Полный текст (811 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
ضعيفاُ، يغفر له. ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غرباً، فلم أر عبقرياً يفري فريه، حتى روي الناس وضرب بعطن ".
وروى سفيان بن عيينة عن عمر بن ديارٍ، عن جابرٍ أن رسول الله ﷺ ، قال: " دخلتُ الجنةَ فرأيتُ فيها داراً أو قال: قصراً، وسمعتُ فيه ضوضاء. فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجالٍ لقريش، فظننتُ أني أنا هو. فقلت من هو؟ فقيل: عمر بن الخطاب. فلولا غيْرتُك يا أبا حفصٍ لدخلته. " فبكى عمر، وقال عليكَ يُغارُ؟ أو قال أغار يا رسول الله؟ وروى ابن شهابٍ عن أبي أمامه بن سهل بن حنيف، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ انه سمع رسول الله ﷺ يقول: " بيناً أنا نايمُ والناسُ يُعْرضون عليِّ وعليهم قُمُصُ، فمنها ما يبلغُ إلى الثُديِّ، ومنها ما دون ذلك. وعُرِضَ عليَّ عمر ُبن الخطاب ولعيه قميصُ يجرُّه ". قالوا: فما أوَّلت يا رسول الله؟ قال: " الدين ".
ونزل القرآن بموافقته في أسرى بدرٍ وفي الحجاب وفي مقام إبراهيم. فأما أسرى بدرٍ أبا بكر أشار على رسول الله ﷺ أن يأخذ منهم الفداء وأشار عمر أن تُضرب أعناقُهم، فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكرٍ، ولم يهو ما قال عمر. ونزل القرآن بقول عمر:) ما كان لنبٍّي أن يكونَ له أسرى حتى يثخنَ في الأرض (، إلى آخر الآيات. وأحل الله الغنيمة له. خرَّج هذا الحديث مسلم كامل القصة، وأخرجه الترمذيُّ مختصراً.
وأما قصَّة الحجاب، فإن عمر كان يقول: يا رسول الله، احجب نساءك فإنه يدخل عليك المنافق والمرتاب. فأنزل الله آية الحجاب.
وقال ابن عباس: نزلت آية الحجاب في الثُّقلاء قال المؤلف، غفر الله له: " ثقلوا على رسول الله ﷺ حين تزوج زينب بنت جحش حين دعاهم إلى وليمتها. فلما طعموا خرج بعضهم وبقي بعض لم يبرح من البيت. فخرج رسول الله ﷺ ثم رجع وهم في البيت. فنزلت آية
стр. 597
الحجاب. فحجب رسول الله ﷺ نساء ". خرَّج هذا الحديث الترمذيُّ عن أنس.
وأما قصة مقام إبراهيم فقال الترمذيُّ: حدَّثنا أحمد بن منيع: نا هُشيم، أنا حُميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلىًّ. فنزلت:) واتخذوا من مقام إبراهيم مصلىًّ (.
وقال مسلم: حدثنا عقبة بن مكرم العمِّيُّ قال: نا سعيد بن عامر قال: جويرية بن أسماء: أنا نافع عن ابن عمر قال: قال عمر: وافقت ربيِّ في مقام إبراهيم وفي أسارى بدرٍ: وقال علي ﵁: ما كنا نبعد أنَّ السكينة تنطق على لسان عمر.
مسلم: حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمير ومحمد بن العلاء أبو كريب قال ابن العلاء: نا أبو معاوية قال: نا الأعمشُ عن شفيقٍ، عن حذيفة قال: كنا عند عمر فقال: أيُّكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة كما قال؟ فقلت: أنا. قال إنك لجرىء، وكيف؟ قال: قلت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " فتنةُ الرجل في أهلهِ ومالهِ ونفسهِ وولدهِ وجارهِ يكفرها الصيامُ والصلاةُ والصدقة والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر ". فقال عمر: ليس هذا ما أريدُ، إنما أريدُ الذي تموج كموج البحر. قال: فقلت: مالك ولها يا أمير المؤمنين؟ إنَّ بينك وبينها باباً مغنماً. قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غدٍ الليلة. إني حدثته حديثاً ليس بالأعاجيب. قال:.. إن نسأل حذيفة من الباب؟ فقلنا: ... وخرَّج هذا الحديث البخاريُّ.
وقال ابن مسعودٍ: لو وضع علم أحياء العرب في كفة الميزان، ووضع علم
стр. 598
عمر لرجح علم عمر. ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم. ولمجلس كنت أجلسه من عمر أوثق في نفسي من عمل سنةٍ.
وعن الفضل بن العباس ... قال: قال رسول الله ﷺ : " عمر معي مع عمر، والحقُّ بعدي مع عمر حيث كان ". وقال الشعبُّي: من سرَّه أن يأخذ بالوثيقة في القضاء فليأخذ بقضاء عمر، فإنه كان يستشير.
وحدَّث إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: نا علي بن الدينَّي قال: نا حسين بن عليٍّ عن زائدة بن قدامة، عن عبد الملك بن عمير قال: حدثني أبو بردة وأخي عن عوف بن مالك الأشجعيِّ أنه رأى في المنام كأنَّ الناس جمعوا فإذا فيهم رجل فرعهم، فهو فوقهم.. أذرع. قال: فقلت: من هذا؟ قالوا: عمر. قلت: لم؟ قالوا: لأن فيهم ثلاث خصالٍ: لأنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأنه خليفة مستخلف، وشهيد مستشهد. قال: فأتى أبا بكر فقصَّها عليه فأرسل إلى عمر فدعاه ليبشِّره. قال: فجاء عمر فقال لي: اقصص رؤياك. فلما بلغت " خليفة مستخلف " زبرني عمر وانتهرني وقال: اسكت، تقول هذا وأبو بكرٍ حيِّ؟ قال: فلما كان بعد، وولي عمر، مررت بالشام وهو على المنبر، قال: فدعاني وقال: اقصص رؤياك فقصتها. فلما قلت: إنه لا يخاف في الله لومة لائمٍ قال: إني لأرجو أن يجعلوا الله منهم. قال: فلما قلت " خليفةُ مستخلفُ " قال: قد استخلفني الله، فسلهُ أن يُعينني على ما ولاني. فلما أن ذكرت " شهيد مستشهد " قال: أني لي بالشهادة وأنا بين أظهركم تغزون وأنا لا أغزو؟ قال: بلى يأت الله بها إن شاء. فأتى الله بها أنى شاء.
عوف بن مالك صاحب رؤيا عمر من مشاهير الصحابة، خرج عنه مسلم وغيره وقد مضى ذكره ما روى ومن روى عنه في " أشجع " من قيس عيلان بن مضر بن نزار.
واستخلف أبو بكر عمر ﵄ في اليوم الذي توفِّى فيه. وعهد بذلك. دعا عثمان بن عفان، وكان من كتابه فقال: اكتب " بسم الله الرحمن
стр. 599
الرحيم هذا ما عهد به أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ في آخره أيامه من الدنيا وأول أيامه من الآخرة في الساعة التي يؤمن فيها الكافر ويتَّقي فيها الفاجر إني استخلفت عليكم " قال عثمان: فأصبته غشيته فخشيت أن يموت فكتبت عمر. فلما أفاق من غشيته قال: ما كتبت؟ قلت: عمر. قال: أصبت ولو كتبت غيره للمتك، ولو كتبت نفسك لكنت أهلاً لذلك. ثم قال: اكتب " أني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن برَّ وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه. وإن جار وظلم فالله حسيبه ولا علم لي بالغيب. والخبر أردت، ولكلِّ امرئ ما اكتسبت، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ مُنقلَبٍ ينقلبون ".
وقال عبد الله بن مسعود: أصحُّ الناس فراسةًّ ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته: أكرمي مثواه، وابنه شعيبٍ حين قالت: استأجره، إن خير من استأجره القومي الأمين، وأبو بكرٍ حين اسخلف عمر بن الخطاب.
وفي أيام عمر تتابعت الفتوحات بالشام والعراق ومصِّرت الأنصار، ودونت الدواوين، ورتِّبت الناس على سوابقهم، وأرخ التاريخ من الهجرة.
الطبري: حدثني محمد بن إسماعيل قال: نا أبو نعيم قال: نا حبَّان بن عليٍّ العنزيُّ عن مجالد عن الشَّعبيِّ قال: كتب أبو موسى الأشعريُّ إلى عمر أنه تأتينا منك كتب ليس تاريخ. قال: فجمع عمر للمشورة. فقال بعضهم: أرِّخي لمبعث رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: لمهاجر رسول الله ﷺ . فقال عمر: لا بل نؤرِّخ لمهاجر رسول الله ﷺ ، فإن مهاجرة فرق بين الحقِّ والباطل. وقال: حدثني محمد بن إسماعيل قال: نا سعيد بن أبي مريم قال: نا يعقوب بن.... قال: حدثني محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عباس. قال: كان التاريخ في السَّنة التي قدم فيها رسول الله ﷺ ، وفيها ولد عبد الله بن زبير.
وقال الزُّهريُّ والشعبيُّ: أرَّخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم إلى البيت حين بناه إبراهيم وإسماعيل، ثم أرَّخ بنو إسماعيل من بنيان البيت حتى تفرَّقت.
стр. 600
وكان كلما خرج قوم من تهامة أرَّخوا مخرجهم. ومن بقي بتهامة من بني إسماعيل يؤرخون من خروج سعدٍ ونهدٍ وجهينة بن زيد من تهامة حتى مات كعب بن لؤي فأرَّخوا من موت كعب بن لؤي إلى الفيل. فكان التاريخ من الفيل حتى أرَّخ عمر بن الخطاب من الهجرة، وذلك سنة سبع عشرة أو ثمان عشر.
الطبري: حدثني محمد بن إسماعيل قال: لا أبو نعيم الفضل بن دكين عن الأسود بن يزيد، عن عبيد بن عمير قال: إن المحرم شهر الله ﵎ وهو رأس فيه يكسى البيت ويؤرَّخ التاريخ، ويضرب فيه الورق. وفيه يوم كان تاب فيه قوم، فتاب الله عليهم. وقال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: نا نعيم بن حمَّاد، قال: نا الدَّراورديُّ عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت سعيد بن المسَّيب يقول: جمع الناس فسألهم فقال: من أي يوم نكتب؟ فقال عليَّ: من يوم هاجر رسول الله ﷺ ، وترك أرض الشِّرك، ففعله عمر ﵀. وقدم التاريخ على الهجرة، وذلك أن أول السنة المحرَّم. فبين التاريخ وهجرة شهران واثنا عشر يوماً. وهو أول من تسمَّى بأمير المؤمنين. وذكر الزبير بن بكار قال: قال عمر لما ولي: كان أبو بكر يقال له خليفة رسول الله ﷺ فكيف يقال لي: خليفة خليفة؟ يطول هذا! قال: فقال المغيرة بن شعبه: أنت أميرنا ونحن المؤمنون، فأنت أمير المؤمنين. قال: فذاك إذن. وحدث أبو بكر بن سليمان بن أبي حيثمة قال: حدثتني الشفاء، كانت من المهاجرات الأول وكانت جده أبي بكر أم أبيه، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل العراق أن ابعث إلي رجلين جليدين نبيلين أسألهما عن العراق وأهله. فبعث أليه عامل العراق لبيد بن ربيعة العامري وعديَّ بن حاتم الطائيَّ. فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد فإذا هما بعمرو بن العاصي، فقالا له: أستأذن لنا على أمير المؤمنين يا عمرو. فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه، نحن المؤمنون وهو أميرنا. فوثب عمرو فدخل على عمر فقال له: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال عمر: ما بدا لك في هذا الاسم، يعلم الله لتخرجن مما قلت. قال: إن بيد بن ربيعةَّ وعديَّ بن حاتم قدما فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد وقالا لي: أستأذن لنا يا عمر على أمير المؤمنين، فهما والله أصابا اسمك، أنت الأمير
стр. 601
ونحن المؤمنون. قال: فجرى الكتاب من يومئذ. وفي أيامه اختطَّت البصرة، اختطَّها عتبة بن غزوان وبويع له بالخلافة يوم مات أبو بكر باستخلافه له سنة ثلاث عشرة، فسار أحسن سيرة، وأنزل نفسه بالمال الله بمنزلة رجل من الناس، وكان لا يخاف فالله لومة لائم. وهو الذي نور شهر الصيام بصلاة الإشفاع. وهو من المهاجرين الأولين. وشهد بدراً وبيعة الرِّضوان، وكل مشهدٍ شهده رسول الله ﷺ .
وتوفي رسول الله ﷺ وهو عنه راضٍ، وهو أول من اتَّخذ الدِّرَّة. وكان عمر ﵁ مهيباً متواضعاً متقشفاً في اللباس والطعام مع وجود الليِّن منهما بترادف الفتوحات عليه، مسدَّد القول، موفقاً للصواب فيما يقضي ويفعل. فمن ذلك رسالته في القضاء إلى أبي موسى الأشعري، وهي التي جمع فيها جمل الأحكام، وأختصرها بأجود الكلام. وجعل الناس بعده يتخذونها إماماً، ولا يجد محق عنها معدلاً ولا ظالم عن حدودها محيطاً. وهي: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس. أما بعد، فأن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة. فافهم إذا أدلي إليك، وانفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع التكلم بحقًّ لا نفاذ له. أس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع الشريف في حيفك، ولا ييأس الضعيف بن عدلك. البيَّنة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلى صلحاً أحل حراماً أو حرَّم حلالاً. لا يمنعنَّك قضاء قضيته اليوم فراجعة فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، والرجوع إلى الحق خير من التَّمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا في سنَّةٍ. ثم اعرف الأشباه والأمثال؛ فقس الأمور عند ذلك، واعمل إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق واجعل لمن ادَّعى حقاً غابئاً أو بيِّنةً، أمداً ينتهي إليه فإن أحضر بيِّنة أخذت له بحقه، وإلا استحللت القضَّية عليه، فإن ذلك أجلى للشك وأنفى للعمى، والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلى مجلوداً في حدٍّ أو مجرباً عليه شهادة زور أو ضنيناً في ولاء أو نسب فإن الله تولى منكم ... درأ بالبينات والأيمان. وإياك والقلق والضجر والتأدِّي بالخصوم والتنكر عند الخصومات؛ فإن
стр. 602
الحق في موطن الحقِّ يعظم الله به الأجل ويحسن عليه الذخر. فمن صحته نيته واقبل على نفسه كفاه الله ما بينه الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنَّه ليس من نفسه شأنه الله، فما ظنك لثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟ والسلام ".
وما جاء في تقشُّفه وتواضعه وحدِّه
وسداد قوله ﵁ مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريِّ أنه قال: قال أنس ابن مالك: رأيت عمر بن الخطاب، وهو يومئذ أمير المؤمنين، وقد رقع بين كتفيه برقاع ثلاث، لبَّد بعضها فوق بعض. مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. عن أنس بن مالك قال: رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير يطرح له صاع من تمر، فيأكله حتى يأكل حشفها. مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب أدرَّك جابر بن عبد الله، معه حمَّال لحم فقال: ما هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين قرمنا إلى اللحم، فاشتريت بدرهم لحماً. فقال عمر ألا يريد أحدكم أن يطوي بطنه عن جاره أو أبن عمِّه؟ أين تذهب عنكم هذه الآية:) أذهَبْتُمْ طيِّباتِكم في حياتِكم الدُّنيا واستمتُعتم بها (؟ مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب كأن يأكل خبز بسمن فدعا رجلاً من أهل البادية، فجعل يأكل ويتتبع بالقمة وضر الصِّحفة.
فقال له عمر: كأنك مقفر. فقال: والله ما أكلت سمناً ولا رأيت أكلاً به منذ كذا وكذا. فقال عمر: لا أكل السَّمن حتى يحيى الناس من أول ما يحيون.
وقال أبو عثمان النَّهديُّ: رأيت عمر بن الخطاب يطوف حول البيت، وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة إحداهن بأدمٍ أحمر. وقال الحسن البصري: بينا عمر يعسُّ بالمدينة في الليل أتى على امرأة من الأنصار تحمل قربة. فسألها فذكرت أن لها ريالاً، وأن ليس لها خادم، وأنها تخرج من الليل فتسقيهم من الماء، وتكره أن
стр. 603
تخرج بالنهار فحمل عمر عنها القرب حتى بلغ منزلها، وقال: أغدي على عمر غدوة يخدمك خادماً. وقالت: لا أصل إليه. قال: أنكي ستجدينه إن شاء تعالى. قال فغدة عليه، فإذا هي به، فعرفة أنه الذي حمل قربتها، فذهب توليِّ فأرسل في أثرها وأمر لها بخادم ونفق. وقال الطاووس: أجدب الناس على عهد عمر بن الخطاب ﵁، فما أكل سمناً ولا سميناً حتى أكل الناس.
وقال معاوية بن أبي سفيان لصعصعة بن صوحان: صف بي عمر بن الخطاب، فقال: كان عالماً برعيتها، عادلاً في قضيته، عارياً من الكبر، قابلاً للعذر. سهل الحجاب، مصون الباب، متحرِّياً للصواب، رفيقاً بالضعيف، غير محابٍ للقريب، ولا جافٍ للغريب.
وقال علي بن أبي طالب: ما رأيت عمر بن الخطاب يغدو على قتل، فقلت: يا أمير المؤمنين، إلى أين؟ فقال: بعير ند من الصدقة أطلبه. فقلت: لقد ذللت الخلفاء بعدك يا أمير المؤمنين. فقال: لا تلمني يا أبى الحسن، فوالذي بعث محمداً بن نبوَّة لو أن سخلة ذهبت بشاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة إنه لا حرمة لوالٍ ضيع المسلمين.
ويروى عنه أنه لما قدم الشام لقيته الجنود وعليه إزار وعمامة وخفَّان وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء. وقد خلع خفَّيه وجعلها تحت إبطيه. فقالوا يا أمير المؤمنين لآن تلقاك الجنود وبطارقة الشام أنت على هذا الحال. فقال: إنا قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العزَّ بغيره.
مالك عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة بن الجرِّاح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعاً من الروم، وما يتخوَّف منهم. فكتب إليه عمر: " أما بعد فإنه مهما ينزل بعبدٍ مؤمنٍ من منزل شدة يجعل الله بعده فرجاً. وإنه لن يغلب عسر بيسيرين. وإن الله يقولً في كتابه: " يا أيُّها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تُفلحون ".
стр. 604
مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال: كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، ومروءته خلقه، والجراءة والجبن غرائز يضعها الله حيث يشاء فالجبان يفرِّ عن أبيه وأمِّه والجريء يقاتل عمَّن لا يؤوب به إلى رحلةٍ والقتل حتف من الحتوف. والشهيد من احتسب نفسه على الله. وروي أنه أتاه ابن له قد تخرق إزاره فقال: اقطعه وانكسه. وإياك أن تكون من الذين يجعلون ما رزقهم الله على بطونهم وعلى ظهورهم.
وقال حميد بن هلال العدويُّ: نهي عمر عن السمن واللحم أن يجمع بينهم، فدخل عبيد الله بن عمر على عبد الله بن عمر. فقدَّم إليه خبزاً ولحماً فقال عبيد الله: ما أنا بطاعم من طعامك حتى تفرغوا عليه سمناً. فقال عبد الله: ألم تسمع نهى أمير المؤمنين؟ فقال: ما أنا بفاعل فقالت صفية بنت أبي عبيد: لا تحرم أخاك طعامك، فجيء بسمن فأفرغ عليه. فبينما هو موضوع لم يصيبوا منه إذا عمر إلى الباب، فقال: ما لكم ولطعامكم؟ فالهوا عمر بيدهم إليه فوجد طعم السن. فمال على الخادم ضرباً. فقالت الخادم: ما ذنبي؟ إنما فعلت ما أمرت به. ومال على صفيَّة فضربها حتى سقط خمارها. فجاءت تسعى حتى دخلت البيت وأغلقته دونه ثم جاء فمثل قائماً على عبد الله، ثم انصرف عنه وقال: لا تنخِّلوا فإنه طعام كلُّه. وقال إبراهيم النَّخعيُّ إن عمر بن الخطاب بعث مصدقين فأبطؤوا عليه، وبا الناس حاجة شديدة. فجاؤوا بالصدقات فقام فيها متَّزراً بعباءة يختلف في أوَّلها وآخرها: هذه لآل فلان وهذه لآل فلان، حتى انتصف النهار وجاع، فدخل بيته حتى إذا أمكن أكله أكله ثم قال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله.
وعن قتادة قال: قدم عمر الشام، فصنع له طعاماً لم ير قبله مثله. قال: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟ فقال خالد ابن الوليد: لهم الجنة، فاغرورقت عينا عمر وقال: لئن كان حظُّنا في هذا الحطام وذهبوا بالجنة باينونا بوناً بعيداً. وقال جرير بن حازمٍ الجهضميُّ: قال الحسن البصري: قدم على أمير المؤمنين وفد من أهل البصرة مع أبي موسى الأشعريِّ قال: فكنَّ ندخل عليه، وله خبز يلتُّ. فربَّما وافقنا هامأ دومةً بسمنٍ، وأحياناً بالزيت وأحياناً باللبن، وربما وافقنا القديد اليابسة قد دقَّت ثم أغليت بماء. وربما وافقنا اللحم الغريض وهو قليل. فقال لنا يوماً: إني والله أرى
стр. 605
تعذيركم وكراهيتكم لطعامي، إني لو شئت كنت أطيبكم طعاماً وأرقكم عيشاً. أما والله ما أجهل عن كراكر وأسنمةٍ وعن صلاء وصناب وصلائق. قال جرير: الصِّلاء: الشواء، والصِّناب: الخردل، والصلائق: الخبز الرقاق. ولكن سمعت الله عيَّر قوماً بأمرٍ فعلوه فقال:) أذهبتم طيباتكم في حياتِكمُ الدنيا واستمعتم بها (.
وقال عاصم بن بهدلة: كان عمر بن الخطاب إذا استعمل العامل اشترط عليه ألاَّ يركب برذوناً، ولا يلبس رقيقاً، ولا يأكل نقياً، ولا يغلق باباً عن حوائج الناس وما يصلحهم. وإني لا أستعملك على أبشارهم ولا أغراضهم. وإنما استملتك لتصلِّي بهم وتقضي بينهم وتقسم بالعدل.
وكان ﵁ يحب الجدِّ والقوة في دين الله، ويكره التماوت فيه مخافة أن يبدي فاعله غير ما يخيفه. يروى أن عائشة رحمها الله نظرت إلى رجلٍ متماوتٍ فقالت: من هذا؟ فقالوا: أحد القراء. قالت: فقد كان عمر بن الخطاب قارئاً، فكان إذا قال أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع. ويروى أنه نظر إلى رجلٍ. مظهرٍ للنُّسك متماوتٍ فخفقه بالدِّرَّة، وقال: لا تمت علينا ديننا، أماتك الله. وقال للذي يطأطئ رقبته ويطهر للخشوع: يا هذا، ليس الخشوع في الرقبة، إنما الخشوع في القلب.
وكان ﵁ يقول: كفى بك سرفاً ألا تشتهينَِّ شيئاً إلا اشتريته وأكلته. وقال عيسى بن دينار: إنَّ فتى من الأنصار كان جالساً عند عمر بن الخطاب فقال له عمر بن الخطاب: كيف نفقتك اليوم يا فلان؟ فقال: يا أمير المؤمنين الحسنة بين السيئتين. فقال له عمر: وكيف! قال: يقول الله تعالى: " والذين إذا أنْفقوا لم يُسرِفوا ولم يَقْتُروا، وكان بينَ ذلك قواماً " فالإسراف سيِّئة والإقتار سيئة، والقوام بين ذلك حسنة. قال: فكان عمر بن الخطاب يتعجب من فضل عقله حتى لقي الله تعالى.
стр. 606
قال المؤلف غفر الله له: وهذا الخبر وإن لم يكن في وصف عمر ﵁ فإنه سؤال منه لجارٍ على سننه القويم في الفضل المستمرِّ العميم. استخرج منه بسؤاله حكمةً دلَّت على رصانة عقله ورسوخ دينه وفضوله، إذ عضدها بما تلا من الذكر الذي كان عمر وقَّافاً عنده. ويبذل في العمل به واتِّباعه جهده، إذا ذكِّر به ﵁ بكى واستكان، وخشع قلبه لاستماعه لان. كان قوياً في بدنه ودينه، مصيباً بصدق فراسته في ظنونه. ﵁ وعن السابق قبله بالخلافة والفضل، وعن القائمين بعده للعمل ِبمرِّ الحقِّ، ومألوف العدل آمين.
وكان لعمر ﵁ من الولد: عبد الله وعبد الرحمن الأكبر وعبد الرحمن الأوسط وعبد الرحمن الأصغر وعبيد الله وعاصم وزيد.
فأما عبد الله بن عمر فأسلم قديماً مع أبيه بمكة، وهو صبي صغير، وهاجر قبل هجرة أبيه، وأجمعوا أنه لم يشهد بدراً، واختلفوا في شهوده أحداً. والصحيح أنَّ أول مشاهده الخندق. ويروي عن نافع ان رسول الله ﷺ ردَّ ابن عمر يوم أحدٍ لأنه كان ابن أربع عشرة، وأجازه يوم الخندق، وه ابن خمسة عشرة، وشهد بيعة الرَّضوان. ولم يتخلَّف عن رسول الله ﷺ بعد الخندق. وروى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قال: أدرك ابن عمر الفتح وهو ابن عشرين سنةً، يعني فتح مكة. وكان ﵀ من أهل الورع والعلم، وكان كثير الاتِّباع لآثار رسول الله ﷺ شديد التَّحرِّي والاحتياط والتَّوقِّي في فتواه وكلِّ ما يأخذ به نفسه. وكان مولعاً بالحج، ويقولون: إنه كان من أعلم الصحابة بمناسك الحجِّ. وقال ميمون ابن مهران: ما رأيت أروع من ابن عمر ولا أعلم من ابن عباس. وروى ابن وهبٍ عن مالك قال: بلغ عبد الله بن عمر ستاً وثمانين سنةً، وأفتى في الإسلام ستين سنةً، ونشر نافع عنه علماً جماً.
وقال جابر بن عبد الله: ما منَّا أحد إلا مالت به الدنيا ومال بها ماخلا عمر وابنه عبد الله. وقال عبد الله بن مسعودٍ: إنَّ أملك شباب قريشٍ لنفسه من الدنيا عبد الله بن عمر. وقال ابن عمر: كان الرجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤية قصَّها على النبي ﷺ . فتمنيت أن
стр. 607
أرى رؤيا أقصُّها على النبي ﷺ وكنت غلاماً شاباً عزباً، وكنت أنام في المسجد على النبي ﷺ ، فرأيت في المنام كأنَّ ملكين أخذاني، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطويَّة كطيِّ البير، وإذا لها قرنان كقرني البير، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول أعوذ بالله من النار. فلقيهما ملك آخر فقال لي: لن ترع. فقصصتها على حفصة، فقصَّتها حفصة على النبي ﷺ . فقال: " نِعمَ الرجلُ عبدُ الله، لو كان يُصلَّي منَ الليل ". قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً.
وكان ﵀ لروعه قد أشكلت عليه حروب علي فقعد عنه، وندم على ذلك حين حضرته الوفاة. وعن ميمون بن مهران، عن ابن عمر أنه دخل عليه رجل فسأله عن تلك المشاهد فقال: كففت يدي فلم أقدم، والمقاتل على الحقَّ أفضل، وحدَّث أسد بن موسى: نا أسباط بن محمدٍ ويحيى بن عيسى، عن عبد العزيز بن سياهٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ قال: قال ابن عمر: ما أجدني آسي علي شيء فاتني، إلا أني لما أقاتل مع عليّ الفئة الباغية.
وذكر أبو زيد عمر بن شبَّة قال: نا أبو أحمد بن محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيريُّ الأسديُّ مولي لهم: نا عبد الجبار بن العباس عن أبي العنبس، عن أبي بكر بن الجهم قال: سمعت ابن عمر يقول: ما آسى على شيء إلا على تركي قتال الفئة الباغية مع عليٍّ ﵁. وكان يرى بيعة ابن الزبير فتنةً، ولم يبايعه. وقال له حين وقف على خشبته، وهو مصلوب: السلام عليكم أبا خبيبٍ، ثلاثاً، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ثلاثاً. وقال حين خرج من مكة معتمراً في الفتنة، وهي فتنة ابن الزبير: إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ .
وبايع، ﵁، عبد الملك بن مروان. مالك بن عبد الله بن دينارٍ أن عبد الله بن عمر كتب إلى عبد مالك بن مروان يبايعه. فكتب إليه: " بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين سلام عليك. فإني أحمد إليك الله الذي لا أله إلا هو، أقر لك بالسَّمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت ". وقال البخاريُّ: نا مسدد: نا يحي بن سعيد عن سفيان: نا
стр. 608
عبد الله بن دينارٍ قال: شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك كتب: " أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ﷺ ما استطعت. وإن بَنيَّ أقرُّوا بمثل ذلك ".
وأوصى عبد الملك بعبد الله بن عمر خيراً الحجَّاج بعد قتله ابن الزبير وولايته الحرمين، وأن لا يعرض له بسوء، وأن لا يخالفه في مناسك الحج. مالك عن ابن شهابٍ، عن سالم بن عبد الله أنه قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج ابن يوسف: ألا تخالف عبد الله بن عمر في شيء من أمر الحج، قال: فلما كان يوم عرفة جاء عبد الله بن عمر حين زالت الشمس وأنا معه، فصاح به عند سرادقه: أين هذا؟ فخرج عليه الحجاج، وعليه محلفة معصفرة. فقال: مالك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرَّواح، إن كنت تريد السنَّة. قال: أهذه الساعة؟ فقال: الرَّواح، إن كنت تريد السنَّة. قال: أهذه الساعة؟ فقالت: نعم. قال: فأنظرني حتى أفيض عليَّ ماءً، ثم أخرج. فنزل عبد الله حتى خرج الحجاج، فسار بيني وبين أبي فقلت له: إن كنت تريد أن تصيب السنَّة اليوم فأقصر الخطبة، وعجِّل الصلاة. قال: فجعل ينظر إلى عبد الله بن عمر كيما يسمع ذلك منه. فلما رأى ذلك عبد الله قال: صدق.
ومات عبد الله بن عمر بمكة سنة ثلاثً وسبعين لا يختلفون في ذلك بعد قتل ابن الزبير بعد بستة أشهرٍ. وكان أوصى أن يدفن في " الحلِّ "، فلم يقدر على ذلك من اجل الحجاج، ودفن بذي طوي في مقبرة المهاجرين، وصلى عليه الحجاج. وكان الحجاج قد أمر رجلاً فسمَّ زجَّ رمحه وأمره أن يضع الزجَّ في ظهر قدمه إذا دفع الناس من عرفة. ففعل الرجل ذلك فمرض من ذلك أياماً، فدخل عليه الحجاج يعوده فقال له: من بك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: وما تصنع به؟ قال: قتلني الله إن لم أقتله. قال: ما أراك فاعلاً، أنت أمرت الذي نخسني بالحرية. فقال: لا تفعل يا أبا عبد الرحمن، وخرج عنه. وروي أنه قال للحجاج إذ قال له: من بك؟ قال: أنت أمرت بإدخال السلاح في الحرم. فلبث أيامنا ثم مات. وفعل الحجاج هذا مع عبد الله بن عمر من أجل أن الحجاج خطب يوماً وأخَّر الصلاة. فقال ابن عمر: إن الشمس لا تنتظرك. فقال له الحجاج: لقد هممت أن أضرب الذي فيه عيناك. قال: إن تفعل فإنك سفيه مسلَّط. وقيل: أنه أخفى قوله ذلك عن الحجاج ولم يسمه. وكان يتقدَّمه في المواقف بعرفة وغيرها إلى
стр. 609
المواضع التي كان النبيُّ ﷺ وقف فيها. فكان يعزُّ على الحجاج ويسوؤه، حتى صنع ما ذكر، جرأة على ارتكاب الكبائر وقلة مبالاةٍ بالقصاص، يوم ابتلاء السرائر. فكم دماء حرامٍ سفكها، وحرم مستحقَّةٍ للصَّون انتهكها، دلاَّه الشيطان بغروره، فأسخط ربَّه برضى أميره. ونعوذ بالله من المهلكات: القسوة والحسد والحقد واللجاج، التي كانت مستكنَّةً بين جنبي الحجاج. ونسأله لين القلوب، وسلامة الصدور والرضى بأمر الله المقدور.
وولد عبد الله بن عمر عبد الله وأمُّه صفية بنت أبي عبيدٍ أخت المختار، وسالما أمُّه أمُّ ولدٍ وعبيد الله وعبد الرحمن وعاصماً وحمزة واقداً وزيداً وبلالاً.
فأما عبد الله بن عبد الله بن عمر فكان من رجالات قريش، وكان وصيُّ أبيه، وله عقب بالمدينة، منهم: عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر، كان على كرمان للمهديَّ. ثم استعمله موسى على المدينة.
وأخوه عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر العمريُّ الزاهد. كان من أزهد الناس وأعبدهم وأفضلهم. وهلك في باديته قرب المدينة. وروي عنه الحديث. وكتب إلى مالك وابن أبي ذيبٍ وغيرهم من علماء المدينة كتباً أغلظ لهم فيها، وقال: أنتم علماء تميلون إلى الدنيا، وتلبسون اللِّين، وتدَّعون التقشف، فيراكم الناس، فيفعلون ذلك. فأما ابن أبي ذيب وغيره فكتب إليه كتباً مغلظة: إنك انتقلت عن دار الهجرة إلى الأعرابية. وأما مالك فكتب إليه: " فهمتُ خطابَكَ، ووجدتُ أبوابَ الخير عطايا من الله تعالى، قسمَها بين عبادهِ، فيقسم للرجل حظاً من الصيام والصلاة، ولا يقسم له حظاً من العلم. ولعمري لو اجتهد في طلب العلم مع اجتهاد في الصلاة والصيام لكان أفضل. ويقسم للرجل في الجهاد، ولا يقسم له اجتهاداً في الصوم والصلاة. ولو جمع الاجتهاد في الصوم والصلاة مع الجهاد لكان أفضل. فرأيت الأمور عطايا من الله، يقسم للرجل في الباب من الخير مالا يقسم له في غيره من أبواب البرِّ ".
فقرأ كتبهم. فلما دخل عليه الناس قرأها عليهم، ثم قال: ما قدَّم مالكاً إلا عقله وفضله. ولا جرم، لا ذكرت مالكاً بسوء أيضاً. وقال موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباسٍ لعبد الله بن عبد العزيز العمريِّ
стр. 610
الزاهد، ينتهي إلى أمير المؤمنين الرشيد، أنك تشتمه وتدعو عليه فبأيِّ شيء استجزت ذلك؟ فقال: أمَّا شتمه فهو إذا أكرم عليَّ من نفسي. وأما الدعاء عليه فما قلت: " اللهمِّ إنه أصبح عبئاً ثقيلاً على أكتافنا لا تطيقه أبداننا، وقذى في عيوننا لا تطبق عليه أجفاننا، وشجَّى في أفواهنا لا تسيغه حلوقنا، فاكفنا مؤونته. وفرِّق بيننا وبينه ". ولكني قلت: " اللهمِّ إن كان تسَمَّى الرشيدَ ليرشد فأرشده، وأن كان على غير ذلك فراجع به اللهم إن له في الإسلام على كلِّ مسلمٍ حقاً، وله بنبيِّك " قرابةً ورحماً، فقر به من كل خير، وباعده من كل شر وأسعدنا به وأصلحه لنفسه ". فقال: يغفر الله لك يا أبا عبد الرحمن كذا بلغنا..
وأما سالم بن عبد الله: فكان يكنى أبا عمر، وكان من غيار التابعين وفقهائهم. وكان أبوه يلام في حبِّه، فيقول:
يَلُوْمُوْنَنِى في سالم وألومُهمْ ... وجِلدةُ بين العين والأنفِ سالمُ
وقال الواقدىُّ: كان يكنى أبا المنذر. وهلك بالمدينة سنة ستٍ ومئةٍ، وصلى عليه هشام بن عبد الملك. وقال الهيثم بن عدي: مات سنة ثمانٍ مئة.
وأما عبيد الله بن عبد الله بن عمر فولد عثمان وأبا بكر. فولد عثمان محمداً، ويكنى أبا قدامة. سمع عائشة بنت سعد بن أبي وقاص. روى عنه خالد بن مخلدٍ القطواني.
وأما أبو بكر فروى ابن شهاب عنه، عن جده عبد الله بن عمر. مالك عن ابن شهابٍ، عن أبو بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه. وليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ". وخَّرج الحديث مسلم عن ابن شهاب من طرقٍ عن أبي بكر بن عبيد الله، عن جدِّه عبد الله بن عمر وعن عمه سالم، عن أبيه. وقال محمد بن يحيى الذُّهليُّ: اسم أبي بكر بن عبيد الله هذا القاسم، وكان أيضاً يكنى بأبي محمد. كناه بذلك يحيى بن سعيد الأنصاري. قال المؤلف وفقه الله: والدليل على ما قال الذهليُّ ما ذكره مسلم. فقال حدثني أبو الطاهر
стр. 611
وحرملة قال أبو الطاهر: أنا وقال حرملة: نا عبد الله بن وهب قال: حدثني عمر بن محمد قال: حدثني القاسم بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن سالمٍ، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: " لا يأكلن أحد منكم بشماله ولا يشربن بها؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها ". قال: وكان نافع يزيد فيها: ولا يأخذ بها ولا يعط ... قال: كنت جالساً عند القاسم ابن عبيد الله ويحيى بن سعيد، فقال يحيى للقاسم: يا أبا محمد " القبيح " على مثلك عظيم، أن تسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا يوجد عندك منه علم ولا خرج أو علم ولا مخرج. فقال له القاسم وعمر: " ولم " ذاك؟ قال: لأنك ابن إمامي هدَّى: ابن أبي بكر وعمر. قال: يقول له القاسم: أقبح من ذاك عند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غيرة ثقة. قال: فسكت فما أجابه.
وأما عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، فولد عمر وولد عمر أبا بكر، وهو من شيوخ مالك له عنه حديث واحد في الموطَّأ في الأمر بالوتر عن سعيد بن يسارٍ أنه قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريقة مكة..الحديث. وقال ابن عبد البر النَّمريُّ في " التقصِّي ": رواية عبيد بن يحيى عن أبيه عن مالك، عن أبي بكر بن عمرو. والصواب فيه عن مالك وغيره، عن أبي بكر بن عمر لا عمرو. وكذلك عند جميع الرواة للموطأ. وأبو بكر بن عمر المذكور ممن لم يوقف على اسمه.
وأما عاصم بن عبد الله بن عمر فولد محمداً وله عقب بالكوفة.
وأما حمزة بن عبد الله بن عمر فروي عن أبيه. وروي ابن شهابٍ عن حمزة وأخيه سالم معاً. وابنه عمر بن حمزة روى عنه عمَّه سالم. مسلم: نا داود بن رشيد قال: نا مروان بن معاوية قال: نا عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر قال: نا سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " أيُّما أهل دارٍ اتَّخذوا كلباً إلا كلب ماشية أو كلب صائد نقصَ من عملهم كلَّ يوم قيراطان ".
وأما واقد بن عبد الله بن عمر فوقع من بعيره وهو محرم فهلك. مالك عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر كفَّن ابنه واقدَ عبد الله بن عبد الله، ومات بالجحفة
стр. 612
محرماً، وحمَّر رأسه ووجهه وقال: لولا أنَّا حرم لطيَّبناه. فولد واقد عبد الله بن واقدٍ، وكان من رجال قريش. وفيه يقول الشاعر لنضارة جسمه:
أحبٌّ من النِّسوان كلَّ خريدةٍ ... لها حسن عبَّادٍ وجسم ابن واقد
يعني عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير. وروى عبد الله بن واقد هذا، عن جدِّه عبد الله بن عمر. مسلم حدثني أبو طاهر قال: أنا أبن وهب قال: أخبرني عمر بن محمد عن عبد الله بن واقد، عن ابن عمر قال: مررت على رسول الله ﷺ وفي إزاري استرخاء فقال: " يا عبد الله ارفع إزارك " فرفعته. ثم قال: " زد " فزدت. فمازلت أتحرَّاها بعد. فقال بعض القوم: أين؟ فقال: أنصاف الساقين.
وأما زيد بن عبد الله عمر فروى عنه نافع. مالك عن نافع، عن زيد ابن عبد الله بن عمر بن خطاب، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: " الذي يشربُ في آنيةِ الفضةِ إنما يُجرْجِرَ في بطنهِ نارَ جهنمَ ". وخرَّج مسلم هذا الحديث بنصه عن يحيى التميميِّ عن مالك، وله عن غير مالك فيه طرق.
وولد زيد محمداً: روى عن جدِّه عبد الله بن عمر. فولد محمداً وزيد وعمر وعاصماً. فروى واقد عن نافع، وروى عاصم أبيه محمداً، عن جده أبن عمر. مسلم: نا عبيد الله بن معاذ: نا أبي: نا عاصم ومروان بن محمد بن زيد ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان.. "، وعن أخويه زيد وواقد.. البخاريّ: نا أبو نعيم: نا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال أناس لابن عمر: إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا
стр. 613
خرجنا من عندهم قال: كنا نعدُّ هذا نفاقاً. وروى واقد أيضاً عن سعيد بن مرجانة صاحب عليِّ بن حسين، عن أبي هريرة: وروى عمر عن أبيه محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر أيضاً، وعن أبن عم أبيه عبد الله بن واقد بن عمر. وخرَّج عن جميعهم البحري ومسلم في الصحيحين.
وأما بلال بن عبد الله بن عمر فكان أشج. وكان عبد الله بن عمر يقول له: يا بلال أترجو أن تكون أشجَّ نبني عمر؟ وهلك وهو صغير ولا عقب له، قال هذا أبن قتيبة. وذكر مسلم أن بلالاً روى عن أبيه عبد الله. مسلم: حدثني هارون بن عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ قال: نا سعيد بن أبي أيوب: نا كعب بن علقمة عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تمنعوا النساء حظوظهنَّ مساجدِ إذا أستأذنكم ". فقال بلال: والله لنمنعهنَّ فقال له عبد الله: أقول: قال رسول الله ﷺ وتقول: لنمنعهنَّ؟.
ومن موالي عبد الله بن عمر نافع وعبد الله بن دينار. فأما نافع فكان دليميُّاُ، قال يحيى بن معين. وقال غيرة: كان من أهل " أبْرَسَهْرَ "، أصابه عبد الله ابن عمر في غزاته. وكان ثقة حافظاُ ثبتاُ. حدث الأصمعي قال: نا العمري عن نافع قال: دخلت مع ابن عمر على عبد الله بن جعفر فأعطاه في أثنى عشر ألف درهم، فأبى أن يبيعني، فأعتقني أعتقه الله. يكنى نافع أبا عبد الله قال الواقديُّ: مات نافع بالمدينة سنة عشرون ومئة. وكان له من ولد أبو بكر عبد الله وعمر، وكلهم قد روى عنه. روى مالك عن أبنه أبي بكر بن نافع عن أبيه نافع " الموطأ " حديثين في كتاب " الجامع ". ولمالك عن نافع في الموطأ من حديث الرسول ﷺ ثمانون حديثاُ.
وأما عبد الله بن دينار فيكنى أبا عبد الرحمن. فيكنى أبا عبد الرحمن. ولمالكٍ عنه في الموطأ ستة وعشرون حديثاُ، منها عن أبن عمر اثنان وعشرون حديثاُ، وعن سليمان بن يسار حديثان، وعن أبي صالح حديثان. وتوفي سنة سبعة وعشرين ومئةٍ على اختلافٍ في ذلك. وابنه عبد الرحمن، روي عنه الحديث. قال ابن معين: عبد الرحمن بن
стр. 614
عبد الله بن دينارٍ مولى ابن عمر حدَّث عنه يحيى القطان، وفي حديث عندي ضعف. وقال غير ابن معين: روى عنه يعقوب بن إسحاق الحضرميُّ القارئ.
وأما عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب الأكبر: فهو شقيق عبد الله وحفصة أم المؤمنين، وهو أبو بهيسٍ. وبهيس: لقب، واسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر. وأدرك أبوه عبد الرحمن بسنِّة النبيَّ ﷺ ، ولم يحفظ عنه.
وأما عبد الرحمن بن عمر الأوسط: فهو أبو شحمة. وهو الذي ضربه عمرو ابن العاصي بمصر في الخمر، ثم حمله إلى المدينة، فضربه أبوه أدب الولد. ثم مرض ومات بعد شهر. هكذا يرويه معمر عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه. وأما أهل العراق فيقولون: إنه مات تحت سياط عمر، وذلك غلط. وقال الزبير بن بكارٍ: أقام عليه عمر حدَّ الشراب، فمرض ومات.
وأما عبد الله بن عمر الأصغر: فهو أبن المجبَّر: اسمه أيضا عبد الرحمن بن عبد الرحمان بن عمر: وإنما سمي المتجبر لأنه وقع وهو غلام فتكسر، فأتي به إلى عمته حفصة بنت عمر أمِّ المؤمنين فقيل لها: انظري إلى ابن أخيك المكسَّر. فقالت: ليس بالمكسر ولكنه المجبَّر. هكذا ذكر العدويُّ وطائفة. وقال الزبير: هلك عبد الرحمن الأصغر وترك ابناً صغيراً أو حملاً، فسمَّته حفصة بن عمر أمُّ المؤمنين ولقَّبته المجبَّر، وقالت: لعلَّ الله يجبره.
وابنه عبد الرحمن المجبَّر: روى عنه مالك في الموطأ. مالك عن عبد الرحمن ابن المجبَّر أنه كان يرى سالم بن عبد الله إذا رأى الإنسان يغطِّي فاه وهو يصلي جبذ الثوب عن فيه جبذاً شديداً حتى ينزعه عن فيه.
وابنه محمدُ بن عبد الرحمن بن المجبَّر: كان متروك الحديث.
وأما عبيد الله بن عمر: فولد على عهد رسول الله ﷺ . ولا تحفظ له رواية عنه، ولا سماع منه. وهو المذكور مع أخيه عبد الله في أول كتاب القراض من الموطأ. وكان من أنجاد قريش وفرسانهم. وه القائل:
أنا عبيد الله ينمني عمر
стр. 615
خير قريشٍ من مضى ومن غبر
حاشا نبيِّ الله والشيخ
وقتل عبيد الله بصفين مع معاوية، وكان على الخيل يومئذٍ. وروى سفيان ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد بن علي، عن أبيه قال: قيل لعلي: هذا عبيد الله بن عمر عليه جبة خزٍّ، وفي يده سواك يقول: سيعلم عليُّ غداً إذا التقينا فقال عليُّ: دعوه إنما دمه دم عصفور. وروي أن عبيد الله بن عمر خرج بصفِّين في اليوم الذي قتل فيه، وجعل امرأتين له بحيث تنظران إلى فعله، وهما: أسماء بنت عطارد بن حاجب بن زرارة وبحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيبانُّي. فلما برز شدَّت عليه ربيعة فنشب بينهم فقتلوه.
وروى ابن وهبٍ عن مالكٍ عن زيد بن أسلم أن عبيد الله بن عمر بن الخطاب قتل بصفين، وأن رجلاً ضرب أطناب فسطاطه بأوتاد، فعجز منها وتداً. فأخذ رجل عبيد الله بن عمر فربطه حتى أصبح. وروى ابن وهب عن السريِّ بن يحيى، عن الحسن أن عبيد الله بن عمر قتل الهرمزان بعد أن أسلم، فعفا عنه عثمان حين ولي. فلما ولي علي خشيه على نفسه، فهرب إلى معاوية حين فقتل بصفين. وقال ابن قتيبة في " المعارف ": كان عبيد الله بن عمر شديد البطش. فلما قتل عمر جرَّد سيفه فقتل بنت أبي لؤلؤة، وقتل الهرمزان وجفينة، رجل أعجمي، وقال: لا أدع أعجمياً إلا قتلته. فأراد علي قتله بمن قتل، فهرب إلى معاوية، وشهد معه صفين فقتل.
وأمُّ عبيد الله أم كلثوم: واسمها مليكة بنت جرول الخزاعية، وكانت على شركها حين نزلت:) ولا تمسكوا بعصم الكوافر (، فطلقها عمر فتزوجها أبو فهم بن حذيفة صاحب الخميصة، وقد تقدم ذكره في أول الكتاب.
وكان له من الولد: أبو بكر بن عبيد الله وعثمان بن عبيد الله. فولد أبو بكر خالداً ... وولد أبو بكرٍ أيضاً ... أمَّ سلمة، وكانت تحت الحجاج. وولد عثمان أمَّ عثمان، وكانت تحت عمر بن عبد العزيز.
стр. 616
وأما عاصم بن عمر: فولد قبل وفاة رسول الله ﷺ بسنتين. وأمُّه جميلة بنت ثابت بن أبي الأفلح أخت عاصم حمي الدبر، وقيل هي بنت عاصم والأول أكثر. وكان اسمها عاصية، فغير رسول الله ﷺ اسمها وسماها جميلة. وخاصمت في عاصمٍ جدته أباه عمر حين أراد أخذه بعدما فارق أمه إلى أبي بكر الصديق، وه ابن أربع سنين. وذكر مالك خبر عمر مع جدة ولده عاصم في الموطأ، ولم يذكر سنَّه.
مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كانت عند عمر بن الخطاب امرأة من الأنصار فولدت له عاصم بن عمر، ثم إنه فارقها فجاء عمر قباء، فوجد ابنه عاصماً يلعب بفناء المسجد، فأخذه بعضده، فوضعه بين يديه على الدابَّة، فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر الصديق. فقال عمر: ابني. وقالت المرأة: ابني. فقال أبو بكر: خل بينها وبينه. قال: فما راجعه عمر الكلام. قال يحيى: سمعت مالكاً يقول: وهذا الأمر الذي أخذ به في ذلك.
وكان عاصم بن عمر طويلاً جسيماً. يقال إنه كان في ذراعه ذراع ونحو شبر. وكان خيِّراً فاضلاً يكني أبا عمر، ومات سنة سبعين قبل موت أخيه عبد الله بنحو أربع سنين. ومات عاصم وعبد الله غائب، فلما قدم وقف على قبره فقال يريثه:
فإن تك أحزان وفائض عبرةٍ ... جرين دماً من داخل الجوف منقعا
تجرَّعتها في عاصم واحتسبتها ... فأعظم منها ما احتسى وتجرَّعا
دفعت بك الأيام، حتى إذا أتت ... تريدك لم تسطع لها عنك مدفعا
стр. 617
فليتَ المنايا كنَّ خلَّفن عاصماً ... فعشنا جميعاً أو ذهبْنَ بنا مَعا
وروى عاصم بن عمر عن أبيه عمر قال: قال رسول الله ﷺ " إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس وقد أفطر الصائم ".خرَّج الحديث مسلم بسنده من عروه بن الزبير عن عاصم بن عمر.
وكان عاصم شاعراً حسن الشعَّر، حليماً يغضي عن المكروه والأذى تنزها. روى عبد الله بن المبارك عن أسامه بن زيد، عن عبد الله بن زيد بن أبي سلمة، عن خالد بن أسلم قال: آذى رجل عبد الله بن عمر بالقول، فقيل له: ألا تنتصر منه؟ فقال: إني أخي عاصماً لا نسابُّ الناس.
وولد عاصم بن عمر أمَّ عاصمٍ وحفصة وحفصاً عبيد الله وأم مسكين. فأما أمُّ عاصم: فتزوجها عبد العزيز بن مروان، فولدت له عمر بن عبد العزيز وأخوته: أبا بكر وعاصماً ومحمداً، وماتت عنده فتزوج عبد العزيز بعدها أختها حفصة. فلها يقال: ليست حفصة من رجال أمَّ عاصم.
وولد حفصة بن عاصم عيسى بن حفص وعمر بن حفص. فأما عيسى فروى عن أبيه، عن عبد الله بن عمر حديث ترك التَّسبيح في السَّفر، والتسبيح صلاة النافلة. وفيه قول ابن عمر: لو كنت مسبِّحا لأتممت صلاتي. خرَّج الحديث مسلم. ورواه عن عيسى عبد الله بن مسلمة بن قعنبٍ صاحب مالكٍ.
وولد أخوه عمر عبيد الله بن عمر العمريَّ يروى عنه الحديث، وكان من الثقات الحفَّاظ أحد أئمة أهل المدينة في الحديث، ويكنى أبا عثمان أكثر روايته عن نافع وخرج عنه الأئمة: البخاريُّ ومسلم والتِّرمذيُّ وغيرهم.
وكان لعبيد الله أخوان، وهما: عبد الله وعاصم ابنا عمر بن حفصٍ. وكان عبد الله في الحديث ضعيفاً، وكان عاصم متروك الحديث. وخرَّج الترمذيُّ عن عاصم بن عمر، وذكر أنهما كما ذكرت في الحديث الأزديُّ الموصليُّ الحافظ، وروى حفص بن عاصم عن عمِّه عبد الله بن عمر، وروايته عن أبي هريرة أكثر. وروى عنه خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن أسافٍ الأنصاريُّ الخزرجيُّ شيخ مالك. ولمالكٍ عن خبيب في الموطأ حديثان مسندان. وجدُّه خبيب بن أسافٍ شهد بدراً.
стр. 618
وشرك عبد الله عبيد الله أخاه في حديث واحدٍ، خرَّجه مسلم في صحيحه. مسلم: حدَّ ثني إبراهيم بن ... وهو الملقب سبلان قال: أنا عباد بن عباد عن عبيد الله بن عمر وأخيه عبد الله سمعه منهما سنة أربع وأربعين ومئة يحدثان عن نافع، عن أبن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ أحبَّ أسمائكم إلى الله عبدُ الله وعبدُ الرحمن ".
وولد عبيد الله بن عاصم بن عمر بن عاصما: روى عنه البخاريُّ. قال محمد ابن إسماعيل البخاريُّ قال لي أحمد بن سعيدٍ عن الضحَّاك بن مخلدٍ عن سفيان، عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه عن جده أنَّ جدته خاصمت في جده وهو ابن ثماني سنين.
وأما أمُّ مسكين بنت عاصم بنت عمر فتزوَّجها يزيد بن معاوية وطلَّقها. فخلف عليها عبيد الله بن زياد.
وأما زيد بن عمر بن الخطاب فأمُّه أمُّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وأمُّها فاطمة بنت رسول الله ﷺ . خطبها عمر إلى علي فقال له: إنها صغيرة. فقال له عمر: زوِّجنيها يا أبا حسن فأني أرصد من كرامتها ما لا يرصد أحد. فقال له علي: أنا أبعثها إليك، فإن رضيتها فقد زوَّجتها. فبعثها إليه ببردٍ، وقال لها: قولي له هذا البرد الذي قلت لك. فقالت دلك لعمر. فقال: قولي له قد رضيت ﵁. ووضع يده على ساقها فكشفها. فقالت: أتفعل ذلك؟ لولا أنك أمير المؤمنين لكسرت أنفك. ثم خرجت حتى جاءت أباها، فأخبرته الخبر، قال: يا بنيَّة أنه زوجك. فجاء عمر بن الخطاب ﵁ إلى مجلس المهاجرين في الرَّوضة، وكان يجلس المهاجرون الأولون. فجلس إليهم، فقال لهم: رفِّئونى فقالوا: بماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أمَّ كلثوم بنت عليِّ بن أبي طالب، سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل نسب وسببٍ وصهر منقطع يوم القيامة إلا سبى ونسبى وصهري، فكان لي به ﵇ النسب، واردة أن أجمع الصِّهر، فرفَّؤوه.
стр. 619
وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينارٍ، عن محمد بن علي أن عمر بن الخطاب خطب إلى علي ابنته أمَّ كلثوم، فذكر له صغرها، فثقيل أنه ردَّك فعاوده فقال له: أبعث بها إليك، فإن رضيت فهي أمرأتك، فأرسل بها أليه، فكشف عن ساقها فقالت: مه، لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينك. وذكر ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيهن عن جدَّه أن عمر بن الخطاب تزوج أمَّ كلثوم بنت عليٍّ على مهر أربعين ألفاً.
وولدت أمُّ كلثوم لعمر زيداً ورقيًة. وأصيب زيد في حربٍ كانت بين بني عدي ليلاً جناها عبد الله بن مطيع وبنو أبي جهم، فخرج ليصلح بينهم، فضربه رجل منه في الظلمة فشجعَّه فصرعه، فعاش أياماً ثم مات.
وقال محمد بن إياسٍ بن البكير الليثيُّ يرثي زيد بن عمر بن الخطاب:
ألا يا ليت أمي لم تلدني ... ولم أك في الغواة لدى البقيع
ولم أر مصرع ابن الخير زيدٍ ... وهدَّتْه هنالك من صريع
وهو الرُّزء الذي عظمت وجلَّت ... مصيبته على الحيِّ الجميع
كريم في النِّجار تكنَّفته ... بيوت المجد والحسب الرفيع
شفيع الجود ما للجود حقاً ... سواه إذا تولى من شفيع
أصاب الحيَّ حيَّ بني عديٍّ ... مجلَّلة من الخطب الفظيع
وخصَّ هم الشَّقاء به خصوصاً ... لما يأتون من سوء الصَّنيع
стр. 620
بشؤم بني حذيفة إنَّ فيهم ... معاً نكداً وشؤم بني مطيع
محمد بن إياسٍ هذا الذي رثى زيد بن عمر هو الذي روى عن ابن عباس وأبي هريرة فيمن طلَّق امرأته ثلاثاً قبل أن يمسَّها أنها لا تحل له. مالك عن يحيى بن سعيدٍ، عن بكير بن عبد الله بن الأشجِّ، عن معاوية بن أبي عيًاش الأنصاريِّ، أنه كان جالساً مع عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر قال: فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلاً من أهل البادية طلَّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، فبماذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر مالنا به قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة، فأني تركتهما عند عائشة فسلهما، ثم ائتنا فأخبرنا. فذهب فسألهما فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة. فقال أبو هريرة: الواحد تبينها، والثلاث تحرِّمها حتى تنكح زوجاً غيره. وقال ابن عباس مثل ذلك أيضاً. قال مالك وعلى ذلك الأمر عندنا.
ومات زيد وأمُّه أمُّ كلثوم في وقتٍ واحدٍ بالمدينة في خلافة معاوية، وحضر جنازتهما الحسن بن علي، وقدم عبد الله بن عمر فصلَّى عليهما، فيهما سنَّتان فيما ذكروا. ولم يورَّث واحد منها من صاحبه لأنه لم يعرف أولهما موتاً. وقدَّم زيد قبل أمِّه مما يلي الإمام. وقال ابن الجارود في " المنتقى ": حدثنا أحمد بن يوسف قال: أنا ابن جريح قال: سمعت نافعاً يزعم أن ابن عمر صلى على تسعة جنائز جميعاً؛ جعل الرِّجال يلون الإمام، والنساء يلين القبلة، فصفَّهم صفاً. ووضعت جنازة أمُّ كلثوم بنت علي بن أبي طالبٍ امرأة عمر بن الخطاب وابنٍ لها يقال له زيد، وضعاً جميعاً والإمام يومئذ سعيد بن العاصي، وفي الناس ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة. فوضع الغلام مما يلي الإمام. فقال رجل: فأنكرت ذلك، فنظرت ذلك، فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هي السنة.
أحمد بن يوسف الذي روى عنه ابن الجارود هذا الحديث خرَّج عنه مسلم، وهو سلمي نيسابوري، يكنى أبا الحسن. وذكر البرقانيُّ عن النسائيِّ أنه نيسابوريُّ صالح.
стр. 621
مقتل عمر ﵁
وحجَّ عمر بالناس عشر سنين متواليةً، ثم صدر إلى المدينة فقتله فيروز أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة يوم الاثنين لأربع ليال بقين من ذي الحجة، تتمة سنة وثلاث وعشرين. وروى سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيدٍ قال: سمعت سعيد بن المسيَّب يقول: قتل أبو لؤلؤة عمر بن الخطاب، وطعن معه أثني عشر رجلاً، فمات منهم ستة. قال: فرمى عليه رجل من أهل العراق برنساً، ثم برك عليه. فلما رأى أنه لا يستطيع أن يتحرَّك وجأ نفسه فقتلها. وقال الواقديُّ: أخبرني نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: غدوت مع عمر بن الخطاب إلى السوق، وهو متكىء على يدي. فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، فقال: ألا تكلم مولاي يضع عني من خراجي؟ قال: كم بكثير. ثم قال خراجك؟ قال: دينار. قال: ما أرى أن أفعل، إنك لعامل محسن. وما هذا له عمر: ألا تعمل لى رخىِّ؟ قال: بلى. قال: فلما ولَّي قال أبو لؤلؤة: لأعملنَّ لك رحىً يتحدَّث بها ما بين المشرق والمغرب. قال: فوقع في نفسي قوله. قال: فلما كان في النِّداء لصلاة الصبح، وخرج عمر إلى الناس يؤذنهم للصلاة. قال ابن الزُّبير: وأنا في مُصلاَّي وقد اضطجع له عدوُّ الله أبو لؤلؤة، فضربه بالسكين ستَّ طعنات، إحداهن من تحت سُرته هي قتلتهُ. فصاح عمر: أين عبد الرحمن بن عوف؟ فقالوا: هو ذا يا أمير المؤمنين. قال: يقوم فيصلي بالناس. تقدم عبد الرحمن فصلَّى بالناس، وقرأ الركعتين، فقال:) قل هو الله أحد.. (و) قل يا أيها الكافرون ... (، واحتملوا عمر فأدخلوه منزله. فقال لأبنه عبد الله: اخرج فانظر من قتلني. فخرج عبد الله بن عمر فقال: من قتل أمير المؤمنين؟ فقالوا: أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شُعبة. فرجع فأخبر عمر، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل قتلي بيد رجلٍ يَحاجُّني بلا إله ألا الله. مالك عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهمَّ لا تجعل قتلي بيد رجلٍ صلَّى لك سجدةً واحدةً يَحاجُّني بها عندك يوم القيامة.
стр. 622
وقال أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي: نا أحمد بن سليمان قال: نا عبيد الله بن موسى قال: نا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر يوم يطعن. وما منعني أن أكون في الصفَّ المقدَّم إلا هيبته. وكان رجلاً مهيباً، فكنت في الصف الذي يليه، فأقبل عمر فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. فناجى عمر قبل أن تستوي الصفوف، ثم طعنه ثلاث طعناتٍ، فسمعت عمر وهو يقول: دونكم الكلب، فإنه قتلني. وماج الناس، وأسرعوا إليه، فخرج عليه ثلاثة عشر رجلاً. فانكفأ عليه رجل من خلفه، فاحتضنه. وحمل عمر، فماج الناس بعضهم بعضٍ حتى قال قائل: الصلاة عباد الله، طلعت الشمس. فقدَّموا عبد الرحمن بن عوف، فصلى بأقصر سورتين في القرآن) إذا جاء نصر الله (و) إنا أعطيناك الكوثر (.
واحتمل عمر، فدخل عليه الناس فقال: يا عبد الله بن عباس، اخرج فناد في الناس: أعن ملأ منكم هذا؟ فقالوا: معاذ الله، والله ما علمنا ولا اطَّلعنا. وقال: ادعوا لي الطبيب، فدعي الطبيب. فقال: أي الشراب أحب إليك؟ قال: النبيذ. فسقي النبيذ، فخرج من بعض طعناته. فقال الناس: هذا أدم، هذا صديد. فقال: اسقوني لبناً، فخرج من الطعنة. لا أرى أن تمسي، فما كنت فاعلاً فافعل.
وذكر تمام الخبر في " الشورى " وتقديمه لصهيبٍ في الصلاة، وقوله في عليَّ: " إن ولَّوها الأجلح، سلك بهم الطريق المستقيم. وقوله في عثمان وغيره. فقال له ابن عمر: ما يمنعك أن تقدِّم علياً؟ قال: أكره أن أتحملها حياً وميِّتاً. وعن أبي سنان سعيد بن سنان، عن أبي إسحاق الهمدانيِّ، عن عمرو بن ميمون الأوديِّ قال: كان أبو لؤلؤة أزرق نصرانياً، وجأ عمر بسكين له طرفان. فلما جرح عمر جرح معه ثلاثة عشر رجلاً في المسجد، ثم أخذ. فلما أخذ قتل نفسه.
وروي أن عمر لما طعنه أبو لؤلؤة صاح: يا لله ويا للمسلمين! وقال عمر لابنه عبد الله بعدما طعن وأغمي عليه، ثم أفاق وقد وضع رأسه في حجره: ضع خدي بالأرض لا أمَّ لك. فوضع خده في الأرض، ثم قال: ويل لعمر إن لم يغفر الله
стр. 623
لعمر، ثلاث مرات. فقام رجل من القوم فقال: تقدم والله على ما يسرك، وتقرُّ به عينك. فقال: وما يدريك ويحك؟ فقام ابن عباس فقال: ومالنا لا ندرى؟ وقد عشت حميداً، وذهبت فقيداً، وعملت بالحقِّ. فقال عمر للقوم: أتعرفون ما قال ابن عباس؟ قالوا: نعم. قال: لو احتجت إلى شهادتكم عند ربي، أكنتم تشهدون بما قال: الله وأكبر، الله أكبر، الله أكبر.
وروي أنه لما طعن ﵁، دعا بلبن فشربه، فخرج من طعنته، فقال: الله وأكبر. فجعل جلساؤه يثنون عليه. فقال: وددت أني أخرج منها كفافاً كما دخلت فيها. ولو أن لي اليوم ما طلعت عليه الشمس وما غربت لافتديت به من هول المطَّلع. ودخل عليه المسور بن مخرمة بن نوفل الزُّهريُّ من الليلة التي طعن فيها، فأيقضه لصلاة الصبح. فقال عمر: نعم، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فصلى عمر، وجرحه يثعب، دماً وهذا الحديث رواه مالك في الموطأ عن هشام بن عروة، عن أبيه أن المسور بن مخرمة أخبره أنه دخل على عمر بن الخطاب من الليلة، الحديث.
وقال الزبير: طعن لأربع بقين من ذي الحج، سنة ثلاث وعشرين. وقال الواقديُّ: طعن يوم الأربعاء لسبع بقين م ذي الحج، ومكث ثلاثاً ثم توفي لأربع بقين وصلى عله صهيب وقبر في حجرة عائشة مع رسول الله وأبي بكر، ومات ﵁ شهيداً كما قال له رسول الله ﷺ ، وكما سأل من الله، وغسل وكفِّن وصلِّي عليه.
مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب غسل وكفن وصلِّي عليه، وكان شهيداً ﵀. مالك عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهم أني أسألك شهادة في سبيلك ووفاة ببلد رسولك.
ولما حضر عمر الوفاة أرسل ابنه عبد الله إلى عائشة أمِّ المؤمنين، ﵂، وقال: اقرأ ﵍، وقل لها: يقول لك عمر: إنا قد نهينا أن ندخل بيوتكنَّ إلا بإذن، أفتأذن له أن يدفن في بيتك مع صاحبيه؟ قال: فأبلغها عبد
стр. 624
الله الكلام فاندفعت باكية، حتى على نحيبها. وقالت: يغفر الله لأمير المؤمنين، والله ما كنت أعددت ذلك الموضع إلا لنفسي، ولأوثرنَّه به. فأبلغه عبد الله كلامها، فحمد الله على ذلك. ثم قال: يا بنَّي إني أرى المرأة أذنت لك، وهي ترى أني أبقى، فإذا أنا متُّ فاغسلنى وكفنِّى. فإذا حملتني فتقدَّم السرير، ثم قل لها: هذا عمر يستأذن على الباب، فإن أذنت لي فادفنِّي مع صاحبيَّ، وإن أبت فأخرجني إلى البقيع.
مسلم عن ابن أبي مليكة قال: سمعت ابن عباس يقول: وضع عمر بن الخطاب على سريرٍ فتكنَّفة الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع، وأنا فيهم. قال: فلم يرعني إلا برجل قد أخذ منكبيَّ من ورائي، فالتفت ُّفإذا هو علي، فترحِّم على عمر وقال: ما خلَّفت أحداً أحبَّ إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك. وذلك أني كنت أكثر أسمع رسول الله ﷺ يقول: " جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو [بكر وعمر] " ...
ولم يعهد ﵁ إلى أحد، بل جعل الأمر شورى في الستَّة الباقين من العشرة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ وهم: عثمان وعلي والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد، فجمعهم عمر وقال: اجتمعوا ولا تختلفوا فأنتم رؤوس الناس. فإذا مت فليصلَّ صهيب بالناس ثلاثة أيام، ولا يأتي عليكم اليوم الرابع إلا وقد قدَّمتم إماماً. ومن اختلف عليكم بعد ثلاثٍ فاضربوا عنقه. ويحضر معكم ولد عبد الله في الشورى، وليس له في الخلافة حقُّ. فاختار عبد الرحمن بن عوف عثمان بعدما أخرج نفسه من الخلافة، فرضوا به، ﵃ جميعهم.
مسلم حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء قال: نا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عمر قال: حضرت أبى حين أصيب فأثنوا عليه، وقالوا: جزاك الله خيراً. فقال: راغب وراهب. فقالوا: استخلف. فقال: أتحمَّل أمركم حياً وميِّتاً؟ ولوددت أنَّ حظي منها الكفاف، لا علي ولى. فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير منى يعنى أبا بكر، وإن أترككم فقد ترككم من هو خير
стр. 625
مني؛ رسول الله ﷺ . قال عبدُ الله: فعرفتُ أنه حين ذكر رسول الله ﷺ أنه غيرُ مُستخلفٍ.
ورُويَ عن عمرَ ﵀ أنه قال في انصرافهِ من حجتهِ التي لم يحجَ بعدها: الحمدُ لله، ولا إله إلا الله، يعطى من شاء ما يشاء. لقد كنتُ بهذا الوادي. يعنى " ضَجنانَ " أرعى إبلا للخطاب، وكان فظاً غليظاً، يتعبني إذا عملتُ، ويضربني إذا قصرت. وقد أصبحتُ وأمسيتُ وليس بيني وبين الله أحد أخشاهُ. ثم تمثل:
لاشيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإلهُ ويودي المالُ والولدُ
لم تغن عن هُرمُزٍ يوماً خزائنُهُ ... والخلدَ قد حاولت عادٌ فما خلدوا
ولا سليمان إذ نجرى الرياحُ به ... ولإنس والجنُّ فيما بينها تردُ
أين الملوكُ التي كانت لعزتها ... من كلَّ أوبٍ أليها وافدٌ يفدُ
حوض هنالك مورودٌ بلا كذبٍ ... لابدَّ منِ ورده يوماً كما وردوا
وروي عن عروة، عن عائشةَ قالت: ناحتِ الجنُّ على عمر قبل أن يقتلَ بثلاثٍ فقالت
أبعدَ قتيلٍ بالمدينة أظلمت ... له الأرضُ تهتزُّ العضاهُ بأشواقِ
стр. 626
جزى الله خيراً من إمام وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامةٍ ... ليدرك ما قدَّمتَ بالأرض يسبقِِ
قضيت أموراً ثم غادرت بعدها ... بوائق من أكمامها لم تفتقِِ
وما كنت أخشى أن تكونَ وفاته ... بكفي سبنتى أزرقِ العين مطرقِ
وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو، بن نفيلٍ زوجته ترثيه
وفجعني فيروزُ لا در درهُ ... بأبيضَ تالِ للكتاب منيبِ
رؤوٍف على الأدنى غليظٍ على العدى ... أخي ثقةٍ في النائباتِ نجيبِ
متى ما يقل لا يكذب القول فعلهُ ... سريعٌ إلى الخيراتِ غيرُ قطوبِ
قاضي عمر: أبو أميَّة شُرَيح بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مُرتع بن معاوية بن كندة. كاتباه: زيد بن ثابت وعبد الله بن الأرقم. حِليته: كان شديد الأدمة طُوالا، كأنه راكب والناس يمشون، كثَّ اللحية أعسر يَسَرَ. وهو الذي يعتمل بيده جميعا، يخضب بالحناء والكَتَم. وروى شعبة عن سِمَاك بن حرب عن هلال بن عبد الله: رأيت عمر بن الخطاب رجلا آدم ضخما، كأنه من رجال سدوس، في رِجليه رَوَح. والأروح الذي تتدانى عَقِباه إذا مشى.
نقش خاتمه " كفى بالموت واعظا يا عمر " وقيل: " آمنت بالله الذي خلقني "، والأول أشهر.
حاجبه: " يَرفا " مولاه
стр. 627
واختلف في سنّ عمر، ﵀، يوم مات؛ فقيل: تُوفي، وهو ابن خمس وخمسين. قاله إسحاق وأبو اليقظان. وقيل: تُوفي وهو ابن ثلاث وستين، كسنّ النبي ﷺ وأبي بكر حين تُوفِّيا. قال ذلك الشعبيُّ والواقديُّ. قال ابن قتيبة في " المعارف ": ولا أرى هذا إلا غلطا، والقول هو الأول. حدثني زيد بن أخزم قال: نا أبو قتيبة عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قُتل عمر بن الخطاب وهو ابن خمس وخمسين سنة. وقال أحمد بن حنبل عن هُشيم، عن عليِّ بن زيد، عن سالم بن عبد الله أن عمر قُبض وهو ابن خمس وخمسين سنة. وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر، قاله أبو نُعيم. وقال ابن إسحاق: كانت ولايته عشر سنين وستة أشهر وخمس ليال.
وكان لعمر ﵁ من الموالي أسلم ويرفا وأبو أمية وهُنَيَّ ومالك الدار. فأما أسلم فقال سعيد بن المسيَّب: أسلم حبشيٌّ بجاويٌّ، وكان يُكنى أبا زيد. واشتراه عمر بن الخطاب سنة اثنتي عشرة. وفي تلك السنة قدِم بالأشعث ابن قيس على أبي بكر في الحديد. قال أسلم: فسمعته يكلم أبا بكر بعدما عاتبه أبو بكر فقال؛ استبقيني لحربك، وزوِّجني أختك، ففعل أبو بكر. وتُوفي أسلم في خلافة عبد الملك بن مروان وهو كثير الرواية عن عمر.
وابنه زيد بن أسلم: كثير الرواية عن أبيه، وهو من شيوخ مالك. وكان لزيد من الولد أسامة وعبد الله وعبد الرحمن. وروي عنهم الحديث، وهم فيه ضعفاء. قال يحيى بن معين: أسامة بن زيد بن أسلم، وعبد الله بن زيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهؤلاء أخوة. وليس حديثهم بشيء، وأسامة أحسنهم حديثا.
وأما يَرفا فكان حاجب عمر.
وأما أبو أمي' فكان مكاتبا لعمر. وهو جدُّ المبارك بن فضالة بن أبي أمية. وحمل عن المبارك حديث كثير. وتُوفي سنة خمس وستين ومئة. وكان للمبارك أخوان، قد رُوي عنهما، فضالة بن فضال وعبد الرحمن بن فضالة.
وأما هُنيُّ: فإن عمر كان جعله على الحِمَى الذي حَمى. ووصية عمر له مذكورة في آخر كتاب الجامع من الموطأ. وروى هُنيٌّ أن أبا بكر لم يَحْم شيئا من الأرض إلا النَّقيع حماه للخيل التي يُغزى عليها.
стр. 628
وأما مالك الدار: فكان عمر ولاه دارا. وكان يقسم بين الناس فيها. وانتمى مالك الدار إلى اليمن. وأمُّ ولده حُبَّى كانت قد أرضعت لعثمان بن عفان، وكانت مليحة فأقطعها عثمان بعدما خيَّرها سُدسا من ستة أسداس. ومن موالي مالك الدار ذَكوان وكان عظيم القدر. وقد ولي بعض الأعمال، وهو الذي مشى من مكة إلى المدينة في يوم وليلة.
ومن موالي عمر مِهجع: قتل يوم بدر شهيدا.
وكان للخطاب نُفيل من الولد دون عمر زيد بن الخطاب وفاطمة بنت الخطاب. فأما زيد بن الخطاب فأُمُّه أسماء من بني أسد من خُزيمة، وكان إسلامه قبل إسلام عمر، وشهد بدرا، وبينه وبين عمر درع فجعل كلُّ واحد منهما يقول: والله لا يلبسها غيرك. ثم شهد يوم أحد. فصبر في أربعة أنفس، ولم يهرب فيمن هرب. وشهد يوم مسيلمة يوم اثنتي عشرة فقتل. ويقال: إنّض قاتله أبو مريم الحنفيُّ. ويقال: قتله سلامة أخو أبي مريم. وقال عمر لأبي مريم: والله لا أحبُّك حتى تحبَّ الأرض الدم. فقال يا أمير المؤمنين، أتمنعني بذلك حقا؟ قال: لا. قال: أتجلب إليَّ بذلك باطلا؟ قال: لا. قال: إذن لا أبالي، إنما يأسى على الحبِّ النساء. وبكاه عمر ووجد عليه وجدا شديدا. وقال لمتمِّم بن نويرة: لوددت أنك رثيت زيدا أخي بمثل ما رثيت به مالكا أخاك. فقال: يا أبا حفص والله لو علمت أن أخي صار بحيث صار أخوك ما رثيته. فقال عمر: ما عزَّاني عن أخي بمثل تعزيتك، وكان عمر يقول: إني لأهش للصَّبا لأنها تأتينا من ناحية زيد.
وولد زيد بن الخطاب عبد الرحمن وبه كان يُكنى. وأمُّه لبابة بنت أبي لبابة بشير بن عبد المنذر الأنصاريِّ الأوسيِّ. أتى به أبو لبابة إلى النبي ﵇ فقال له: ابن ابنتي يا رسول الله، ما رأيت مولودا قط أصغر خلقا منه فحنَّكه رسول الله ﷺ ، ومسح رأسه، ودعا له بالبركة. قال: فما رُئي عبد الرحمن بن زيد قط في قوم إلا فرعهم طولا. قال مصعب: كان عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فيما زعموا، طول الرجال وأتمّهم.
وولد عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عبد الحميد وعبد الله. وأمُّه فاطمة بنت عمر بن الخطاب.
стр. 629
فأما عبد الحميد فكان أعرج. وكان عاملا لعمر بن عبد العزيز مع أبي الزَّناد عبد الله بن ذكوان على خراج العراق. وفي كتاب " الجامع " من لموطأ عنه حديثين أحدهما رواه عنه ابن شهاب في الوباء. والآخر رواه زيد بن أبي أنيسة عنه، عن مسلم بن يسار الجُهنيِّ أن عمر بن الخطاب سُئل عن هذه الآية:) وإذ أخَذَ ربُّك من بني آدمَ من ظهورِهم ذريَّتَهُم (الحديث.
وولد عبد الحميد إبراهيم وعبد الملك وعبد الكبير وعمر وزيدا وعبد العزيز ومحمدا. فأما إبراهيم فولد إسحاق الذي يُعرف بالخطَّابي. وولده بالبصرة لهم أقدار وعدد. وولد عبد الكبير بن عبد الحميد سعيدا. رُوي عنه الأثر والخبر. ذكر الزبير بن بكار قال: حدَّثني عمر بن أبي بكر الموصلَّيُّ عن سعيد بن عبد الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن أبيه، عن جدَّه قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ أُتي بخميصتين سوداوين فلبس إحداهما وبعث الأخرى إلى أبي جهم. ثم إنَّه أرسل إلى أبي جَهَم في تلك الخميصة، وبعث إليه التي لبسها هو ولبس هو التي كانت عند أبي جهم بعد أن لبسها أبو جهم لبسات.
وكان الباقون من ولد عبد الحميد يلون الولايات.
وأما عبد الله بن عبد الرحمن: فهو الذي أكره ثابتا الأحنف على طلاق أمِّ ولدٍ لأبيه عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، كان الأحنف تزوَّجها. وحديثه مع ثابت في جامع الطلاق من الموطأ. وكان ثابت الأحنف مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب.
وأمَّا فاطمة بنت الخطاب: فكانت تحت سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل. أسلمت قديما قبل زواجها، وقيل: مع زوجها. وذلك قبل إسلام عمر أخيها. وخبرها في إسلام عمر خبر عجيب ذكره ابن إسحاق في السيرة.
стр. 630
أمير المؤمنين
أبو عمرو عثمان بن عفان
стр. 631
أمير المؤمنين أبو عمرو عثمان بن عفان
ابن أبي العاصي بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف. يجتمع مع رسول الله ﷺ في عبد مناف وأمُّه أروى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف. وأُمُّها أمُّ حكيم البيضاء بنت عبد المطلب. فأمه بنت عمّة رسول الله ﷺ ، ويُنسب عثمان إلى أمية بن عبد شمس، وهو سيِّد بني أميَّة وأفضلهم ﵁.
وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام أخي حسان بن ثابت، ووالد شدَّاد بن أوس فلذلك كان حسان يبكيه وحين قُتل ﵁. وكان يُدعى ذا النُّورين من أجل رُقيَّة وأمُّ كلثوم بنتي رسول الله ﷺ ، فإنه تزوجهما واحدة بعد الأخرى. وتوفيَّتا عنده ﵁ وعنهما. وقال له رسول الله ﷺ : " لو كان عندي غيرهما لزوَّجتُكها ".
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " سألت ربي أن لا يدخل النار أحدا صاهر إليَّ أو صاهرت إليه ".
وقال سهل بن سعيد: ارتجَّ أُحُد وعليه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان، فقال رسول الله ﷺ : " اثبت فإنَّما عليك نبيُّ وصدِّيق وشهيدان ". وقال ابن مسعود حين بويع عثمان بالخلافة: بايعنا خيرنا ولم نألُ.
ولم يشهد بدرا لتخلفه على تمريض زوجه رُقيَّة، كانت عليلة. فأمره رسول الله ﷺ بالتخلُّف عليها، وضرب له بسهمه وأجره. فهو معدود في البدريين لذلك.
стр. 632
وتزوَّج عثمان رُقيَّة بمكة حين فارقها عُتبة بن أبي لهب. وهاجرت معه إلى أرض الحبشة. وولد له منها غلام سماه عبد الله. واكتنى به. فبلغ ست سنين فنقر عينه ديك فتورَّم وجهه ومرض ومات. وكانت وفاته في جمادى الأولى سنة أربعة من الهجرة، وصلَّى عليه رسول الله ﷺ ، ونزل في حفرته أبوه عثمان ﵀.
وماتت رُقيَّة سنة ثنتين من الهجرة حين أتى خبر رسول الله ﷺ بما فتح الله عليه يوم بدر. وتزوَّج بعدها أختها أمُّ كلثوم في ربيع الأول من السنة الثالثة من الهجرة. وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة المذكورة. وتوفيت أمُّ كلثوم سنة تسع من الهجرة، وصلَّى عليها أبوها رسول الله ﷺ ، ونزل في حفرتها عليٌّ والفضل وأسامة بن زيد. وغسَّلتها أسماء بنت عُميس وصفية بنت عبد المطلب. وشهدت أمُّ عطية الأنصارية غسلها. واسمها نسيبة بن الحارث. وحكت قول رسول الله ﷺ : " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر " الحديث.
ومن أجله كانت بيعة الرضوان بالحديبية، حين أتى رسول الله ﷺ الخبر الكاذب بأن عثمان قد قُتِل. فجمع أصحابه فبايعوه على قتال أهل مكة يومئذ. وبايع رسول الله ﷺ عن عثمان حينئذ بإحدى يديه للأخرى. وروي عن ابن عمر أنه قال: " يدُ رسول الله ﷺ خير من يد عثمان لنفسه ". وروي عن عثمان عبد الله بن موهَب أن رجلا من أهل مصر حجَّ البيت فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء؟ قالوا: قريش. قال: فمن هذا الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء فحدِّثنيه أنشدك بربِّ هذا البيت. أتعلم أن عثمان فرَّ يوم أُحُد؟ قال: نعم. قال: أتعلم أنه تغيَّب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: أتعلم أنه تغيّب يوم بدر فلم يشهده؟ قال: نعم. قال: الله أكبر. فقال ابن عمر: تعال أبيِّن لك ما سألت. أمَّا فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. وأمَّا تغيُّبه يوم بدر فإنه كانت عنده " أو تحته " ابنة رسول الله ﷺ ، وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ : " لك أجر رجل شهد بدرا وسهمه " وأمَّا تغيُّبه عن بيعة الرضوان فلو كان
стр. 633
أحد أعزَّ ببطن مكة من عثمان لبعثه رسول الله ﷺ مكان عثمان. فبعث رسول الله ﷺ عثمان. وكانت بيعة الرِّضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة. فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى " هذه يد عثمان " ضرب بها على يده فقال: " هذه لعثمان " فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك.
الترمذيّ: حدثنا أحمد بن عبدة الضَّبيُّ: نا حمَّاد بن زيد عن أيُّوب، عن أبي عثمان النَّهديَّ، عن أبي موسى الأشعريِّ. قال: انطلقت مع رسول الله ﷺ ، فدخل حائطا للأنصار يقضي حاجته فقال لي: " يا أبا موسى أملِكَ عليَّ الباب، فلا يدخلن عليَّ أحد إلا بإذن " فجاء رجل يضرب الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، قال: " إئذن له وبشِّره بالجنَّة ". فدخل وبشَّرته. وجاء رجل آخر فضرب الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عمر. فقلت: يا رسول الله هذا عمر يستأذن. فقال: " افتح له وبشِّره بالجنة ". ففتحت الباب ودخل وبشَّرته بالجنَّة. فجاء رجل آخر وضرب الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عثمان. قلت: يا رسول الله هذا عثمان يستأذن. قال: " افتح له وبشِّره بالجنة على بلوى تصيبه ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي عن غير وجه، عن أبي عثمان النَّهديّ. وخرَّجه مسلم عن أبي عثمان بمعناه، وفي آخره زيادة قالها عثمان حين بُشِّر بالجنَّة على بلوى تكون: اللهمَّ صبرا والله المستعان. وخرَّجه مسلم أيضا عن سعيد بن المسيَّب عن أبي موسى.
مسلم حدَّثنا محمد بن مسكين اليماميُّ قال: نا يحيى بن حسان قال: نا سليمان، وهو ابن بلال عن شريك بن أبي نَمِر، عن سعيد بن المُسيَّب قال: أخبرني أبو موسى الأشعريُّ أنه توضّأ في بيته ثم خرج فقال: لألزمنَّ رسول الله ﷺ ، ولأكوننَّ معه يومي هذا. قال فجاء المسجد فسأل عن النبيِّ ﷺ فقالوا: خرج وجه هاهنا. قال: فخرجتُ على أثره أسأل عنه حتّى دخل بئر أريس. قال: فجلست عند الباب، وبابها من جريد حتّى قضى رسول الله ﷺ حاجته وتوضّأ، فقمت إليه، فإذا هو
стр. 634
قد جلس على بئر أريس، وتوسَّط قُفَّها، وكشف عن ساقيه ودلاَّهما في البئر. قال: فسلَّمت عليه ثم انصرفت، فجلستُ عند الباب، فقلت: لأكوننَّ بواب رسول الله ﷺ اليوم. فجاء أبو بكر، فدفع الباب: فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: على رسلك. قال: ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن. فقال: " إيذن له، وبشِّره بالجنَّة ". قال: فأقبلت حتى قلت لأبي بكر. أدخل ورسول الله يبشِّرك بالجنَّة. قال: فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القفِّ ودلَّى برجليه في البئر، كما صنع النبيَّ ﷺ ، وكشف عن ساقيه. ثم رجعت فجلست وتركت أخي يتوضأ ويلحقني. فقلت: إن يُرد الله بفلان يريد أخاه خيرا يأت به. فإذا إنسان يحرِّك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب. فقلت: على رسلك. ثم جئت إلى رسول الله ﷺ ، فسلَّمتُ عليه وقلت: هذا عمر يستأذن. فقال: " إيذن له، وبشِّره بالجنَّة ". فجئت عمر فقلت: أذِن ويبشِّرك رسول الله ﷺ بالجنَّة. فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القفِّ عن يساره، ودلَّى رجليه في البئر. ثم رجعت فجلست فقلت: إن يُرد الله بفلان يعني أخاه يأت به. فجاء إنسان فحرَّك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان. فقلت: على رسلك. قال: وجئت النبيّ ﷺ فأخبرته فقال: " إيذن له، وبشِّره بالجنَّة مع بلوى تصيبه ". قال: فجئت فقلت: ادخل وبشَّرك رسول الله ﷺ بالجنَّة مع بلوى تصيبك. قال: فوجد القفَّ قد مُلئ، فجلس وجاههم من الشقِّ الآخر. قال شريك: فقال سعيد بن المسيَّب: فأوَّلتها قبورهم. وفي طريق آخر لمسلم، قال ابن المسيَّب: فتأوَّلت ذلك قبورهم اجتمعت هاهنا ...
ويروى عن عبيد الله بن عمر أنه قال في قوله في هذه الآية:) أمَّنْ هُوَ قانتٌ آناءَ الليل ساجداً وقائماً يحذرُ الآخرةَ ويرجو رحمةَ ربِّه (أنها نزلت في عثمان ﵁. وقال علي: كان عثمان أوصلنا للرَّحم، وكان
стр. 635
من الذين آمنوا ثم اتَّقوا وأحسنوا والله يحبُّ المحسنين.
وعثمان أحد العشرة المشهود لهم بالجنَّة وأحد الستَّة الذين جعل عمر فيهم الشورى. وأُخبر أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راض. وقال رسول الله ﷺ : " إن الله مقمِّصك قميصا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه ". وقال فيه ﵇ لعائشة حين دخل عليه أبو بكر وعمر وهو كاشف عن فخذيه فلم يغطِّهما، فلما دخل عثمان غطَّاهما: " ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ ". خرَّج الحديث مسلم. وقال ﵁: ما تغنَّيت وما تمنَّيت ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت رسول الله ﷺ .
وجهَّز جيش العسرة بألف بعير وستين فرسا. روى ذلك قتادة. وقال غيره: جهَّز جيش العسرة بتسعمئة بعير وخمسين بعيرا، وأتمَّ الألف بخمسين فرسا. واشترى بئر رومة بعشرين ألف درهم، فجعلها للمسلمين وكانت ركيَّة ليهودي حين قال رسول الله ﷺ : " من يشتري بئر رومة فيجعلها للمسلمين يضرب بدلوه في دلائهم، وله بها مشرب في الجنة ". وقال رسول الله ﷺ : " من يزيدنا في مسجدنا؟ " فاشترى عثمان موضع خمسين سوار فزاده في المسجد.
وهو أحد القراء الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ من المهاجرين، وجمعه في خلافته على حرف واحد، وهي القراءات السبع التي يُقرأ بها إلى الآن في الأمصار، بعدما جمعه أبو بكر بين اللوحين. وسبب ذلك ما نذكره أحسن ذكر عن الثقات من الأئمة. حدَّث عليُّ بن عبد العزيز رواية أبي عبيد قال: نا أبو عبيد القاسم بن سلام قال: نا عبد المطلب بن زياد عن السَّدِّي، عن عبد خير قال: أول من جمع القرآن بين اللوحين أبو بكر. وعن هشام بن عروة، عن أبيه أن أبا بكر الصديق أول من جمع القرآن في المصاحف حين قُتل أصحاب اليمامة، وعثمان الذي جمع المصاحف على مصحف واحد.
следующие страницы →