Полный текст (811 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
سألناهُ الجزيلَ فما تَلكَّا ... وأعطى فوقَ مُنْيَتنا وزادا
وأحسن ثم أحسنَ ثم عُدنا ... فأحسنَ ثمَّ عدتُ له فعادا
مراراً ما رجَعتُ إليه إلا ... تبسَّم ضاحكاً وثَنى الوِسادا
ومن موالي أروى بنت كريز أمِّ عثمان بن عفان طويس، الذي يضرب به المثل بشؤمه اسمه عبد الملك، ويكنى أبا عبد النعيم. ورؤي طويس يرمي بالجمار يشكر من عبق. فقيل له: ما هذا؟ فقال: كانت للشيطان عندي يد، فأحببت أن أكافئه عليها.
ومن موالي عبد الله بن عامر بن كريز خالد بن مهران الحذَّاء، ويكنى أبا المنازل، ولم يكن بحذَّاء. قال فهد بن جبان: لم يحذ خالد قطُّ، وإنما كان يتكلم فيقول: أحذ على هذا الحديث، فلقِّب الحذاء. وتوفي سنة إحدى وأربعين ومئة.
ومن ولد حبيب بن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب: يكنى أبا سعد. وأسلم يوم فتح مكة، وصحب النبي ﷺ ، وروى عنه مسلم: حدَّثنا شيبان بن فرُّوخ قال: نا جرير بن حازم قال: نا الحسن قال: نا عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : " يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ".
غزا عبد الرحمن خراسان في زمن عثمان، وهو الذي افتتح سجستان وكابل. قال خليفة: في سنة اثنتين وأربعين وجَّه عبد الله بن عامر عبد الرحمن بن سمرة إلى سجستان، فخرج إليها، ومعه في تلك الغزاة الحسن بن أبي الحسن والمهلَّب ابن أبي صفرة وقطريُّ بن الفجاءة. فافتتح كورة من كور سجستان. وقد كان ولاَّه ابن عامر سجستان سنة ثلاث وثلاثين، ثم رجع إلى البصرة فسكنها. وإليه
стр. 37
سكَّة ابن سمرة بالبصرة. وتوفي سنة إحدى وخمسين، وروى عنه الحسن وغيره.
وأخوه عمر بن سمرة: قطع النبيُّ ﷺ يده في سرقة. ولما قطعت قال: الحمد لله الذي طهِّرني منك.
وأما عبد العزَّى بن عبد شمس: فمن ولده أبو العاصي بن الربيع بن عبد العزَّى زوج زينب بنت رسول الله ﷺ . واسمه لقيط، وقيل: هشيم، وقيل: مهشم، والأكثر لقيط. وكان النبيُّ ﷺ يحمد صهره ويثني عليه فيه خيرا. وكان يعرف بجرو البطحاء، وبنته أمامة من زينب، كان رسول الله ﷺ يحبُّها، وربما حملها على عنقه في الصلاة. وحديث صلاته بها مشهور في الصحاح. وتزوَّجها علي ﵁ بعد فاطمة. فلما قتل علي ﵁، وآمت منه تزوجها المغيرة بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب، أمره عليٌّ بذلك في الثلاثة الأيام التي عاش فيها بعدما ضربه ابن ملجم مخافة أن يتزوجها معاوية. فولدت للمغيرة يحيى، وبه كان يكنى. وهلكت عنده.
وولد للمغيرة من غير أمامة: عبد الملك وعبد الواحد وسعيد وعبد الرحمن، ولا عقب لأبي العاصي من الذكور. وتوفي أبو العاصي بن الربيع في خلافة أبي بكر في ذي الحجَّة من سنة اثنتي عشرة.
وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة؛ فهو ابن خالة زينب زوجه. وكان تزوَّجها وهو مشرك. فقالت له قريش كلُّها: طلقها، ونزوِّجك بنت سعيد بن العاصي، فأبى. فلذلك كان يحمد النبيُّ ﵇ صهره. وأسر يوم بدر، فمنَّ عليه رسول الله ﷺ وأطلقه بغير فداء.
وهاجرت زينب وتركته على شركه. فلم يزل مقيما على الشِّرك حتى كان قبيل الفتح، وخرج بتجارة إلى الشام، ومعه أموال من أموال قريش. فلما
стр. 38
انصرف قافلا في جماعة عير لقيته سرية رسول الله ﷺ ، وأميرهم زيد بن حارثة. فأخذوا ما في تلك العير من الأنفال، وأسروا ناسا منهم. وأفلت أبو العاصي هربا، وأقبل من الليل حتى دخل على زينب، فاستجار بها، فأجارته. وأجاز رسول الله ﷺ جوارها وأقسم بعد صلاة الصبح للناس بأنه: " ما علم بما صنعت حتى سمعت منه ما سمعتم ". وقال: إنه يجير على المسلمين أدناهم. وأوصى ابنته أن تكرم مثواه، وأن لا يخلص إليها، فإنها لا تحل له. وكلَّم ﵇ أهل السرية فيما أصابوا له من الأموال فردُّوها عن طيب نفس. فسار بها إلى مكة، وأدَّى إلى كلِّ من أبضع معه من قريش ماله، لم يفقدوا منه شيئا. فشكروا وفاءه وكرمه. وأسلم جهارا بين أيديهم. ثم قدم على رسول الله ﷺ مسلما، وحسن إسلامه.
стр. 39
وأما ربيعة بن عبد شمس: فمن ولده أبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة. واسم أبي حُذيفة مهشم، وقيل هُشيم، وقيل: هاشم. وهو مهاجريُّ بدري، من فضلاء الصحابة. واستشهد يوم اليمامة. وهاجر الهجرتين، صلىالقبلتين. وكان إسلامه قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم. وكان رجلاً طوالاً، حسن الوجه، أحول أثعل. والأثعل: الذي له سن زائدة، تدخل من أجلها الأخرى. وموله سالم مولي أبي حذيفة وهو سالم بن معقل، وكان من فضلاء الموالي، ومن خيار الصحابة وكبارهم، ويكنى أبا عبد الله. وكان أبو حذيفة قد تبنَّاه، فكان ينسب إليه حتى نزلت: " أدعوهم لآبائهم ". وكان من القراء. ذكر أحمدُ بنُ زُهير بن حرب، وهو ابن أبي خيثمة، قال: نا أبي، نا جرير عن الأعمش عن أبي وائل، عن مسروق بن الأجدع، قال: كنا عند عبد الله بن عمرو فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " خُذوا القرآنَ من أربعةٍ: من ابن أمِّ عبد، فبدأ به، ومن أبيِّ بن كعب، ومن سالم مولي أبي حذيفة، ومن معاذ بن جبل.
واستشهد سالمٌ يوم اليمامة مع مولاه أبي حذيفة. وجد رأس أحدهما عند رجل الآخر ﵄.
وولد لأبي حذيفة بأرض الحبشة ابنه محمدٌ. ولما استشهد أبو حذيفة كفل ابنه محمداً عثمان، ولم يزا في نفقته. فلما حُصر عثمانُ كان محمدُ بن أبي
стр. 40
حذيفة أحد من أعان عليه، وحرَّض أهل مصر حتى ساروا إليه، وهو معهم. فلما قُتل عثمان هرب محمدٌ إلى الشام، فوجده رشدين مولي معاوية فقتله.
وأبو أبي حذيفة عتبة بن ربيعة، وأخوه الوليد بن عتبة، وعمُّه شيبةُ بن ربيعة من أصحاب قليب بدر. وأخت أبي حذيفة هندُ بنتُ عُتبة: أمُّ معاوية، أسلمت يوم الفتح، بعدما أسلم زوجُها ابو سفيان بنُ حربٍ، فأقرَّهما رسول الله ﷺ على نكاحها.
ولما أخذ رسول الله ﷺ يوم الفتح البيعة عل النساء، ومن الشرط فيها) ألاّ يسرِقْنَ، ولا يزنين (، قالت له هند بنتُ عتبة: " وهل تزني الحرةُ أو تسرقُ يا رسول الله؟ ". فلّما قال:) ولا يقتلن أولادهنَّ (قالت: " قد ربَّيناهم صغاراً، وقتلتهم أنت ببدر كباراً "، أو نحو هذا من القول. وشكت إلى رسول الله ﷺ أنَّ زوجها أبا سُفيان لا يُعطيها من الطعام ما يكفيها وولدَها، فقال رسول الله ﷺ : " خُذي من ماله بالمعروف ما يكفيكِ أنتِ وولدُكِ ".
وتوفيتْ هندُ بنتُ عتبة في خلافة عمر بن الخطاب في اليوم الذي مات فيه أبو قُحافة والدُ أبي بكر الصدِّيق ﵁. وكانت امرأةً فيها ذُكرة، لها نفسٌ وأنفةٌ. شهدت أحداً كافرةً مع زوجها أبي سُفيان.
وكانت تقول يوم أحد:
نحن بناتُ طارقْ ... نمشي على النمارقْ
إنْ تُقبلوا نُعانقْ ... أو تُدبروا نفارقْ
فِراقَ غيرِ وامِقْ
قال الزُّبيرُ: سمعتُ يحيى بن عبد الله الهُديريَّ، وقد ذُكر قول هندٍ: " نحن بناتُ طارق "، فقال: أرادت: نحن بناتُ النَّجم، من قوله :) والسِّماء
стр. 41
والطارق، وما أدراك ما الطارق، النجم الثاقب (. تقول: نحن بنات النجم.
وبَقرت عن كبدِ حمزة يومَ أحدٍ، فلا كتها، فلم تستطع أن تُسيغها فلفظتْها وقالت:
شَفَيتُ من حمزةَ نفسي بأُحُدْ
حينَ بَقَرتُ بطنَهُ عنِ الكَبِدْ
أَذهبَ عنّي ذاكُ ما كنتُ أجِدْ
مِن لَذْعةِ الحُزْنِ الشَّديدِ المتَّقِدْ
وجَعلت، في ذلك اليوم هي والنِّسوةُ التي معها يُمثِّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ ، يَجد عن الآذان والأنف حتى اتَّخذت من آذان الرجال وأُنُفهم خدماً وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقِرطها وحشياً غلام جبير بن مُطعمٍ.
وأخوهما أبو هاشم بنُ عُتبة: من مُسلمة الفتح. واسمه شيبةُ على اختلاف في اسمه. وكان فاضلاً. وكان أبو هريرة إذا ذكر ابا هاشم قال: " ذلك الرجلُ الصالحُ ". سكن الشام، وتوفي بها. وروى عن النبيِّ ﷺ . حدَّث أبو بكر بنُ أبي شيبة قال: نا أبو معاوية عن الأعمش، عن شقيق، قال: دخل معاوية على خاله أبي هاشم بن عتبة يعودُهُ فبكى. فقال له معاوية: ما يُبكيك يا خال؟ أوجعٌ تجده أم حرصٌ على الدنيا؟ قال: كلٌّ لا، ولكنَّ النبيَّ ﷺ عهد إلينا فقال: " يا أبا هاشمٍ، إنَّها لعلَّك تُدركُك أموالٌ يُؤتاها أقوامٌ، فإنما يكفيك من الدنيا خادِمٌ ومركبٌ في سبيل الله "، وأُراني قد جَمعْتُ.
وانقرض عقِبُ عتبة بن ربيعة إلا ولد المغيرة بن عِمران بن عاصم بن
стр. 42
الوليد بن عتبة بن ربيعة، فإنهم كانوا بالشام. وأختهم فاطمة بنت عتبة بن ربيعة: خالةُ معاوية. روت عنها أمُّ محمد بن عجلان المُحدِّث، وهي مولاتُها.
قصي بن كلاب
اسمُ قصيٍّ زيدٌ، ويُكنى " أبا المُغبرة "، ويُدعى مُجمِّعاً. قال الشاعر لولد قصيٍّ:
أبوكم قصيٌّ كان يُدعى مُجمِّعاً ... به جَمعَ اللهُ القبائل من فِهْرِ
ويُروى:
قصيٌّ لَعَمري كان يُدعى مُجمِّعاً
ودُعي مُجمِّعاً لأنه جمع قبائل قريش إلى الحرم، وكانوا متفرقين في كنانة حين أخرج خُزاعة عن مكَّة، وكانوا وُلاتها بعد جُرْهُمٍ. وكان قصيٌّ صاهر مَلكهم حُليلَ بن حُبْشِيَّة بن سلول، كانت عنده حُبَّي بنتُ حُليل، وأعطى مفاتيح الكعبة لأبي غُبشانَ، فباعها من قُصيٍّ بزقِّ خمرٍ وحُلَّةٍ ودراهم. فلذلك تضربُ به العرب المثل فتقول: " أخسر صفقةً من أبي غُبشانَ ".
قال الشاعر:
أبو عُبشان أظلمُ من قصيٍّ ... وأظلمُ من بني فِهرٍ خُزاعَهْ
فلا تَلْحَوا قُصيَّاً في شِراهُ ... ولوموا شيخَكمْ إذْ كانَ باعَهْ
стр. 43
وأُمُّ قُصيٍّ وزهرة ابني كلابٍ فاطمة بنتُ سعد بن سيلٍ؛ احد الجدرة من خثعمة الأسد من اليمن. وكانوا خلفاء في بني الدُّئِل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. قال ابن هشام: يقال خثعمة الأسد، وجِعثمةُ الأسد. وهو جِعثمة بن يشكر بن مُبشِّر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث ابن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأَزِد بن الغوث نبتِ بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.
واسم سبأ عبدُ شمس. وإنما سُمي سبأ لأنه أول من سبأ في العرب، ابن يشجُب بن يعرب بن قحطان.
والجَدَرَةُ: هم بنو عامر بن عمرو بن خزيمة بن جِعثِمة. وكان أبوهم عامرٌ بني جداراً للكعبة ايام جُرْهم، لأنه كان صِهرهم فسمي " الجادِرَ "، وقيل لولدِهِ " الجَدَرة ".
ونُعمُ بنتُ كِلابٍ: وهي شقيقةُ قُصيٍّ وزُهرة؛ أمُّ سعدٍ وسُعيد، ابني سهم ابن عمرو بن هُصيص بن كعب. وأخوهم لأمهم رِزاحُ بنُ ربيعة بن حرام ابن عُذرة، من قُضاعة. وهو الذي نصر قُصياً على خزاعة وبني بكر بن عبد مناة ابن كنانة حتى أخرجهم من مكة. وكان قُصيٌّ استنصرهُ، فأتاه فيمن تبعه من قُضاعة في حاجِّ العرب. وهو القائل في إجابته قصياً:
لما أتى من قصيٍّ رسولٌ ... فقال الرسول أجيبوا الخليلا
نهضنا إليه نقود الجياد ... ونطرح عنا الملول الثقيلا
وهذان البيتان من قصيدةٍ له. وقال قصي:
أنا ابنُ العاصمينَ بنِي لؤيٍّ ... بمكةَ منزلي وبِها رَبِيتُ
стр. 44
إلى البطحاءِ قد علمتْ مَعدٌّ ... ومَرْوتِها رَضيتُ بِها رَضيتُ
فلستُ لغالبٍ إن لم تَأثَّلْ ... بها أولادُ قَيذَرَ والنَّبيتُ
رِزاحٌ ناصري وبهِ أُسامي ... فلستُ أخافُ ضَمياً ما حَييتُ
وكان ربيعة بن حرامٍ أبو رزاحٍ قدم مكة، وزُهرةُ بن كلابٍ يومئذٍ رجلٌ، وقصيٌّ فطيمٌ. فتزوج فاطمة بنت سعد بن سيل؛ أمَّهما. فاحتملها إلى بلاده، فحملت قُصياً معها، وأقام بمكة زُهرة. فولدت لربيعة رزاحاً. فلما بلغ قُصيٌّ، وصار رجلاً أتى إلى مكة، فأقام بها حتى ملك أمرها، وبلغ شرفُه فيها ما لم يبلغه أحدٌ من آبائه. كانت له الحجابةُ والسِّقايةُ والرِّفادةُ والنَّدوة واللِّواء. فحاز شرف مكة كلَّه.
وكان أول بني كعب بن لؤي أصاب مُلكاً أطاع له به قومُه، واتَّخذ لنفسه دار الندوة، ففيها كانت قريشٍ تقضي أمورها، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة. وكان أمره في قريشٍ كالديِّن المتَّبع ومن بعد موته.
وولد قُصيٌّ عبد منافٍ، وقد تقدَّم ذكره، وعبد العُزَّى، وعبد الدار، وعبداً. وأمُّهم حُبَّي بنت حُليل بن حُبْشيَّة بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعيِّ. وعمرو هو لُحيٌّ، وهو أبو خُزاعة. فمن بني أسد بن عبد العُزى: عبد الله ويزيد ووهب بنو زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد. وهم من الصحابة، وأمهم قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة زوج النبي ﵇. وأبوهم زمعةُ من أصحاب القليب، وجدهم الأسود من المستهزئين الذين كُفيهُم النبيُّ ﵇. وروي أنَّ جبريل رمى في وجهه بورقة فعمي. وكان عبدُ الله من أشراف قريش، وكان يأذنُ على النبي ﵇ بعد في أهل المدينة. روى عنه أبو بكرٍ بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام حديث: " مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس ". وروى عنه عُروةُ بن الزُّبير حديث ضرب المرأة، والضحكة مع الضَّرطة.
стр. 45
وكانت تحته زينب بنت أبي ... أم بنيه.............. توفي بها سنة مئتين، وكان ضعيفاً في الحديث. وقال عنه أبو الفتح محمد بن الحسين الأزديُّ الموصليُّ الحافظ: وكان قاضي الرقة، استقضاه الرشيد، وكان كذاباً متروك الحديث، لا تجاوز اللهُ عنه. ولما مات بلغ ابن مهدي موتهُ قال: الحمدُ لله الذي أراح الناس منه. وكان يطير الحمام للرشيد فقال له يوماً: أتحفظ في الحمام شيئاً؟ فقال حدثني ... عائشة أن النبي ﷺ كان يطيرها، فقال: اخرج عني لولا أنك من قريش لعزلتك.
وأما يزيد بن زمعة فهو الذي أهوى بالسيف لزينب، فألقت ذا بطنها. وقد ذكرنا قصتها معه قبلُ.... وأسلم هبارٌ بعد الفتح وحسن إسلامه.
ومن بني اسد: خديجةُ بنت خُويلد بن أسدٍ زوجُ النبي ﵇، والزُبير بنُ العوام بن خُويلد، وحكيمُ بنُ خُويلد، ويكنى أبا خالد.
وكان حكيمٌ من أشراف قريش، وُلد في الكعبة، وذلك أن أمَّه دخلت الكعبة في نسوة من قريش، وهي حاملٌ فضربها المخاضُ، فأتيتْ بنطع فولدت حكيماً عليه. وكان من أشراف قريش ووجوهها في الجاهلية والإسلام، وفرَّ يوم بدر. وكان إذا اجتهد في اليمن قال: " لا، والذي نجَّاني يوم بدر ". وقال حكيمٌ: " ولدتُ قبل الفيل بثلاث عشرة سنةً، وأنا أعقِلُ حين أراد عبدُ المطَّلب أن يذبح ابنه عبد الله، حين وقع نذره، وذلك قبل مولد رسول الله ﷺ بخمس سنين ".
وكان يفعل المعروف في الجاهلية، ويُعتق الرقاب تحنُّثاً. وسأل عن ذلك رسول الله ﷺ بعدما أسلم فقال: " أسلمت على ما أسلفتَ من خيرٍ ". وكان من خيار المؤلفة قلوبُهم. أسلم يوم الفتح هو وبنوه: هشامٌ وعبدُ الله وخالدٌ ويحيى: وله ولبنيه صحبةٌ ورواية. وعاش مئة وعشرين سنةً. وكان
стр. 46
فاضلاً تقياً سرياً جَواداً. واعتق موت النبي ﵇ مئة مملوك في يوم واحد، وفي أعناقهم أطواق الفضة.
وشهد حكيم مع أبيه الفِجار الأول والثاني. وفي الفجار الثاني قُتل أبوه حِزامٌ. وباع حكيمٌ دارا له من معاوية بستين ألف دينار. فقيل له: " غبنك معاوية! " فقال: " والله ما أخذتُها في الجاهلية إلا بزق خمر، أُشهدكم أنها في سبيل الله. فانظروا أيُّنا المغبونُ؟ ". ومات حكيمٌ بالمدينة سنة أربع وخمسين.
وهشامٌ: من بنيه، كان من فضلاء الصحابة وخيارهم، ممَّن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ذكر مالك أن عمر بن الخطاب كان " يقول " إذا بلغه أمرٌ ينكره: " أما ما بقيتُ أنا وهشام بن حكيم فلا يكون ذلك ". قال ابن وهب: وسمعتُ مالكاً يقول: كان هشام بن حكيم كالسائح لم يتخذ أهلاً ولا ولداً. وحديث عمر مع هشام بن حكيم حين سمعه عمر يقرأ سورة " الفرقان " ذكره مالكٌ في موطَّئه في كتاب الصلاة. ونصُّه: مالكٌ عن ابن شهابٍ عن عروة بن الزُّبير عن الرحمن بن عبدٍ القاريِّ أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حِزامٍ يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه. ثم أمهلتُه حتى انصرف، ثم لبَّبتُه بردائه، فجئتُ به رسول الله فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها. فقال رسول الله، إني سمعتُ هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها. فقال رسول الله: " أرسله ". ثم قال: " اقرأ ". فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ. فقال رسول الله ﷺ : " هكذا أُنزلت ". ثم قال لي::اقرأ ". فقرأتها فقال: " هكذا أُنزلت: إنَّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسَّر منه ".
ومن بني أسدٍ فاطمة بنتُ أبي حُبيش بن المطَّلب بن أسد بن عبد العزَّى ابن قُصي، وكانت تُستحاضُ. روى عنها عروة بن الزبير، وسمع منها حديثها في الاستحاضة، وهو في الموطأ عن عُروة عن عائشة، ونصُّه: مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﵇ أنها قالت: قالت فاطمةُ بنت أبي حُبيش: يا رسول الله، إني لا أطهر فأدعُ الصلاة! فقال لها رسول الله: " إنما ذلك عِرقٌ وليس بالحيضة. فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرُها فاغسلي الدم عنكِ وصلِّي ".
стр. 47
وأخوها السائبُ بنُ أبي حُبيش: له صحبة. وهو معدود في أهل المدينة روى عنه سليمان بن يسار وغيره.
ومن بني أسد ورقةُ بن نَوفلِ بن أسد. وهو ابنُ عمِّ خديجةَ، وأدراكَ مبعثَ النبيِّ ﵇، وقد عُميَ. ولقيهُ ورقةُ، وهو يطوف بالبيت فسأله ورقةُ عن ما رأى ﷺ وما سمع. فقبَّل يأفوخَه، وبشَّرة بالنبِّوة. وخبرُ ورقةَ أشهرُ من أن يذكر.
وأخواه: عدي وصفوان ابنا نوفل. فأما عدي فهو من مُسلمة الفتح، وعملَ لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان على حضر موت. وأمُّه آمنةُ بنت جابر بن سفيان ... ذكر ذلك الزبير. وأما صفوان..... وكان من أشراف قريش، وهو الذي قال فيه عمر: " ذاك رجل لا أعلم فيه عيبا، وما أحدٌ بعد رسول الله ﷺ إلا وأنا أقدرُ أن أعيبه ". وقيل إنه قاله في ابنة عبد اللهِ بن السائب، وكان شريفاً أيضا، وسيطا في قومه.
" وكانت عند " المغيرة بن أبي العاصي عمِّ عثمان بن عفان. فولدت له معاوية بن المغيرة. وهي جدة عائشة بنت معاوية بن المغيرة، أم عبد الملك بن " مروان " وبسرة هذه من المبايعات. ورَوى عنها من الصحابة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط، وروى عنها مروان بن الحكم و) سعيد بن المسيَّب (.
ومنهم الحَولاء بنت تُوضيت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى بن قصي. هاجرت إلى رسول الله ﷺ وكانت كثيرة (العبادة. وفيها جاء الحديث أنها كانت لا تنام، فقال رسول الله ﷺ " إن الله لا يسأم " حتى تسأموا ".
стр. 48
وقُتل من كفار بني أسد يوم بدر: زمعة بن الأسود بن المطَّلب بن أسد. اشترك في قتلة حمزةُ وعلي بن أبي طالب وثابت بن الجذع الأنصاري السلمي.
واسمُ الجَذَع ثعلبةُ. وأخوهُ عقيل بن الأسود بن المطلب، قتله حمزة وعلي، اشتركا فيه. وأبُو البَخْتري العاصي بن هشام. ويقال: ابن هاشم بن الحارث ابن أسد قتله المجذَّر بن ذّياد البلويُّ. وكان أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة. وقال النبيُّ ﵇ يوم بدر: " مَن لقي أبا البختريِّ فلا يقتلْهُ " فجهد المجذَّرُ على أخذه أسيراً، فلم يقدر عليه إلا يكون مع زميله. فأبى المجذر ذلك، وقال لم يأمر رسول الله بترك قتل أحدٍ إلا لكَ وحدك. فقاتل دون زميله فقتله المجذر.
وابنه الأسود بنُ أبي البختري: أسلم يوم الفتح، وصحب النبي ﵇. وكان من رجال قريش وفي ابنه سعيد بن الأسود قالت امرأة:
ألا ليتَني اَشْري وشاحي ودُملجى ... بنظرةِ عَينٍ من سعيد بن أسود
ومن بني عبد الدَّار بن قُصيّ
مُصعبُ بنُ عُمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار: وهو من المهاجرين الأولين. شهد بدراً، وقُتل يوم أُحد شهيداً. قال أبو محمد بنُ الجارُودِفي كتاب) المنتقى (له: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: نا معاوية الضريرُ قال: نا الأعمشُ عن شقيق، عن خَباب بن الأرت فال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله، نبتغي وجه الله، فوجَبَ أجرنا على الله. فمنَا من مضى لم يأكل من أجره شيئاً؛ منهم: مُصعب بن عُمير، قُتل يوم أحدٍ، فلم يوجَد لهث شيء يكفَّن به إلا نَمِرَةُ. فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رحلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسَهُ. فقال رسول الله ﷺ : " ضَعوها ممَّا يلي رأسَهُ، واجعلوا على رجليهِ من
стр. 49
الأذخُر ". ومنا من أينعت له ثمرتُهُ فهو يَهدِ بُها.
وأخواهُ أبو الروم وأبو عزيز ابنا عُمير. فأما أبو الروم، فكان قديم الإسلام بمكة. وذكر ابنُ إسحاقَ أنه هاجر إلى أرض الحبشة. وقال أبو الزِّناد: لم يهاجر إليها. وشهدَ أحداً وقُتل يومَ اليرموك شهيداً. وهو ممِّن اشتهر بكنيته. " له صحبة " وسماع من النبي ﷺ . روى عنه نُبْيهُ بن وهب. يعدُّ في أهل المدينة ...
ومنهم سُوَيبط بن سعد بن حُرَيْملةَ بن مالك بن عُمَيلةَ بن السَّبَّاق بن عبد الدار. هاجر الهجرتين، وشهد بدراً. وكان مزَّاحا يُفرط في الدُّعابة. وقصتُه مع نُعيمان بن عمرو الأنصاريَّ النجَّاريَّ مشهورة حين سافرا مع أبي بكر الصديق ﵃. وكان نُعيمان أيضا مزَّاحا. وله أخبار مُستطرفة مُضحكة، ذكرها مُسندة أحمد بنُ حنبل والزبير بن بكَّار وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزْمٍ الأنصاريُّ النجَّاريُّ.
ومنهم برةُ بنت عامر بن الحارث بن السبّاق بن عبد الدار بن قصي. وهي بنت عم بَعكك والد أبي السنابل. وكانت تحت أبي إسرائيل الأنصاريَّ، فولدَتْ له إسرائيل بن أبي إسرائيل. وكانت من المهاجرات.
ومنهم عثمانُ بنُ طلحة بن أبي طلحة. واسم أبي طلحة عبدُ الله بنُ عبد العُزى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصي. قُتل أبوهُ طلحةُ وعمه عثمان ابنا أبي طلحة جميعا يومَ أحدِ كافرين. قَتل حمزةُ عثمان وقَتل عليٌّ طلحة مُبارزة. وقُتل لعثمان ابن طلحة إخوة أربعةٌ أيضا يوم أحدٍ كفاراً، وهم: مُسافع، والجُلاس، والحارث، وكِلاب بنو طلحة. قَتل مُسافعاً والجُلاس عاصم بن أبي الأفلح حمِيُّ الدَّبْر. وقتل كلاباً والحارث قُزمانُ حليفُ بني ظفرٍ. وقيل: كلاباً عبدُ الرحمن بن عوف. وقال ابنُ عبدِ البر في كتاب الصحابة: قَتل كلابا الزبير. وكانت هجرة عثمان بن طلحة في هُدنة الحديبية مع خالد بن الوليد. فلقيا
стр. 50
عَمرو بن العاصي مُقبلاً من عند النَّجاشي يريد الهجرة. فاصطحبوا جميعا حتى قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة. فقال رسول الله حين رآهم: " رمتْكم مكةُ بأفلاذِ كبِدها " يقول: إنهم وجوهُ مكةَ، فأسلموا. ثم شهد عثمان بن طلحة فتح مكة، فدفع رسول الله مفتاح الكعبة إليه وإلى ابن عمِّه شيْبة بن عثمان بن أبي طلحة، وكان من مُسلمة الفتح. وقيل: بل أسلم بحُنين.
وقال لهما ﵇: " خذوها، يا بني أبي طلحة، خالدةً تالدةً إلى يوم القيامة، لا ينزعها منك إلا ظالم ". فبنو أبي طلحة هم الذين يَلُونَ سِدانةَ الكعبة دون بني عبد الدار. ثم نزل عثمان بن طلحة المدينة فأقام بها إلى وفاة رسول الله ﷺ . ثم انتقل إلى مكة، فسكنها حتى مات بها في أول خلافة معاويةَ سنة اثنتين وأربعين. وقيل إنه قُتل يومَ أجنادين.
وابنُ عمه شيبة بن عثمان: هو جدُّ بني شيبةَ حَجَبةِ الكعبة إلى اليوم. وتوفى في آخر خلافة معاوية سنة تسعٍ وخمسين. وقيل: بل تُوفي في أيام يزيد. وهو من فضلاء المؤلفة قلوبهم.
وابنته صفيةُ بنتُ شيبةَ: يُروى عنها الحديث؛ روى عنها ميمون بن مِهْران الجزريُّ وعُبيدُ اللهِ بن أبي ثور والحسن بن مسلم وإبراهيم بن مُهاجر. وروت هي عن ... فمِمَّا روى عنها الحسن بن مسلم ما ذكره ابن الجارود في " الملتقى " فقال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن الدَّوقيُّ وإسماعيل بن أبي الحارث قالا: نا يحيى، وهو ابن أبي بُكير عن إبراهيم بن طَهمان قال: حدثني بُديل عن الحسن بن مسلم عن صفية بنتِ شيبةَ عن أم سَلمة زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: " المتوفي عنها زوجُها لا تلبسُ المعصفر من الثياب، ولا الممشَّقة، ولا الحَلْيَ، ولا تختضبُ، ولا تكتحلُ ". قال: وحدثني بُديل أن الحسن بن مسلم قال: لم أرَهم يَرَونَ بالصبرِ باساً.
وممَّن رَوى عنها إبراهيم بن مَهاجر ما ذَكره أبن الجارود أيضا في المنتقى،
стр. 51
فقال: حدثنا محمد بن يحيى قال: نا عبيد الله بن موسى قال: نا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: سألت امرأة من الأنصار النبي ﷺ عن الحائض إذا أرادت أن تغتسل من المحيض. قال: " خُذي ماءكَِ وسدْركِ ثم اغتسلي، فأَنقي، ثم صُبَّى على رأسكِ حتى تبلغَ شؤونَ الرأس. ثم خذي فِرصة ًمُمسكة ". قالت: كيف أصنع؟ فسكت، ثم قالت: كيف أصنع؟. فسكت. فقالت عائشةُ: " خذي فِرصةً مُمسًكة فتتبَّعي بها أثر الدم ". ورسول الله ﷺ يسمع، فما أنكر عليها.
خرَّج مسلمّ هذا الحديث من طرق، عن منصور بن صفية، عن أمه، عن عائشة. وعن إبراهيم بن المهاجر، عن صفية، عن عائشة. وفي آخر حديث ابن المهاجرة فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار. ولم يكن يمنعهنَّ الحياء أن يتفقَّهنَ في الدين. المرأة التي سألت النبَّي ﵇ عن غسل المحيض أسماءُ بنتُ شكل الأنصارية.
... وكان لصفية أخوان: " مُصعب " وجُبير ابنا شيبةَ. فأما مصعب فروى عنها عن عائشة قالت: خرج النبي ﷺ غداةً وعليه مِرْط مُرحَّل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسينُ فدخل معهُ، ثم جاءت فاطمةُ فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: " إنما يريدُ اللهُ ليذهبَ عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيراً ".
وأما أخوها جُبير فولد عبدَ الحميد بن جُبير، رَوى من عمته صفية. مسلم: نا يحيى بن حبيب الحارثي قال: نا خالد بن الحارث قال: ناقرة قال: نا عبد الحميد بن جبير بن شيبة قال: حدَّثتْنا صفيةُ بنتُ شيبةَ قالت: قالت عائشة: قال
стр. 52
رسول الله: " يرجعُ الناس بأجرينِ وأرجع بأجرِ الحديث ". خرَّجه مسلم في كتاب " الحج ".
وقتل رسول الله ﷺ من بني عبد الدار يوم بدرٍ صبراً النَّضر بن الحارث بن علقمةَ بن كَلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصيٍّ. أمر بقتلهِ عليَّ بن أبي طالب بالصفراء. وكان النضر عدُّو الله من شياطين قريش، وممَّن كان يؤذي رسول الله ﷺ ، وينصِب له العداوة. وكان قد قدم الحيرة، وتعلَّم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رُستم وإسفنديار. فكان إذا جلس رسولُ الله ﷺ مجلساً فذكَّر فيه بالله ، قام ثم قال: أنا والله يا معشر قريش، أحسن حديثاً منه، أحدِّثكم أحسن من حديثه.
... ثم يقول: بماذا محمد أحسنُ حديثاً مني؟ وهو الذي قال: سأنزل مثل ما أنزلَ اللهُ.
وكان ابنُ عباس يقول: نزل فيه ثماني آيات من القرآن. قال الله تعالى:) إذا تُتلى عليه آياتُنا قال: أساطيرُ الأوَّليْنَ (. وكلُّ ما ذكر في القرآن من الأساطير.
وأخوهُ النُّضيرُ بنُ الحارث: كان من المهاجرين الأولين. وقيل: بل كان من مُسلمةِ الفتح، والأولُ أكثرُ وأصحُّ. ويكنى أبا الحارث. وأبوهُ الحارث بن علقمةَ يُعرف بالرَّ " هين " ومن ولِده محمدُ بن المرتفع بن النُّضير بن الحارث. يروى عنه ابن جُريج ...
وبنت النَّضر المذكور قُتيلةُ: كانت تحت عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر بن عبدِ شمس بن عبد مَناف. فوَلدت له علياً والوليد محمداً والحكَمَ. وهي جدةُ الثُّريَّا لأبيها عليِّ بن عبد الله بن الحارث. والثريا هي التي كان
стр. 53
يشبب بها عمرُ بن أبي ربيعة. وقد تقدَّم ذكرها قبلُ. وأسلمت قُتيلةُ يوم الفتح. وكانت شاعرةً مُحسنةً وهي القائلةُ القصيدة المشهورة تبكي أباها، وبعثتْ بها إلى النبي ﷺ ، وهي من جيد الشعر وأحكمه:
يا راكباً إنَّ الأُثَيلَ مَظِنَّةٌ ... من صبحِ خامسةٍ وأنتَ مُوفَّقُ
أَبْلغْ بها مَيْتاً بأنَّ تَحيةً ... ما إنْ تزالُ بها النجائِبُ تخْفِقُ
منى إليكَ وعبرةً مسفوحةً ... جادتْ بواكفِها وأُخرى تَخْنُقُ
هل يَسمعني النَّضرُ إنْ ناديتُهُ ... أم كيف يسمعُ ميَّتٌ لا يَنطقُ
أمحمد يا خيرَ ضِنْء كريمةٍ ... في قومها والفَحلُ فَحلٌ مُعزِق
ما كان ضرَّك لو مَنَنْتَ وربما ... مَنَّ الفتى وهْوَ المَغِيْطُ المُحْنَقُ
أوْ كنت قابلَ فِديةٍ فليُفْتدَنْ ... بأعزِّ ما يعلو بهِ ما يُنْفَقُ
فالنَّضْرُ أقربُ مَن أسرتَ قرابةً ... وأَحقُهم إن كانَ عِتقٌ يُعتقُ
стр. 54
ظلَت سيوفُ بني أبيهِ تَنوشُهُ ... للهِ أرْحامٌ هناكَ تشقَّقُ
فلما بلغ قولها رسول الله ﷺ بكى حتى أَخضلت الدموعُ لحيتَهُ وقال: " لو بلغني شعرُها قبل أن أقتُلَه لعفوتُ عنه ". ذكر هذا الخبر عبدُ الله بن إدريس في حديثهِ، وذكره الزُّبير وقال: فرقَّ لها رسول الله ﷺ حتى دَمعت عيناهُ، وقال: " يا أبا بكر لو سمعتُ شعرها ما قتلتُ أباها ".
ومن بني عبدِ بن قُصي طُليب بن عُمير بن وهب بن أبي كَبير بن عبد. وأمُّه أَروى بنتُ عبد المطلب، وهو من المهاجرين الأولين. شهد بدراً، وقُتل يوم أَجناديْن شهيداً. وقيل: استشهد يومَ اليرموك.
كلاب بن مرّة
ووَلد كلاب قصياً. وقد ذكرتُه وذكرت ولدهُ وزهرةَ.
زهرة بن كلاب: وهوَ أخو قُصيٍّ لأمه وأبيه. وقُصي وزهرة هما الصَّريحان من قريش، لأنهما ولدا رسول الله ﷺ من قبل أبيه وأمه.
فمن بني زهرةَ سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف ومَخْرمةُ بن نوفل وهو من مسلمة الفتح، وعاش مئة وخمس عشرة سنة وكُفَّ بصره، ويكنى أبا المِسْوَر وقيل يكنى أبا صفوان الأكثر والأشهر. وقال له النبي ﷺ : " يا أبا صفوان ". وهو مخرمة بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زهرة. وجدُّه أُهيب عمُّ آمنة أمَّ النبي ﵇، أخو أبيها وهب بن عبد مناف. ومخرمة ابن عم سعد بن أبي وقاص لحَّاً.
وابنه المِسْوَر بن مخرمة: قُبض النبي ﵇ وهو ابن ثماني سنين، قال
стр. 55
ذلك ابن قُتيبة. وكان المسور فقيها من أهل الفضل والدين. يروى عن عمر وخاله عبد الرحمن بن عوف وسمع عن النبي ﷺ ، وحفظ عنه. ومما حفظ عنه أنه سمع النبيَّ ﵇ يقول: " إنَّ بني هشام بن المُغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليَّ بن أبي طالب، فلا آذنُ، ثم لا آذنُ ". روى الحديث مُسلم من طُرق بسنده إلى أبي مُليكة عن المسور.
وقال المسور في أتمَّ سياق هذا الحديث: إنه سمع النبيَّ ﵇ يخطب في شأن فاطمة ابنته، وهو مُحتلم يومئذ. وهذا يرد قول ابن قتيبة في سنِّ المسور حين قُبض النبي ﷺ . وكان قال: إن يزيد بن معاوية يشرب الخمرَ فبلغه ذلكَ. فكتب إلى أمير المدينة فجلده الحدَّ. فقال:
أيشرَبُها صرفا يَفُتُّ ختامَها ... أبو خالدٍ، ويُجلَدُ الحدَّ مِسْورُ؟
وماتَ سنة أربعٍ وستين وكان مع ابن الزبير بمكة حين حوصر، فأصابه حجر فمات.
ووَلد المسور عبد الرحمن وأمُّه بنت شُرحبيل بن حسنة، وحَسنةُ أمهُ، وهي مولاةُ مَعمر بن حبيب بن وهب بن حُذاقة بن جُمحَ. وأبوهُاسْمه عبد الله بن المُطاع بن عمروا من كندة. وقال ابن هشام هو شُرحبيل بن عبد الله، أحدُ بني الغوث بن مُرِّ أخي تميم بن مُرّ. وكنيةُ شُرحبيل أبو عبد الله، وهو حليف بني زهرة، وكان من مهاجرة الحبشة، ومن المعدودين في وجوه قريش. وكان أميراً على ربع من أرباع الشام لأبي بكرٍ وعمر. وتُوفي بطاعون عَمَواسَ سنة ثمانِ عشرةَ، وهو ابنُ سبع وسبعين سنة.
ووَلد عبدُ الرحمن بن المسور أبا بكر بن عبد الرحمن، وكان شاعرا. وهو القائل:
стр. 56
بينما نحن من بَلاكِثَ بالقا ... عِ سِراعاً والعِيسُ تَهوى هَويَّا
خَطرتْ خَطرةٌ على القلبِ من ذِك ... راك وَهناً فما استطعتُ مُضِيَّا
قلتُ: لبَّيكِ إذ دعاني لكِ الشو ... ق وللحادِيَيْنِ كُرّا المَطيَّا
ومن مولد عبد الرحمن بن المسور ابنُ ابنه عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن، ويُعرف بالمِسْوَري. خرج عنه مسلم والترمذي. وأخوهُ أبو جعفر عبد الرحمن ابن جعفر، وابنُ عمهما عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن " بن " المسور. روى عنه مسلم مشافهةً عن سُفيان بن عُيينةَ عن عَمرو بن ذيقار، عن جابر بن عبد الله الأنصاري حديث قتل كعب بن الأشرف.
ومن بني زُهرةَ
المُطَّلبُ وطُليب، ابنا أَزهر بن عبد عوف، وهما من الصحابة. وكانا جميعاً من مهاجرة الحبشة. وكانت هجرةُ المطَّلب مع امرأته رملةَ بنت أبي عَوف بن صُبَيرةَ السَّهميَّة. ووَلدت له هناك عبد الله بن المطَّلب بأرض الحبشة.
وأزهر أبوهما عمُّ عبد الرحمن بن عَوف من الصحابة، وكان أحد الذين نصبوا " أعلام الحرم. وقد بعثهم عمر بن الخطاب، وهم أربعة: مخرمةُ بن نوفلٍ والد المسور، وأزهرُ المذكور، وسعيدُ بن يربوع المخزومي الملقَّب بالصُّرْم، وحُويطب بن عبد العُزى من بني عامر بم لؤي.
وابنُه عبد الرحمن بن أزهر، ويُكنى أبا جُبير. شَهد مع رسول الله صلى الله
стр. 57
عليه وسلم حُنيناً. روى عنه أبو سلمةَ بن عبد الرحمن الفقيه ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيميُّ، وأروى الناس عنه لبن شهلب الزُّهريُّ.
ومنهم الأسود بن يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرةَ. وهو ابن خال رسول الله ﷺ الأقرب أخى أمه آمنة بنت وهب. وكان الأسودُ من المستهزئين. وإليه يُنسب المقدادُ لأنه كان تبنَّاهُ.
وابنهُ عبد الرحمن من خيار المسلمين، يُعدل بالصحابة وليس منهم. وروى الزهريُّ أن النبي ﷺ دخل على بعض أزواجه فإذا بامرأةٍ حسنة النغمة. فقال: " من هذه؟ " قالت: إحدى خالاتك. فقال: " إنَّ خالاتي بهذه البلدةِ لَغرائبُ؛ أيُّ خالاتي هيَ؟ ". قالت: خالدة بنت الأسود بن عبد يغوثَ. فقال النبي ﵇. وهو الذي أشارَ جبريل ﵇ إلى بطنه، والنبيُّ ﵇ واقف معه في الكعبة. فاستسقى بطنُهُ فمات حَبَناً.
وأخوه الأرقم بن عبد يغوث: عمُّ خالدةَ هذه. هو والدُ عبد الله بن الأرقم من مسلمة الفتح، وحسُن إسلامه. وكتب للنبيِّ ﵇ ولأبي بكر. واستكتبَهُ أيضا عمر، واستعمله على بيت المال. وقال خليفةُ بن خياط: لم يزل عبد الله بن الأرقم على بيت المال خلافة عمر كلها وسنين من خلافة عثمان حتى استعفاه من ذلك، فأعفاهُ. وذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله ﷺ استكتب عبد الله بن الأرقم، فكان يجيب عنهالملوك. وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويأمر، أن يُطِّنه ويختمه، وما يقرؤه لأمانته عنده. وروى ابن القاسم عن مالك قال: بلغني أنه ورد على رسول الله ﷺ كتاب، فقال: " من يُجيبُ عني؟ " فقال عبد الله بن الأرقم: أنا. فأجاب عنه، وأتى به إليه، فأعجبه وأنفذه. وكان عمر حاضراً، فأعجبه ذلك من عبد الله بن الأرقم. فلم يزل في نفسه يقول: أصاب ما أراد رسول الله صلى
стр. 58
الله عليه وسلم. فلما ولي عمر استعمله على بيت المال. وروى سفيان بن عُيينة عن عمرو بن دينار أنَّ عثمان ثلاثمئة ألف درهم، فأبى عبد الله أن يأخذها. وروى أشهب عن مالك أن عمر بن الخطاب كان يقول: ما رأيت أحداً أخشى للهِ من عبد الله بن الأرقم.
ومنهم ابن شهاب الزُّهريُّ: واسمه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهرة، ويُكنى أبا بكر. وكان أبو جدِّه عبد الله بن شهاب شَهد مع المشركين بدرا، وكان أحد النفر الذين تعاقدوا يوم أحدٍ لَئن رأوا رسول الله ﷺ لَيَقْتُلُنَّهُ أو ليُفتلُنَّ دونه. وهم: عبد الله بن شهاب، وأُبُّى بن خلف، وابن قَميئة، وعُتبة بن أبي وقاص، وكان أبوه مسلم بن عبيد الله مع الزبير. ولم يزل الزُّهريُّ مع عبد الملك بن مروان ثم مع هشام بن عبد الملك. وكان يزيد بن عبد الملك استقصاه. وتوفي في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومئة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، ودثفن على قارعة الطريق بماله ليمرَّ مارٌ فيدعو له. والموضع الذي دفن فيه آخر عمل الحجاز وأول عمل فلسطين، وبه ضيعته.
وأخوه عبد الله بن مسلم كان أسنَّ من الزهري، ويكنى أبا محمد. وقد لقي ابن عمر وروى عنه وعن غيره، ومات قبل الزهري. وابنه محمد الذي مان يكنى به، روى عن عمه كثيراً، وروى عنه يعقوب بن إبراهيم بن سعد الساعدي، ولقي كبار التابعين، وروى عنهم، وحمل من السنة كثيرا، وروى
стр. 59
عنه الأئمة: مالك والليث بن سعد وسفيان بن عُيينة ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب القرشُّي العامريُّ. وكان مهيبا صارماً. ابن وهب: سمعت مناديا ينادي بالمدينة: لا يُفتى الناس إلا مالك وابن ذئب.
وممن روى عنه من الثقات الأثبات: أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، ومعمر بن راشد أبو عروة وصالح بن كيسان وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق ومحمد بن الوليد الزُّبيدي أبو الهثذيل وموسى بن عقبة صاحب المغازي. وروى مالك عن موسى بن عقبة في الموطأ وأبو يزيد يونس بن يزيد الأيليُّ وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمروا الأوزاعي وأبو إسحاق إسماعيل بن مسلم وأبو بشر شُعيب بن أبي حمزة مولى بني أمية وغيرهم ممن لايتَّهم فيما روى عنه.
ومن طالع كتب هذا الشأن رأي فيها مسطوراً ما ذكرت. وروى أن عمرو بن دينار قال: أيُّ شيءٍ عند الزهري؟ أنا لقيت ابن عمر ولم يلقه، ولقيت ابن عباس ولم يلقه. فقدم الزهريُّ مكة فقال عمرو: احملوني إليه، وقد أقعِدَ، فحُمل إليه. فلم يأت إلى أصحابه إلا بعد ليلٍ فقالوا له: كيف رأيت؟. فقال: والله ما رأيت مثل هذا القرشيُّ قط. وقال عمر بن عبد العزيز: لا أعلم من الزُّهري. فقال له صخر بن جويرية: ولا الحسن؟. قال: ما رأيت أعلم من الزُّهري.
مُرَّةُ بن كعب: ووَلد مرةُ بن كعب كلابا أبا قصي وزُهرة، وقد مضى ذكرهم، وتيماً ويقظة. فأمُّ كلاب وتيم ابنى مُرة بن كعب هند بنت سُرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة. وأمُ يقظة أخيهما امرأة من بارق الأسد بن الغوث. ويقظة هو أبو مخزوم.
فمن تيم: أبو بكر الصدِّيق، وطلحة بن عبيد الله ﵄، وعبيد الله ابن معمر بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرة، وهو ابن عمِّ طلحة، يجتمعان في عثمان بن عمرو. وكان عبيد الله من صغار الصحابة، واستشهد بإصطخر مع عبد الله بن عامر بن كُريز. وأبوه معمر من الصحابة أيضا، أسلم يوم الفتح.
стр. 60
وابنه عمر بن عبيد الله: أحد الأجواد الأنجاد، وهو الذي قتل أبا فديك الحروريَّ. ومدحه العجَّاجُ بأرجوزية التي يقول فيها:
لقد سَما ابنُ مَعمرِ حينَ اعْتمرْ
وله مناقب صالحة. وكان يلي الولايات، وشهد مع عبد الرحمن بن سمرة فتح كابُل، وهو صاحب الثغرة باب، قاتل عليها حتى أصبح. وكان ممن عمر ابن عبيد الله حين مات ستين سنة، ومات بموضع يقال له " ضمير " على خمسة عشر ميلاً من دمشق كمداً على أبن أخيه عمر بن موسى. وكلن خرج مع ابن الأشعث، فأخذه الحجَّاج فضرب عنقه صبراً. فقال الفرزدق يرثى عمر:
يأيها الناس لا تبكوا على أحدٍ ... بعد الذي يضمر وافق القدرا
وهو مولى أبي النَّظر سالم شيخ مالك. وأخوه عثمان بن عبيد الله، قتله شبيب بن يزيد بن نُعيم الشَّيباني الخارجي الحروري. وروى عن أبيه عبيد الله عروة بن الزبير ومحمد بن سيرين. ومات رسول الله ﷺ وهو غلام. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: " أُعطي أهل الرِّفقَ إلا نَفعهم، ولا منعوه إلا ضرَّهم ". وهو القائل لمعاوية:
إذا أنتَ لم تُرخِ الإِزارَ تَكرمُّا ... على الكلمة العوراء من كلِّ جانب
فمن ذا الذي نرجو لحقْنِ دمائنا ... ومن ذا الذي نرجو لحملِ النَّوائب
ومنهم المنكدر وربيعة ابنا عبد الله بن الهُدير بن عبد العزَّى بن عامر بن
стр. 61
الحارث بن حارثة بن سعد بن تَيم، هكذا نسبهما ابن الكلبي. وزاد مصعب الزبيدي وابن أبي خيثمة والدارقطني بين الهُدير وعبد العزَّى مُحرراً. وروى المنكدر وربيعة عن عُمَر، وفي الموطأ عن السائب بن يزيد أنه رأى عُمَر بن الخطاب يضرب المنكدر في الصلاة بعد العصر. وفيه عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيمي عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدير أنه تعشَّى مع عمر بن الخطاب ثم صلى ولم يتوضأ.
ووَلد المنكدر محمداً وأبا بكر وعمر، وكانوا فقهاء عُباداً، وأفقهم محمد، ومات سنة ثلاثين ومئةٍ. سمع جابراً وأنساً. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وابن جُريج والثَّوريُّ ومالك. ولمالك عنه في موطَّئه خمسة أحاديث أحدهم مرسل.
ومن موالي المنكدر الماجشون بن أبي سلمةَ، واسم الماجشون يعقوب. ونثسب إليه ولده وبنو عمهم، واسم أبيه أبي سلمة ميمون من أهل اصبهان. وكان يعقوب الماجشون فقهياً، وابنه يوسف بن يعقوب كذلك وكان للماجشون أخ يقال له عبد الله بن أبي سلمة. قال ابن وهب: قال مالك: كان عبد الله بن أبي سلمة من القُراء. وابنه عبد العزيز بن عبد الله، ويُكنى أبا عبد الله. توفي ببغداد في خلافة المهدي، وصلى عليه المهدي، ودُفن في مقابر قريش، وذلك سنة أربع وستين ومئة.
ومن تيم عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بنأبي مُليكة بن عبد الله ابن جُدعان. واسم أبي مُليكة زهير. وفُقد أبو مُليكة في الجاهلية فلم يرجع. وتوفي عبد الله بن أبي مُليكة سنة سبع عشرة ومئة. وروى عن عائشة كثيرا، وخرَّج عنه الأئمة في الصحاح. وكان له أخٌ يقال له أبو بكر بن عبيد الله، رُوى عنه الحديث. وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر هو المليكي، روى عن عمِّه ابن أبي مُليكة عن عائشة حديثاً عن رسول الله ﷺ ، خرَّجه الترمذي.
وابن عمَّه لحّاً عليُّ بن زيد بن عبد الله بن أبي مُليكة الأعمى. سمع أنساً
стр. 62
وأبا عثمان النَّهديَّ وسعيد بن المسيَّب. وروى عنه الثَّوري وشُعبة. ويكنى أبا الحسن. وكان من فقهاء البصرة، ومات بموضع يقال له سَبالةُ من بلاد ضبَّة، ولا عقبَ له.
وابنُ ابنِ عمهما يعقوب بن زيد بن طلحة بن عبد الله بن أبي مُليكة أبو عرفة. روى عن سعيد المغبُريِّ. وروى عنه مالك وهشام بن سعد. لمالك عنه في الموطأ حديث واحد غير موصول.
ومن موالي تيم بن مُرَّة أبو عبيدة مَعمر بن المثنى، وكان عالماً بالغريب وأخبار العرب وأيامها. وكان مع معرفته ربما لم يقم البيت إذا أنشده ... وكان يَبغِضُ العرب. وألف في مثالبها كتباً، وكان يرى رأي الخوارج. ومات سنة عشر ومئتين وإحدى عشرة..
ووَلد يَقظةُ مخزوماً. فمن بني مخزوم أمُّ سَلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبيد الله بن عمر بن مخزوم زوج النبيِّ ﵇. وأبو سَلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وكانت تحته أمَّ سلمة قبل النبي ﵇. ويأتي ذكره بعد هذا، عند ذكر أمِّ سلمة في أزواج النبي ﷺ .
ومنهم خالد بن الوليد بن المغيرة سيف الله، ويكنى أبا سليمان. أسلم في هُدنة الحديبية. وعَزَماتُه يوم مؤتة وفي الردَّة وبدء فتوح العراق وجميع فتوح الشام أكثر من أن تحصى، إذ كان له فيها الغَناء العظيم الحفيل والبلاء الحسن الجميل. وتوفي بحمص سنة إحدى وعشرين حتف أنفه، وعُمُرهُ بضعٌ وأربعون سنة. وكان له بالشام من الولد عدد كثير بادَ أكثرهم بالطاعون.
وأشهر ولده: المهاجر وعبد الرحمن. وكان المهاجر محباً في علي، وشهد معه الجمل وصفين، ورُوي عنه الحديث. وكان لعبد الرحمن فضل وهدي وكرم، إلا أنه كان مُنحرفا عن علي وبني هاشم مُخالفةً لأخيه المهاجر. وشهد صفين مع معاوية. وله رواية عن النبي ﵇ ليس ... له فيها بسماعٍ منه.
стр. 63
الطبري: نا سفيان بن وكيع، نا زيد بن الحُباب عن عبد الرحمن بن بابَيْهِ، عن أبي هِزان، عن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد أنه احْتَجم في رأسه، وبين كتفيه، فقيل له: ما هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: " من أهراقَ منه هذه الدماءَ فلا يَضرُّه ألا يتداوى بشيء ". وقصة موت عبد الرحمن في الاستيعاب مُسْتَوعَبة.
ومنهم سلامة بن هشام بن المغيرة. وكان قديم الإسلام من مهاجرة الحبشة، ومن خيار الصحابة وفضلائهم. واحتبس عن الهجرة، وعُذب في الله ، فلم يشهد بدراً، وكان رسول الله ﷺ يدعو له وللمستضعفين في صلاته، كعيَّاش بن أبي ربيعة بن المغيرة والوليد بن المغيرة أخى خالد بن الوليد حتى أنقذهم الله. واستشهد سلامة يوم مَرج الصُّفَّر سنة أربع عشرة.
وأخوه الحارث بن هشام أسلم يوم الفتح، وهو من المؤلفة قلوبهم، وكان من خيار مُسلمة الفتح، وفرَّ يوم بدر. وفي فراره يقول حسان بن ثابت من قصيدة:
إنْ كنت كاذبةَ الذي حدَّثتِني ... فَنَجوتِ مَنجى الحارث بن هشام
تركَ الأحبةَ أن يقاتِلَ دونهم ... ونجا برأسِ طِمرَّةٍ ولجامش
فأجابه الحارث:
اللهُ أعلمُ ما تركتُ قتالَهم ... حتى رمَوا مُهري بأَشقَرَ مُزْبِدِ
стр. 64
وعرفتُ أني إن أقاتل واحدا ... أُقتل ولا
فصددتُ عنهم والأحبةُ فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مُفيد
وانتقل الحارث بأهله وولده في خلافة أبي بكر إلى الشام، وشهد موقعة أجنادين ومرجِ الصُّفَّر. واستشهد يوم اليرموك سنة خمس عشرة، هذا قول عليِّ بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف. وقال غيره: لم يزل بالشام مجاهداً حتى مات في طاعون عَمَواس سنة ثمان عشرة. وفي الحارث بن هشام يقول الشاعر:
أحسِبتَ أنَّ أباكَ يومَ ... في المجد كان الحارث بن هشام
أولى قريش بالمكارم كلَّها ... في الجاهلية كان والإسلام
وروى الحارث بن هشام عن النبي ﵇ ما ذكره مالك في الموطأ ونصُّه: مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﷺ أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : " قالت عائشة: ولقد رأيت عليه في يوم لشديد البرد وأنَّ جبينه ليتفصَّد عرقا.
وابنه عبد الرحمن: كان حين قُبض رسول الله ﷺ ابن
стр. 65
عشر سنين. وقالت فيه عائشة: لأن أكون قعدتُ في منزلي عن مَسيري إلى البصرة أحبُّ إليَّ من أن يكون لي من رسول الله ﷺ عَشَرة من الوَلد، كلُّهم مثلُ عبد الرحمن بن الحارث. وشهد الجمل مع عائشة ﵂، وكان شريفاً سخياً. وتوفي في خلافة معاويةَ بالمدينة.
وزوجُه فاختَةُ بنت عِنَبَةَ بن سُهيل بن عمرو العامريِّ، وجدُّها سُهيل هو صاحبُ عقد الحديبية مع النبي ﵇. وهي أمُّ ابنه الفقيه أبي بكر ابن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة، واسمُه كنيتُهُ، وأمُّ إخوته: عُمر وعثمان وعكرمة وخالد ومحمد، وكلُّهم أشقاؤه. وكان أبو بكر يسمى " راهب قريش "، لفضله وكثرة صلاته. واستُصغر يوم الجمل فرُدَّ هو وعروة بن الزبير. ووُلد في خلافة عمر. ومات فُجاءةً سنة أربع وتسعين، وهي ستة الفقهاء.
وعبد الرحمن أبوهُ وفاختةُ أمُّه، هما " الشريدان ". سمَّاهما بذلك عمر بن الخطاب، لأنهما قدِما عليه من الشام. وقد استُشهد أبواهما، ولم يبقَ لهما أهل. فقال: زَوِّجوا الشريد الشريدةَ. وأَقطع لهما عمر بالمدينة خِطَّةً، وأوسع لهما. فقيل له: أكثرت لهما؛ فقال: عسى ينشرُ اللهُ منهما. فنَشر اللهُ منهما ولداً كثيراً؛ رجالاً ونساءً.
ومحمدٌ من إخوة الفقيه أبي بكر ... روى ابن شهاب. ذكر ذلك مُسلم في الصحيح. فقال حدَّثنا الحسنُ بن عليِّ الحلوانُّي وأبو بكر بن النَّضروعبد ابن حُميد قال: عبد ... حدثني، وقال الآخران: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: نا أبي عن صالح، عن أبن شهاب قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنَّ عائشة زوج النبي ﷺ قالت: أرسل أزواج النبيِّ ﷺ فاطمةَ بنتَ رسول الله ﷺ ، إلى رسول الله ﷺ فاستأذنت عليه وهو مضطجعٌ معي في مِرْطي، فأَذِنَ لها، فقالت: يا رسولَ الله إنَّ أزواجك أَرسلنني إليك يَسألْنَك العدل في ابنة أبي قحافةَ. وأنا ساكتة الحديث بطولهِ ...
стр. 66
ومن مخزوم عكرمة بن أبي جهل بن هشام بن المغيرة، وهو ابن أخي الحارث وسلامة المذكورين آنفاً. ولم يُسْلم من بني هشام بن المغيرة غيرهما، وكانوا خمسةً. والباقون ماتوا كفاراً، وهم ثلاثة، أحدُهم أبو جهل والد عكرمة واسمه عمرو. وكان يُكنى أبا الحكم فكناهُ النبي ﵇ أبا جهل. وكان من أشدِّ المشركين عداوةً لرسول الله ﷺ ، قُتل يوم بدر كافراً، ضربه مُعاد بن عمرو بن الجموح، فقطع رجله، وضرب ابنه عكرمة يد معاذٍ فطرحها. ثم ضربه مُعوَّودُ بن عفراء حتى أَثبته، ثم تركه وبه رمق. ثم ذففَّ عليه عبد الله بن مسعودٍ الهذلُّي، واحتزَّ رأسه حين أمر رسول الله ﷺ أن يُلتمس في القتلى.
والعاصي بن هشام الثاني قُتل يوم بدر كافراً، قتله عمر بن الخطاب، وهو خاله أخو أمِّه. وخالد بن هشام الثالث أُسر يوم بدر، وفُدي ومات كافرا. وابن أخيهم هشام بن العاصي بن هشام هو الذي جاء إلى رسول الله ﷺ يوم الفتح، فكشف عن ظهره، ووضع يده على خاتم النبوَّة. فأخذ رسول الله ﷺ يده، فأزالها. ثم ضرب في صدره ثلاثا وقال: " اللهمَّ أذهب عنه الغل والحسد " ثلاثا. فكان الأَوقص، وهو محمد بن عبد الرحمن بن هشام بن يحيى بن هشام بن العاصي يقول: نحن أقلُّ اصحابنا حسدا. وولى الأوقص هذا قضاء مكة فما رُئَي مثله في العفاف والنبل. فبينما هو ذات ليلة نائم في عِلِّية مرَّ به سكران يتغنَّى ويلحن في غنائه، فقال: يا هذا، شربت حراما، وأيقظت نياماً، وغنَّيت خطأ، خذه عني. فأصلحه عليه. وقال الأوقص: قالت لي أمي: يا بنيَّ قد خُلقت خِلقةً لا تصلح معها لمجامعة الفتيان في بيوت القيان، فعليك بالدين، فإن الله يرفع به الخسيسة، ويضع به النقيصة، فنفعني الله بقولها. وكان عكرمة بن أبي جهل من خيار مُسلمة الفتح، وكان فارساً مشهوراً، هرب حين الفتح إلى اليمن، فلحقت به امرأتُه أمُّ حكيم بنت عمِّه الحارث بن هشام، فأتت به النبي ﷺ . فلما رآه قال: " مرحباً بالراكب المهاجر " وكان مجتهداً في قتال المشركين، صحيح الإسلام، طاهر القلب. استُشهد بأجنادين، وقيل: بمرج الصُّفَّر. وذكر الزبير بن بكار، قال:
стр. 67
حدَّثني عمي عن جدِّه عبد الله بن مُصعب، قال: استُشهد باليرموك الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وسُهيل بن عمرو، وأتوا بماء وهم صرعى، فتدافعوهُ؛ كلما دفع إلى رجل منهم قال: اسق فلاناً، حتى ماتوا ولم يشربوه. ولما أسلم عكرمة شكا قولهم: عكرمة بن أبي جهل، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يقولوا عكرمة بن أبي جهل، وقال: " لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات ". وفي أبي جهل عدوِّ الله يقول حسان:
الناسُ كنَّوهُ أبا حَكمٍ ... واللهُ كنّاهُ أبا جَهلِ
أَبقتْ رِئاستُهُ لأسْرتِهِ ... لُؤمَ الفروعِ ودقَّة الأصل
وقال رجل من بني مخزوم للأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري كلاماً ليؤذيَهُ: أتعرف الذي يقول:
ذهبتْ قريشٌ بالمكارمِ كلِّها ... واللؤمُ تحت عمائمِ الأنصار؟
فقال الأحوص: أعرف الذي يقول: الناسُ كنَّوهُ أبا حكمٍ.. " البيتين ". والبيت الذي ذكر المخزوميُّ للأحوص بن محمد هو من قصيدة للأخطل التَّغلبِّي النصرانِّي أبعده اللهُ، هجا فيها الأنصار، أمره بذلك يزيد بن معاوية، إذا كان عَتب على قوم منهم، وكان أمر قبل ذلك بهجائهم كعب بن جُعيل التَّغلبِّي، فأبى عليه، ودلَّه على الأخطل، والدالُّ على الشيءِ كفاعله. وهذه أحقر مثالب يزيد ومآثمه، وأيسر الموبقة جرائمه، أو ليس هو المتمثِّل بقول عبد الله بن الزِّبَعري السَّهميِّ في يوم أحدٍ:
ليتَ أشياخي ببدرٍ شَهِدوا ... جزَعَ الخزرجِ من وَقْعِ الأسَلْ!
стр. 68
وأما نازلة سِبط الرسول الحسين فهي التي ألبستْهُ أبرادَ الشَّين، وقصَّرتْ مدته، وجعلت اليأس من شفاعة جدِّه عُدَّته، وقد كان البرُّ الحليم أبوه معاوية أوصاه به عند موته خيراً، وأن لا يُنِيلهُ - ولو جنى عليه - ضرراً ولاضيراً، فما قبل الوصية، بل عكس منها القضية، وعدل عن الحق إلى الباطل ظالماً، وكان للأعداء أهل البيت المطهَّر من الرجس مسالماً، غضباً للدنيا لا للدِّين، فعال الآثمين المعتدين، ونستعيذ بالله من الخذلان، ونسأله الفوز من عذابه في الدارين بالأمان.
ومن بني مخزوم عيَّاش بن أبي ربيعة: واسم أبي ربيعة عمرو بن المُغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، يُكنى أبا عبد الله. وهو أخو عبد الله بن أبي ربيعة لأمِّه وأبيه. وعبد الله بن أبي ربيعة هو أبو عمر الشاعر وعبد الرحمن وإبراهيم والحارث القُباع عامل ابن الزُّبير على البصرة. وأهل البصرة سمَّوه القُباع، وكان فاضلاً. وولَّى رسول الله ﷺ ، عبد الله بن أبي ربيعة الجَنَد ومخاليفها. فلم يزل والياً عليها حتى قُتل عمر. وأسلم يوم الفتح، وكان من أحسن قريش وجهاً. وهو الذي بعثَتْهُ قريش مع عمرو بن العاصي إلى النَّجاشيِّ في مُطالبة أصحاب رسول الله ﷺ ، الذين كانوا عنده بأرض الحبشة. يُعَدُّ في أهل المدينة، ومَخرجُ حديثه عنهم.
حدَّث أبو بكر أحمدُ بن زهير أبي خيثَمة: نا محمد بن عبَّادٍ المكَّيُّ، نا حاتم بن إسماعيل عن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميِّ، عن أبيه، عن جدِّه عبد الله بن أبي ربيعة أن رسول الله ﷺ قال: " إنما جزاءُ القرض الحمد والوفاء ". ويقولون إنه لم يرو عنه غيرُ ابنه إبراهيم. وكان اسمه في الجاهلية بجيراً، فسماه رسول اللهصلى الله عليه وسلم عبد الله. ويكنى أبا عبد الرحمن. وفيه يقول عبد الله بن الزِّبعري السَّهميُّ:
بجيرُ بن ذي الرُّمحين قرَّب مَجْلسي ... وراحَ علينا فضلُهُ غيرَ عاتِمِ
стр. 69
وعياش وعبد الله ابنا ربيعة أخوا أبي جهل والحارث لأمِّهما وابنا عمِّه. أمُّهم أمُّ الجُلاس أسماء بنت مُخرِّبة بن جندل بن أُبير بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مُرِّ بن أدِّ بن طابخةَ بن الياس بن مُضر.
وابنه عبد الله بن عياَّش: وُلد بأرض الحبشة، وحَفظ عن النبي ﷺ ، وروى عنه وروى عن عمر وغيره، وكان من القُراء. وروى عنه ابناه عبد العزيز والحارث ونافع مولى ابن عمر وابن ابنه عبد الرحمن بن الحارث أبو الحرث. روى عن عمر بن شُعيب وزيد بن علي، وروى عنه الثوريُّ وسليمان بن بلال، ذكر ذلك مُسلم في كتاب الكُنى له. وقال غير مسلم إنه روى عن عمِّه عبد العزيز بن عبد الله بن عياشٍ. وابن ابنه أبو هاشم المغيرةُ بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش: كان من أصحاب مالك. ومات بعد بعد مالك بسبع سنين ... قال الزبير بن بكار: كان المغيرة بن عبد الرحمن فقيه أهل المدينة بعد مالك بن أنس. وعرض عليه هارون الرشيد قضاء المدينة وجائزةً أربعة آلاف دينار فامتنع، فأبى أمير المؤمنين إلا أن يُلزمه " القضاء ". فقال: والله يا أمير المؤمنين لأن يخنقني الشيطانُ أحبُّ إليَّ من أن أليَ القضاء. فقال الرشيد: ما بعد هذا غاية. وأعفاهُ من القضاء، وأجازه بألفي دينار. " ومات " المغيرة سنة ست وثمانين ومئة. ووقع من البخاري ومسلم قلب في نسب المغيرة فقالا فيه: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث بن عياش.....
وأسلم عياش قديما قبل دخول النبي ﵇ دار الأرقم. وهاجر إلى أرض الحبشة مع امرأته أسماء بنت خاله أخي أمِّه سَلَمةَ بن مُخرِّبة، وهي أمُّ ابنه عبد الله. ثم هاجر إلى المدينة مع عمر بن الخطاب، فقدم عليه أخواه لأمِّه: أبو جهل والحارث ابنا هشام، فذكرا له أن أمَّه حلفت ألاّ يدخل رأسها دُهن، ولا تستظلَّ حتى تراه. فرجع معهما، فأوثقاه رباطاً، فحبساه بمكة حتى خلَّصهم الله. وأستشهد يوم اليرموك. وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريُّ: مات عياش بن
стр. 70
أبي ربيعة بمكة. روى عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تزال هذه الأمةُ بخير ما عظَّموا هذه الحُرمةَ حقَّ تعظيمها " يعني الكعبة والحَرَم " فإذا ضيَّعوها هَلكوا ". روى عنه نافع مولى ابن عمر مُرسَلاً، وروى عنه ابنُه سماعاً منه.
ومن بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم هاشم بن أبي حُذيفةَ بن المُغيرة: وكان من مُهاجرة الحبشة في قول ابن إسحاق. وأخواه حذيفة وهشام ابنا أبي حذيفة، وذلك فيما قال ابن هشام: قتل حذيفة سعد بن أبي وقاص، وقتل هشاماً صُهيب بن سنان.
ومن بني مخزوم شمَّاس بن عثمان بن " الشريد بن " سُويد بن هرمي بن عامر بن مخزوم. واسمه عثمان، وشماس لقب غلبه. وإنما سُمّشي شماساً، لأن شماساً من الشمامسة قدِم مكة في الجاهلية، وكان جميلاً، فعجب الناس من جمالهِ ... بشماس أحسن منه. فأتى بابن أخته عثمان بن عثمان فسمِّي شماساً يومئذ. واسم أمِّ شماس صفية بنت ربيعة، وهي عمةُ هندٍ أمِّ معاوية. وشهد " بدراً وقتل يوم أحد " وبات ليلة إلا أنه لم يأكل ولم يشرب ومات عند أمِّ سلمة، فأمر رسول الله ﷺ " أن يردَّ إلى أحد فيدفن هناك. ولم يصلِّ عليه رسول " الله ﷺ ، ولم يغسله، بعد أن مكث يوماً وليلة، لم يأكل ولم يشرب.
ومن بني مخزوم أيضاً حَزْنُ بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وهو أبو السائب والمسيَّب وحكيم وأبي مَعبد وعبد الرحمن، وكلُّهم صحابة. وحزن من المهاجرين ومن أشراف قريش، وهو جدُّ سعيد بن المسيب الفقيه. وروى حزن والمسيب ابنه عن النبي ﵇. ولم يرو عنه بقيةُ ولده شيئاً وقال رسول الله ﷺ لحزن بن أبي وهب: " ما أسمك؟ ". قال: حزن. فقال له ﷺ : " أنت سهل ". فقال: إنما السهولة للحمار. فقال له النبيُّ: " أنت حزن! ". قال سعيد بن المسيَّب: فما زالت تلك
стр. 71
الحزونةُ تعرف فينا حتى اليوم وفي ولدهِ حزونة وسوء خُلُقٍ معروف ذلك منهم، لا يكاد يُعدم منهم.
وأسلم ابنه حكيم عام الفتح، وقُتل يوم اليمامة شهيداً مع أخيه عبد الرحمن أبيه حزن. وأمُّ حكيم بن حزن فاطمةُ بنتُ السائب بن عثويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وأمُّ المسيَّب بن حزن وأخوته عبد الرحمن والسائب وأبي معبد أمُّ الحارث بنت سعيد بن أبي قيس بن عبدوُدِّ بن نصر بن مالك بن حِسْلِ بن عامر بن لؤي. قال مصعب الزُّبيريُّ. وشهد المسيِّبُ بيعة الرِّضوان. وخرَّج البخاري ومسلم أن سعيد بن المسيَّب شهد الشجرة مع أبيه، ووَهِما في ذلك. قال الدارقُطني: أصحاب المغازي ينكرون ذلك. قال المؤلف أصلحه الله: الدليل على ما قاله الدارقطنيُّ أن سعيداً وُلد في صدر خلافة عمر، ويأتي ذكرُ ذلك بعد. ولا خلاف أن المسيَّب ممن بايع تحت الشجرة.
وابنه سعيد بن المسيَّب: من كبار التابعين، وأحد الفقهاء السبعة، ويُكنى أبا محمد بابنه محمد، وكان نسَّابةً، وسعيد أيضاً كان نسابة. حَّث محمد بن عبد السلام الخُشني قال: نا نصر بن علي الجَهضميُّ قال: نا الأصمعي قال: نا إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: جئت سعيد بن المسيَّب، فسلَّمت عليه فردَّ عليَّ فقلت له: أنا ابن يحيى بن طلحة. فضمَّني إليه وقال: ائتِ محمداً ابني، فإنَّ عنده ما عندي، إنما هي شعوب وقبائل وعمائر وبطون وأفخاذ وفصائل.
قال المؤلف وفقه الله لما يُرضيه، ومنحه خير ما يقضيه: نصر بن علي الجَهضَميُّ الذي روى عنه الخشنيُّ محمد بن عبد السلام الأندلسيُّ. روى عنه مسلم في صحيحه كثيراً. وخرَّج عنه الترِّمذي وغيره من الأئمة. ويُكنى أبا عمرو. وروى مسلم أيضاً عن ابنه عليَّ بن نصر. وأكثرُ روايته عن أبيه نصر. وهو من أشياخه الذين أكثر الرواية عنهم. ومات نصر بن علي وابنه علي بن نصر المذكوران في سنةٍ واحدة؛ سنة خمسين ومئتين. مات منها أبوهُ في ربيع الآخر، ومات هو منها لأيامٍ بقين من شعبان، ونَسبهما إلى جَهضم بن مالك بن
стр. 72
فَهم بن دوس بن عُدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث.
ودَوس: رهط أبي هُريرة عبد الرحمن بن صخر. ومن دوس الطُّفيل بن عمرو، وذو النُّور ﵄ الأصمعيُّ: هو عبد الملك بن قُريب من باهلة، وإسحاق بن يحيى الذي روى عنه الأصمعي هو إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عُبيد الله القرشيُّ التَّيميُّ، وجدُّه طلحة أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وروى إسحاق بن يحيى أيضاً عن المسيَّب بن رافع الكاهليِّ الأسديِّ؛ أسد خُزيمة.
وروى المسيب عن البراء بن عازب الأنصاري الحارثيِّ الخزرجيِّ من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج. ووُلد سعيد بن المسيب لسنتين مضتا من خلافة عمر. وتوفي بالمدينة. قال يحيى بن سعيد: سنة إحدى واثنتين وتسعين. وقال الواقدي: سنة أربع وتسعين، وهي سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها منهم. وقال المدائنيُّ ويحيى بن مَعين: سنة خمس ومئة. وقال ابن عمر، ﵁، لرجل سأله عن مسألةٍ: ائتِ ذلك فاسأله، - يعني سعيداً - ثم ارجع إليَّ وأخبرني. ففعل ذلك ثم أخبره فقال: ألم أُخبرك أنهُ أحد العلماء؟.
وقال عبد الله بن عمر لأصحابه: لو رأى رسول الله ﷺ هذا لَسَرَّهُ. وقال الزُّهريُّ: أخذ سعيد علمه عن زيد بن ثابت، وجالس ابن عباس وابن عمر وسعد بن أبي وقاص، ودخل على زوجي النبي ﷺ ؛ عائشة وأمِّ سلمة وغيرهما، وسمع عثمان وعلياً وصُهيباً. وجُلُّ روايته المسندة عن أبي هريرة، وكان زوج ابنته. وكان يقال: ليس أحد أعلم بكلِّ ما قَضَى به عمر وعثمان منه وكان يقال له: رواية عمر. وقال القاسم بن محمد: هو سيدنا وأعلمنا. وقال قتادةُ: ما جمعت علم الحسن إلى علم أحدٍ من العلماء إلا وجدت له عليه فضلاً، غير أنه كان أَشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيَّب يسأله.
وكان سعيد أفقه أهل الحجاز وأَعبر الناس لرؤيا وقال له رجل: رأيت كأني أخذت عبد الملك بن مروان، فأَضجعته إلى الأرض، ثم بطحتُه، فوتَدْتُ في
стр. 73
ظهره أربعة أوتاد. فقال: ما أنت رأيتها، ولكن رآها ابن الزبير. ولئن صدَقت رؤياهُ قتله عبد الملك بن مروان، وخرج من صلبه أربعة كلهم يكون خليفة. وقال له آخر: رأيتني أبول في يدي. فقال تحتك ذات مُحرم، فنظر فإذا امرأته بينهُ وبينها رضاع.
وكان جابر بن الأسود أمير المدينة لابن الزبير. فدعا سعيدا إلى البيعة لابن الزبير، فأبى فضربه ستين سوطاً. وضربه أيضاً هشام بن إسماعيل ستين سوطاً، وطاف به المدينة في تبَّان من شعرٍ، وذلك أنه دعاه إلى البيعة للوليد وسليمان بالعهد فلم يفعل.
ومن بني مخزوم المطَّلب بن عبد الله بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم: كان من التابعين، رُوي عنه الحديث. وعمُّه المطلب بن حَنطب: كان من أُسارى بدر، وأُطلق بغير فداء. ومولى المطلب بن عبد الله عمرو بن أبي عمرو بن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أني بن مالك.
ومن بني مخزوم هُبيرةُ بن أبي وهب: وهو أخو حزن بن أبي وهب، وزوج أم هانيء بنت أبي طالب. وأبوهما أبو وهب: خال أبي رسول الله ﷺ . وكان من سَرَواتِ قريش، شريفا. وهو الذي أخذ حجراً من الكعبة حين اجتمعت قريش لِهدمها، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه. فقال: يا معشر قريش، لا تُدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيِّباً، لا تدخلوا فيه مَهْرَ بغيٍّ، ولا بيع رباً، ولا مَظلمة أحد من الناس. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح المكيُّ أنه حُدِّث عن عبيد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجُمحيِّ أنه رأى ابناً لجعدة بن هُبيرة بن أبي وهب يطوف بالبيت. فسأل عنه فقيل: هذا ابن لجعدة بن هُبيرة. فقال عبد الله بن صفوان عند ذلك: جدّث هذا، يعني أبا وهب، الذي أخذ حجراً من الكعبة حين اجتمعت قريش لِهدمها، فوثب من يده حتى رجَعَ إلى موضعه، فقال الكلام المتقدِّم قبلُ. وله يقول شاعر من العرب:
стр. 74
لو بأبي وهب أنختُ مطيَّتي ... غَدت من نَداه رحلُها غيرُ خائب
أُبيِّضُ من فَرعيْ لؤيَّ بن غالبٍ ... إذا خُلِّصتْ أنسابُها في الذوائب
أَبي لأخذ الضَّيم يرتاح للنِّدا ... تَوسَّط جَدَّاهُ فُروعَ الأطايب
وكان هبيرة بن أبي وهب شاعراً من رجال قريش هرب يوم فتح مكة إلى اليمن، ومات بها كافراً. وقال حين بلغه إسلام أمِّ هانيء واسمها هند، وهو بنجران القصيدة التي أولها:
أشاقتْكَ هندّ أم نآكَ سُؤالها ... كذاك النَّوى أسبابها وانفتالُها
وقد أرَّقت في رأس حصن ممنَّعٍ ... بنجران يسري بعد ليلٍ خيالُها
لئن كنت قد تابعت دين محمد ... وعطَّفت الأرحامُ منك حبالُها
فكوني على أعلى سحيقٍ بهضبةٍ ... مُمنَّعةٍ لا تُستطاعُ قِلالُها
وفيها:
وإني لحَامٍ من وراء عشيرتي ... إذغ كان من تحت العوالي مجالُها
стр. 75
وصارت بأيدي القوم بيض كأنها ... مخاريقُ ولدانٍ تنوشُ ضِلالُها
وفيها:
وإنَّ كلام المرء في غير كُنههِ ... لكالنَّبل تهوى ليس فيها نِصالُها
وابنه جعدة بن هُبيرة: مذكور في الصحابة، ولاَّهُ خاله عليُّ بن أبي طالب على خرسان، وكان فقيهاً ووَلدت أمُّ هانئ بنت أبي طالب لهبيرة من البنين أربعةً، وهم: جعدةُ، وعَمرو، وبه كان يُكنى، وهانيء، ويوسف. ذكر هذا الزبير بن بكَّار. قال الزبير: وجعدةُ بن هُبيرة هو الذي يقول:
أبي من بني مخزومٍ انْ كنت سائلاً ... ومن هاشمٍ أمِّي لخيرِ قَبيلِ
فمن ذا الذي يَبأى عليَّ بخالهِ ... وخالي عليٌّ ذو الهدى وعَقيلظ
رَوى عن جعدةَ مُجاهد بن جبر أبو الحجاج.
ومن مخزوم الأرقم بن أبي الأرقم: واسم الرقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، يُكنى أبا عبد الله. كان من المهاجرين الأولين، قديم الإسلام. قيل إنه كان سُبُعَ الإسلام؛ سابع سبعة. وقيل أسلم بعد عشرة أنفُس، وذكره ابن عقبة وابن إسحاق فيمن شهد بدراً. وفي دار الأرقم بن أبي الأرقم هذا كان النبي ﷺ مستخفياً من قريش بمكة، يدعو الناس فيها إلى الإسلام في أول الإسلام، حتى خرج عنها. وكانت دارُة بمكة على الصَّفا. فاسلم فيها جماعة كبيرة. وهو صاحبُ حلف الفضول. روى عن
следующие страницы →