← Ансаб

Ансаб · id 26484

الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة

محمد البري

Полный текст (811 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أمير المؤمنين أبو عمرو عثمان بن عفان ابن أبي العاصي بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف. يجتمع مع رسول الله ﷺ في عبد مناف وأمُّه أروى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف. وأُمُّها أمُّ حكيم البيضاء بنت عبد المطلب. فأمه بنت عمّة رسول الله ﷺ ، ويُنسب عثمان إلى أمية بن عبد شمس، وهو سيِّد بني أميَّة وأفضلهم ﵁. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام أخي حسان بن ثابت، ووالد شدَّاد بن أوس فلذلك كان حسان يبكيه وحين قُتل ﵁. وكان يُدعى ذا النُّورين من أجل رُقيَّة وأمُّ كلثوم بنتي رسول الله ﷺ ، فإنه تزوجهما واحدة بعد الأخرى. وتوفيَّتا عنده ﵁ وعنهما. وقال له رسول الله ﷺ : " لو كان عندي غيرهما لزوَّجتُكها ". وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " سألت ربي أن لا يدخل النار أحدا صاهر إليَّ أو صاهرت إليه ". وقال سهل بن سعيد: ارتجَّ أُحُد وعليه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان، فقال رسول الله ﷺ : " اثبت فإنَّما عليك نبيُّ وصدِّيق وشهيدان ". وقال ابن مسعود حين بويع عثمان بالخلافة: بايعنا خيرنا ولم نألُ. ولم يشهد بدرا لتخلفه على تمريض زوجه رُقيَّة، كانت عليلة. فأمره رسول الله ﷺ بالتخلُّف عليها، وضرب له بسهمه وأجره. فهو معدود في البدريين لذلك.

стр. 632

وتزوَّج عثمان رُقيَّة بمكة حين فارقها عُتبة بن أبي لهب. وهاجرت معه إلى أرض الحبشة. وولد له منها غلام سماه عبد الله. واكتنى به. فبلغ ست سنين فنقر عينه ديك فتورَّم وجهه ومرض ومات. وكانت وفاته في جمادى الأولى سنة أربعة من الهجرة، وصلَّى عليه رسول الله ﷺ ، ونزل في حفرته أبوه عثمان ﵀. وماتت رُقيَّة سنة ثنتين من الهجرة حين أتى خبر رسول الله ﷺ بما فتح الله عليه يوم بدر. وتزوَّج بعدها أختها أمُّ كلثوم في ربيع الأول من السنة الثالثة من الهجرة. وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة المذكورة. وتوفيت أمُّ كلثوم سنة تسع من الهجرة، وصلَّى عليها أبوها رسول الله ﷺ ، ونزل في حفرتها عليٌّ والفضل وأسامة بن زيد. وغسَّلتها أسماء بنت عُميس وصفية بنت عبد المطلب. وشهدت أمُّ عطية الأنصارية غسلها. واسمها نسيبة بن الحارث. وحكت قول رسول الله ﷺ : " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر " الحديث. ومن أجله كانت بيعة الرضوان بالحديبية، حين أتى رسول الله ﷺ الخبر الكاذب بأن عثمان قد قُتِل. فجمع أصحابه فبايعوه على قتال أهل مكة يومئذ. وبايع رسول الله ﷺ عن عثمان حينئذ بإحدى يديه للأخرى. وروي عن ابن عمر أنه قال: " يدُ رسول الله ﷺ خير من يد عثمان لنفسه ". وروي عن عثمان عبد الله بن موهَب أن رجلا من أهل مصر حجَّ البيت فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء؟ قالوا: قريش. قال: فمن هذا الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء فحدِّثنيه أنشدك بربِّ هذا البيت. أتعلم أن عثمان فرَّ يوم أُحُد؟ قال: نعم. قال: أتعلم أنه تغيَّب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: أتعلم أنه تغيّب يوم بدر فلم يشهده؟ قال: نعم. قال: الله أكبر. فقال ابن عمر: تعال أبيِّن لك ما سألت. أمَّا فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. وأمَّا تغيُّبه يوم بدر فإنه كانت عنده " أو تحته " ابنة رسول الله ﷺ ، وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ : " لك أجر رجل شهد بدرا وسهمه " وأمَّا تغيُّبه عن بيعة الرضوان فلو كان

стр. 633

أحد أعزَّ ببطن مكة من عثمان لبعثه رسول الله ﷺ مكان عثمان. فبعث رسول الله ﷺ عثمان. وكانت بيعة الرِّضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة. فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى " هذه يد عثمان " ضرب بها على يده فقال: " هذه لعثمان " فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك. الترمذيّ: حدثنا أحمد بن عبدة الضَّبيُّ: نا حمَّاد بن زيد عن أيُّوب، عن أبي عثمان النَّهديَّ، عن أبي موسى الأشعريِّ. قال: انطلقت مع رسول الله ﷺ ، فدخل حائطا للأنصار يقضي حاجته فقال لي: " يا أبا موسى أملِكَ عليَّ الباب، فلا يدخلن عليَّ أحد إلا بإذن " فجاء رجل يضرب الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، قال: " إئذن له وبشِّره بالجنَّة ". فدخل وبشَّرته. وجاء رجل آخر فضرب الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عمر. فقلت: يا رسول الله هذا عمر يستأذن. فقال: " افتح له وبشِّره بالجنة ". ففتحت الباب ودخل وبشَّرته بالجنَّة. فجاء رجل آخر وضرب الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عثمان. قلت: يا رسول الله هذا عثمان يستأذن. قال: " افتح له وبشِّره بالجنة على بلوى تصيبه ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي عن غير وجه، عن أبي عثمان النَّهديّ. وخرَّجه مسلم عن أبي عثمان بمعناه، وفي آخره زيادة قالها عثمان حين بُشِّر بالجنَّة على بلوى تكون: اللهمَّ صبرا والله المستعان. وخرَّجه مسلم أيضا عن سعيد بن المسيَّب عن أبي موسى. مسلم حدَّثنا محمد بن مسكين اليماميُّ قال: نا يحيى بن حسان قال: نا سليمان، وهو ابن بلال عن شريك بن أبي نَمِر، عن سعيد بن المُسيَّب قال: أخبرني أبو موسى الأشعريُّ أنه توضّأ في بيته ثم خرج فقال: لألزمنَّ رسول الله ﷺ ، ولأكوننَّ معه يومي هذا. قال فجاء المسجد فسأل عن النبيِّ ﷺ فقالوا: خرج وجه هاهنا. قال: فخرجتُ على أثره أسأل عنه حتّى دخل بئر أريس. قال: فجلست عند الباب، وبابها من جريد حتّى قضى رسول الله ﷺ حاجته وتوضّأ، فقمت إليه، فإذا هو

стр. 634

قد جلس على بئر أريس، وتوسَّط قُفَّها، وكشف عن ساقيه ودلاَّهما في البئر. قال: فسلَّمت عليه ثم انصرفت، فجلستُ عند الباب، فقلت: لأكوننَّ بواب رسول الله ﷺ اليوم. فجاء أبو بكر، فدفع الباب: فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: على رسلك. قال: ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن. فقال: " إيذن له، وبشِّره بالجنَّة ". قال: فأقبلت حتى قلت لأبي بكر. أدخل ورسول الله يبشِّرك بالجنَّة. قال: فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القفِّ ودلَّى برجليه في البئر، كما صنع النبيَّ ﷺ ، وكشف عن ساقيه. ثم رجعت فجلست وتركت أخي يتوضأ ويلحقني. فقلت: إن يُرد الله بفلان يريد أخاه خيرا يأت به. فإذا إنسان يحرِّك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب. فقلت: على رسلك. ثم جئت إلى رسول الله ﷺ ، فسلَّمتُ عليه وقلت: هذا عمر يستأذن. فقال: " إيذن له، وبشِّره بالجنَّة ". فجئت عمر فقلت: أذِن ويبشِّرك رسول الله ﷺ بالجنَّة. فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القفِّ عن يساره، ودلَّى رجليه في البئر. ثم رجعت فجلست فقلت: إن يُرد الله بفلان يعني أخاه يأت به. فجاء إنسان فحرَّك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان. فقلت: على رسلك. قال: وجئت النبيّ ﷺ فأخبرته فقال: " إيذن له، وبشِّره بالجنَّة مع بلوى تصيبه ". قال: فجئت فقلت: ادخل وبشَّرك رسول الله ﷺ بالجنَّة مع بلوى تصيبك. قال: فوجد القفَّ قد مُلئ، فجلس وجاههم من الشقِّ الآخر. قال شريك: فقال سعيد بن المسيَّب: فأوَّلتها قبورهم. وفي طريق آخر لمسلم، قال ابن المسيَّب: فتأوَّلت ذلك قبورهم اجتمعت هاهنا ... ويروى عن عبيد الله بن عمر أنه قال في قوله في هذه الآية:) أمَّنْ هُوَ قانتٌ آناءَ الليل ساجداً وقائماً يحذرُ الآخرةَ ويرجو رحمةَ ربِّه (أنها نزلت في عثمان ﵁. وقال علي: كان عثمان أوصلنا للرَّحم، وكان

стр. 635

من الذين آمنوا ثم اتَّقوا وأحسنوا والله يحبُّ المحسنين. وعثمان أحد العشرة المشهود لهم بالجنَّة وأحد الستَّة الذين جعل عمر فيهم الشورى. وأُخبر أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راض. وقال رسول الله ﷺ : " إن الله مقمِّصك قميصا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه ". وقال فيه ﵇ لعائشة حين دخل عليه أبو بكر وعمر وهو كاشف عن فخذيه فلم يغطِّهما، فلما دخل عثمان غطَّاهما: " ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ ". خرَّج الحديث مسلم. وقال ﵁: ما تغنَّيت وما تمنَّيت ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت رسول الله ﷺ . وجهَّز جيش العسرة بألف بعير وستين فرسا. روى ذلك قتادة. وقال غيره: جهَّز جيش العسرة بتسعمئة بعير وخمسين بعيرا، وأتمَّ الألف بخمسين فرسا. واشترى بئر رومة بعشرين ألف درهم، فجعلها للمسلمين وكانت ركيَّة ليهودي حين قال رسول الله ﷺ : " من يشتري بئر رومة فيجعلها للمسلمين يضرب بدلوه في دلائهم، وله بها مشرب في الجنة ". وقال رسول الله ﷺ : " من يزيدنا في مسجدنا؟ " فاشترى عثمان موضع خمسين سوار فزاده في المسجد. وهو أحد القراء الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ من المهاجرين، وجمعه في خلافته على حرف واحد، وهي القراءات السبع التي يُقرأ بها إلى الآن في الأمصار، بعدما جمعه أبو بكر بين اللوحين. وسبب ذلك ما نذكره أحسن ذكر عن الثقات من الأئمة. حدَّث عليُّ بن عبد العزيز رواية أبي عبيد قال: نا أبو عبيد القاسم بن سلام قال: نا عبد المطلب بن زياد عن السَّدِّي، عن عبد خير قال: أول من جمع القرآن بين اللوحين أبو بكر. وعن هشام بن عروة، عن أبيه أن أبا بكر الصديق أول من جمع القرآن في المصاحف حين قُتل أصحاب اليمامة، وعثمان الذي جمع المصاحف على مصحف واحد.

стр. 636

وقال ابن شهاب: أخبرني أنس عن مالك أن حذيفة بن اليمان قَدِم على عثمان، وكانوا يقاتلون على مَرَج أرمينية فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين إني قد سمعت الناس قد اختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى. حتى إن الرجل ليقوم فيقول: هذه قراءة فلان. فقال: فأرسل عثمان إلى حفصة: أرسلي إلينا بالصحف فننسخها في المصاحف، ثم نردَّها إليك. قال: فأرسلت إليه في الصحف قال: فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وإلى عبد الله بن عمرو بن العاصي وإلى عبد الله بن الزبير وإلى ابن عباس وإلى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال: انسخوا هذه الصحف في مصحف واحد. وقال للقرشيين: إن اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه على لسان قريش، فإنما نزل بلسان قريش. قال زيد: فجعلنا نختلف في الشيء، ثم نجمع أمرنا على رأي واحد. فاختلفوا في " التابوت "، فقال زيد: التابوه، وقال النفر القرشيون: التابوت، قال: فأبيت أن أرجع إليهم، وأبوا أن يرجعوا إليَّ، حتى رفعنا ذلك إلى عثمان، فقال عثمان: اكتبوه التابوت، فإنَّما أُنزل القرآن على لسان قريش. قال زيد: فذكرت آية سمعتها من رسول الله ﷺ لم أجدها عند أحد حتى وجدتها عند رجل من الأنصار؛ خُزيمة بن ثابت:) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنِتُّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم (. قال ابن شهاب: قال أنس: فردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وألغى ما سوى ذلك من المصاحف. وحدَّث عليُّ بن عبد العزيز قال: نا القاسم بن سلام قال: نا ابن مهدي عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد قال: أدركت الناس حين شقَّق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعب ذلك أحد. قال أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان المقرئ المدائنيُّ الحافظ يرحمه الله: أكثر العلماء على أن عثمان بن عفَّان ﵁ لما كتب المصحف جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كلِّ ناحية من النواحي بواحدة منهنَّ. فوجَّه إلى الكوفة إحداهنَّ، وإلى البصرة أخرى، وإلى الشام الثالثة، وأمسك عند نفسه واحدة، وهذا هو القول الأصحُّ، وعليه الأئمة. وفي أيام عثمان استفتحت بلاد فارس وطبرستان وكرمان وسجستان

стр. 637

وذرابجرذ الأسادرة في البحر. ثم كانت مروٌ على يدي عبد الله بن عامر بن كُرير، واستُفتحت أيضا أفريقيَّة في أيامه سنة سبع وعشرين على يدي عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وامتلأت أيدي الناس من الأموال من الفتوحات العظيمة التي فتح الله عليه. قال ابن سيرين: كثُر المال في زمن عثمان حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمئة ألف درهم، ونخلة بألف درهم. وقال مبارك بن فَضالة: سمعت الحسن يقول: سمعت عثمان يخطب يقول: يا أيها الناس ما تنقمون على، وما من يوم إلا وأنتم تقسمون فيه خيرا؟ سرد حصر عثمان. وكان لما نقم الناس عليه وكيفية قتله ﵁ ذكر أسد بن موسى قال: نا حماد بن زيد يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن سالم، عن ابن عمر قال: لقد عتبوا على عثمان أشياء لو فعلها عمر ما عتبوها عليه. قال ابن قتيبة في " المعارف ": وكان ممَّا نقموا على عثمان أنه آوى الحكم بن أبي العاصي عمَّه، وأعطاه مئة ألف درهم. وقد سيَّره رسول الله ﷺ ، ولم يؤوه أبو بكر ولا عمر. وتصدَّق رسول الله ﷺ بمهزور موضع سوق المدينة على المسلمين، فأقطعها الحارث بن الحكم أخا مروان، وهي صدقة رسول الله ﷺ . وافتتح أفريقية، فأخذ الخُمُس، فوهبه كله لمروان. فقال عبد الرحمن بن حنبل الجُمحيُّ، وكان عثمان سيَّره: أحْلِفُ باللهِ ربِّ الأنا ... مِ ما تركَ اللهُ شيئاُ سُدى ولكنْ خُلِقْتَ لنا فِتنةٌ ... لكي نُبْتَلَى بكَ أو تُبْتَلَى فإنَّ الأمينيْنِ قد بَيَّنا ... مَنارَ الطريق عليهِ الهَدَى فَما أخذا درهماً غِيلَةً ... ولا جَعَلا درهماً في هَوَى

стр. 638

وأعطيتَ مروانَ خُمسَ العِبا ... دِ فهيهاتَ شأوُكَ ممَّن سَعى وطلب إليه عبد الله بن خالد بن أُسيد صلة فأعطاه أربعمئة ألف درهم. وسيَّر أبا ذر إلى الرَّبذة. وسيَّر عامر بن عبد قيس من البصرة إلى الشام. وقال غير ابن قتيبة: لم يفعل هذا عثمان ﵁ إلا بتأويل أصاب فيه، وأمر جائز له. ولو لم يُجز ما سكت عليه عليٌّ وأكابر الصحابة. وكان عثمان أتقى لله من أن يعطي ما لا يحلُّ، ويهب ما هو محجور. وقد قيل له ﵁ حين آثر قرابته وولاَّهم: هلاَّ فعلت مثل ما فعل عمر؟ لم يؤثر من قرابته أحدا على غيرهم، ولم يولِّهم. فقال: كان عمر يقطع قرابته في الله، وأنا أصلهم في الله. وأمَّا أيواؤه ﵁ عمَّه الحكم الطريد فإنه ذكر أنه استأذن النبيَّ ﷺ في ردِّه إن أفضى إليه الأمر، فأذن له في ذلك، وصدق فيما قال وبرّ. وأما تسيير أبي ذر إلى الربذة فأمر قدِّر محتوم، تصديقا لقول النبي ﷺ في غزوة تبوك، حين رأى أبا ذر في ناحية من العسكر وحده: " يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده ". فكان كما قال ﷺ ؛ مات بالربذة وحده. وأمَّا تسيير عامر بن عبد قيس فإن عبد الله بن عامر وحمران مولى عثمان، كتبا فيه إلى عثمان بأمور كان مُبرَّأ منها، والله حسيب من رماه بها. ولما كثر الطعن على عثمان سار إليه قوم من أهل مصر منهم: محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة في جند، وكنانة بن بشر التَّجيبيُّ في جند، وابن عُديس البلويُّ في جند. ومن أهل الصرة حُكيم بن جبلة العبديُّ وسدوس بن عبيد الشنِّيُّ. ونفر من أهل الكوفة منهم: الأشتر بن الحارث النخعيُّ، فاستعتبوه فأعتبهم وأرضاهم. ثم وجد أهل مصر بعد أن انصرفوا بمحمد بن أبي بكر أميرا على مصر في الطريق غلاما ومعه راحلة. فقالوا: لمن أنت يا غلام؟ فجعل يقول مرة: أنا غلام أمير المؤمنين، ومرَّة يقول: أنا غلام مروان. ففتَّشوه فوجدوا معه كنانة تقلقل، ليس لها فم، فشقوها فوجدوا فيها كتابا عليه خاتم عثمان إلى أمير مصر: " إذا أتاك القوم فضرِّب رقابهم، واثبت على عملك حتى يأتيك أمري ".

стр. 639

قال: ففزع محمد بن أبي بكر ومن معه، ورجعوا إلى المدينة بالكتاب، وأروه عليا وأكابر الصحابة، فأعظموا ذلك ودخلوا على عثمان، ودفعوا إليه الكتاب فحلف لهم أنه لم يأمر ولم يعلم، وصدق فيما قال. قالوا: فهذا عليك شديد، يؤخذ خاتمك بغير علمك وراحلتك، وهذا خطُّ مروان، فإذ كنت غُلبت على أمرك فاعتزل أو ادفع إلينا مروان. فأبى أن يعتزل ويدفع إليهم مروان، وأن يقاتلهم، ونهى عن ذلك، وأغلق بابه فحوصر حتى قتل ﵀. وكان مع عثمان في الدار حين حوصر ممن يريد الدفع عنه: أبو هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن سلام وعبد الله بن الزبير والحسن بن عليّ، وكان شديد الحب لعثمان، قائلا بفضله، وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم والمغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفيّ ويومئذ قُتل المغيرة قبل قتل عثمان ﵀. وعن أبي هريرة قال: إني لمحصور مع عثمان في الدار، قال: فرُمي برجل منَّا فقلت: يا أمير المؤمنين الآن طاب الضِّراب؛ قتلوا منَّا رجلا. قال: عزمت عليك يا أبا هريرة إلا رميت سيفك، فإنما تُراد نفسي. قال أبو هريرة: فرميت سيفي، فلا أدري أين هو حتى الساعة. وكتب عثمان إلى علي، وهو بماله بيَنْبُعْ حين اشتدَّ عليه المر: " أما بعد، فقد بلغ السيل الزُّبى، وجاوز الحزام الطِّبيين، وطمع فيَّ من كان يضعف عن نفسه. ولم يغلبك مثل مُغلَّب. فأقبل إليَّ عليَّ كنت أم لي، صديقا كنت أم عدوّاً: فإن كنتُ مأكولاً فكن خيرَ آكل ... وإلا فأدركْني ولمَّا أُمزَّق قال الواقديُّ: حاصروا عثمان تسعة وأربعين يوما. وقال الزبير: حاصروه شهرين وعشرين يوما. وكان أول من دخل عليه الدار محمد بن أبي بكر، فأخذ بلحيته، فقال له: دعها يا ابن أخي، فوالله لقد كان أبوك يكرمها. فاستحيا وخرج. وقيل: أنه دخل عليه بعد محمد ثلاثة من أهل مصر، فضربه أحدهم بسيفه فاتَّقاه بيده اليمنى، فقطعها، فقال: أما إنها لأول يد خطَّت القرآن. ثم

стр. 640

ضربه آخر بمشقص في رأسه فخرَّ. وكان في حجره المصحف فقطرت قطرة أو قطرات من دمه على قوله تعالى:) فسيكفيكهُمُ الله (. ثم قال الثالث: والله لا رمتُ حتى أمثِّل بنعثل، يعني عثمان. فأكبَّت عليه امرأته نائلة بنت الفرافصة الكلبيَّة. فأدخل السيف من بين رجليها فوضعت يدها على بطنه فقطع السيف من يدها إصبعين، ومضى السيف في بطن عثمان فقتله فبعثت بإصبعيها وبقميص عثمان، فيه دمه، إلى معاوية في الشام، فكان ذلك مما حرَّض معاوية ومن معه، على الطلب بدم عثمان. وقيل إنه دخل عليه رومان بن سرحان؛ رجل أزرق قصير، عِداده من مراد وهو أصبحيٌّ معه خنجر، فاستقبله به، وقال: على أيِّ دين أنت يا نعثل؟ فقال عثمان: لستُ بنعثل، ولكني عثمان بن عفان، وأنا على ملَّة إبراهيم حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين. فقال: كذبت، وضربه على صدغه الأيسر فقتله. وأدخلته امرأته نائلة بينها وبين ثيابها وكانت امرأة جسيمة. ودخل رجل من أهل مصر. ومعه السيف مصلتا، فقال: والله لأقطعنَّ أنفه. فعالج المرأة وكشف عن ذراعيها، وقبضت على السيف فقطع إبهامها، فقالت لغلام لعثمان، يقال له رباح، ومعه سيف عثمان: أعنِّي على هذا وأخرجه عنِّي. فضربه الغلام بالسيف فقتله. وأقام عثمان يومه ذلك مطروحا إلى الليل. وقيل: أن محمد بن أبي بكر أخذ بلحيته فهزَّها وقال: ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن أبي سرح، وما أغنى عنك ابن عامر فقال له: يا ابن أخي أرسل لحيتي، فوالله إنَّك لتجبذ لحية كانت تعزُّ على أبيك، وما كان أبوك يرضى مجلسك هذا مني. فيقال: أنه حينئذ تركه وخرج عنه. ويقال: إنه حينئذ أشار إلى من معه فطعنه أحدهم وقتلوه، والله أعلم. وقال أسد بن موسى: حدثنا محمد بن طلحة: نا كنانة مولى صفية بنت حيي بن أخطب، قال: قال: شهدت مقتل عثمان فأُخرج من الدار أمامي أربعة من شباب قريش، مضرَّجين بالدم، محمولين، كانوا يدرؤون عن عثمان:

стр. 641

الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير ومحمد بن حاطب ومروان بن الحكم. قال محمد بن طلحة: فقلت له: فهل ندي محمد بن أبي بكر بشيء من دمه؟ فقال: معاذ الله. دخل عليه فقال له عثمان: يا ابن أخي لست بصاحبي، وكلَّمه بكلام فخرج ولم يندِ بشيء من دمه. قال: فقلت لكنانة: من قتله؟ قال: قتله رجل من أهل مصرة يقال له جبلة بن الأيهم، ثم طاف بالمدينة ثلاثا يقول: أنا قاتل نعثل. وحدَّث محمد بن حازم أبو معاوية الضرير عن سليمان بن مهران الأعمش عن ثابت بن عبيد عن أبي جعفر الأنصاريّ قال: دخلت مع المصريين على عثمان، فلما ضربوه خرجتُ أشتدُّ حتى ملأت فروجي عدوا، حتى دخلت المسجد، فإذا رجل في نحو عشرة، عليه عمامة سوداء فقال: ويحك ما وراءك؟ قلت: قد والله فرغ من الرجل. فقال: تبا لكم آخر الدهر فنظرت فإذا هو عليٌّ ﵀. وقال ابن عمر: أذنب عثمان ذنبا عظيما بأحد فعفا الله عنه، وأذنب فيكم ذنبا صغيرا فقتلتموه؟ وذكر أسد بن موسى قال: نا سلام بن مسكين قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: قال امرأة عثمان حين أطافوا به يريدون قتله: إن تقتلوه أو تتركوه فإنه كان يحيي الليلة بركعة كان يجمع فيها القرآن. وقال عليٌّ ﵁: من تبرَّأ من دين عثمان فقد تبرَّأ من الإيمان. والله ما أعنت على قتله، ولا أمرت ولا رضيت. وقالت عائشة: لقد قتلوا عثمان، وإنه لمن أوصلهم للرَّحم، وأتقاهم لربِّه، وسُئل ابن عمر عن علي وعثمان، فقال للسائل: قبَّحك الله، تسألني عن رجلين كلاهما خير مني، تريد أن أغضَّ من أحدهما وأرفع من الآخر؟ وقال معبد الخُزاعيٌّ: لقيت عليا بعد الجمل، فقلت له: إني سائلك عن مسألة كانت منك ومن عثمان، فإن نجوت اليوم نجوت غد إن شاء الله. قال: سل عمَّا بد لك، قال: أخبرني أيُّ منزلة وسعتك إذ قُتل عثمان ولم تنصره؟ قال: إنَّ عثمان كان إماما، وإنه نهى عن القتال، وقال: من سلَّ سيفه فليس مني. فلو قاتلنا دونه عصيناه. قلتُ: فأيُّ منزلة وسعت عثمان إذ استسلم حتى

стр. 642

قتل؟ قال: المنزلة التي وسعت ابن آدم إذ قال لأخيه:) لئن بسطتَ إليَّ يدكَ لتقتلَني ما أنا بباسطٍ إليك يدي لأقْتُلَك إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين (. قال: فهلاَّ وسعتك هذه المنزلة يوم الجمل؟ قال: إنا قاتَلْنا يوم الجمل من ظَلَمَنَا. وقال الله :) ولَمَنِ انتَصَرَ بعد ظلمِهِ فأولئك ما عليهم من سبيل إنَّما السبيلُ على الذين يظلمونَ الناسَ ويبغونَ في الأرضِ بغيرِ الحقِّ أولئكَ لهم عذابُ أليم ولَمَن صَبَرَ وغَفر إنَّ ذلك لَمِن عزْم الأمور (. فقاتلنا نحن من ظَلَمَنَا، وصبر عثمان. وذلك من عزم الأمور. وقال عليٌّ ﵁ لما رأى تثبُّط أهل العراق عن الجهاد وكثرة عصيانهم له: " إنَّما أكلتُ يوم أكل الثور الأبيض ". عنى بالثور الأبيض عثمان بن عفان لأنه كان شيخا كبيرا. والثور: السيد العظيم من الرجال. وقُتل ﵁ وهو ابن اثنين وثمانين سنة، قاله الواقديُّ، وقال: لا خلاف عندنا في ذلك، وقاله أيضا أبو اليقظان، وقال ابن إسحاق: قيل: وهو ابن ثمانين سنة. وقال غيره: قُتل وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقيل: ابن تسعين سنة. وقال قتادة: قُتل وهو ابن ست وثمانين سنة. وكان قتله يوم الجمعة لثمان ليال خلت من ذي الحجَّة سنة خمس وثلاثين، يوم التَّروية، قاله الواقديُّ. وقال: هذا ما لا خلاف فيه. وقيل: قُتل يوم الأضحى لقول حسان بن ثابت يرثيه: مَن سرَّهُ الموتُ صِرفاُ لا مِزاجَ له ... فليأتِ مأدُبةٌ في دارِ عثمانا ضحَّوا بأشمطَ عنوانُ السجودِ به ... يُقطِّعُ الليلَ تسبيحاً وقُرآنا وأكثر من رثاه من الشعراء يذككرون أنه قُتل يوم الأضحى. وقال أيمن بن خُزيم بن فاتك الأسديُّ:

стр. 643

ضحَوا بعثمانَ في الشهرِ الحرامِ ضحى ... فأيُّ ذِبح وَيلهُمْ ذَبحوا وأيُّ سُنَّةِ كفرٍ سنَّ أوّلهُم ... وبابَ شّرٍّ على سُلطانهمْ فَتَحوا؟ ماذا أرادوا أضلَّ اللهُ سَعيَهُمْ ... بسفكِ ذاكَ الدَّمِ الزاكي الذي سَفَحوا إنَّ الذين توّلوا قتلَهُ سَفَهاً ... لَقَوا أَثاماً وخُسراناً وما رَبحوا وقال القاسم بن أُمية بن أبي الصَّلت من أبيات: لعمري لبئس الذَّبحْ ضحَّيْتُمُ به ... وخنتُمْ رسولَ الله في قتلِ صاحبِهْ وقال حسان بن ثابت: إنْ تُمْسِ دارُ بني عفانَ مُوحشةً ... بابٌ صريعٌ وبابٌ مُحْرَقٌ خربُ فقد يصادفُ باغي الخيرِ حاجَتَهُ ... فيها، ويأوى إليها الجودُ والحسَبُ ولحسان أيضا: قَتلتُمْ وليَّ اللهِ في جَوفِ داره ... وجئتم بأمر جائر غير مُهتَدِ فلا ظَفِرتْ أيمانُ قومٍ تعاقدوا ... على قتل عثمان الرشيدِ المسدَّدِ وقال كعب بن مالك: يا لَلرِّجالِ لأمرٍ هاجَ لي حَزَناً ... لقد عَجبتُ لِمن يَبكى على الدَّمَنِ إني رأيتُ قتيلَ اللهِ مُضطهَداً ... عثمانُ يُهدى إلى الأجداثِ في كفنِ يا قَاتلَ اللهُ قوماً كان أمرُهُم ... قتلَ الإمام الزكيِّ الطيِّب الرُّدُنِ لم يقتلوهُ على ذنبٍ ألمَّ بهِ ... إلا الذي نطقوا زُوراً ولم يكنِ وقال حميد بن ثور الهلاليُّ: إن الخلافةَ لمَّا أظْعنتْ ظَعنتْ ... عن أهلِ يثربَ إذ غير الهُدى سلكوا

стр. 644

طارتْ إلى أهلها منهمْ وأوْرثَها ... لمَّا رأى اللهُ في عثمانَ ما انتهكوا وقالت زينب بنت العوَّام: وعطَّشْتُمُ عثمانَ في جوفِ دارهِ ... شربتُم كشربِ الهِيمِ شربَ حميمِ فكيفَ بنا أَمْ كيف بالنومِ بعدَما ... أصيبَ ابنُ أروَى وابنُ أمِّ حكيم؟ وقالت ليلى الأخْيليَّة: قُتل أبنُ عفانَ الإمامُ ... وضاع أمرُ المسلمينا وتشتَّتتْ سبُلُ الرشادِ ... لصادرينَ وواردينا فانهضْ معاويَ نهضةً ... تَشفي بها الداءَ الدَّفينا أنتَ الذي من بعدِهِ ... نَدعوا أميرَ المؤمنينا وقال ليلى أيضا: أبعدَ عثمانَ تَرجو الخير أمتُهُ ... وكان آمنَ من يمشي على ساقِ خليفةُ اللهِ أعطاهُمُ وخوَّلهمْ ... ما كانَ من ذَهبٍ حومٍ وأوراقِ فلا تُكذِّبْ بِوعدِ اللهِ وارضَ بِهِ ... ولا تُوكَّلْ على شيءٍ بإشفاقِ ولا تقولَنْ لشيءٍ: سوف أفعلُهُ ... قدْ قدَّر اللهُ ما كلُّ امرئٍ لاقِ وقال بعض بني نهشل أو لمجاشع: لَعَمْرُ أبيكَ فلا تكذبَنْ ... لقد ذهبَ الخيرُ إلا قليلا لقد فُتن الناسُ في دينهمْ ... وخلَّى ابنُ عفانَ شراً طويلا وقال الوليد بن عُقبة بن أبي مُعيط: ألا أنَّ خيرَ الناسِ بعد ثلاثةٍ ... قتيلُ التَّجيبي الذي جاءَ من مصرِ وماليَ لا أبكي وتبكي أقاربي ... وقَد حُجبتْ عنا فُضولُ أبي عَمرِ

стр. 645

وقال الراعي النُّميريُّ واسمه عبيد بن حُصين: قتلوا ابنَ عفانَ الخليفةَ مُحْرِماً ... ودَعا فلم أرَ مثلَهُ مَخذولا فتفرَّقتْ من بعدِ ذاكَ عصاهمُ ... شققاً وأصبَحَ سيفُهُمْ مَسلولاً وقال بعض الشعراء العثمانيين، وأحسَنَ ﵀: ألا قُل لقوم شاربي كأس عَلْقَمِ ... بقتلِ إمامٍ في المدينة مُحرِم قَتلتُمْ أمينَ اللهِ في غَيرِ رِدَّةٍ ... ولا حَدِّ إحصان ولا قَتلِ مسلمِ تَعالَوا ففاتونا فإن كانَ قتلُهُ ... لواحدة منها فحُلَّ لكمْ دمي وإلاَّ فأعظمْ بالذي قد أتيتُمْ ... ولم يأتِ ما لم يرضَهُ الله يَظلمُ وقال سعيد بن زيد: لو أنَّ أحدا انقضَّ لما فُعل بعثمان لكان حقيقا أن ينقضَّ. وقال ابن عباس: لو اجتمع الناس على قتل عثمان لَرُموا بالحجارة كما رمي قوم لوط. وقال عبد الله بن سلاَّم: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا ينغلق عنهم إلى قيام الساعة. ودُفن ﵁ بحشِّ كوكب، كذلك قيَّده أبو عُبيد عبد الله بن أبي المصعب عبد العزيز بن أبي زيد محمد بن أيوب بن عمرو بن أيوب البكريُّ في " معجم ما استعجم " والحشُّ: البستان. وجمعها الحِشَّان. بكسر الحاء. وكوكب: رجل من الأنصار. كان عثمان اشتراه وزاده في البقيع. وكان أوَّل من قُبر فيه. وقال مالك بن أنس: كان عثمان يمرُّ بحشِّ كوكب فيقول: إنه سيُدفن هاهنا رجل صالح. وحُمِل على لوح سرا. وقيل: حملوه على باب، وأن رأسه على الباب ليقول: طَقْ، حتى ساروا به إلى حشِّ كوكب. فاحتفروا له. وكانت عائشة بنت عثمان معها مصباح في حُقّ. فلما أخرجوه ليدفنوه صاحت، فقال لها ابن الزبير: والله لئن لم تسكتي لأضربنَّ الذي فيه عيناك. فسكتت فدُفِن. وصلى عليه عمرو بن عثمان ابنه. وقيل حكيم بن حزام وأبي جهم ابن حُذيفة ونياز بن مُكرم الأسلميُّ.

стр. 646

وذكر مالك بن أنس أن جدَّه مالك بن أبي عامر كان خامسهم. ونزل في قبره نياز وأبو جهم وجُبير. وكان حكيم وأمُّ البنين ونائلة زوجتاه يدلونه. فلما دفنوه غيَّبوا قبره، ﵁، ولا رضي عن قاتليه. قال ابن إسحاق: وكانت ولايته اثنتي عشرة سنة اثنتي عشرة ليلة. وكان عثمان ﵁ مُحبَّبا في قريش، يقول قائلهم: أحبَّ حبَّ قريش عثمان إذا دعا بالميزان. وكانت له هجرتان: هاجر إلى أرض الحبشة مع امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ فقال لهما رسول الله ﷺ : " إنهما أول من هاجر إلى الله بعد إبراهيم ولوط ". ثم هاجر إلى المدينة. وحدَّث حماد بن سلمة قال: نا عليُّ بن زيد بن جدعان قال: قال لي سعيد ابن المسيَّب: انظر إلى وجه هذا الرجل. فنظرت فإذا هو مُسودُّ الوجه. فقال سله عن أمره. فقلت: حسبي أنت حدَّثني. قال: إن هذا كان يسبُّ عليا وعثمان، فكنت أنهاه ولا ينتهي. فقلت: اللهمَّ إن هذا يسبُّ رجلين. وقد سبق لهما ما تعلم. اللهمَّ إن كان يسخطك ما يقول فيهما فأرني ... آية. قال: فاسودَّ وجهه كما ترى. وحدَّث المعتمر بن سليمان قال: سمعت حُميدا الطويل قال: قيل لأنس بن مالك: إنَّ حبَّ عليٍّ وعثمان لا يجتمعان في قلب أحد. فقال أنس: كذبوا. لقد اجتمع حبهما في قلوبنا. قاضي عثمان: زيد بن ثابت الأنصاريُّ. وقد كتب له. وقيل: إنه قضى في أيامه بالمدينة السائب بن زيد. وقيل: إنه كان على شرطته، والأول أثبت. كاتبه: ابن عمِّه مروان بن الحكم. حاجبه: حمران مولاه. حليته: قال الواقديُّ: كان عثمان رجلا ربعة، ليس بالقصير ولا بالطويل. حسن الوجه، رقيق البشرة، كبير اللحية، عظيمها، أسمر اللون، كثير شعر الرأس، وكان يشدُّ أسنانه بالذهب. وزاد غيره: كان أصلع أقنى، له جمَّة أسفل من أذنيه،

стр. 647

ولكثرة شعر رأسه ولحيته كان أعداءه يسمونه نعثلا. نقش خاتمه: " آمنت بالله مخلصا " وقيل " آمنت بالله العظيم "، وقيل: " لَنصبرنَّ أو لنندمنَّ ". وكان لعثمان ﵁ من الولد عشرة: عبد الله الأصغر من رقيَّة بنت رسول الله، وقد تقدَّم ذكره، وعبد الله الأكبر وأمه فاختة بنت غزوان. وعمرا. وأبانا. وخالدا. وعمر. وسعيدا. والوليد. والمغيرة. وعبد الملك. وأنبهُهُم ذكرا عمرو وأبان. فأما عمرو: فكان أسنَّ ولد عثمان وأشرفهم عقبا. وروي عنه الحديث. وهو شقيق أبان. وهلك بمنىً. ومن ولده: عبد الله الأكبر وخالد. فأما عبد الله الأكبر: فأمُّه حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب وكان من أجمل الناس، ولقبه المطرِّف لجماله، وفيه يقول مُدرك بن حصين: كأني إذا دخلتُ على ابن عَمروٍ ... حَخلتُ على مُخَبَّاةْ كعابِ وأما خالد: فولد سعيدا، ويكنى أبا عثمان. وحمل الحديث، وحُمل عنه. سمع عروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب، روى عنه الزهريُّ. ومن ولد عبد الله بن عمرو بن عثمان محمد الأصغر وعمرو. فأما محمد الأصغر: فأمه فاطمة بنت حسين بن عليٍّ بن أبي طالب. وكان من أجمل الناس. وكان يلقَّب بالدِّيباج لجماله. وقان له قَدْر ونُبْل. وكان يقال فيه: سمي النبي ومن ذريته، وزرع الخليفة المظلوم. وكان لمحمد هذا بند ولدها رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير. وكانت أمها خديجة بنت عثمان بن عروة بن الزبير. وأمُّ عروةأسماء بنت أبي بكر الصدِّيق. وأمُّ محمد فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب. وأم الحسين فاطمة بنت رسول الله ﷺ . وأمُّ فاطمة بنت الحسين أمُّ إسحاق بن طلحة بن عبيد الله. وأمُّ عبيد الله والد محمد الأصغر زينب بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄. وكان كثير التزويج، كثير الطلاق. فقالت امرأة من نسائه: إنما مَثَلُهُ مثلُ الدنيا

стр. 648

لا يدوم نعيمها ولا تؤمن فجائعها. وأخذه أبو جعفر من الفاطميين وأمر به فضربت عنقه صبرا. وبعث برأسه إلى الهند، وظهر أنه رأس محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين. وأما عمرو بن عبد الله أخو محمد الملقب بالديباج، فهو والد العرجيُّ الشاعر واسمه العرجيِّ عبد الله بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. كذا نسبه ابن قتيبة في " المعارف ". وقال أبو الفرج الأصفهاني وأبو عليٍّ القاليّ: هو عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. وقيل له العرجيُّ لأنه كان ينزل " العَرْجَ " وهو موضع قبل الطائف. وكان يهجو إبراهيم بن هشام المخزوميّ خال هشام بن عبد الملك. فأخذه فحبسه فهلك في السجن. وهو قائل " وهو محبوس ": كأني لم أكنْ فيهمْ وسيطا ... ولم تكُ نِسبتي في آل عمرِو أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ... ليوِ كريهةٍ وسِداد ثَغْرِ ومن موالي عمرو بن عثمان داود بن الحصين: روي عن عكرمة مولى ابن عباس وغيره من التابعين. وروى عنه مالك ومحمد بن إسحاق وغيرهم. وأما أبان بن عثمان فهو من فقهاء التابعين وأفاضلهم. وروى عن أبيه عثمان وغيره من الصحابة. وحضر الجمل مع عائشة، وكان الثاني من المنهزمين وكانت أُمُّه وأمُّ عمرو أخيه أمُّ جنيدب بنت عمرو بن خممة الدَّوسيُّ. وكانت حمقاء تجعل الخنفساء في فمها، وتقول: حاجيتك ما في فمي. وكان أبان أبرص وأحول. يلقَّب نفيعا. وأصابه الفالج، وكانت عنده أمُّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر. وخلف عليها بعد الحجاج. وكان له عقب كثير منهم: عبد الرحمن بن أبان: كان عابدا مجتهدا. روي عنه الحديث. موالي عثمان حمران وكيسان وذكوان. فأما حمران فكان يكنى أبا يزيد. وهو حمران بن أبان بن عبد عمرو من سبي عين التَّمر، سباه المسيَّب بن نَجَبَة الفزاريُّ زمن أبي بكر وأمير الجيش خالد بن الوليد، فوجده مختونا، وكان يهوديا اسمه طُوَيد. فأشتُريَ لعثمان ثم أعتقه،

стр. 649

وصار يكتب بين يديه، وروى عن عثمان، عن النبي ﷺ : " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنَّة ". ثم غضب عليه عثمان فأخرجه إلى البصرة، فكان عين له بها. ولما قُتل مصعب وثب حمران فأخذ البصرة، ولم يزل كذلك حتى قَدِمَ من عبد الملك من عزله. ولما قَدِم الحجاج البصرة آذاه، وأخذ منه مئة ألف درهم. فكتب إلى عبد الملك يشكوه. فكتب عبد الملك أن حمران أخو من مضى وعمُّ من بقي، فاحسن مجاورته ورُد عليه ماله. وأما كيسان: فهو أبو فروة وابنه عبد الله بن أبي فروة. كان صاحب أمر مصعب بن الزبير. فلما قُتل مصعب حمل ما كان معه من المال عشرة آلاف درهم، فذهب به إلى المدينة. وعدد ولده بالمدينة كثير، وقدرُهُم عظيم. وأما ذكوان: فهو أبو أبي الزناد المحدِّث ويقال: ذكوان أخو أبي لؤلؤة لعنه الله قاتل عمر ﵁، وكان مولى بنت شيبة بن ربيعة بنت عمِّ هند بنت عتبة بن ربيعة أمِّ معاوية. وكانت رملة تحت عثمان بن عفان، وهاجرت معه. وفي ذلك تقول له هند بنت عتبة: لحى الرحمنُ صابئة بوجٍّ ... بمكة عند أطرافِ الحَجُونِ تَدينُ لمعشرٍ قَتلوا أباها ... أقَتْلُ أبيكِ جاءكِ باليقينِ ومن بنات عثمان عائشة وأمُّ أبان فأمَّا عائشة فحضرت دفن عثمان ومعها مصباح في حُقٍّ ليلا. وقد تقدَّم ذكر ذلك. وأما أمُّ أبان: فقد وقع ذكرها في حديث كتاب الجنائز من صحيح مسلم عن عبد الله بن أبي مُليكة ... قال: كنت جالسا إلى جنب عبد الله بن عمر، ونحن ننتظر جنازة أمّ أبان ابنة عثمان، وعنده عمرو بن عثمان. فجاء ابن عباس يقوده قائد مارّا. فأخبره بمكان ابن عمر، فجاء حتى جلس إلى جنبي، فكنت بينهما، فإذا صوت من الدار. فقال ابن عمر، كأنه يعرض على عمرو أن يقوم: فبينما هم

стр. 650

سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنَّ الميِّت ليُعذَّب ببكاء أهله ". واسم أبي الزناد عبد الله، ويكنى أبا عبد الرحمن. وغلب عليه أبو الزناد، وكان يجد من الدعاء به، وكان من الثُقات الحفَّاظ. وهو من أشياخ مالك، وله عنه في الموطأ من حديث رسول الله ﷺ أربعة وخمسون حديثا مسندة كلُّها. وروى الأصمعيُّ عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد أنه قال: أصلنا من همدان. وقال أشعب بن أمِّ حُميدة الطامع: ونشأت أنا وأبو الزناد في حجر عائشة بنت عثمان بن عفان. فما زال يعلو وأسفل حتى بلغنا الغاية. وقيل أن أبا الزناد وفد على هشام بن عبد الملك بحساب ديوان المدينة. فسأل هشام ابن شهاب: أيّ شهر كان يخرج العطاء لأهل المدينة؟ فقال: لا أدري. قال أبو الزناد: فسألني هشام فقلت: المحرَّم. فقال هشام لابن شهاب: يا أبا بكر، هذا علم أخذته اليوم. فقال ابن شهاب: مجلس أمير المؤمنين أهلٌ أن يُفاد منه العلم. ومات أبو الزناد فجاءة في مغتسله في شهر رمضان سنة ثلاثين ومئة. وابنه عبد الرحمن بن أبي الزناد: يُكنى أبا محمد، وولي خراج المدينة. وقدم بغداد، ومات بها سنة أربع وسبعين ومئة، وهو ابن أربع وسبعين سنة، وروي عنه الحديث. وأخوه أبو القاسم بن أبي الزناد: قد روي عنه. وابنه محمد بن عبد الرحمن: كان بينه وبين أخيه في السنِّ سبع عشرة سنة، وفي الوفاة إحدى وعشرون سنة. وكان لقي رجال أبيه، ولم يُحدِّث عنهم حتى مات أبوه ودُفن هو وأبوه ببغداد في مقابر باب التِّبن. وقال يحيى بن معين: عبد الرحمن بن أبي الزِّناد ضعيف في الحديث، وابنه محمد كذلك. وابن معين إمام هذا الشأن.

стр. 651

أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب

стр. 652

أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ القريب القرابة. وهو أول من آمن بالنبيِّ ﵇ من الصِّبيان. قيل إنه أسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة، روى ذلك نافع عن ابن عمر. وقيل إنه أسلم وهو ابن عشر سنين، قال ابن إسحاق. وذكر أبو زيد عمر بن شبه قال: نا سُريج بن النعمان قال: نا الفرات بن السائب عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر قال: أسلم عليُّ بن أبي طالب وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين، وهذا أصحُّ ما قيل في ذلك. وقد روي عن ابن عمر من وجهين جيِّدين. وروى شُعبة عن سلمة بن كُهيل عن حبَّة العرنيُّ قال: سمعت عليا يقول: أنا أول من صلى مع رسول الله ﷺ . وقال زيد بن أرقم: أول من آمن بالله بعد رسول الله ﷺ عليُّ بن أبي طالب. وعن أنس بن مالك قال: استُنبئ النبيُّ ﵇ يوم الاثنين، وصلَّى عليٌّ يوم الثلاثاء. وروى سفيان الثوريُّ عن سلمة بن كُهَيل، عن أبي صادق، عن حَنَش المُعتمِر، عن عُليم الكندي، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول

стр. 653

الله ﷺ : " أوَّلكم ورودا عليَّ الحوض أولكم إسلاما عليُّ بن أبي طالب ". وحدَّث عبد العزيز بن محمد الدَّراورديُّ قال: حدثني عمر مولى عُفرة قال: سُئل محمد بن كعب القُرظيُّ عن أول من أسلم عليٌّ أو أبو بكر. قال: سبحان الله عليٌّ أولهما إسلاما. وعن معاذة بنت عبد الله العدويَّة قالت: سمعت عليَّ بن أبي طالب على منبر البصرة وهو يقول: " أنا الصدِّيق الأكبر، آمنتُ قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمتُ قبل أن يُسلم ". وروى إبراهيم بن سعد الزُّهريُّ عن ابن إسحاق قال: حدثني يحيى بن أبي الأشعث، عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكنديِّ، عن أبيه، عن جده قال: كنتُ امرأ تاجرا. فقدمت الحجَّ، فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة، وكان امرأ تاجرا. فوالله إني لعنده إذ خرج رجل من خِباء في بيت، فنظر إلى الشمس. فلما رآها قد مالت قام يصلِّي. قال: ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل، فقامت خلفه تصلي. ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء، فقام معه يصلي. فقلت للعباس: من هذا يا عباس؟ قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي. قلت: من هذه المرأة؟ قال: هذه امرأته خديجة بنت خويلد. قلت: من هذا الفتى؟ قال: عليٌّ بن أبي طالب ابن عمه. قلت: ما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلي. وهو يزعم أنه نبيٌّ، ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الغلام وهو يزعم أنه ستفتح عليه كنوز كسرى وقيصر. فكان عفيف يقول، وقد أسلم بعد ذلك، وقد حسُن إسلامه: لو كان الله رزقني الإسلام يومئذ فأكون ثانيا مع علي. وقال مجاهد بن جبر أبو الحجاج: كان من نعمة الله تعالى على عليٍّ بن

стр. 654

أبي طالب، وممَّا صنع الله تعالى له، وأراد به من الخير أن قريشا قد أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله ﷺ للعباس عمِّه، وكان من أيسر بني هاشم: " يا عباس إنَّ أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة. فانطلق بنا إليه، فلنخفِّف من عياله، آخذ من بنيه رجلا، وتأخذ أنت رجلا، فنكفيهما عنه ". قال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنا نريد أن نخفِّف عنك من عيالك، حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه. فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما. فأخذ رسول الله ﷺ عليا فضمَّه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمَّه إليه. فلم يزل عليٌّ مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبيا، فاتَّبعه علي، وآمن به وصدَّقه. ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه. وذُكر أن رسول الله ﷺ في أول الإسلام كان إذا حضرته الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من عمه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصلِّيان الصلوات فيها. فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله تعالى أن يمكثا. ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما، وهما يصلِّيان. فقال رسول الله ﷺ : يا ابن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: " أي عمِّ، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم ". أو كما قال ﷺ : " بعثني الله به رسولا إلى العباد. وأنت أي عمِّ أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه، وأعانني عليه "، أو كما قال. فقال أبو طالب: أي ابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت. وقال لعلي بن أبي طالب: أي بنيَّ، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال: يا أبت، آمنت برسول الله ﷺ ، وصدَّقته بما جاء به، وصليت معه لله تعالى،

стр. 655

واتَّبعته. فزعموا أنه قال له: أمَّا إنه لم يدعك إلا إلى خير فألزمه. وروى سلمة بن كُهيل عن حَبَّة بن جُوين قال: سمعت عليا ﵁ يقول: " لقد عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة خمس سنين ". ولمّا دبَّرت قريش في دار النَّدوة في رسول الله ﷺ قبل الهجرة بيسير ما دبَّرت، وأرادوا المكر به، ومعهم إبليس في صورة شيخ نجديٍّ، أتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. قال: فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ناموا، فيثبون عليه. فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: " نم على فراشي، وتسجَّ بردي هذا الحضرميَّ الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيْ تكرهه منهم ". قال محمدُ بن كعب القرظيُّ: اجتمعوا له وفيهم أبو جهل بن هشام فقال، وهم على بابه: إن محمد يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بُعثتم من بعد موتكم، فجُعلت لكم جنان كجنان الأُردنِّ، وإن لم تفعلوا كان لكم فيه ذبح، ثم بُعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم نار تُحرقون فيها. قال: وخرج عليهم رسول الله ﷺ ، فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: " نعم، أنا أقول ذلك، أنت أحدهم ". وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه، فلا يرونه. فجعل ينثو ذلك التراب على رؤوسهم، وهو يتلو هؤلاء الآيات من يس:) يس والقرآن الحكيم إنَّك لَمِنَ المُرسلين (إلى قوله تعالى:) وجَعانا من بين أيديهمْ سداً ومن خلفهم سَدَاً فأغْشيناهم فهم لا يُبصرون (حتى فرغ رسول الله ﷺ من هؤلاء الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا. ثم انصرف إلى حيث أراد. فأتاهم آت ممَّن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمد. قال: خيَّبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منهم رجلا إلا وقد وضع

стр. 656

على رأسه تُرابا، وانطلق لحاجته. أفما ترون ما بكم؟ قال: فوضع كلُّ رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب. ثم جعلوا يطَّلعون فيرون عليا على الفراش متسحِّيا ببرد رسول الله ﷺ . فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما، عليه بردُه. قال: فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا. فقام علي عن الفراش. فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي كان حدَّثنا. وكان ممَّا أنزل الله تعالى من القرآن في ذلك اليوم، ما كانوا أجمعوا له من المكر بالنبي ﵇:) وإذ يمكرُ بك الذينَ كفروا لِيُثْبِتوكَ أو يُخرِجوكَ ويَمكُرون ويمكرُ اللهُ واللهُ خيرُ الماكرين (. ولما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أقام علي بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدَّى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس أمره بذلك ﷺ ، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله ﷺ ، فنزل معه على كُلثوم بن هدم الأوسي. وأجمع رواة الآثار على أن عليا صلَّى القبلتين، وهاجر، وشهد بدرا والحديبية وسائر المشاهد، وأنه أبلى ببدر وبأُحد والخندق وخيبر بلاء عظيما، وأنه أغنى في تلك المشاهد، وقام فيها المقام الكريم، وكان لواء رسول الله ﷺ بيده في مواطن كثيرة. وكان يوم بدر بيده على اختلاف في ذلك. لما قتل مصعب بن عمير يوم أحد وكان اللواء بيده دفعه رسول الله صلى

стр. 657

الله عليه وسلم إلى علي. وشهد بدرا وهو ابن خمس وعشرين سنة، قاله ابن إسحاق. وذكر ابن السرَّاج في تاريخه عن مِقْسَم، عن ابن عباس قال: دفع رسول الله ﷺ الراية يوم بدر إلى علي، وهو ابن عشرين سنة. ولم يتخلف عن مشهد شهده رسول الله ﷺ مُذ قَدِم المدينة إلا في غزوة تبوك، خلَّفه رسول الله ﷺ على عياله، وقال له: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبيَّ بعدي ". وروى قوله ﵇ لعليٍّ: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " جماعة من الصحابة، وهو من أثبت الآثار وأصحها. رواه عن النبي ﷺ : سعد بن أبي وقاص، وطرق حديث سعد فيه كثيرة جدا، وقد ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره. ورواه جابر بن عبد الله، وأسماء بنت عميس، وابن عباس، وأبو سعيد الخدريُّ، وأمُّ سلمة. الترمذيُّ: حدثنا القاسم بن دينار الكوفيُّ: نا أبو نُعيم، عن عبد السلام بن حرب، عن يحيى بن سعيد بن المسيَّب، عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى ". قال هذا حديث حسن صحيح. الترمذيُّ: حدثنا محمود بن غَيلان: نا أحمد الزبيريُّ: نا شريك عن عبد الله ابن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله أن النبيَّ ﷺ قال لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيَّ بعدي ". وحدَّث يحيى بن معين قال: نا مروان بن معاوية الفزاري، عن موسى

стр. 658

الجُهَنيِّ، عن فاطمة بنت علي قالت: سمعت أسماء بنت عميس تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبيٌّ ". زواجه من فاطمة وتزوج عليُّ فاطمة بنت رسول الله ﷺ في صفر في العام الثابي من الهجرة، وابتنى بها في ذي الحجة من آخر العام. ورُيَ أنه مَهَرها دِرعَه، إذ لم يكن له في ذلك الوقت صفراء ولا بيضاء. وقيل أن عليا ﵀، تزوج فاطمة على أربع مءة درهما. فأمره النبي ﵇ أن يجعل ثلثها في الطِّيب، وقيل إن عليا قدَّم الدِّرع من أجل الخول بأمر رسول الله ﷺ إياه بذلك. وكان سنُّها يوم تزوجها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصفا. وكانت سنُّ علي، ﵀، يومئذ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر. وقالت عائشة، ﵂: ما رأيت أحدا كان أشيه برسول الله ﷺ كلاما وحديثا من فاطمة ابنته. وكان يحبها حبا شديدا. وكانت إذا دخلت عليه قام إليها، وقبَّل بين عينيها ورحَّب بها وأجلسها في مجلسه. كما كانت تصنع هي به ﷺ . وقال ابن السرَّاج محمد بن إسحاق بن إبراهيم أبو العباس: حدثنا محمد بن حُميد: نا سَلمة عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عائشة قالت: ما رأيت أحدا أصدق لهجة من فاطمة، إلا أن يكون الذي ولدها ﷺ . وذكر ابن السراج أيضا: نا محمد بن عبد الأعلى قال: نا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية وامرأة فرعون ". وروى عبد الرحمن بن أبي نُعيم عن أبي سعيد الخدريِّ

стр. 659

قال: قال النبي ﵇: " فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما كان من مريم بنت عمران ". وذكر ابن السرَّاج قال: نا محمد بن الصباح قال: نا علي بن هاشم عن كثير النَّواء عن عِمران بن حُصين أن النبيَّ ﷺ عاد فاطمة، وهي مريضة، فقال لها: " كيف تجدينك يا بُنية؟ " قالت: إني وجعة، وإنه ليزيدني أني مالي طعام آكله فقال: " يا بُنية، أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين؟ " فقالت: يا أبت، فأين مريم بنت عمران؟ قال: " تلك سيدة نساء عالمِها، وأنت سيدة نساء عالمك. أما والله، لقد زوَّجتك سيِّدا في الدنيا والآخرة ". ابن السراج بسنده عن جُميح بن عُمير قال: دخلت على عائشة فسُئلتْ أيُّ الناس كان أحبَّ إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: فاطمة. قلتُ: فمن الرجال؟ قالت: زوجُها، إن كان ما علمتُهُ صوَّاما قوَّاما. مسلم: حدَّثني زُهير بن حرب قال: نا يعقوب بن إبراهيم قال: نا أبي عن أبيه أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة، رضوان الله عليها، حدثته أن رسول الله ﷺ دعا فاطمة ابنته، ﵂، فسارَّها، فبكت. ثم سارَّها، فضحكت. فقالت عائشة: فقلت لفاطمة: ما هذا؟ الذي سارَّك به رسول الله ﷺ فبكيت، ثم سارَّك به فضحكت؟ قالت: سارَّني فأخبرني بموته فبكيت. ثم سارَّني فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله فضحكت. وتُوفيت فاطمة بعد موت رسول الله ﷺ بسبعين ليلة. قاله ابن بُريدة عن أبيه. وقال عمرو بن دينار تُوفيت فاطمة بعد رسول الله ﷺ بثمانية أشهر. وقيل: توفيت بعده بستة أشهر، وهو قول أكثر أصحاب التواريخ والآثار، وقال مسلم في الصحيح، وقال ذلك محمد بن علي أبو جعفر الباقر وابن هشام. وقال محمد بن عمر الواقديُّ: حدَّثنا مَعْمر عن الزُّهري، عن عروة، عن

стр. 660

عائشة قال: وأخبرنا ابن جُريج عن الزهري، عن عائشة أن فاطمة تُوفيت بعد النبي ﵇ بستة أشهر. قال محمد بن عمرو: هو الثَّبت عندنا. وقال المدائنيُّ: ماتت فاطمة ليلة الثلاثاء لثلاثون خلون من شهر رمضان، سنة إحدى عشرة، وهي ابنة تسع وعشرين سنة. وُلدت قبل النبوة بخمس سنين، وصلى عليها العباس. وقال عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: بلغت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ثلاثين سنة.، قيل صلَّى عليها علي، وهو الذي غسلها مع أسماء بنت عميس، ودُفنت ليلا. ودخل قبرها العباس وعليٌّ والفضل، وهي أول مَن غُطِّي نعشها من النساء في الإسلام. إذ حكت لها أسماء بنت عميس ما يُصنع للمرأة إذا ماتت بأرض الحبشة، فأمرتها أن تصنع ذلك لها. وكذلك صُنع بعدها بزينب بنت جحش زوج النبيِّ ﵇. ولم يخلَّف رسول الله ﷺ من بنيه غيرها. ويُروى أن عليَّ بن أبي طالب، ﵁، لما رأى فاطمة، ﵂، مُسجَّاة بثوبها بكى حتى رُثي له. ثم قال: لكلِّ اجتماعٍ من خليلينِ فُرقةٌ ... وإنَّ الذي دونَ المماتِ قليلُ وإنَّ افتقادي واحداً بعد واحدٍ ... دليلً على أن لا يدومَ خليلُ ووَلدتْ فاطمة لعلي ﵄: الحسن، والحسين، ومحسِّناً درج صغيرا، وأمَّ كلثوم الكبرى أمَّ زيد بن عمر بن الخطاب، وقد تقدَّم ذكرها،

стр. 661

وزينب الكبرى وكانت عند عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فولدت له جعفراً الأكبر، وعلياً، وعوناً الأكبر، وعباساً، وأمِّ كلثوم. الحسن بن علي " ﵄ " ولدت فاطمة الحسن للنصِّف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة قبل وقعة أحد بشهر، هذا أصحُّ ما قيل في ذلك إن شاء الله. وعقَّ عنه رسول الله ﷺ يوم سابعه بكبش، وحلق رأسه، وأمر أن يتصدَّق بزنته فضة. مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه قال: وزنت فاطمة بنت رسول الله ﷺ شعر حسن وحسين وزينب وأمِّ كلثوم فتصدَّقت بزنة ذلك فضة. وقال ابن الجارود: حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق الصاغانيُّ قال: نا محمد ابن عمر القصبانيُّ قال: نا عبد الوارث عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبيَّ ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين كبشا كبشا؛ عن الحسن كبشا وعن الحسين كبشا. محمد بن إسحاق أبو بكر الصاغانيُّ شيخ ابن الجارود خرَّج عنه مسلم. قال ابن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي وهو ثبت صدوق. وكان الحسن من المشبَّهين برسول الله ﷺ ، وكذلك قُثَم بن العباس وجعفر بن أبي طالب.

стр. 662

الترمذي: بسنده عن عليّ قال: الحسن أشبه رسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه النبيّ ﷺ ما كان أسفل من ذلك. الترمذيُّ: نا محمد بن يحيى، نا عبد الرزاق عن مَعمر عن الزُّهريَّ، عن أنس ابن مالك قال: لم يكن منهم أحد أشبه برسول الله ﷺ من الحسن بن علي. قال: هذا حديث حسن صحيح. وقال: نا محمد بن بشار، نا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي جُحيفة قال: رأيت رسولا الله ﷺ ، وكان الحسن بن علي يُشبهه. هذا حديث حسن صحيح. قال النَّبيُّ ﷺ : " حسن مني وحسين من علي ". وقال ﵇: " الحسن والحسين سيَّدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما ". وقال ﷺ في الحسن: " إنَّ ابني هذا سيِّد. وسيُصلح الله على يديه بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". وفي حديث آخر إن ابني هذا سيِّد، وعسى الله أن يُبقيَهُ حتى يُصلح بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". رواه جماعة من الصحابة. وفي حديث أبي بَكرة في ذلك " وإنه ريحانتي من الدنيا ". ولا أسْودَ ممَّن سماه رسول الله ﷺ سيدا. وتصارع الحسن والحسين يوما بين يدي النبيِّ ﷺ ، فجعل ﵇ يقول: " إيه يا حسن، إيه يا حسن ". فقالت له فاطمة: يا رسول الله، أتحرِّض الكبير على الصغير؟ فقال: " يا فاطمة، هذا جبريل يقول إيه يا حسين، إيه يا حسين ". وكان معاوية وهو خليفة، إذا دخل عليه الحسن يعظِّمه ويُجلُّه ويُجلسه معه على سريره، ويقول له: يا أبا محمد، كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ إذا رأيتك لشبهك به. وحُقَّ لمعاوية أن يصنع به هذا الصنع الجميل، وما أعزُّ منه وأكرم، ففعل رسول الله ﷺ به أكبر وأعظم.

стр. 663

رُوي أن رسول الله ﷺ سجد في صلاة من الصلوات، فركب الحسن على ظهره، فأطال السجود. قال بعض الصحابة: رفعت رأسي من السجود، لأنظر ما شأن رسول الله. فرأيت الحسن على ظهره، فرجعت إلى السجود. فلما قضى ﷺ الصلاة قيل: يا رسول الله، إنك سجدت سجدة في هذه الصلاة فأطلتها. فقال: " إن ابني استرحلني فكرهت أن أعجله ". وحدَّث أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النَّسائيُّ في مُصنَّفه قال: نا محمد بن عبد العزيز بن غزوان، وهو ابن أبي رزمة، قال: نا الفضل بن موسى عن حسين ابن واقد عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يخطب فجاء الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يعثران فيهما. فنزل النبي ﷺ فقطع كلامه، فحملهما ثم عاد إلى لمنبر ثم قال: " صدق الله:) أموالكم وأولادكم فتنة (رأيت هذين يعثران في قميصهما، فلم أصبر حتى قطعت كلامي فحملتهما ". وخرَّج هذا الحديث الترمذيُّ عن الحسن بن حُريث عن عليَّ بن حسين بن واقد، عن أبيه، وخرَّجه أيضا الحافظ أبو نعيم الأصبهانيُّ في كتاب " رياضة المتعلِّمين ". فقال: حدثنا محمد بن أحمد بن حمدان: نا الحسن بن سفيان: نا أبو بكر بن أبي شيبة: نا زيد بن حُباب عن حسين بن واقد. ومدار هذا الحديث عن حسين بن واقد، عن عبد الله بن بُريدة. مُسلم: عن أبي هريرة أن الأقرع بن حابس أبصر النبي ﷺ يُقبِّل الحسن بن علي ﵄ فقال: إنَّ لي عشرة من الولد، ما قَبَّلت واحدا منهم!. فقال رسول الله ﷺ : " إنه من لا يَرحم لا يُرحم ". مسلم: حدثنا ابن أبي عمر قال: نا سُفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جُبير بن مُطْعِم، عن أبي هريرة قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في طائفة من النهار لا يُكلِّمني ولا أُكلمه حتى جاء سوق بني

стр. 664

قَيْنُقاع، ثم انصرف حتى أتى خِباء فاطمة: فقال: " أثَمَّ لُكَعُ، أثمَّ لكعُ؟ " يعني حسناً. فظننَّا أنه إنما تحبسه أُمُّه لأن تَغسله وتُلبسه سِخابا. فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كلُّ واحد منهما صاحبه. فقال رسول الله ﷺ : " اللهمَّ إني أحبُّه فأحِبَّه، وأحبب من يحبُّه ". وخرَّج الحديث البخاريُّ. مسلم: حدثني عبد الله بن الروميِّ وعباس بن عبد العظيم العَنبريُّ قالا: نا النَّضر بن محمد قال: نا عِكرمة، وهو ابن عمار قال: نا إياس عن أبيه قال: لقد قُدْتُ بنبيِّ الله ﷺ والحسن والحسين على بغلته الشهباء؛ حتى إذا أدخلتهم حجرة النبي ﷺ هذا قُدامَه، وهذا خلفَه. إياس الذي روى عنه عكرمة بن عمار هذا الحديث هو إياس بن سَلمة ابن الأكوع الأسلميُّ، وأبوه سلمة من كبار الصحابة. شهد بيعة الرضوان، وظهر منه في غزوة ذي قَرَد الفعل الكريم والغَناء العظيم. وقد ذكرتهما قبل في " أسلم " من خُزاعة. الترمذيُّ: حدثنا محمد بن بشار: نا أبو عامر العَقَديُّ: نا زمعة بن صالح عن سَلمة بن وَهْرام، عن عِكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ حامل الحسن بن علي على عاتقه. فقال رجل: نعم المركب ركبت يا غُلام. فقال النبيُّ ﷺ : " ونعم الراكب هو ". وقال: حدَّثنا محمد بن بشار: نا محمد بن جعفر: نا شُعبة بن عديِّ بن ثابت قال: سمعت البراء بن عازب يقول: رأيت النبيَّ ﷺ واضعا الحسن بن علي على عاتقه، وهو يقول: " اللهمَّ إني أُحبُّه فأحِبَّه ". وخرَّج مسلم الحديث بسنده ونصَّه. الترمذيُّ: عن أسامة بن زيد قال: طَرقت النبيَّ ﷺ ذات ليلة في بعض الحاجة. فخرج النبيُّ ﷺ ، وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو. فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فكشفه، فإذا حسن وحسين ﵉ على وركيه. فقال: " هذان ابناي وابنا ابنتي إني أُحبُّهما فأَحبَّهما ".

стр. 665

وحفظ الحسن عن النبيِّ ﷺ أحاديث، ورواها عنه. منها حديث الدُعاء في القُنوت. ومنها: " إنا آل محمد لا تحلُّ لنا الصدقة ". وكان الحسن ﵁ مُحبا في النساء، كثير النِّكاح، كثير الطلاق. وكان علي يستحيي من أصهار الحسن، فخطب الناس وقال: إن الحسن مَطلاق فلا تُنكِحوه. فقام إليه رجل من همدان، فقال: يا أمير المؤمنين: والله لنُنكحنَّه فيُمسك من شاء ويطلِّق من شاء. فقال علي، وقد سُرَّ بقول الهمدانيِّ: لِهمْدانَ أخلاقٌ ودينٌ يَزِينُهم ... وبأسٌ إذا لاقَوْا وحسنُ كلامِ فلو كنتُ بواباً على باب جنَّةٍ ... لقلتُ لهمْدانَ: ادخُلوا بسلامِ وكان عليٌّ ﵁، مُحَبا في هَمدان. وقال يوم الجمل في بطن منهم، وهم بنو ربيعة بن مالك بن معاوية بن صعب بن دومان بن بَكيل بن جُشَم بن خَيْوان بن نَوف بن هَمْدان: " لو تمَّت عِدَّتُهم ألفا لَعُبد الله حقَّ عبادته ". وكان إذا رآهم تمثَّل بقول الشاعر: ناديتُ هَمْدانَ والأبوابُ مغلقةٌ ... ومثلُ هَمْدانَ سَنَّى فتحةَ البابِ كالهنْدُوانيَّ لم تُفْلَلْ مَضاربُهُ ... وجهٌ جميلٌ وقلبٌ غيرُ وجَّابِ خلافته وولِيَ الحسن بعد موت عليٍّ ﵉ لسبع بقين من شهر رمضان سنة أربعين، وصالح معاوية في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين. وقد قيل: في جُمادى الأولى من هذه السنة، ويُسمّى عام صلحه مع معاوية " عام الجماعة ". فكانت خلافته ستة أشهر، تمَّت بها ثلاثون سنة للخلافة.

стр. 666

رَوى " سفينة " مولى رسول الله ﷺ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثُم تَعود مُلكاً ". ولما بويع الحسن سار إلى معاوية بجنود العراق، وسار إليه معاوية بأهل الشام، فالتقوا بموضع يقال له " مَسْكِن " بأرض الكوفة، فاصطلحوا. وسلَّم الحسن إليه الخلافة. واشترط عليه شروطا، منها أن يذهب ما بين أهل العراق وبين أهل الشام من الذُّحول والضغائن، وأن يكون له الأمرُ من بعده. فرضي معاوية كلَّ ما اشترط عليه الحسن، وكاد يطير فرحا. البخاريُّ: نا عبد الله بن محمد. نا سفيان عن أبي موسى قال: سمعت الحسن يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان بكتائب أمثال الجبال. فقال عمرو بن العاصي: إني لأرى كتائب لا توليَّ حتى تقتل أقرانها فقال معاوية: وكان والله خير الرجلين. أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء مَن لي بأمور الناس؟ مَن لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سَمُرة وعبد الله بن عامر. فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فأعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه، فأتياه، فدخلا عليه، فتكلما. وقالا له، وطلبا إليه. فقال لهم الحسن بن علي: " إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإنَّ هذه الأمة قد عاثت في دمائها ". قالا له: فإنه يعرض عليك كذا كذا، ويطلب إليك ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به. فصالحه. فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على

стр. 667

المنبر والحسن ابن علي إلى جنبه وهو يُقبل على الناس مرّة وعليه أخرى، ويقول: " إن ابني هذا سيِّد، ولعل الله يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". قال البخاريُّ: قال لي عليُّ بن عبد الله: إنما ثبت عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث. وحدَّث أحمد بن زهير، وهو أبو بكر بن أبي خَيثَمة قال: نا هارون بن معروف: نا ضمرة عن ابن شَوْذَب قال: لمَّا قُتل عليٌّ سار الحسن فيمن معه من أهل الحجاز والعراق. وسار معاوية في أهل الشام قال: فالتقوا. فكَرِهَ الحسن القتال، وبايع معاوية على أن يجعل العهد للحسن من بعده. قال: فكان أصحاب الحسن يقولون له: يا عار المؤمنين فيقول: العار خير من النار. ودخل على الحسن بعض شيعة أبيه الناصحين له فقال: السلام عليك يا مُذِلَّ المؤمنين بايعت معاوية ومعك أربعون ألف سيف من أهل العراق. قال: اجلس يا بن فلان، لا تقل كذلك. إنَّ أبي عهد إليَّ إنه لا بُدَّ لمعاوية أن يليَ هذا الأمر. فلو قاتلناه بالشجر والحصى والجندل لم ينفعنا ذلك. وقد سبق القضاء والقدر بولايته. ولما خرج ذلك الرجل من عند الحسن دخل على الحسين فقال: أمدُد يدك نُبايعك. فقال له الحسين أما مادام أبو محمد حيا فلا. وكان الحسن يُكنى أبا محمد، والحسين يُكنى أبا عبد الله. وذكر أبو عميرة بن عبد البرّ في كتاب " الصحابة " فقال: نا خلف بن قاسم قال: نا عبد الله بن عمر بن إسحاق بن مَعمر قال: نا أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدِين قال: حدثني عمرو بن خالد مرارا قال: حدثني زهير بن معاوية الجَعْفيُّ قال: حدثني أبو رَوْق الهَمْدانيُّ أن أبا الغريف حدَّثهم قال: كنا في مقَّدمة الحسن ابن علي اثني عشر ألفا بمسْكِن مُستميتين، تقطُر أسيلفنا من الجدَّ والحرص على قتال أهل الشام، وعلينا أبو العَمَرُّطة. فلما جاءنا صُلح الحسن ابن علي كأنما كُسرت ظهورنا من الغيظ والحزن. فلما جاء الحسن الكوفة جاءه شيخ يُكنى أبا عامر شفيق بن ليلى فقال: السلام عليك يا مُذِلِّ المؤمنين فقال: لا تقل يا أبا عامر، فإني لم أُذِلَّ المؤمنين ولكنِّي كرهت أن أقتلهم في طلب المُلك.

стр. 668

وحدَّث ابن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: لما دخل معاوية الكوفة حين سلَّم إليه الأمر الحسن بن علي كلَّم عمرو بن العاصي معاوية أن يأمر الحسن بن علي فيخطب الناس، فكره ذلك معاوية وقال: لا حاجة بنا إلى ذلك. قال عمرو: ولكني أُريد ذلك ليبدو عِيُّه، فإنه لا يدري هذه الأمور ما هي. ولم يزل بمعاوية حتى أمر الحسن يخطب. وقال له: قُم يا حسن، فكلِّم الناس فيما جرى بيننا. فقام الحسن، فتشهَّد وحمد الله وأثنى عليه وقال في بديهته: " أما بعدُ أيها الناس، فإن الله هداكم بأوَّلنا، وحقن دماءكم بآخرنا. وإنَّ لهذا الأمر مُدَّة، والدنيا دُول. وإن الله يقول:) وإن أدري أقريبٌ أم بعيدٌ ما تُوعَدونَ إنه يعلم الجهرَ من القول ويعلمُ ما تكتمُون وإن أدري لعله فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين (. فلما قالها قال له معاوية: إجلس فجلس. ثم قام معاوية فخطب الناس. ثم قال لعمرو: هذا من رأيك. وروى مُجالد بن سعيد عن الشعبي قال: لما جرى الصُّلح بين الحسن بن علي وبين معاوية. قال له معاوية: قُم فاخطب الناس وأذكر ما كنت فيه. فقام الحسن، فخطب. فقال: " الحمد لله الذي هدى بنا أوَّلكم، وحقن بنا دماء آخركم. ألا أنَّ أكيس الكيس التُّقى، وأعجز العجز الفُجور. وإنَّ هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية. إما أن يكون كان أحقَّ به مني، وأما أن يكون حقي، فتركته لله ولصلاح أمة محمد ﷺ وحقن دمائهم. قال: ثم التفت إلى معاوية فقال:) وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (. ثم نزل فقال عمرو لمعاوية: ما أردت إلا هذا. ومات الحسن، ﵁، مسموما يُقال إن امرأته " جَعْدة " بنت الأشعث بن قيس سمَّته. دَسَّ إليها معاوية أن تسمَّه. فإذا مات أعطاها أربعين

стр. 669

ألفا، وزوَّجها من يزيد فلما مات الحسن وفَّى لها بالمال وقال لها: ... حاجة هذا ما صنعت بابن فاطمة، فكيف تصنع بابن معاوية؟ فخسرت وما ربحت. وهذا أمر لا يعلمه إلا الله، ويُحاشى معاوية منه، وقيل: إن يزيد دسَّ إلى جعدة بذلك. وقد ذكر الخبرين أصحاب التواريخ. وحدَّث قاسم بن أصبغ البيَّانيُّ قال: نا عبد الله بن رَوْح، نا عثمان بن عمر بن فارس قال: نا ابن عون، عن عُمير بن إسحاق قال: كنا عند الحسن ابن علي فدخل المَخْرَجَ ثم خرج فقال: سُقيت السمَّ مرارا وما سُقيت مثل هذه المرة. ولقد لفظتُ طائفة من كبدي، فرأيتني أُقلِّبها بعود معي. فقال الحسين: أي أخي من سقاك! فقال: وما تريد إليه؟ أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: لئن كان الذي أظنُّ فالله أشدُّ نقمة. ولئن كان غيره فما أريد أن يُقتل بي بريء. ولما ورد البريد بموته على معاوية أتى ابن عباس معاوية فقال له: يابن عباس، احتسب الحسن، ولا يُحْزِنك الله ولا يسوؤك. فقال: أما ما أبقاك الله لي يا أمير المؤمنين فلا يُحزِنُني الله ولا يَسُوؤني. فأعطاه على كلمته ألف ألف وعوضا وأشياء. وقال له: خُذها واقسمها على أهلك. وذُكر أنه لما بلغ معاوية موت الحسن كبَّر، وكبَّر من كان في مجلسه معه. وسمعت فاختة بنت قَرظَة زوجُه التكبير. فلما دخل عليها قالت له: يا أمير المؤمنين؛ إني سمعت تكبيرا عاليا في مجلسك، فما الخبر؟ فقال لها: مات الحسن. فبكت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، سيِّد المسلمين وابن رسول الله تُكبِّر على موته؟ فقال لها معاوية: إنه والله كما قُلتِ فأقلِّي لومي ويحك. ودخل عليه أبن عباس عشية يوم هذه القصة فقال: يا بن عباس أسمعت بموت الحسن؟ فبكى ابن عباس وقال: قد سمعت به، وبلغني يا معاوية إنك كبَّرتَ على موته، أما والله ما زاد موته في عمرك، وقد وافاه أجله، وقد زكا قوله وعمله، وصار إلى ما أعد الله له من الكرامة في دار المقامة مع جدَّه الرسول وأمَّه البتول وأبيه النفاع في الله الضَّرار، وعمه ذي الجناحين الطيار. ولئن رزئنا بفقدِ مَن هو خير منه؛ محمد ﷺ .

стр. 670

وكانت وفاة الحسن بالمدينة في شهر ربيع الأول سنةَ تسع وأربعين، وهو يومئذ ابن سبع وأربعين سنة، ودفن بالبقيع إلى جنب أمه فاطمة ﵂ وعن بنيها أجمعين. وصلى عليه سعيد بن العاصي والد عمرو الأشدق، وكان يومئذ أميرا على المدينة. قدَّمه الحسين للصلاة عليه، وقال: هي السَّنة، ولولا أنها سنة ما قدَّمتك. وكان أوصى أن يُدفن مع رسول الله ﷺ ، إلا أن تكون فتنة تُثير قتالا، فإن كانت فادفنوني بالبقيع. فلما جيء بسريره إلى المسجد منعهم مروان من الدخول وقال: والله لا، يُدفن أمير المؤمنين عثمان في البقيع وتدفنون الحسن مع رسول الله. وتنازعوا حتى دخلت بنو هاشم مع الحسين في السلاح وبنو أمية مع مروان كذلك فأصلح الناس، وأبو هريرة، بينهم. وقال أبو هريرة والله إن هذا لظلم، يُمنع الحسن أن يُدفن مع جدِّه. ثم ناشد الله الحسين وقال: يا أبا عبد الله أليس قد قال الحسن: ادفنوني بالبقيع إن كانت فتنة تثير قتالا؟ ولم يزل به حتى سكن غضبه ورضي، ودَفن الحسن بالبقيع، ﵄. ولما توفي الحسن ﵇ أدخله قبره الحسين ومحمد ابن الحنفيَّة وعبيد الله ابن عباس. ثم وقف على قبره وقد اغرورقت عيناه فقال: " رحمة الله عليك أبا محمد. فلئن عزَّتْ حياتك لقد هدَّت وفاتك، ولنعم الروح روح تضمَّنه بدنك، ولنعم الجسد جسد تَضمَّنه كفنك، ولنعم الكفن كفن تضمَّنه لحدك. وكيف لا تكون كذلك وأنت حلف التُقى وجدُّك النبي المصطفى وأبوك عليِّ المُرْتضَى، وأمك فاطمة الزَّهراء، وعمُّك جعفر الطيار في جنة المأوى؟ غَذتْك أكفُّ الحقِّ، ورُبيت في حجْر الإسلام ورَضِعتَ ثدي الإيمان. فطِبتَ حياً وميتا. فلئن كانت الأنفُس غير طيِّبةٍ بفِراقك فإنها غير شاكةٍ أنه قد خير لك، وإنك وأخاك سيِّدا شباب أهل الجنة. فعليك السلام منا ". وكان الحسن والحسين ﵄ من أجواد الإسلام، ولهما ولعبد الله جعفر ولعبيد الله بن عباس ولسعيد بن العاصي أخبار مأثورة عزيزة الوجود في المبِّرزينَ في الجود.
следующие страницы →