Полный текст (811 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
أرى فيأهم في غيرهم متقسِّماً ... وأيديَهم من فيئهمْ صَفِراتِ؟
إذا وُتروا مَدُّوا إلى واتريهمُ ... أكفّاً عنِ الأوتار مُنّقبضاتِ
أحبُّ قَصِيَّ الدارِ من أجل حبِّهم وأهجُرُ فيهمْ أُسْرتي وثقاتي
وضربه الوليد بن عبد الملك بن مروان بالسِّياط مرتين؛ إحداهما في تزويجه لُبابة بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وكانت قبل عليّ عند عبد الملك بن مروان. فعضَّ تفاحة ثم رمى إليها، وكان أبخر. فدعت بسكين. فقال: ما تصنعين؟ فقالت: أُميطُ عنها الأذى. ففارقها فتزوَّجها عليُّ بن عبد الله، فضربه الوليد وقال: إنما تتزوَّج نساء الخلفاء لتضع منهم، كما فعل مروان بن الحكم حين تزوَّج أمَّ خالد بن يزيد بن معاوية ليضع منعا فقال علي: إنما أردت الخروج من هذه البلدة وأنا ابن عمِّها فتزوجتها لأكون لها محرما. وأما ضربه إياه في المرة الثانية فلأنه كان يرى أن الخلافة في ولده، وطيف به على بعير ووجهه ممَّا يلي ذَنَب البعير، وصائح يصيح عليه: هذا عليٌّ بن عبد الله الكذاب. وما كذب بل صدق وبرَّ، ومن ضربَهُ ظَلَم وفَجَر. قال الذي رآه مضروبا على حمار: فأتيته فقُلتُ له: ما هذا الذي نسبوه إليك من الكذب؟ قال: بلغهم أني أقول: إن هذا الأمر سيكون في ولدي، والله ليكوننَّ فيهم حتى يملكهم عبيدهم الصغار العيون العراض الوجوه، الذي كأنَّ وجوههم المجانُّ المطارقة.
وقال عليُّ بن عبيد الله بن العباس في شأن يوم الحَرَّة يفخر:
أبي العباسُ قَرْمُ بني قُصَيٍّ ... وأخوالي الملوكُ بنو وَليعَة
همُ مَنعوا ذِماريَ يوم جاءتْ ... كتائبُ مُسرِفٍ وبنو اللكيعَهْ
стр. 492
أراد بيَ التي لا عزَّ فيها ... فحالت دونَهُ أيدٍ مَنيعه
قوله: بنو وليعة هم أخواله من الكِندة، وأمه زُرعة بنت مِشرح الكندية، ثم أحد بني وليعة، وقد تقدم ذكرها وذكر بنيها قبل. وقوله: كتائب مُسرف، يعني مُسلم بن عقبة المرِّيَّ صاحب الحرَّة، وأهل الحجاز يسمونها مُسيرفا وكان أراد أهل المدينة جميعا على أن يبايعوا يزيد بن معاوية، على أن كلَّ واحد منهم عبدٌ قِنٌ له إلاَّ إلا عليَّ بن الحسين. فقال حُصين بن نُمير السَّكونيُّ من كِندة: ولا يبايع ابن أختنا عليَّ عبد الله إلا ما يبايع عليه عليُّ ابن الحسين، على أنه ابن عمِّ أمير المؤمنين وإلا فالحرب بيننا. فأُعفيَ عليُّ بن عبد الله، وقُبِل منه ما أراد، فقال هذا الشعر لذلك. وقوله بني اللَّكيعة فهي اللئيمة. ويقال في النداء للَّئيم: يا لُكع، وللأنثى: يا لَكَاع، لأنه موضع معرفة. كما يُقال: يا فُستقُ ويا خُبثُ، فإن لم تُرد أن تعد له عن جهته قلت للرجل: يا لُكعُ، وللأنثى يا لْكعاء. وهذا موضع لا تقع فيه النكرة. وقد جاء في الحديث، والأصل ما ذكرت لك " لا تقوم الساعة حتى يلي الناس لُكع بن لُكع ". فهذا كناية عن اللئيم بن اللئيم، وهذا بمنزلة عُمر ينصرف في النكرة ولا ينصرف في المعرفة. ولُكاع يُبنى على الكسر. وقد اضطرَّ الحطيئة فذكر لكاعِ في غير النداء. وقال يهجو امرأته:
أطوِّفُ ما أطوِّفُ ثم آوي ... إلى بيتٍ قعيدته لَكاعِ
وكان عبد الملك بن مروان يكرم عليَّا ويُقدِّمه. قال علي بن عبد الله: سايرتُ يوما عبد الملك، فما جاوزنا إلا يسيرا حتى لقيه الحجاج قادما عليه. فلما رآه ترجَّل ومشى بين يديه. فحثَّ عبد الملك فأسرع الحجاج، فزاد عبد الملك فهرول الحجاج. فقلت لعبد الملك: أَبِكَ مَوجدة على هذا؟ قال: لا، ولكنه رفع من نفسه، فأحببتُ أن أغُضَّ منه.
وحضر عليٌّ عبد الملك وقد أُهديت له من خراسان جارية وفَصٌّ وسيف فقال: يا أبا محمد، إن حاضر الهدية شريك فيها، فاختر من الثلاثة واحدا. فاختار الجارية وكانت تُسمَّى سُعدى، وهي من سبي الصُّغد من رهط عُجيف بن عَنبة.
стр. 493
فأولدها سليمان بن علي وصالح بن علي. وكانت فيها رُتَّة، فكانت معروفة في ولد سليمان وولد صالح.
ودخل عليُّ بن عبد الله على هشام بن عبد الملك، وهو شيخ كبير ومعه ابنا ابنه الخليفتان أبو جعفر وأبو العباس. فأوسع له على سريره، وسأله عن حاجته فقال: ثلاثون ألف درهم، عليَّ دين. فأمر بقضائها. وقال: وتستوصي بابنيَّ هذين خيرا، ففعل وشكره. فقال: وصلتك رحم. فلما ولَّى علي قال الخليفة لأصحابه: إن هذا الشيخ قد اختلَّ وأسنَّ وخَلط، فصار يقول: إن هذا الأمر سيُنقل إلى ولده. فسمعه فقال: والله ليكوننَّ ذلك وَلَيَملكنَّ هذان.
ومات عليٌّ بالسَّراة سنة ثمان عشرة ومئة. وهو ابن ثمانين سنة، قاله الواقدي وقال غيره: تُوفي سنة تسع عشرة ومئة. وولد عليُّ بن عبد الله بن عباس محمداً: أمُّه العالية بنت عبيد الله بن عباس، وأُمُّها عائشة بنت عبد الله ابن عبد المَدَان الحارثيِّ، وداود وعيسى لأمِّ ولد، وسليمان وصالحا لأمِّ ولد تُسمى سُعدى وإسماعيل وعبد الصَّمد لأُمِّ ولد، وعبد الله، وعبد الله، وعبد الله ثلاثة. وأحد هؤلاء العبادلة، اُمُّه أُمُّ أبيها بنت عبد الله بن جعفر وأمُّها ليلى بنت مسعود بن خالد النَّهشلي. والثاني أُمُّه بربرية اسمها هنَّادة، وهو الذي خالف على أبي جعفر فأرسل إليه أبو جعفر أبا مسلم، ثم حبسه أبو جعفر في بيت جُعل أساسه مِلحا، ثم أطلق عليه الماء ليلا، فسقط عليه البيت فمات.
فأما محمد بن علي فكان من أجمل الناس وأعظمهم قدرا. وكان بينه وبين أبيه أربع عشرة سنة. وكان عليٌّ يخضب بالسواد ومحمد بالحمرة. فيظن من لا يعرفهما أن محمدا هو علي. ومات سنة اثنتين وعشرين ومئة، وفيها ولد المهديُّ. ويقال: مات سنة خمس وعشرين ومئة بالسَّراة من أرض الشام، وهو ابن ستين سنة، وخلفاء ولد العباس من ولده أبي جعفر فإن العباس لم يُعقِب وكان محمد يُنهى أن يتزوج في بني الحارث بن كعب، كان ينهاه عن ذلك خلفاء بني أمية لأنهم كانوا يرون في الحدثان أن صاحب الرايات السود الخارجة من خراسان من بني هاشم ثم من بني العباس أمُّه من بني الحارث بن كعب، فلما قام عمر
стр. 494
بن عبد العزيز جاءه فقال: يا أمير المؤمنين إني مُنعت أن أتزوَّج ابنة خالي من بني الحارث بن كعب. فقال عمر: تزوَّج رحمك الله من أحببت. فتزوجها، فأولدها أبا العباس أمير المؤمنين. وكان لأخوة محمد بن على ولأعقابهم شرف وصيت وولايات حين صارت لهم الدَّولة.
وولد محمد بن علي بن إبراهيم الذي يُدعى الإمام، وإليه أوصى أبوه محمد، ومات بالشام مسموما. وعبد الله أبا العباس وعبد الله أبا جعفر وموسى ويحيى.
فأما أبو العباس عبد الله بن محمد: ويُعرف بالسَّفَّاح فأمُّه رَيطة بنت عبيد بن عبد الله بن عبد المدان بن الديَّان وعبد المدان واسمه عمرو بن الديَّان. والديَّان: اسمه يزيد بن قَطَن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة ابن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن نصر بن الأزد بن الغوث الحارثية الأزدية. وبنو الحارث بن كعب من أشراف الأزد. وجدُّ ريطة عبد الله ابن عبد المدان. قال الطبريُّ: إنه وفد على النبي ﷺ في وفد بني الحارث بن كعب، فقال له: " مَن أنتَ؟ " فقال: أنا عبد الحَجَر. فقال: " أَنتَ عبد الله " فأسلم. وكانت ابنته عائشة عند عبيد الله بن العباس. ويأتي ذكرها عند ذكره. وهي التي قتل باليمن ولديها منه بُسر بن أرطأة. وفي الديَّان من بني الحارث بن كعب يقول الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف:
ولقد صحَبتُ الناسَ ثم خَبرتُهم ... فوجدتُ أكرمَهمْ بني الديَّانِ
قومُ إذا نزل الغريبُ بدارهمْ ... تركوهُ ربَّ صَواهلٍ وقِيانِ
لا يَنكُتون الأرضَ عند سؤالهمْ ... لتلمُّسِ العلاَّتِ بالعِيدانِ
بل يَبسُطونَ وجوهَهمْ فَترى لها ... عند السؤالِ كأحسنِ الألوانِ
стр. 495
وإذا تَعصَّوا بالصوارِم والقَنا ... سَدُّوا شعاعَ الشمسِ بالمُرَّانِ
هذه الأبيات منسوبة لقائلها من تاريخ بغداد الكبير للخطيب الحافظ أبي بكر أحمد بن عليِّ بن ثابت بن أحمد بن مهديِّ ﵁. وقال حسان بن ثابت في بني عبد المدان:
وقد كنا نقول إذا رأينا ... أخا جسم يهولُ وذا بَيانِ
كأنا أيها المُعطَى بَيانا ... وجسما من بني عبدِ المدانِ
وبويع أبو العباس ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول بالكوفة سنة اثنتين وثلاثين ومئة في بني أوْد فخذٍ من مَذححج في دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم، دخل عليه وعلى أخيه أبي جعفر الدار المذكورة أبو سلمة حفص بن سليمان الخلَّلُ، وكانا فيها مُختفيين، فقال: أيكما عبد الله؟ فقال أبو جعفر كلانا عبد الله. فقال أبو سلمة: أيُّكم ابن الحارثية؟ فقال أبو العباس أنا. فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، وبايعه. فلما أصبح أمره فركب. ثم حمله حتى صلى بالناس الجمعة في مسجد الكوفة الأعظم. وبويع في ذلك اليوم بيعة العامة، فأقام في خلافته أربع سنين وتسعة أشهر، وتوفي بالأنبار في ذي الحجة سنة ستٍّ وثلاثين ومئة. ويقال إنه ولي العهد وهو ابن ثمان وعشرين سنة. وقال المسعودي: عُمِّر ثلاثا وثلاثين سنة، وكانت بنته ريطة عند المهديِّ.
وأما عبد الله بن محمد أبو جعفر المنصور فأمه بربريَّة اسمها سلاَّمة، ومولده بالسَّراة في ذي الحجة سنة خمس وتسعين. وكانت خلافته اثنين وعشرين سنة إلا شهرا. وبويع له بالأنبار يوم مات أبو العباس أخوه، وكان أبو جعفر غائبا، وولي ذلك والإرسال به في الوجوه عيسى بن علي عمُّه. فلقيتْ أبا جعفر
стр. 496
بيعته في الطريق، ومضى أبو جعفر حتى قَدِم الكوفة، وصلى بالناس وخطبهم، ثم شَخَصَ حتى قدم الأنبار، وقدم أبو مسلم عليه فقتله بروميَّة المدائن.
وولي أبو جعفر الخلافة، وهو ابن اثنتين وأربعين سنة. وكان سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صُفرة، ضربه بالسِّياط. فلما ولي الخلافة وظفر به صلبه. وخرج أبو جعفر حاجّا سنة أربعين ومئة، وكان أحرم من الحيرة. وقد كان قبل خروجه أمر بمسجد الكعبة أن يُوسَّع في سنة تسع وثلاثين، وكانت تلك السنة تُدعى " عام الخصب " فوسِّع. ولما قضى أبو جعفر حجَّه صَدَرَ إلى المدينة فأقام فيها ما شاء الله، ثم توجَّه إلى الشام، حتى صلَّى في بيت المقدس، ثم انصرف إلى الرقة، ثم سلك الفرات حتى نزال المدينة الهاشمية بالكوفة، ثم حضر الموسم سنة أربع وأربعين ومئة، ثمَّ تحوَّل إلى بغداد سنة خمس وأربعين ومئة، وسمَّاها الزَّوراء، ويقال لها أيضا مدينة السلام.
وذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ في تاريخه الكبير حُسْن بناء أبي جعفر لها، وغرابته وإتقانه، وأبدع في وصفها كلَّ الإبداع. وأتمَّ أبو جعفر بناءها. واتّخذها منزلا سنة ستٍّ وأربعين ومئة، فلم يلبث أبو جعفر بعد أن حلَّ بغداد إلا يسيرا حتى خرج محمد بن عبيد الله بن حسن بن حسن بالمدينة، فلما بلغه خروجه انحدر إلى الكوفة مسرعا، فوجَّه الجيوش إلى المدينة عليهم عيسى بن موسى وعلى مقدَّمته حُمَيد بن قَحطبة، فقُتل محمد بن عبد الله في شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومئة. وكان أخوه إبراهيم بن عبد الله خرج إلى البصرة في أول يوم في شهر رمضان. فلما انتهى إليه قَتْلُ أخيه خرج متوجِّها إلى الكوفة، وأقبل عيسى بن موسى فالتقوا بباخَمْرا من أرض الكوفة، فقُتل إبراهيم وأصحابه في سنة خمس وأربعين ومئة.
وخرج أبو جعفر يريد الحجَّ سنة ثمان وخمسين ومئة، فمات لستٍّ خلون من ذي الحجة على بئر ميمون، وقد بلغ من السن ثلاثا وستين سنة وشهورا. وبئر ميمون بأعلى مكة، حفرها ميمون بن الحضرمي أخو العلاء ابن الحضرميّ في الجاهلية، فنُسبت إليه. وصلى عليه إبراهيم بن يحيى بن عليّ. وقال
стр. 497
الهيثم: صلى عليه عيسى بن موسى بن محمد بن علي.
وكان لإبراهيم الإمام وموسى ويحيى بن محمد بن علي أخوة أبي العباس وأبي جعفر بنون وَلُوا الولايات، ولهم أعقاب، إلا إبراهيم بن يحيى فإنه لم يُعقب. وحجَّ بالناس سنة هلك عمُّه أبو جعفر.
ولد لأبو جعفر المهديَّ: واسمه محمد، وجعفرا. وأمهما أُمُّ موسى بنت منصور الحميريَّة، وصالحا أمُّه أمة، يُقال أنها بنت ملك الضُّغد. وسليمان وعيسى ويعقوب أمُّهم فاطمة بنت محمد ومن ولد طلحة بن عبيد الله، والقاسم وعبد العزيز والعباس.
فأما جعفر بن أبي جعفر فولي الموصل لأبي جعفر، ومات ببغداد، فولد جعفر إبراهيم بن عفر وزبيدة وهي أمُّ جعفر أمُّها سلسبيل أمُّ ولد. وجعفر بن جعفر وعبيد الله وعيسى بن جعفر وصالح بن جعفر ولُبابة بنت جعفر. فأما إبراهيم فلا عقب له. وأما زبيدة فتزوجها هارون الرشيد، فولدت له محمدا الأمين المخلوع. وأما لُبابة فكانت عند موسى بن المهديّ. وأما عيسى بن جعفر فولي البصرة وكورها وفارس والأهواز واليمامة والسِّند. ومات بدير بين بغداد وحلوان، وكان يُكنى أبا موسى. وله عقب باقٍ، وللآخرين من ولد جعفر. وأعقب الباقون من ولد أبي جعفر، وولوا الولايات، وصلَّوا بالناس بالموسم.
وكان أبو جعفر فقيها فصيحا خطيبا، مقبوض اليد عن العطاء إلا في الواجب. وكان يُدعى أبا الدَّوانيق، لأنه كان أول من استخرجها، وكان يقبل المواعظ من نُسَّاك العلماء، ويصبر على الجفاء منهم. وأمْرهُ مع ابن أبي ذيب الفقيه حين دخل عليه مع مالك مشهور.
وقد ذَكرتُ من أخبار الحبر عبد الله بن عباس وأخبار ولده وما يستملي لصحة آثاره وأخباره ولا يُملُّ، ويُعظِّم للشرف الهاشمي العبَّاسيِّ ويُجَلُّ.
ومن موالي عبد الله بن عباس عكرمة، ومات ابن عباس وعكرمة عبد فباعه عليُّ ابن عبد الله بن عباس من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فأتى عكرمة عليا فقال: ما خير لك بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار. فاستقال
стр. 498
خالدا فأقاله وأعتقه. وكان يكنى أبا عبد الله. قال يزيد بن هارون: قَدِم عكرمة البصرة، فأتاه أيوب وسليمان التَّيمي ويونس. فبينما هو يحدِّثهم سمع صوت غناء، فقال عكرمة: اسكتوا فنسمع. ثم قال: قاتله الله لقد أجاد. وقال: ما أجود ما غنَّى! فأمَّا سليمان ويونس فلم يعودا إليه، وعاد إليه أيوب. قال يزيد: وأحسن أيوب. وأصل عكرمة من " بربر ".
عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب: يكنى أبا محمد، ورأى النبيِّ صلى الله ﵇، وسمع منه وحفظ عنه. وكان أصغر سنا من أخيه عبد الله ن عبد عباس. يقال: كان يبنهما في المولد سنة.. استعمله عليُّ بن أبي طالب على اليمين وأمَّره على الموسم، فحجَّ بالناس سنة ست وثلاثين وسنة سبع وثلاثين. فلما كان سنة ثمان وثلاثين بعثه أيضا مع الموسم. وبعث معاوية في ذلك العام يزيد بن شجرة الرُّهاويَّ ليقيم الحجَّ، فاجتمعا وسأل كلُّ واحد منها صاحبه أن يسلِّم له فأبي. واصطلحا على أن يُصلِّي بالناس شيبة بن عثمان. وقتل بسر بن أرطأة العامريُّ القرشيُّ لعبيد الله بن عباس ابنين صغيرين، وهما عبد الرحمن وقثم حين بعثة معاوية إلى اليمين، وهرب عبيد الله عنها. ذكر أبن الأنباري عن أبيه، عن أحمد بن عبيد، عن هشام بن محمد، عن أبي منحف قال: لمَّا توجَّه بسر بن أرطأة إلى اليمين أخبر عبيد الله بن العباس بذلك، وهو عامل لعلي عليها، فهرب، ودخل بسر اليمين. فأتي بابني عبيد الله بن العباس، وهما صغيران، فذبحهما. فنا أمّها عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان من ذلك أمر عظيم.
فأنشأت تقول:
ها مَن أحسَّ بَنيَّيَّ اللذِين هُما ... كالدرَّتينِ تَشظَّى عنهما الصدفُ
ها مَن أحسَّ بَنيَّيَّ اللذِين هُما ... سَمعي وعقلي، فقلبي اليومَ مُخْتَطَفُ
حُدِّثْتُ بُسراً وما صدَّقتُ ما زعموا ... مِن قِيلهمْ ومن الإثم الذي اقْترفوا
стр. 499
أنحى عليَّ ودجَّي ابنيَّ مُرهفةً ... مَشحوذةً، وكذاك الإثمُ يُقْترفُ
ثم وسوست فكانت تقف في الموسم تنشد هذا الشعر، وتهيم على وجهها. ودخل عبيد الله ن عباس على معاوية بعد قتل عليُّ ﵁ في مجلس الإمارة وعنده بسر بن أرطأة فقال له عبيد الله: أأنت قاتل الصبيَّين؟ قال: نعم فمه. فقال عبيد الله: ألا سيف؟ فناوله بسر سيفه! فأهوى بيده ليأخذه فنزل معاوية على سريره، وقبض على السيف، وقال لبسر: ويلك، أين ذهب بعقلك؟ لقد خرفت تعتمد إلى رجل موتور تناوله سيفا؟! والله لأمسكه لبدأ بي قبلك. فقال عبيد الله: ذلك والله أردت. فتبسَّم معاوية، وأخذه بيده وأجلسه معه على سريره، وباسطه وأجازه وقضى حوائجة.
وكان بسر من الأبطال الطغاة، وشهد مع معاوية صفين. وهو أحد الذين بعثهم عمر بن الخطاب مددا إلى عمرو بن العاصي لفتح مصر على اختلاف في ذلك. فمن ذكره فيهم فقال: كانوا أربعة: الزبير وعمير بن وهب وخارجة بن حذافة وبسر بن أرطأة. ومنهم من يجعل بدل بسر المقداد، وعليه أكثر الرواة، وهو أول بالصَّواب إن شاء الله. ولم يتخلفوا أن المقداد شهد فتح مصر. وكان بسر سفاكا للدماء، جريئا على المحظور. قال أبو الحسن الدارقطنيُّ: بسر بن أرطأة له صحبة، ولم تكن له استقامة بعد النبي ﵇. وكان يحيى بن ... يقول: لا تصح له صحبة. وكان يقول فيه: رجل سوء.
وحدث بقي بن مخلد قال: نا زيد بن الحباب قال: حدَّثنى موسى بن عبيد قال: نا يزيد بن عبد الرحمن بن أبى سلامة عن أبى الرَّباب وصاحب له أنهما سمعا أبا ذرٍ يتعوَّذ في صلاةٍ صلاها، أطال قيامها وركوعها وسجودها، قال: فسألناه: ممَّ تعوَّذتَ؟ وفيم دعوتَ؟ قال: تعوَّذتُ بالله من يوم البلاء ويوم العورة. فقلنا: وما ذاكَ؟ فقال: أمَّا يومُ البلاء فتلتقي مئتان من المسلمين، فيقتل بعضهم بعضاً: وأما يوم العورة فإن نساء من المسلمات يسيبن فيكشف عن سوقهن، فأيَّتُهنَّ كانت أعظم ساقاً اشتريت على عظم ساقها. فدعوت الله ألاَّ يدركني الزمان، ولعلكما تدركانه. قال: فقتل
стр. 500
عثمان، ثم أرسل معاوية بسر بن أرطأة إلى اليمن، فسبى نساء مسلماتٍ فأقمن في السوق.
وقال أبو عمر والشيباني: لما وجَّه معاوية بسر بن أرطأة لقتل شيعة علي ﵁ قام إليه معن بن يزيد بن الأخنس السلمي وزيادة بن الأشهب الجعديُّ فقالا: يا أمير المؤمنين نسألك بالله والرَّحم أن تجعل لبسر على قيس سلطاناً فيقتل قيساً بما قتلت بنو سليم من بنى فهرٍ وكنانة يوم دخل رسول الله ﷺ مكة. فقال معاوية: يا بسر لا إمرة لك على قيس. فسار حتى أتى المدينة بعدما أتى اليمن وقتل بها ابني عبيد الله بن العباس. ففرَّ أهل المدينة ودخلوا الحرَّة حرة بنى سليم. وفي هذه الخرْجَة التي ذكر أبو عمرو الشيبانِّي أغار بسر بن أرطأة على همدان وقتل وسبى نساءهم، فكنَّ أول مسلماتٍ سبين في الإسلام، وقتل أحياء من بنى سعدٍ.
وذكر أن معاوية أرسل بعد تحكيم الحكمين بسر بن أرطأة في جيش، فساروا من الشام حتى قدموا المدينة، وعامل المدينة يومئذ لعليٍّ أبو أيوب الأنصاريُّ صاحب رسول الله ﷺ ، ففرَّ أبو أيُّوب ولحق بعلي، ودخل بسر المدينة، فصعد منبرها وقال: أين شيخي الذي عهدته هنا بالأمس؟ يعني عثمان ثم قال: يا أهل المدينة، والله لولا ما عَهِد إليَّ معاوية ما تركت محتلما إلا قتلته. ثم أمر أهل المدينة بالبيعة لمعاوية، وأرسل إلى بني سلمة فقال: ما لكم عندي أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله. فانطلق حتى جاء أمَّ سلمة زوج النبيَّ ﷺ ، فقال لها: ماذا ترَين؟ فإني خشيتُ أن أُقتل، وهذه بيعة ضلالة. فقالت: أرى أن تبايع وقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع، فأتى جابر بُسرا فبايع لمعاوية. وهدم بسرا دورا في المدينة. ثم انطلق حتى أتى مكة وبها أبو موسى. فخافه أبو موسى على نفسه أن يقتله فهرب. فقيل ذلك لبسر فقال: ما كنت أقتله وقد خلع عليَّا ولم يطلبه.
ويُعدُّ بسر بن أرطأة في الشاميين، وأتى اليمن، وله دار بالبصرة. ومات بالمدينة وقيل: بل مات بالشام بقية أيام معاوية. وخرِف في آخر عمره.
وكان عبيد الله بن عباس أحد أجواد الإسلام. وكان يقال: من أراد
стр. 501
الجمال والفقه والسخاء فليأت دار العباس؛ الجمال للفضل، والفقه لعبد الله، والسخاء لعبيد الله. ومات عبيد الله بن العباس فيما قال خليفة بن خياط وأحمد بن محمد بن أيوب سنة ثمان وخمسين، وهو الأصح على اختلاف في ذلك.
وابن ابنه الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس الهاشمي: كان متروك الحديث.
قُثَمْ بن عبَّاس: قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: كنت أنا وعبيد الله وقثم ابنا العباس نلعب، فمرَّ بنا رسول الله ﷺ فقال " ارفعوا لي هذا " يعني قُثم. فرُفع إليه فأردفه خلفه، وجعلني بين يديه، ودعا لنا. وروي عن عليٍّ وعبد الله بن عباس أنهما كانا يقولان: آخر الناس عهدا بالنبي ﷺ قُثم بن العباس، ويُنكران ما ادَّعاه المغيرة بن شعبة من ذلك. وكان قُثم من المشبَّهين برسول الله ﷺ . وولاَّه عليٍّ ﵁ مكة بعدما عزل أبا قتادة الأنصاريَّ، فلم يزل واليا عليها حتى قُتل علي. هذا قول خليفة بن خياط. وقال الزبير بن بكَّار: استعمل عليُّ بن أبي طالب قُثم بن العباس على المدينة، واستُشهد بسمرقند، وكان خرج إليها مع سعيد بن عثمان بن عفان زمن معاوية. وكان جوادا. وفيه يقول داود بن سَلم:
عتقتِ من حَلِّي ومن رِحلتي ... يا ناقَ إن أدْنَيْتِنِي من قُثَمْ
إنَّكِ إن أدنَيتِ منه غَداً ... حالفني اليُسْرُ وماتَ العَدَمْ
في كفِّه بحرٌ وفي وجههِ ... بدرٌ وفي العرْنَين منهُ شَمَم
أصمُّ عن قِيلِ الخنَا سمعُهُ ... وما عنِ الخيرِ به مِن صَمَمْ
стр. 502
لم يدرِ ما لا وبَلى قَد دَرى ... فعَافها واعتَاضَ منها نَعَمْ
عبد الرحمن بن عباس: وُلد على عهد رسول الله ﷺ ، وقُتل بأفريقية شهيدا هو وأخوه معبد بن العباس في زمن عثمان بن عفان مع عبد الله بن سعد بن أبي سَرح. وهو قول مصعب وغيره. ويقال: إنه ما رُئِيت قبور أشدُّ تباعدا بعضها من بعض من قبور بني العباس بن عبد المطلب، ولدتهم أمُّ الفضل في دار واحدة، استُشهد الفضل بأجنادين، وتوفي عبد الله بالطائف، وعبيد الله باليمن، وقُثم بسمرقند. هؤلاء الستَّة من أمِّ الفضل، وأختهم أمُّ حبيب شقيقتهم.
وولد العباس من غير أمِّ الفضل: تمَّام وكثير والحرث وعون. وأمُّ تمام وشقيقه كثير أمُّ ولد، ورويَّة تُسمى " سبأ ". وروى تمام عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تدخلوا عليَّ قُلْحاً، اسْتاكوا ". من حديث منصور بن المعتمر عن أبي علي الصَّيقل، عن جعفر بن تمَّام بن العباس بن عبد المطلب عن أبيه عن رسول الله ﷺ . وكان أصغر أولاد العباس تمام، وكان من أشدِّ الناس بطشا، وله عقب. وكان العباس يحمله صغيرا ويقول:
تمُّوا بتمَّام فصاروا عَشرةْ
يا ربِّ فاجعلهمْ كرامً بَرَرَةْ
واجعل لهُمْ ذِكراً وانْمِ الثَّمَرةْ
ومات كثير بن عباس بينبُعْ من الذُّبحة. وروى كثير عن أخيه عبد الله الحبر عن النبي ﷺ حديث صلاة الخسوف أنه صلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات. خرَّج الحديث مسلم.
وولد معبد بن العباس عبد الله بن معبد. وروى عن ابن عباس، وروى عنه
стр. 503
ابنه إبراهيم بن عبد الله. مسلم: حدثنا يحيى بن أيوب قال: نا إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني سليمان بن سُحيم عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس عن أبيه، عن عبد الله بن عباس، قال: كشف رسول الله ﷺ الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه. فقال: " ألا هل بلَّغت؟ " ثلاث مرات " إنه لم يبق من مُبشِّرات النبوَّة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح أو تُرى له. وإنِّي نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا. فأما الركوع فعظِّموا فيه الرَّب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمَنٌ أن يُستجاب لكم ".
وأمُّ الحرث بن عباس امرأة من هُذيل، وله عقب.
ومن ولده السَّريٌّ بن عبد الله: وليَ اليمامة، ولم يشتهر لعون بن العباس خبر يُذكر.
انقضى ذكر حمزة بن عبد المطلب والعباس بن عبد المطلب وولده ﵃ الزبير بن عبد المطلب: كان من رجالات قريش في الجاهلية. وولده عبد الله بن الزبير، وأمه عاتكة بنت أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بنت خال عبد الله والد رسول الله ﷺ ، ولا عقب له. قُتل يوم أجنادين شهيدا في خلافة أبي بكر. وكان النبي ﵇ يقول له: " ابن عمي وحبِّي ". ومنهم من يروي أنه كان يقول له: " ابن أمي ". ولا نحفظ له رواية عن النبي ﷺ . وقد روت اختاه ضُباعة وأمُّ الحكم ابنتا الزبير بن عبد المطلب. وكانت ضُباعة تحت المقداد بن عمرو. وأمُّ الحكم تحت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. ويأتي ذكر أمِّ الحكم عند ذكر ربيعة إن شاء الله.
стр. 504
أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب
كان أبو طالب شديد الحب لرسول الله ﷺ ناصرا له يغضب له يغضب له ويحوطه. وهو القائل فيه ﵇ من قصيدة طويلة:
وأبيضَ يَسْتَسقَى الغمامُ بوجههِ ... ثِمالَ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ
يلوذُ به الهُلاَكُ من آلِ هشامٍ ... فهم عندَه في نعمةٍ وفواضلِ
كذبتمْ وبيتِ الله نُبْزَى محمداً ... ولمَّا نُطاعنْ دونَه وتُناضلِ
ونُسلمُهُ حتى نُصرِّعَ حولَهُ ... ونَذهبَ عن أبنائنا والحلائلِ
وفي الأثر أن أهل المدينة أقطحوا، فأتوا رسول الله ﷺ . فشكوا إليه ذلك، فصعد رسول الله رسول الله ﷺ المنبر فاستقى، فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل العوالي يشكون من الغرق. فقال رسول الله ﷺ : " اللهمَّ حوالينا ولا علينا ". فانجاب السحاب عن المدينة، فصار حواليها كالإكليل. فقال رسول الله ﷺ " لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسرَّه ". فقال بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله أردت قوله:
وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه ... ثِمالَ اليتامى عصمةٌ للأراملِ
стр. 505
قال: " أجل ". ولأبي طالب من قصيدة أثنى فيها على النبي ﵇:
إذا اجتمعتْ يوماً قريشٌ لِمِعْجَز ... فعبدُ منافٍ سرُّها وصميمُها
إنْ حُصِّلت أشرافٌ عبدِ منافِها ... ففي هاشم أشرافُها وقديمُها
وقال من قصيدة، مدح فيها النبيَّ ﵇، وتوعَّد قريشا حين كتبوا صحيفة القطيعة.
ألا أبلغا عني على ذاتِ بَينِنا ... لُؤيَّا وخُصّا من لؤيِّ بني كعب
ألم تَعلموا أنَّا وجَدْنا محمداً ... نبياً كموسى خطَّ في أولِ الكتْبِ
وأنَّ عليه في العبادِ محبَّةً ... ولا خيرِ ممَّن خصَّةُ اللهُ بالحبِّ
وآخُر القصيدة:
أليس أبونا هاشمٌ شَدَّ أزرَهُ ... وأوصى بَنيهِ بالطَّعانِ وبالضَّرْبِ
ولسنا نَملُّ الحربَ حَتى تَملَّنا ... ولا نَتشكَّى ما ينوبُ من النَّكْبِ
ولكنَّنا أهلُ الحفائظِ والنُّهى ... إذ طار أرواحُ من الرعبِ
وولد أبو طالب طالبا، وبه كان يُكنى، وهو أكبر ولده، وعقيلا وجعفرا
стр. 506
وعليا وأمَّ هانئ، واسمها هند، وقيل فاختة وجُمانة. وكان طالب أكبر من عقيل بعشر سنين، وعقيل أكبر من جعفر بعشر سنين، وجعفر أكبر من عليٍّ بعشر سنين. وأمُّهم فاطمة بنت أسد بن عبد مناف بنت عمّ أبي طالب. وقال الزبير: وهي أول هاشمية ولدت لهاشميٍّ وأسلمت، وهاجرت إلى الله ورسوله. وماتت في المدينة في حياة النبيِّ ﵇، وشهد دفنها ﷺ . وروى عطاء بن أبي رباح: عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أمُّ عليٍّ بن أبي طالب ألبسها رسول الله ﷺ قميصه واضطجع معها في قبرها. فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه! فقال: " إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرَّ بي منها، إنما ألبستها قميصي لتُكسى من حُلل الجنة، واضطجعت معها ليُهوَّن عليها ".
وهلك أبو طالب مشركا بعد غزوة بدر. وقيل: إنه ذهب فلم يرجع، ولم يُدر له موضع ولا خبر، وهو أحد الذين تاهوا في الأرض. وكان مُحبَّا في رسول الله ﷺ ، وله فيه مدائح. وكان خرج إلى بدر كرها، وجرى بينه وبين قريش حين خرجوا إلى بدر محاورة فقالوا: والله يا بني هاشم لقد عرفنا، وإن خرجتم معنا، أنَّ هواكم مع محمد. فرجع طالب إلى مكة مع من رجع، وهم بنو زُهرة مع الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثَّقفي، وكان حليفا لهم ومُطاعا فيهم. ولم يكن بقي من قريش بطن إلا وقد نفر منهم ناس إلا عديُّ بن كعب وبنو زهرة، فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد. وقال طالب حين رجع من غزوة بدر:
لا هُمَّ إمَّا يَغزُوَنَّ طالبْ
في عصبةٍ مخالفٍ محاربْ
في مقنب من هذه المقانبْ
فليكنِ المسلوبَ غيرَ السالبْ
وليكنِ المغلوبَ غيرَ الغالبْ
стр. 507
وقال من قصيدة ثناء على النبي ﵇، وبكى فيها أصحاب قليب بدر:
فمنا إنْ جَنينَا في قريش عظيمةً ... سِوى أنْ حَمَينا خيرَ مَن وطئ التُّربا
أخا ثقةٍ في النائبات مُرزَّءاً ... كريماً نثاهُ لا بخيلاً ولا ذَرْبا
وأما عقيل بن أبي طالب: فكان نسَّابة، ويكنى أبا يزيد. وأُسر يوم بدر ففداه العباس بأربعة آلاف درهم فيما ذكره أبو اليقظان. وورث عقيل وطالب أبا طالب ولم يرثه عليٌّ ولا جعفر، لأنهما كانا مسلمين. قال عليُّ: فلذلك تركنا نصيبنا من الشِّعب. وأسلم عقيل قبل الحديبية. وشهد غزوة مؤتة. وكانت له طنفسة تُطرح في مسجد رسول الله ﷺ يصلي عليها، ويجتمع إليه في علم النسب وأيام العرب، وذكرها مالك في الموطأ في وقت الجمعة. وكان أسرع الناس جوابا، وأحضرهم مراجعة في القول، وأبلغهم في ذلك. وقال له النبي ﷺ : " يا أبا يزيد، إني أحبُّك حبَّين: حبا لقرابتك مني، وحبا لما كنت أعلم من حبِّ عمي إياك ".
وانصرف عن على في خلافته إلى معاوية مغاضبا له إذ سأله قضاء دَينه وكان مالا كبيرا. فقال: إنما أنت رجل من المسلمين، ولا أحمل على بيت مالهم دَينَك. فلما وفد على معاوية برَّه ووصله بمال عظيم، وقضى دَينه. وقال يوما بحضرته: هذا أبو يزيد، لولا علمه أني خير له من أخيه ما أقام معنا وتركه. فقال عقيل: أخي خير لي في ديني، وأنت خير لي في دنياي. وقد آثرت دنياي. وأسأل الله خاتمة خير.
وكانت له دار بالمدينة واسعة كثيرة الأهل. ومات، بعد ما عَمِيَ، في آخر خلافة معاوية. وكان له من الولد اثنا عشر ذكرا، وخرج منهم تسعة مع الحسين ﵁، فقُتلوا معه. منهم: مُسلم بن عقيل وكان أشجعهم، وهو الذي
стр. 508
قدَّمه الحسين ﵇ إلى الكوفة، فقتله الدَّعيُّ ابن زياد صبرا. وفيهم قيل:
عينِ جودي بعَبرةٍ وعويل ... واندُبي إن نَدبتِ آل الرسولِ
سبعةُ كلُّهم لصلب عليٍّ ... قد أُصيبوا وتسعةٌ لعقيلِ
فأما جعفر بن أبي طالب: فأسلم قديما في أول الإسلام، وهاجر إلى أرض الحبشة، ومعه امرأته أسماء بنت عُميس الخثعميَّة، فولدت له بها عبد لله ومحمدا وعونا. وقدم على رسول الله ﷺ من أرض الحبشة يوم فتح خيبر فعانقه النبي ﷺ وسُرَّ بقدومه، وقال: " ما أدري بأيَّ الأمرين أنا أُسرُّ: بقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟ ". وقال ﵇ له: " أشبهت خَلقي وخُلقي ". خرَّج هذا الحديث البخاريُّ والترمذيُّ. واختطَّ له وقدم على رسول الله ﷺ إلى جنب المدينة. وقال أبو هريرة: ما ركب الكور ولا احتذى النَّعال ولا وطئ التُّراب أحد بعد وقدم على رسول الله ﷺ أفضل من جعفر. أخرج هذا الحديث التّرمذيُّ. وكان يكنى أبا عبد الله. وعبد الله ابنه أول مولود في الإسلام بأرض الحبشة.
وكان أجود العرب، وأخباره في الجود كثيرة. وكان لا يرى بسماع الغناء بأسا. وحفظ عن وقدم على رسول الله ﷺ وروى عنه. مسلم: حدَّثنا يحيى ابن يحيى التميميُّ وعبد الله بن عون الهلاليُّ قال: رأيت وقدم على رسول الله ﷺ يأكل القثَّاء بالرُّطب. وتوفي بالمدينة سنة ثمانين، وهو ابن تسعين سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو يومئذ أمير المدينة لعبد الملك بن مروان.
وأما محمد بن جعفر فكان يكنى أبا القاسم، واستُشهد بتُسْتَر. وحلق وقدم على رسول الله ﷺ رأسه ورأس أخويه حين جاء نعيُّ أبيهم جعفر سنة ثمان ودعا لهم. وقال: " أنا وليُّهم في الدنيا والآخرة ". وقال: " أما محمد فشبيه عمِّنا أبي طالب ". وهو الذي تزوَّج أمَّ كلثوم بنت عليٍّ بعد عمر ﵁.
стр. 509
وأما عون بن جعفر: فقُتل بتُسْتر أيضا، قال هذا ابن قتيبة. قال مسلم: أبو جعفر عبد الله بن المِسوَر بن عون بن جعفر بن أبي طالب روى عنه عمرو بن مُروة. وقال الموصليُّ الحافظ: عبد الله بن المُسوّر بن أبي طالب الهاشميُّ أبو جعفر متروك ذاهب الحديث، جريء على ما لا يحلُّ له من المحظور. وقال عنه وهبةُ بن مصْقلة العبديُّ إنه كان يضع أحاديث كلام ليست من أحاديث النبي ﷺ ، وكان يرويها عن النبي ﷺ .
والعقب من ولد عبد الله بن جعفر لعليٍّ ومعاوية وإسحاق وإسماعيل. وكان معاوية من ولد عبد الله بن جعفر ضدَّ أبيه ... ومن ولده عبد الله بن معاوية: وهو أشهر ولده، وطلب الخلافة فظفر بأصبهان وبعض فارس فقتله أبو مسلم. وكان شاعرا مطبوعا مُجيدا. وهو القائل يعاتب بعض إخوانه المداهنين في الودِّ:
رأيتُ فُضيلاً كان شيئا مُلفَّفاً ... فكشَّفه التَّمحيصُ حتى بَدا لِيَا
أأنتَ أخي ما لَم تكُن لِيَ حاجةٌ ... فإن عرضتْ أيقنتُ أنْ لا أخا لِيا
فلا زادَ مض بَيني وبينك بعد ما ... بَلوتك في الحاجاتِ ألا تَمادِيا
فلستُ براءٍ عيبَ ذي الودِّ كلِّهِ ... ولا بعضَ ما فيه إذا كنتُ راضِيا
فعينُ الرِّضا عن كلِّ عيب كليلةٌ ... ولكنَّ عينَ السُّخط تُبدي المساويا
كلانا غتيٌ عن أخيهِ حياتَهُ ... ونحنُ إذا مِتْنا أشدُّ تَغانيا
стр. 510
الملفَّف: المغطَّى. والتمحيص: الاختبار. قال تعالى:) وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الذِينَ آمَنُواْ ويَمْحَقَ الكَافِرِينَ (.
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر أيضا:
أنَّى يكونُ أخاً أوْ ذا محافظةٍ ... مَن كنتَ في غَيبهِ مُستشعراً وَجَلا
إذ تغيَّب لم تَبرحْ تظنُّ بهِ ... سُوءاً وتسألُ عمَّا قال أو فَعلا
وهذا من جيّد الشعر.
واستشهد جعفر ﵁ يوم مؤته، وقُطعت يداه، فأبدله الله بهما جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء منها.
وأما عليٌّ فيأتي ذكره بعد في الخلفاء الأربعة.
وأما أمُّ هانئ: فكانت تحت هُبَيرة بن أبي وهب المخزوميُّ، كما ذكرت قبل. وأسلمت عام الفتح. وحديث ركعات الضُّحى عليها مداره. مالك: عن أبي النَّضر مولى عمر بن عبيد الله أن أبا مُرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره أنه سمع أمّ هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، وفاطمة ابنته تستره بثوب قالت: فسلَّمت. فقال: " من هذه؟ " فقلت: أمُّ هانئ بنت أبي طالب. فقال: " مرحبا بأمُّ هانئ ". فلما فرغ من غسله قام فصلَّى ثماني ركعات مُلتحفا في ثوب واحد، ثم انصرف. فقلت: يا رسول الله زعم ابن أمِّي عَلي أنه قاتلٌ رجلا أجرته فلان ابن هبيرة. فقال وقدم على رسول الله ﷺ : " لقد أجرنا مَن أجَرتِ يا أمُّ هانئ ". قالت أمّ هانئ: وهذا ضحى. الذي أجارت أمُّ هانئ هو ابنها جَعْدَة بن هُبيرة. وخرَّج مسلم هذا الحديث من طرق عن أمِّ هانئ، وأحد طرفيه عن يحيى بن يحيى التَّميميَّ، عن مالك كما في الموطأ.
стр. 511
ضرار بن عبد المطلب: مات ضرار قبل الإسلام، ولا عقب له، وكان يقول الشعر.
المقوَّم بن عبد المطلب: ولم يدرك الإسلام، ولا عقب له.
أبو لهب: عبد العزَّى بن عبد المطلب، ويكنى أبا عتبة، وكان أحول. وكانت دار النبي ﵇ بمكة بين دار أبي لهب ودار عقبة بن أبي المعيط، فكان ﷺ بين شرِّ جارين، وروى عنه أنه قال ذلك. وقيل له أبو لهب لجماله. وأصابته العدسة فمات بمكة بعد وقعة بدر بيسير.
وولد له: عتبة وعتيبة ومعتِّب، وبنات أمُّهم أمُّ جميل بنت حرب بن أمية حمالة الحطب. وهي أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية.
فأما عتبة فكان رسول الله زوَّجه رقية ابنته. فأمره أبو لهب أن يطلقها ففعل. ودعا عليه النبي ﷺ فقال " اللهم سلِّط عليه كلبا من كلابك "، فأكله الأسد في أسفاره، والقصة مشهورة. وكان يكنى أبا واسع، وله عقب كثير من بنين وبنات منهم: الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب الشاعر. وهو القائل:
وأنا الأخضرُ مَن يعرفُني ... أخضَرَ الجِلدةِ في بيتِ العَربْ
مَن يساجِلْنِي يساجلْ ماجداً ... يملأ الدلوَ إلى عَقدِ الكَرَبْ
وابنه عبد الله بن الفضل: من شيوخ مالك، وله عنه في الموطأ حديث واحد مسند صحيح. مالك: عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبيد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال " الأيِّم أحق بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها ".
стр. 512
وأما معتِّب: فأسلم، وشهد حنينا مع النبي ﷺ ، وله عقب كثير.
وأما عتيبة: فتزوَّج أم كلثوم بنت النبي، وفارقها قبل أن يدخل بها. وأسلم يوم الفتح مع أخيه معتَّب.
الغيداق بن عبد المطلب: وهو حجل ولا عقب له.
الحارث بن عبد المطلب: هو أكبر ولد عبد المطلب، وشهد معه حفر زمزم، وبه كان يكنى. وولد له أبو سفيان بن الحارث، ونوفل بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وعبد شمس بن الحارث، وأروى بنت الحارث.
فأما أبو سفيان بن الحارث: فكان أخا رسول الله ﷺ من الرضاعة؛ أرضعته معه حليمة أياما. واسمه المغيرة، وقيل: اسمه كنيته. وكان يألف رسول الله، فلما بعث عاداه وهجاه. ثم أسلم عام الفتح، وحسن إسلامه. وشهد أبو سفيان حنينا، وثبت فيمن ثبت مع النبي ﵊ يومئذ من أهل بيته. وله قال حسان بن ثابت معارضا:
ألا أبلغْ أبا سفيانَ عنِّي ... مُغَلغلةً فقد برِح الخفاء
هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه ... وعندَ الله في ذَاك الجَزاء
أتَهجوهُ ولستَ لهُ بكفء ... فشرُّكما لخيرِكُما الفِداء
فإنَّ أبي ووالدَه وعرِضي ... لِعرْضِ محمدٍ منكمْ وِقاء
стр. 513
وقال النبي ﵇ في أبي سفيان هذا: " أرجو أن يكون خلفا من حمزة ". وقال فيه أيضا: " أبو سفيان سيد فتيان أهل الجنة ". ويقال: إنه لما أسلم ما رفع رأسه إلى رسول الله ﷺ حياء منه حتى مات. وكان أبو سفيان من الشعراء المطبوعين. وأنشد النبيَّ ﷺ قوله في إسلامه واعتذاره ممَّا سلف منه:
لعَمرُك إني يومَ أحملُ رايةً ... لتغلبَ خَيلُ اللاتِ خيلَ محمدِ
لَكا لمُدْلجِ الحَيْرانِ أظلم ليلُهُ ... فهذا أواني حين أُهدَى فأهتدي
هَدانيَ هادٍ غيرُ نفسي ودلَّني ... على الله مَن طرَّدْتُه كلَّ مُطْرَدِ
أصُدُّ وأَنْأَى جاهداً عن محمدٍ ... وأُدْعَى وإن لم أنتَسِبْ مِن محمدِ
قال ابن إسحاق: لما أنشد أبو سفيان رسول الله ﷺ : " مَن طرَّدتَهُ كلَّ مُطردِ " ضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: " أأنتَ طرَّدتَني كل مطردِ؟ ". وأبو سفيان بن الحارث القائل أيضا:
لقد علمتْ قريشٌ غيرَ فخرِ ... بأنَّا نحنُ أجودهُمْ حِصانا
وأكثرهُمْ دروعاً سابغاتٍ ... وأمضاهُمْ إذا طَعنوا سِنانا
وأدفعُهم لدى الضَّرَّاء عنهمْ ... وأبْينُهم إذا نطقوا لسانا
وكانت وفاته سنة عشرين بالمدينة، ودفن بالبقيع، ولم يبق له عقب. قال
стр. 514
هذا ابن قتيبة. وقال غيره مثل قوله في الوفاة، إلا أنه قال: ودُفن في دار عقيل بن أبي طالب، وصلى عليه عمر بن الخطاب. ولما حضرته الوفاة قال لأهله: لا تبكوا عليَّ، فإني لم أتنظَّف بخطيئة منذ أسلمتُ.
وأما نوفل بن الحارث: فكان أسنَّ من أسلم من بني هاشم. كان أسنَّ من حمزة والعباس ومن جميع إخوته. وأُسر يوم بدر ففداه العباس، وأسلم وهاجر أيام الخندق. وتوفي بالمدينة في داره سنة خمس عشرة، وصلى عليه عمر ﵁، بعد أن مشى معه إلى البقيع، ووقف على قبره حتى دُفن، ﵀، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين العباس بن عبد المطلب، وكانا شريكين في الجاهلية، متفاوضين في المال، متحابِّين. وأعان نوفل يوم حنين رسول الله ﷺ بثلاثة آلاف رمح. فقال له رسول الله ﷺ : " كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف أصلاب المشركين ". وكان لنوفل عقِب كثير منهم: المغيرة بن نوفل: وكان قاضيا بالمدينة في خلافة عثمان، ولم يدرك من حياة النبي ﷺ إلا ستَّ سنين، وشهد مع علي ﵇ صِفِّين.
ومن ولد المغيرة يزيد بن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل المدنيُّ. وكان متروك الحديث.
ومن ولد نوفل عبد الله بن الحارث بن نوفل: وهو الملقب بَبَّه. وولد على عهد رسول الله ﷺ ، وحنّكه ودعا له. وهو الذي اصطلح عليه أهل البصرة عند موت يزيد بن معاوية، فبايعوه، حتى يتفق الناس على إمام. وروى عن عمر وعلي وعثمان والعباس وأمِّ هانئ. وتوفي أبوه الحارث في البصرة في آخر خلافة عثمان. وأسلم حين أسلم أبوه نوفل. وكان الحارث رجلا حين أسلم أبوه نوفل. ولُقِّب عبد الله بِبَبَّه لأنَّ أمَّه كانت تُرقصه صغيرا وتقول:
لأُنكحنَّ بَبَّةْ ... جارية خِدبَّهْ
مُكرَمةً مُحبَّهْ ... تَخدُمُ بيتَ الكعبَهْ
стр. 515
وكان له ابنان: محمد وعبد الله. وأما محمد بن عبد الله فروى عنه ابن شهاب في كتاب " الحج " من الموطأ. وأما عبد الله بن عبد الله بن الحارث فروى عنه عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن ابن عباس حديث الوباء الواقع بالشام. خرَّجه مالك في كتاب " الجامع " من الموطأ، وخرجه البخاري ومسلم عن مالك.
ومن موالي عبد الله بن الحارث مِقسم: ويكنى أبا القاسم. وإنما قيل له مولى ابن عباس للزومه إياه. وانقطاعه إليه، وروايته عنه. وقد روى مِقسم عن أمِّ سَلَمَة سماعا منها.
وأما عبد شمس بن الحارث بن عبد المطلب: فسماه رسول الله ﷺ عبد الله. ومات بالصَّفراء في حياة رسول الله ﷺ ، فدفنه رسول الله ﷺ في قميصه وقال: " أدركتهُ السعادة ". ذكره مصعب وغيره.
وأما ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب: فكانت له صحبة. وقال النبيُّ: " نِعم الرجل ربيعة لو قَصَّر من شَعره وشَمَّر من ثوبه ". وكان شريك عثمان في التجارة. ولربيعة بنون وبنات. فمن بنيه: العباس بن ربيعة: وكان له قدر، وأقطعه عثمان دارا بالبصرة. وأعطاه مئة ألف درهم. وشهد صفِّين مع علي، وكانت تحته أمُّفراس بنت حسان بن ثابت، فولدت له أولادا. وعقُبُه كثير.
ومن بنيه عبد المطلب بن ربيعة: أمُّه أمُّ الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب كان على عهد رسول الله ﷺ رجلا ... روى عنه عبد الله بن الحارث بن نوفل أن رسول الله ﷺ دخل على ضُباعة بنت الزبير، انتهش عندها كتفا ثم صلى ولم يتوضأ.
стр. 516
ومن بنيه محمد بن ربيعة بن الحارث ...
انقضى ذكر عمومة النبي ﵇ وأعقابهم كما يجب والحمد لله كثيرا على ما يسَّر من ذلك
عمَّاتُهُ ﷺ
أما عاتكة بنت عبد المطلب: فكانت عند أبي أميَّة بن المغيرة المخزوميّ، فولدت له عبد الله بن أبي أميَّة وزهيرا والمهاجَر، وهم إخوة أمّ سلمة لأبيها.
وأما أميمة بنت عبد المطلب: فكانت عند جحش بن رئاب الأسديِّ. وهي أمُّ زينب بنت جحش وأمُّ إخوتها عبد الله وأبي أحمد الأعمى وعبيد الله المتنصِّر بأرض الحبشة.
وأما البيضاء بنت عبد المطلب: فكانت عند كُريز بن ربيعة بن حبيب ابن عبد شمس، فولدت له أروى، وهي أمُّ عثمان بن عفان وأمُّ الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط. وكانت البيضاء تُكنّى أمَّ حكيم. وكان يقال لها: قبة الديباج لجمالها.
وأما برَّة بنت عبد المطلب: فكانت عند عبد الأسد بن هلال المخزوميَّ، فولدت له أبا سلمة بن عبد الأسد الذي كانت أمُّ سلمة عنده قبل أن تكون عند النبيِّ. ثم خلف عليها أبو رُهم بن عبد العُزّى من بني عامر بن لؤي. فولدت له أبا سَبرة بن أبي رُهم. وقد ذكرتُ أبا سَبرة هذا في بني عامر بن لؤي من قريش، وأنه من المهاجرين البدريين. وذكرتُ وفاته ﵁.
أما صفية بنت عبد المطلب: فكانت عند الحارث بن حرب بن أميَّة، ثم خلف عليها العوَّام بن خويلد، وهي أمُّ الزُّبير. وأسلمت صفيّة وتوفيت في خلافة عمر سنة عشرين، ولها ثلاث وسبعون سنة، ودُفنت بالبقيع.
وأما أروى بنت عبد المطلب: فهي أمُّ طُليب بن عمير بن وهب بن أبي كبير بن عبد بن قصيٍّ. كانت تحت عُمير بن وهب، فولدت له طُليبا. واختُلف
стр. 517
في أروى؛ فذكر بعضهم أنها أسلمت، وكذلك ذُكر عن عاتكة أنها أسلمت. وقيل: لم تُسلم. وعاتكة هي صاحبة الرؤيا في شأن بدر. قالت: رأيت راكبا أخذ صخرة من أبي قُبيس، فرمى بها الرُّكن، فتفلَّقت الصخرة. فما بقيت دار من قريش إلا دخلتها منها كسرة، غير دور بني زهرة. ولم يُختلف في إسلام صفية. وقال ابن إسحاق وطائفة معه: ولم يُسلم من عمات النبي ﷺ غير صفية.
عبد الله بن عبد المطلب
والد رسول الله ﷺ . لم يكن له ولد غير رسول الله ذكر ولا أنثى.
أم رسول الله ﷺ
أما أمُّه فهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي. وأمُّه آمنة: بنت عبد العُزَّى بن عثمان عبد الدار بن قصي. وأمُّ برة: أمُّ حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي. وأمُّ أمِّ حبيب بنت أسد بن عبد العزَّى بن قُصي. وأمُّ أمِّ حبيب برةُ بنت عوف بن عبيد ابن عويج بن عديِّ بن كعب بن لؤي.
وأما أمُّ وهب جدِّ النبيِّ فهي عاتكة بنت الأوقص بن مُرة بن هلال بن فالج بن ذكوانّ بن ثعلبة بن بُهثة بن سُليم بن منصور بن عكرمة.
فرسول الله ﷺ أشرف ولد آدم حسبا وأفضلهم نسبا من قبل أبيه وأمِّه ﷺ .
وتزوَّج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهرة عند الفراغ من فدائه بالإبل لنذر أبيه الذي كان نذر حين نازعته قريش في
стр. 518
حفر زمزم. ولذلك قال ﷺ : " أنا ابن الذَّبيحين ". وهذه حجة من جعل الذبيح إسماعيل. وقال أسد بن الفرات قاضي أفريقية في إمرة إبراهيم بن الأغلب: سمعت محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة يقول: اختلف أهل التفسير، فقال بعضهم: إسحاق هو الذي أُمر إبراهيم بذبحه. وقال بعضهم: إسماعيل هو، فكان أصحَّ القولين عندنا أنه إسماعيل، لأن الله يقول في كتابه:) فبشَّرناه بإسحاق ومِن وَراءِ إسحاقَ يَعقوب (. فكيف يختبر في ذبحه، وقد أعلمه أنه سيولد لإسحاق يعقوب؟ وإنما الاختبار فيما لم يعلم غافية أمره.
ولما فرغ عبد الله بن عبد المطلب من وفاة نذره انصرف آخذا بيد ابنه عبد الله حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بم مرة بن كعب بن لؤي، وهو يومئذ سيد بني زهرة سناً وشرفاً، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا. فزعموا أنه دخل عليها حين املكها مكانه، فوقع عليها، فحملت برسول الله ﷺ .
ومات عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله ﷺ وأمُّهُ حمل به، سار إلى المدينة ليزول أخوال أبيه من بني النجار، فمات بالمدينة، وقبره بها في دار من دور عدِّي بن النجار. وقال ابن شهاب: كان عبد المطلب بعث ابنه عبد الله إلى يثرب يمتار له تمرا منها، فمات بها وهو شاب عن أخواله بن النجار، ولم يكن له ولد غير رسول الله ﷺ .
وولد ﷺ عام الفيل بعد قدوم أصحاب الفيل بشهر، وقيل بأربعين يوما، وقيلا: بخمسين يوما. وولد مختونا مسرورا، يعني مقطوع السُّرَّة. هذه رواية وردت. وروي عكرمةُ عن أبن عباس أن عبد المطلب ختن النبيِّ ﷺ يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسماه محمداً. وذكر أن آمنة أمَّ رسول الله ﷺ كانت تحدِّث أنها أنبئت حين حملت برسول الله ﷺ . فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع إلى الأرض فقولي: " أُعيذُه بالواحد من شرِّ كل حاسد، ثم سمِّيه محمدا ". ورأت حين حملت أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام. وقالت
стр. 519
آمنة: " حملت به، فوالله ما رأيت من حمل قطُّ كان أخف ولادة أيسر منه. ووقع حين ولدته، وإنه لواضع يديه بالأرض، رافع رأسه إلى السماء، رسول الله ﷺ ".
ولما وضعته أمُّه ﷺ أرسلت إلى جدِّه عبد المطلب: إنه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه. فأتاه فنظر إليه، وحدَّثته بما رأت حين حملت به، وما قيل له وما أمرت أن تُسِّميه. فأخذه عبد المطلب، فدخل به الكعبة، فقام يدعوا الله ويتشكَّر له ما أعطاه، ثمَّ خرج به إلى أمِّة، فدفعه إليها.
وأرضعته رسول الله ﷺ حليمة بنت أبي ذؤيب السَّعديَّةُ من بني سعد أبن بكر بن هوزان بن منصور، ورأت بها في طريقها من الأتان عجبا وفي حاضرها من البركات ما أخصب به محلُّها، وتعَّجب منه قومها. وكان يشبُّ شبابا لا يشبُّه الغلمان. فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا. ثم ردَّته حليمة على أمِّه، وهي أحرص شيء على مكثه فيهم، لما كانوا يرون من بركته. فكلَّمت أمَّه فيه وقالت له: لو تركت بنيِّي عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة. فلم تنزل بها حتى رجعت بهز وبعد مقدمتها من به بأشهر كان أمر شقِّ بطنه خلف بيوت حليمة، أخبرها بذلك ابنها. والخبر مشهور فردّته حليمة إلى أمه.
وروي عن خالد بن معدان الكلاعيِّ أن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال: " نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى. ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام. واسترضعت في نبي سعد بن بكر، فبينما أنا مع الخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا إذ أتانى رجلان عليهما الثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا، فأخذاني فشقّا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقّا فاستخرجا منه علقة سوداء، فطرحاها ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه - قال: - ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشره من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم. ثم قال: زنة بألف من أمَّته، فوزنني بهم فوزنتهم. فقال: دعه عنك، فلو وزنته بأمَّته لوزنها ".
стр. 520
وكان ﷺ يقول: " ما من نبي إلا وقد رعى غنما ". قيل: وأنت يا رسول الله؟ قال: " وأنا ". وكان ﵇ يقول لأصحابه " أنا أعربكم؛ أنا قرشي، واسترضعت في بني سعد بن بكر ". وفي حديث آخر أنه قال ﷺ : " أنا أفصح العرب بيد أنا من قريش، واسترضعت في بني سعد بن بكر ".
وتوفيت آمنة أم رسول الله ﷺ ، وهو أبن ستِّ سنين بالأبواء بين مكة والمدينة. وكانت أمُّه أخرجته معه إلى أخوال أبيه بني النجار بالمدينة، تزورهم هي فتوفيت وهو معها، فردّته حاضنته أم أيمن مولاة رسول الله ﷺ ، ورثها عن أبيه. وهي أمُّ أسامة بن زيد بن حارثة، وابنها أيمن بن عبيد الحبشيُّ الذي تكنى به، استشهد مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فكفله بعد أمُّه جدُّه عبد المطَّلب، وكان مع أمِّه وجدِّه في كلاءة الله تعالى وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا لما يرد به من كرامته.
وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظلِّ الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. قال: فكان رسول الله ﷺ يأتي، وهو غلام جفر، حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخِّروهُ عنه، فيقول عبد المطلب، إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا. ثم يجلسه معه عليه، يمسح ظهره بيده، ويسرّه ما يراه يصنع. فلما بلغ رسول الله ﷺ ثمان سنين هلك جدُّه عبد المطلب. وعمي عبد المطلب في آخر عمره، وأوصى بالنبيِّ رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب. فصار في حجر عمِّه أبي طالب حتى بلغ خمسة عشر سنة. وكاب أبو طالب يحبُّه، ثم انفرد بنفسه. وكان مائلا إلى عمِّه أبي طالب لوجاهته في بني هشام، وكان مع ذلك شقيق أبيه.
وخرج النبيِّ ﷺ مه عمِّه أبو طالب في تجارة إلى الشام سنة ثلاث عشر من الفيل، فرآه بحيرا الراهب فقال: احتفظوا به فإنه نبي. وشهد ﷺ حرب الفجار، وهو أبن عشرين سنة. وخرج إلى الشام في تجارة لخديجة بنت خويلد، وهو أبن خمس وعشرين سنة، فرآه نسطور الراهب، وقد أضلته غمامة فقال: هذا نبي.
стр. 521
وتزوج خديجة بنت خويلد بشهرين وخمسة وعشرين يوما في عقب صفر. وكانت خديجة يوم تزوجها بنت أربعين سنة. وشهد ﷺ بنيان الكعبة، وتراضت قريش بحكمة في الحجر وهو أبن خمس وثلاثين سنة.
ولما بلغ ﷺ أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين وكافَّةً للناس يوم الاثنين في شهر رمضان. وقيل: بل بُعث يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول فأسرَّ أمره ثلاث سنين أو نحوها. حدَّث أحمد بن زهير قال: نا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند، عن الشِّعبي قال: بُعث رسول الله ﷺ لأربعين، فوُكِّل به إسرافيل ﵇ ثلاث سنين، ثم وُكِّل به جبريل. وأعلن بالدعاء بعد ذلك إلى الله، وسفّه أحلام قومه وضلَّلهم، وعاب أصنامهم، فقالوا قومه قتلَه فأجاره عمُّه أبو طالب، ولم يزل في جواره، إلى أن توفي في النِّصف من شوال سنة عشرين من المبعث. وحصرت قريش النبيَّ ﷺ وأهل بيته بني هاشم، ومعهم بنو المطَّلب في الشِّعب بعد المبعث بستِّ سنين. فمكثوا في ذلك الجدار ثلاث سنين، وخرجوا منه في أول سنة خمسين من عام الفيل. وتوفي أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وتوفيت خديجة بعده بثلاثة أيام. وروى مَعمرٌ عن عن الزُّهريّ عن سعيد بن المُسيَّب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ ، وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: يا عمِّ قل لا إله إلا الله، كلمة أحاجُّ لك بها عند الله. فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة: يا أبا طالب، أترغب عن ملة المطلب؟ فقال النبي ﵇: لأستغفِرَنَّ لك ما لم أُنهَ عتك. فنزلت:) ما كان للنبيِّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى (. إلى آخر الآية. ونزلت) إنك لا تهدي مَن أحببتَ ولكنَّ الله يهدي من يشاء (.
وقال مسدَّد بن مُسَرهد في مسنده: حدَّثنا سفيان قال: حدثني أبو إسحاق عن يحيى بن ناجية بن كعب، عن عليٍّ ﵁ قال: قلتُ للنبيِّ صلى
стр. 522
الله عليه وسلم: إنَّ عمَّك الشيخ الضالَّ قد مات فمن يُواريه؟ قال: " اذهب فوارِ أباك، ثم لا تُحدِثنَّ حدثا حتى تأتيني ". فذهبت فواريته ثم جئته فأمرني فاغتسلت ودعا لي. مسلم عن عبد الله بن الحارث قال: سمعت العباس يقول: قلت: يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل ينفعه ذلك؟ قال: " نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضَحضَاح ". مسلم عن أبي سعيد الخدريِّ أن رسول الله ﷺ ذُكر عند عمُّه أبو طالب فقال: " لعلَّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضَحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه ". مسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه ".
ولما توفي أبو طالب وتوفيت خديجة بعده بأيام يسيرة خرج رسول الله ﷺ إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة، وطلب منهم المنعَة، فأقام عندهم شهرا، ولم يجد فيهم خيرا. ثم رجع إلى مكة في جوار المُطعِم بن عديّ. قيل: كان ذلك سنة إحدى وخمسين من الفيل. وفيها قَدِمَ عليه جنٌّ نصيبينَ بعد ثلاثة أشهر فأسلموا.
وأُسري برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس بعد سنة ونصف من حين رجوعه إلى مكة من الطائف، كذا في " الإستيعاب ". وقيل: إن الإسراء كان قبل موت أبي طالب وخديجة قال ابن إسحاق وغيره. ودخل ﷺ المدينة مُهاجرا يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ونزل على أبي قيس كلثوم بن الهِدْم بن امرئ القيس أحد بني عمرو ابن عوف، فأقام عنده أربعة أيام، وخرج من بني عمرو بن عوف منتقلا إلى المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلاَّها في بطن الوادي، ثم احتل المدينة فنزل على أبي أيوب خالد بن زيد بن كُليب الأنصاريّ النجاري، فلم يزل عنده حتى بُني مسجده ومساكنه، ثم انتقل إليها، وذلك في السنة الأولى من هجرته. وقيل: إنه نزل في بني عمرو بن عوف من يوم الاثنين إلى يوم الجمعة، ثم خرج من عندهم غداة يوم الجمعة على راحلته معه الناس حتى مرّ ببني سالم بن عوف
стр. 523
لوقت الجمعة، فجمع بهم. وهي أول جمعة جمعها رسول الله ﷺ بالمدينة. وكانت خطبته في هذه الجمعة الخطبة التي ذكرها الطبريُّ في تاريخه الكبير. الطبريُّ: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: نا ابن وهب قال " حدثني سعيد بن عبد الرحمن الجُمحيُّ أنه بلغه أن خطبة رسول الله ﷺ في أول جمعة صلاّها بالمدينة في بني سالم بن عوف: " الحمد لله أحمَدهُ وأستعينُهُ، وأستغفره وأستهديه وأؤمن به ولا أكفُرُه، وأشهد أن لا إلى إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرًُسل وقِلَّة من العلم وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوِّ الساعة، وقُرب الأجل. مَن يُطِع الله ورسوله فقد رَشَد، ومَن يَعصِهِما فقد غوى وفرط وضلَّ ضلالا بعيدا. أوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلمُ المسلمَ أن يحضَّه على الآخرة، أو أن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرا. وإن تقوى الله لِمَن عَمِل به على وجل ومخافة من ربِّه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة. ومَن يُصلح بينه وبين الله من أمره في السِّر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكُن له ذِكراً في عاجل أمره، وذُخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدَّم وما كان من سوى ذلك، يَودُّ أن لو بينه وبينه أمدا بعيدا. ويُحذِّركم الله نفسه، والله رؤوف بالعباد، والذي صَدَقَ قَولُه ونَجَز وعدَهُ، ولا خُلْفَ لذلك فإنه يقول : ما يُبَدَّل القول لديَّ وما أنا بظلاَّم للعبيد، فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السِّر والعلانية، فإن من يتَّق الله يُكَفِّر عنه سيئاته، ويُعْظِم له أجرا. ومن يَتَّق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإنَّ تقوى الله يوقي مَقْتَه، ويؤمن عقوبته ويوقي سخطَه، وإنَّ تقوى الله يُبيِّض الوجوه، ويُرضي الربَّ، ويرفعه الدرجة. خُذوا بِحظِّكم ولا تُفرطوا في جنب الله فقد علمكم الله كتابه ونَهَجَ لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداءه، وجاهدوا في سبيل الله حقَّ جهاده، هو اجتباكم وسمَّاكم المسلمين من قَبلْ ليَهلِك من هَلَكَ عن بيِّنة ويَحيَا من حَي عن بيِّنة، ولا قوة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله، واعملوا لِما بعد اليوم، فإنه من يُصلح ما بينه وبين الله يكفيه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأنَّ الله
стр. 524
يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه. الله أكبر ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم ".
ثم ركب رسول الله ﷺ لمَّا صلى الجمعة لا يحرِّك راحلة، يقول: " دعوها فإنها مأمورة ". فمشت حتى بركت في موضع مسجده الذي أنزله الله به في بني النجار، وكان مربدا لغلامين يتيمين من بني النجار " سهل وسهيل " ابني عمرو، وكانا في حجر معاذ بن عفراْ. فنزل عشية الجمعة، ومن مقدمته المدينة أرِّخ التاريخ في زمن عمر ﵁.
ولم يغز رسول الله رسول الله ﷺ في تلك السنة، وآخى بين المهاجرين والأنصار بعد ذلك بخمسة أشهر. وبعث حمزة عمَّه في جمادى الأولى في السنة الثانية، فكان أول من غزا النبي في سبيل الله، وأول من عقدت له راية في الإسلام. خرج في ثلاثين راكبا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، إلى سيف البحر، فلقوا أبا جهل بن هشام في ثلاثمائة من قريش، فحجز بينهم مجدُّي بن عمرو، وكان موادعاً للفريقين. ثمَّ بعث عبيدة بن الحارث بن عبد المطلِّب ابن عبد مناف في خمسين راكبا، يعارض عيرا لقريش، فلقوا جمعا كثيرا، فتراموا بالنَّبل، ولم تكن بينهم مسايفة. ثم بعث عبد الله بن جحش في سنة اثنتين إلى نخلة في آخر جمادى الآخرة، وفيها قتل ابن الحضرمي عمرو لليلة بقيت من جمادى الآخرة.
وفي السنة الثانية من الهجرة صرف الله تعالى ذكره قبلة المسلمين من الشام إلى الكعبة في شعبان. الطبري: حدّثنا ابن حُمَيد قال: نا سَلَمَةُ عن ابن إسحاق قال: صُرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله ﷺ المدينة. وحُدِّثتُ عن ابن سعد عن الواقديِّ مثل ذلك، وقال: صُرفت القبلة في الظُّهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان.
قال الطبري: وفي هذه السنة فُرض، فيما ذُكِر، صوم شهر رمضان، قيل: إنه فُرض في شعبان منها. وفيها، أُمِر الناس بإخراج زكاة الفطر. وقيل: أن النبي ﷺ خطب الناس قبل افطر بيوم أو يومين، وأمرهم بذلك. وفيها، فيما ذُكر، حُمِلَت العنزة له إلى المُصلَّى، فصلى إليها وكانت للزبير ابن العوَّام،
стр. 525
كان النجاشيُّ وهبها له، فكانت تُحمل بين يديه في الأعياد، وهي اليوم، فيما بَلَغَني عند المؤذِّنين.
وكانت بعوثه وسراياه خمسا وثلاثين بين بعث وسَريَّة. وكانت غزواته بنفسه ﷺ ستا وعشرين غزوة. هذا أكثر ما قيل في ذلك. وكانت أشرف غزواته وأعظمها حرمة عند الله وعند رسوله والمسلمين غزوة بدر الكبرى، حيث قتل الله صناديد قريش، وأظهر دينه من يومئذ. وكانت بدر في السنة الثانية من الهجرة لسبع عشرة من رمضان، وليس يعدلها في الفضل إلا غزوة الحُديبية، حيث كانت بيعة الرِّضوان. وكان أمر بني قُينَقاع وقَتْلُ كعب بن الأشرف بين بدر ولأُحُد. وكانت غزوة أحد في النصف من شوال سنة ثلاث يوم السبت. وغزوة بني النَّضير في ربيع الأول أول السنة الرابعة من الهجرة. وغزوة ذات الرِّقاع في جمادى الأولى من هذه السنة، وفيها كانت صلاة الخوف. وغزوة الخندق في شوَّال من السنة الخامسة. وغزوة بني قُريظة. وقتلُ أبي رافع سَلاَّم بن أُبَي الحقيق اليهودي بعد أمر قريظة. وغزوة بني لِحيَان من هُذيل في جُمادى الأولى من السنة السادسة. وغزوة قَرَدٍ بعدها بِليال قلائل. وغزوة بني المُصطَلِق في شعبان من هذه السنة، وفيها كان حديث الإفك، وفيها قال عبد الله بن أُبَي: لئِن رجعنا إلى المدينة ليُخرَجَنَّ الأعَزُّ منها الأذلُّ. وعمرة الحديبية في ذي القعدة من هذه السنة. وغزوة خيبر في آخر المحرَّم، ولم يبق من السنة السادسة إلا شهر وأيام. وعمرة القضاء، ويقال لها أيضا عمرة القِصاص في ذي القعدة من السنة السابعة، وفيها تزوج ميمونة بنت الحارث. وكان بَعثُ مُؤتَة في جُمادى الآخرة من سنة ثمان، وأمَّر على الجيش زيد ابن حارثة مولاه. وقال: " إن أُصيب فعلى الناس جعفر بن أبي طالب، فإن قُتِل فعبد الله بن رواحة ". فقُتِلوا جميعا ﵃. وغزوة فتح مكة سنة ثمان في شهر رمضان لعشرين بقين منه. وكانت غزوة حُنَين للوقيعة بهوازن في أول شوال من السنة الثامنة، وشهدها في اثني عشر ألفا من المسلمين؛ عشرة آلاف دخل بهم مكة، وألفين من مُسلمة الفتح. وكانت هوازن في أربعين ألفا قائدهم مالك بن عوف النَّصريُّ من بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن. وكانت غزوة الطائف إثر غزوة حُنين.
стр. 526
وأقام الحجَّ للناس في سنة ثمان عُتَّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية: وهو أول أمير أقام الحجُّ في الإسلام. وحجَّ المشركون على مشاعرهم، وكان عتاب شابا خيِّرا فاضلا ورعا. وآخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ غزوة تبوك غزاها في الحرّ الشديد. وفيها افتُخح المنافقون واعتذروا، فلم يقبل الله عذرهم، وتاب الله فيها على الثلاثة الذين خُلِّفوا؛ وهم: كعب بن مالك السَّلميُّ الخزرجيُّ من بني سَلَمَة بن سعد، وهلال بن أميَّة الواقفيُّ الأوسيُّ، ومُرارة بن الربيع العَمريُّ من بني عمرو بن عوف الأوسي ﵃. وكانت غزوة تبوك في رجب سنة تسع.
وفي سنة تسع حجَّ أبو بكر الصدّيق بالناس، وأنزلت سورة براءة بعد ما سار أبو بكر فبعث النبيُّ ﵇ عليّا ﵁ في إثره، فقرأها على الناس في تلك الحجَّة، وأعطى لكلِّ ذي عهد عهده إلى مُدَّته.
أزواجه ﷺ
وتزوج الرسول الله ﷺ عدداً كثيراً من النساء، خص بذلك دون أمه بجمع أكثر من أربع، وأحل له منهن ما شاء. فالمجتمع عليه من زوجه إحدى عشرة امرأة. وهن: خديجةُ بنتُ خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصيِّ بن كلاب بن مُرّة ابن كعب بن لؤي. وأُمُّها فاطمة بنت زائدة بن الأصمِّ. والأصمِّ اسم جُندَب ابن رواحة بن حَجَر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي. وكانت خديجة أبي هالة زُرارة بن تَبَّاش بن عَدي بن حبيب بن صُرَد بن سلامة بن جروة بت أسيَّد بن عمرو بن تميم التميميُّ. فولدت له هند بن أبي هالة، وهالة بن أبي هالة، وقد تقدَّم ذكرها في بني تميم. ثم خلف عليها بعد أبي هالة عتيق بن عائذ ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم. ثم خَلَفَ عليها بعد عتيق المخزومي رسول الله
стр. 527
صلى الله عليه وسلم. ولم يَنكِح عليها امرأة حتى ماتت، وربَّى ابنها هنداً وهالة. وكان هند يقول أنا أكرم الناس أبا وأما وأخا وأختا، أبي رسول الله، وأمي خديجة، وأختي فاطمة، وأخي القاسم.
وخديجة أول مؤمن بالله من الرجال والنساء، قال الزهريُّ وقتادة وابن إسحاق. وروى هشام بن عروة عن أبيه قال: أوّل من آمن بالنبيِّ ﵇ من الرجال والنساء خديجة بنت خويلد ﵂. وكانت للنبيِّ ﷺ وزير صدق عندما بُعث فكان لا يسمع من المشركين شيئا يكرهه من ردٍّ عليه وتكذيب له، إلاَّ فرَّج الله بها عنه، تثبِّته وتُصدِّقه وتُخفِّف عنه وتُهوِّن عليه ما يلقى من قومه. واختارها الله لنبيه ﷺ لما أراد بها من كرامته. وروي من وجوه صحاح أن النبيّض ﷺ قال: " يا خديجة هذا جبريل يُقرئك من ربك السلام ". فقالت خديجة: الله السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام. وبشَّرها رسول الله ﷺ عن الله ببيت من قصب لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب. والقصبُ: اللؤلؤ المجوَّف، قاله ابن هشام. وقال النبيُّ ﷺ : " خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وابنة مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد "، روى هذا الحديث أبو هريرة، وروى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: ما غرتُ على امرأة ما غرتُ على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، ولكنَّ ذلك لكثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها، وإن كان ليذبح الشاة فيتتبَّع به صدائق خديجة يُهديها لهنَّ. وروى الشعبيُّ عن مسروق عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكرها فيُحسن الثناء عليها. فذكرها يوم من الأيام فأدركتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزا؟ فقد أبدلك الله خيرا منها، فغضِبَ حتّى اهتزَّ مُقدَّمُ شعره من الغضب، ثم قال: " لا والله ما أبدلني خيرا منها؛ آمنت إذ كفر الناس، وصدقتني وكذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولادا إذ حرمني أولاد النساء ". قالت عائشة: فقلتُ في نفسي: لا أذكرها بسُبَّة أبدا.
стр. 528
وولده ﵇ كلُّهم من خديجة إلا إبراهيم، فإنه من مارية القِبطيَّة. ولدت له أربع بنات لا خلاف في ذلك، وأكبرهنَّ زينب بلا خلاف ورقيَّة وأمُّ كلثوم وفاطمة، رضي الله عن جميعهنَّ. وكُلُّهُنَّ أدركن الإسلام، فأسلمن وهاجرن معه ﷺ .
وولدت له من الذكور القاسم، وبه كان يُكنى، والطاهر والطيِّب، كذا قال ابن إسحاق. وقال مصعب الزُّبيريُّ: ولد لرسول الله ﷺ القاسم، وبه كان يُكنى، وعبد الله وهو الطيِّب، والطاهر لأنه وُلِدَ بعد الوحي.
وتوفيت خديجة وهي بنت خمس وستين سنة في شهر رمضان، ودُفِنت بالحَجُون، ذكر ذلك محمد بن عمر الواقديُّ وغيره. ولم تمت خديجة ﵂ إلا بعد الإسراء، وبعد أن صلت الفريضة مع رسول الله ﷺ .
ثم سَودة بنتُ زَمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودِّ بن نصر بن مالك ابن حِسْل بن عامر بن لؤي. وأمُّها الشَّموس بنت قيس بن زيد بن عمرو بن لبيد من بني عديِّ بن النجَّار. وزيدُ جدُّ الشَّموس أخو سلمى بنت عمرو أمِّ عبد المطلب. وكانت قبل رسول الله ﷺ عند السَّكران بن عمرو أخي سُهيل بن عمرو، فخلف عليها بعده، تزوَّجها في قول الزّهريُّ قبل عائشة بمكة في سنة عشر من النبوّة. ولمَّا أسنَّت أراد رسول الله ﷺ طلاقها. فقالت له: لا تُطلِّقني، وأنت في حِلٍّ من شأني، فإنما أُريد أن أُحشر في أزواجك، وإني قد وهبتُ يومي لعائشة، وإني لا أريد ما يريد النساء. فأمسكها رسول الله ﷺ حتى توفي عنها مع سائر من توفي منهنَّ من أزواجه.
وروى عروة بن الزبير عن عائشة قالت: ما من الناس أحبُّ إليَّ أن أكون في مِسلاخه من سودة بنت زمعة إلا أن بها حِدَّة. قال ابن أبي
стр. 529
خيثمة: توُفِّيَت سودة بنت زمعة في آخر خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق، وأمُّها وأمُّ شقيقها عبد الرحمن أمُّ رومان، يقال بفتح الراء وضمِّها. واسمها زينب بنت عبد دهمان من بني فراس بن غَنِم ابن مالك بن كنانة، كذا قال ابن هشام في نسبها. وتُوفِّيَت أمُّ رومان سنة ستٍّ من الهجرة في ذي الحجة، قاله الواقديُّ. فنزل النبيُّ ﵇ في قبرها، واستغفر لها وقال: " اللهمَّ لم يخف عليك ما لقيت أمَّ رومان فيك وفي رسولك ". وروي عنه ﵇ أنه قال: " مَن سرَّه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أمِّ رومان ". وكانت قبل أبي بكر قبل الإسلام، فولدت له الطُّفيل. ثم توفي عن أمِّ رومان ثم خلف عليها أبو بكر بعده. فالطفيل أخو عائشة وعبد الرحمن لأمهما.
ولم يتزوج رسول الله ﷺ بكرا غير عائشة. وكان ﷺ قد أُري عائشة في المنام في سَرَقةٍ من حرير متوفَّى خديجة. فقال: " إن يكن هذا من عند الله يُمضِه ". فتزوجها في شوَّال على ما ذكر الزبير بن بكار قبل الهجرة بثلاث سنين، وأعرس بها بالمدينة في شوال. وكانت تُحبُّ أن يدخل النِّساء من أهلها في شوَّال على أزواجهنَّ.
وقال الطبري: حدثنا ابن وكيع قال: نا عن إسماعيل بن أميَّة، عن عبد الله بن عروة، وعن عروة، عن عائشة قالت: " تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبَنى بها في شوَّال. فأيُّ نساء رسول الله ﷺ كانت أحظى عنده مني؟ ". وكانت عائشة تستحب أن تُدخِل نساءها في شوال. وقيل: إن رسول الله ﷺ بنى بها في شوال يوم الأربعاء في منزل أبي بكر بالسُّنح. وتُفي عنها ﷺ وهي بنت ثمان عشرة، وكان مكثُها معها تسع سنين. وروت عن رسول الله ﷺ حديثا كثيرا. وكان مسروق إذا حدَّثت عن عائشة يقول: حدَّثتني الصادقة ابنة الصِّديق والبريئة المبرَّأة بكذا وكذا.
стр. 530
وقال عمرو بن العاصي: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال " عائشة ". قلت: فمن الرجال؟ قال " أبوها ". رواه أبو عثمان النَّهديُّ عن عمرو بن العاصي. وقال ﵇: " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام "، رواه أبو موسى الأشعريُّ وأنس. وقال لها رسول الله ﷺ : " هذا جبريل يقرأ عليكِ السلام ". قالت: وعليه السلام ورحمة الله، ترى ما لا أرى! تريد رسول الله ﷺ . وقال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا في العامة. وقال عروة بن الزبير: ما رأيت أحد أعلم بفقه ولا بطبٍّ ولا بشعر من عائشة. وقال الزهريُّ: لو جُمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي ﷺ وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. ونزل صدر سورة النور ببراءتها حين قالوا فيها أهل الإفك ما قالوا، فإنه يُتلى إلى يوم القيامة لكرامتها على الله. وفيها يقول حسان بن ثابت:
حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ برِيبةٍ ... وتصبح غَرثى من لحوم الغَوافِل
عَقيلةُ أصلٍ من لؤيِّ بن غالبٍ ... كرامِ المساعي مجدُهم غيرُ زائلِ
مُهذَّبةٌ قد طيَّب اللهُ خِيمَها ... وطهَّرها من كلِّ بَغْيٍ وباطلِ
وفضائلها ﵂ أكثر من أن تُحصى. وتوفيت سنة ثمان وخمسين للهجرة في آخر خلافة معاوية، وقد قاربت السبعين، وذلك ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان. وأمرت أن تُدفن ليلا، فدُفنت بعد الوتر بالبقيع. وصلى
следующие страницы →