← Ансаб

Ансаб · id 26484

الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة

محمد البري

Полный текст (811 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف ... وتكادُ أن تقترف ما يُردها من المآثم لما ترى من إباحة العقل المحظور فيه ليلا ونهارا، وُمعاطاة ... في الدُّور في السواق جهازا. فجمعت جزءا كبير النفع، صغير الجرم. وعلمت أن ... ما كنتم ... العلم يبوء كاتمة بموبقات الإثم، لقول سيدنا محمد ﷺ المصطفى المختار: " مَن بَخل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بيوم القيامة بلجام من نار. وما ينفع من العلم لا يحلُّ منعهُ. وما كلُّ علم ينبغي ... يحب ظهوره وجمعه ". وتمَّ الجزء بِمَنُورْقَةَ وكمل، وبه طالبه ابتهج وعليه اشتمل ... لنفسي، ليكثر بها في وحشة الأسر أنسى. والزمت نفسي حمد الله وشكره، " ورفعتُ " بجلاله ذكره، على ما يسَّر فيه من ذكر مناقب أحرزها خيرته من عباده الصَّفوة.... فيما يرضي بها والقدوة، المظهرون دينه بنفوس بذلت جهدها في جهد أعدائه " المفضَّلين " في أرضه وسمائه ولم أقدر على تفصُّح ما ألَّفتُ لأصلح ما وقع فيه م غلظ " لما كان " يشغلني عنه في الأسر من ذل وامتحان، فلوا أتيت فيه خطابة قُسًّ وبيان " ... " بن صُوحان لأخرس رعبه عن وضع كلمة مع أخرى لساني وأحال عن.... فلمَّا منَّ الله تعالى بفكِّ أسرى من يد العدوِّ، وصرت بعد الخوف " بهُدوٍّ " على يدي رئيس قرشيٍّ همام، أكرم به للمآثر من إمام، يحكمُ بالعدل ... يقظان للحقِّ " ... " غير نائم، ولا يخاف في الله لائم، وهو النَّقابُ الحبر.... أبو عثمان سعيد بن الوزير الأجَلِّ، الأروع، الأزهد، الأتقى، المقدس، المرحوم،.... عمر بن حكم، حرس الله به " مَنُرْقةَ " وحماها، وضاعف ببركته فيها الخيرات وأنماها، " بِرّاً ". ظاهرا ونور عدله في آفاقها زاهرا: " هو " الهُمامُ الأوحدُ الأسعدُ ... سعيدٌ الزاكي العُلا الأمجدُ " ليس " له في مَجْدِه مُشْبِهٌ ... إذْ طابَ منه الفرعُ والمحتِدُ

стр. 2

" يؤمُّهُ خيرُ الورى منهمُ ... خيرُ الهُداةِ المُجتَبَي أحمدُ " لا " كأبي عثمانَ في مَنْسَبٍ ... به أحاطَ الفخرُ والسؤدَدُ " سامٍ " رشيدُ القولِ ذو هِمَّةٍ ... على السَّماكينِ لها مَقْعَدُ في يدِهِ اليُمنى مَنالُ المُنَى ... وفي اليسار واليُسْرُ والأَسعُدُ لقد خلا المأمونُ من حاسدٍ ... ومثلُهُ في فضلهِ يُحسَدُ " صحَّحتُ " مختبرا، ما علقت لنفسي منه، فوجدت فيه مواضع للنَّقد غير محكمة....، إذ متن غذ ذاك ربَّ خاطر مُقسَّم، حالف الخبال، وعقل عقل فأفسد الخيال.... عدوانه، ولا أفهم ما نقما.... .... بهيمة غررا، واتَّسقت آيات أخباره، سورا. وزدت فيها زيادات حبَّرته، وللناظر كالرَّوض أظهرته. فجاء بها رائق المعاني، محكم الرَّصف والماني، إذا تصفَّحه الأريب اللَّحن اتخذه " قريرا "، وان له على فتح ما استغلق من نسب عدنانيٍّ ظهيرا، إذ جمع ما كان في جاهلية وإسلام.... عن هداة أعلام، من عبد المطلب أبي حارث حامل لواء الفخر، شيبة " الحمد ذي " السُّؤدد والمجد، أعظم بعبد المطلب الذي أوتي ذكرانا وإناثنا، طاب خيمهم " في " المشارق والمغارب، المبارك زرعهم، ورفع في العالم العُلويِّ والسُّفليِّ ذكرهم.... إلى الله بإذنه الشاهد، البشير، النذير. وذكرت أمهات رسول الله صلى الله عليه " وسلم ".... النَّجار عن السَّفاح، من عبد الله أبيه إلى مضر المطهَّر بالإسلام، المبقى بعد ... الدائمة والأحلام. وذكرت من ولد من آبائه وإخوتهم قبائل اشتركوا معه.... منه بالقرابة والسَّبب. ففيهم هداة من الصحابة مشهورون، ونجباء في " الجاهلية " مذكرون، لا يجهل قدرهم، ولا يغيض فخرهم، ذكرا شافيا، قطع فيه أل.... الإعراض. فالمعرض عنه شُعوبيٌّ يبغض العرب لشقائه، والله معرض عنه يوم.... منه بعون

стр. 3

الله المراد، وتسَّير عرفانه المستجاد، وحسن تلاوة فعندئذ سما.... أن أهديه إلى جلال الرئيس السيد، الهمام، الأوحد، الأمجد، أبي عثمان المذكور.... وأدام لنصر الدين الحنيفيِّ أيامه الذي جَلَّى أجياد العلم بعدما ألفت العرور كلِّ مجعجع وبطل. من بذَّ الملوك عدله وسماحه، وجلَّ في مرضاته..... خيرُ مليكٍ مَلكَ المكْرُماتْ ... كما زَكا نفساً وقدراً و " ذاتْ " أعرقَ في المجدِ لهُ مَحتِدٌ ... سَمتْ مَعاليهِ على النيِّراتْ أعظِمْ به من قُرشيٍ رِضىٍ ... له كما لاحتْ ذُكاءٌ " هباتْ " ربَّ ذَكاءٍ كم جَلا مُشْكلاً ... وكم به أوضحَ مِن " مُبْهماتْ " وذو يمينٍ عزُّها قائمٌ ... إذْ شأنُها المحمودُ بذلُ " الصَّلاتْ " في لَثْمِها العَوزُ بنَيلِ المُنَى ... والعملُ الهادي إلى " الصَّالحاتْ " أعلى بهِ اللهُ مَثارَ الهُدى ... وَخَّصهُ بالفضل " والمأْثُراتْ " ومحرز المناقب الشريفة والفضائل، المنعم لعفاته بعميم النائل، مربي....، الفائز بالعزَّين من مجد القلم والعامل، والمعرق في المكارم القرشية، المحابي بالمعارف.... مظهر السُّن والفرض، ومن أقرض الله أحسن القرض، ذو العقل السديد............. عنانه، ويبهر بيانه.... وشكره، وعطَّل عنبر الشجر في مجالس الأمراء ذكره. مقامه الكريم مؤهَّل لنشر العلم والقريحة، ملأت أحاديثه الحسنة المطربة الآفاق، حتى استقرَّت في أمِّ القرى. حفظه الله من الغير ووقاه، ولحياطة هذه الجزيرة وفتح أختيها أبقاه، وأورثه أرض العدوَّ بهما وديارهم، ومحا بعواليه النافذة وقواضبه الماضية آجالهم وآثارهم، وأمدَّه بمعنونته ونصره، وأجرى المقادير مطيعة عالي أمره: هوَ الهُمامُ الأمجدُ أبْن الهُمامْ ... عن شِرعةِ الدينِ غَدا خَيرَ حامْ القُرشِيُّ المُجْتَبي للعُلى ... إذ قَومُه الصَّيدُ السَّراةُ الكِرامْ

стр. 4

فخرُهم بالمصطفى أحمدٍ ... المرْسَلِ المختارِ خيرِ الأنامْ مَن قادَ بالمعْجِزِ مِن قَولهِ ... إلى رضى اللهِ ودارِ السلامْ صلَّى عليهِ اللهُ ما أَشرقَتْ ... زُهْرٌ، وما انْهلَّتْ عَزاليُّ الغَمام فأَيُ فخرٍ قد سَما في السَّما ... واتِ العُلى! فَنَيلُهُ لا يُرامْ هذا الذي يُعْزَى سعيدٌ له ... أَعنى الرئيسَ الأوْحَدِيَّ الهُمامْ مَن عَزْمُه أَوضحَ سُبْلَ الهُدَى ... تَمْحَقُ بالنُّورِ دَآدي الظّلامْ بالعدلِ في الحُكمِ بدا مُغْرَماً ... إنْ غَيرُهُ بالجَور أبدى الغَرامْ نورُ التُّقى من قلبهِ مُشرِقٌ ... إذ لم يُدنَّس باكتسابِ الأَثامْ ما رُئيفي الأملاكِ مثْلٌ لهُ ... في كلِّ ما يَفعلْهُ لا يُذامْ على الذي يَرضَى به ربُّه ... له مساءاً وصباحاً مُقامْ ومَجدُه مِن قِدَمٍ راسخٍ ... حيث تَبدَّى زَمزَمٌ والمَقَامْ يَمنْحُ إحساناً ليَبْقَى لهُ ... ذُخراً ليومٍ جلَّ فيهِ القِيامْ يَبْهَرُ أربابَ النُّهى لفظُهُ ... بَعْجِزٍ من نَثرِهِ أو نظامْ أفهامُنا تَنْبو عن إدراكهِ ... عَجزاً، كما يَنْبو الحُسامُ الكَهامُ وخطُّهُ الباهِرُ دَأباً له ... بأَبدعِ الحُسنِ أَشَدُّ التِئامْ

стр. 5

عَدْلٌ رِضيً في الحُكمِ بَرٌّ له ... بطاعةِ اللهِ اَجلٌّ اعتصامْ حَوى سَدادَ الرأيِ في مَوطِنٍ ... بسعدِه أرجاؤه لا تُضامْ للهِ ثَغرٌ حاطَةُ سَعدُهُ ... وجأشُ قلبٍ يَقِظٍ لا يَينامْ يَفْعَلُ في يوم الوغي بأسُه ... أضعافَ ما يَفْغلُ جيشٌ لُهامْ أَرْوعُ يُحْبي الرَّوعَ أعداؤهُ ... وعزمة تَجْلو الخطوبَ العظامْ فدامَ مَحْميَّ الحِمَى ظافراً ... وللعِدى لا زالَ دَأباً سِمامْ ومثله أيده الله من بالقبول وصله، ولاستحسانه والاشتمال كما هو أهله أهَّله. إذ حلَّ عند من علم، مذ نشأ، مقداره وحقَّه. وجعل إلى تشييد معالمه الكريمة تقدُّمه وسبقه، ونشر ما طواه من غلبت شهوات الدنيا على عقله. ولم يشغل نفسه باستماع آي رشده ونقله، فإنه يروق العيون اطَّلاعه، ويستحسن غاية الاستحسان استماعه، ينتفع به الناشئ والشَّادي، ويزدان به النادي، ويقول بفضله الحاضر والبادي، وكيف لا يكون ذلك كذلك وفيه ذكر أبرار، ذكرهم يرضي الرحمن، ويرغم الشيطان؟ بهم قام دين الله وظهر، وانتشر في الآفاق واشتهر، أزكياء عدول، ما لهم عن الحقِّ عدول. فهو بحمد الله تأليف صحَّت من الصحائح آثاره، وطابت بالانتخاب من كتب التواريخ أخباره، وما اطَّلع على ما حواه من فقيه سنِّي لحن، أو عارف أديب، أريب فطن، بان له صحة ما أقول، والحق لا تنكره العقول: للهِ دَرُّ مُنصفٍ الحسدْ! ... فهْوَ مُبيرٌ للأُجورِ والجسدْ والحقُّ خيرُ مَنْهَج يُتَّبعُ ... به الإلهُ الدَّرجاتِ يرفعُ والكذب المكروهُ شَرُّ خَلَّةْ ... تولي الذي بها يَدينُ ذِلَّهْ وهانَ في الناسِ امرؤ كذابُ ... كأنَّهُ ما بيْنَهُم ذُبابُ

стр. 6

وصاحبُ الحقِّ عزيزٌ مُكرَمُ ... في كلِّ نادٍ قَدرُه يُعظَّمُ يا ربَّنا ارْزقْنا لهُ اتِّباعا ... واجعل لنا بفضلهِ انتفاعا وهذا التأليف أهل لخزانة هذا السيَّد الرئيس الأرضي، أعزَّ الله به الدِّين وأعلاه، وخير ما أولي عباده الصالحين أولاه، فإنه رضي اله عنه، جلب إليها من العلوم الينِّية والمعارف التاريخية والأدبية أعلاقا، وفتح منها بتصحيحه وتنقيحه أغلاقا، تعجز عمَّا حوته المدرسة النظامية ببغداد، وتنيل في الدارين المأمول لمن بمعارفها لاذ. ولم أر ملكا سنيا سواه إلى محلِّه يهدي، لمَّا منحه الله السُّلوك على الطريق الأهدى. يدأب ليله ونهاره في سنَّة يحيها، ومكرمة يعليها. ولا يزال بين يديه الكريمتين كتاب علم نافع يصلح خلله، وينشر بالرَّقم الرائق حلله، ويوضح ما أشكل منه بنقده الصحيح، وعرفانه المنتخب الصَّريح. لا يشغله عنه، ﵁، إلا نظر صالح عضد بالاجتهاد لحياطة هذا الثَّغر بأعمِّ الاستعداد، وقاه الله بحمايته وحاطه، وقرن الأمن به وناطه. والحمد لله الذي أنعم بالإيواء إلى العالي الكريم مقامه ونفع صنفنا بالمفيدين من عرفانه وإنعامه. وأبقى الله مقامه محروسا، هامي الجدا نعمة على الأولياء، نقمة على العدى بمنِّه: أياربِّ حُطْ مَغْناهُ بالْحِفظِ والسَّعدِ ... وسوَّغهُ من نُعماكَ أفضلَ ما تُسْدي فما زالَ دأباً في رضاكَ بجدةِّ ... يقومُ مقامَ الصالحينَ أُلي الرُّشدِ ونِلنا به أمناً ويُمناً وأنعُماً بها ... نحنُ يا ذا العرشِ في عيشةٍ رغْدِ وذاك بتوفيقٍ له منكَ قادَه ... إلى ما بهِ تَرضى من الشكرِ والحمدِ وجمعت هذا التأليف، وانتخبته، وانتقيته، وهذَّبته من: موطَّأ مالك،

стр. 7

وصحيحي البخاري ومسلم، ومسند الترمذيِّ وكتاب الشمائل له، وكتاب سنن النسائي، والمنتقي لابن الجارود، وتاريخ الطبري وسنن أبي داود، وكتاب الاستيعاب لابن عبد البر، وكتابي التقصِّي والإنباه له، والسِّير لابن إسحاق، وكتاب الأسامي والكنى لمسلم بن الحجاج، وكتاب رياضة المتعلمين لأبي نعيم الأصبهاني، وكتاب الشريعة للآجرِّي، وكتاب صفِّين لأبي منذر هشام بن محمد الكلبي وكتاب الأمثال له، وطبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب النوادر لأبي علي البغدادي، وكتاب العقد لابن عبد ربه، وكتاب منتخب نقائض جرير والفرزدق للنَّجيرمي، وكتاب أشعار الهذليين. وسميته كتاب " الجوهرة في نسب النبي ﷺ وأصحابه العشرة " ووشَّحته بتنبيهات على رجال الحديث، وتعريف بهم من غير لبس ولا إشكال، ومعرَّى بالبحث عن إغفال، فجلَّ جمعه، وبورك وضعه، ونظم متفرقا من الأخبار والآثار، محررة من التطويل والإكثار. والله يجعله ابتغاء وجهه الكريم، وينفع به يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. وقد آن أن أشرع في سياق النسب الكريم؛ نسب خاتم الأنبياء فإنه سابق إلى الفضل العميم، والمشرع الرَّواء، ثم اتبعه بعد نسب الصحابة العشرة الكرام الأبرار، المسمَّين للجنة، المصطفين الأخيار. ومن الله أسأل الإعانة على ما فيه شرعت، بعد ما ألفت مفترقة وجمعت، فإنه المعين الولَِي الكفيل، وه حسبي ونعم الوكيل. يا ربِّ يسِّر عليَّ فيه ... بالمصطفى أحمدَ الوجيهِ خَيرِ الأنامِ الرشيدِ قولاً ... أَعجزَ لُدَّاً بلا شبيهِ بدأتهُ في أجلِّ شهرٍ ... يُسدِي أجوراً لصائميهِ فمَن تَلا منه في نَدِيِّ ... جلَّ به عندَ سامعيهِ ونالَ حسنَ الثوابِ بَرٌّ ... لرفعةِ الذكرِ يَقْتنيهِ

стр. 8

أحببْ بما حازَ من بَيانٍ ... وما منَ الحُكم حلَّ فيهِ فانظرْ إليهِ بعينِ عزٍّ ... واشْدُدْ عليهِ يَدَيْ نَبيهِ وكُن به يا أخي ضَنينا ... خوف ضياعٍ على سَفيهِ وقلت أيضا ناظما لما تضمَّنه هذا الكتاب: هذا كتابٌ فيه آثارُ ... أَسندَها بالنَّقْلِ أَخبارُ صحَّتْ عن المختارِ مُختارةً ... وكلُّ ما يحويهِ مُختارُ وفيهِ أخبارٌ زَكا خُبْرُها ... ما شانَها في السَّردِ إكثارُ جمعتُها من كتُبٍ جَمَّةٍ ... فهْيَ لدى السُّدفةِ أنوارُ تُحْيي قلوباً بعد موتٍ كما ... تُحْيي مواتَ الأرضِ أمطارُ يا قارئاً فيهِ اسألِ اللهَ لي ... مَغفرةً، فاللهُ غَفَّارُ واجعلْهُ إنْ مُلِّكتهُ مانعاً ... عنكَ إذا بُرِّزت النارُ

стр. 9

ذكر نسب رسول الله ﷺ للآباء الكرام، أولي المكارم والمأثرات، والأمهات العقائل المحصنات. وذكر من اشترك معه النسب من القبائل، وذكر البطون منهم والأفخاذ والفصائل، وذكر من آمن به، وصحبهم من أبنائهم السّعداء، ومن اشتهر منهم بإيمان أو منقبة في الجاهلية الجهلاء، وذكر من قتله منهم على استهزائه وكفره في غزوات أيَّده الله فيها بنصره. محمد رسول الله ﷺ ، ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النَّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدِّ بن عدنان. إلى هنا هو النسب الصحيح الذي لا اختلاف فيه بين العلماء بالأنساب. وإلى عدنان كان يعدُّ رسول الله ﷺ . روى ابن الكلبيِّ عن ابن صالح عن ابن عباس، قال: كان البنيُّ ﵇، إذا انتهى في النسب إلى عدنان أمسك، ثم يقول: " كذب النسابون ".. وقالت عائشة ﵂: " ما وجدنا من يعرف ما وراء عدنان ولا ما وراء قحطان إلا تخرُّصا ". وقال عمر بن الخطاب ﵁: " إنما ننتسب إلى عدنان، وما بعد ذلك لا أدري ما هو ". وقال ابن جريح عن القاسم بن أبي بزَّة عن عكرمة: " أضلَّت نزار نسبتها من عدنان ". ابن جريح هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح. وجريح مولى لآل خالد ابن أسيد بن أبي العيص بن أمَّية. وولد ابن جريح سنة ثمانين عام الجحاف؛ سيل كان مكة، ومات سنة خمسين ومئة. وكان ثقة عدلا، روى عنه الأئمة.

стр. 10

والقاسم بن أبي بزَّة نسب إلى جده. واسم أبيه نافع، وجده أبو برة اسمه يسار. والقاسم هو جدُّ البزِّي القارئ الآخذ القراءة بإسناد عن ابن كثير أحد القراء السبعة. واسم البزِّي: أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن بزِّة، ويكنى البزَِّي: أبا الحسن. وتوفي بمكة بعد سنة أربعين ومئتين. وكان مقرئ أهل مكة ومؤذنهم. وجده أبو بزِّة يسار الذي يعرف به البزِّي هو مولى عبد الله ابن السائب بن صيفي. أسلم على يديه فارسي من همذان. والسائب، أبو مولاه: هو السائب بن أبي السائب المخزوميِّ، وهو شريك رسول الله ﷺ . واسم أبي السائب: صيفي بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وقال محمد بن أحمد بن حميد القرشي العدوي: لا أعلم أحد من الشعراء بلغ في شعره عدنان إلا لبيد بن ربيعة وعباس بن مرداس السلمَّي. قال لبيد: فإنْ لم تجدْ من دونِ عدنانَ والداً ... ودون مَعَدٍّ فلتَرُعْكَ القبائلُ وقال عباس بن مرداس: وعَكُّ بنُ عدنانَ الذين تَلعَّبوا ... بغسَّانَ حتَّى " طُرِّدُوا " كلَّ مَطْرَدِ وقال أبو الأسود يتيم عروة: " سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وكان أعلم قريش بأشعارهم وأنسابهم، يقول: ما وجدنا يعلم ما وراء معدِّ ابن عدنان في شعر شاعر ولا علم عالم ". وروى ابن لهيعة عن أبي الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يقول: " ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء معدِّ بن عدنان ". ابن لهيعة: اسمه عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن لهيعة الحضرمُّي، ويكنى، أبا عبد الرحمن، وكان ضعيفا في الحديث. ومات بمصر سنة أربع وسبعين ومئة. واسم أبي الأسود يتيم عروة: محمد بن عبد الرحمن بن الأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد القرشي الأسدي. وقيل له يتيم عروة لأنه كان في حجره. لمالك عنه أربعة أحاديث مسندة، وهو من شيوخه. وجدُّه الأسود بن نوفل بن خويلد، كان من مهاجرة الحبشة، وأمه فُرَيعَة بنت عليِّ بن نوفل بن عبد مناف بن قصيٍّ.

стр. 11

ونوفل بن خويلد بن أسد: هو ابن العدويِّة؛ عديِّ خزاعة. وهو الذي قرن أبا بكر الصدِّيق وطلحة بن عبيد الله، حين أسلما، في حبل، فكانا يسمَّيان " القرينين " لذلك. وكان من شياطين قريش، قتله علي بن أبي طالب يوم بدر. قال هذا ابن إسحاق في السيرة. وقال ابن قتيبة في كتاب " المعارف " له: " كان لطلحة بن عبيد الله أخوان: عثمان بن عبيد الله ومالك بن عبيد الله. فأما عثمان فكان له قدر في الجاهلية. وأدرك الإسلام، فأخذ طلحة وأبا بكر، فقرنهما بحبل، ولذلك سمِّيا القرينين ". وقال بعض الزبيريين في رجل من ولد طلحة، ولده أبو بكر: يا طَلْحَ يابْنَ القَرينينِ اللذين هُما ... معَ النبيِّ أذَلاً كلِّ جَبَّارِ هذا المسمَّى بفعل الخير نافلةً ... دونَ الأنام وهذا صاحبُ الغارِ وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب الصحابة: " عثمان بن عبيد الله أخو طلحة بن عبيد الله، أسلم وهاجر وصحب النبيِّ ﷺ ، ولا أحفظ له رواية ". وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة الذي روى عنه أبو الأسود يتيم عروة، روى عنه ابن الشهاب الزُّهري في الموطأ ما نصُّه: " مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة أن عمر بن الخطاب فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح، وأنَّ عمر بن الخطاب غدا إلى السوق، ومسكن سليمان بين المسجد والسوق، فمر على " الشِّفاء " أمِّ سليمان، فقال لها: لم أر سليمان في الصبح! فقالت: إنه بات يصلِّي، فغلبته عيناه. فقال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح في الجماعة أحبُّ إليَّ من أن أقوم ليلة ". وأبوه سليمان بن أبي حثمة: هاجر صغيرا مع أمه " الشِّفاء ". وكان من فضلاء المسلمين وصالحيهم. استعمله عمر على السوق، وجمع عليه وعلى أبيَّ بن كعب الناس ليصلِّيا بهم في شهر رمضان. والحديث بذلك في الموطأ، وهو معدود

стр. 12

في كبار التابعين. وأبو حثمة ممن اشتهر بكنيته، وهو أبو حثمة بن حذيفة بن غانم بن عبد الله بن عويج بن عديِّ بن كعب بن لؤي القرشي العدوي، زوج الشِّفام أمِّ سليمان ابنه، وأخو أبي جهم بن حذيفة صاحب " الخميصة "، وحديثها مشهور. " أسلم عام الفتح "، وكذلك من جلَّة مشيخة قريش، عالما بالنسب، وعُمرِّ.... قتل يوم الحرة.... والشِّفاء هي بنت عبد الله بن عبد شمس بن خالد بن " صداد ". ويقال أن ضرار بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عديِّ بن كعب القرشية العدويَّة من المبايعات. قال احمد بن صالح المصري: " اسمها ليلى، وغلب عليها الشفاء، أمُّها فاطمة بنت أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، أخت حزن بن أبي وهب، جدُّ سعيد بن المسيَّب بن حزن، وأخت هبيرة ابن أبي وهب زوج أمِّ هانئ بنت أبي طالب. وهي بنت خال أبي رسول الله ﷺ . أسلمت الشفاء قبل الهجرة، فهي من المهاجرات الأول. وبايعت النبي ﷺ ، وكانت من عقلاء النساء وفضلائهنَّ. وكان رسول الله ﷺ يأتيها، ويقيل عندها في بيتها. وكانت قد اتخذت له فراشا وإزارا ينام فيه. فلم يزل ذلك عند ولدها حتى أخذه منها مروان. وقال لها رسول الله ﷺ : " علِّمي حفصة رقية النَّملة كما علَّمتها الكتاب ". وأقطعها رسول الله ﷺ بالمدينة دارا، فنزلتها مع ابنها سليمان. وكان عمر يقدمِّها في الرأي، ويرضاها، ويفضِّلها، وربما ولاها شيئا من أمر السوق. روى عنها ابنا ابنها سليمان: أبو بكر وعثمان. قال المؤلف غفر الله له: هذا بحث يفيد معرفة برواة الآثار وعلما، ويزيد من نظر في هذا الشأن نباهة وفهما، بليغا موجزا، جامعا لسبل الخير، محرزا. من

стр. 13

طالعة أهل السنَّة دان به، وتعلَّق بالمتين سببه. والله الولُّي المعين، وبتوفيقه مناهج الرُّشد تبين. وأرجع إلى ما كنت بسبيله. قال أبو العباس محمد بن إبراهيم السرَّاج: حدثنا عبيد الله بن سعد الزُّبيريُّ، قال: نا أحمد بن محمد، قال: سمعت الشافعيَّ يقول: اسم عبد المطلب شيبة بن هاشم، وهاشم اسمه عمرو بن عبد مناف، وعبد مناف اسمه المغيرة بن قصيٍّ، وقصيٌّ اسمه زيد بن كلاب بن مرَّة بن كعب بن لؤي. قال: سمعت الشافعيُّ يقول: أبو طالب اسمه عبد مناف بن عبد المطلب. عبد مناف بن قصي ويكنى أبا عبد شمس، فولد عبد مناف هاشما، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس. وأمُّهم ما عدا نوفلا عاتكة بنت مرَّة بن هلال بن فالح بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة. وأمُّ نوفل وافدة بنت عمرو المازنيَّة، من مازن بن منصور بن عكرمة. فإما هاشم فلم يعقب من ولده غير عبد المطلب. وليس في الأرض هاشميٌّ إلا من ولد عبد المطلب، ويأتي ذكره بعد هذا. وقال شاعر من قريش، أو من بعض العرب يمدح هاشما: عَمرُو الذي هَشَم الثَّريدَ لقومهِ ... قومٍ بمكةَ مُسْنِتينَ عِجافِ سُنَّتْ إليهِ الرِّحلتانِ كلاهُما ... سَفَرُ الشتاءِ ورِحلةُ الأصيافِ وهلك هاشم بغزَّة من أرض الشام تاجرا. والمقدَّم من قريش " بنو هاشم " وهي فصيلة رسول الله ﷺ . وعشيرته الأقربون، وآله الذين تحرم عليهم الصدقة. قال أهل العلم في تأويل قول رسول الله ﷺ : " لا تحلُّ الصدقة لمحمد ولا لآل محمد " قال: هم بنو هاشم؛ آل العباس، وآل أبي طالب، وبنو أبي لهب، وبنو الحارث بن عبد المطلب، وآل عليٍّ، وآل عقيل، وآل جعفر.

стр. 14

وقيل: بنو عبد المطَّلب فصيلته، وبنو هاشم فخذه، وعبد مناف بطنه، وقريش عمارته، وبنو كنانة قبيلته، ومضر شعبه. حدَّث محمد بن وضاَّح قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا محمد بن مصعب، نا الأوزاعيُّ عن أبي عمَّار، عن واثلة قال، قال رسول الله ﷺ : " أن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى من كناية قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ". وقال الأمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاريُّ: نا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقيُّ قال: نا الوليد بن مسلم وشعيب بن إسحاق قالا: نا الأوزاعيُّ قال: نا شدَّاد أبو عمار قال: نا واثلة بن الأسفع قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى هاشما من قريش، واصطفاني من بني هاشم ". قال محمد بن عبد الله بن سنجر: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: نا الحسن ابن جعفر قال: نا أبو الصَّبهاء عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " أهل بيتي مثل سفينة نوح؛ من ركب فيها نجا، ومن تخلَّف هلك ". وروى حمَّاد بن زيد عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي رفعه قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ الله اختار العرب، ثم اختار منهم النَّضر بن كنانة، ثم اختار قريشا، ثم اختار من قريش بني هاشم، ثم اختارني من بني هاشم ". وعن سفيان الثوريِّ، رفعه إلى النبي ﷺ قال: إن الله خلق الخلق، فجعلني في خير خلقه، وجعلهم أفراقا، فجعلني من خير فرقة، وجعلهم قبائل، فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا، فجعلني في خير بيت، فأنا خيركم بيتا وخيركم نسبا ". وقال ﷺ : " كلُّ سبب نسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي ". وأما المطَّلب بن عبد مناف فكان يقال له " الفيض " لسماحه. وفيه قيل: " والفيض مطَّلب أبي الأضياف ". وهلك المطلب ب " ردمان " من اليمن فقال رجل من العرب يبكيه:

стр. 15

قَد ظَمئ الحجيجُ بعدَ المطَّلبْ بعدَ الجِفانِ والشرابِ المُنْثِعِبْ ليتَ قُريشاً بعدَهُ على نُصُبْ ومن ولده: عبيدة، والطفيل، والحصين. بنو الحارث بن المطَّلب شهدوا بدرا، وهم من المهاجرين الأولين. واستشهد عبيدة يوم بدر، قطع رجله عتبة بن ربيعة، فمات بالصَّفراء. ومن ولده مسطح بن أثاثة، واسمه عوف بن أثاثة بن عبَّاد بن المطلب. ومسطح مهاجري بدري، وهو من أصحاب الأفك. وأمه: بنت خالة أبي بكر الصديق، وأبوها أبو رهم بن المطَّلب. وأمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعيد بن تيم، أخت أمِّ الخير أمِّ أبي بكر ﵁. ومنهم ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب. وكان من أشدَّاء قريش. وخبره حين صرعه النبي ﷺ بمكة في بعض شعابها مشهور، وذلك قبل الهجرة. ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه. وكان إسلامه قبل فتح خيبر. وقسم له رسول الله ﷺ من أموال الكتيبة من خيبر خمسين وسقا وروى عن النبيِّ ﵇. وكان لركانة ابنان: يزيد وطلحة فأما يزيد فكانت له صحبة ورواية. وروى عنه أبو جعفر محمد بن علي. وأما طلحة فولد زيد بن طلحة، وفي الموطأ عنه ما نصُّه: مالكعن سلمة بن صفوان بن سلمة الزرقي، عن زيد بن طلحة بن ركانة، يرفعه إلى النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : " لكلِّ دين خلق، وخلق الإسلام الحياء ". قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرِّ في كتاب " التقصِّي " له: هكذا الحديث في الموطأ عند

стр. 16

أكثر الرواة عن مالك. وقد أسنده بعض الرواة عن مالك. وقد ذكره في التمهيد. وأخو ركانة عُجَير بن عبد يزيد. كان ممَّن بعثه عمر فيمن أقام أعلام الحرم. وكان من مشايخ قريش وجلَّتهم. وقسم له رسول الله ﷺ من الكتيبة من خيبر ثلاثين وسقا. وابن أخيه السائب بن عبيد بن عبد يزيد أسر يوم بدر فافتدى. ثم أسلم فقيل له " هلاَّ " أسلمت قبل أن تفتدي؟ فقال: ما كنت لأحرم المؤمنين طمعا لهم فيَّ. وابنه شافع بن السائب: إليه ينتسب الشافعي الأمام. فيقال فيه: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع. وجدُّ السائب عبد يزيد بن هاشم بن المطلب: وهو أبو ركانة. كان يقال له: " المحض لا قذى فيه "، لأنه ولده هاشما " ن "؛ هاشم بن المطلب أبوه، وهاشم بن عبد مناف أبو أمِّه، واسمها " الشفاء ". فالشافعي صريح المجد لأب وأم. وولد سنة خمسين ومئة، في السنة التي مات فيها أبو حنيفة في خلافة أبي جعفر المنصور. وتوفي بمصر سنة أربع ومئتين في خلافة المأمون. ونشأ بمكة مسقط رأسه، ورحل في طلب العلم منها إلى مالك إمام الهجرة، وقرأ عليه، وهو ابن أربع عشرة سنة، ﵁. ومن " بني " المطلب بن عبد مناف أيضا قيس بن مخرمة بن المطلب: أبو محمد، ويقال: أبو السائب، ولد هو رسول الله ﷺ عام الفيل. روي عنه أنه قال: كنت أنا ورسول الله ﷺ لدة. وكان أحد المؤلَّفة قلوبهم، وممَّن حسن إسلامه منهم. ولم يبلِّغه رسول الله ﷺ مئة من الإبل من غنائم

стр. 17

حنين. وروى عنه ابنه المطلب بن عبد الله روى عنه محمد بن إسحاق في السيرة عن أبيه، عن جده قيس بن مخرمة الحديث المتقدم: " ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل، فنحن لدان ". وخرَّج التَّرمذي الحديث بلفظه سواء عن محمد بن بشّار العبدي عن وهب بن جرير عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن المطلب، عن أبيه، عن جده، ولم يذكر فيه " فنحن لدان ". وكانت لقيس بن مخرمة بن المطلب بنت تسمى زينب قد صلَّت القبلتين " جميعا " مع رسول الله ﷺ وهي مولاة السُّدِّي المفسِّر، أعتقت أباه. روى " أسباط " بن نصر عن السُّدي عن أبيه قال: كاتبتني زينب بنت قيس بن مخرمة من بني المطَّلب بن عبد مناف على عشرة آلاف فتركت لي ألفا. وكانت قد صلَّت القبلتين مع رسول الله ﷺ . السُّدِّي إسماعيل بنُ عبد الرحمن: سمع من أنس بن مالك، ورأى الحسين بن علي. وثَّقة شعبة " وسفيان " الثَّوريُّ ويحيى بن سعيد القطَّان وقيل له: " السدِّي " لأنه كان يبيع الخمر في سدَّة المسجد با.... وأما نوفل بن عبد مناف فمن ولده: مطعم بن عديِّ بن نوفل. وهو الذي أجاز النبي ﵇ حين رجع من الطائف من دعاء ثقيف بعد موت أبي طالب. ذكر أنَّ رسول الله ﷺ لما انصرف من الطائف مريدا مكة مَّر به بعض أهل مكة. فقال له رسول الله ﷺ : " هل أنت مبلِّغ عني رسالة أرسلك بها؟ " قال: نعم. قال: " إئت الأخنس بن شريف، فقيل له: يقول محمد: " هل أنت مجيري حتى أبلِّغ رسالات ربي؟ ". قال: فأتاه، فقال له ذلك. فقال الأخنس: إنَّ الحليف لا يجير على الصَّريح. قال: فأتى النبي ﷺ ، فأخبره. قال: " تعود؟ " قال: نعم. قال: " إئت سهيل بن عمرو فقل له: أن محمدا يقول لك: هل أنت مجيري حتى

стр. 18

أبلِّغ رسالات ربي؟ ". فأتاه، فقال له ذلك. قال: فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب. قال: فرجع إلى النبيِّ ﷺ ، فأخبره. قال: " تعود؟ " قال: " إئت المطعم بن عديٍّ فقل له: إن محمدا يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلِّغ رسالات ربي؟ ". قال: نعم فليدخل. قال: فرجع الرجل إليه فأخبره. وأصبح المطعم بن عديّ قد لبس سلاحه وهو بنوه وبنو أخيه. فدخلوا المسجد، فلما رآه أبو جهل قال: أمجير أم متابع؟ قال: بل مجير. قال: أجرنا من أجرت. فدخل النبي ﷺ مكة، فأقام بها. ولم يشهد المطعم بدرا مع المشركين لأنه مات بمكة مشركا في صفر قبل بدر بسبعة أشهر. وقال رسول الله ﷺ لابنه جبير حين قفل من غزوة بدر إلى المدينة، وأتاه جبير يكلمه في أسارى بدر من مكة وهو على شركه: " لو أن أباك كان حيا، أو لو أن المطعم بن عدي كان حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له " جزاء ليده التي كانت له عنده حين أجاره. وكان المطعم من أشراف قريش، وممن قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم وبني المطلب بمكة، وخبرها مشهور. وابنه جُبيرُ بنُ مُطعِم: من مسلمة الفتح، وحسن إسلامه، وكان نسَّابة وتوفي بالمدينة سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة تسع وخمسين في خلافة معاوية. وهو من المؤلفة قلوبهم، وممَّن حسن إسلامه منهم، ويكنى أبا محمد. ويقال: إن أول من لبس بالمدينة طيلسانا جبير بن مطعم ويروى عن ابنه محمد ونافع الحديث. روى ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: " أتيت النبي ﷺ لأكلمه في أسارى بدر فوافقته وهو يصلي بأصحابه المغرب أو العشاء. فسمعته وهويقرأ، وقد خرج صوته من المسجد:) إنَّ عذابَ ربِّكَ لواقعٌ مالَه من دافع (. قال: فكأنما صدع قلبي. وبعض أصحاب الزُّهري يقول في هذا الخبر: فسمعته يقرأ:) خُلقوا من غير شئ أم هُمُ الخالقون أم خَلقوا السماواتِ والأرضَ بل لا يُقِنونَ (. فكاد قلبي يطير. فلمَّا فرغ من صلاته كلَّمته في أسارى بدر، فقال: " لو كان الشيخ أبوك حيا فأتانا فيهم لشفَّعناه ".

стр. 19

وفي الموطأ: مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بالطُّور في المغرب. وابنه نافعُ بن جُبير: كان ذا كبر، وجلس في حلقة العلا بن عبد الرحمن الحرفي، وهو يقرئ المسلمين، فلما فرغ قال: أتدرون لم جلست إليكم؟ قالوا: جلست لتسمع؟. قال: لا، ولكنِّي أردت أن أتواضع لله بالجلوس إليكم...... إنَّ اللعينَ أبوكَ فارْمِ عِظامَهُ ... إنْ ترمِ ترمِ مُخَلَّجاً مَجْنونا يُمسي خَميصَ البطنِ من عملِ التُّقى ... ويظلُّ من عملِ الخبيثِ بَطِينا أما قول عبد الرحمن بن حسان: " إنَّ اللعين أبوك فارم عظامه "، فروي عن عائشة، من طرق ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره، أنها قالت لمروان إذ قال في أخيها عبد الرحمن ما قال: " أمَّا أنت يا مروان فأشهد أنَّ رسول الله ﷺ لعن أباك، وأنت في صلبه. وقال أبو بكر أحمد بن زهير أبي خيثمة: نا موسى بن إسماعيل، نا عبد الواحد بن زياد، نا عثمان بن حكيم، قال: نا شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: قال رسول الله ﷺ : " يدخل عليكم رجل لعين ". وكنت قد تركت عمرا يلبس عليه ثيابه ليقبل إلى رسول الله ﷺ ، فلم أزل مشفقا أن يكون أول من يدخل، فدخل الحكم بم أبي العاصي. وابنه مروانُ بنُ الحكم: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن

стр. 20

ثماني سنين. وكان من الفقهاء، وكان كاتب عثمان ﵁، ومن أجله حوصر عثمان. وكان مع عائشة يوم الجمل. وولي المدينة مرَّتين لمعاوية، ثم بويع بالخلافة سنة أربع وستين؛ بايعه أهل الشام بالجابية. وقتل الضحاك بن قيس الفهريَّ بمرج راهط. وكان من أصحاب ابن الزبير. بايعه، ودعا له. وكان يوم المرج حيث قتل الضحاك للنِّصف من ذي الحجَّة سنة أربع وستين، وكانت ولاية مروان عشرة أشهر، ومات بالشام سنة خمس وستين، وهو ابن ثلاث وستين سنة. وهو يعدُّ فيمن قتله النساء. وأمُّه آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أميَّة بن محدِّث بن جمل بن شقٍّ ابن رقبة بن مجدج بن عامر بن ثعلبة بن الحرث بن مالك بن كنانة بن خزيمة ابن مدركة بن إلياس بن مضر. وكانت زرقاء، ولذلك يقال لمروان: " ابن الزرقاء ". وابنه عبدُ الملك من الفقهاء وأهل الحزم والدهاء، ويلقَّب " رشح الحجر " لبخله، ويكنى " أبا ذبَّان " لبخره. وكان معاوية جعله مكان زيد بن ثابت على ديوان المدينة، وهو ابن ستَّ عشرة سنة وجعله أبوه الخليفة من بعده. وتوفي عبد الملك بدمشق سنة ستٍّ وثمانين. وولي الخلافة من ولده أربعة: الوليد وسليمان ويزيد - وهو ابن عاتكة بنت يزيد بن معاوية - وهشام، وولي وسطا بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز بن مروان ﵁. وتوفي بدير سمعان من أرض حمص سنة إحدى ومئة، وهو ابن تسع وثلاثين سنة. ومن ولده هشام بن عبد الملك بن مروان عبدُ الرحمنِ بنُ " مُعاوية " بن هشامٍ الداخلُ إلى الأندلس، وهو أبو الخلفاء بها. وكان يقال له " صفر قريش ". ويكنى " أبا المُطرِّف ". واحتلَّ بالمنكب بعد انفصاله عن الشام غُرِّةٌ ربيع الأولى سنة ثمان وثلاثين ومئة. ودخل قرطبة ظاهرا فاشيا أمره بالأندلس.

стр. 21

وثبت له به البيعة يوم الأضحى، ووافق ذلك يوم الجمعة من سنة ثمان وثلاثين ومئة، وهو ابن ستٍّ وعشرين سنة. وتوفي يوم الثُّلاثاء لستٍّ بقين لربيع الأول سنة اثنتين وسبعين مئة. وكان ملكه اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر. وكان مولده بدير حنينا من عمل دمشق، سنة ثلاث وعشرة مئة. ومن ولد يزيد " بن " عبد الملك بعد عمر بن عبد العزيز الوليدُ بن يزيد. وولي الخلافة بعد عمِّه هشام. وكان مناجا زنديقا سفيها. وقصته في المصحف مشهورة حين رشقه بالسِّهام لمَّا استفتح فيه، فخرج له) واسْتَفْتحوا وخابَ كلُّ جَبَّارٍ عَنِيد (فغضب، ونصبه هدفا للسهام. وقال، وهو يرشقه: أتوعد كلِّ جبارٍ عنيدٍ ... فهأنذاكَ جبَّارٌ عنيدُ إذا ما جئتَ ربَّكَ يومَ حشرٍ ... فقل: يا ربِّ مزَّقني الوليدُ فرؤي رأسه بعد ثلاثة أيام في موضع المصحف موضوعا بعد ما حزَّ، انتقم الله منه لكتابه الكريم. وقتله ابن عمِّه يزيدُ بنُ الوليد الملقب بالناقص، وكان فاضلا. وكانت ولايته من مقتل الوليد خمسة أشهر. ويقال: أنه مذكور في الكتب المتقدمة بحسن السيرة والعدل، وفي بعضها: يا مبذِّر الكنوز، يا سجَّادا في الأسحار، كانت ولايتك رحمة ووفاتك فتنة، أخذوك فصلبوك. وكان مروان بن محمد بن مروان بن الحكم آخر ملوك بني أمية، الذي قامت عليه " المسوَّدة " بنو العباس لمَّا ولي الخلافة نبش قبر يزيد الناقص، واستخرجه وصلبه. ولقِّب يزيد بالناقص لأنه نقص الجند أعطياتهم.

стр. 22

ومن بني العاصي بن أمية خالد وعمرو وسعيد وأبان والحكم، بنو سعيد أبي أحيحة بن العاصي. وهؤلاء الخمسة من الصحابة مشاهير. وعمر وخالد منهم إسلامهما قديم، وهاجرا الهجرتين جميعا إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة، وأما سعيد فاستشهد في الطائف، وكان إسلامه قبل فتح مكة بيسير. وأما أبان فكان إسلامه بين الحديبية وخيب. واستعمله رسول الله ﷺ على البحرين؛ برَّها وبحرها، ثم عزل العلاء بن الحضرميِّ عنها، وأمَّره على بعض سراياه. وهو الذي أجار عثمان بن عفان حين بعثه رسول الله ﷺ إلى قريش عام الحديبية، وحمله على فرس حتى دخل مكة، وقال له: أقبلْ وأَدبِر ولا تخفْ أحداً ... بنو سعيدٍ أعزَّةُ الحَرَمِ واستشهد عمر وخالد وأبان في فتوح الشام ﵃. وأما الحكم خامسهم فإن رسول الله ﷺ غيَّر اسمه، وسمَّاه " عبد الله ". لأبي أحيحة ثمانية قدِّمت خمسة منهم للإسلام والصُّحبة. والثلاثة الباقون ماتوا كفارا، وهم: أحيحة والعاصي و " عبيدة ". فأما أحيحة وبه كان يكنى سعيد ابن العاصي بن أمية أبوهم، فقتل يوم الفجار. وأما العاصي وعبيدة فقتلا يوم بدر كافرين. قتل عليُّ بن أبي طالب العاصي، وقتل عبيدة الزبير بن العوّام، وسعيد بن العاصي، قتيل عليٍّ، أحد أجواد الإسلام، وكان فصيحا شريفا وفيه يقول الفرزدق حين ولاه معاوية المدينة في قصيدة: ترى الغُرَّ الجحاجحَ من قريشٍ ... إذا ما الأمرُ في الحَدَثانِ عالا

стр. 23

قياماً ينظرونَ إلى سعيدٍ ... كأنَّهمُ يرونَ " به " هَلالا وكان يقال له " عكة العسل ". ولد عام الهجرة وقيل: سنة إحدى. واستعمله عثمان على الكوفة، وغزا بالناس طبرستان فافتتحها، وافتتح أيضا جرجان في زمن عثمان، وكان أيَّدا. يقال: أنه ضرب بجرجان رجل على حبل عاتقه فأخرج السيف من مرفقه. ولما قتل عثمان لزم سعيد بن العاصي هذا بيته، واعتزل أيام الجمل وصفين، ولم يشهد شيئا من تلك الحروب. فلما أجتمع الناس على معاوية استوسق له الأمر ولاّه المدينة، وعزله وولاها مروان. وكان يعاقب بينه وبين مروان بن الحكم في أعمال المدينة. وقال سفيان بن عيينة: كان سعيد بن العاصي كريما، إذ سأله سائل فلم يكن عنده ما يعطيه كتب له بما يريد أن يعطيه إلى أيام يسره. وكساه رسول الله ﷺ ، وهو غلام، جبَّة فبها سميَّت الثياب السعيدية.... وهو أوَّل من خش الأبل في العظم. والخش: جعل الخشاش في أنف البعير. وتوفي سنة تسع وخمسين في خلافة معاوية. وابنه عمر بن سعيد الأشدق: هو الذي قتله عبد الملك بن مروان بيده. وكان مفوَّها بليغا. وقال له معاوية، وهو صغير: " إلى من اوصى بك أبوك؟ " فقال: " أوصى إليَّ ولم يوص بي ". ومن ولد عمرو الأشدق إسماعيل بن أمية بن عمرو وكان يروي عنه الحديث ومات سنة أربعين ومئة.

стр. 24

ومن ولده أيضا إسحاق ويحيى ابنا سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاصي أبو أمية، روى عن أبيه يحيى. وروى عنه روح بن عبادة. وكنية عمرو الأشدق " أبو أمية ". وهو الذي قال له عبد الملك بن مروان: " أمكرا وأنت في الحديد؟ "، حين جعل الجامعة في عنقه، والقصة مشهورة. ومن بني أبي العيص بن أمية عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، ويكنى " أبا عبد الرحمن "، وقيل أبو محمد. وهو من خيار مسلمة الفتح. واستعمله رسول الله ﷺ وفي خلافة أبي بكر. ومات هو وأبو بكر في وقت لم يعلم واحد منهما بموت الآخر. وقال الواقدي: " ماتا في يوم واحد " وكذلك يقول ولد عتّاب. وأخوه خالد بن أسيد لأبويه: أسلم يوم فتح مكة. وكان فيه تيه شديد، فقال النبي ﷺ : " اللهم زده تيها "، فإن ذلك في ولد إليه اليوم.... " وكان لعتّاب بن أسيد ابن اسمه عبد الرحمن، وكان يقال له " يعسوب قريش ". شبِّه بيعسوب النحل، وهو أميرها. وشهد الجمل مع عائشة، فقتل. فاحتملت عقاب كفَّه فأصيبت ذلك اليوم باليمامة فعرفت بخاتمه. ومن بني حرب بن أمية أبو سفيان صخر بن حرب، وابناه يزيد ومعاوية. قتل ابنه " حنظلة " يوم بدر كافرا؛ قتله زيد بن حارثة، وقيل اشترك في قتله حمزة وعليٌّ وزيد. وكان يزيد أفضل بني أبي سفيان؛ كان يقال له " يزيد الخير " أسلم يوم فتح مكة، وأعطاه من غنائم حنين مئة بعير. واستعمله أبو بكر الصديق وأوصاه، وخرج يشيِّعه راجلا. مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر الصديق بعث جيوشا إلى الشام، فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان، وكان أمير ربع من الأرباع. فزعموا أن

стр. 25

يزيد قال لأبي بكر الصديق: " إما أن تركب وإمَّا أن أنزل ". فقال أبو بكر: " ما أنت بنازل وما أنا براكب. أني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله ". ثم قال له: " إنك ستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما زعموا، إنهم حبسوا أنفسهم له. وستجد قوما فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشَّعر، فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف. وإني موصيك بعشر: لا تقتلنَّ امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما، ولا تقطعنَّ شجرا مثمرا، ولا تخربنَّ عامرا، ولا تعقرنَّ شاة ولا بعير إلا لمأكلة، ولا تحرقنَّ نخلا ولا تغرِّقنَّه، ولا تغلل، ولا تجبن " مات يزيد في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة، ولا عقب له وقال الوليد ابن مسلم: مات يزيد بن أبي سفيان سنة تسع عشرة، بعد أن افتتح قيساريَّة. وأما معاوية بن أبي سفيان فأسلم عام الفتح، هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ومن الطبقة الأولى في قسم غنائم حنين. وكتب للنبيِّ ﷺ . ويكنى أبا " عبد الرحمن "، وولي الشام لعمر وعثمان عشرين سنة. وولي الخلافة سنة أربعين، ومكث خليفة عشرين سنة إلا شهرا. وتوفي بدمشق سنة ستين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة. وقال ابن اسحاق: مات وله ثمان وسبعون سنة. وشهد أبو سفيان حصار الطائف مع النبيِّ ﵇، ورمي بسهم بها ففقأ عينه، وفقئت عينه الأخرى يوم اليرموك. واستعمله النبيُّ ﷺ على نجران، فمات ﵇، وهو وال عليها. ولما أعطاه رسول الله ﷺ وأعطى ابنيه يزيد ومعاوية من غنائم حنين ما أعطاهم قال له أبو سفيان: " والله إنك لكريم، فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم كنت، جزاك الله خيرا ". وكان من أشراف قريش في الجاهلية، وكان تاجرا يجهز التجار بماله وأمواله

стр. 26

قريش إلى الشام وغيرها من أرض الأعاجم. وربما خرج أحيانا بنفسه وكانت إليه راية الرؤساء المعروفة بالعقاب. وكانت لا يحبسها إلا رئيس. وولد قبل الفيل بعشر سنين، وأمُّه صفية بنت حزن الهلالية. وتوفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين فيما قال الواقديُّ، وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقال المدائني: توفي سنة أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان. وروى عنه عبد الله بن عباس قصة هرقل حديثا حسنا. ومن بني أبي عمرو بن أمية عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية. واسم أبي عمرو ذكوان. وكان أبو عمرو..... ويسَّمى ذكوان، فاستلحقه أمية وكناه " أبا عمرو "، فخلف على امرأة أمية، وهي آمنة بنت أبان أمُّ الأعياص. وقال ابن الكلبي: كان أمية بن عبد شمس خرج إلى الشام، فأقام بها عشر سنين، فوقع على أمة للخمر يهودية من أهل صفُّوريَّة، يقال لها " تُرْنا "، وكان لها زوج من أهل صفُّوريَّة يهودي، فولدت له ذكوان، فادَّعاه أمية، واستلحقه، وكناه أبا عمرو، ثم قدم به مكة. ولذلك قال النبيّ ﷺ لعقبة يوم أمر بقتله عند الفراغ من بدر، إذ قال عقبة: يامحمد، أتقتلني من بين أسارى قريش صبرا، " حنَّ قدح ليس منها، إنما أنت يهودي من أهل صفُّوريَّة ". روي أن عقبة قال له عند قتله: " يا محمد من للصبية؟ " فقال: " النار ". وقال النبيّ ﷺ : " كنت بمكة بين شر جارين: بين عقبة بن أبي معيط وبين أبي لهب ". وهو الذي طرح سلى الجزور على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد. ذكر ذلك مسلم في صحيحه فقال: نا محمد

стр. 27

ابن المثنى وابن بشار، واللفظ لابن مثنى، قالا: نا محمد بن جعفر قال: نا شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يحدث عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال: " بينا رسول الله ﷺ ساجد، حوله ناس من قريش إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسلي جزور فقذفه على ظهر رسول الله ﷺ . فلم يرفع رأسه " فجاءت فاطمة فأخَّرته عن ظهره، ودعت على من صنع ذلك. فقال: " اللهم عليك الملأ من قريش: أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف أو أبي بن خلف؛ شعبة الشاك ". قال: فلقد رأيت قتلوا يوم بدر، فالقوا في بئر، غير أن أمية أو أبيّا تقطَّعت أوصاله، فلم يلق في البئر. قال المؤلف غفر الله له: الصحيح الذي لا شكَّ فيه أن أمية بن خلف هو الذي تقطَّعت أوصاله لما رواه ابن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: لما أمر رسول الله ﷺ بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيه، إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه أنتفخ في درعه، فملأها. فذهبوا يحركوه فتزايل لحمه، فأقرُّوه، وألقوا عليه ما غيَّبه من التراب والحجارة. وأما أبُّي بن خلف فإنه مات من خدش رسول الله ﷺ إياه بالحربة يوم أحد في الطريق مع كفار قريش، حين رجعوا إلى مكة من أحد. وقال أبو داود سليمان بن الأشعث السِّجستانُّي في السُّنن: نا عمرو بن عثمان ومحمود بن خالد وحسين بن عبد الرحمن، قالوا: حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، قال: نا يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّميمِّي، عن عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاصي قلت: أخبرني بأشدّ شيء صنعه المشركون برسول الله ﷺ . قال: نعم، بينما رسول الله ﷺ في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي المعيط، فوضع ثوبه في عنق رسول الله ﷺ فخنقه به خنقا شديدا. فقال: فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن رسول الله، وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبيِّنات من ربكم؟.

стр. 28

أمر رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب بضرب عنق عدو الله اللعين عقبة بن أبي معيط صبرا بعد أخذه أسيرا يوم بدر. وقيل: ضرب عنقه عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاريُّ الأوسيُّ، وهو حميُّ الدَّبر. وروى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن عامر الشَّعبَّي قال: لمَّا أمر رسول الله ﷺ بقتل عقبة بن أبي معيط عدوِّ الله قال: تقتلني يا محمد من بين قريش؟ قال: " نعم ". ثم أقبل على أصحابه فقال: " أتدرون ما صنع هذا بي؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام، فوضع رجله على عنقي، وجعل يقمرها، فما رفعها حتى ظننت أنَّ عينيَّ ستندران " أو قال: تسقطان "، ثم جاء مرة أخرى بسلي شاة فألقاه على رأسي، وأنا ساجد خلف المقام. فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي ". وعمُّ عقبة مسافر بن أبي عمرو بن أمية: كان من أشراف قريش. وإنما كان بنو عبد مناف أهل بيت واحد شرف بعضهم لبعض شرف، وفضل بعضهم لبعض فضل. وهو القائل يفتخر: ورثنا المجدَ عن آبا ... ئنا فنما بنا صُعُدا ألم نسق الحجيجَ ونن ... حُر الدَّلاَّقة الرُّفّدا ونلقَى عند تصريف ال ... منايا شدَّدا رُفُدا؟ وكان لعقبة من الولد: عمارة، وخالد، والوليد. وهم من مسلمة الفتح. وأمُّ كلثوم، وهي التي هاجرت إلى رسول الله ﷺ في هدنة الحديبية من مكة إلى المدينة على قدميها ماشية. فخرج أخواها: عمارة

стр. 29

والوليد ابنا عقبة بن أبي معيط، حتى قدما على رسول الله ﷺ ، يسألانه أن يردَّها عليهما بالعهد الذي بينه وبين قريش في الحديبية، فلم يفعل " أبى الله ذلك ". ولما قدمت المدينة تزوِّجها زيد بن حارثة، فقتل عنها يوم مؤتة فتزوجها الزبير بن العوَّام. فولدت له زينب، ثم طلَّقها، فتزوجها عبد الرحمن بن عوف. فولدت له إبراهيم وحميدا. ومات عنها فتزوَّجهتا عمرو بن العاصي فمكثت عنده شهرا وماتت. وهي من المهاجرات المبايعات. وفي شأنها أنزل الله تعالى " يا أيُّها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتَحِنوهُنَّ، اللهُ أعلمُ بإيمانهنَّ ... (إلى آخر الآية. وهي وأخواها الوليد شقيقها أخو عثمان لأمِّه أمُّهم أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وعمارة الذي يروى عنه. وخالد بن عقبة: كان من سروات قريش، وليست له رواية، فيما يعلم، ولا خبر نادر إلا أنَّ له أخبارا في يوم الدار. منها قول أزهر بن سيخان في خالد هذا، معرِّضا بذكره في أبيات قالها، منها: يَلومونَني أنْ جُلتُ في الدارِ حاسراً ... وقد فرَّ منها خالدٌ، وهْوَ دارعُ وهو المذكور في كتاب " الجامع " من " الموَّطأ " في حديث: " لا يتناجى اثنان دون واحد " ونصُّ الحديث: مالك عن عبد الله بن دينار، قال: كنت أنا وعبد الله بن عمر عند دار خالد بن عقبة التي بالسوق. فجاء رجل يريد أن يناجيه، وليس مع عبيد الله غيرى وغير الرجل الذي يريد أن يناجيه. فدعا عبد الله بن عمر رجلا آخر حتى كنا أربعة، فقال لي وللرَّجل الذي دعا: " استأخرا شيئا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يتناجى اثنان دون واحد ". وإلى خالد هذا ينسب المعيطيُّون. وشهد جنازة الحسن بن علي من بين جميع بني أمية.

стр. 30

وأمَّا الوليد بن عقبة، فكان يكنى " أبا وهب ". ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن أنَّ قوله إنْ جاءكُم فاسقٌ بنبإ ... (نزلت في الوليد بن عقبة. وذلك أنه بعثه رسول الله ﷺ مصدَّقا إلى بني المصطلق، فأخبر عنه إنَّهم ارتدُّوا، وأبوا من أداء الصَّدقة، وذلك انهم خرجوا إليه فهابهم، ولم يعرف ما عندهم. فانصرف عنهم، وأخبر النبيَّ ﵇ أنهم منعوه الصدقة. فبعث إليهم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد، وأمره أنْ يتثبَّت فيهم. فأخبروه أنهم متمسِّكون بالإسلام. ونزلت:) يا أيُّها الذينَ آمنوا إن جاءكُم فاسقٌ بنبإ فتثبَّتوا (على قراءة حمزة والكسائيَّ. وذكر يحيى بن معين عن إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن هلال الورَّاق، عن ابن أبي ليلى في قوله تعالى) إن جاءكم فاسقٌ بنبإ (قال: نزلت في الوليد ابن أبي معيط. ووقع بينه وبين عليِّ بن أبي طالب ﵁ كلام فقال الوليد: " لأنا أرزُّ للكتيبة، وأضرب لهامة البطل المشيح منك ". فأنزل الله تعالى:) أَفمن كانَ مؤمناً كمن كانَ فاسقاً (. وولاه عثمان الكوفة، وعزل منها سعد بن أبي وقّاص. فلما قدم الوليد على سعد قال له سعد: " ما أدري أكست بعدنا أم حمقنا بعدك؟ ". فقال: " لا تجزعنَّ أبا إسحاق، فإنما الملك تغدَّاه قوم. ويتعشَّاه آخرون ". فقال سعد: " أراكم والله ستجعلونها ملكا ". وله أخبار فيها نكارة شناعة، تقطع على سوء حاله وقبح أفعاله غفر الله لنا وله. فلقد كان من رجال قريش طرفا وحلما وشجاعة وأدبا. وكان من الشعراء الطبوعين. وكان الأصمعيُّ وأبو عبيدة وابن الكلبيِّ وغيرهم يقولون: كان الوليد

стр. 31

ابن عقبة فاسقا، شرِّيب خمر. وكان شاعرا كريما. ذكر عمر بن شبَّة قال: نا هارون بن معروف قال: نا ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب قال: صلى الوليد ابن عقبة بأهل الكوفة صلاة الصبح أربع ركعات، ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم؟ فقال عبد الله بن مسعود: " ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم ". قال: ونا محمد بن حميد عن الأجلح، عن الشعبيِّ في حديث الوليد بن عقبة حين شهدوا عليه فقال الحطيئة: شهدَ الحطيئةُ يومَ يَلقى ربِّه ... أنَّ الوليدَ أحقُ بالعُذْرِ نادى وقد تمَّتْ صلاتُهُمُ: ... أَأَزيدكم؟ سُكراً وما يدري فأبَوا أبا وهْبٍ ولو أذِنوا ... لَقَرنتَ بينَ الشَّفْعِ والوَتْرِ كَفُّوا عِنانَكَ إذ جَريْتَ، ولو ... تركوا عنانكَ لم تزلْ تجري وقال أيضا: تَكلَّمَ في الصلاةِ وزادَ فيها ... علانيةً، وجاهرَ بالنِّفاقِ ومجَّ الخمرَ في سُننِ المصلَّى ... ونادى والجميعُ إلى افتراقِ أزِيدكُمُ على أنْ تَحْمَدوني ... فما لكُمُ وماليَ من خَلاقِ وخبر صلاتهم وهو سكران، وقوله: " أزيدكم؟ " بعد أن صلى الصبح أربعا مشهور من رواية الثقات من نقل أهل الحديث والأخبار. وقال مصعب: كان الوليد بن عقبة من رجال قريش وشعرائها. وكان له خلق ومروءة. استعمله

стр. 32

عثمان على الكوفة إذ عزل عنها سعدا، فحمدوه وقتا، ثم رفعوا عليه، فعزله عنهم، وولى سعيد بن العاصي. فقال بعض شعرائهم: فررتُ من الوليد إلى سعيدٍ ... كأهل الحِجْرِ إذ جَزعوا فباروا يَلينا من قريشٍ كلَّ عامٍ ... أميرٌ مُحْدَث أو مُستشارُ لنا نارٌ نُخوَّفُها فَنَخشى ... وليس لهم فلا يخشَوْنَ نارُ وقصة الشهادة عليه بشرب الخمر ما رواه عبد العزيز بن المختار وسعيد بن أبي عروبة، عن عبد الله بن الدَّاناج، عن حضين بن المنذر ابن ساسان أنه ركب إلى عثمان فأخبره بقصة الوليد، وقدم على عثمان رجلان فشهدا عليه بشرب الخمر، وأنه صلى الغداة بالكوفة أربعا، ثم قال: أزيدكم؟. ثم قال أحدهما: رأيته يشربها. وقال الآخر: رأيته يتقيَّؤها. فقال عثمان ﵀: أنه لم يتقياها حتى شربها. فقال لعلي: أقم عليه الحدَّ. فقال عليٌّ لابن أخيه عبد الله بن جعفر: أقم عليه الحدَّ. فأخذ السَّوط وجلده، وعثمان يعدُّ حتى بلغ أربعين. فقال علي: أمسك، جلد رسول الله ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنَّة. وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن الباقر أبي جعفر بن علي زين العابدين ﵄ قال: جلد عليٌّ ﵁ الوليد بن عقبة في الخمر أربعين بسوط له طرفان، فأضاف الجلد إلى علٍّ، لأنه أمر به على الوجه الذي تقدَّم في الخبر قبله. هكذا ذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البرَّ خبر جلد الوليد في كتاب الصحابة. وذكر مسلم في صحيحه، فقال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وعليُّ بن حجر، قالوا: نا إسماعيل، وهو ابن عليَّة عن ابن أبي عروبة عن عبد الله الدَّاناج، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظليُّ، واللفظ له، قال: أنا يحيى بن حمَّاد قال: نا عبد العزيز بن المختار، عن عبد الله بن فيروز مولى ابن عامر الدَّاناج، قال: نا حضين بن المنذر أبو ساسان قال: شهدت عثمان بن عفان أتى بالوليد قد صلَّى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟. فشهد عليه رجلان، أحدهما حمران أنه شرب الخمر. وشهد آخر أنه

стр. 33

رآه يتقيأ. فقال عثمان: أنه لم يتقيأ حتى شربها. فقال: يا عليُّ قم فاجلده. فقال: قم يا حسن فاجلده. فقال الحسن: ولَّ حارَّها من تولَّى قارَّها. فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده. فجلده، وعليٌّ يعدُّ حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك. ثم قال: جلد النبيُّ ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنَّة، وهذا أحبُّ أليَّ. لم يرو الوليد رواية يحتاج فيها إليه. وكان إذ ولي الكوفة ابتنى بها دارا. ثم لما عزل عنها وحدَّ لم يزل بالمدينة حتى بويع علي، فخرج إلى الرَّقَّة، فنزلها، واعتزل عليا ومعاوية، ومات بها، وبالرقة قبره في ضيعة له، وولده بالرقة وبالكوفة، منهم: محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة، كان يقال له: " ذو الشامة "، ويرمى بالزندقة. وكان معاوية لا يرضى الوليد، وهو الذي حرَّضه على قتال عليٍّ ﵀؛ فربَّ حريص محروم. وهو القائل لمعاوية يحرِّضه ويغريه بعليٍّ ﵁. واللهِ ما هندٌ بأمِّك إن مضى النْ ... َهارُ ولم يَثْأرْ بعثمانَ ثائرُ أيقتلُ عبدُ القوم سيِّد أهلهِ ... ولم يقتلوهُ ليتَ أمَّك عاقِرُ وهو القائل أيضا: ألا مَن لليلٍ لا تَغورُ كواكبُهْ ... إذ لاحَ نجمٌ غارَ نجمٌ يُراقبُهْ بني هاشمٍ رُدُّوا سلاحَ ابنِ أختكمْ ... ولا تَنْهبوهُ لا تحلُّ مَناهبُهْ بني هاشمٍ لا تُعجِلونا فإنَّهُ ... سَواءٌ علينا قاتِلوهُ وسالبُه وإنا وإيّاكمْ وما كان منكمُ ... كصَدعِ الصَّفا لا يَرأبُ الصدعَ شاعبُهْ بني هاشمٍ كيفَ التَّعاهُدُ بيننا ... وعند عليٍّ سيفُهُ وجَرائبُهْ

стр. 34

لعَمُركَ ما أنسى ابنَ أَروى وقتلهُ ... وهلْ يَنْسينَّ الماءَ ما عاشَ شاربه؟ همُ قَتلوهُ كي يكونوا مكانَهُ ... كما فَعلتْ يوماً بكسرى مَرازبُهْ فأجابه الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب بثلاثة أبيات يحاشي ويجلُّ عثمان أن يوصف بما ذكر في البيت الأوسط منها. نفعنا الله بحبِّه وحبِّ الشيخين قبله، وحبِّ الأمام الرضي بعده، ورضي عنهم آمين. وأمَّا أمية الأصغر بن عبد شمس: فيقال لولده " العبلات "، لأن أمَّهم عبلة. منهم: الثريَّا بنت عليِّ بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، التي كان يشبِّب بها عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة. وهو القائل فيها من أبيات: ليتَ شعري هل أقولنْ لركبٍ ... بفلاةٍ وهمْ لدينا هجوعُ: طال ما عَرستُمُ فاستقلوا ... حانَ من نجمِ الثريَّا طلوعُ وفيها يقول، متخَّير من قصيدة: قالَ لي صاحبي ليعلمَ ما بي: ... أتحبُّ القَتولَ أختَ الربابِ؟ قلتُ: وجدي بها كوجدِكَ بالما ... ءِ إذا ما مُنعتَ بَرْدَ الشَّرابِ مَن رسولي إلى الثريَّا فإني ... ضقتُ ذَرعاً بهجرِها والكتابِ أَبرزوها مثلَ المهاةِ تَهادى ... بينَ خَمسٍ كواعبِ أَتْرابِ وهْيَ مكنونةٌ تَحيَّرَ منها ... في أديمِ الخدَّينِ ماءُ الشبابِ نلتُ ما كنتُ أشتهي يا عذولي ... حينَ قبَّلتُ ثغرها في النِّقابِ فاقتُليهِ قتلاً سريعاً مُريحاً ... لا تكوني عليهِ سَوطَ عذابِ

стр. 35

وكانت الثريَّا موصوفة بالجمال، فتزوَّجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهريُّ، فنقلها إلى مصر. فقال عمر يضرب لها المثل بالكوكبين: أيُّها المُنِكحُ الثريّا سُهيلاً عَمْرَكَ اللهُ كيفَ يَلتقيان! هيَ شاميَّةً إذا ما استقلّت وُسهيلٌ إذا استقلَّ يَمانِ وأمَّا حبيب بن عبد شمس فمن ولده عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب وهو خال عثمان وأخو أمِّه، ويعد في الصحابة، وكان مضعَّفا. وابنه عبد الله بن عامر من الأجواد، ولد على عهد رسول الله ﷺ ، واتى به وهو صغير. وقيل: لما أتى به إليه ﷺ قال لبني عبد شمس: " هذا أشبه بنا منكم "، ثم تفل في فيه فازدرده، فقال: " أرجو أن يكون مسقيَّا ". فكان كما قال ﷺ ، لا يعالج أرضا إلا ظهر له الماء. وقال صالح بن الوجيه وخليفة بن خياط: وفي سنة تسع وعشرين عزل عثمان أبو موسى الأشعريَّ عن البصرة، وعثمان بن أبي العاصي عن فارس، وجمع ذلك كلَّه لعبد الله بن عامر بن كريز. قال صالح: وهو ابن أربع وعشرين سنة. ولم يختلفوا أنه أفتتح أطراف فارس كلَّها وعامَّة خراسان وأصبهان وحلوان وكرمان. وهو الذي شقَّ نهر البصرة. ولم يزل واليا لعثمان على البصرة إلى أن قتل عثمان، وكان ابن عمَّته. ثم عقد له معاوية على البصرة، ثم عزله عنها، وكان أحد الأجواد. وأوصى إلى عبد الله بن الزُّبير، ومات قبله بيسير وفيه يقول زياد الأعجم: أخٌ لكَ لا تراهُ الدهرَ إلا ... على العلاَّتِ بسَّاماً جَوادا

стр. 36

سألناهُ الجزيلَ فما تَلكَّا ... وأعطى فوقَ مُنْيَتنا وزادا وأحسن ثم أحسنَ ثم عُدنا ... فأحسنَ ثمَّ عدتُ له فعادا مراراً ما رجَعتُ إليه إلا ... تبسَّم ضاحكاً وثَنى الوِسادا ومن موالي أروى بنت كريز أمِّ عثمان بن عفان طويس، الذي يضرب به المثل بشؤمه اسمه عبد الملك، ويكنى أبا عبد النعيم. ورؤي طويس يرمي بالجمار يشكر من عبق. فقيل له: ما هذا؟ فقال: كانت للشيطان عندي يد، فأحببت أن أكافئه عليها. ومن موالي عبد الله بن عامر بن كريز خالد بن مهران الحذَّاء، ويكنى أبا المنازل، ولم يكن بحذَّاء. قال فهد بن جبان: لم يحذ خالد قطُّ، وإنما كان يتكلم فيقول: أحذ على هذا الحديث، فلقِّب الحذاء. وتوفي سنة إحدى وأربعين ومئة. ومن ولد حبيب بن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب: يكنى أبا سعد. وأسلم يوم فتح مكة، وصحب النبي ﷺ ، وروى عنه مسلم: حدَّثنا شيبان بن فرُّوخ قال: نا جرير بن حازم قال: نا الحسن قال: نا عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : " يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ". غزا عبد الرحمن خراسان في زمن عثمان، وهو الذي افتتح سجستان وكابل. قال خليفة: في سنة اثنتين وأربعين وجَّه عبد الله بن عامر عبد الرحمن بن سمرة إلى سجستان، فخرج إليها، ومعه في تلك الغزاة الحسن بن أبي الحسن والمهلَّب ابن أبي صفرة وقطريُّ بن الفجاءة. فافتتح كورة من كور سجستان. وقد كان ولاَّه ابن عامر سجستان سنة ثلاث وثلاثين، ثم رجع إلى البصرة فسكنها. وإليه

стр. 37

سكَّة ابن سمرة بالبصرة. وتوفي سنة إحدى وخمسين، وروى عنه الحسن وغيره. وأخوه عمر بن سمرة: قطع النبيُّ ﷺ يده في سرقة. ولما قطعت قال: الحمد لله الذي طهِّرني منك. وأما عبد العزَّى بن عبد شمس: فمن ولده أبو العاصي بن الربيع بن عبد العزَّى زوج زينب بنت رسول الله ﷺ . واسمه لقيط، وقيل: هشيم، وقيل: مهشم، والأكثر لقيط. وكان النبيُّ ﷺ يحمد صهره ويثني عليه فيه خيرا. وكان يعرف بجرو البطحاء، وبنته أمامة من زينب، كان رسول الله ﷺ يحبُّها، وربما حملها على عنقه في الصلاة. وحديث صلاته بها مشهور في الصحاح. وتزوَّجها علي ﵁ بعد فاطمة. فلما قتل علي ﵁، وآمت منه تزوجها المغيرة بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب، أمره عليٌّ بذلك في الثلاثة الأيام التي عاش فيها بعدما ضربه ابن ملجم مخافة أن يتزوجها معاوية. فولدت للمغيرة يحيى، وبه كان يكنى. وهلكت عنده. وولد للمغيرة من غير أمامة: عبد الملك وعبد الواحد وسعيد وعبد الرحمن، ولا عقب لأبي العاصي من الذكور. وتوفي أبو العاصي بن الربيع في خلافة أبي بكر في ذي الحجَّة من سنة اثنتي عشرة. وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة؛ فهو ابن خالة زينب زوجه. وكان تزوَّجها وهو مشرك. فقالت له قريش كلُّها: طلقها، ونزوِّجك بنت سعيد بن العاصي، فأبى. فلذلك كان يحمد النبيُّ ﵇ صهره. وأسر يوم بدر، فمنَّ عليه رسول الله ﷺ وأطلقه بغير فداء. وهاجرت زينب وتركته على شركه. فلم يزل مقيما على الشِّرك حتى كان قبيل الفتح، وخرج بتجارة إلى الشام، ومعه أموال من أموال قريش. فلما

стр. 38

انصرف قافلا في جماعة عير لقيته سرية رسول الله ﷺ ، وأميرهم زيد بن حارثة. فأخذوا ما في تلك العير من الأنفال، وأسروا ناسا منهم. وأفلت أبو العاصي هربا، وأقبل من الليل حتى دخل على زينب، فاستجار بها، فأجارته. وأجاز رسول الله ﷺ جوارها وأقسم بعد صلاة الصبح للناس بأنه: " ما علم بما صنعت حتى سمعت منه ما سمعتم ". وقال: إنه يجير على المسلمين أدناهم. وأوصى ابنته أن تكرم مثواه، وأن لا يخلص إليها، فإنها لا تحل له. وكلَّم ﵇ أهل السرية فيما أصابوا له من الأموال فردُّوها عن طيب نفس. فسار بها إلى مكة، وأدَّى إلى كلِّ من أبضع معه من قريش ماله، لم يفقدوا منه شيئا. فشكروا وفاءه وكرمه. وأسلم جهارا بين أيديهم. ثم قدم على رسول الله ﷺ مسلما، وحسن إسلامه.

стр. 39

وأما ربيعة بن عبد شمس: فمن ولده أبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة. واسم أبي حُذيفة مهشم، وقيل هُشيم، وقيل: هاشم. وهو مهاجريُّ بدري، من فضلاء الصحابة. واستشهد يوم اليمامة. وهاجر الهجرتين، صلىالقبلتين. وكان إسلامه قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم. وكان رجلاً طوالاً، حسن الوجه، أحول أثعل. والأثعل: الذي له سن زائدة، تدخل من أجلها الأخرى. وموله سالم مولي أبي حذيفة وهو سالم بن معقل، وكان من فضلاء الموالي، ومن خيار الصحابة وكبارهم، ويكنى أبا عبد الله. وكان أبو حذيفة قد تبنَّاه، فكان ينسب إليه حتى نزلت: " أدعوهم لآبائهم ". وكان من القراء. ذكر أحمدُ بنُ زُهير بن حرب، وهو ابن أبي خيثمة، قال: نا أبي، نا جرير عن الأعمش عن أبي وائل، عن مسروق بن الأجدع، قال: كنا عند عبد الله بن عمرو فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " خُذوا القرآنَ من أربعةٍ: من ابن أمِّ عبد، فبدأ به، ومن أبيِّ بن كعب، ومن سالم مولي أبي حذيفة، ومن معاذ بن جبل. واستشهد سالمٌ يوم اليمامة مع مولاه أبي حذيفة. وجد رأس أحدهما عند رجل الآخر ﵄. وولد لأبي حذيفة بأرض الحبشة ابنه محمدٌ. ولما استشهد أبو حذيفة كفل ابنه محمداً عثمان، ولم يزا في نفقته. فلما حُصر عثمانُ كان محمدُ بن أبي

стр. 40

حذيفة أحد من أعان عليه، وحرَّض أهل مصر حتى ساروا إليه، وهو معهم. فلما قُتل عثمان هرب محمدٌ إلى الشام، فوجده رشدين مولي معاوية فقتله. وأبو أبي حذيفة عتبة بن ربيعة، وأخوه الوليد بن عتبة، وعمُّه شيبةُ بن ربيعة من أصحاب قليب بدر. وأخت أبي حذيفة هندُ بنتُ عُتبة: أمُّ معاوية، أسلمت يوم الفتح، بعدما أسلم زوجُها ابو سفيان بنُ حربٍ، فأقرَّهما رسول الله ﷺ على نكاحها. ولما أخذ رسول الله ﷺ يوم الفتح البيعة عل النساء، ومن الشرط فيها) ألاّ يسرِقْنَ، ولا يزنين (، قالت له هند بنتُ عتبة: " وهل تزني الحرةُ أو تسرقُ يا رسول الله؟ ". فلّما قال:) ولا يقتلن أولادهنَّ (قالت: " قد ربَّيناهم صغاراً، وقتلتهم أنت ببدر كباراً "، أو نحو هذا من القول. وشكت إلى رسول الله ﷺ أنَّ زوجها أبا سُفيان لا يُعطيها من الطعام ما يكفيها وولدَها، فقال رسول الله ﷺ : " خُذي من ماله بالمعروف ما يكفيكِ أنتِ وولدُكِ ". وتوفيتْ هندُ بنتُ عتبة في خلافة عمر بن الخطاب في اليوم الذي مات فيه أبو قُحافة والدُ أبي بكر الصدِّيق ﵁. وكانت امرأةً فيها ذُكرة، لها نفسٌ وأنفةٌ. شهدت أحداً كافرةً مع زوجها أبي سُفيان. وكانت تقول يوم أحد: نحن بناتُ طارقْ ... نمشي على النمارقْ إنْ تُقبلوا نُعانقْ ... أو تُدبروا نفارقْ فِراقَ غيرِ وامِقْ قال الزُّبيرُ: سمعتُ يحيى بن عبد الله الهُديريَّ، وقد ذُكر قول هندٍ: " نحن بناتُ طارق "، فقال: أرادت: نحن بناتُ النَّجم، من قوله :) والسِّماء
следующие страницы →