذ لم تتمَّ
стр. 548
الشهادة. ثم قال له: تُبْ تُقْبَل شهادتك. فقال: إنما تَستَتيبُنى لتقبل شهادتي؟ قال أجل. قال: لا جرم لا أشهد بين اثنين أبدا ما بقيت في الدنيا. وكان مثل النَّصل من العبادة حتى مات. وذكر أن رسول الله ﷺ كناهُ بأبي بكرة لأنه تعلَّق ببكرة من حصن الطائف. فنزل إليه ﷺ . وكان أولاده أشرافا بالبصرة بالولايات والعلم. وتوفِّي بالبصرة سنة إحدى " وقيل: سنة اثنين " وخمسين، وأوصى أن يصلِّي عليه أبو برزة الأسلميُّ، فصلى عليه. قال الحسن البصريُّ: لم ينزل البصرة من الصحابة، ممن سكنها، أفضل من عمران بن حصين وأبي بكرة.
أبو الحمراء: مولى النبي ﵇. قيل: اسمه هلال بن الحارث. وقيل: هلال بن ظفر. حديثه عن النبي ﷺ أنه كان يمرُّ ببيت فاطمة وعلي رضى الله عنهما فيقول: " السلام عليكم أهل البيت. إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّرَكم تطهيرا ".
سلمان الفارسيُّ: كان من قرية يقال لها " حي " من أصبهان، ويكنى أبا عبد الله. وكان إذا قيل له: ابن من أنت؟ يقول: أنا سلمان ابن الإسلام من بني آدم. وهو مولى رسول الله ﷺ . وكان سلمان يطلب دين الله، ويتبع من يرجو ذلك عنده، فدان بالنَّصرانية وغيرها. وصبر في ذلك على مشقَّات نالته، وذلك كلُّه مذكورا في خبر إسلامه. وحديث ابن عباس عنه في إسلامه طويل، ذكره ابن إسحاق في السيرة عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاريِّ عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس. ولما أسلم قال المهاجرون: سلمان منَّا، وقالت الأنصار: سلمان منا. فقال رسول الله ﷺ : " سلمان منا أهل البيت ". وأول مشاهده الخندق، ولم يفته بعد ذلك مشهد مع النبي ﵇، وهو أشار بحفر الخندق. فلما رآه أبو سفيان قال: هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدُها. وهو من المعمَّرين وصاحب الكتابين يعني الإنجيل والقرآن، ومن الذين أوتوا العلم. وروي عن النبيِّ ﷺ من وجوه انه قال: " لو كان الدِّين في الثريَّا لناله سلمان ". وروي عن عائشة ﵂ قالت: كان لسمان مجلس من رسول الله ﷺ . روى الأعمش عن عمرو بن مرة، عن أبي البَخْتري، عن عليٍّ أنه سئل عن
стр. 549
سلمان فقال: عَلمَ العلم الأول والآخر، بحرٌ لا يُنزف، هو منا أهل البيت. وفي رواية زاذان أبي عمر عن علي قال: سلمان الفارسيُّ مثل لقمان الحكيم. ثم ذكر مثل خبر أبي البَخْتريِّ. وقال كعب الأحبار: سلمان حُشي علما وحكمة. وهو من الأربعة الذين أمر الله النبيَّ ﵇ بحبِّهم، وقد ذكرت الحديث عند ذكر المقداد في بَهْراء من قُضاعة. مسلم: نا محمد بن حاتم: نا حمادُ بن سلمة عن ثابت، عن معاوية بن قرة، عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: ما أخذت سيوف من عنق عدوِّ الله مآخذها. فقال أبو بكر: تقولون هذا لشيخ قريش وسيِّدهم! وأتى النبيَّ ﷺ فأخبره فقال: " يا أبا بكر لئن كنت أغضبتَهم لقد أغضبتَ ربك " فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أأغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك. وكان سلمان ﵁ خيِّرا فاضلا حبرا عالما زاهدا متقشفا. وروي عن الحسن قال: كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان إذا خرج عطاؤه تصدَّق به، ويأكل من عمل يده. وكان له عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها. وذكر أنه كان يعمل الخوص بيده فيعيش منه، وهو أمير على المدائن، ولاه عمرُ ﵁ عليها. وقيل له: لم تعمل هذا وأنت أمير ولك رزق يجري عليك؟ فقال: إنى أحبُّ أن آكل من عمل يدي. وذكر أنه تعلمَّ الخوص بالمدينة من الأنصار، وهو عند بعض مواليه من اليهود. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي الدرداء.
وتوفي سلمان في آخر سنة من خلافة عثمان سنة خمس وثلاثين. وقال الشعبيُّ: توفي سلمان في علِّيَّة لأبي قرة الكندي بالمدائن. وروى عنه من الصحابة ابن عمر وابن عباس وأنس وأبو الطفيل. يعدُّ من الكوفيين.
هشام: روى عنه أبو الزبير المكيُّ حديث: " إن امرأتي لا تمنع يد لامسٍ ". ذكره محمد بن جرير الطبريُّ أبو جعفر فقال: نا الحارث بن محمد بن أبي أسامة قال: نا محمد بن سعد: نا سلمان بن عبد الله الرَّقِّي قال: نا محمد ابن أيوب الرقيُّ عن سفيان، عن عبد الكريم، عن ابن الزبير، عن هشام مولى
стр. 550
رسول الله ﷺ قال: جاء رجل إلى النبيِّ ﵇ فقال: يا رسول الله إن امرأتي لا تمنع يد لامس. قال: " طلِّقها ". قال: إنها تعجبني. قال: " فاستمتع بها ".
واقدٌ: مولي رسول الله ﷺ ، روي عنه زاذانُ عن النبيِّ ﵇: " من أطاع الله فقد ذكره وإن قلَّت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن ". زاذان الراوي عن واقد هو أبو عمر. روى عن علي وعبد الله، روى عنه هلال بن يساف وعثمان بن عمير البجلي، ويقال: عثمان بن قيس.
أبو صفية: مولى رسول الله ﷺ ، وكان من المهاجرين. روى سعيد بن عامر عن يونس بن أنه سمعه يقول لأمه: ماذا رأيت أبا صفية يصنع؟ قالت: رأيت أبا صفية، وكان من المهاجرين من أصحاب النبيِّ ﷺ يسبِّح بالنَّوى.
سفينة: اسمه مِهرانُ، وقيل: رباح، وقيل: سنَّة. أعتقته أمُّ سلمة زوجُ النبيِّ ﷺ ، واشترطت عليه خدمة النبيِّ حياته. وسماه النبيُّ ﷺ سفينة لأنه رآه يحمل متاعا كثيرا، فقال له: " احمل فإنما أنت سفينة ". قال سفينة: فلو حملت منذ يومئذ وقْر بعير ما ثقُل عليَّ. وما أنا بمخبر أحدا اسمي، ولا أريد غير هذا الاسم الذي سَّماني به النبيُّ ﵇. وكان سفينة من مُولَّدي الأعراب، وقيل: هو من أبناء فارس. وتوفي زمن الحجَّاج. روى عنه الحسن ومحمد بن المنكدر وأبو ريحانة. قال ابن الجارود في " المنتقي ": حدَّثنا أبو يحيى محمد بن سعيد العطار قال: نا إسماعيل بن عُليةَ قال: نا أبو ريحانة عن سفينة صاحب رسول الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ يغسلُ بالضَّباع ويتوضَّأ بالمدِّ. وخرَّج هذا الحديث مسلم عن أبي كامل الجحدريِّ وعمرو بن علي، عن بشر بن المفضَّل، عن أبي ريحانة، عن سفينة. وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعليِّ بن حجر، عن إسماعيل ابن عُليةَ، عن أبي ريحانة، عن سفينة. أبو يحيى محمد بن سعيد بن غالب الضَّرير العطارُ شيخ ابن الجارود، خرَّج عنه في الطهارة والصلاة، وغير موضع عن أبي أسامة وابن عُليةَ وابن عُيينة. قال أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيبُ في تاريخه: هو ثقة. وقال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي وهو صدوق.
стр. 551
وكان لسفينة ابنٌ سمعه عمر بن كُثير بن أفلح يحدّث أنه سمع أمُّ سلمة زوج النبيِّ ﷺ تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجزني في مصيبتي وأخلف له خيرا منها ". قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله ﷺ ، فأخلف الله لي حِب رسول الله ﷺ ...
أبو كبشة سُليم: من مولِّدي مكة. وقيل: من مولِّدي دوس ابتاعه رسول الله ﷺ فعتقه. وتوفي سنة ثلاث عشرة في اليوم الذي استُخلف فيه عمر بن الخطاب. وقيل: توفي سنة ثلاث وعشرين في العام الذي وُلد فيه عُروة بن الزبير.
أَنسَة: يُكنى أبا مسروح، من مولَّدي السَّراة. كان يأذن على النبيّ ﵇ إذا جلس. وذكره موسى بن عُقبة عن ابن شهاب فيمن شهِد بدرا. وقال الواقدي: رأيتُ أهل العلم يُثبتون يشهدون أنه شهِد أُحدا. ومات في خلافة أبي بكر ﵁.
رَباحٌ الأسود: كان أيضا يأذن على النبيِّ ﵇، وهو الذي طلب منه عمر الاستئذان على رسول الله ﷺ ، وهو في المشربة حين اعتزل نساءه.
أبو سلاَّم الهاشميُّ: خادم رسول الله ﷺ ومولاه. له صحبة، ذكره خليفة في تسمية الصحابة من موالي بني هاشم. قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا محمد بن بشر: نا مسعرٌ: حدثني أبو عقيل عن سابق بن ناجية، عن أبي سلاّم خادم رسول الله ﷺ ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ما من عبد يقول حين يمسي ويُصبح ثلاث مرات: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا إلا كان حقا على الله أن يُرضيه يوم القيامة ".
أبو عُبيد: مولى رسول الله ﷺ ، ويقال: خادم رسول الله ﷺ . له صحبة ورواية. الترمذي: حدثنا محمد بن بشار: نا مسلم بن إبراهيم: نا أبانُ بن يزيد عن قَتادة، عن شهر بن حَوشَب، عن أبي عُبيد قال: طبخت للنبي ﷺ قِدرا، وكان يعجبه الذراع، فناولته الذراع، ثم قال: " ناولني الذراع ". فناولته. ثم قال: " ناولني الذراع ". فقلتُ يا رسول الله، وكم للشاة من ذراع؟ فقال: " والذي نفسي بيده لو سكتَّ لناولتني الذراع ما دعوتْ ".
ومن مواليه ﵇ نافع: روى عن النبي ﷺ : " لا يدخل الجنة مستكبر ولا زانٍ ولا منَّان بعمله ". روى عنه خالد بن أبي ...
إياد: أبو السَّمح خادم رسول الله
стр. 552
صلى الله عليه وسلم ومولاه، وله عنه رواية. روى عنه مُحِلُّ بن خليفة في بول الجارية والغلام. ولا يُدرى أين مات.
يسار: كان نوبيّاً أصابه رسول الله ﷺ في بعض غزواته، فأعتقه. وهو الذي قتله العرنيُّون الذين أغاروا على لقاح النبي ﵇، وقطعوا يده ورجله، وغرسوا الشَّوك في عينه حتى مات، وانطلقوا بالسَّرج، فأُدخل المدينة ميِّتا.
أبو ضُميرة: كان ممَّا أفاء الله على رسوله، وكان من العرب، فأعتقه ﵇، وكتب له النبيُّ ﷺ كتابا يُوصِّي به وبأهل بيته، وبقي في يد ولده. ومن ولده حسين بن عبد الله بن ضُمَيرة بن أبي ضُميرة، قدم بكتاب رسول الله ﷺ المذكور على المهدي، فوضعه على عينيه ووصله بثلثمائة دينار. واسم أبي ضُميرة روحُ بن سَندَرٍ وقال البخاريُّ: اسم أبي ضُميرة سعد بن حمير من آل سعد من حمير من آل ذي يَزَن. ومَخْرَجُ حديثه عن ولده، وهو إسناد لا تقوم به حِجَّة. وعِداده مع ولده في أهل المدينة.
وابنه ضُميرةُ: وبه كان يُكنى، وهو أيضا مولى رسول الله صلى الله عليه
стр. 553
وسلم. يُعدُّ في أهل المدينة، وهو جدُّ حسين المذكور آنفا. وذكر ابن وهب قال: أخبرني ابن أبي ذيب عن حسين بن عبد الله بن ضُميرة، عن أبيه، عن جدِّه ضُميرة أنَّ رسول الله ﷺ مرَّ بأمِّ ضُميرة وهي تبكي. فقال: " ما يُبكيك؟ أجائعة أنت أم عارية؟ " قالت: يا رسول الله فرِّق بيني وبين ابني. فقال رسول الله ﷺ : " لا يُفرَّق بين والدة وولدها ". ثم أرسل إلى الذي عنده ضُميرة، فابتاعه منه.
مِدْعَم: وهبة لرسول الله ﷺ رفاعةٌ بن زيد الجذاميُّ، وأصيب حين افتح رسول الله ﷺ وادي القرى، أصابه سهم غَرْبُ فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة. فقال النبي ﵇: " كلا، والذي نفسي بيده إن الشَّملة التي أصابها يوم خبير من المغانم لم تُصبْها المقاسم لتشتغل عليه نارا ".
فضالة: من موالي رسول الله ﷺ ، نزل الشام، وبها مات.
أبو مُويْهبة: كان من مولَّدي مُزينة، فاشتراه ﵇، فأعتقه. وهو الذي انطلق به البقيع وقال: إني أُمرتُ أن أستغفر لهم.
النُّبيهُ: روي بضمِّ النون وفتح الباء، وبفتح النون وكسر الباء. وروي بغير ألف ولا لام كان من مولَّدي السَّراة فاشتراه رسول الله وأعتقه.
أبو عَسيب: مولى رسول الله ﷺ ، له صحبة ورواية. أسند عن رسول الله ﷺ حديثين: أحدهما في الحمَّى والطاعون، روى عنه مسلم بن عبيد أبو نُضيرة. وقال القاسم بن حمزة: رأيت أبا عَسيبٍ خادم رسول الله ﷺ يخضب رأسه ولحيته. واسم أبي عَسيب أحمر.
стр. 554
أبو سلمى: راعي رسول الله ﷺ ، قيل: اسمه حريث. من حديثه عن النبي ﷺ أنه سمعه يقول: " بخْ بخْ كلمات ما أثقلهنَّ في الميزان "، الحديث. يعدُّ أبو سلمى هذا في الشاميين، لأن حديثه هذا شامي. روى عنه أبو سلام الأسود الحبشيُّ قال: رأيته في مسجد الكوفة. وبعضهم يعدُّه في الكوفيين لما ذكر أبو الأسود. وقال ابن أبي خيثمة: استبَّ مَوْلَيانِ للنبيِّ ﵇، فقال أحدهما لصاحبه: يا نَبَطيُّ. وقال الآخر: يا حبشيُّ. فقال لهما النبيُّ ﷺ : " لا تقولا هذا فإنما أنتما رجلان من آل محمد " ﷺ . وقال ﵇: " حليف القوم منهم، وابن أخت القوم منهم، ومولى القوم منهم ".
خيل رسول الله
ﷺ ومراكبه وسلاحه كان فرس رسول الله ﷺ يوم أحد السَّكب. والمُرتِجز: فرس ﷺ الذي اشتراه من الأعرابيِّ وشهد له خزيمة ابن ثابت ذو الشهادتين. وسمي المرتجز لحسن صهيله. وكان له فرس يقال له لزاز وفرس يقال له الظَّربُ. وفرس يقال له الوَردُ. ومنها السَّكبُ واليعبوب. وكانت البغلة التي أهداها له المقوقِسُ يقال لها دُلْدل، وبقيت إلى زمن معاوية. وكان له حمار يقال له يَغفور.
وكان له من النوق: القَصْواء والجَرْعاء والعَضْباء. وكانت لقاحه التي أغار عليها عُيينةُ بن حِصن بالغابة عشرين لقْحة.
وكان يقال لسيفه ذا الفقار، بفتح الفاء، وهو الذي يضرب فقارَ
стр. 555
الظهر ووهبة رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁. وكان اسم قضيبه الممسوق. وكان اسم درعه ذات الفضول. ومات ﷺ وهي مرهونة عند يهودي في شعير لقُوتهِ، ففداها أبو بكر الصديق ﵁.
كُتَّابه ﷺ
عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وأُبَي بن كعب القارئ الأنصاريُّ الخزرجيُّ، وزيد بن ثابت الأنصاريُّ أيضا وكان فارِضا حَاسِبا لَقِنا فَطِنا، وخالد ابن سعيد بن العاصي بن أميَّة، وعبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث الزُّهريُّ، وحنظلة بن الربيع بن صَيفي ابن أخي أكثم بن صيفي وهو أُسدي تميمي، ومعاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أميَّة، وشُرحبيل بن حسنة، وأبانُ بن سعيد بن العاصي بن أميَّة، ومُعَيقب بن أبي فاطمة الدَّوسيُّ، وعبد الله بن أبي سَرَح العامريُّ ثم ارتدَّمشرما، ثم أسلم أيام الفتح، وحسُن إسلامه. وهو استفتح أفريقية أيام عثمان وكان أخاه من الرَّضاعة. ولم يظهر منه بعد إسلامه شيء يُنكر عليه.
وكان يخدمه ويأذن عليه أنَس بن مالك الأنصاريُّ الخزرجيُّ، وربما أذِنَ عليه غيره من مواليه.
وكان قيس بن سعد بن عُبادة الأنصاريُّ الساعديُّ من رسول الله ﷺ مكان صاحب الشرطة من الأمير. البخاري: حدثنا محمد بن خالد: نا الأنصاريُّ محمد قال: حدثني أبي عن ثُمامة، عن أنَس أن قيس بن سعد بن عُبادة كان يكون بين يدي النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشُّرَط من الأمير.
стр. 556
شمائله الكريمة وفضائله العميمة
ﷺ مالك: عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنَس بن مالك أنه سمعه يقول: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمهق ولا بالأدَم، ولا بالجعد القَطَط ولا بالسَّبِط. بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين. وتوفاه الله ﷺ على رأس ستين سنة، وليس في رأسه لحيته عشرون شعرة بيضاء ﷺ .
مسلم: حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار واللفظ لابن مثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شُعبة عن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سَمُرَة، قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم، أشكل العين، منهوش العَقِبين، قال: قلتُ لسِمَاك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم. قلت؛ وما أشكل العين؟ قال: طويل شقِّ العين. قال: قلت: ما منهوش العَقِب؟ قال: قليل لحم العَقِب. وخرَّج هذا الحديث التَّرمذيُّ عن أبي موسى بن محمد بن المثنى وحده بإسناده ولفظه.
مالك: عن ابن شهاب، عن محمد بن جُبير بن مُطعم أن النبيَّ ﷺ ، قال: " لي خمسة أسماء، أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب ". هكذا روى مالك هذا الحديث عن محمد بن جُبير، ولم يقل فيه عن أبيه. وأكثر رواة الموطأ وصلُوهُ. وأخرجه التِّرمذيُّ عن سعيد بن عبد الرحمن المخزوميُّ، وغير واحد عن سفيان، عن الزُّهريُّ، عن محمد بن جبير بن مُطعم عن أبيه. وقد تقدم سياق هذا الحديث، والكلام عليه في أول الكتاب عند ذكر محمد بن جبير بن مطعم النَّوفلي من بني نوفل بن عبد مناف بن قُصَي.
مسلم: حدثنا أبو كُرَيب، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما خُيِّرَ رسول الله ﷺ بين أمرين أحدهما
стр. 557
أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه. مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " فُضِّلتُ على الأنبياء بستٍّ؛ أُعطيتُ جوامع الكلم، ونُصِرت بالرُّعب، وأُحِلَّت لي الغنائم، وجُعِلَت لي الأرض مسجدا وظهورا، وأُرسِلتُ إلى الأرض كافة، وخُتِمَ بي النَّبيُّون ".
مسلم: حدثنا أحمد بن حنبل، وزهير بن حرب جميعا، واللفظ لأحمد، قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: نا عبد العزيز، عن أنس، قال: لمَّا قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن أنسا غلام كيِّس فليخدمك قال: فخدمته في السَّفر والحضر، والله ما قال لي شيء صنعته: لِمَ صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه لِمَ لَمْ تصنع هذا هكذا؟. مسلم: عن أَنَس قال: كان رسول الله ﷺ أزهر اللَّون، كأنَّ عرفهُ اللؤلؤ، وإذا مشى تكفَّأ وما مَسِستُ ديباجة ولا حرير ألين من كفّ رسول الله ﷺ ، ولا شَممتُ مِسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة رسول الله ﷺ . مسلم: عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقا. مالك: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ ، وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس وضوءا فلم يجدوه، فأُتِيَ رسول الله ﷺ بوضوء في إناء فوضع رسول الله في ذلك الإناء يده ثم أَمَرَ الناس يتوضَّؤون منه. قال أنس: فرأيت الناس ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناس حتى توضَّؤوا من عند آخرهم. وخرَّج هذا الحديث مسلم عن أبي الطاهر أحمد بن وهب، عن مالك.
مسلم: عن أنس بن مالك أنَّ نبي الله ﷺ وأصحابَهُ بالزَّوراء. قال: والزَّوْرَاء بالمدينة عند السُوقِ، والمسجد فيما ثَمَّة، دَعَا بقدح فيه ماء فوضع كفَّة فيه، فجعل ينبعُ بين أصابعهِ فتوضأ جميع أصحابه. قال: قلت: كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال: كانوا زهاء الثلاثمائة. وقال رسول الله ﷺ : أنا سيدُ ولدِ آدم يوم القيامةَ، وأولُ مَنْ ينشقُ عنْهُ القبرُ، وأول شافع، وأول مُشَفَّعٍ (. خَرَّج هذا الحديث مُسلم عن أبي هريرةَ.
стр. 558
مسلم: حدثنا عمرو بن مُحَمِّدٍ الناقد. قال: نا سُفيان بن عُيَيْنة، عَنْ أبي الزِّناد، عن الأعرج، عَن الأعرج، عَن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: " مثلى ومَثلُ الأنبياء كمثل رجلٍ بنى بنياناً فأحسنه وأجمله، فجعل الناس يُطيفون به يقولون: ما رأينا بنيانا أحسن من هذه اللبنة! فكنتُ أنا تلك اللبنَةَ ". مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " مَثَلي ومثل الأنبياء مِنْ قبلي كَمَثل رجل بني بنيانا فأحسنهُ وأجملهُ إلا موضع لَبِنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وُضِعت هذه اللَّبِنة؟ قال: فأنا اللَّبِنة، وأنا خاتم النَّبيين ". مسلم: عن جابر بن سَمُرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " إني لأعرف حجرا بمكة كان يُسلِّم عليَّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن ".
الترمذي: حدثنا هناد بن السِّرِّي: حدثنا عَبثرُ بن القاسم بن أشعث يعني ابن سوَّار، عن أبي إسحاق، عن جابر بن سَمُرة، قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحِيَان، وعليه حُلة حمراء. فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو أحسن عندي من القمر. مسلم: حدثنا محمد بن مثنى وابن بشار، قالا: نا محمد بن جعفر، قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله ﷺ رجلا مربوعا بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجُّمَّة إلى شحمة أُذنيه، عليه حُلة حمراء ما رأيت شيئا قطٌّ أحسن منه.
مسلم عن عائشة، قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قطٌّ بيده، ولا امرأة، ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قطٌّ فينتقم من صاحبه إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله فينتقم لله. وكان كلامه كخرزات النَّظم، وربما كرَّر الكلمة ثلاث مرات حتى يحفظها السامع. الترمذي: عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ أفلج الثنِيَّتين، إذا تكلَّم رُئي كأن النور يخرج من بين ثناياه. وكان أجود الناس، وأشجع الناس. وكان أجود ما يكون في رمضان. وما سُئل شيئا قطٌّ فقال: لا.
стр. 559
مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: كان بالمدينة فزع فاستعار النبيُّ ﷺ فرسا لأبي طلحة، يقال له: مندوب فركبه فقال: ما رأينا من فَزَع وإن وجدناه لبحرا. وقال أبو عبيد في غريب الحديث له: حدَّثنا أبو النصر عن أبي إسحاق، عن حارثة ابن مُضرب، عن عليٍّ ﵁ أنه قال: كنا إذا احمرَّ البأس اتقينا برسول الله ﷺ ، فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدوِّ منه. والدَّليل الواضح على ما قاله عليُّ ﵁ ثبوته ﵇ في يَومَي أُحُد وحُنَين مع نفر يسير من أهل الحفاظ. مسلم: حدثنا أحمد بن جناب المُصِّيصيُّ، قال: نا عيسى بن يونس، عن زكرياء، عن أبي إسحاق، قال: جاء رجل إلى البراء فقال: كنتُم وُلِّيتُم يوم حُنين يا أبا عُمارة قال: أشهد على نبيِّ الله ﷺ ما ولِّي، ولكنه انطلق أخِفَّاء من الناس، وحُسَّرٌ إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة، فرموهم برشيق من نبل، كأنَّها رِجلٌ من جراد فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنز واستنصر، وهو يقول: " أنا النبيُّ لا كذِبْ أنا ابن عبد المطَّلب اللهم أنزل نصرَك ". قال البراء: كنا والله إذا احمرِّ البأسُ نَتَّقي به. وإنَّ الشجاع منَّا للذي يُحاذى به، يعني النبيِّ ﷺ .
وأدركه ﷺ أُبيٌّ بن خلف الجمحيُّ بالشِّعب من أُحد بعد الهزيمة، وقد استند فيه ﷺ مع رهط من المسلمين، وهو يقول: أين يا محمد؟ لا نجوتُ إن نجوتَ. فأحدق به من كان معه من أصحابه وقالوا: يا رسول الله، يعطف عليه بعضنا؟ فقال رسول الله ﷺ : " دعوه ". فلما دنا تناول ﵇ الحربة من الحارث بن الصِّمَّة. قال ابن إسحاق: يقول بعض الصحابة فيما ذُكر لي: فلما أخذها رسول الله ﷺ انتفض بنا انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشَّعراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها. ثم استقبله
стр. 560
فطعنه في عُنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا. قال ابن هشام الشَّعراء ذباب له لدغ. فلما رجع عدوَّ الله آب إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير، فاحتقن الدم فقال: قتلني والله محمد،. قالوا له: ذهب والله فؤادك، والله إنَّ بك بأس. قال: إنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق عليَّ لقتلني. فمات عدوَّ الله بِسَرِف، وهم قافلون به إلى مكة.
وروي عن عائشة ﵂ أنها وصفت رسول الله ﷺ فقالت: كان والله كما وصفه شاعره حسان بن ثابت:
متى يَبدُ في الدَّاجي البَهيم جبينُهُ ... يَلُحْ مثلَ مصباحِ الدُّجى المتوقِّدِ
فمن كانَ أو مَن قد يكونُ كأحمدٍ ... نظام لحقٍّ أم نَكالُ لِمُلحِدِ
وسُئلت عائشة ﵂ عن خُلُق رسول الله ﷺ فقالت: كان خُلُقُهُ القرآن، من قوله تعالى) خذِ العفوَ وأَمُرْ بالعُرف وأعرِض عن الجاهلين (. وأثنى عليه في آية أخرى، فقال تعالى) وإنك لَعَلى خلقٍ عظيم (. وكان ﷺ رحيم القلب، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، محزونا من غير عبوس، متواضعا من غير مذلة، بسَّاما من غير ضحك، ولم يغضب قطُّ إلا لله.
وكان ﷺ كثير الحياء. مسلم: حدثنا زهير بن حرب ومحمد بن مثنى وأحمد بن سنان. قال زهير: نا عبد الرحمن بن مهديَّ عن شعبة، عن قتادة قال: سمعت عبد الله بن أبي عُتبة يقول: سمعت أبا سعيد الخُدريَّ يقول: كان رسول الله ﷺ أشدَّ حياء من العذراء في خدرها،
стр. 561
وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. وقال ابن عباس ﵁: ما خلق الله نفسا هي أكرم عليه من نفس محمد ﷺ ، وما أقسم بحياة أحد غيره. قال الله تعالى:) لعَمرُك إنهم لفي سَكرتهم يَعمهون (. وكان مجلسه مع أصحابه مجلس سكون ووقار، لا تُؤبن فيه الحُرَم، يُفيض معهم فيما أفاضوا فيه من أمر الدنيا ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم. يخصف النَّعل ويُرقِّع الثوب، ويركب الحمار، ويُردف العبد، ويطحن مع الخادم إذا أعيت. وكان يقبل الهدية، ويثيب عليها، ويجيب دعوة المملوك. وكان يقول " لو دُعيتُ إلى ذراع لأجبت، ولو أُهدي إليَّ كُراع لقبلت ". لا يذمُّ طعاما؛ إن أحبّه أكله، وإن كرهه تركه. إذا رضي تهلَّل وجهه وتبسَّم، وإذا غضب أعرض وأشاح. وإذا أشار أشار بكفِّه كلِّها، وإذا تعجَّب قلبها. يركب مرة فرسا، ومرة بغلة، ومرة حمارا، ومرة يمشي حافيا راجلا، بلا رداء، بلا عمامة، بلا قَلُنسوة. يقول ناعِته: لم أرَ قبله مثله ﷺ ، نفعنا الله بمحبته، وحشرنا في زمرته، ولا خالف بنا عن ملَّته آمين آمين، والحمد لله رب العالمين.
ذكر حجة الوداع وخبر وفاته
ﷺ لم يحجَّ رسول الله ﷺ من المدينة غير حجة الوداع، وذلك في سنة عشر من الهجرة. وحديثها يدور على الباقر أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن جابر بن عبد الله. وخرج رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة، وقد أُذِّن في الناس أن رسول الله ﷺ حاجٌّ العام، فنزل المدينة بشر كثير، كلُّهم يلتمس أن يأتمَّ برسول الله، ويفعل ما يفعل. فأتمَّ الناس به في مناسك الحج، وخطبهم بعرفة خطبته المشهورة، وفي ذلك اليوم أنزل الله تعالى:) اليومَ أكملتُ لكم دينكمْ، وأتممتُ عليكم نعمتي، ورضيتُ لكم الإسلامَ ديناً (.
стр. 562
وبدء برسول الله مرضه الذي مات منه يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشر في بيت ميمونة. ثم انتقل حين اشتدَّ وجعه إلى بيت عائشة. وكان ﷺ ولد يوم الاثنين، وخرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين، وقَدِمَ المدينة يوم الاثنين، وقُبِضَ يوم الاثنين ضحىً، في مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة باثنتي عشر ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشر من الهجرة، ودُفن يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس. وقيل: دُفن ليلة الأربعاء ﷺ .
وقالت عائشة ﵂: مات رسول الله ﷺ بين سحري ونحري، وفي بيتي، وفي يومي، لم أظلم فيه أحدا. وتولّى غسله عليُّ ابن أبي طالب والعباس وأسامة بن زيد وشُقران مَولَيا النبيِّ ﵇. قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عبَّاد، عن عائشة قالت: لما أرادوا غسل النبي ﷺ اختلفوا فيه فقالوا: والله ما ندري! نجرّد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرِّد موتانا، أو نغسِّله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في صدره. ثم كلَّمهم مُكلَّم من ناحية البيت، لا يدرون من هو: " اغسلوه في ثوبه ". فغسلوه وعليه قميصه، ويدلكونه والقميص دون أيديهم. قال: وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه. فلما فُرغ من غسل رسول الله ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب، ثوبين صحاريَّين، وبُرد حِبرة، أُدرج فيه إدراجا. كما حدثني جعفر بن محمد عن أبيه، عن جدِّه عليِّ بن الحسين والزهريّ، عن عل] بن حسين.
الترمذي: حدثنا أبو عمار الحسن بن حُريث وقتيبة بن سعيد وغير واحد قالوا: نا سفيان بن عُيينة عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ كشف الستارة يوم الاثنين، فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف، والناس خلف أبي بكر فأشار إلى الناس أن اثبتوا، وأبو بكر يؤمُّهم وألقى السَّجف وتوفي في آخر ذلك اليوم.
стр. 563
الترمذي: عن عائشة أن أبا بكر دخل على النبي ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يده على ساعديه وقال: وانبِيَّاه، واصَفِيَّاه، واخَليلاه.
الترمذي: حدثنا نصر بن علي: نا عبد الله بن الزبير: شيخ باهلي قديم نصري قال: نا ثابت البنانيُّ عن أنس بن مالك: لما وجد رسول الله ﷺ من كرب الموت ما وجد فقالت فاطمة: واكرباه. فقال النبي ﷺ : " لا كرب على أبيك بعد اليوم، إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا لموافاة يوم القيامة ".
الترمذيُّ: عن عائشة قالت: لا أغبط أحدا بهون موت بعد الذي رأيت من شدَّة موت رسول الله ﷺ . الترمذي: عن عائشة قالت: لما قُبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته. قال: " ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يجب أن يُدفن فيه "، ادفنوه في موضع فراشه.
ونزل في قبره ﷺ العباس عمُّه وعليٌّ معه وقُثَم بن العباس والفضل بن العباس. ويقال: كان أوس بن خوليٍّ وأسامة بن زيد معهم. وكان آخرهم خروجا من القبر قُثَم بن العباس؛ كان آخر الناس عهدا برسول الله ﷺ وهو الصحيح. وذكر ابن إسحاق قال: حدثتني فاطمة بنت محمد بن عروة، عن عائشة قالت: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا المساحي من جوف الليل، ليلة الأربعاء.
الترمذي: عن أنس قال: لمَّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كلَّ شيء. فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلَّ شيء، وما نفضنا أيدينا من التُّراب. وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا. وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال " أنا فرط لأمَّتي، لن يُصابوا بمثلي ". وقال ﷺ ليُعزَّ المسلمين في مصابهم: " المصيبة بي ".
стр. 564
مالك: عن يحيى بن سعيد أن عائشة زوج النبيّ ﷺ قالت: رأيت ثلاثة أقمار سقطن في حجري. فقصصت رؤياي على أبي بكر الصديق. قالت: فلما تُوفي رسول الله ﷺ ودُفن في بيتها قال لها أبو بكر الصديق: هذا أحد أقمارك وهو خيرها. وهذا الحديث من مراسل يحيى بن سعيد.
وقال حسان بن ثابت من قصيدة طويلة يرثي بها رسول الله ﷺ :
بِطيبةَ رسمٌ للرسولِ ومَعْهَدُ ... مُبينٌ وقد تعفو الرسومُ وتَهْمدُ
ولا تَمْتَحي الآثارُ من دارِ حُرمةٍ ... بها منبرُ الهادي الذي كان يصعدُ
وواضحُ آثارٌ وباقي مَعالمٍ ... وربْعٌ له فيه مُصلَّى مسجدُ
بها حُجُراتٌ كان ينزلُ وَسْطها ... من الله نُورٌ يُستضاء ويُوقَدُ
مَعارفُ لم تَطمُسْ على العهد آيُها ... أتاها البلى فالآي فيها مجددُ
عرفتُ بها رسمَ الرسولِ وعَهدَهُ ... وقبراً به واراهُ في التُّرب مُلْحَدُ
فبوركتَ يا قبرَ الرسولِ وبوركتْ ... بلادُ ثوى فيها الرشيدُ المُسدَّدُ
стр. 565
وهل عَدلتْ يوماً رزيَّةُ هالكٍ ... رزيةَ يومٍ ماتَ فيه محمدُ
تقطَّعَ فيه منزلُ الوحي عنهُمْ ... وقد كان ذا نورٍ يغُورُ ويُنْجِدُ
يَدلُّ على الرحمن مَن يقتدي بهِ ... ويُنفِذُ من هولِ الخزايا ويُرشِدُ
إمامٌ لهمْ يهديهمُ الحقَّ جاهداً ... مُعلِّمُ صِدقٍ إن يُطيعوهُ يُسعَدُوا
وما فقد الماضونَ مثلَ محمدٍ ... ولا مثلُهُ حتى القيامةِ يُفقَدُ
وقال حسان بن ثابت أيضا يبكي النبيَّ ﵇ من قصيدة:
ما بال عينِكَ لا تَنامُ كأنها ... كُحلتْ مآقيها بكُحْلِ الأرمدِ
جَزَعاً على المَهْدِيِّ أصبحَ ثاوياً ... يا خَيرَ مَن وطئ الحصَى لا تَبعَدِ
وجهي يَقِيكَ التُّرْبَ لعهفاً ليتني ... غُيِّبتُ قَبلكَ في بَقيع الغَرقدِ
بأبي وأمي مَن شهدتُ وفاتَهُ ... في يوم الاثنينِ النبيُّ المُهْتدي
فظللتُ بعد وفاتِهِ مُتبلِّدا ... مُتلدِّداً يا ليتني لم أُولِد
следующие страницы →